كتاب الدعاوى والبينات
وفيه خمسة أركان:
الركن الأول: في الدعوى
قوله: وحيث جوزنا لصاحب الدين أن يأخذ من مال المديون المنكر أو المماطل، نظر: إن كان المأخوذ من جنس حقه فله تملكه.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على التعبير بأنه له التملك ومقتضاه أنه لا يملكه بمجرد الأخذ وكلامه في أول المسألة الثالثة من هذه المسائل يدل عليه أيضًا تقليدًا في التعبير لصاحب "البحر"، وليس كذلك.
ووجهه: أن هذا الفعل إنما يجوز لمن يقصد أخذ حقه بلا شك؛ ولهذا قال صاحب "البحر" وغيره: لو أخذه ليكون رهنًا عنده بحقه لم يجز وكان ضامنًا بلا خلاف، وإذا وجد القصد مقارنًا للأخذ كفى ولا حاجة إلى اشتراطه بعد ذلك؛ ولهذا عبر الإمام بقوله: فإن قصد أخذه عن حقه ملكه.
وعبر في "التهذيب" بقوله: فإذا أخذ جنس حقه تملكه.
نعم هل يشترط التلفظ أم لا؟ يحتمل تخريجه على الملتقط إذا عرف ومضى الحول، واختار التملك، والصحيح فيه: عدم الاشتراط.
قوله: وإن أخذ من غير جنس حقه فوجهان:
أحدهما: أنه يرفع الأمر إلى القاضي ليبيعه.
وأصحهما عند العراقيين والروياني والعبادي: أنه يستقل ببيعه، ثم قال ما نصه: وبه أجاب صاحب "التهذيب"، ولكن فيما إذا كان القاضي جاهلًا بالحال ولا بينة للآخذ، فإن كان عالمًا: فظاهر المذهب أنه لا يبيعه إلا بإذنه.
انتهى كلامه.
الجزء: 9 - الصفحة: 386
فيه أمور:
أحدها: أن تعبيره في آخره بقوله فظاهر المذهب كذا وكذا هو من تتمة كلام البغوي، كذا رأيته في "التهذيب" بهذه العبارة بعينها.
وإذا علمت ذلك فيحتمل أن تكون مقالة البغوي استدراكًا لما تقدم، وأن يكون إطلاق من أطلق محمولًا، ويحتمل أن تكون حكاية لمقالة مرجوحة والأول باق على عمومه كما هو الغالب في استعمالهم، والأول هو المراد على ما أفاده كلام الرافعي في "المحرر" و"الشرح الصغير"، فإنه لم يثبت فيهما هذه المقالة بالكلية، وحذفها وحذف الوجوه المرجوحة، وقد حمل في "الروضة" ذلك على الاحتمال الأول حملًا بلا دليل، فإنه لم يحك وجهًا بل جزم به، ويدفعه ما تقدم، ثم إنه عبر عن قول البغوي وظاهر المذهب بقوله والمذهب ذهولًا عن اصطلاحه في التعبير به عن الطريقين وهو غريب.
الأمر الثاني: أن قول الرافعي: ولا بينة له، لم يتكلم هو ولا النووي على مفهوم هذا القيد، وهكذا وقع في "التهذيب" أيضًا، وكان حق التقسيم أن يقول: فإن كان عالمًا أو له بينة.
لكن قد ذكر الرافعي أن المنكر إذا كانت عليه بينة يجوز الأخذ من ماله بلا مرافعة إلى الحاكم على الصحيح لما في المرافعة من المشقة والمؤنة وتضييع الزمان، وهذا المعنى قد يوجد في البيع أيضًا.
الأمر الثالث: أن إطلاق القول بجواز الأخذ من غير الجنس محله إذا لم يجد أحد النقدين، فإن وجده تعين ولم يعدل إلى غيره، كذا نقله في "المطلب" عن المتولي وارتضاه ولم ينقل غيره وهو واضح.
الأمر الرابع: كما يجوز للظافر أن يبيع بنفسه، يجوز له أن يوكل فيه، كذا أطلقه النووي من "زوائده" في آخر تعليق الطلاق.
الجزء: 9 - الصفحة: 387
قوله: وبنى الشيخ أبو محمد الخلاف على الخلاف في أن ملتقط اللقيط هل يستقل بالإنفاق على اللقيط من ماله أم يرفع الأمر إلى القاضي؟ ويحكى مثل هذه عن القفال، لكن المذكور في باب اللقيط، أنه لا يستقل بالإنفاق من غير تعرض لخلاف، وإنما الخلاف في أنه هل يستقل بالحفظ؟ . انتهى كلامه.
وما ادعاه من نفي الخلاف في باب اللقيط عن استقلال الملتقط بالإنفاق غريب، فقد ذكر الرافعي هناك وجهًا موافقًا لكلام الشيخ أبي محمد والقفال هنا، فإنه حكى وجهًا: أنه إن فعله فلا ضمان عليه كما سبق ذكري له في موضعه، وهذه العبارة مرادفة لجواز الإنفاق ولهذا عبر هنا بقوله:
وإنما الخلاف في أنه هل يستقل بالحفظ؟ ولو استحضر ذلك الخلاف وكان مغايرًا للجواز لكان ذكره أقرب، ولكان يرد عليه أيضًا في دعواه حصر الخلاف في الحفظ.
قوله: ثم إذا باع، فإن كان الحق من جنس نقد البلد بيع المأخوذ به، وإن لم يكن بأن ظفر بثوب والدين حنطة بيع الثوب بنقد البلد ثم يشتري به حنطة، وحكى الإمام عن محققي الأصحاب: أنه لا يجب هذا التوسط، بل يجوز أن يشتري الحنطة بالثوب.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن إطلاقه النقل عن المحققين تبعه عليه في "الروضة" أيضًا وليس بصحيح، بل عبر الإمام بقوله: وقد ذهبت طائفة من محققينا إلى الجواز وهذا متجه حسن هذه عبارته.
والطائفة قيل: أقلها واحد، وقيل: اثنان، وقيل: ثلاثة.
الأمر الثاني: أن ما رجحه هاهنا من امتناع البيع بغير نقد البلد قد سبق في الفلس ما يوافقه، فقال: يجب على القاضي أن يبيع مال المفلس بنقد
الجزء: 9 - الصفحة: 388
البلد حالًا، ثم إن كانت الديون من غير جنس ذلك النقد ولم يرض المستحقون إلا بجنس حقهم فيحصل به ذلك الجنس، فإن رضوا صرفه إليهم إلا أن يكون سلمًا.
إذا علمت ذلك فقد خالف في كتاب الرهن في الكلام على بيع العدل، فقال: ولو رأى الحاكم أن يبيعه بجنس حق المرتهن جاز، وذكر مثله في أول الباب الثاني من أبواب الوكالة.
قوله: وهل يكون المأخوذ مضمونًا على الآخذ حتى إذا تلف قبل البيع أو التملك يتلف من ضمانه أم لا؟ فيه وجهان: أقواهما: نعم، وهو الذي أورده الصيدلاني والإمام.
انتهى.
ومحل الخلاف إذا تلف قبل التمكن من البيع، فإن تمكن منه فلم يفعل كان ضامنًا بلا خلاف.
كذا ذكره الماوردي في "الحاوي" والروياني في "البحر".
قوله: وإن لم يظفر إلا بمتاع قيمته على قدر حقه، فإن قلنا: لو كان المأخوذ قدر حقه لا يكون مضمونًا عليه فكذلك الزيادة، وإن قلنا: يكون مضمونًا عليه، ففي الزيادة وجهان:
أرجحهما على ما يقتضيه نظم الكتاب: المنع.
انتهى.
والراجح: هو عدم الضمان، فقد قال الرافعي في "الشرح الصغير": إنه أرجح الوجهين، والنووي في "الروضة": إنه الأصح، ولم ينبه على أنه من "زوائده" بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.
قوله: وإن استحق المكسر وظفر بالصحاح حكى الإمام فيه طريقين.
أحدهما: جواز الأخذ لاتحاد الجنس.
الثاني: أنه على الخلاف المذكور في ما إذا ظفر بغير الجنس، لأن اختلاف العرض باختلاف الصفات كاختلافه باختلاف الأجزاء.
انتهى.
الجزء: 9 - الصفحة: 389
لم يرجح شيئًا في "الشرح الصغير" أيضًا.
وفيه أمران:
أحدهما: أن الصحيح: هو الطريقة الثانية، كذا صححها الإمام وعبر بالأصح، والعجب من حذف الرافعي لهذه الزيادة من كلام الإمام.
الثاني: أن النووي قد صحح في "الروضة": الطريقة الأولى ولم ينبه على أنه من "زوائده" بل أدخله في كلام الرافعي فقال: المذهب جواز الأخذ لاتحاد الجنس، وقيل: فيه الخلاف في اختلاف الجنس هذا لفظه فتفطن له.
قوله: فرع: كما يجوز الأخذ من مال الغريم الجاحد أو المماطل يجوز الأخذ من مال غريمه، بأن يكون لزيد على عمرو دين ولعمرو على بكر مثله: يجوز لزيد أن يأخذ من مال بكر ماله على عمرو، ولا يمنع من ذلك رد عمرو وإقرار بكر له ولا جحود بكر استحقاق زيد على عمرو.
انتهى.
واعلم أن الأخذ وإن كان جائزًا لكن الدعوى به لا تسمع كما ذكره الرافعي في كتاب الفلس، ونقله أيضًا هنا عن تصحيح القاضي الحسين.
ذكر ذلك في الكلام على تعارض البينتين في المدرك الثالث من مدارك الترجيح فقال: فرع: المشتري من المشتري إذا استحق المال في يده وانتزع منه ولم يظفر ببائعه هل له أن يطالب الأول بالثمن؟ في فتاوى "القاضي الحسين": الأصح: أنه لا مطالبة.
قوله: فرع: آخر جحد دينه وله عليه دين بصك آخر قد قبضه وشهود الصك لا يعلمون القبض، قال القاضي أبو سعد: يدعي ذلك ويقيم البينة ويقتضيه بدينه الآخر، وفي فتاوى القفال: أنه ليس له إقامة أولئك الشهود، لأنهم لو شهدوا فاستحلفه على بقائه لم يكن له أن يحلف، وذلك يدل على أن ما يشهدون به غير ما يدعيه.
انتهى.
الجزء: 9 - الصفحة: 390
والصحيح قول أبي سعد كذا قاله في "الروضة" من "زوائده".
قوله: وفي حد المدعي قولان: أحدهما: أن المدعي من المتخاصمين هو الذي إن سكت خلي ولم يطالب بشيء، والمدعي عليه من يوافق قوله الظاهر، فإن ادعى زيد دينًا في ذمة عمرو أو عينًا في يده وأنكر فزيد هو الذي لو سكت ترك وهو الذي يذكر خلاف الظاهر، لأن الظاهر براءة ذمة عمرو وفراغ يده عن حق الغير، وعمرو هو الذي لا يترك وسكوته يوافق قوله الظاهر فزيد مدع بموجب العبارتين وعمرو مدعى عليه، ولا يختلف موجبهما في الأغلب، وقد يختلف كما إذا أسلم الزوجان قبل المسيس واختلفا فقال الزوج: أسلمنا معًا فالنكاح باق بيننا، وقالت المرأة: بل على التعاقب ولا نكاح بيننا، فإن قلنا: المدعى من لو سكت لترك فالمرأة المدعية والزوج مدعى عليه، لأنه لا يترك لو سكت، فإنها تزعم انفساخ النكاح فتحلف ويحكم باستمرار النكاح إذا حلف، وإذا قلنا: المدعى من يخالف قوله الظاهر والزوج هو المدعي؛ لأن التساوي الذي يزعمه خلاف الظاهر والمرأة مدعى عليها لموافقتها الظاهر فتحلف وإذا حلفت حكم بارتفاع النكاح.
انتهى.
وما ذكره في آخر كلامه من فائدة الخلاف فيه نظر، فإنه إذا ادعى عليها استحقاق دوام التمكين بحكم دعواه، فإنها لا تخلى وسكوتها، وكأن الكلام مفروض في ما إذا ادعت عليه رفع يده عنها بحكم التعاقب في الإسلام ويتعين ذلك ليكون في كل جانب أحد المعنيين، وإلا فلو كان الزوج مدعيًا لكان يجتمع في حقه الوصفان كونه مدعيا أمرًا خفيًا ويخلى وسكوته، وهذا كما إذا ادعى زيد دينًا على عمرو فقد اجتمع فيه الأمران كونه يخلى وسكوته، وكون دعواه تخالف الظاهر، وعمرو هو الذي لا يترك لو سكت ويوافق قوله الظاهر، لكن مجيء القولين ممكن في الطرفين بمعارضة الأصل والظاهر كيف ما فرض سواء ابتدأ الزوج أم لا، وحينئذ لا
الجزء: 9 - الصفحة: 391
دلالة في ذكر القولين على الاستنباط المذكور، لأن مأخذ الخلاف حاصل في الطرفين، بل ظاهر كلامهم: أن التصوير في ما إذا ابتدأ الزوج بالدعوى، فكان ينبغي أن لا يجيء خلاف والحالة هذه لوجود المعنيين فيه.
قوله في المسألة: ولو قال الزوج: أسلمت قبلي ولا نكاح ولا مهر، وقالت: بل أسلمنا معًا وهما بحالهما.
فقوله في الفراق لم يلزمه، وأما في المهر فالقول قول الزوج، إن قلنا: المدعي عليه [من يوافق قوله الظاهر لأن التعاقب الذي مدعيه هو الظاهر، وقول المرأة إن قلنا: المدعى عليه] 1 من يترك لو سكت، لأنها لا تترك بالسكوت، إذ الزوج يزعم سقوط المهر فإذا سكتت ولا بينة جعلت ناكلة وحلف الزوج ويحكم بالسقوط.
انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره الرافعي -رحمه الله- مشكل، لأنها إن لم تكن قبضت المهر: فهي مدعية على كلا القولين، وإن كانت قد قبضته: فالزوج مدعي به وهو يخلي وسكوته وهي مدعية، إن قلنا: المدعي من يدعي خلاف الظاهر.
قوله: وإذا ادعى ولم تقل للقاضي: مره بالخروج عن حقي أو سله جواب دعواي، فهل يطالبه القاضي؟
فيه وجهان: أظهرهما عند ابن الصباغ: نعم، للعلم بأنه الغرض من الحضور، وأصحهما عند القاضي أبو سعد: لا.
انتهى كلامه.
وهذه المسألة قد اختلف فيها كلام الرافعي، وقد تقدم ذلك مبسوطًا في الباب الثاني من أبواب القضاء في أوائل الفصل الثالث المعقود للتسوية فراجعه.
قوله: وإذا قامت البينة على المدعى عليه فادعى إبراء أو أداء في الدين أو
الجزء: 9 - الصفحة: 392
بيعًا أو هبة أو إقباضًا في العين، وأسنده إلى ما قبل الشهادة، فإن لم يحكم القاضي حلف المدعي على نفيه، وإن حكم فوجهان، ذكر في "التهذيب" أن الأصح: عدم التحليف.
انتهى.
والصحيح: ما صححه البغوي فقد صححه الرافعي في "الشرح الصغير" والنووي في "أصل الروضة".
قوله: ولو قال: إن الشهود فسقة والمدعي يعلم ذلك فهل له تحليفه أنه لا يعلم؟ وجهان طردوهما في كل صورة ادعى فيها ما لو أقرّ به الخصم لنفعه بأن قال للمدعي عليه: إنك قد أقررت لي بكذا، أو قال وقد توجهت عليه الدعوى: إن المدعي حلفني مرة، وأراد تحليفه، ويشبه أن يكون الأصح: أن له التحليف، لكن ذكر البغوي: أن الأصح: عدم التحليف إذا ادعى فسق الشهود أو كذبهم.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذه المسألة قد تعارض فيها بحث الرافعي مع تصحيح البغوي ولم يطلع الرافعي على تصحيح صريح إلا للبغوي مع أنها قد نص عليها الشافعي في "البويطى"، فقال: وإن أراد المشهود عليه أن أحلفه أنها في ملكه أحلفته، ولا يحلفه على أن المشهود شهدوا الحق، ثم قال عقبه من غير فاصل: وكلما ادعى عليه سوى هذا أحلفته له مثل أن يقول: غصبنيه أو باعنيه، أو قد علم أن الشهود شهدوا بغير الحق أحلفته على علمه في الشهود أنهم لم يشهدوا بباطل وعلى البت في ما سوى ذلك هذا لفظه بحروفه، ومن "البويطي" نقله، وحينئذ تعين أن يكون الجواز في باقي الأمثلة كذلك.
الأمر الثاني: أنه قد أطلق محل الخلاف في التحليف، ومحله إذا ادعى التحليف عند قاض آخر فإن قال للقاضي: إن حلفني عندك مرة، فكلام
الجزء: 9 - الصفحة: 393
الرافعي بعد هذا قبيل الكلام على النكول بقليل مشعر بأنه لا يحلفه.
قوله: ولو قال المدعي عليه بعد قيام البينة: إنه قد أبرأني عن هذه الدعوى، فهل يسمع لدعواه ليحلف المدعي؟ فيه وجهان: المذهب منهما على ما ادعاه الروياني: أنه يجاب لأنه لو أقر أنه لا دعوى عليه برئ.
واختيار القفال: أنه لا يحلف وهو الذي أورده صاحب "الكتاب" لأن الإبراء عن نفس الدعوى لا معنى له إلا بتصوير وصلح على الإنكار وإنه باطل.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" أيضًا، والصحيح: الثاني فقد قال الرافعي في "الشرح الصغير": إنه أظهر الوجهين.
قوله: وإن شرطنا التفصيل في دعوى النكاح والشهادة به وهو الصحيح ففي الإقرار وجهان في "الوسيط": أظهرهما: الاكتفاء بالإطلاق.
والفرق: أن المقر لا يقر إلا عن تحقيق وتثبيت.
انتهى كلامه.
وهذا الذي صححه هنا قد ذكر ما يخالفه في كتاب النكاح في الركن الرابع، ووقع هذا الاختلاف في "الروضة" أيضًا على وجه أشد مما وقع في الرافعي، وقد تقدم إيضاحه في النكاح فراجعه.
قوله: ولو ادعت أنها زوجته فأنكر فليس لها أن تنكح غيره، إذا لم نجعل الإنكار طلاقًا إلى أن يطلقها أو يموت.
قال في "التهذيب": أو ينسخ بإعساره أو لامتناعه إذا جعلنا الامتناع مع القدرة ممكنًا من الفسخ وليكن هذا مبنيًا على أن للمرأة أن تنفسخ بنفسها، أما إذا أحوجناها إلى القاضي فما لم يظهر له النكاح كيف يفسخ أو يأذن في الفسخ؟ انتهى كلامه.
والمتجه ما أطلقه البغوي وتكون الضرورة مجوزة لاستقلالها بالفسخ كما
الجزء: 9 - الصفحة: 394
يستقل من ظفر بغير جنس حقه بالبيع والاعتياض لأجل ذلك.
قوله: ولو قامت بينة أحدهما على النكاح وبينة الآخر على إقرارها بالنكاح فبينة النكاح أولى كما لو شهدت بينة واحد بأنه غصب منه كذا، وبينة الآخر بأنه أقر به.
انتهى.
واعلم أن الرافعي قد ذكر بعد هذا قبل الباب المعقود لدعوى النسب وإلحاق القائف بنحو ورقة عن البغوي ما يقيد هذا الإطلاق فقال: وفي "فتاوى الشيخ الحسين الفراء": أنه إذا ادعى رجل نكاح امرأة فأقرت بأنها زوجته منذ سنة، ثم جاء آخر وأقام بينة أنها زوجته ونكحها منذ شهر، يحكم للمقر له لأنه قد ثبت بإقرارها أن النكاح للأول فما لم يثبت الطلاق لا حكم لنكاح الثاني.
قوله: وفي سماع الدعوى بالدين المؤجل ثلاثة أوجه: أصحها عند الهروي: لا تسمع.
وثالثها: إن كانت له بينة فتسمع دعواه لتسجل فيأمن غيبتها وموتها، وإلا فلا.
انتهى ملخصًا.
والراجح: عدم السماع، كذا صححه النووي في "المنهاج" وفي "أصل الروضة" فقال: إنه الأصح.
وكلام الرافعي يُشعر به أيضًا فإنه قال: فيه وجهان: رجح منهما: المنع، وكذلك في "الشرح الصغير".
قوله: وفي دعوى الجارية الاستيلاد، ودعوى الرقيق التدبير وتعليق العتق بصفة طريقان: أحدهما: أنها تسمع، لأنها حقوق ناجزة.
والثاني: أنها على الخلاف في دعوى الدين المؤجل والاستيلاد
الجزء: 9 - الصفحة: 395
[أولاها] 2 بالسماع لفائدة امتناع البيع والرهن وغيرهما.
انتهى.
لم يصحح شيئًا في "الشرح الصغير"، والصحيح: سماع الدعوى في الكل كذا صححه في "الروضة" هنا وفي باب التدبير فقال في الموضعين: إنه المذهب، لكنه هنا من "زوائده"، وهناك من الأصل، ومقتضى كلام الرافعي هناك ترجيحه أيضًا.
قوله: وهذا المذكور في التدبير هو إذا لم نجوز الرجوع فيه باللفظ، فإن جوزناه فإنكار السيد رجوع يبطل مقصود الدعوى، وقال الإمام: لا يبعد أن تسمع الدعوى وإن جعلنا إنكاره جميعًا لأن المدعى عليه قد يقر وقد يسكت انتهى.
وقد اشتمل كلامه على مسألتين:
إحداهما: أنَّا إذا جوزنا الرجوع عن التدبير كان إنكاره رجوعًا ولم يحك فيه خلافًا.
والثانية: أنا إذا قلنا: يكون رجوعًا لا تسمع الدعوى على الصحيح.
فأما الأول: فقد صحح خلافه في باب التدبير في أثناء الكلام على الرجوع فقال: أظهر الوجهين، وهو المنصوص للشافعي: أنه لا يكون رجوعًا، ووقع الموضعان كذلك في "الروضة" أيضًا.
وأما الثاني: فقد نقله في التدبير عن الإمام كما نقله عنه هاهنا ولم ينقل خلافه ولم يضعفه فأشعر ذلك باختياره له.
الجزء: 9 - الصفحة: 396
قال -رحمه الله-:
الركن الثاني: جواب المدعى عليه
قوله: جواب [المدعي] عليه إقرار وإنكار.
. . . إلى آخره.
اعلم أن حاصل كلامه في هذا الموضع وفي غيره أيضًا أن المدعى عليه يجوز له أن يحلف وأن يرد وكذلك المدعي بعد الرد عليه يسوغ له أن يحلف وأن لا يحلف، وبه صرح الإمام [في "النهاية" فقال: لا يجب اليمين قط، ونقله عنه الرافعي] 3، وقد استدرك عليه الشيخ عز الدين في "القواعد الكبرى" استدراكًا صحيحًا، فقال: وهذا ليس على إطلاقه بل يتعين الحلف حيث يؤدي تركه إلى تعاطي ما لا يباح بالإباحة كالدماء والقروح والضرب في الحدود والتعازير ونحوها بخلاف الأموال والمنافع.
قوله: الثالثة: إذا ادعى عليه عينًا فقال: ليس هو لي، أو أضافه إلى مجهول، فلا ينزع المال من يده ولا تنصرف الخصومة عنه على الأصح، فعلى هذا إن أقر به لمعين، قيل: وهل يمكن من أن يعود فيدعيه لنفسه؟ فيه وجهان.
انتهى.
لم يصحح شيئًا في "الروضة" أيضًا، وصحح الشيخ أبو إسحاق في "التنبيه": أنه لا تقبل دعواه لنفسه، وأقره النووي فلم يستدركه في التصحيح.
قوله: ولو قال المدعى عليه: هو وقف على الفقراء أو على مسجد كذا أو على ابني الطفل أو هو ملك له، فالجواب في "الكتاب": أن الخصومة تنصرف عنه، وكذلك ذكره الشيخ أبو الفرج، وقال في "التهذيب":
الجزء: 9 - الصفحة: 397
لا تسقط الدعوى بهذا.
انتهى ملخصًا.
لم يصحح شيئًا في "الشرح" أيضًا، والراجح: هو قول البغوي كذا أجاب به الرافعي في "المحرر" فاعلمه فإن كلامه هنا ربما يؤخذ منه رجحان مقابله وذكر في "المنهاج" كما في "المحرر".
قوله: الرابعة: اشترى ثوبًا أو عبدًا من رجل فادعاه آخر، نظر: إن ساعده المشتري وأقر له بما ادعاه لم يكن له أن يرجع بالثمن على تابعه، فإن استحلف فنكل فحلف المدعي وأخذ المال، قال الشيخ أبو علي: ليس له الرجوع بالثمن أيضًا بلا خلاف لتقصيره بالنكول وحلف المدعي بعد نكوله كإقراره، ويجوز أن يفرض في هذا خلاف بناء على أنه كالبينة.
انتهى كلامه.
اعترض عليه في "الروضة" فقال: هذا ضعيف أو باطل، لأن المذهب: أنه إنما يكون كالبينة في حق المتنازعين دون غيرهما، والله أعلم.
وهذا الاعتراض الذي ذكره النووي -رحمه الله- عجيب فإن مراد الرافعي إثبات خلاف في المسألة، فإن لنا خلافًا في التعدية إلى ثالث بناء على أنها كالبينة قد صرح به النووي في أثناء اعتراضه حيث عبر بالمذهب فلزم من ذلك أن ذكره هذه الزيادة مصححة لكلام الرافعي لا مضعفة ولا مبطلة على خلاف ما شرع فيه.
قوله: فرع من كلام القاضي أبي سعد الهروي: أقر المشتري للمدعي بالملك ثم أراد إقامة البينة على أنه للمدعي ليرجع بالثمن على البائع لم يمكن لأنه يثبت المال لغيره بلا وكالة ولا نيابة.
انتهى.
وما قاله القاضي أبو سعد قد جزم به أيضًا العبادي في "زيادات الزيادات".
نعم ذكر البغوي في "فتاويه" عكس ذلك، فقال: يجوز له إقامة البينة عليه.
الجزء: 9 - الصفحة: 398
قال -رحمه الله-:
الركن الثالث: في اليمين
قوله: والتغليظ بالمكان مستحب وفي قول واجب، ثم قال: وفي التغليظ بالزمان طريقان، منهم من جعله على القولين، ومنهم من قطع فيه بالاستحباب.
انتهى كلامه.
لم يصحح شيئًا من الطريقين في "الشرح الصغير" أيضًا، وصحح النووي في "الروضة" طريقة القطع بالاستحباب ولم ينبه على أن ذلك من "زوائده" بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.
قوله: ثم التغليظ يكون بطلب الخصم أو يغلظ القاضي وإن لم يطلب الخصم.
حكى ابن كج فيه وجهين، وذكر أن الأصح منهما: الثاني.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" أيضًا، والصحيح: ما صححه ابن كج كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير".
قوله: وروي أن عبد الرحمن بن عوف قال في الحالفين بين المقام والبيت: لقد خشيت أن يتهاون الناس بهذا البيت [ويروى] 4: "أن يبهأ الناس بهذا البيت".
يقال: بهأت بالشيء، إذا آنست به حتى سقطت هيبته من قلبك.
انتهى كلامه.
اعلم أن بهأ: بفتح الباء الموحدة وبالهمزة في آخره تقول: بهأت وبهئت، كضربت وعلمت، بهأ وبهوءًا أي بفتح الهاء وضمها، وأما البهاء بمعنى الحسن فهو من بهي الرجل بالكسر بغيرهم.
قاله الجوهري.
الجزء: 9 - الصفحة: 399
قوله: الرابعة: من به مرض أو زمانة لا يغلظ عليه في المكان لعذره، وكذا الحائض إذ لا يمكنها اللبث في المسجد.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الرافعي قد ذكر في كتاب اللعان أن الحائض لا يسقط عنها التغليظ بالمكان بل تلاعن على باب المسجد، فقياسه أن يأتي هنا أيضًا مثله، وإن لمحنا فرقًا بين البابين.
وصاحب "التنبيه" ذكر هذا الحكم وهو اللعان على باب المسجد في الجنب، ويؤخذ منه ذلك في الحائض بطريق الأولى وكلام الرافعي يقتضي أنه لا يتعدى إلى الجنب، والفرق: إمكان الاغتسال.
الأمر الثاني: أنه يجوز لنا تمكين الكافر الجنب من اللبث في المسجد على الصحيح، وقياس هذا أن التغليظ بالمكان لا يسقط عن الحائض، وإليه يرشد تعليل الرافعي إلا أن يقال: لا يلزم من تمكينها من ذلك أن يأمرها به لأجل حصول أمر أصله مستحب، إذ التغليظ بالمكان وغيره لا يجب.
قوله: والمرأة المخدرة إذا قلنا: لا تحضر، هل يغلظ عليها بالمكان؟ فيه وجهان: المذكور في "الكتاب" وبه أجاب الشيخ أبو حامد ومن تابعه: أنها تخرج، ولكن قيل: يبنى هذا الخلاف على الخلاف في أن التغليظ مستحق أو مستحب؟ ، وقضية هذا البناء ترجيح المنع: انتهى ملخصًا.
لم يصحح شيئًا في "الشرح الصغير" أيضًا، وصحح النووي في "أصل الروضة": الإخراج.
قوله: ولو غلظ القاضي عليه باللفظ فامتنع واقتصر على لفظ "الله" ففي نكوله وجهان، ثم قال: وقد حكى الخلاف في التغليظ اللفظي القاضي الروياني عن القفال، وذكر أن الأصح: أنه يكون ناكلًا، لأنه ليس له رد اجتهاد القاضي.
انتهى كلامه بحروفه.
الجزء: 9 - الصفحة: 400
وهو ظاهر في نسبة التصحيح إلى الروياني لا إلى القفال، واختصره في "الروضة" على العكس وهو الصواب فقد نقل الروياني في "البحر" عن القفال: أنه صحح ذلك فاستقام ما في "الروضة" وإن كان خلاف المفهوم من لفظ الرافعي.
قوله: ولو نصب البائع وكيلًا ليقبض الثمن ويسلم المبيع، فقال له المشتري: إن موكلك أذن في تسليم المبيع وترك حق الحبس وأنت تعلم فهل يحلف على البت أم على نفي العلم؟ اختيار أبي زيد: البت؛ لأنه يثبت لنفسه استحقاق اليد على المبيع.
انتهى.
قال في "الروضة" من "زوائده": نفي العلم أقوى.
قوله: بل يجوز البت بناء على ظن مؤكد ينشأ من خطه أو خط أبيه أو نكول خصمه.
انتهى.
وما ذكره من جواز البت على خط نفسه قد نقل ما يخالفه في كتاب القضاء في الطرف الثاني منه، وقد سبق إيضاحه هناك فراجعه، وسبق أيضًا هناك: أنه لابد أن يكون الأب المحلوف على خطه ثقة، وعبارة الإمام: أن يكون عدلًا.
قوله: الثانية: النظر في اليمين إلى نية القاضي المستحلف وعقد بينة، أما النية فالتورية على خلاف قصد القاضي لا تغني ولا تدفع إثم اليمين الفاجرة، ولو استثنى أو وصل باللفظ شرطًا بقلبه وبنيته أو فعل ذلك بلسانه ولكن لم يسمعه الحاكم فكذلك، وإن سمعه الحاكم عَزَّره وأعاد اليمين عليه.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره من كون التورية على خلاف قصد القاضي لا ينفع، محله إذا كان التحليف بالله تعالى، فإن كان القاضي يرى التحليف بالطلاق كالحنفي فحلف به نفعت التورية والحالة هذه، كذا ذكره النووي
الجزء: 9 - الصفحة: 401
في كتاب "الأذكار" في باب التورية.
الأمر الثاني: أن الحكم ببطلان اليمين عند اتصال الاستثناء دليل على أن الاستثناء ينفع في الماضي حتى لو قال والله ما قمت إن شاء الله وكان قد قام، فإنه لا يحنث، والأمر كذلك.
وقد صرح به هكذا المتولي في كتاب الأيمان فتفطن له فإنها مسألة نفيسة مهمة، ومعناها، صحيح فإنه لم يفعل شيئًا قد شاء الله أن لا يفعله؛ إذ لايقع شيء إلا بمشيئة الله تعالى.
قوله: الحالف كل من يتوجه عليه دعوى صحيحة، وقيل: كل من توجهت عليه دعوى لو أقر بمطلوبها ألزم به، فإذا أنكر حلف عليه وقبل منه، ويستثنى من هذا الضبط صور فنذكرها مع ما يدخل فيه ويخرج منه:
إحداها: يجري التحليف في النكاح والطلاق والرجعة والفيئة والإيلاء وفي العتق والاستيلاد.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وفيه أمران:
أحدهما: أن هذين الوجهين حكاهما الإمام عن حكاية القاضي الحسين فقال:
أحدهما: أن يدعي حقًا.
والثاني: أن يدعي ما لو أقر به لنفع، فهو معنى قول الرافعي في موضع آخر: ما ليس بحق ولكن ينفع في الحق هل تشرع [فيه] 5 الدعوى والتحليف؟ فيه وجهان.
إذا تقرر هذا فقد جزم الرافعي في "الشرح الصغير" و"المحرر" بالوجه الثاني المرجوح هاهنا، وتبعه عليه النووي في "المنهاج" وإن كان
الجزء: 9 - الصفحة: 402
في تعبيره مناقشة من وجه آخر.
الأمر الثاني: إذا كان للأمة ولد فادعت على السيد أنه وطئها وأنها أم ولد، فإن اعترف السيد بالوطء حلف، وإن أنكر أصل الوطء فالمشهور: أنه لا يحلف وإنما حلف في الصورة السابقة، لأنه سبق منه الاعتراف بما يقتضي ثبوت النسب، [وقيل: يحلف لأنه لو اعترف به لثبت النسب] 6، وإذا لم يكن ولد لم يخلف بلا خلاف، هكذا ذكره الرافعي في أواخر باب الاستبراء، وهي واردة على المذكور هنا فتفطن لذلك، فإنه لم يستثنها بل تعبيره بقوله: الاستيلاد يقتضي التحليف، وهو الصواب إذا كانت الدعوى لأجل الاستيلاد.
وقد جزم الرافعي وغيره بتحليف السيد إذا أنكر الكتابة أو أنكر التدبير، وقلنا: إنكاره ليس رجوعًا عنه.
قوله: ولو ادعى عليه سرقة مال فأنكر ونكل حلف المدعي واستحق المال ولم يقطع المدعى عليه، لأن حدود الله تعالى لا تثبت باليمين المردودة.
انتهى كلامه.
وما جزم به هاهنا من عدم ثبوت القطع باليمين المردودة قد اختلف فيه كلامه، وكذلك كلام النووي أيضًا، قد سبق إيضاح ذلك في باب حد السرقة فراجعه.
قوله في "الروضة": الثانية: ادعى على القاضي أنه ظلمه في الحكم أو على الشاهد أنه تعمد الكذب أو الغلط لم يحلفا لارتفاع منصبهما عن التحليف وقد سبق هذا في الباب الأول وفي أول أدب القضاء.
انتهى كلامه.
أما قوله: في الباب الأول؛ فصحيح ومراده به من كتاب الدعاوى.
الجزء: 9 - الصفحة: 403
وأما قوله: وفي أول أدب القضاء.
فسهو بل في آخر الباب الذي قبله بأسطر فتفطن له، وعبارة الرافعي هنا صحيحة فاعلمه.
قوله فيها أيضًا: ولو ادعى على المعزول أنه حكم عليه أيام قضائه ظلمًا، وأنكر فقد سبق وجهان: في أنه يحلف، أم يصدق بلا يمين؟ وهو الأصح.
انتهى كلامه.
وما صححه هنا من تصديقه بلا يمين قد خالفه في "المنهاج"، وقد تقدم إيضاح ذلك في آخر الباب الأول من أبواب القضاء.
قوله: ولو وكل بالخصومة في مجلس الحكم استغنى عن حجة يقيمها إن كان الخصم حاضرًا، وإن لم يكن فيبني على أن القاضي هل يقضي بعلمه؟ انتهى كلامه.
وتخريجه ما يقع في المجلس على الخلاف في القضاء بالعلم، قد تناقض فيه كلامه وكلام "الروضة" أيضًا، وقد تقدم إيضاح ذلك في الباب الثاني من أبواب القضاء بالعلم فراجعه.
قوله في الفروع المنقولة عن "فتاوى القفال" وغيره: ولو أقام المدعي شاهدين بأن هذه الدار ملكه فأقام المشهود عليه شاهدين بأن شاهدي المدعي قالا: لا شهادة لنا في ذلك، سألهما الحاكم: متى قال ذلك الشاهدان اللذان للمدعي؟ فإن قالا: ذكراه من أمس أو من شهر، لم تندفع شهادتهما بذلك لأنهما قد لا يكونان شاهدين ثم يصيران، وإن قالا: ذكراه حين قصدنا لإقامة الشهادة.
اندفعت شهادتهما.
انتهى.
وما ذكره من التفصيل وتابعه عليه في "الروضة" قد ذكر القاضي الحسين في "فتاويه" خلافه، فجزم بأنها: لا تسمع ولم يفصل، فقال: رجل قال في ما بين جماعة: لست بشاهد في أمر كذا، ولا أشهدني أحد عليه.
الجزء: 9 - الصفحة: 404
ثم جاء ليشهد في تلك الخصومة ليس له ذلك ولا تقبل شهادته.
هذا كلامه.
قوله: ولو أقام المدعي بينة ثم قال للقاضي: لا تحكم بشيء حتى تحلفه، كانت بينته باطلة وذلك لأنه كالمعترف بأن بينته مما لا يجوز الحكم بها.
انتهى كلامه.
وهذا الحكم مشكل فقد يقصد بتحليفه لتقم بعده البينة، ويظهر إقدامه على يمين فاجرة أو غير ذلك من المقاصد التي لا تقتضي قدحًا في البينة فينبغي أن لا تبطل البينة، كذا ذكره في "الروضة"، والأمر كما ذكره من الإشكال.
قوله: إذا طلب المدعي يمين المدعى عليه بين يدي الحاكم، فقال المدعى عليه: قد حلفني على هذا مرة بالتماسه وليس له تحليفي، فإن كان القاضي يحفظ ما يقوله لم يحلفه، ويمنع المدعي مما يطلبه وإن لم يحفظه حلف، ولا تنفع إقامة البينة فيه لما مر أن القاضي متى تَذكَّر حكمه أمضاه، وإلا فلا يعتمد على البينة، وعن ابن القاص: أنه يجوز سماع البينة وحكاه القاضي أبو سعد الهروي وحقه الطرد في كل باب.
انتهى كلامه.
واقتصاره في نقل السماع على ابن القاص غريب، فإن ابن القاص قد حكاه عن الشافعي فاعلمه.
ويؤيد النص المذكور أن القاضي إذا نسي نكول خصمه أثبته المدعي بالبينة، كذا ذكره الرافعي، بعد هذا بنحو ورقتين.
قوله: وإن قال: حلفني عند قاض آخر، وأطلق وأراد تحليفه على ذلك فوجهان، قال ابن القاص: بالمنع إذ لا يؤمن أن يدعي أنه حلفه على أنه ما حلفه.
وأصحهما: يمكن.
. . . إلى آخره.
الجزء: 9 - الصفحة: 405
وما نقله عن ابن القاص من عدم التحليف تابعه على نقله عنه في "الروضة" أيضًا وليس كذلك، فقد صرح ابن القاص في كتاب "أدب القضاء" له بأنه يحلفه، ولم يذكرها في "التلخيص" ولا في "المفتاح".
والسبب في وقوع هذا للرافعي أن الهروي في "الإشراف" قد سها فنسبه إليه، والرافعي كثير النقل عنه فَقَلَّده فيه.
قوله: وإن استمهل ليقيم البينة على أنه حلفه، فقياس البينات الدوافع أن يمهل ثلاثًا، وعن القاضي الحسين أنه قال: أرى أن لا يمهل أكثر من يوم، لأنه كالمراوغ المتعنت.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن ما ذكر الرافعي أنه القياس ولم يصرح بنقله عن أحد، وتابعه عليه في "الروضة" قد صرح به الروياني في "البحر".
الأمر الثاني: أن الرافعي قد ذكر قبل هذا الموضع بكراس وأوراق في المسألة الرابعة وجهًا عن القاضي الحسين: أن دعوى الإبراء وغيره من الدوافع لا يمهل في إقامة البينة عليها أكثر من يوم واحد، وعبر [هناك] 7 بنحو ما عبر به هاهنا فقال: وعن القاضي الحسين وجه أنه لا يمهل أكثر من يوم.
هذه عبارته.
فلم يصر الخلاف خاصًا بهذه الصورة وهي دعوى التحليف، كما يوهمه كلامه هاهنا.
الأمر الثالث: أن هذا النقل عن القاضي الحسين ليس محررًا، وتحريره ما ذكره في "تعليقته"، ونقله عنه ابن الرفعة في "المطلب" فإنه قال: ولو قال: أمهلوني حتى أقيم البينة، قيل له: على مَنْ تقيمها؟ فإن قال:
الجزء: 9 - الصفحة: 406
على الأداء أو الإبراء، قيل له: قد أقررت فاخرج عن حقه ثم ادّع ما ذكرت، وإن قال: حلفني مرة في هذه الخصومة.
وقلنا: تُسمع هذه الدعوى، فالقياس أن يمهل ثلاثة أيام، قال: وعندي لا يمهل أكثر من يوم واحد لأنه يشبه التعنت.
انتهى ملخصًا.
الأمر الرابع: أن هذا الإنظار على الخلاف في قدره هل هو واجب أو مستحب؟ سكت عنه الرافعي هنا وذكره في الباب الثاني من كتاب الكتابة قبل الحكم الثالث، فقال: لو ادعى العبد الأداء، وأنكر السيد وأراد العبد إقامة البينة أمهل ثلاثًا، قال: وهل هو واجب أو مستحب؟ فيه وجهان، ثم حكى عن الروياني أنَّا إذا أمهلناه ثلاثًا، فأحضر شاهدًا بعدها وطالب الإنظار ليأتي بالشاهد الثاني أنظرناه ثلاثة أخرى.
قوله: ولو ادعى مالًا على رجل فأنكر وحلف، ثم قال المدعي بعد أيام: حلفت يومئذ لأنك كنت معسرًا، لا يلزمك تسليم شيء إليَّ وقد أيسرت اليوم فهل تسمع لإمكانه أم لا لئلا يتسلسل؟ وجهان.
انتهى.
قال في "الروضة": الأصح سماعها إلا إذا تكررت.
قوله: فرع: إنما يحلف المدعى عليه إذا طلب المدعي يمينه، وقيل: لا يتوقف عليه، لأن للمدعي غرضًا في سقوط المطالبة عنه، قاله القفال الشاشي وصححه السرخسي، ثم قال ما نصه: وإن امتنع عن تحليفه بالدعوى السابقة جاز لأنه لم يسقط حقه عن اليمين.
انتهى كلامه بحروفه.
ذكر مثله في "الروضة" وكأنه سقط منه شيء وهو: "ثم أراد تحليفه" وحينئذ فيكون أصله هكذا، وإن امتنع عن تحليفه ثم أراد تحليفه بالدعوى السابقة جاز.
الجزء: 9 - الصفحة: 407
قال -رحمه الله-:
الركن الرابع: النكول
قوله في "الروضة": وإذا أنكر المدعى عليه واستحلف فنكل عن اليمين لم يقض بالنكول عندنا، بل يرد اليمين على المدعي، فإن حلف قضي له، فإن لم يعرف المدعي تحول اليمين إليه بنكول المدعي عرفه القاضي.
انتهى.
وتعبيره في آخر كلامه بقوله: بنكول المدعي.
وقع هكذا في النسخة التي هي بخط المصنف وفي غيرها وصوابه: المدعى عليه، أي بزيادة لفظة "عليه".
قوله: وإذا تَفَرَّسَ الحاكم سلامة جانب شرح له حكم النكول، فإن لم يشرحه له وحكم بأنه ناكل، فقال المدعى عليه: لم أعرف حكم النكول، ففي نفوذ الحكم احتمالان للإمام: أصحهما: النفوذ.
انتهى.
ذكر نحوه في "الروضة" وفيه أمران:
أحدهما: أنه ليس في كلامه ما يدل على أن شرح النكول هو واجب على القاضي أو مستحب، وأنه لم يقف فيه إلا على هذين الاحتمالين اللذين حكاهما الإمام في نفوذ الحكم ورجح منهما النفوذ.
وقد صرح الماوردي بالمسألة وجزم بوجوب البيان، وجزم الروياني في "البحر" بالاستحباب وتبعه أبن الرفعة في "الكفاية".
الأمر الثاني: أن كلام الإمام يقتضي أن هذين الاحتمالين محلهما إذا علم القاضي أنه لا يدري حكم النكول، وكلام الغزالي يقتضي أن محلهما عند جهل القاضي بحاله.
قوله: فرع: نقل الروياني في "جمع الجوامع": أن قول القاضي
الجزء: 9 - الصفحة: 408
للمدعي أتحلف أنت؟ كقوله إحلف، حتى لا يتمكن المدعى عليه من الحلف بعد ذلك، قال: وعندي فيه نظر.
انتهى.
واعلم أن ما نقله الروياني من جعل الفعل المضارع كالإقرار وأقره الرافعي، قد سبق من كلام الرافعي في جانب المدعى عليه ما يخالفه، فقال قبل هذا الموضع بنحو ورقة: ولو قال -أي: المدعى عليه- أتحلف بالله؟ فقال: لا.
فليس بنكول.
هذا لفظه.
واعلم أن المذكور في "البحر" للروياني إلحاق المضارع بالأمر إذا قاله القاضي للمدعى عليه أيضًا فالروياني ماش على قاعدة واحدة، وأما كلام الرافعي أولًا مع كلامه ثانيًا فلا يستقيم الجمع بينهما، وحاصله أنه وقف أولًا على طريقة، ووقف ثانيًا على أخرى مخالفة لها فأثبتهما ذاهلًا عما سبق، وتابعه النووي في "الروضة" عليه.
قوله: ويمينه بعد نكول المدعى عليه بمنزلة بينة يقيمها، أو بمنزلة إقرار المدعى عليه؟ فيه قولان: أصحهما: الثاني، وللقولين فروع كثيرة منها: أن المدعى عليه لو أقام بينة بالأداء أو الإبراء بعد ذلك، فإن قلنا: إنها كالبينة، سُمعت، وإن قلنا: كالإقرار، فلا لكونه مكذبًا للبينة بإقراره.
انتهى ملخصًا.
وهذا الذي رجحه هنا من عدم سماع البينة قد خالفه بعد ذلك في أثناء الركن الخامس قبل المدرك الثالث من مدارك ترجيح البينة وبينه وبين موضعنا هذا نحو كراس وستعرف لفظه في موضعه.
قوله: وحكى القاضي أبو سعد الهروي اختلافًا للأصحاب في أنه يجب الحق بفراغ المدعي من اليمين المردودة أم لابد من حكم الحاكم به؟ انتهى.
قال النووي: الأرجح: الأول، ولم يذكره من "زوائده" بل أدخله في كلام الرافعي فافهمه، غير أن الرافعي لما ذكر الوجهين قال: ويمكن
الجزء: 9 - الصفحة: 409
بناؤهما على أنهما كالإقرار أو كالبينة؟ فإن جعلناهما كالإقرار: فلا حاجة إلى الحكم.
قوله: ولو أقام المدعي شاهدًا ليحلف معه فلم يحلف فهو كما لو ارتدت اليمين إليه فلم يحلف، فإن علل امتناعه بعذر أمهل ثلاثًا، وقيل: دائمًا، وإن لم يعلل بشيء أو صرح بالنكول فقد ذكر الغزالي والبغوي: أنه يبطل حقه من الحلف وليس له العود إليه، واستمر العراقيون على ما ذكروه قبل ذلك من جواز الدعوى في مجلس آخر والحلف حتى قال المحاملي: لو امتنع من الحلف مع شاهده واستحلف الخصم انتقلت اليمين من جانبه إلى جانب صاحبه فليس له العود والحلف إلا إذا استأنف الدعوى في مجلس آخر وأقام الشاهد فله أن يحلف معه، وعلى الأول: لا ينفعه إلا بينة كاملة.
انتهى كلامه.
وحاصله: أن الراجح في ما إذا امتنع من الحلف مع شاهده خلاف ما يقوله المحاملي، لأن الراجح خلاف ما ذهب إليه العراقيون، فقد قال الرافعي قبل هذا: إنه أحسن وأقوى، وقال في "الروضة": إذا علمت هذا فاعلم أن محل ذلك فيما إذا لم يحلف المدعى عليه اليمين المردودة، فإن حلف انقطعت الخصومة ولا كلام.
ومحله أيضًا إذا لم ينكل عنها، فإن نكل حلف على أصح القولين، هذا هو مقتضى كلام الرافعي في آخر باب القسامة، قُبيل الركن الرابع فاعلمه.
قوله: ولو ادعى ولي الصبي أو المجنون دينًا له على إنسان فأنكر ونكل، ففي الرد على الولي وجوه: أحدها: أن اليمين ترد عليه لأنه المستوفى، والصبي والمجنون ليس لهما أهلية اليمين.
الجزء: 9 - الصفحة: 410
والثاني: المنع لأن إثبات الحق للإنسان بيمين غيره مستبعد.
والثالث: أنه إن ادعى ثبوته بسبب باشره بنفسه رد عليه، وإلا فلا.
ويجري هذا الخلاف فيما إذا أقام شاهدًا واحدًا، هل يحلف معه، ثم قال: ومال المذهبيون إلى ترجيح المنع من الوجوه الثلاثة، ولا بأس بوجه التفصيل، ولقد رجحه العبادي.
انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره هنا من كون المشهور في ما إذا باشره الولي هو المنع، قد خالفه في الباب الخامس من أبواب الصداق مخالفة عجيبة فإنه رجح الحلف، ونقله عن أهل المذهب كما نقل عنهم هنا المنع، وعبر بقوله: أظهرهما في المذهب، وعبر في "الروضة" بقوله: أصحهما عند الأصحاب.
ووقع الاختلاف المذكور في "المحرر" وكذلك في "الروضة" و"المنهاج"، والفتوى على ما وقع فيه هذا الاختلاف، وهو الذي باشره الولي، إنما هو الحلف على وفق ما بحثه الرافعي، فقد نص عليه الشافعي -رحمه الله- في "الأم".
فقال في كتاب الصداق المذكور عقب المسابقة في أول باب الاختلاف في المهر: إن الزوجين إذا اختلفا تحالفا، ثم قال ما نصه: وهكذا إذا اختلف الزوج وأبو الصبية البكر.
هذا لفظه.
وهذا الخلاف كما قاله الرافعي في الصداق يجري في وكيل النكاح، وفي وكيل المشتري مع البائع، وفي وكيل البائع مع المشتري، وفي وكيلهما، قال: ومنهم من رتب فقال: وإن لم يحلف الولي فالوكيل أولى، وإلا فوجهان لقوة الولاية.
الجزء: 9 - الصفحة: 411
قال -رحمه الله-:
الركن الخامس: البينة
قوله: فإذا تعارضت البينتان وفقدت أسباب الترجيح، فإما أن يكون المدعى به في يد ثالث أو في أيديهما.
. . . إلى آخره.
أهمل قسمًا آخر وهو: ما إذا لم يكن في يد أحد، وقد ذكره في "التنبيه" وألحقه بهذين القسمين، وكأن صورته فيما إذا كان عقارًا أو متاعًا ملقى في الطريق وليسا عنده.
قوله: فإذا أقام كل واحد بينة تعارضتا وفيهما قولان، أظهرهما: يسقطان فكأنه لا بينة فيصار إلى التحليف.
والثاني: يستعملان فتنتزع العين ممن هي في يده.
ثم في كيفية الاستعمال ثلاثة أقوال:
أحدها: تقسم العين المدعاة بينهما.
والثاني: توقف إلى أن يتبين الأمر أو يصطلحا.
والثالث: يقرع فيأخذها من خرجت قرعته.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وفيه أمران:
أحدهما: أن الصحيح من أقوال الاستعمال هو الوقف كذا جزم به الرافعي في أوائل باب التحالف وتبعه عليه في "الروضة".
الثاني: أن هذه الأقوال التي في كيفية الاستعمال هل هي في الأولوية أو التعيين؟ لم يتعرض له المصنف، وقد حكى فيه الإمام وجهين من غير ترجيح، فإذا تعذر أحدهما فلا يحمل عند القائل به على الباقي إن جعلناها في الوجوب بل يسقط البينتان، وإن جعلناها في الأولوية حُمِلَ عليه.
الجزء: 9 - الصفحة: 412
قوله: وفي محل الأقوال طُرُق:
إحداها: القطع بالتساقط إذا لم يمكن الجمع.
الثانية: القطع بالاستعمال إذا أمكن.
الثالثة: طرد القولين في الحالتين.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وتعبيره في حكاية الطريقة الثانية يوهم أنه على هذه الطريقة يجيء ثلاثة أقوال، فإنه قد تقدم أن الثلاثة تأتي إذا قلنا بقول الاستعمال، والقطع إنما أفاد نفي غيرها ومراده هنا بالاستعمال هو القسمة خاصة.
وكلام الرافعي قبل هذا وبعده، يوضح ما ذكرناه، فكأنه أراد التعبير به فسبق قلمه إلى الاستعمال.
قوله في "الروضة": ولو كانت العين في يدهما ولم يكن لواحد منهما بينة، فكل واحد مدع في نصف ومدعى عليه في نصف، فيحلف كل واحد على نفي ما يدعيه الآخر، ولا يتعرض واحد منهما في يمينه لإثبات ما في يده بل يقتصر على أنه لا حق لصاحبه فيما في يده، نص عليه وهو المذهب، وفيه خلاف سبق في باب التحالف في البيع.
انتهى.
وما ذكره -رحمه الله- من أن الخلاف قد سبق هناك غلط فإنه لم يتقدم له ذكر في "الروضة" هناك.
نعم ذكره الرافعي في ذلك الموضع، ثم إنه هنا أحال عليه، فلما اختصره النووي لم يذكره في التحالف بناء على أنه يذكره هنا، ثم إنه تابع الرافعي على إحالته على ذلك الموضع ظنًا منه أنه سبق فوهم فيه.
قوله الثاني: دار في يد إنسان وادعى زيد نصفها فصدقه، وادعى عمرو
الجزء: 9 - الصفحة: 413
نصفها فكذبه صاحب اليد وزيد معًا، ولم يدعه [واحد منهما] 8 لنفسه.
فالنصف الذي يدعيه المكذب هل يسلم إليه أم يبقى في يد صاحب اليد، أم ينزعه الحاكم ويحفظه إلى ظهور مالكه؟
فيه ثلاثة أوجه حكاها الفوراني.
انتهى.
والصحيح من هذه الأوجه أنه يبقى في يده كما كان ولكن لا تنصرف الخصومة عنه.
كذا ذكره قبل ذلك في أوائل الركن الثاني المعقود لجواب المدعى عليه، وعلله بأن الظاهر أن ما في يده ملكه، وما صدر منه ليس بمزيل ولا يظهر لغيره استحقاق، وتابعه على ذلك في "الروضة"، ثم رجح هنا من "زوائده": أن الحاكم ينتزعه ذهولًا عما صححه هو والرافعي هناك فقال: قلت: أقواهما الثالث.
والله أعلم.
قوله: ولو لم تكن بينة ونكل الداخل عن اليمين فردت على الخارج، وحكم له ثم جاء المدعى عليه ببينة تسمع، كما لو أتى بها بعد بينة المدعي، وفيه وجه: أنها لا تسمع بناء على أن النكول ورد اليمين كالإقرار.
انتهى كلامه.
وما صححه من سماعه البينة بعد الحكم بالنكول قد تابعه عليه في "الروضة"، والصحيح المذكور في الركن الرابع: عدم سماعها، لأن الصحيح أن اليمين المردودة كالإقرار لا كالبينة فاعلمه وقد تقدم هناك الوعد بذكر هذا الموضع.
قوله: وفي الترجيح بسبق التاريخ طريقان: المشهور منهما: أنه على قولين:
الجزء: 9 - الصفحة: 414
أصحهما عند الأكثرين: نعم، وأصحهما عند ابن كج وشرذمة: أنه لا ترجيح.
انتهى ملخصًا.
ما ذكره هنا من الترجيح بسبق التاريخ قد صحح عكسه في الباب الثاني من كتاب اللقيط في الحكم الثالث المعقود لنسبه وعبر بالأصح، وسبق ذكر لفظه هناك، ووقع هذا التناقض في "الروضة" أيضًا.
قوله: ويجوز أن يشهد بالملك في الحال استصحابًا لحكم ما عرفه، من قبل كشراء أو إرث وغيرهما، وإن احتمل زواله، فلو صرح في شهادته بأنه تعمد الاستصحاب، فقال في "الوسيط": فيه وجهان:
قال الأصحاب: لا تقبل كما لا تقبل شهادة الرضاع على الثدي، وحركة الحلقوم.
وقال القاضي الحسين: تقبل لأنَّا نعلم أنه لا مستند له سواه.
انتهى.
وما وقع في "الوسيط" في تصوير المسألة، وتبعه عليه في الرافعي و"الروضة" تحريف، فإن صورة الخلاف بين القاضي والأصحاب كما قاله في "النهاية": أن لا يكون الشاهد قد شهد بالملك في الحال بل شهد بملك سابق، وذكر مع ذلك من استمرار الأحوال ما يسوغ له الشهادة به في الحال، والغزالي صوره بما إذا شهدت بالملك في الحال، ولكن صرحت بأنها تعتمد فيه الاستصحاب، والذي يدل على بطلان التصوير بما ذكره الغزالي ومن تبعه: أن الغزالي قد استدل عليه بقوله كما لا تقبل شهادة الرضاع على صورة الامتصاص وحركة الحلقوم.
ونظير هذا من مسألتنا إنما هو الشهادة على استمرار الأحوال التي تسوغ الشهادة بالملك في الحال، وأما إذا شهد بالملك في الحال، وذكر أن معتمده الاستصحاب فنظيره أن يشهد على الرضاع ويذكر أن معتمده امتصاص الثدي وحركة الحلقوم.
الجزء: 9 - الصفحة: 415
قوله: ولو قال المدعى عليه: كان ملكك أمس فوجهان:
أظهرهما: الانتزاع.
وقطع ابن الصباغ بأنه يؤاخذ بإقراره، وحكى الوجهين في ما إذا قال: كان في يدك أمس، وفَرّق بين اليد والملك بأن اليد قد تكون مستحقة، وقد لا تكون.
انتهى كلامه.
واعلم أن هذه المسألة قد اختلف فيها كلام "الروضة" [اختلافًا عجيبًا سبق إيضاحه في كتاب الإقرار في الركن الرابع منه] 9 فراجعه.
قوله: إذا قال المكري: أكريتك هذا البيت من الدار شهرًا بعشرة، وقال المكتري: بل اكتريت جميع الدار بالعشرة، فهذا اختلاف قدر المكتري، فإذا أقاما بينتين وقلنا بالاستعمال فيجيء قول القرعة خلافًا لابن سلمة.
وأما قولا القسمة والوقف فالمشهور أنهما لا يجبان.
أما الوقف فلوجهين:
أحدهما: وهو الذي أورده أكثرهم أن العقود لا توقف على أصلنا فالنزاع هاهنا في العقد، ثم رده بأن معنى الوقف هاهنا أنّا نتوقف ولا نمضي حكمًا إلى أن ينكشف الحال، وهذا معهود في أصولنا.
والوقف الذي نقول بإبطاله هو ما يخالف فيه بعض الشروط كإذن الملك في بيع الفضولي.
انتهى ملخصًا.
وما ذكره هاهنا من مجيء قول القرعة دون قول التوقف قد جزم بعكسه في أول باب التحالف، وقد ذكرت هناك لفظه فراجعه.
قوله: ولو وجدت الزيادة في كل واحد من الجانبين بأن قال المكري
الجزء: 9 - الصفحة: 416
أكريتك هذا البيت بعشرين وقال المكتري: بل جميع الدار بعشرة، فلابن سريج رأيان:
أحدهما: الرجوع إلى التعارض لتقابل الزيادتين.
وأضعفهما: أنه يؤخذ بالزيادة من الجانبين فتجعل جميع الدار تكرى بعشرين، وهذا خلاف قول المتداعيين والشهود جيمعًا.
انتهى كلامه.
وهذا الذي ضعفه الرافعي قد صرح في "الروضة" أيضًا بأنه فاسد، والظاهر أنه حصل في نقله عن ابن سريج غلط، فإني رأيت للشيخ أبى محمد كما حكى الوجهين عنه في كتاب "السلسلة" لم ينقل الثاني المذكور هنا، بل نقل عوضًا عنه الاستعمال بالقرعة فدل على ما قلناه.
قوله: قال الإمام: ولو شهد أنه باع فلانًا في ساعة كذا وشهد آخران أنه كان ساكنًا تلك الحالة.
أو شهد اثنان أنه قتل فلانًا ساعة كذا، وشهد آخران أنه كان ساكنًا في تلك الحالة لا يتحرك ولا يعمل شيئًا.
ففي قبول الشهادة الثانية وجهان، لأنهما شهادة على النفي، وإنما تقبل شهادة النفي في المضايق وأحوال الضرورات، فإن قبلناها جاء التعارض.
انتهى.
والأصح كما قاله في "الروضة" هو القبول، قال: لأن النفي المحصور كالإثبات في إمكان الإحاطة.
قوله عن الشيخ أبي عاصم: إنه فسر كلمة التنصير بما إذا شهدت البينتان على آخر ما تكلم به بأن يقول لا إله إلا الله عيسى رسول الله.
قال القاضي أبو سعد: وفيه إشكال ظاهر فإن المسلمين يثبتون نبوة عيسى -عليه الصلاة والسلام-، وإثبات نبوته ليس نفيًا لنبوة محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سيما عند منكري المفهوم، فيجب أن تفسر كلمة التنصير بما يختص به النصارى
الجزء: 9 - الصفحة: 417
كقولهم إن الله ثالث ثلاثة، وهل تجب في نيته للإسلام تفسير كلمته؟ وجهان، وجه الوجوب: أنهم قد يعتقدون ما ليس بإسلام إسلامًا.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن المذكور في "الإشراف" للهروي عن العبادي في تصوير المسألة بأن يقول بعد إثباته نبوة عيسى: وأنه بريء من كل دين، وحينئذ لا يصح الاعتراض، فإن الإسلام من جملة الأديان الداخلة في البراءة فيكون كفرًا.
ولم يتعرض في "الروضة" لمقالة العبادي ولا لمقالة الهروي، بل جعل الضابط ما يختص به النصارى ومثل بثالث ثلاثة.
الأمر الثاني: أن هذا الكلام مقتضاه أنه لابد في الشهادة على الردة من بيان السبب وقد سبق من كلامه في باب الردة ما يخالفه وتقدم إيضاحه هناك وإيضاح نظائره فراجعه.
قوله: فرع: مات رجل عن زوجة وأخ مسلمين وعن أولاد كفرة، فقال المسلمان: مات مسلمًا.
وقال الأولاد: مات كافرًا، فإن كان أصل دينه الكفر.
صدق الأولاد، وإن أقاموا بينتين فإن أطلقنا: قدمت بينة المسلم، وإن قيدنا: فعلى الخلاف في التعارض، ويعود خلاف "أبي إسحاق" في جريان القسمة.
وإذا رجحنا طائفة قسم المال بينهم كما يقسم لو انفردوا.
وإن جعلنا المال بين الطائفتين تفريعًا على القسمة، فالنصف للزوجة والأخ، والنصف للأولاد، وفي ما تأخذ الزوجة من النصف وجهان:
أحدهما: ربعه، وكأنه جميع التركة، هو الذي أورده السرخسي.
والثاني: نصفه، ليكمل لها ربع التركة؛ لأن الأخ معترف به، والأولاد
الجزء: 9 - الصفحة: 418
يحجبونها.
باتفاقهما، وهو الذي أورده الإمام.
انتهى كلامه.
والأصح كما قاله في "الروضة" هو الأول، قال: لأنها معترفة أيضًا باستحقاق الأخ ثلاثة أرباع التركة.
قوله: الثالثة: قال لعبده: إن قتلت فأنت حر، فأقام العبد بينة أنه قُتلَ وأقام الوارث بينة أنه مات حتف أنفه، ففيه قولان:
الظاهر منهما على ما ذكره أبو الحسن العبادي: تقديم بينة العبد.
والثاني: يتعارضان.
انتهى.
والصحيح: ما رجحه العبادي، فقد قال الرافعي في "الشرح الصغير": إنه أظهر القولين، وكذلك النووي في أصل "الروضة".
قوله: ولو قال لسالم: إن مت [ق: أ] [في رمضان فأنت حر ولغانم إن مت] 10 في شوال فأنت حر، فأقام كل واحد بينة تقتضي حريته فقولان:
أحدهما: يتعارضان.
والثاني: تقدم بينة سالم، فإن قلنا بالتعارض: رق العبدان على القول بالسقوط وعتق من كل واحد نصفه على القسمة، ثم قال: وحكى "ابن كج" عن بعض الأصحاب أنه إذا وجد التعارض في مثل هذا غلبت الحرية.
انتهى.
ومعنى تغليب الحرية كما قاله في "الروضة" من "زوائده": أنه لا يحكم بسقوط البينتين.
الجزء: 9 - الصفحة: 419
قال -رحمه الله-: ولنختم ما ذكرناه ببابين
الباب الأول: في مسائل منثورة
قوله: ادعى شريكان فصاعدًا حقًا على إنسان وأنكره يحلف [كل واحد] 11 يمينًا فإن رضي الكل بيمين واحدة فوجهان:
أحدهما: يجوز، لأن الحق لهم.
والئاني: لا يجوز، كما لا يجوز الحكم بشاهد وأحد وإن رضى الخصم.
انتهى.
والأصح المنع، فقد صححه جماعات منهم الشيخ في "التنبيه" وجزم به الرافعي في كتاب اللعان، وقاس عليه مسألة من مسائل اللعان، وذكر الماوردي هناك أن الإصطخري قال: اتفق فقهاء زماننا على خطأ من جوزه وصححه في "الروضة" هنا من "زوائده" وحكى الماوردي عن أبي إسحاق وجهًا ثالثًا، وصححه وهو أنهما إن كانا قد ادعيا ذلك الحق من جهة واحدة مثل إن تداعيا دارًا ورثاها عن أبيهما أو قال: شركة بينهما، حَلَفَ لهم يمينًا واحدة.
وإن كان الحق من وجهين حلف لكل واحد على الانفراد وبهذا أجاب الغزالي في كتاب النكاح.
وقيل: يجوز أن يحلف يمينًا واحدة، وإن لم يرض الخصوم، قاله الفوراني ونقله عنه في "البحر" وحكاه أيضًا في "الكفاية".
وقد ذكره الرافعي في كتاب اللعان في عكس ما نحن فيه، وهو ما إذا توجهت له اليمين على جماعة ما يؤيده، فقال: لو شهد له شاهد بحق
الجزء: 9 - الصفحة: 420
على رجل وعلى آخر بحق آخر جاز أن يحلف معه يمينًا واحدة.
قوله: وعن نصه أن المسناة الحائلة بين نهر شخص وأرض آخر في يدهما.
انتهى.
المسناة: بميم مضمومة وسين مهملة مفتوحة ونون مشددة بعدها ألف.
قوله في "الروضة": ولو ادعى مائة درهم على إنسان، فقال: قضيت خمسين، لم يكن مُقِرّا بالمائة، وكذا لو قال: قضيت منها خمسين.
انتهى.
وهذا الكلام فيه نظر، وعلل الرافعي المسألة الثانية بقوله لجواز أن يريد من المائة التي يدعيها، وليس عليّ غير الخمسين.
هذا لفظه، وجزم الشيخ أبو إسحاق في "التنبيه" بأنه إذا قال: قضيته، كان إقرارًا بالحق، ولم يعترضه النووي في "التصحيح".
قوله: ولو تنازعا دارًا ولأحدهما فيها متاع فهي في يده، فإن لم يكن المتاع إلا في بيت لم يجعل في يده إلا ذلك، هكذا ذكروه.
انتهى.
وما ذكروه هاهنا من الترجيح بوجود المتاع قد ذكر ما يخالفه في أواخر الصلح، وقد سبق ذكر لفظه هناك فراجعه، وتبعه عليه في "الروضة" على الموضعين.
قولاه في المسائل المنقولة عن "فتاوى القفال" وغيره: وإنه إذا غصب المرهون من المرتهن كان لكل واحد من الراهن والمرتهن أن يدعه على الغاصب، والراهن يقول في دعواه: إن لي ثوبًا كنت رهنته من فلان وأنه غصبه منه ويلزمه الرد إليّ.
ولو اقتصر على قوله: إن لي عنده ثوبًا من صفته كذا، ويلزمه التسليم إليّ جاز.
. . . إلى آخره.
واعلم أن هذه المسألة -أعني مخاصمة المرتهن-[قد ذكرها أيضًا في الباب الثالث من أبواب الرهن، والباب الثالث من أبواب الإجارة.
الجزء: 9 - الصفحة: 421
وقد اختلف فيها كلامه اختلافًا عجيبًا من ثلاثة أوجه سبق إيضاحه في الرهن، ولم يتعرض في "الروضة" هنا لمخاصمة المرتهن، وسببه أنه وقع في عِدَّة من نسخ الرافعي إسقاط وهو حق "المرتهن" إلى "المرتهن"] 12 فوقعت للنووي فاختصرها باجتهاده.
قوله: وأنه لو باع دارًا وادعى أنها وقف لم تسمع بينته، وقال العراقيون: تسمع إذا لم يكن قد صرح بأنها ملكه.
وقال الروياني: لو باع ثم قال: بعت، وأنا لا أملك ثم ورثته، إن قال حين البيع: هو ملكي، لم تسمع دعواه ولا بينته، وإن اقتصر على البيع سُمِعت، نص عليه.
انتهى.
وحاصله أن المعروف المنصوص سماع الدعوى والبينة عند عدم الاعتراف بأنه ملكه، ولم يشترطوا فيه إبداء وجه محتمل.
وهو يشكل على ما ذكروه في المرابحة، وقد تقدم التنبيه عليه هناك فراجعه.
قوله: وفي "فتاوى القاضي الحسين": أنه لو ادعى عليه عشرة فقال: لا يلزمني تسليم هذا المال اليوم، لا يجعل مقرًا؛ لأن الأقارير لا تثبت بالمفهوم.
انتهى كلامه.
وهو يوهم أن هذا الجواب مقبول، والصحيح كما سبق في جواب الدعوى: أنه لا يصح الجواب إلا إذا نفي كل جزء منها، فيقول: لا يلزمني تسليم شيء منه.
قوله: وسئل الشيخ أبو إسحاق الشيرازي -رحمه الله- عن رجلين تنازعا دارًا، فأقام [أحدهما بينة أنها ملكه وادعى الآخر أنها وقف عليه ولم
الجزء: 9 - الصفحة: 422
يقم بينة فحكم القاضي لمدعي الملك، ثم ادعى آخر وقفيتها وأقام] 13 مدع الملك البينة على حكم القاضي له بالملك، وأقام مدعي الوقف بينة بالوقفية فرجع الحاكم بينة الملك ذهابًا إلى أن الملك الذي حكم به يقدم على الوقف الذي لم يحكم به، ثم تنازع مدعي الملك وآخر يدعي وقفيتها فأقام مدعي الملك بينة لحكم الحاكم له بالملك وتقديم جانبه.
وأقام الآخر بينة على أن الوقف الذي يدعيه قضى بصحته قبل الحكم بالملك، وترجحه على الوقف هل يريد حكم الحاكم بذلك؟ فقال: نعم، يقدم الحكم بالوقف على الحكم بالملك، وينقض الحكم بالوقف الحكم بالملك.
انتهى كلامه.
واعلم أن الحكم عندنا ليس من المرجحات فإذا سبق أحد الخصمين وأقام بينة فحكم الحاكم له بمقتضى بينته، ثم أقام الآخر بينة تقتضي التساوي أو الرجحان على الأولى رتبنا عليها مقتضاها.
إذا علمت ذلك فما نقله الرافعي هاهنا مقتضاه ترجيح الوقف من حيث هو على الملك عند التعارض، وهو خلاف المذكور قبل هذا بدون الصفحة، فإنه نقل عن "فتاوى القاضي الحسين" أن بينتي الوقف والملك تتعارضان.
قوله: حكى الهروي عن العبادي أن من ادعى عليه وديعة، فقال: لا يلزمني دفع شيء إليه، لا يكون هذا جوابًا، لأن المودع لا دفع عليه، إنما يلزمه التخلية، والجواب الصحيح أن ينكر أصل الإيداع، أو يقول: هلك في يدي أو رددته، وهذا يخالف كلام الأصحاب.
ألا تراهم يقولون: من جحد الوديعة فقامت بينة بالإيداع فادعى تلفًا أو ردًا قبل الجحود نظر: كانت صيغة جحوده إنكار أصل الوديعة أم قال: لا يلزمني تسليم شيء إليه؟ . فإما أن يقدر خلاف أو يأول ما أطلقوه.
انتهى.
الجزء: 9 - الصفحة: 423
قال في "الروضة": الذي قاله العبادي صحيح وتأويل كلامهم متعين وهو أنهم أرادوا إذا جرى منه هذا اللفظ فحكمه كذا؛ لأن القاضي يقنع بهذا الجواب مع طلب الخصم الجواب.
قوله نقلًا عن العبادي: وأنه لو شهد شاهدان بالقتل على رجل في وقت معين، وآخران أنه لم يقتل في ذلك الوقت لأنه كان معنا لم يغب عنا تعارضت البينتان.
وقد سبق من نظائر هذا ما يخالفه.
انتهى كلامه.
وهذه الشهادة التي جوز العبادي سماعها حتى حكم بالتعارض شهادة على نفي لكنه محصور وحاصل كلام الرافعي: مخالفة العبادي في القبول، وقد جزم -أعني الرافعي- بردها أيضًا في باب القسامة، وخالف الموضعين المذكورين في آخر تعليق الطلاق فنقل أن ظاهر المذهب قبولها ولم يعترضه، وقد تقدم ذكر كل من الموضعين في بابه فراجعه.
واعلم أن النووي قد استدرك على الرافعي في هذا الباب، فقال: قلت: مراده أن البينة الثانية شهدت بالنفي، وقد سبق أن شهادة النفي لا تقبل إلا في موضع الضرورة كالإخسار وقد تقدم في [الفصل السابق] 14 عن "فتاوى الغزالي" ما يوافقه لكنه ضعيف.
والصواب: أن النفي إذا كان في محصور يحصل العلم به قبلت الشهادة انتهى.
وهذا الذي ذكره النووي هنا من "زوائده" مخالف لما وافق عليه الرافعي في باب القسامة.
الجزء: 9 - الصفحة: 424
الباب الثاني: في دعوى النسب
قوله: فإذا وطء اثنان في بعض هذه الصوره في طهر واحد، وأتت المرأة بولد عرض على القافة، ثم قال: فإن تخلل بين الوطأتين حيضة، فهي أمارة ظاهرة في حصول البراءة عن الأول فينقطع تعلقه، إلا أن يكون الأول زوجًا في نكاح صحيح، والثاني واطئًا بشبهة أو في نكاح فاسد، فلا ينقطع تعلق الأول، لأن إمكان الوطء مع فراش النكاح قائم مقام نفس الوطء.
فالإمكان حاصل بعد الحيضة.
وإن كان الأول زوجًا في نكاح فاسد ففي انقطاع تعلقه بتخلل الحيضة قولان:
أحدهما: أنه كالنكاح الصحيح.
وأظهرهما: خلافه، لأن المرأة في النكاح الفاسد لا تصير فراشًا ما لم توجد حقيقة الوطء، هكذا نقل الصورتين الإمام وصاحب "الكتاب".
انتهى كلامه.
والاستشهاد المذكور أخرًا عجيب غير مطابق لكلام الإمام فإن كلامه يقتضي أنه متفق عليه وليس كذلك، بل هو مفرع على القولين في أن النكاح الفاسد يلحق بالنكاح الصحيح أم لا؟ فإن قلنا: يلحق به، صارت فراشًا بإمكان الوطء ولا حاجة إلى تحقيقه حتى لو أنكر الوطء لم يفد، وقد صرح الإمام بهذا الخلاف أيضًا وأوضحه إيضاحًا حسنًا وصرح به أيضًا الرافعي في آخر الباب الأول من أبواب العدة.
قوله: ولو اتفق الزوجان والواطء فلابد من البينة على الوطء؛ لأن
الجزء: 9 - الصفحة: 425
للولد حقا في النسب واتفاقهما ليس بحجة عليه، فإذا قامت البينة عرض على القائف.
انتهى كلامه.
وما ذكره من اشتراط البينة قد خالفه في كتاب اللعان في أوائل الركن الثالث منه فذكر ما حاصله: الجزم بأنه لا تشترط البينة، وقد ذكرت لفظه هناك فراجعه.
قوله: فلو استلحق مجهولًا وله زوجة فأنكرت ولادته واستلحقته امرأة لها زوج فأنكره حكى في "الوسيط" فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن أمه التي تستلحقه دون المنكرة.
والثاني: أن أمه زوجة صاحب اليد.
والثالث: يعرض على القائف فيلحقه بإحداهما، ولو كانت الصورة بحالها فأقام كل واحد بينة فعن ابن سريج أربعة أوجه: أحدها: أن بينة الرجل أولى.
والثاني: بينة المرأة أولى، لأن ولادتها محسوسة.
والثالث: يتعارضان.
والرابع: أنه يعرض على القائف فإن ألحق الولد بالرجل لحقه ولحق زوجته، فإن ألحقه بالمرأة لحقها دون زوجها.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على حكاية الأوجه هكذا، وفيه أمران:
أحدهما: أن الأصح في المسألة الأولى أن الولد لا يكون ابنًا لواحدة من المرأتين، فقد سبق قبيل هذا أن الرجل إذا استلحق ولدًا لا يلحق زوجته على الصحيح، وسبق في اللقيط أن المرأة لا يصح استلحاقها على الصحيح فلزم من ذلك ما ذكرناه فاستحضره.
الجزء: 9 - الصفحة: 426
الأمر الثاني: أن ما ذكره في الوجه الرابع وهو المذكور في آخر كلامه من أنه إذا ألحقه بالمرأة لحقها دون زوجها خلاف المذهب، فقد سبق في اللقيط أن المنصوص أنه يلحقه، وصححه أيضًا مع غير البينة إن قلنا بصحة استلحاقها.
قوله: إحداها: إذا لم يجد قائفًا أو تحير ولم يحر جوابًا وألحق الولد بهما أو نفاه عنهما وقف إلى أن يبلغ.
انتهى.
عبر أيضًا في باب اللقيط بقوله إذا لم يجد قائفًا، ومقتضاه أن وجدانه في مكان بعيد أو قريب يمنع من الحكم بالمثل، وليس كذلك كما تقدم التنبيه عليه في كتاب اللقيط.
واعلم أن العرب تقول كلمته فما أحار جوابًا بالحاء والراء المهملتين، أي فما رده، وحينئذ فقول الرافعي ولم يحر هو بضم [الياء] أي لم يرده.
قوله: فإذا بلغ أمرناه بالانتساب إلى أحدهما بحسب الميل الذي يجده، فإذا امتنع حبس ليختاره، وإذا اختار كان اختياره كإلحاق القائف، وإن قال: لا أجد ميلًا إلى أحدهما بقي الأمر موقوفًا.
انتهى كلامه.
وما ذكره من الحبس وتابعه عليه في "الروضة" محله إذا اعترف بوجود الميل فإن لم يعترف به لم يحبس، صرح به الإمام في "النهاية" في هذا الباب وأوضحه أحسن إيضاح وكلام الرافعي لا ينافيه فتعين الحمل عليه.
نعم إذا سئل فسكت فيتجه الحبس إلى أن يخبر بأنه لا ميل عنده أو بما عنده من الميل.
قوله: ولا عبرة باختياره قبل البلوغ، وقيل يخير المميز، وقد سبق هذا في اللقيط.
انتهى.
وظاهره يقتضى أن الخلاف وجهان، والخلاف قولان قديم وجديد
الجزء: 9 - الصفحة: 427
[والجديد] 15 أنه لابد من البلوغ.
كذا حكاه، الماوردي وصاحب "العدة" [في كتاب العتق.
قوله: ولا يصح إعتاق غير مالك إلا بوكالة أو ولاية.
انتهى] 16.
اعلم أنه أشار بالولاية إلى إعتاق الولي عن الصبي والمجنون إذا لزمهما كفارة قتل، وقد اختلف نقل الرافعي في هذه المسألة، وتبعه عليه في "الروضة"، وقد سبق إيضاح ذلك في كفارة القتل، وكلامه يتناول الإعتاق عن السفيه في كفارة القتل ونحوها كاليمين والظهار والجماع في رمضان لكنه ذكر في باب الحجر أنه ينتقل في كفارة اليمين إلى الصوم.
قوله: وصرائح الطلاق وكناياته كلها كنايات في العتق.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على هذا الإطلاق ويستثنى منه ما إذا قال لعبده أنا منك طالق فإنه لا يعتق، ولو قال أنا منك حر، أو أعتقت نفسي منك، ونوى إعتاق العبد لم يعتق أيضًا على الأصح.
كذا ذكره "الرافعي" في كتاب الطلاق، قال بخلاف مثله في العتق، وفرق بأن الزوجية تشمل الجانبين، والرق مختص بالعبد، وقد استثنى "الغزالي" أيضًا من هذا الإطلاق أن يقول لعبده: اعتد أو استبرأ رحمك فإنه لا يعتق بذلك، وإن نواه، ولو قاله لأمته فوجهان وينبغي اختصاص الوجهين بما إذا لم تكن الأمة موطوءة فإن كانت كان ذلك كناية قطعًا.
قوله: ولو قال وهبتك نفسك ونوى العتق عتق، وإن نوى التمليك فعلى ما سنذكره إن شاء الله تعالى في ما إذا قال بعتك نفسك.
انتهى كلامه.
والمسألة المحال عليها، وهي مسألة البيع مذكورة في أول الكتابة، وحكمها أنه لابد من القبول على الفور.
الجزء: 9 - الصفحة: 428
إذا علمت ذلك ففيه أمران:
أحدهما: أنه قد أهمل قسمًا ثالثًا وهو ما إذا لم ينو شيئًا فالحكم فيه كالحكم في ما إذا نوى التمليك حتى أنه يحتاج إلى القبول.
ويصح بدون هذه النية، كما أن التمليك كذلك هذا حاصل ما ذكره هناك، وذكر أيضًا نحوه في الباب الثاني من أبواب الوصية قبل الكلام في المسائل الحسابية بدون ورقة فقال مستدلًا لمسألة ما نصه: كقوله لعبده: ملكتك نفسك أو وهبتك نفسك فإنه يشترط فيه القبول في المجلس، ولو قال: وهبتك نفسك، ونوى به العتق عتق بلا قبول هذا كلامه.
الأمر الثاني: أنه جزم في التمليك بالصحة وحكى في لفظ البيع قولًا أنه لا يصح فغاير بينهما إلا أن يريد أنه ذكره في الكلام على البيع لا أن حكمه كحكمه.
قوله: ولو كانت أمته تسمى قبل جريان الرق عليها حرة فقال لها: يا حرة إلى آخره.
فيه كلام سبق في أول الباب الثاني في أركان الطلاق في أول الركن الثالث منه فراجعه.
قوله: وفي "فتاوى الغزالى" أنه لو اختار بالمكاس نخاف أن يطالبه بالمكس عن عبده فقال: إنه حر، وليس بعيد، وقصد الإخبار لم يعتق في ما بينه وبين الله تعالى، وهو كاذب في خبره ومقتضى هذا أن لا يقبل ظاهرًا.
انتهى كلامه.
وما أشعر به كلام الغزالي من عدم القبول ظاهرًا وأقره عليه، قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" ومقتضى المذهب خلافه، ففي آخر الباب الأول من أبواب الطلاق أنه لو قال لها أنت طالق وهو يحلها من وثاق ثم ادعى أنه أراد الطلاق من ذلك الوثاق فإنه يقبل على الأصح لأجل القرينة ولا
الجزء: 9 - الصفحة: 429
شك أن مروره بالمكاس قرينة ظاهرة في إرادة صرف اللفظ عن ظاهره.
قوله: في "الروضة" ولو قال يا مولاي فكناية، ولو قال له يا سيدي قال القاضي الحسين والغزالي: هو لغو، وقال الإمام: الذي أراه أنه كناية.
انتهى.
صرح في "الشرح الصغير" برجحان الكناية، فقال: والأشبه عند الإمام وغيره أنه كناية، وهو الجواب في "التهذيب"، وهذا الذي ذكره في "الصغير" كلامه في "الكبير" أيضًا يحتمله وكذلك أجاب به أيضًا في "الحاوي الصغير".
قوله: ولو قال جعلت عتقك إليك أو جوزتك ونوى تفويض العتق إليه فأعتق نفسه في الحال عتق كما في الطلاق.
وتعبيره بقوله حررتك قد شاهدته أيضًا بخط النووي في "الروضة" كما هو موجود في نسخ الرافعي وهو غير مستقيم، فقد ذكر الرافعي قبل هذا أن هذه اللفظة صريحة وصوابه: حريتك مصدرًا مضافًا كاللفظ المذكور قبله وهو العتق.
والظاهر أن الرافعي إنما ذكره هكذا، ولكن تحرف على النساخ فتابعهم في "الروضة".
قوله: فروع أكثرها عن ابن سريج: إذا قال أول من دخل الدار من عبيدي أو أي [عبد] من عبيدي دخل أولًا فهو حر، فدخل اثنان معًا ثم ثالث لم يعتق واحد منهم، أما الثالث فظاهر.
وأما الاثنان فلا يوصف واحد منهما بأنه أول.
انتهى كلامه.
وما جزم به من عدم عتق واحد من الاثنين قد ذكر نحوه في باب تعليق الطلاق في الكلام على التعليق بالولادة، ثم قال: وقال الشيخ أبو على: يحتمل وقوع الطلاق عليهما لأن كلا منهما يوصف بأنه أول ولد إذا لم يلد
الجزء: 9 - الصفحة: 430
قبله غيره، لأنه لو قال أول من رد آبقي فله دينار فرده اثنان استحقا الدينار، قال: وعرضته على الشيخ يعني القفال فلم يستبعده.
وإذا علمت ذلك فاعلم أن هذه المسألة هي نظير ما إذا أوصى سيد المكاتب فقال: ضعوا عن مكاتبي أوسط نجومه في العدد، وكان عددها شفعًا فالأوسط اثنان كالثاني والثالث من أربعة، فهل الأوسط كلاهما أو أحدهما فقط ويعينه الوارث؟ فيه خلاف ذكره الرافعي في الباب الثاني من أحكام الكتابة في الحكم الثالث منه، وقد ذكرناه هناك، وبينا أن مذهب الشافعي هو الأول فراجعه.
وإذا ظهر ذلك علمت أن ما قاله الرافعي ههنا وفي الطلاق خارج عن المقالتين جميعًا، وذكر "الرافعي" في باب المسابقة ما حاصله أن الأول يطلق على المتعدد وهذا هو الحق.
قوله: إذا قال أول من يدخل الدار من عبيدي أو أي عبد من عبيدي دخل فهو حر فدخل واحد لا غير، فهل يعتق، لأنه إنما يكون أولًا إذا كان هناك ثان؟ فيه وجهان في تعليق الشيخ أبي حامد أصحهما: أنه يعتق.
انتهى كلامه.
والذي صححه أبو حامد قد صححه النووي في أصل "الروضة".
قوله: ولو قال لعبدين له إذا جاء الغد عتق [أحدهما] وعليه التعيين، ولو باع أحدهما أو أعتقه أو مات قبل مجيء الغد، ثم جاء الغد والآخر في ملكه.
لم يتعين للعتق، وعلل بأنه لا يملك حينئذ إعتاقهما، فلا يملك إيقاع العتق في أحدهما كما لو قال لعبده وعبد غيره أحدكما حر لا يكون له حكم، وهذا غير مسلم، أليس ذكرنا في الطلاق وجهين في ما إذا قال لزوجته وأجنبية: إحداكما طالق أنه هل يقبل قوله أردت الأجنبية.
فقد اتفق
الجزء: 9 - الصفحة: 431
الوجهان على أن له حكمًا وأثرًا، إنما الكلام في أنه هل يمكن من الصرف عن الزوجة.
انتهى كلامه.
وحاصله أن الرافعي مخالف لما قاله هذا القائل من عدم التعيين للعتق، وقد اقتصر في "الروضة" على ذكر المنقول أولًا وعلى بعض تعليله، وأوهم أن الرافعي موافق عليه وهو اختصار عجيب فتفطن له.
قال -رحمه الله-: وخصائص العتق التي ينفرد [بها] عن الطلاق خمس:
الأولى: [السراية] 17.
قوله: ولو قال لأمته الحامل إن كان أول من تلديه ذكرًا فهو [حر] 18، وإن كان أنثى فأنت حرة فولدت ذكرًا وأنثى، فإن ولدت الذكر أولًا أعتق ورقت وإن ولدت الأنثى أولًا عتقت الأم والذكر أيضًا لكونه في بطن عتيقة، وترق الأنثى لأن عتق الأم طرأ بعد مفارقتها.
ولو ولدتهما معا فلا عتق إذ لا أول منهما.
ولو لم يعلم هل ولدتهما معا أو مرتبًا؟ فلا عتق للشك ولو علم سبق أحدهما وأشكل، فالذكر حر بكل حال والأنثى رقيقة بكل حال والأم مشكوك فيها فيؤمر السيد بالبيان.
فإن مات قبل البيان، فالأصح أنها رقيقة عملًا بالأصل، وقال ابن الحداد: يقرع بينهما بسهم رق وسهم عتق، وذكر في "تقريبه" أنه يقرع بينها وبين الغلام، فإن خرجت على الغلام لم يعتق غيره، وإن خرجت عليها عتقت ولم ترق الأم ويجوز أن يقرع بين شخصين وتعمل القرعة في أحدهما دون الثاني.
انتهى كلامه.
ثم استشهد ابن الحداد على ما ذكره آخرًا بمسألة الغراب المشهورة.
الجزء: 9 - الصفحة: 432
وما ذكره الرافعي عن "التقريب" لابن الحداد أسقط من "الروضة".
قوله: فمن أعتق بعض مملوك والباقي لغيره فيعتق نصيبه، فإن كان موسرًا بقيمة باقية لزمه قيمته للشريك، وعتق الباقي عليه.
انتهى كلامه.
وهذا التعبير قد ذكره الرافعي، في غالب هذه المسائل، وهو صريح في إيجاب قيمة النصف مثلًا، لا نصف القيمة وبينهما فرق ظاهر فإن نصف القيمة أكبر من قيمة النصف لأجل [التشقيص] 19 لكن قد ذكر الرافعي، في مواضع ما يخالفه:
منها عقب هذا بأسطر، فإنه ضرب مثالًا في عبد قيمته عشرون، وذلك المثال لا يستقيم إلا على إيجاب نصف القيمة فراجعه.
وقد تقدمت قاعدة هذه المسألة مبسوطة في الباب الرابع من أبواب الصداق.
قوله: في "الروضة": ولو ملك قيمة الباقي لكن عليه دين بقدره قوم عليه على الأظهر واختاره الأكثرون لأنه مالك لما في يده نافذ فيه تصرفه.
ثم قال ما نصه: فعلى الأولى يضارب.
انتهى كلامه.
والحكم الذي ذكره في آخره تفريعًا على أنه لا يحصل بنفس الإعتاق غلط، فإن الكلام على تقدير أن لا يصيبه بالمضاربة ما يرمي بجميع النصيب فإذا فرعنا عليه وفرعنا على أن السراية تتوقف على أداء القيمة، لم يتصور مع ذلك عتق الجميع، بل لا يمكن إلا عتق البعض، وقد ذكره الرافعي على الصواب ولكن حصل في كثير من النسخ إسقاط، وهو من صيغة الإعتاق إلى الإعتاق فوقع للنووي بعض تلك النسخ فاختصر منها.
الجزء: 9 - الصفحة: 433
واعلم أن القول بالتوزيع يتجه إن حجر الحاكم عليه، فإن لم يحجر لم يتعين التوزيع لأنه يجوز لمن عليه ديون أن يوفي ما شاء منها، وإذا ادعى عليه بعضهم ألزمه القاضي بوفاء دين المدعى، وإن أدى إلى إعساره عن ما عداه.
قوله: ولو ملك شقصين من عبدين وأعتقهما مدًا عتق نصيبه منهما وسرى إلى نصف نصيب الشريك من كل منهما فيعتق من كل منهما ثلاثة أرباعه وهذا إذا حكمنا بالسراية في الحال وقلنا اليسار بقيمة بعض النصيب يقتضي السراية بالقسط، وإن أعتق مرتبًا سرى إلى جميع الأول، ثم إن قلنا الدين يمنع السراية فلا سراية في العبد الثاني.
وإلا فيسري وما في يده يصرف إلى الشريك والباقى في ذمته.
وإن كان الشقصان لشخصين صرف إلى [كل] 20 منهما نصفه ولو ملك الشقصين فأعتقهما معًا ولا مال له غيرهما فلا سراية لأنه معسر.
قال الشيخ أبو على: والسراية في الصورة الأولى إنما هو تفريع على غير السراية، فإن قلنا لا تسري إلا بوصول القيمة امتنعت السراية لأنه لم يبق له مال بإعتاق النصف الثاني، ثم قال: وهذا أي ما قاله الشيخ أبو على ليس بواضح، وينبغي أن يكون في ذمته إلى أن يجد فإن مات معسرًا فسيأتي حكمه.
انتهى كلامه.
وما ذكره في الرد على الشيخ أبي على عجيب وذهول عن ما سيأتي في الكلام على شروط السراية، عن الشيخ أبي على والصيدلاني والروياني والغزالي أن طرءان الإعسار على هذا القول مانع من السراية، حتى أنه نقل عن الشيخ أبي على أن عود اليسار بعد ذلك لا أثر له ولم ينقل في المسألتين
الجزء: 9 - الصفحة: 434
إلا احتمال للإمام خاصة فراجعه.
وقد أسقط في "الروضة": مقالة أبى على هذه.
قوله: ولو كان بين ثلاثة عبد فأعتق اثنان نصيبهما وأحدهما موسر دون الآخر يقوم نصيب الثالث على الموسر بلا خلاف.
انتهى كلامه.
وما ادعاه من نفي الخلاف قد تبعه عليه في "الروضة" وليس كذلك فقد جزم القاضي الحسين في "تعليقته" عند الكلام في ما إذا كان المعتق موسرًا ببعض القيمة بأنه يعتق على الموسر بالسراية ما كان يخصه لو كانا موسرين، ثم قال: ويحتمل أن يقال يقوم جميع نصيب الذي لم يعتق على هذا الموسر هذا كلامه، لكنه جزم في موضع آخر بما يخالفه.
[قوله] 21 ولو باع شقصًا ممن يعتق وارثه بأن باع ابن أخيه بثوب، ومات وورثه إخوته فوجد بالثوب عيبا فرده واسترد الشقص وعتق عليه ففي السراية وجهان فإنه تسبب في تملكه لكن مقصوده رد الثوب.
انتهى واعلم أن هذه المسألة قد ذكرها الرافعي بعد ذلك بنحو ست أوراق قبيل الخاصية الثالثة من خواص العتق، واقتضي كلامه أن الأصح فيها عدم السراية، وتابعه عليه النووي في "الروضة".
فإن الرافعي ذكر مسألة ورجح فيها عدم السراية، ثم قال: ويجري الخلاف في كذا وكذا وكذا وذكر هذه المسألة فيها وقد صحح النووي هنا من "زوائده" أنه يسري على خلاف المذكور هناك.
قوله: لو أوصى لزيد بشقص ممن يعتق عليه ولا يعتق على وارثه، كما لو أوصى له بشقص من أبيه وارثه أخوه من الأب فمات وقبل الوصية أخوه عتق ذلك الشقص على الميت وسرى إن كان له تركة بقي ثلثها بقيمة الباقي لأن قبول وارثه كقبوله في الحياة، قال الإمام؛ هكذا ذكره الأصحاب، وفيه
الجزء: 9 - الصفحة: 435
وقفة لأن القبول حاصل من غير اختياره.
انتهى كلامه.
وهو يقتضي أن هذه الوقفة لم يقل بمقتضاها أحد وأن الأصحاب متفقون على السراية، وليس كذلك فقد ذكر الرافعي في الوصية أن الشيخ أبا على ذهب إلى عدم السراية، وحكاه عن بعض الأصحاب.
قوله: وإن أطلق وقال للعبد وهو يملك نصفه: أعتقت نصفك، فعلى ما يحمل؟ فيه وجهان:
أحدهما: على النصف الذي يملكه، فإن الإنسان إنما يعتق ما يملكه.
والثاني: أنه يجري اللفظ على إطلاقه، ويحمل على النصف شائعًا لأنه لم يخصصه بملك نفسه وعلى التقديرين يعتق جميع العبد إذا كان موسرًا أما على التقدير الأول فيعتق [نصفه] 22 الذي يملكه، ثم يسري، وأما على الثاني فلأنه يعتق نصف نصفه وهو ربع العبد، ثم يسري إلى باقي نصيبه، ثم إلى نصيب الشريك.
قال الإمام ولا يكاد يظهر لهذا الخلاف فائدة إلا أن يفرض تعليق طلاق أو عتاق بأن يقول إن أعتقت نصفي من هذا العبد فامرأتي طالق فإن قلنا بالوجه الأول وقع الطلاق، وإن قلنا بالثاني فلا.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره تفريعًا على الوجه الثاني من كونه يسري أولًا إلى باقي نصفه، ثم بعد ذلك إلى نصيب شريكه، لم يذكره في "الروضة" وإنما ذكر مطلق السراية وفيه نظر -أعني الترتيب المذكور- بل ينبغي أن يسرى إليهما معًا ولا يتأخر أحدهما عن الآخر، لأن الموجب لهما موجود ولا مانع
الجزء: 9 - الصفحة: 436
منه.
الأمر الثاني: أن الخلاف تظهر فائدته في غير التعليق في مسألتين:
إحداهما: إذا وكله شريكه في إعتاق نصفه، فإن قلنا: إن العتق يقع شائعًا عتق جميع العبد شائعًا على الموكل [والوكيل]، وإن قلنا يقع على نصيبه لم يعتق حصة الشريك.
وقد حكى ابن الصباغ في هذه الصور وجهين:
أحدهما: أنه يتناول نصيب شريكه لا غير.
والثاني: أنه يختص بنصيب نفسه لأنه لا يحتاج إلى نية.
وهذه الفائدة قد ذكرها ابن الرفعة هكذا مقتصرًا عليها.
المسأله الثانية: سؤال العتق على عوض ولتقدم عليه مقدمة.
وهي أن المرأة لو قالت: طلقني ثلاثًا ولك ألف فطلقها طلقة ونصفا، فهل يستحق ثلثي الألف بوقوع طلقتين، أو النصف خاصة لأنه إنما أوقع نصف الثلاث والتكمل حكم الشرع؟
فيه وجهان في كتاب الخلع من الرافعي من غير ترجيح، ورجح النووي من "زوائده".
الوجه الثاني: فإذا تقرر ما قاله هناك جاء مثله هنا، فإذا قال أعتق النصف الذي لك على ألف فأطلق إعتاق النصف، فإن قلنا يترك على نصفه استحق، وإن قلنا يكون شائعا حتى لا يعتق أولًا إلا نصف نصيبه ثم يسري فالراجح أنه لا يستحق إلا نصف الألف كما تقدم لأن الإعتاق على مال كالخلع على مال كما قاله الرافعي في كفارة الظهار وهو موضع هذه المسائل ثم إن صورة المسألة ما إذا قال أعتقه عنك، وكذا لو أطلق على ما
الجزء: 9 - الصفحة: 437
صححه في الظهار.
أما لو قال عني ففي سريانه خلاف، نقف عليه إن شاء الله تعالى قبل التدبير.
قوله: الثالثة: أقوى القولين أن التدبير لا يمنع السراية.
فإن قلنا لا يسري ورجع السيد عن التدبير فهل يسري حينئذ؟ قال أكثرهم لا.
انتهى.
واعلم أن الصحيح امتناع الرجوع من التدبير بالقول فتكون هذه المسألة مفرعة على الضعيف.
قوله: ولو باع نصف عبد يملك نصفه، فإن قال: بعتك النصف الذي أملكه صح، وإن قال: بعتك نصفه فهل يحمل على ما يملكه أم على النصف شائعًا؟ وجهان.
فعلى الثاني: يبطل في نصيب الشريك، وفي نصف نصيبه قولا تفريق الصفقة، إلى آخر المسألة.
واعلم أن هذه المسألة قد اختلف فيها كلام الرافعي والنووي معًا.
وقد تقدم ذلك مبسوطًا في الباب الثالث من أبواب الإقرار.
قوله: فمنها إذا أولد أحد الشريكين الجارية المشتركة بينهما بالسوية، فإن كان موسرًا سرى الاستيلاء كالعتق، ويسرى بنفس العلوق أو غير أداء القيمة، أو يتبين بأدائها حصول السراية عند العلوق.
فيه الأقوال المذكورة في العتق، وعلى الأقوال يجب على المستولد نصف المهر للشريك مع نصف قيمة الجارية.
ثم قال ما نصه: ثم إن قلنا يحصل الملك بأداء القيمة فيجب مع ذلك قسط نصيب الشريك من الولد، وإن قلنا يحصل بالعلوق أو قلنا بالتبين فقد
الجزء: 9 - الصفحة: 438
حكى الإمام خلافًا للأصحاب في أنه يثبت بعد العتق أو قبله، إن قلنا بعده وجب نصف الولد أيضًا، وإن قلنا قبله لم يجب.
وهذا ما أجاب به في ["المهذب"] 23. انتهى كلامه.
وتعبيره في آخر المسألة بقوله بعد العتق تابعه عليه في "الروضة" أيضًا، وصوابه بعد العلوق فتأمله، وهو المذكور في "النهاية" أيضًا، ثم إن النووي في "الروضة" عبر بقوله: وجب نصف قيمة الولد وذكر المسألة في آخر كتاب الكتابة وعدل عن تعبيره الرافعي بهذه العبارة، وعبر بقوله قيمة نصف الولد.
وسأذكره هناك مختصرًا.
وأما الوجهان اللذان ذكرهما من غير ترجيح في نصيب الشريك من الولد، فالصحيح منهما: هو الوجوب.
كذا جزم به الرافعي في آخر التدبير، وهو أيضًا مقتضى تصحيح الرافعي عدم وجوب قيمة الولد على الأب إذا وطئ جارية ولده.
وقوله في أول المسألة: نصف القيمة ليس بجيد بل صوابه قيمة النصف كما هو مقرر في موضعه.
قوله في "الروضة": ولو كان لواحد النصف وللثاني الثلث وللثالث السدس فأعتق اثنان نصيبهما معا سرى عليهما، وكيف يقوم؟ فيه طريقان.
أحدهما: على قولين كنظيره من الشفعة.
أحد القولين: تكون القيمة عليهما بالسوية.
والثاني: على قدر الملكين.
الجزء: 9 - الصفحة: 439
والطريق الثاني: القطع بأنها على عدد الرؤوس كما لو مات عن جراحاتها المختلفة، ثم قال ما نصه: وهذا الطريق هو المذهب باتفاق فرق الأصحاب إلا الإمام فرجح طريق القول.
انتهى كلامه.
وهذا الحصر ليس بجيد، فقد اختار الغزالي أيضًا طريقة القولين، والعجب أن الرافعي قد نقله أيضًا عنه.
قوله: الثالثة: إن قلنا بالصحيح، وهو أن السراية تحصل بنفس الإعتاق أو قلنا بالتبين، فتعتبر قيمة يوم الإعتاق، وإن قلنا بتأخيرها إلى الأداء ففيه وجوه:
أحدها: تعتبر قيمة [يوم] 24 الأداء.
والثاني: يوم الإعتاق، والثالث: أقصى القيم.
ورجحه الإمام والغزالي، ثم قال: لكن الذي أورده أكثرهم الثاني: ووجهوه بأن الإعتاق هو السبب الموجب للتقويم، وإن أخر التقويم فهو كالمفوضة يجب لها مهر المثل بالدخول باعتبار يوم العقد، لأن البضع دخل في ضمانه يومئذ وعلى أن في المفوضة وجهًا آخر أنه يعتبر يوم الإصابة.
انتهى كلامه.
والرد على الإمام والغزالي في اعتبارهما الأكثر بكلام الأكثرين، وبالقياس على المفوضة صريح في أن الأكثر لا يعتبر في مهر المفوضة أيضًا وفي المسألة اختلاف عجيب سبق إيضاحه في الباب الثالث من أبواب الصداق.
قوله: في "الروضة": ولا يقبل قول العبد إني أحسن الصنعة ولا أحسنها، بل يجرب ولو اختلفا في عيب ينقص القيمة نظر إن ادعى المعتق
الجزء: 9 - الصفحة: 440
عيبًا في أصل الخلقة بأن قال كان أكمه أو أخرس، وقال الشريك بل بصيرًا ناطقًا وقد غاب العبد أو مات صدق المعتق بيمينه على المذهب، وقيل في المصدق قولان:
قال البغوي: والطريقان في ما إذا إدعى النقص في الأعضاء الظاهرة، أما إذا إدعاه في الباطنة فقولان كالصورة الثانية، وهى دعوى حدوث العيب ليمكن الشريك من البينة على سلامة الظاهر.
انتهى كلامه.
وتعبيره قوله قال البغوي: والطريقان إلى آخره غلط فإن البغوي، لم يحك خلافًا بالكلية في هذه الحالة، وهي ما إذا ادعى النقص في الأعضاء الظاهرة، بل جزم بأن القول قول المعتق.
وعبارة الرافعي صحيحة موافقة لما في "التهذيب" فإنه قد قال -أعني الرافعي ما نصه: فيصدق المعتق بيمينه، لأن الأصل براءة ذمته، والأصل عدم ما يدعيه الشريك، ومنهم من جعله على قولين كما لو اختلفا في مقدار القيمة مطلقًا، والظاهر الأول، لكن خصصه في "التهذيب" بما إذا ادعى النقص في الأعضاء الظاهرة، أما إذا ادعاه في الأعضاء الباطنة فهو على قولين، فيما إذا ادعى حدوث العيب، هذه عبارة الرافعي.
فالضمير في قوله: لكن خصه عائد إلى ما قاله الرافعي إنه الظاهر.
وهو الجزم بتصديق المعتق فتوهم في "الروضة" عوده إلى الحكم مع ما فيه من الخلاف فصرح به فوقع في الغلط.
واعلم أن عبارة "الروضة" في صدر المسألة توهم أن العبد يجرب عند إنكار الصنعة، وعند دعواها وهو معلوم البطلان، [وعبارة] 25 الرافعي صحيحة فإنه قال: ولا يقبل قول العبد على الشريك إني لست بخباز لأنه قد يكتم الصنعة ولا على المعتق إني أحسنها، بل يجرب هذا لفظه.
الجزء: 9 - الصفحة: 441
فاختصره النووي على التقديم والتأخير، وأتى بالتجربة عقبهما كما سبق فتفطن له.
قوله: الثانية: إذا أعتق الشريك نصيبه قبل أخذ القيمة لم ينفذ إن أثبتنا السراية في الحال وإن أخرناها إلى أداء القيمة فكذلك في أظهر الوجهين، فإن نفذنا الإعتاق ففي البيع والهبة ونحوهما وجهان، الظاهر المنع، وعن الشيخ أبي محمد القطع به.
وإذا قيل بنفوذ البيع: فهل للشريك أن ينقضه ويبذل القيمة كما ينقض الشفيع مع المشتري؟ فيه احتمال للإمام.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذه الطريقة القاطعة وهي طريقة الشيخ أبي محمد قد أسقطها من "الروضة".
الثاني: أن ما ذكره في النقض قد عبر بمثله في "الروضة" ولا يعلم منه هل فيه نقل أم لا؟ ولا أن المنقول هو النقض أو عدمه؟ ولتعلم أن المنقول هو نقض هذه التصرفات، كذا جزم به القاضي حسين في تعليقه.
قوله: قال الإمام: ويلزم على قولنا بنفوذ البيع أن لا يملك مطالبته به، وأن يكون المعتق مختارًا أن يبذل القيمة كالشفيع في بذل الثمن، وهو ضعيف.
انتهى.
أسقط في "الروضة" المسألة الثانية، مما قاله الإمام، وهي الاختيار مع أنها لا تؤخذ من الأولى فتأمله.
وهذا الاحتمال أبداه القاضي حسين في تعليقه فأخذه منه الإمام.
قوله في "الروضة": السابعة: إذا تعذرت القيمة بإفلاس أو هرب، فقال الشيخ أبو على، والصيدلاني، والروياني يبقى نصيب الشريك رقيقًا ويرتفع الحجر عنه؛ إذ لا وجه لتعطيل ملكه عليه بلا بدل وفيه احتمال للإمام
الجزء: 9 - الصفحة: 442
أنه يثبت العتق.
وجعله الغزالي وجهًا، فقال: الصحيح أن إعسار المعتق يرفع الحجر ولو عاد اليسار.
قال الشيخ أبو علي: لا يعود التقويم لأن حق العتق ارتفع بتخلل الإعسار، وفيه احتمال للإمام.
انتهى كلامه.
وهو غير مستقيم لأنه إن كان التعذر من الفلس وغيره مقاربًا للإعتاق فلا عتق ولا حجر بالكلية، وإن كان طارئًا فالعتق قد وقع واستمر لأن أصح الأقوال تعجيل السراية.
واعلم أن صورة المسألة أن يكون طارئًا وفرعنا على الضعيف، وهو أن السراية لا تحصل إلا بأداء القيمة، أو أنه إذا أداها تبين وقوعها قبل ذلك.
وقد ذكره الرافعي على الصواب، فإنه أدرج هذه المسألة في أثناء التفريع على "الضعيف"، وعبر بتعبير مستقيم، فأفرد النووي المسألة وجزم بها، ولم يفرعها على شيء كما فرع ما قبلها، وما بعدها على الأقوال، ثم إنه عبر في أثنائها بتعبير فاسد فقال: وفيه احتمال للإمام أنه يثبت العتق فاقتضى تعبيره بالعتق أن الكلام مفروض بعد تقدم حصوله.
قوله: فرع: إذا قلنا: لا تحصل السراية قبل أداء القيمة فلو وطئ الشريك الجارية قبل الأداء وجب نصف المهر لنصفها الحر، قال الإمام: وليقع الفرض في وطء محترم وفي ما إذا كانت مكرهة مضبوطة.
انتهى كلامه.
وما نقله عن الإمام وأقره من عدم وجوب نصف المهر للمرأة مع الطواعية لأجل نصفها الحر أو أنه لا يجب لها إلا مع سبب آخر من إكراه، أو ظن ونحوه، كما في الحرة الكاملة.
قد تابعه عليه في "الروضة" أيضًا وهو غير صحيح لأن المقتضي لسقوط
الجزء: 9 - الصفحة: 443
الحد إنما هو شبهة الملك والشبهة قائمة.
وقد حكى الرافعي في باب الكتابة [أن السيد إذا وطئ المكاتبة] عالمة مطاوعة وجب لها المهر على الصحيح المنصوص لأن المقتضي لسقوط الحد هو شبهة الملك وهو موجود في هذه الحالة.
قوله في المسألة: ولا يلزمه النصف لمصادفته ملكه، وقيل يلزمه فعلى هذا يصرف للمعتق لأنه يستحق الانقلاب إليه، وقال الإمام: يجوز أن يقال أنه يصرف إلى الجارية، ثم قال: وينبغي أن يتخير إكرامه، بل يثبته عند السراية حتى لو ماتت الجارية وقلنا: لا سراية بعد الموت، فلا توجبه لتتبين استمرار الملك.
انتهى.
وما ذكره في آخر كلامه قد سقط منه لفظة "لا" قبل التعبير بالتخير، ويكون أصل الكلام، وينبغي أن لا يتخير، ولما أشكل الكلام على النووي حذف المسألة من "الروضة".
قوله: أيضًا في المسألة: وإن قلنا تحصل السراية بنفس الإعتاق فيجب جميع المهر لها، ولا حد للاختلاف في ملكه.
انتهى كلامه.
وما ذكره من عدم وجوب الحد، وإن قلنا أن السراية تحصل بنفس الإعتاق، قد ذكر بعد هذا بنحو ثلاث أوراق بما يخالفه فقال: فروع تتعلق بالسراية: الأول إن قلنا السراية تحصل بنفس الإعتاق فله حكم الأحرار في الميراث والشهادات والحدود والجنايات، وإن لم تؤد القيمة، وإن أخرناها إلى أداء القيمة فله حكم الأرقاء فيها حتى تؤدى، وإن توقفنا توقفنا في هذه الأحكام.
انتهى.
فحكمه بأنه على تعجيل السراية، كالأحرار في الحدود يدل على أن السيد إذا وطئها حدت ولا يتصور التفرقة فيقال: السيد لا يحد والأمة تحد،
الجزء: 9 - الصفحة: 444
وقد ذكر أيضًا ما يوافق الثاني في مواضع من آخر كتاب الكتابة قبيل الحكم الخامس، في الكلام على ما إذا كاتبا جارية ووطئاها جميعًا.
قوله: قال لشريكه إذا أعتقت نصيبك فنصيبي حر، فأعتق المقول له نصيبه، فإن قلنا: السراية تحصل بالإعتاق أو بالتعيين سرى، لأنها قهرية تابعة لعتق نصيبه لا مدفع لها، وموجب التعليق قابل للدفع بالبيع ونحوه، وإن قلنا بالأداء: فنصيب المعلق عن من يعتق فيه وجهان.
انتهى.
وحاصل ما ذكره هنا تقديم السراية على التعليق على الصحيح، وقد تقدم في الباب الأول من أبواب الوصية قبل الركن الرابع ما يشكل عليه، ويقتضى التسوية بين التعليق والسراية، وقد ذكرت لفظه هناك فراجعه.
واعلم أن الراجح على ما ذكره الرافعي في باب تعليق الطلاق: أن المشروط مقارن لشرطه في الزمان ومقتضى السراية: التأخر فصار للمعلق حكم السبق فلم يأت زمن السراية إلا بعد عتق المعلق فلم يصادف محلًا فيترجح بهذا عتق الأم في مسألتنا هنا، ويكون هذا الترجيح معارضًا لما رجح به الرافعي السراية فيتعارضان وتلزم القرعة كما ذكرناه في باب الوصية.
قوله: لأن المعلق لا يقارن المعلق عليه بل يتأخر عنه لا محالة، ثم قال بعده: لأن عتق غانم مشروط بعتقه فلا يؤخذ دونه.
انتهى.
أما الأول فتابعه عليه في "الروضة"، وعبر بقوله: بلا شك، وليس كذلك، فإن في مقارنة الشرط المشروط خلافًا مشهورًا، وقد حكاه الرافعي في أوائل باب تعليق الطلاق في الكلام على التعليق بالتطليق إلا أنه استغربه مع أنه ليس بغريب وأما الأخير فلم يتعرض له في "الروضة"، وصوابه لأن عتق سالم مشروط بعتقه أي بعتق غانم.
الجزء: 9 - الصفحة: 445
وفي هذا الكلام تنبيه على الصواب لمن طالع المسألة.
قوله: فرع: قال أحد الشريكين: أعتقناه معا، وأنكر الآخر فإن كانا موسرين أو القائل وحده حلف المنكر.
كذا أطلقه ابن الحداد، وتابعه جماعة.
وإذا حلف أخذ القيمة من المقر وحكم بعتق جميع العبد، وولاء نصيب المنكر موقوف، فلو مات العتيق ولا وارث له سوى المقر أخذ نصف ماله بالولاء.
وهل له أن يأخذ من النصف الآخر قدر نصف القيمة الذي غرمه للمنكر؟ وجهان:
أحدهما: نعم، لأنه إن صدق فالمنكر ظالم له وهذا ماله بالولاء، وإن كذب فهو مقر بإعتاق جميعه، فجميع المال له بالولاء.
والثاني: لا لاختلاف الجهة.
انتهى.
والأصح على ما قاله في "الروضة" هو الوجه الأول.
قوله: الثاني عن نصه في "الأم" أن العبد المشترك إذا أعطى أحد مالكيه خمسين دينارًا ليعتق نصيبه منه فأعتقه، يرجع الشريك عليه بنصف الخمسين، وبنصف قيمة العبد ويرجع المعتق على العبد بخمسة وعشرين.
قال ابن الصباغ: وينبغى أن يكون هذا كله في ما إذا لم تقع على العين، وإنما سمى خمسين ثم دفعها عنها، وإلا فإذا وقع العتق على العين يجب أن يكون الرجوع بقيمة ما أعتق بالعوض المستحق، قال [الإمام] 26: ويحتمل أن يريد ما إذا كانت قيمة العبد خمسين فيستوى العوض والقيمة.
ولو كان المعتق قد قال: إن سلمت لى هذه الخمسين فأنت حر، لم يعتق لأنها لم تسلم له.
انتهى كلامه.
الجزء: 9 - الصفحة: 446
وقد أسقط النووي هذا الفرع جميعه فلم يذكره في "الروضة".
قوله في "الروضة": الثالث: لو أعتق شركًا له في جارية حبلى وهو موسر ولم تقوم عليه حتى ولدت عتق معها ولدها تفريعًا على السراية في الحال، فأما إذا أخرناها إلى الأداء فنص أنه ينبغي أن لا يعتق الولد معها لأنه إنما يعتق بعتقها إذا كان حاملًا فأما بعد الولادة فلا.
قال القاضي أبو حامد: معناه أن نصيب الذي يعتق من الولد مملوك، فأما نصيب المعتق فيجب أي يعتق.
وقال ابن الصباغ: عندي أنه أراد أن نصيب الذي لم يعتق من الولد لم يعتق بدفع نصف قيمة الأم، وإلا فقد عتق من الولد نصيب المعتق وهو موسر، فيجب أن يسري، قلت: هذا الذي قاله ابن الصباغ متعين والله أعلم.
فيه أمران:
أحدهما: أن تعبيره بقوله معناه أن نصيب الذي يعتق إلى آخره، وقع كذلك في "الروضة" التي هي بخط المصنف وصوابه لم يعتق أي بإثبات لم كما في مثله في الذي بعده بقليل وبه صرح الرافعي.
الأمر الثاني: وهو تفريع على الصواب المذكور في الرافعي وهو إثبات لم أي تفسير أبي حامد لكلام، الشافعي حاصله أن الذي لم يصدر منه إعتاق يستمر نصيبه من الولد مملوكًا ولا يعتق بالكلية ويكون العتق خاصًا بنصيب المباشر، ورده، ابن الصباغ، فقال مالك النصف قد أعتق نصيبه من الحمل وهو موسر، فيجب أن يسرى.
قال: ومراد الشافعي أن نصيب الشريك من الحمل لا يعتق بدفع نصف قيمة الأم وعتقها قال: لأنه لا يتبعها بعد الوضع، هكذا علله
الجزء: 9 - الصفحة: 447
صاحب "الشامل".
قوله: الرابع: وكل أحد الشريكين الأخر في عتق نصيبه، فقال الوكيل للعبد: أعتقت نصفك فإن قال أردت نصيبي قوم عليه نصيب شريكه، وإن قال أردت نصيب شريكي قوم على الشريك وإن أطلق فيعتق عن الموكل لأنه أعتق بعد أمره أو عن الوكيل لأن إعتاقه عن نفسه مستغني عن النية؟ فيه وجهان في "الشامل".
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن النووي قد رجح في "الروضة" من "زوائده" الثاني، فقال: لعل الأصح حمله على نصيب الوكيل وما رجحه بحثًا قد جزم به الغزالي في الخلع ولو قيل بالتخيير كما في التخيير بين العبدين لكان متجهًا.
الأمر الثاني: أن تعليل الوجه الثاني يقتضي الجزم باشتراط النية من الوكيل إذا أعتق عن موكله، وقد سبق في أواخر تعليق الطلاق في آخر الفصل المنقول عن أبي العباس الروياني ما قد يشكل على هذا، فقال: والوكيل بالطلاق إذا طلق لا يحتاج إلى نية إيقاع [الطلاق] 27 عن موكله في الأصح، هذا لفظه، وإنما احتاج في مسألتنا هذه وهي مسألة العتق إلى النية لتردد تصرفه بين أمرين أحدهما بطريق الأصالة فلم يتصرف عن الأصل إلى العارض إلا بالنية، كما لو كان وكيلًا في شراء شيء فاشتراه، فإنه لا ينصرف عنه إلى موكله إلا بالنية، فوكيل الطلاق نظير الوكيل بالبيع ولم يشترطوا فيه النية، إلا أنه لابد من جريان خلاف الطلاق فيه.
وإذا علمت ذلك تعين تخصيص الكلام المذكور في الطلاق بما إذا لم
الجزء: 9 - الصفحة: 448
يعارض تصرف الوكالة تصرفًا آخر بطريق الأصالة، كما لو وكله شريكه في بيع نصيبه فأطلق بيع النصف.
الأمر الثالث: أن هذا الذي نشأ عنه هذا الكلام كله، وهو ما اقتضاه تعليل الوجه الثاني من اشتراط نية الوكيل قد حذفه النووي فلم يذكره في "الروضة" بالكلية.
قوله: ولو وهب للصبي بعض من يعتق عليه أو أوصى له به فإن كان الصبي معسرًا قبله [28 الولي لأنه لا سراية حتى يتضرر بها.
ولا نفقة، وإن كان موسرًا ففيه قولان:
أظهرهما: لا يقبل ويعتق عليه البعض ولا يسري.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على تصحيح امتناع القبول ثم خالف في "تصحيح التنبيه" فصحح لزوم القبول.
قوله: وإذا ملك قريبه في مرض موته بإرث فهل يعتق من رأس المال أو من الثلث؟ فيه وجهان.
أصحهما: الأول.
إلى آخره.
انتهى.
هذه المسألة سبق الكلام عليها في الركن الرابع من أركان الوصية وسبق أن الأصح في "المحرر" و"المنهاج" هو الثاني.
قوله: وكذا لو أوصى لإنسان بابنه فمات قبل قبول الهبة وقبلها أخوه عتق الشقص على الميت وسري إلى الباقي إن وفي به الثلث، ونزل قبول الوارث منزلة قبوله في حياته.
انتهى.
وتعبيره بقوله بابنه مع قوله عتق الشقص غير صحيح، وصوابه: فبعض ابنه، وكأنه كان هكذا في الأصل ولكن سقط.
الجزء: 9 - الصفحة: 449
وقد وقع في "الروضة" على الصواب.
قوله: ولو وهب لعبد بعض من يعتق على سيده فقبل وقلنا: يصح قبوله بغير إذن سيده عتق الموهوب على السيد وسرى، لأن قبول العبد كقبوله شرعًا.
انتهى.
هذه المسألة قد وقع فيها اضطراب وسنقف عليه إن شاء الله تعالى في الكتابة.
والصواب: هو السراية لما ذكره.
ولهذا صححوا أن السيد يحلف على البت حيث حلف على نفي فعل عبده.
وعللوه بأن فعله كفعله.
قوله في "الروضة": فإذا أعتق المريض عبدًا لا مال له سواه لم يعتق إلا ثلثه.
وإن مات هذا العبد بعد موت السيد مات حرًا ثلثه.
وإن مات قبل موت السيد فهل يموت كله رقيقا أم كله حرًا؟ أم ثلثه حرًا وباقيه رقيقًا؟ فيه أوجه:
أصحها عند الصيدلاني: الأول.
وبه أجاب الشيخ أبو زيد في مجلس الشيخ أبي بكر المحمودي فرضيه وحمده عليه.
لأن ما يعتق ينبغي أن يحصل للورثة مثلاه.
ولم يحصل لهم هنا شيء.
وتظهر فائدة الخلاف في شيئين:
أحدهما: إذا وهب في مرض الموت عبدًا لا يملك غيره وأقبضه ومات العبد قبل موت السيد.
فإن قلنا في مسألة العتق: يموت رقيقًا فما هنا يموت على ملك الواهب
الجزء: 9 - الصفحة: 450
وعليه مؤنة تجهيزه.
وإن قلنا: يموت حرًا، فما هنا يموت على ملك الموهوب منه وعليه المؤنة.
وإن قلنا بالوجه الثالث: وزعت المؤنة عليهما.
انتهى.
وما نقله هنا من ترجيح مؤنته على أن الرق قد تقدم ما يخالفه في كتاب الوصية قبيل باب الزوج.
وقد تقدم ذكر لفظه هناك فراجعه.
قوله: لأن الهبة ليست مضمنة والإتلاف مضمن.
إلى آخره.
واعلم أن هذه المسألة وهى كون الهبة الفاسدة هل تقتضي الضمان أم لا؟ قد ذكرها الرافعي في مواضع من هذا الكتاب واختلف فيها كلامه وكذلك كلام "الروضة" اختلافًا عجيبًا، وقد تقدم بسطه في آخر الهبة فراجعه.
قوله: ولو قال أعتقت ثلث كل واحد منكم أو أثلاث هؤلاء أحرار.
فوجهان:
أحدهما: أن لا يقرع بينهم بل يعتق من كل واحد ثلثه لتصريحه بالتبعيض.
وأصحهما على ما ذكر في "التهذيب": أنه يوزع.
انتهى.
والصحيح ما ذكره البغوي فقد قال الرافعي في "الشرح الصغير" والنووي في "الروضة": إنه الأصح.
قوله: ولو قال لأمته الحامل في مرض موته أنت حرة أو ما في بطنك ولم يتفق تعيين وولدت بعد موت المعتق لأقل من ستة أشهر فهل يحسب على الوارث؟ قال البغوي: إن قلنا: إن الحمل يعرف حسب وإلا فلا.
الجزء: 9 - الصفحة: 451
وأطلق الصيدلاني فيه وجهين.
انتهى.
والراجح: الأول.
فقد جزم به أيضًا الماوردي والروياني.
قوله: ولو أعتق عبيدًا لا مال له غيرهم وعليه دين.
فقال الوارث: اقض الدين من موضع آخر وأنفذ العتق في الجميع.
فهل ينفذ العتق؟ فيه وجهان.
انتهى.
والصحيح هو النفوذ.
كذا جزم به الرافعي بعد هذا بنحو صفحة ولم يتفطن له في "الروضة".
لكنه رجح بحثًا ما يوافق هذا فقال: ينبغي أن يكون الأصح هو النفوذ.
قوله: إذا قال لأمته: أول ولد تلدينه فهو حر.
فولدت ميتًا ثم حيًا لم يعتق الحي لأن اليمين قد انحلت بولادة الميت.
زاد في "الروضة" على هذا فقال: قلن: إن كانت حاملًا حال التعليق صح قطعًا وكذا إن كانت حائلًا في الأظهر أو الأصح كما لو أوصى بما ستحمل.
والثاني: لا لأنه تعليق قبل الملك.
انتهى كلامه.
وهذه الزيادة قد ذكرها الرافعي في باب تعليق الطلاق.
قوله: ولو قال لعبده: أنت حر كيف شئت] 29.
قال أبو حنيفة: يعتق في الحال، وقال صاحباه: لا يعتق حتى يشاء.
قال ابن الصباغ: وهو الأشبه.
انتهى.
هذه المسألة فيها خلاف عندنا ذكره الرافعي مبسوطًا في تعليق الطلاق في الفصل المعقود للتعليق بالمشيئة مع زيادة أخرى متعلقة بالمسألة لابد من
الجزء: 9 - الصفحة: 452
معرفتها فراجعه.
قوله: وذكرنا في الرهن وجهين في أن تعلق الدين بالتركة كتعلق الرهن، أو الجناية إلى آخره.
اعلم أن الراجح هناك أن الخلاف قولان لا وجهان، وقد ذكرت لفظه هناك.
قوله: الحال الثاني: إذا قال أحدكم حر ولم ينو معينًا فيؤمر بالتعيين ويوقف عنهم، ثم قال وإذا قال عينت هذا بل هذا عتق الأول وكفي قوله الثاني.
لأن العتق حصل في الأول بخلاف قوله عينت هذا بل هذا لأنه اختيار.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره في أول هذا الكلام ظاهره تحريم وطء الأمتين، لكنه ذكر في نظيره من الطلاق أنا إن جعلناه تعيينًا لم يحرم وإلا حرم، وحينئذ فيكون الأكثرون على الإباحة هنا لأن الأكثرين على ما نقله في هذا الباب أنه يكون تعيينًا، فاعلم ذلك.
الأمر الثاني: أنك قد علمت أن الرافعي قد ذكر هنا لفظ عينت مرتين، فالأول بياء ثم نون والثانية بالعكس، ولما اختصره في "الروضة" عبر بلفظ نويت مرتين كذا رأيته بخطه كما هو في النسخ أيضًا وهو سهو.
قوله: ثم العتق في المبهم هل يحصل عند التعيين أم يتبين حصوله من وقت اللفظ المبهم؟ وجهان سبق نظيرهما في الطلاق، وخرج على الخلاف أنه لو مات أحدهم فعينه فهل يصح؟
إن قلنا يحصل العتق عند التعيين فلا لأن الميت لا يقبل العتق.
انتهى كلامه.
وما ذكره من بطلان التعيين في الميت تفريعًا على الوقوع بالتعيين، قد
الجزء: 9 - الصفحة: 453
خالفه في نظيره من الطلاق، فإنه جزم بالوقوع في حياة الميت وحكى وجهين في أنه يقع قبيل الموت أو عند الإيقاع للضرورة ويرتفع الخلاف.
وقد سبق ذكر عبارته في موضعها، وهو باب الشك في الطلاق فراجعها.
والمسألتان على حد سواء.
قوله: وقتل السيد أحدهم ليس بتعيين ثم إن عين في غير المقتول لم يلزم إلا الكفارة، وإن عين في المقتول لم يجب القصاص للشبهة، وأما المال فإن قلنا العتق يحصل عند التعيين لم يجب وإن قلنا عند الإبهام لزمه الدية لورثنه وإن قتل أجنبى أحدهم فلا قصاص إن كان القاتل حرًا، ثم إن عين في غير المقصوص لزمه القيمة، وإن عين فيه وقلنا العتق يحصل عند التعيين فكذلك، كما لو نذر إعتاق عبد بعينه فقتل، وإن قلنا عند الإبهام لزمه الدية لورثة المقتول.
انتهى كلامه.
وهذا البناء المذكور في المبهم قد تابعه عليه في "الروضة" وهو غلط، فقد تقدم قبل هذا بأسطر وذكر أيضًا في المسألة السابقة أنه إذا مات أحدهم لم يصح تعيينه إن قلنا بحصول العتق عند التعيين، وعلله بأن الميت لا يقبل العتق وحينئذ فتعين المقتول في مسألتنا إنما يصح على القول بالوقوع من حين اللفظ خاصة، ثم إن قياس ما ذكرناه في المقتول أن يطرد في كل موضع يزيل الملك كالبيع والإعتاق ونحوه، على خلاف ما ذكره أيضًا.
قوله: ولو قال أول عبد رأيته من عبيدي حر، فرأي أحدهم ميتًا انحل اليمين، فإذا رأى بعده حيًا لا يعتق.
انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره ههنا وتبعه عليه في "الروضة" من كون الرق يبقى بعد الموت حتى يصدق عليه أنه عبد له يترتب عليه ما يترتب على غيره من الأحياء في هذه المسألة يخالف ما ذكره الرافعي في آخر الباب الثاني من
الجزء: 9 - الصفحة: 454
كتاب الأيمان في الكلام على تكفير العبد من كون الرق يزول بالموت، وتبعه أيضًا عليه في "الروضة" أيضًا فقال: ولأن الرق لا يبقى بعد الموت فهو والحر سواء هذا لفظه، ولا أثر هنا للصدق الجاري بدليل ما لو رأى عتيقًا من عتقائه.
قوله في "الروضة": الخامسة لو قال لعبديه أعتقت أحدكما على ألف، وأحدكما حر على ألف، لم يعتق واحد منهما ما لم يقبلا إلى آخر المسألة.
ذكر الرافعي في آخرها كلامًا يعلم منه أنه لا فرق في القول بين أن يقصد واحدًا معينًا أم لا فإنه ذكره بحثًا قال ويمكن أن يقال إن لم يقصد إلى أخره.
قوله: أيضًا في "الروضة": السادسة: جارية مشتركة زوجها الشريكان بابن أحدهما، فأتت منه بولد يعتق نصفه على الجد، ولا يسري إلى النصف الأخر إذا لم يعتق عليه باختياره.
انتهى.
حكى، الرافعي هذا وجهًا أن هذا النصف انعقد حرًا لا رقيقًا، ثم يعتق، وحكى عن الغزالي أنه توسط فقال هنا: وفي ما إذا اشترى قريبه أنه يندفع الملك عنه بموجب العتق، ولا يقول أنه حصل ثم انقطع لمصادقته له، والذي اختاره الغزالي هو رأي الأستاذ أبي إسحاق.
قوله فيها أيضًا: فرع: مات عن ابن حائز للتركة وهي ثلاثة أعبد قيمتهم سواء فقال الابن أعتق أي في مرضه هذا وأشار إلى أحدهم ثم قال بل هذا، وهذا يعني الأول وآخر معًا، ثم قال بل أعتق الثلاثة معًا، قال، ابن الحداد إلى قوله قال الشيخ أبو على ولو كانت قيمتهم مختلفة بأن كانت قيمة الأول والثاني المضموم إليه مائتين والثالث ثلثمائة، فالأول حر بكل حال لإقراره الأول وهو دون الثلث، فإن أقرعنا بينه وبين الثاني وخرج سهم العتق للأول عتق من الثاني أيضًا نصفه، وإن خرج السهم للثاني عتق كله.
انتهى كلامه.
الجزء: 9 - الصفحة: 455
وما ذكره في أخر هذا الفصل من كونه لا يعتق من الثاني إلا ما عتق بالقرعة الأولى.
نقله الرافعي عن الشيخ أبي على السنجي خاصة كما هو مقتضى كلام المصنف، ثم استدرك عليه إستدراكًا صحيحًا متعينًا نقله عن الإمام فقال واعترض عليه الإمام، كأن الثاني استحق بالإقرار الثاني أن يقرع بينه وبين الأولين فإن لم تكمل له الحرية في القرعة الأولى فخرج سهم العتق للأول وجب أن تكمل في القرعة الثانية إذا خرج سهم العتق إلا له لأنه قضية الإقرار الثالث، وكذلك عند استواء القيم إذا لم يعتق بالقرعة الأولى يعتق بالثانية إذا خرج السهم له.
هذا لفظه.
قوله: فرع: لو كان له أربع إماء، ثم قال في آخره ما نصه: واستيعاب الاحتمالات يطول وضابطه أن ينظر في كل قرعة، فمن بان أنها عتقت بعد وطئها فلها المهر.
ومن بان أنها عتقت بعد وطئها فلا مهر، ومن بان أنها عتقت بوطئها فيه الوجهان.
انتهى.
أهمل في "الروضة" القسم الثاني، مع أن الحكم متوقف عليه بلا شك، وكأنه سقط من لفظه بان إلى بان.
قوله: ولو شهد شاهدان أنه أعتق الثلانة دفعة، وقال الوارث: أعتق هذين دون ذاك قال ابن الحداد: يقرع بين الثلاثة، فإن خرج سهم العتق الذي أنكره الوارث عتق، وتعاد الفرعة لإقرار الوارث بين الآخرين، فمن خرجت له عتق بإقرار الوارث، وإن خرجت أولًا لأحد الاثنين اللذين أقر بإعتاقهما عتق ورق الآخران.
انتهى كلامه.
وما نقله عن، ابن الحداد، في أخر هذا الكلام، من أنا إذا أقرعنا بين الثلاثة.
فخرجت القرعة أولًا لواحد من الاثنين اللذين أقر الوارث
الجزء: 9 - الصفحة: 456
بإعتاقهما عتق وحده ورق الآخران.
قد نقل الرافعي عن بعض الأصحاب ما يخالفه وحاصله أنا إذا أقرعنا بين الثلاث لأجل البينة فخرجت القرعة على واحد من اللذين اعترف الوارث بهما، فلابد من قرعة أخرى بينهما فقط لأجل اعترافه، وسببه أن خروج القرعة على واحد منهما عند الاقتصار عليهما أقرب من ذلك عند انضمام الثالث، وحينئذ فإذا أقرعنا بينهما ثانيًا، فإن خرجت القرعة على الذي خرج أولًا لم يعتق غيره وإن خرجت للآخر عتقا جميعًا، ولا يشترط في هاتين القرعتين ترتيب.
هذا حاصل كلام الرافعي واقتصار النووي على الأول غريب.
قوله: أوصى بعتق عبد يخرج من الثلث فعلى الوارث إعتاقه فإن امتنع ناب عنه السلطان.
انتهى.
تابعه في "الروضة" عليه، ونقله إلى ما قبل هذا بأوراق، لكن محل إعتاق الوارث إنما هو عند تفويض الموصى إليه، وإن لم يفوض إلى أحد أعتق السلطان.
الجزء: 9 - الصفحة: 457
قال -رحمه الله- الخاصة الخامسة
قوله: ومن أعتق عن غيره بغير إذنه وقع العتق عنه، وكان الولاء له دون المعتق عنه خلافًا لمالك.
انتهى.
وهذا الذي ذكره ههنا قد وقع عكسه في "الروضة" فإنه عبر بقوله: وقع العتق عن المعتق عنه وله الولاء دون المعتق، هذه عبارته ثم قوى ذلك وأكده، كأن كتب بخطه لفظة صح مرتين مرة هذا هو الصواب، فإن توهم خلافه فاسد والذي قاله خطأ فاحش، وقد تقدم في الظهار نقلًا عن البغوي، من غير مخالفة له أنه لو قال اعتق عبدك عنى على ألف فقال أعتقته عنك مجانًا عتق عن المعتق دون المستدعى، هذا كلامه.
ومسألتنا أولى منها بذلك، نعم ذهب بعضهم في مسألتنا إلى أنه لا يعتق عن نفسه أيضًا كما لا يقع عن الغير، حكاه البغوي قبيل باب كتابة الكفار.
قوله: ولو أعتقه على أن يكون سائبة لغى الشرط وثبت له الولاء.
انتهى.
قال الجوهري: كان الرجل إذا قال لعبده أنت سائبة فقد عتق ولا يكون ولاؤه لمعتقه ويعطى ماله لمن يشاء.
قوله: وإن كان الأب رقيقًا والأم معتقة فولاء الولد لمعتقها، فلو أعتق الأب انجر الولاء إلى معتقه، وكذا الجد عند عدم الأب فلو أعتق الجد والأب رقيقا فوجهان:
أظهرهما: أنه ينجر إليه، فإن قلنا: لا ينجر فمات الأب.
فهل ينجر إليه، أي إلى معتق الجد بالعتق السابق؟ فيه وجهان.
انتهى.
الجزء: 9 - الصفحة: 458
لم يصحح شيئا في "الشرح الصغير" أيضًا، وقال في "الروضة" من "زوائده" أن الانجرار أقوى.
قوله في المسألة: فلو اشترى هذا الولد أباه ثبت له الولاء عليه، وعلى إخوته وأخواته الذين هم أولاده، وهل يجر ولاء نفسه من موالى الأم؟ فيه وجهان:
أصحهما وهو المنصوص: لا بل يبقى ولاؤه لموالى الأم لأنه لا يمكن أن يكون له على نفسه ولاء.
انتهى.
ذكر مثله في "الشرح الصغير"، وصحح في "المحرر" أنه يجر.
فقال: وهل يجر الولاء إلى نفسه حتى يزول عنه الولاء؟ [أو لا يجر ويبقى عليه الولاء لموالى الأم؟ فيه وجهان: أصحهما: الأول] 30 هذا لفظه وهو اختلاف عجيب لتعبيره بالأصح في الموضعين، والظاهر أنه سها عن الثاني إلى الأول، وقد صحح في "المنهاج" ما صححه في "الروضة".
قوله في "الروضة": ولو خلق إنسان حرًا من حرين وكان في أجداده رقيق، ويتصور ذلك في لكاح الغرور، وفي الوطء بالشبهة إذا عتقت أم أمه ثبت الولاء عليه لمعتق أم الأم فإذا أعتق أبو أمه بعد ذلك انجر الولاء إلى مولاه، فإذا أعتقت أم الأب بعد ذلك انجر الولاء من مولى أبى الأم إلى مولى أم الأب، فإذا أعتق أبو أبيه بعد ذلك انجر الولاء إلى مولاه.
انتهى كلامه.
وتعبيره بقوله، وكان في أجداده رقيق ويتصور ذلك في نكاح الغرور ووطء الشبهة إلى آخره كلام عجيب، فإن الحر الذي في أجداده رقيق لا يتوقف تصويره على ما ذكره من الغرور أو الشبهة، سواء كان ذلك الرقيق من جهة الأب أو الأم، فإن وجوده من النكاح الصحيح واضح جلى
الجزء: 9 - الصفحة: 459
فتأمله.
وكلام الرافعي -رحمه الله- صحيح، فإنه فرض المسألة فيما إذا كانت أجداده أرقاء فلذلك احتاج إلى تصويره فإنه عبر بقوله والذي خلق حرًا من أبوين حرين، إذا كانت أجداده أرقاء ويتصور ذلك إلى آخره.
فحرفه، النووي إلى ما يراه وهو عجيب.
قوله: ويتعلق بالولاء ثلاثة أحكام الميراث وولاية التزويج، وتحمل العقد.
انتهى.
ويرد عليه التقديم في غسل الميت والصلاة عليه ودفنه، واقتصر في "الروضة" على إيراد الدفن، فقال: قلت: ورابع وهو التقديم في صلاة الجنازة، والله أعلم.
والذي ذكره غريب.
قوله: ولو اشترى أخ وأخت أباهما فعتق عليهما، ثم أعتق عبدًا، ومات العتيق ولم يخلف إلا البنت، فلها ثلاثة أرباع الميراث، النصف لأنها معتقة نصف المعتق، ونصف الباقي لولاء السراية على معتق الأخ بإعتاقها نصف أبيه فهي معتقة نصف إلى معتق معتقه.
انتهى كلامه.
وتعبيره في أخره بقوله فهي معتقة إلى آخره، تعبير غير مستقيم فتأمله وقد تابعه عليه في "الروضة".
قال -رحمه الله- ونختم الكتاب بفصل يشمل على فروع [من الولاء] 31 وغيره.
قوله: نقلًا عن "فتاوى القفال" وإذا اشترى المكاتب بعض أبيه، يعتق بعتقه كما يكاتب عليه مادام مكاتبًا، فإذا عتق فلا يقوم عليه الباقي لأنه يقصد بأداء النجوم عتق نفسه، وعتق الأب يحصل تبعًا.
الجزء: 9 - الصفحة: 460
وقال في الأخيرة: الصواب: أنه لا يقوم عليه لأنه لم يعتق عنه.
إذا علمت ذلك فالذي ذكره النووي في الأول واضح لأن لفظي حر، وقيل في هذا في الكلام خبران عن أنت وليس أحدهما مرتبطًا بالآخر.
وأما المسألة الثانية: فالصواب فيها مقالة ثالثة، وهي عتق الأول دون الثاني، ووجهه ما ذكرناه من كونها خبرين مستقلين.
وسكت عما إذا قال أنت تعلم أن العبد الذي في يدي حر.
وهذه المسألة قد ذكر نحوها في باب تعليق الطلاق في الفصل المنقول عن أبي العباس الروياني فراجعه وتأمل ما بينهما.
قوله في "الروضة": عطفًا على الفروع المحكية عن والد الروياني وغيره؛ وأنه لو وكل وكيلًا في عتق عبد فأعتق الوكيل نصفه فهل يعتق نصفه فقط أم يعتق ويسري إلى باقيه أم لا يعتق منه شيء لمخالفته؟
فيه أوجه: أصحها: الأول.
انتهى.
واعلم أن الرافعي لم يصحح في نفوذ العتق في النصف شيئًا بالكلية، ولا نقله عن أحد، وإنما حكى وجهين من غير ترجيح، ثم فرع على الوجه القائل بالنفوذ في النصف الذي أعتقه الوكيل، فحكى وجهين في أنه هل يسري أم لا؟ ، وحكى أن الراجح عدم السراية كما ذكر في "الروضة".
ثم إنه قد سبق في "الروضة" في آخر الخصيصة الأولى في المسألة الثالثة عشرة أنه إذا وكل شريكه في عتق نصيبه، وأعتق الشريك النصف الموكل فيه، سرى إلى نصيب الوكيل فإذا حكم بالسراية إلى ملك الغير بسبب العتق الصادر من وكيله، فلأن يسري بسبب ذلك إلى ملك نفسه بطريق الأولى فكيف يستقيم الجمع بينهما؟ .
الجزء: 9 - الصفحة: 461