المهمات في شرح الروضة والرافعيكتاب الديات
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وفيه أبواب:

الباب الأول: في دية النفس

قوله: روي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إن أعتى الناس على الله تعالى ثلاثة: رجل قَتَلَ في الحرم، ورجل قَتَلَ غير قاتله ورجل قَتَلَ رجلًا بذحل في الجاهلية" 1.انتهى.
العتو: بالتاء المثناة: وهو التجبر والتكبر، يقول: عتا يعتو عتوًا وعتيا بضم العين وكسرها فهو عات، وأما عثيا بالثاء المثلثة يعثو فمعناه أفسد، وكذلك عثي بكسر الثاء يعثي بفتحها؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ 2 وأما تعبيره بقوله: غير قاتله، فهو مجاز جعل قاتل مورثه قاتلًا له، ومنه في حديث جبير: "أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم أو قاتلكم" 3.

الجزء: 8 - الصفحة: 211

وأما الذحل فهو بذال معجمة وحاء مهملة ساكنة وهو الحقد والعداوة، يقال: طلب بذحله أي: بثأره، والجمع ذحول، قاله الجوهري.
والحديث المذكور رواه جماعة منهم ابن عدى في "الكامل".
ووقع في الباب هنا ألفاظ.
منها: السن الشاغبة بشين وغين معجمة بعدهما باء، وهي الزائدة التى خالف نباتها نبات الأسنان.
ومنها الفسطاط بيت من شعر، وفستاط بالتاء، وفساط بسين مشددة لغتان فيهما وكسر الفاء لغة فيهن؛ فتحصلنا على ست لغات.
وسميت مدينة مصر بالفسطاط لأنها بنيت في الموضع الذى كانت فيه خمية عمرو بن العاص حين فتحها لما كان أميرًا على الجيش.
ومنها المهرية والأرحبية نوعان من الإبل تقدم الكلام عليهما في الزكاة.
ومنها الإيالة بهمزة [مكسورة] وياء بنقطتين من تحت وهي السياسة وأما الثندوة فبثاء مثلثة تفتح وتضم بعدها نون ساكنة ثم دال مهملة مضمومة وواو مفتوحة إن فتحت الثاء، وإن ضممتها قلبت الواو همز.

قوله: إحداهما: إذا قتل في دار الحرب مسلمًا ظنه كافرًا فلا دية في أصح القولين، فإن أوجبنا فثلاثة أوجه: أحدها: أنها دية العمد؛ لأنه قتله متعمدًا، والثاني: دية شبه العمد؛ لأنه وإن تعمد القتل لم يقصد قتل المسلم، والثالث: دية الخطأ المحض؛ لأنه معذور في الفعل.
انتهى.
لم يرجح شيئًا في "الروضة" أيضًا والصحيح الثاني؛ فقد نص عليه الشافعي في "الأم" فقال بعد حكايته لهذه الصورة وغيرها ما نصه: وكل هذا عمد خطأ يلزمه اسم الخطأ لأنه أخطأ بأنه لم يعمد قتله وهو مسلم وإن كان عمدًا بالقتل.

الجزء: 8 - الصفحة: 212

واعلم أن الغزالي في "الوجيز" جعل الخلاف ثلاثة أوجه فتبعه عليه الرافعي وقال في "الوسيط": إن الأولين قولان والثالث وجه.

قوله: الثانية: إذا رمى إلى مرتد أو حربي فأسلم ثم أصابه السهم ومات فالأصح وجوب الدية وفي كيفيتها الوجوه الثلاثة المذكورة في المسألة الأولى، وهذه الصورة أولى بأن تلحق بالخطأ لأنه لم يكن معصومًا عند الرمى، ويشبه أن يكون هو الأظهر لما ذكرنا أن الإمام رأي القطع به فيما إذا خرج مرتدًا أو حربيًا فأسلم ثم مات، ولكن في كتاب ابن كج أنه إذا أصاب سهمه من أسلم وكان مرتدًا عند الرمى ولم يكن قصد إلى رميه تكون الدية في ماله لا على عاقلته لأنهم يقولون إنك لما أرسلت السهم كان الرمى مهدرًا لا يلزمنا في قتله شيء.
انتهى كلامه.
وما أشار إليه الرافعي من ترجيح إلحاقه بالخطأ حتى يجب على العاقلة صرح بترجيحه في "الروضة" فقال: إنه الأرجح، وما قالاه مردود بل الصواب أنها في ماله.
كذا نص عليه الشافعي في "الأم" فقال ما نصه: إذا ارتد الرجل عن الإسلام فرماه رجل ولم تقع الرمية به حتى أسلم فمات منها فلا قصاص على الرامى وعليه الدية في ماله حالة.
كذا أرش الجرح إن لم يمت منها حالا لأنه عمد.
هذا لفظه بحروفه.
فانظر إلى أمثال هذه النصوص الصريحة الواضحة كيف يغفلون عنها ويتحيلون في ترجيح ضعيف مستند إلى مقالة بعض المتأخرين المعدودين من المصنفين، ثم إن ما استدل به الرافعي من كلام الإمام على الأولوية فليس نظير ما نحن فيه لأن الإهدار هناك اقترن بالسبب الحقيقي وهو الجرح بخلاف مسألتنا، ولهذا لم يضمنه هناك وضمنه هنا.

قوله في "الروضة": فرع: الغالب أن الناقة لا تحمل حتى يكون

الجزء: 8 - الصفحة: 213

لها خمس سنين وهي الثنية، ولو حملت قبل ذلك ففي قبولها في الخلفات قولان: أظهرهما: نعم.
انتهى كلامه.
وما ذكره من جعل الخلاف قولين هو الصواب، وجعله في "المنهاج" وجهين؛ فإنه عبر بلفظ: الأصح، والرافعي سالم من هذا التناقض فإنه عبر في "المحرر" أيضًا بالأصح فقط، وليس له فيه اصطلاح كما تقدم لك ذكره.

قوله: ومن لزمته الدية فإنه لم يملك إبلًا فيلزمه من غالب إبل البلد، فإن تعذر لزمه النقل إلا إذا تعدت المسافة، وأشار بعضهم إلى ضبط البعد بمسافة القصر.
ثم قال: وقال الإمام: إن زادت مؤنة إحضارها على قيمتها في موضع الغرة لم يلزمه [تحصيلها] وإلا لزمه.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" ومقتضاه أن الإمام يعتبر المؤنة خارجة عن القيمة وليس كذلك وقد صرح الغزالي في "البسيط" باعتبارها لما [شرح] كلام إمامه فقال: ومعنى العجز أن يبعد عن القطر بعدًا تزيد قيمته مع مؤنة النقل على ما يشتري به في المحل المطلوب وهو محل العير زيادة تعد عنتًا في نقل الإبل.
هذه عبارته.

قوله: وإن ملك إبلًا فإن كانت من غالب إبل البلدة أو القبيلة فذاك، وإن كانت من صنف آخر أخذت أيضًا، وقيل: يجب الغالب.
وإذا اعتبرنا إبل من عليه فتنوعت فوجهان: أحدهما: يؤخذ من الأكبر، فإن استويا دفع ما شاء.
والثاني: يؤخذ بالقسط.
قال: والوجهان مبنيان على القولين في الزكاة إذا تنوع النصاب نوعين فصاعدًا.
انتهى كلامه.
فيه أمران:

الجزء: 8 - الصفحة: 214

أحدهما: أنه يؤخذ من هذا البناء تصحيح الثاني لأنه المصحح في الزكاة، وقد حذف النووي البناء المذكور من "الروضة"، وحكي وجهين فقط، وهو اختصار عجيب.
الأمر الثاني: أَنّا إذا فرعنا على الأخذ من الغالب فاستويا فقد جزم هنا بإعطاء ما شاء، والمذكور في صدقة المواشي تفريعًا عليه أنه يتعين الأغبط وقيل يتخير.

قوله: الرابعة: إذا كانت الإبل موجودة وعدل من عليه الدية ومستحقها إلى القيمة أو غيرها بالتراضي جاز كما لو أتلف مثليًا وتراضيا على أخذ القيمة مع وجود المثل.
قال صاحب "البيان": هكذا أطلقوه، وليكن ذلك مبنيا على أنه يجوز الصلح عن إبل الدية.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن ما نقله الرافعي هنا من إطلاق الأصحاب وأن صاحب "البيان" قيده واقتضى كلامه عدم الوقوف عليه من كلام غيره غريب؛ فقد جزم بهذا التخريج قبل هذا الموضع بنحو أربعة أوراق في أوائل المسائل المنثورة التى ختم بها الباب الذى قبل هذا الباب.
الأمر الثاني: أنه أيضًا قيد هناك محل الخلاف بتقييد أهمله هاهنا، ولنذكر عبارته ليعلم منه الأمران فنقول: قال: هناك: إذا [جهل] 4 أحد المتبايعين عدد الإبل الواجب أو سنها لم يصح البيع وإن علما ذلك ولم يبق إلا الجهل بأوصافها ففي صحة البيع الوجهان أو القولان في صحة الصلح عن إبل الدية على مال كما سبق في الصلح.

الجزء: 8 - الصفحة: 215

قوله: فدية المرأة على النصف من دية الرجل لحديث عمرو بن حزم.
ثم قال: ويروي ذلك عن عمر وعثمان وعلىّ والعبادلة ابن مسعود وابن عمر وابن عباس -رضى الله عنهم-.
انتهى.
واعلم أن تفسير الرافعي العبادلة بهؤلاء قد سبقه إليه الزمخشرى في أوائل "المفصل" 5 في الكلام على علم الغلبة، والمشهور أن العبادلة أربعة آباؤهم صحابيون وهم: ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وابن العاص.
قال النووي بعد ذكره لهؤلاء الأربعة: أن "صحاح الجوهرى" قد وقع فيها إبدال ابن العاص بابن مسعود.
قال: وهو غلط نبهت عليه لئلا يغتر به.
كذا قال في "تهذيب الأسماء واللغات" 6 في ترجمة ابن الزبير: والذى قاله النووي غلط عجيب فإن الجوهري قد ذكر ابن العاص ولم يذكر ابن مسعود.
نعم عليه -أعنى الجوهري- انتقاد من وجه آخر وهو أنه أخرج ابن الزبير منهم وجعلهم ثلاثة فقط فقال في آخر الكلام على لفظه عبد ما نصه: والعبادلة: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص.
هذا لفظه: والظاهر أن الوهم سرى إلى النووي من "المفصل" للزمخشرى فإن فيه ما عزاه إلى الجوهري من الإتيان بابن مسعود وإسقاط ابن العاص وزاد على ذلك فأسقط ابن الزبير أيضًا كما سبق لك، ولا شك أنه لم يستحضر كلام الرافعي؛ فإنه لو استحضره لنقل عنه؛ إذ وقوعه في

الجزء: 8 - الصفحة: 216

ذلك أغرب لكونه من الفقهاء المحدثين، والظاهر أنه قلد ما في المفصل لتداول المعجم له غالبًا.

قوله من "زوائده" سبق خلاف في الذمى والمرتد إذا قتلا مرتدًا هل تجب الدية؛ فإن أوجبناها فهي دية مجوسي.
ذكره البغوي.
انتهى كلامه.
واعلم أن الرافعي لما حكى هنا الخلاف في وجوب الدية حكى في مقدارها وجهين من غير تصحيح أحدهما: ما اقتصر النووي على حكايته هنا وهو دية مجوسي، ونسبه أيضًا هناك إلى البغوي كما هو منسوب هنا.
والثاني: أن الواجب دية مسلم.
فعلم بذلك أن هذا النقل لا عمل عليه، وأن على كلام "الروضة" انتقادًا من وجهين وهما ذكره من زوائده لما ذكره الرافعي، وإيهام العمل بهذا النقل الذى لابد له من مرجح من خارج.

الجزء: 8 - الصفحة: 217

الباب الثاني في دية ما دون النفس وهو جرح أو إبانة أو إبطال منفعة

النوع الأول: الجرح

اعلم أنه قد ذكر في هذا الباب ألفاظًا منها الهامة بتخفيف الميم وهي الرأس وجمعها هام بحذف التاء، وتطلق الهامة أيضًا على الرئيس.
ومنها الخشاء: اسم للعظمة الناتئة خلاف الأذن -أي المرتفعة-، وهي بخاء معجمة مضمومة بعدها شين معجمة مشدودة ثم همزة ممدودة، وزنه فعلاء بفتح العين على وزن الحبلاء ولكن سكن للإدغام.
قاله [الجوهري].
ومنها القمحدوة: بقاف ثم ميم مفتوحتين ثم حاء مهملة ساكنة ثم دال مهملة مضمومة ثم واو مفتوحة ثم هاء؛ هي ما خلف الرأس، وجمعها: قماحد، والميم زائدة.
قاله الجوهرى، ونقله عنه في "تهذيب الأسماء واللغات".
ومنها الفقحة: بفاء مفتوحة ثم قاف ساكنة ثم حاء مهملة وهي حلقة الدبر.
ومنها: العجان: اسم لما بين الخصيتين، والعجان: هو بكسر العين المهملة بعدها جيم وفي [آخره] نون.
ومنها المشقص: بميم مكسورة وشين معجمة ساكنة ثم قاف بعدها صاد مهملة، هو من النصال ما طال وعرض.
وهذا لفظ الجوهري.
وخالف ابن الأثير في "النهاية" 7 فقال: المشقص نصل السهم إذا كان طويلًا غير عريض، فإذا كان عريضًا فهو المعبلة: أي: بكسر الميم وسكون

الجزء: 8 - الصفحة: 218

العين المهملة وفتح الباء الموحدة.

قوله: ولو أوضحه موضحة واحدة في بعضها مخطئ وفي بعضها متعمد فموضحتان على الصحيح، فلو أوضح موضحتين عمدًا ورفع الحاجز بينهما خطأ وقلنا بالصحيح أنه لو رفعه عمدًا تداخل الأرشان فهل يلزمه أرش ثالث أم أرش واحد؟ وجهان: انتهى.
والأرجح منهما على ما ذكره في "زوائد الروضة" وجوب أرش فقط.

قوله: أوضح وهشم في موضعين واتصل الهشم بينهما في الباطن فوجهان: أحدهما: أن الحاصل هاشمة واحدة؛ لاتصال الكسر وإن بقي اللحم والجلد حاجزًا بين الموضحتين، والثاني: أنهما هاشمتان، وهذا ما اقتصر على إيراده جماعة منهم صاحب "الشامل"، ووجهوه بأن الهاشمة تتبع الموضحة، وقد وجدت الموضحتان فتتعدد الهشم بتعددها.
انتهى.
صحح النووي في "أصل الروضة" أنهما هاشمتان وعبر: بالصحيح.

قوله: وفي "المهذب" أنه لو أدخل حديدة أو خشبة في دبر إنسان وخرق حاجزًا في الباطن هل عليه أرش جائفة؟ فيه وجهان بناء على الوجهين في أن خرق الحاجز بين الموضحتين في الباطن هل يكون كخرق الظاهر حتى لا يلزم إلا أرش موضحة واحدة.
انتهى كلامه.
وهذا البناء الذي ذكره الرافعي يؤخذ منه أن الصحيح من الوجهين وجوب أرش الجائفة لأن الصحيح في مسألة الموضحتين أنه لا أثر له لبناء الظاهر حتى ترجع الموضحتان إلى موضحة، وأسقط النووي من "الروضة" هذا البناء الذى يستفاد منه الترجيح.
واعلم أن نسخ الرافعي قد اختلفت في نسبة هذه المسألة؛ ففي بعضها إلى المهذب كما ذكرت، وفي بعضها إلى "التهذيب"؛ فالأول هو الصواب؛

الجزء: 8 - الصفحة: 219

فإن الشيخ أبا إسحاق ذكره كذلك ولم يذكره البغوي.

قوله: شجه متلاحمة وجاء آخر وأوضح في ذلك الموضع بقطع ما بقي من اللحم فعلى كل واحد منهما الحكومة ولننظر فيما مر من تقدير السمك عند الإمكان.
انتهى كلامه.
وما ذكره من وجوب الحكومة على الثاني قد ناقضه بعد ذلك بنحو كراستين ونصف في الكلام على المنفعة الخامسة وهي منفعة النطق في مسألة ما إذا كان لا يحسن بعض الحروف فجزم بوجوب الموضحة وهو القياس، وسوف أذكر لفظه هناك فراجعه ووقع الموضعان كذلك في "الروضة".

قوله:

النوع الثاني: القطع المبين للأعضاء

اعلم أنه قد ذكر في هذا النوع ألفاظًا فلنذكرها قبل الخوض في الأحكام فمنها: الثاليل بفتح الثاء المثلثة والمد جمع ثؤلول بالضم وهي الدماميل ونحوها.
ومنها: الوترة: الحاجز بين المنحرين هو بواو مفتوحة وتاء مثناة من فوق مفتوحة أيضًا.
ومنها عمور الأسنان: اسم لما بينهما من اللحم، والمفرد عمر بعين مهملة مفتوحة وميم ساكنة وراء مهملة على وزن فلس وفلوس.
ومنها محرب القوس.
ومنها اللَّهاة: بفتح اللام اسم للقطعة من اللحم التى في أقصى سقف الفم تنطبق مع ما تحتها، وجمعها لهوات ولهيات، أيضًا بالتاء ولهى بحذف تاء التأنيث والقصر، وقد ورد ممدودًا في بيت مشهور بفتح اللام وكسرها فالفتح من مد المصقور للضرورة وأما المكسور فجمع للمقصور مثل أصاه وأصا بالقصر وإصا بكسر الهمز والمد.
كذا نقله الجوهري عن أبي عبيد.

الجزء: 8 - الصفحة: 220

ومنها الشاغبة، وقد تقدم الكلام عليها غير مرة.
ومنها السنخ: بسين مهملة مكسورة ثم نون ساكنة ثم خاء معجمة.
كذا صرح به النووي في "تهذيبه"، وجمعه: أسناخ وهو أصل السن المستتر باللحم، وسنخ كل شيء أصله، ومن ذلك قولهم: سنخ في العلم سنوخا إذا رسخ فيه.
قاله الجوهري.
ومنها الثندوة وقد سبق الكلام عليها في الباب السابق.
ومنها في أسماء الأسنان الناجذ بالنون والجيم والذال المعجمة، قال الجوهري هو آخر الأضراس في أقصى الأسنان.
قال: ويسمى ضرس الحلم -أي: العقل- لأنه ينبت بعد البلوغ وكمال العقل، وأما الحديث: أنه -عليه الصلاة والسلام- ضحك حتى بدت نواجذه 8. فالمراد [بالنواجذ] فيه الضواحك وهي الأسنان لأن ضحكه -عليه السلام- إنما كان تبسمًا.
ومنها: الإسكتان: تثنية إسكته بكسر الهمزة وسكون السين المهملة وفتح الكاف، وهما ناحيتا الفرج، وأما الشفرين فطرفا الناحيتين.
كذا قاله الأزهري.
ومنها الرَكَب: براء مهملة وكاف مفتوحتين وبالباء الموحدة هو منبت العانة.
قال الخليل: هو للمرأة خاصة 9. وقال الفراء: هو للرجل والمرأة، وأنشد: لا يقنع الجارية الخضاب ... ولا الوشاحات ولا الجلباب

الجزء: 8 - الصفحة: 221

من دون أن تلتقى الأركاب ... ويقعد الأثر له لعاب ومنها: الرباعية: من أسماء الأسنان كما سيأتي، وهو بفتح الراء وتخفيف الباء.
ذكره الجوهري: ومنها: عذبة اللسان: بعين مهملة وذال معجمة مفتوحتين بعدهما باء موحدة، اسم لطرفه الرقيق.
ومنها المقر: بالقاف والراء المهملة، هو المُر من المطعوم، يقال: مقر الشيء بالكسر يقر مقر بالفتح فيهما فهو مقر بالكسر إذا صار مرا.
قاله الجوهري:

قوله: فلو ضرب على أذنه فاستحفت -أي: يبست- ففي ما يجب قولان منقولان عن "الأم" أصحهما على ما ذكر في "التهذيب" كمال الدية كما لو ضرب على يده فشلت.
انتهى.
والأصح ما قاله في "التهذيب"؛ فقد صححه الرافعي في "الشرح الصغير" و"المحرر" والنووي في "أصل الروضة".

قوله في "الروضة": والأخفش هو صغير العين ضعيف البصر، وقيل: هو من يبصر بالليل دون النهار.
انتهى كلامه.
وهذا الذى ذكره في تفسير الأخفش مخالف لتفسيره له في البيوع في الكلام على الفسخ بالعيوب فإنه قال من "زوائده": والأخفش نوعان: أحدهما: ضعيف البصر خلقة، والثاني: يكون لعلة حدثت وهو الذى يبصر بالليل دون النهار، أو في العتم دون الصحو.
هذا لفظه.

قوله: وإنما يجب كمال الدية في الأجفان إذا استؤصلت وقد تقطع معظم الجفن فتقلص الثاني ويوهم الاستئصال فليتحقق.
انتهى.

الجزء: 8 - الصفحة: 222

هذا الكلام قد حذفه من "الروضة" وهو لا يعلم منه الحكم في الصورة المذكورة، وإن كان يوهم الجزم بعدم كمال الدية، وقد صرح الرافعي بنظيره في الكلام على الشفة وحكى فيه وجهين: أحدهما: أن الدية توزع، والثاني: يجب كمالها؛ لأن منفعة الباقي قد بطلت فأشبه قطع بعض الأصابع فشل الباقي.

قوله: والمارن ثلاث طبقات: الطرفان والوترة الحاجزة بينهما.
ثم قيل: تتوزع الدية على الطرفين فقط، ويحكى عن ابن سريج وأبي إسحاق، وفي "التهذيب": إنه الأصح، ونقل الشيخ أبو إسحاق أنه المنصوص؛ وقيل: توزع الدية على الثلاث وبه قال أبو على الطبري والقاضي أبو الطيب والروياني، وإيراد "الكتاب" يقتضى ترجيحه، ويؤيد بأنه إذا قطع.
. . . إلى آخره.
تابعه عليه في "الروضة"، وأرجح الوجهين على ما قال في "الشرح الصغير" توزيعها على الثلاث، وقال في "المحرر": إنه الأصح وتبعه عليه في "المنهاج".

قوله: ومنها: في المارن كل الدية على ما سبق، ولو قطعه مع القصبة فهل تجب حكومة القصبة أو لا يجب [إلا] 10 الدية؟ ذكر الإمام أن فيه وجهين وأن المذهب الظاهر منهما الاندراج.
انتهى كلامه.
وهذه المسألة التي حكى فيها وجهين ونقل الرجحان فيها عن الإمام فقط قد نص عليها الشافعي في "الأم" وصرح بوجوب الحكومة على عكس ما نقله من الترجيح واقتصر عليه فقال في باب الزيادة على المارن ما نصه: قال الشافعي: فإذا قطع من العظم المتصل بالمارن شيء مع المارن كانت فيه حكومة مع دية المارن.

الجزء: 8 - الصفحة: 223

هذا لفظه بحروفه ومن "الأم" نقلته.
وقد صحح النووي في أصل "الروضة" ما رجحه الإمام مشيًا على غالب عادته عند عدم وقوفه على ترجيح غيره، وقد تحرر أن الفتوى على خلاف ما صححه فيها؛ فتفطن له.

قوله في المسألة: وهاهنا كلام وهو أنا قدمنا أن قضية الأنف محل الموضحة في الوجه، وكذا محل الهاشمة والمنقلة، وذكرنا وجهين في أن الجراحة الواصلة إلى داخل الأنف هل تكون جائفة؟ ، وإذا كان كذلك فقطع قصبة الأنف وإبانتها أعظم من المنقلة فيجب أن يجب فيه مع أرش المارن أرش المنقلة، وهكذا حكى القاضي ابن كج الجواب فيه عن نصه في "الأم".
انتهى كلامه.
وهذا النص المنقول عن "الأم" ليس منقولًا على وجهه بل ذكره الشافعي على وجه هو أبلغ مما يريده الرافعي فقال: ولو [أوضح] مع قطع المارن شيئًا من القصبة وجب فيه أرش موضحة، أو هشم كان فيه أرش هاشمة، وكذلك منقلة، ولو بلغ ذلك قطعًا كانت فيه حكومة أكبر من هذا كله لأنه أزيد من المنقلة.
هذا كلامه، ونقله عنه في "المطلب".

قوله: الأسنان في غالب الفطرة اثنتان وثلاثون منها أربع ثنايا وهي الواقعة في مقدم الفم ثنتان من أعلى وثنتان من أسفل وبينهما أربع من أعلى وأربع من أسفل يقال لها الرباعيات.
ثم أربع ضواحك ثم أربع أنياب وأربعة نواجذ واثنا عشر ضرسًا ويقال لها الطواحن.
انتهى 11. وما ذكره في النواجذ مع الأضراس يقتضي أن النواجذ ليست آخر الأسنان بل هي في أثنائها، وليس كذلك بل النواجذ آخر الأسنان وهي من

الجزء: 8 - الصفحة: 224

جملة الأضراس كما سبق إيضاحه في الكلام على لغات الفصل.
والذى أوقع الرافعي في هذه العبارة الموهمة هو صاحب "البحر" فإنه عَبّر بعبارة الرافعي بعينها.

قوله: ولو كانت إحدى الثنيتين من الأعلى أو الأسفل أقصر من أختها فقلعت القصيرة نقص من ديتها بقدر نقصانها لأن العادة الغالبة أنهما لا يختلفان.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على إطلاق النقص وسبقهما إليه الماوردي لكن شرط في "الأم" كذلك أن يكون النقص متباينًا فقال: فإن كان متقاربًا ففيها كمال الدية.

قوله: ولو قلع سن صغير لم يثغر انتظر عودها، فإن مات الصبي قبل أن يتبين الحال ففي وجوب الأرش وجهان وقيل قولان أقواهما -على ما قاله القاضي ابن كج وغيره- عدم الوجوب.
انتهى.
وترجيحه لكون الخلاف وجهين ذكره أيضًا في "الشرح الصغير" ثم خالف في "المحرر" فجزم بأنه قولان، وتابعه في "الروضة" و"المنهاج" على هذا الاختلاف.
وقول الرافعي يثغر هو بياء مثناه من تحت مضمومة ثم مثلثة ساكنة ثم غين معجمة مفتوحة، ومعناه لم تسقط أسنانه التي هي رواضعه، فإذا سقطت قيل ثغر يثغر فهو مثغور كضرب يضرب فهو مضروب، فإذا نبتت بعد ذلك قيل اتغر بتشديد التاء المثناة من فوق وأصله ايتغر بالياء بنقطتين من تحت فقلبت الياء تاء ثم أدغمت.
قال الجوهري: وإن شئت قلت أيضًا اثغر بالمثلثة المشددة، وكله مأخوذ من الثغر وهو مقدم الأسنان.

قوله: والترقوة هو العظم المتصل بين المنكب وثغرة النحر.
ولكل

الجزء: 8 - الصفحة: 225

واحد ترقوتان وما الذى يجب في كسرهما؟ عن نص الشافعي - رضي الله عنه - في "اختلاف الحديث" وغيره: أن فيه جملًا.
وفى "الأم" وغيره: أن فيه حكومة؛ فقيل: قولان: القديم: جمل، والجديد: حكومة، والأكثرون قطعوا بالحكومة.
انتهى ملخصًا.
وما ذكره على طريقة إثبات الخلاف من أن إيجاب الجمل قول قديم مع تقديمه بأنه منصوص عليه في "اختلاف الحديث" قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" وما أدري كيف وقع لهما ذلك فإن الكتاب المذكور من كتب الجديدة.
ولو ثبت مع وجود هذا النقل أن الشافعي نص عليه في القديم وصرح به الرافعي أيضا في كلامه لم يستقم أيضا معه أن يقال أنه قديم بل جديد منصوص على وفقه في القديم، وأبلغ من هذا كله أنه منصوص عليه في "المختصر" أيضًا فقال قال الشافعي: وفي الترقوة جمل.
هذا لفظه.
ثم نقل المزني بعده بأنه قال في موضع آخر أن فيه الحكومة ورجحه المزني.

قوله في "أصل الروضة" في الكلام على الأسنان: ولو جنى على يده فذهب بطشها أو على عينه فذهب بصرها فأخذ ديتها لظن زوال البطش أو البصر ثم قويت اليد والعين فصار يبطش [ويبصر] 12 استرددت الدية قطعًا لأن الشلل والعمى المحققين لا يزولان، وكذا الحكم في السمع وسائر المعاني.
انتهى كلامه.
وما ادعاه من القطع بالرد غريب لم يذكره الرافعي أيضًا.
أما عود البطش فقد حكى جماعة فيه وجهين منهم القاضي الحسين وكذلك الماوردي وبناهما على القولين في عود السن، وهذا البناء يقتضي

الجزء: 8 - الصفحة: 226

تصحيح عدم الرد لأنه الصحيح في السن، وأما عود البصر فقد حكى أيضًا جماعة فيه وجهين منهم الروياني في "البحر" والماوردي وبالغ -أعنى الماوردي- فضعف الرد وقال: إن الاستقرار هو المذهب، وحكى ابن الرفعة أيضًا هذا الخلاف.

قوله: ولو كان له يدان فإن لم يبطش بواحدة منهما فلا قصاص، وإن بطش نظر إن كانت إحداهما أصلية والأخرى زائدة ففي الأصلية القصاص أو الدية وفي الزائدة الحكومة، وطريق معرفة الزائدة كذا وكذا.
ثم قال: وإن لم تتميز الزائدة عن الأصلية بوجه من الوجوه فهما كيد واحدة حتى يجب في قطعهما القصاص أو كمال الدية ويجب مع القصاص أو الدية حكومة لزيادة الصورة.
ولو قطعت إحداهما لم يجب القصاص وتجب فيها نصف دية وزيادة حكومة.
انتهى كلامه.
وظاهره التدافع لأن تعبيره بقوله وإن لم تتميز الزائدة عن الأصلية يقتضى أن إحداهما أصلية والأخرى زائدة ولكنها التبست؛ وحينئذ فلا ينتظم الحكم الذى ذكره فيه وهو وجوب نصف الدية بقطع كل منهما، وتعبيره بقوله: فإن كانت إحداهما أصلية والأخرى زائدة يقتضى أنهما قد تكونان أصليتين ولم يصرح به.

قوله: فرعان: أحدهما: تقطع حلمة المرأة بحلمة المرأة، وفي "التتمة" وجه أنه إن لم يتدل الثدي لا يجب القصاص لاتصاله بلحم الصدر وتعذر التمييز، والمشهور الأول.
قال في "التهذيب": ولا يجوز القصاص في الثدي لأنه لا يمكن رعاية المماثلة فيه، ولك أن تقول الثدي هو الشاخص وهو أقرب إلى الضبط من الشفتين والإليتين ونحوهما.
انتهى.

الجزء: 8 - الصفحة: 227

فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره عن "التتمة" من حكاية خلاف في الحلمة إذا لم يتدل الثدي قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" وهو غلط؛ فإنه جازم بالوجوب بل صرح بعدم الخلاف فيها، وإنما حكى الخلاف في الثدي نفسه، فإنه ذكر المسألة في الباب الخامس في الجنايات على ما دون النفس في الفصل الثالث منه فقال: التاسعة: الرجل إذا قطع حلمة رجل وهو رأس الثدي يلزمه القصاص لأنه جزء مفرد عن غيره فهو كالأذن، وكذلك المرأة إذا قطعت حلمة امرأة يلزمها القصاص لما ذكرناه، وكذلك إذا قطعت حلمة ثديها يجب القصاص على المذهب المشهور سواء كان قد تدلى أم لا لأنه جزء مفرد عن غيره، وقيل: فيه وجه آخر أنه إن كان قد تدلي ثديها يجب القصاص لتمييزه، وإن لم يكن قد تدلي لا يجب لأنه متصل بلحم الصدر وكان بمنزلة الإليتين هذه عبارة المتولي.
ثم صرح بعد ذلك بعدم الخلاف في الجملة فقال: فأما الرجل إذا قطع حلمة امرأة فيلزمه القصاص بلا خلاف.
الأمر الثاني: أن ما نقله عن البغوي من عدم القصاص في الثدي واقتضى كلامه عدم الوقوف على ما يخالفه، وأنه ليس فيه إلا البحث الذى ذكره قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" وهو عجيب فقد ظهر لك من الكلام الذى نقلناه عن "التتمة" أن المذهب المشهور وجوب القصاص، وأغرب من ذلك أن الرافعي قبل ذلك قد ذكر هذا الفصل جميعه عن "التتمة" أيضًا، ونقل هاتين المسألتين عنه على الصواب فقال قبل كتاب الديات: فصل في "التتمة" إن حلمة الرجل تقطع بحلمة الرجل وحلمة المرأة بحلمة المرأة والثدي بالثدي، وفيما إذا لم يتدل وجه ضعيف لأنه لا يميز عن لحم الصدر.
هذا كلامه واللفظ "للروضة".

الجزء: 8 - الصفحة: 228

النوع الثالث: ما يفوت المنافع

قوله: الأول: العقل: فيجب بإزالته كمال الدية.
ثم قال: وذكر المتولي أن الدية إنما تجب عند تحقق الزوال بأن يقول أهل الخبرة: إن العارض الحادث لا يزول، فأما إذا توقعوا زواله فيتوقف في الدية، فإن مات قبل ذلك ففي الدية وجهان كما لو قلع سن مثغور فمات قبل عودها.
انتهى.
وما ذكره في توقع العود من التوقف في الوجوب قد ذكر -أعنى الرافعي- بعد ذلك في البطن ما يوافقه لكنه يخالف ما نقله في السمع فإنه قال: إن لم يقدر أهل الخبرة مدة أخذت الدية في الحال، وإن قدروا مدة انتظرناها، واستثني الإمام ما إذا قدروا مدة يغلب على الظن انقراض العمر قبل فراغها، وقال: الوجه ألا تنتظر هذه المدة بل تؤخذ الدية.
هذا كلامه.

قوله: ثم في الفصل مسألتان: إحداهما: ينظر في الجناية التى ذهب بها العقل فإن لم يكن لها أرش [كاللطم فعليه دية العقل وإن كان لها أرش] 13 مقدر أو غير مقدر، فالقديم: أنه يدخل الأقل في الأكثر، والجديد: وجوب أرش الجناية ودية العقل.
ثم قال: ووراءه شيئان: أحدهما في "المهذب" وغيره: إن كان أرش الجناية مثل الدية أو أكثر وجبت دية العقل معه ولا تداخل قولًا واحدًا، إنما الخلاف فيما إذا كان أرشها دون الدية.
والثاني: نقل الإمام عن القاضي الحسين أن أرش الجناية إن لم يكن مقدرًا لم يدخل في دية العقل قولًا واحدًا وإنما الخلاف في الجناية التى

الجزء: 8 - الصفحة: 229

لها أرش مقدر.
انتهى كلامه.
وهذه الطريقة الثانية التى نقلها عن الإمام قد تبعه على نقلها هكذا النووي في "الروضة" وهو سهو في التعبير والصواب أن نقول: إن لم يكن مقدرًا فيندرج قولًا واحدًا عوضًا عن تعبيره بقوله: لا يندرج فإنه نقلها عن "النهاية" وهكذا ذكره في "النهاية" وكذلك الغزالي في "البسيط" والقاضي الحسين وصاحب "التنبيه" وهو الصواب أيضًا من جهة المعنى فإن المقدر أبعد عن الدخول؛ ولهذا عبر الرافعي في آخر كلامه على قطع الأذنين بقوله: لأنه لا يتبع مقدر مقدرًا.
هذه عبارته، وذكر أيضًا هو وغيره أنه لو قطع الكف مع الأصابع دخلت حكومة الكف تحت ديتها، وإذا فرعنا على اندراج الأقل في الأكثر فتساويا ما حكمه؟ فيه نظر، ولم يتعرض له الرافعي وغيره لكن الإمام قد حكى فيما إذا قطع يديه فزال عقله أنه تجب دية واحدة.

قوله: وإذا ادعى المجني عليه زوال البصر وأنكر الجاني فالذي أورده جماعة وهو المنقول عن الأم أنه يراجع أهل الخبرة، وقال آخرون: يمتحن بتقريب حية أو عقرب، ويمكن أن يقدر في هذا اختلاف، ورد في "التتمة" الأمر إلى خبرة الحاكم.
انتهي ملخصًا.
وليس فيه تصريح بأنه على جهة التخيير أو على جهة الاختلاف، وقد جزم في "المحرر" بالتخيير فقال: روجع أهل الخبرة أو يمتحن، وجزم في "الشرح الصغير" بالثاني؛ فإنه بعد حكايته للمقالتين عبر بقوله: وقيل يتخير الحاكم، ولم يذكر غير ذلك، وجزم النووي في "المنهاج" بما قاله في "المحرر" من التخيير وخالف في "الروضة"

الجزء: 8 - الصفحة: 230

فصرح بأن المقالتين وجهان فقال: فرع: ادعى المجنى عليه زوال البصر وأنكر الجاني فوجهان.
ثم قال: وقال المتولي: الأمر إلى خبرة الحاكم؛ فجعل ذلك خلافًا ولم يصحح منه شيئًا.

قوله: وقول "الوجيز" ومن في حدقته بياض لا يمنع أصل البصر، ظاهره وجوب الدية مادام يبصر شيئًا وإن ضعف بصره ونقص [ضوؤه]، لكن ذكرنا في [فقئ] العين التى فيها بياض أنه إن لم ينقص الضوء تجب فيه الدية، وإن نقص فلا تكمل الدية فليكن في إذهاب ضوء العين وفيها بياض مثل هذا التفصيل.
انتهى كلامه.
وما ذكره بحثا واقتضى كلامه عدم الوقوف عليه قد صرح به الماوردي في "الحاوي"، وكلام الشافعي في "الأم" يشير إليه أيضًا، وقد حذف النووي هذه المسألة من "الروضة" [لوقوعها] في أعقاب الكلام.

قوله: وإن انتقص الشم نظر إن علم قدر الذاهب وجب قسطه وإلا فالحكومة.
ثم قال ما نصه: ولم يذكروا هاهنا الامتحان بمن هو في سنة، ولا بعد في طرده هاهنا.
وإن انتقص الشم من أحد المنخرين فيمكن أن يعتبر بالجانب الآخر ولم يذكروه ولعلهم اكتفوا بالمذكور في السمع والبصر.
انتهى كلامه.
وما ذكره من عدم ذكرهم لهاتين المسألتين قد تابعه في "الروضة" فأما الأول فقد صرح الأصحاب بخلاف ما يحاوله فقال في "النهاية": لا وجه إلا الرجوع إلى المجنى عليه.
وقال القاضي الحسين وابن الصباغ: إنه لا يعرف إلا من جهته، وقد صرح به [الرافعي بعد هذا وسأذكر لفظه عقب هذه المسألة.

الجزء: 8 - الصفحة: 231

وأما الثاني فقد صرح به] 14 على وفق ما بحثه سليم في "المجرد" فقال: وإن ادعى نقصان الشم من أحد منخريه حكم بمقدار النقصان على الاعتبار الذى مضى إذا ادعى نقصان السمع من إحدي أذنيه.
هذا كلامه.

قوله: وإن ادعي النقص صدق بيمينه؛ إذ لا يعرف ذلك إلا من جهته، وشبه ذلك بما إذا ادعت المرأة الحيض، وقد [علق الطلاق بحيضها.
انتهى.
ومقتضاه أنه لا يمكن إقامة البينة على الحيض وقد] 15 اختلف فيه كلامه في مواضع أبسطها إن شاء الله تعالى في كتاب الشهادات فراجعها.

قوله: ولو جرح رأسه متلاحمة وجاء آخر وجعلها موضحة فعلى من أوضح أرش موضحة محطوطًا عنه واجب المتلاحمة سواء قدرنا واجبها أو أوجبنا الحكومة.
انتهى كلامه.
وما ذكره هنا من وجوب الموضحة على الثاني هو القياس ولكنه قد ذكر في الكلام على الموضحة ما يناقضه، وقد ذكرت لفظه هناك فراجعه.

قوله نقلًا عن الغزالي قال: الخامسة: النطق: وفي إبطاله كمال الدية وإن بقى في اللسان فائدة الذوق والحروف الشفوية والحلقية، وفي بعض الكلام بعض الدية وتوزع على ثمانية وعشرين حرفًا وتدخل الشفوية والحلقية في التوزيع.
انتهى كلام الغزالي.
وذكر في "الوسيط" نحوه، ومراد الغزالي وغيره بالنطق هو الكلام، وقد شرحه الرافعي أيضًا بذلك فقال: إذا جنى على لسانه فأبطل كلامه فعليه الدية، فإن ذهب بعض الحروف نظر إن كان له فيما بقى كلام مفهوم

الجزء: 8 - الصفحة: 232

وزعت الدية على الحروف.
وقال الإصطخري: لا تدخل في التوزيع الشفوية وهي: الباء والميم والفاء والواو، ولا الحلقية وهي: الهاء والعين والغين والخاء والحاء والهمزة وإن لم يبق له كلام مفهوم فعن أبي إسحاق والقفال وجوب الدية وهو المذكور في "التهذيب".
وقال الروياني: إنه المذهب، وقيل: يجب بالقسط.
قال في "التتمة": وهو المشهور في المذهب والمنصوص لأنه لم يعبأ بما سواها من الحروف، وإنما تغلظت منافعها فصار كما إذا كسر صلبه فتعطل مشيه والرجل سليمة فإنه لا يلزمه بتعطل المشى دية أخرى.
ثم قال مستدركًا على الغزالي ما نصه: فأما وجوبها بكمالها وإن بقيت الحروف الشفوية والحلقية فقد ذكره هاهنا وفي "الوسيط" وعلل هناك [بأن] الذى بطل جزء مقصود برأسه، وهذا لم أجد له تعرضًا لباقى الأصحاب، وهو مناقض لما ذكره من بعد وهو أنه يجب في بعض الكلام بعض الدية وتوزع على جميع الحروف من الشفوية وغيرها، وإنما يستمر ذلك على طريقة الإصطخري.
هذا لفظه.
وفيه أمور: أحدها: أن ما ذكره معترضًا به على الغزالي كلام عجيب جدًا لا أدري كيف وقع من الرافعي، فإن الغزالي فرض المسألة الأولى فيما إذا ذهب الكلام وبقي بعض الحروف، وحكمه بتكميل الدية فيها هو ما نقله الرافعي عن "التهذيب" وجماعة، وفرض الثانية فيما إذا ذهب بعض الكلام وحكمها أيضًا واضح، والذي أجاب به الغزالي فيها هو ما صححه أيضًا الرافعي؛ فما قاله الغزالي فيهما معًا قد قاله هو ولا تناقض فيه أيضًا،

الجزء: 8 - الصفحة: 233

وقد ذكرت لك عبارته فتأملها.
وحذف النووي هذا الكلام فلم يتعرض له بالكلية وكأنه توهم صحته فحذفه لكونه خارجًا عن مقصوده من تجريد الأحكام دون الاعتراض على ما وراءها.
الأمر الثاني: أن مسألة الصلب التى ذكرها في الاستدلال حاصلها الجزم بوجوب الدية في الصلب؛ فإنه جعله أصلًا مقيسًا عليه ولكنه قد صحح قبل ذلك أن كسر الصلب لا دية فيه إنما تجب فيه الحكومة.
ذكر ذلك في الكلام على دية السمع في أثناء بحث مع الغزالي وحذفه من "الروضة"، وجزم به هو والنووي بعد ذلك في الكلام على الإمناء والإحبال والجماع.
الأمر الثالث: أن ما ذكره من أن كسر الصلب إذا تعطلت به منفعة الرجل من المشى لا تجب به دية أخرى هو نظير ما إذا ارتيق داخل الأذن بالجناية وامتنع نفوذ الصوت ولم يتوقع زوال الإرتياق، والأصح: أن الواجب فيه الحكومة، وقيل الدية، وهكذا الحكم إذا زال سمع صبى فتعطل نطقه لأن نطق الصبي إنما هو بوساطة سماعه من أبويه وغيرهما.
وحاصله أنه إذا جنى على عضو فتعطلت منفعة آخر لا يجب شيء للذى تعطل لكنه خالفه فيما إذا كسر صلبه فذهب مشيه وجماعه؛ فإن الرافعي صحح وجوب ديتين وعلله بأن المشي في الرجل لا في الصلب وقد فات المشي وإن كانت الرجل سليمة.
واعلم أنه إذا كسر صلبه فتعطل مشيه فقطع قاطع رجليه فقد صحح الرافعي وجوب الدية في قطعهما لأنهما صحيحتان، وهذا التصحيح موافق لما تقدم من عدم وجوب الدية إذا كسر صلبه فتعطل مشيه.

قوله: ولو جنى على لسان فأبطل صوته واللسان على اعتداله وتمكنه

الجزء: 8 - الصفحة: 234

من التقطيع والترديد فعليه الدية لأنه من المنافع المقصودة في غرض الإعلام والزجر وغيرها، وإن أبطل مع ذلك حركة اللسان حتى عجز عن الترديد والتقطيع فوجهان: أرجحهما على ما يقتضيه نظم الكتاب أنه تلزمه ديتان لأنهما منفعتان مختلفتان.
انتهى كلامه.
والراجح وجوب الديتين.
فقد قال الرافعي في "المحرر" و"الشرح الصغير" والنووي في "أصل الروضة": إنه أرجح الوجهين.

قوله: الثامن: المضغ: وفي إبطاله كمال الدية، ولإبطاله طريقان: أحدهما: أن يصلب مغرس اللحيين حتى تمتنع حركتهما مجيئا وذهابًا، والثاني: أن يجنى على الأسنان فيصيبهما خلل وتبطل صلاحيتهما للمضغ.
انتهى.
واعلم أن الضمير المتصل بقوله: (فيصيبهما) هو مبنى عائد إلى اللحيين، وقد نبه عليه النووي بخطه على "حاشية الروضة" لأنه قد يلتبس.

قوله: ولو جنى على ثديها فانقطع لبنها لزمه حكومة، وكذا إن لم يكن لها لبن عند الجناية ثم ولدت ولم يدر لها لبن وصور أهل الخبرة أن يكون الانقطاع بجنايته، وللإمام احتمال أن الدية تجب بإبطال الإرضاع.
انتهى.
تابعه في "أصل الروضة" على نقل ذلك احتمالًا فقط عن الإمام مع أن المتولي قد جزم به في "التتمة".

قوله: وفي إفضاء المرأة ديتها فقال قائلون: هو رفع الحاجز بين مدخل الذكر ومخرج البول، وبهذا قال الشيخ أبو حامد ومتابعوه وهو الذى رجحه صاحب "التهذيب" وغيره، وقال آخرون: هو رفع الحاجز بين مسلك الجماع ومخرج الغائط، ويحكى عن ابن أبي هريرة

الجزء: 8 - الصفحة: 235

والقاضي أبي الطيب والشيخ أبي محمد والشريف ناصر، وهو الذي أورده الروياني في الحلية وصاحب "الكتاب"، وقال المتولي: الصحيح أن كلًا منهما إفضاء موجب للدية.
انتهى ملخصًا.
وقد اختلف ترجيح الرافعي في هذه المسألة فجزم في كتاب النكاح في الكلام على مثبتات الخيار بالأول، وقد سبق ذكر لفظه في موضعه فراجعه.
وقال في "الشرح الصغير" هنا: الأشبه الثاني.
وقال في "المحرر": إنه الأظهر، وصححه النووي في "الروضة" من غير تنبيه عليه بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له فإنه غريب، واختلف أيضًا كلام النووي فيها فصحح في "المنهاج"، وفي "الروضة" هنا الثاني على خلاف ما جزم به في النكاح تبعًا للرافعي.

قوله: فلو أفضي الخنثي المشكل ففي "البيان": أنّا إن قلنا: إن الإفضاء رفع الحاجز بين منفذ البول ومدخل الذكر لم تجب الدية لأنا لا نعلم هل هو فرج أصلى أم لا، وإن قلنا: إنه رفع الحاجز بين القبل والدبر ففيه اختلاف، ولو أزيلت البكارة من فرج المشكل فتجب حكومة جراحة، ولا تعتبر البكارة لأنا لا نتحقق كونه فرجًا.
انتهى كلامه.
ذكر نحوه في "الروضة" وعبر بوجهين عوضًا عن تعبير الرافعي بالاختلاف، وقد تتبعت هذه المسألة فوجدت الأصل الذي اعتمد عليه الرافعي في هذه المسألة وهو "البيان" قد اعتمد على أبي الفتوح وصرح به في نقل هذه المسألة، وأبو الفتوح قد استمد من "الشامل" و"التهذيب"، وهما قد استمدا من تعليق القاضي أبي الطيب ورأيت في نقل بعضهم عن بعض عدم مطابقة وفي ذكر ذلك طول فنقتصر على بعضه وهو الأهم.
فنقول: إن أبا الفتوح لما تكلم على هذه المسألة نقل عن صاحب

الجزء: 8 - الصفحة: 236

"الشامل" تعليلًا وقال: إن مقتضاه وجوب الدية في إفضاء الخنثى بالتفسير المعروف، وهو اختلاط الدبر بمسلك الذكر، وذكر عن الشيخ في "المهذب" تعليلًا آخر وقال: إنه يقتضى وجوب الأرش مع ما يجب في الجائفة -وهو ثلث الدية-، وقد صرحوا في الكلام على الجائفة أن الجناية على هذا المحل بهذه الصفة من جملة الجوائف، ثم إن صاحب "البيان" نقله عنه وغفل أن يذكر دية الجائفة فتابعه عليه الرافعي ثم النووي معبرًا -أعنى النووي- بالوجهين، فتلخص أن الوجهين لم يصرح بهما أحد وإنما هو إشعار بعيد من تعليل على ما فهمه من ليس معدودًا من أصحاب الوجوه، وتلخص أيضًا أن دية الجائفة لابد منها على خلاف ما يشعر به كلام الرافعي لإيهام عبارة "البيان" فاعلم ذلك، وإن حصل لك فراجع هذه الأصول يظهر لك باقي الخلل.

قوله: وإن أزالها -يعنى البكارة- بآله الجماع من لا يستحق إزالتها نظر إن طاوعته المرأة فلا أرش كما لا مهر، وإن كانت مكرهة أو هناك شبهة نكاح فاسد أو غيره فوجهان: أظهرهما وينسب إلى النص -أنه يجب مهر مثلها وأرش البكارة لأن المهر للاستمتاع والأرش لإزالة تلك الجلدة.
والثاني: يجب مهر مثلها بكرًا.
انتهى ملخصًا.
وهذه المسألة قد اختلف فيها كلام الرافعي اختلافًا عجيبًا؛ فإنه أجاب فيها ثلاثة أجوبة متعارضة وتابعه عليها في "الروضة" وقد سبق إيضاح ذلك في كتاب البيع في الكلام على البيوع المنهي عنها فراجعه.
والمراد بالمطاوعة أن تصرح بالإذن، فإن سكتت ففي وجوب المهر لها وجهان سبق نقلهما عن الرافعي في آخر باب استيفاء القصاص وأنه شبههما بما يقتضي رجحان الاستحقاق، ولا شك أنه في أرش البكارة أظهر من

الجزء: 8 - الصفحة: 237

المهر فإنه إتلاف والسكوت فيه لا يدفع الأرش عن المتلف.

قوله: وقال الغزالي: يتصور أن يجب في شخص قريب من عشرين دية، وإذا تأملت ما سبق وجدتها أكثر من ذلك.
وهي هذه الأذنان أو إبطال حسهما العينان أو البصر، الأجفان المارن، الشفتان اللسان، أو النطق الأسنان اللحيان اليدان الذكر والأنثيان أو الحلمتان والشفران الإليتان الرجلان العقل، السمع، الشم، الصوت، الذوق، المضغ، الإمناء، أو الإحبال، إبطال لذة الطعام ولذة الجماع الإفضاء في المرأة البطش، المشي.
انتهى كلامه.
وهذا العدد الذى ذكره قد تابعه عليه في "الروضة"، واعترض عليه ابن الرفعة في "المطلب" فقال: عده الأذنين أو إبطال حسهما شيئًا واحدًا يقتضى عد اليدين وإبطال بطشهما شيئًا واحدًا وكذلك عد الرجلين وإبطال المشى لشللهما شيئًا واحدًا وبذلك تسقط ديتان، والذكر والأنثيان لا يكونان في شخص له شفران ولا حلمتان تجب فيهما الدية وبذلك تسقط ديتان أيضًا ودية إبطال المضغ تدخل في دية اللحيين لأن صورة إبطال المضغ تكون بعدم تحرك اللحيين كما هو مصور في موضعه، وأما في إدراج أرش ما عليهما من الأسنان في ديتهما خلاف فإن أدرجنا تسقط أيضًا ديتان وإلا دية واحدة وفي إدراج دية الصوت تحت دية الكلام خلاف، وكذلك أيضًا في إدراج الذوق تحت دية اللسان فإن أدرجنا تسقط ديتان أيضًا، وإذا ضممت ما أدرجناه إلى ما أسقطناه اجتمع منه ثمان ديات، وإن ضممت إلى ذلك أن الأذنين لا دية فيهما فإنه وجه صار الساقط سبع ديات وتبقى ثمانية عشر؛ وبذلك يصدق قول الغزالي قريب من عشرين أي: بلا خلاف وكلامه في "البسيط" يدل على أن هذا هو المراد.

الجزء: 8 - الصفحة: 238

باب بيان الحكومة

اعلم أن الكلام في الحكومات ذكره الرافعي في الباب الثاني من كتاب الديات عقب الكلام في مسائل الموضحة فنقله في "الروضة" إلى آخر أبواب الديات وأفرده بالتبويب فتبعته على ذلك.

قوله: والأصل في الدية الإبل وأطلقوا القول في الحكومة بأن الواجب جزء من الدية إذا عرفنا قدر النقصان فدل ذلك على أن الحكومة الواجبة تكون من جنس الإبل، ورأيته مصرحًا به لبعضهم.
انتهى.
وهو يقتضي أنه لم يقف على خلاف ذلك، وقد ذكر المسألة في إفضاء المرأة في الكلام على الحكومة المأخوذة لإزالة البكارة فقال: وذكر في "التهذيب" وجهين في أن جنس الواجب يكون من الإبل أو من نقد البلد، والأصح الأول على ما هو قاعدة الجناية على الأحرار.
هذا كلامه.

قوله في "الروضة": فرع: إزالة الشعور من الرأس وغيره بحلق أو غيره من غير إفساد المنبت لا تجب فيها حكومة أصلًا بلا خلاف لأن الشعور تعود.
انتهى.
وما ذكره من نفي الخلاف ليس كذلك؛ فقد حكى الماوردي في ذلك وجهين: أحدهما: هذا.
والثاني: تجب فيه حكومة دون حكومة ما لم يعد.
وحكى القاضي الحسين وجهًا أنه إن حصل للمجنى عليه ألم بالإزالة وجب وإلا فلا؛ فتحصلنا على ثلاثة أوجه حكاها ابن الرفعة في "الكفاية" وهذه المسألة مع باقي أحكام الحكومات ذكرها الرافعي في آخر النوع الأول تبعًا للغزالي، ولكنه أشار إلى أن تأخيرها إلى هذا الموضع أنسب ففعل ذلك في "الروضة"، ولم يصرح الرافعي في هذه المسألة بنفي الخلاف بل عبر بقوله: لا تجب فيها حكومة أصلًا.

الجزء: 8 - الصفحة: 239

قال:

القسم الثاني في الموجب

؛ أي: أسباب وجوب الدية: اعلم أن الرافعي -رحمه الله- قد ذكر في الفصل هنا ألفاظًا منها: القذى: بالقاف والذال المعجمة وألف مقصورة؛ وهو ما يسقط في العين من التراب؛ تقول قذيت عينه تقذي قذي فهو قذ على وزن عميت تعمي عما فهو عم إذا سقطت في عينه قذاة.
قال الأصمعي: وتقول: قذيت عينه -بفتح الذال وسكون الياء- يقذي -بكسر الذال- قذيا -بسكونها- إذا رمت بالقذي، وأقذيت عينه إذا جعلت فيها القذا، وقذيتها بقذية إذا أخرجته منها، حكاه الجوهري.
ومنها: طي البئر: وهو بناؤها.
ومنها: الأخدود -بالخاء المعجمة والدال المهملة-، وهو شق في الأرض مستطيل، تقول فيه: خد الأرض يخدها، وضربه أخدود أي: [خدت] في الجلد.
ومنها القانول: اسم للجناح.
ومنها: العماد: قال الجوهري: هو جمع، واحده: عمادة بالتاء، وهو اسم للأبنية الرفيعة.
قال: وتقول: عمدت الشيء فانعمد إذا أقمته بعماد يعتمد عليه.
ومنها السباطات: اسم للمزابل: وهي جمع سباطة بسين مهملة مضمومة ثم باء موحدة وبعد الألف طاء مهملة، وفي الصحيح أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بال قائمًا في سباطة قوم 16. ومنها: البحر المغتلم: أي: الهائج، يقال غلم البعير بغين معجمة مفتوحة ولام مكسورة، غلمة بالضم، واغتلم إذا هاج من شهوة النكاح.

الجزء: 8 - الصفحة: 240

منها انبثقت السفينة أي: انخرقت، يقال: بثق السيل موضع كذا بباء موحدة وثاء مثلثة مفتوحتين بعدهما قاف، يبثق بالضم، بثقًا بالفتح والكسر أي: خرقه، وشقه فانبثق أي انشق.

قوله: الثانية: إذا صاح على صبي غير مميز على طرف سطح أو بئر أو نهر فارتعد وسقط منه ومات وجب ضمانه.
وهل عليه القصاص؟ فيه وجهان، ويقال: قولان: أصحهما: المنع.
انتهى كلامه.
وهذا الذي رجحه من كون الخلاف وجهين ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، وخالف في "المحرر" فجزم بأنه قولان فقال: وأصح القولين أنه لا يجب القصاص.
هذا لفظه.
ووقع هذا الاختلاف أيضًا بين "الروضة" و"المنهاج".

قوله: والدية الواجبة في هذه الحالة تكون معطلة على العاقلة، وقياس من يوجب القصاص أن تكون معطلة على الجاني.
انتهى.
وما ذكره بحثًا واقتضي كلامه عدم الوقوف عليه وتابعه عليه في "الروضة" قد صرح به البندنيجي ونقله عنه ابن الرفعة.

قوله: إحداها: إذا وضع صبيًا لا يقدر على الانتقال في مسبعة فافترسه سبع لم يجب ضمانه في أصح الوجهين.
ثم قال: وفي تقييد الغزالي بالصبي هاهنا وفي الغصب ما يفهم أنه لو كان الموضوع بالغًا لم يجب الضمان بلا محالة والخلاف مخصوص بالصبي، وذكروا في القصاص نحوًا من هذا، ويشبه أن يقال: الحكم منوط بالقوة والضعف لا بالكبر والصغر.
انتهى كلامه.
واعلم أن الشيخ في "المهذب" قد جزم فيما إذا ألقى حرًا مشدودًا في مسبعة فقتله السبع أنه يكون عمدًا، وهذا هو عين ما ذكره الرافعي بحثًا،

الجزء: 8 - الصفحة: 241

بل هو أبلغ لكون الشيخ قد جعله عمدًا، وقد ادعي النووي في "الروضة" نفي الخلاف ذاهلًا عما قاله الشيخ فقال: فإن كان الموضوع بالغًا فلا ضمان قطعًا.
ثم قال: ويشبه أن يناط الحكم بالقوة والضعف لا بالصغر والكبر.

قوله: والخلاف راجع إلى ما تقدم في إحياء الموات أن إقطاع الإمام هل له مدخل في الشوارع، وبينا أن الأكثرين قالوا نعم، وجوزوا [للمقطع] أن يبني فيه ويتملكه.
انتهى كلامه.
وما ذكره هنا من أنه قد سبق في إحياء الموات عن الأكثرين أنه يجوز للإمام إقطاع التمليك في الشوارع غلط على العكس مما سبق هناك، وقد تقدم إيضاحه فيه فراجعه.

قوله: وإن انقلع خشب الميزاب والروشن من أصله فأتلف شيئًا فوجهان أو قولان: أشهرهما وجوب النصف، والثاني تقسيط الخارج.
وإذا قلنا بالثاني، فقال الغزالي وجماعة إن التوزيع يكون باعتبار الوزن، وفي "التتمة" وغيرها اعتبار المساحة.
انتهى.
والأصح اعتبار الوزن؛ كذا صححه النووي في "الروضة" ولم ينبه على أنه من "زياداته" بل أدخله في كلام الرافعي؛ فتفطن له فإنه غريب.

قوله: فرعان: الأول: أسند خشبة إلى جدار لغيره فسقط الجدار على شيء فأتلفه فعليه ضمان الجدار وما سقط عليه سواء سقط عقب الإسناد أم لا، وإن كان الجدار له أو لغيره وقد أذن لم يجب ضمان الجدار، وفي ضمان ما يسقط عليه وجهان عن صاحب "التلخيص" [أحدهما] وبه قال أبو زيد: أنه إن سقط في الحال ضمن وإلا فلا، وعن القفال أنه لا يضمن في الحالتين.
انتهى ملخصًا.
لم يذكر -رحمه الله- حكم ما يتلف بالخشبة وقد ذكره في آخر باب

الجزء: 8 - الصفحة: 242

الغصب فقال: إن وقعت في الحال ضمن وإلا فلا.
قال: وسواء كان الجدار له أم لا.
ويظهر لك من هذا التفصيل المذكور هناك تصحيحه أيضًا في المسألة المختلف هاهنا فإنها شبهها.

قوله: ولو حفر بئرًا قريبة العمق فعمقها غيره تعلق الضمان بها في أظهر الوجهين؛ وعلى هذا فهل يتنصف أم يوزع على الأذرع؟ فيه وجهان حكاهما الشيخ أبو على.
انتهى.
لم يرجح شيئًا في "الشرح الصغير" أيضًا وقال في "الروضة" من "زوائده": أصحهما التنصيف.

قوله: ولو حفر بئرًا متعديًا ثم طمها فأخرج غيره ما طمت به فهل يتعلق ضمان التالف فيها بالأول لأنه المبتدئ أم بالثاني لانقطاع أمر الأول بالطم؟ وجهان.
انتهى.
والصحيح تعلقه بالثاني.
كذا صححه في "الروضة" من "زوائده".

قوله: وإذا وقع في البئر واحد ثم وقع عليه آخر فماتا فأطلق مطلقون أنه تجب دية الأول على الثاني، وقال آخرون: إنما على الثاني نصف الدية لأن الأول مات بوقوعه في البئر وبوقوع الثاني عليه، ويكون النصف الآخر على الحافر إن كان الحفر عدوانًا، وهذا أصح عند المتولي وغيره.
انتهى ملخصًا.
واعلم أن الرافعي قد ذكر بعد هذا في الكلام على ألفاظ الوجيز أن الذى نوجبه على الثاني وهو النصف أو الكل يكون قراره على عاقلة الحافر، وقيل: هم المطالبون ابتداء، ولا تطالب به عاقلة الواقع في البئر وجعل مستند الخلاف أن الحفر ألجأه إليه فصار كالإكراه على إتلاف المال وحينئذ فيجئ الخلاف في أن الآمر هل يطالب وحده أم يطالب أيضًا المتلف ويرجع به على الآمر؟ ، وذكر أيضًا نحوه في "الشرح الصغير" وتبعه عليه

الجزء: 8 - الصفحة: 243

صاحب "الحاوي الصغير"، وحذف النووي هذه المسألة من "الروضة"، والعجب من حذفه لها.

قوله: وإن تردى في البئر فجرف ثانيًا والثاني ثالثًا وماتوا ففي الأول وجوه أظهرها: أنه مات بثلاثة أسباب: صدمة البئر وثقل الثاني والثالث فهدر ما يخص ثقل الثاني وهو الثلث لحصوله بفعله.
والوجه الثاني: أن صدمة البئر لا أثر لها وموته بسببين، فتهدر نصف دية نجدية الثاني ويجب نصفها على عاقلة الثاني نجدية الثالث فإنه مات بثقلها.
وأعرض ابن الحداد عن نقل الثالث وقال إنه مات بالوقوع في البئر وبجرفه الثاني فتهدر نصف ديته ونصفها على عاقلة الحافر.
ثم قال: ولو كانت الصورة بحالها وجرف الثالث رابعًا ففيه وجوه: منها أنه لا يجب للأول شيء لأنه باشر قتل نفسه بحد الثاني وما تولد من جرفه.
ثم قال: وقضية هذا الوجه أنه لا يجب للأول في صورة الثلاثة شيء أصلًا وإن لم يذكروه هناك.
انتهى كلامه.
وما ذكره من عدم ذكر هذا الوجه في الثلاثة تابعه عليه في "الروضة" أيضًا وهو غريب جدًا فقد ذكره الإمام في "النهاية" وكذلك الغزالي في "البسيط" وتبعهما صاحب "الذخائر".

قوله: فرع: لو كانت السفينة مثقلة بتسعة أعدال فجاء رجل ووضع فيها عدلًا آخر تعديا فغرقت فهل يضمن الأعدال التسعة؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم لأن الهلاك ترتب على فعله.
والثاني: لا يضمن كل الضمان لأن الغرق حصل بثقل الجميع لا بما فعله، والوجهان على ما حكى الإمام وغيره مبنيان على ما إذا رمى إلى

الجزء: 8 - الصفحة: 244

صيد فأبطل بعض امتناعه ولم يرمه ثم رمى إليه آخر فأزمنه ولولا رمى الأول لما كان الثاني مزمنا فلمن الصيد؟ فيه وجهان؛ قال الإمام: الأقيس الأصح أنه لهما.
انتهى.
والأصح عند الجمهور أنه للثاني على خلاف ما نقله عن الإمام وسكت عليه؛ كذا صرح به الرافعي في أواخر باب الصيد وتبعه عليه في "الروضة" وقد اغتر النووي بسكوت الرافعي على الترجيح المذكور في هذا الباب نقلا عن الإمام فأطلقه فقال: الأصح أنه لهما فوقع في صريح التناقض فتفطن له واجتنبه.
وقد علم من ذلك أن الصحيح في مسألة السفينة وجوب ضمان التسعة كلها على الثاني.

قوله: الخامس: إذا كان في الإلقاء تخليص الملتمس وغيره بأن التمس بعض الركاب من بعض فيجب الضمان على الملتمس لأن له غرضًا في تخليصه وتخليص غيره.
قال الإمام: ويجئ الوجهان في أنه هل تسقط حصة المالك؟ ويجيئان أيضًا فيما إذا كان الملتمس خارج السفينة وملقي المتاع من الركبان.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره في آخر كلامه حيث قال ويجيئان .. إلى آخره.
غريب؛ فقد تقدم التصريح بهما قبل هذا بنحو سطرين في القسم الرابع، وأشد من ذلك أن الوجهين المشار إليهما هنا هما المذكوران في القسم الرابع فكأنه قال: إن الوجهين في القسم الرابع يأتيان فيه -أي في القسم الرابع- أيضًا، وهو كلام غير مقيد؛ ولأجل هذا المعنى حذفهما من "الروضة" فتفطن لذلك.

الجزء: 8 - الصفحة: 245

الأمر الثاني: أن الإمام فرضهما فيما إذا كانا معا فيها وكان معهما غيرهما، ولم يصرح الرافعي باجتماع الثلاثة.
واعلم أن الأقسام في هذه المسألة سبعة: أحدها: أن يختص النفع بصاحب المتاع.
والثاني: بالمستدعي.
والثالث: بهما.
والرابع: بغيرهما.
والخامس: بصاحب المتاع وأجنبي.
والسادس: بالملتمس وأجنبي.
والسابع: أن يعم الثلاث.
وأهمل الرافعي قسمين: أحدهما: الثالث ومقتضى المنقول فيه وجهان: أحدهما: يضمن جميع المتاع.
والثاني: نصفه وكلام الإمام يدل عليه.
والثاني: مما أهمله: السادس، ومقتضى المنقول [وجوب الجميع ولم يصرح بالسابع لكن يمكن دخوله في كلامه.
وقضية المنقول] 17 أن يضمن جميعه في وجه، وثلثيه في آخر.

قوله: وحكى الإمام أن المتاع الملقي لا يخرج عن ملك مالكه حتى لو لفظه البحر على الساحل وظفرنا به فهو لمالكه، ويسترد الضامن المبذول.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: [أن هذا الذى نقله عن الإمام قد حكى الماوردي فيه وجهين أحدهما] 18 هذا، والثاني: أن الآمر يملكه قبيل الإلقاء.
ذكر ذلك في

الجزء: 8 - الصفحة: 246

الكلام على ما إذا أمر غيره بأن يعتق عنه عبده على كفارة اليمين.
الثاني: أن مقدار النقصان بالغرق لا يسترده الضامن بلا شك.

قوله: ولو قال الملتمس: ألق متاعك وأنا وركبان السفينة ضامنون وأطلق فكلام الوجيز يشعر بحمل كل واحد على الانفراد بالضمان؛ فإنه قال: ولو قال الملتمس: ألق وأنا وركبان السفينة ضامنون، ثم قال: أردت التوزيع صدق بيمينه ولزمه حصته فأشعر بأنه لا ينصرف عنه إلا بدعوى الإرادة، وصرح في "النهاية" بخلافه فقال بأنه لا يحمل عند الإطلاق على الانفراد.
انتهى.
وهذا الذي قاله الإمام قد صرح به الغزالي في "البسيط" فقال: لو قال أنا وركبان السفينة ضامنون فهذا ظاهر في التقسيط، ويحتمل التعميم إن اعترف به وإذا زعم أنه أراد التقسيط قبل والقول قوله مع يمينه.
هذا كلامه.
وهو صريح في موافقة الإمام، وكلام "الوجيز" يقتضيه إلا أنه أوجز العبارة في "الوجيز" وبسطها في "البسيط".

قوله: وإن قصدوا بالمنجنيق شخصًا أو جماعة بأعيانهم فالذي أورده العراقيون أنه شبه عمد إذا أصاب الحجر من قصده، لأنه لا يمكن أن يقصد بالحجر شخص معين أو جماعة معينون فتجب الدية على عاقلتهم مغلظة.
وقال آخرون: إن كان الغالب أنه يصيب من قصد فهو عمد يتعلق به القصاص، وهذا ما أورده الصيدلاني والإمام والمتولي وصاحب "الكتاب"، ورجحه صاحب "التهذيب" والروياني وأقاما الكلام وجهين، ويشبه أن يقال: الخلاف راجع إلى أنه هل يتصور تحقيق هذا القصد في المنجنيق.
انتهى كلامه.
والراجح أنه عمد يتعلق به القصاص؛ فقد قال الرافعي في "المحرر"

الجزء: 8 - الصفحة: 247

و"الشرح الصغير" إنه الأظهر، ونقل النووي تصحيح "المحرر" وسكت عليه.

قوله في المسألة: وإن قصدوا واحدًا أو جماعة والغالب أنه لا يصيب من قصده فهو شبه عمد، والعلم بأنه يصيب واحدًا منهم لا بعينه أو جماعة من القوم لا بأعيانهم لا يحقق العمدية ولا يوجب القصاص لأن العمدية تعمد قصد عين الشخص؛ ولهذا لو قال: اقتل أحد هؤلاء وإلا قتلتك؛ فقتل أحدهم، لا يجب القصاص على المكره لأنه لم يقصد عين أحدهم.
انتهى كلامه.
وما جزم به من اشتراط قصد عين لشخص في العمدية الموجبة للقصاص قد تابعه عليه في "الروضة" أيضًا هنا وفي أوائل الجنايات في الكلام على تقديم الطعام المسموم، ورجح من "زوائده" في باب العفو عن القصاص خلافه، وقد تقدم ذكر لفظه هناك فراجعه.

قوله في "الروضة": وفي "صحيح مسلم" 19: إن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "العين حق وإذا استغسلتم فاغسلوا".
قال العلماء: الاستغسال أن يقال للعائن: اغسل داخلة إزارك مما يلي الجلد بماء ثم يصب على المعين.
انتهى.
استغسلتم: بضم التاء على البناء للمفعول؛ أي: طلب منكم الغسل.
وداخلة: بتاء التأنيث في آخره على وزن ضاربة.

الجزء: 8 - الصفحة: 248

القسم الثالث من الكتاب

قال: القسم الثالث من الكتاب: فيمن تجب عليه الدية.

قوله في "الروضة": وأما أبو الجاني وأجداده وبنوه وبنو بنيه فلا يتحملون لأنهم أبعاضه وأصوله فلا يتحملون كما لا يتحمل الجاني، والحديث الصحيح أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قضى بدية مقتولة على عاقلة القاتلة وبرأ زوجها والولد 20. انتهى كلامه.
وما ذكره -أعنى النووي- من صحة هذا الحديث الذى فيه الدلالة على موضع الحاجة وهو تبرئة الولد ليس كذلك ولم يتعرض له الرافعي، وأيضًا فإن الحديث رواه أبو داود وابن ماجه من حديث جابر بن عبد الله، وفي إسناده مجالد بن سعيد، وقد تكلم فيه الجمهور إلا أن مسلمًا استشهد به في صحيحه.
نعم يغني عنه حديث أبي هريرة في الصحيحين 21 وأن في الحديث المذكور فيه فقضى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن ميراثها لبنيها وزوجها وأن العقل على عصبتها.

قوله في "الروضة": فرع: إذا ضربنا على المعتق فبقي شيء من الواجب فهل يضرب على عصباته في حياته؟ نقل الإمام والغزالي المنع؛ إذ لا حق لهم في الولاء ولا بالولاء في حياته، وتردد الإمام فيما لو لم يبق المعتق وضربنا على عصبته فهل يختص بالأقربين لأنهم أهل الولاء والإرث أم يتعدي إلى الأباعد كعصبة الجاني؟ ورجح الاحتمال الثاني

الجزء: 8 - الصفحة: 249

وجزم به الغزالي وصرح [صاحبا] 22 الشامل و"التتمة" وغيرهما بالضرب عليهم.
انتهى كلامه.
وهذا الذى ذكره عن "الشامل" وغيره ليس عائدًا إلى المسألة التى قبله، بل إلى المسألة الأولى وهي الضرب على عصبات المعتق في حياته؛ فاعلم ذلك؛ فقد صرح به الرافعي، والمتبادر إلى الفهم من كلام "الروضة" خلافه.

قوله: وألا يضرب على خنثى لاحتمال الأنوثة، فإن بان ذكرًا فهل يغرم حصته التى أداها غيره؟ فيه وجهان مرويان في "التهذيب".
انتهى.
قال في "الروضة" من "زوائده": لعل أصحهما أنه يغرم.

قوله: وهل يتحمل اليهودي عن قريبه النصراني وعكسه؟ فيه قولان: انتهى.
والراجح التحمل؛ فقد قال القاضي الحسين في تعليقته: إنه أظهر القولين، وهو المذكور في "الحاوي" و"تعليق البندنيجي" وغيرهما، ولأجل ذلك قال الرافعي في "الشرح الصغير" و"المحرر": إنه الأصح، وفي "زوائد الروضة": إنه الأظهر.

قوله: إحداهما: إذا انتهى التحمل إلى بيت المال فلم يوجد فيه مال فهل يؤخذ الواجب من الجاني؟ وجهان بنوهما على أن الدية تجب على العاقلة ابتداء.
أو تجب على الجاني وتتحمل عنه العاقلة؟ فيه وجهان، ويقال: قولان.
فإن قلنا: تجب على العاقلة ابتداء، لم يؤخذ من الجاني.
وإن قلنا: بالتحمل، فإذا تعذر التحمل أخذ الواجب من الأصل.
انتهى.

الجزء: 8 - الصفحة: 250

تابعه في "الروضة" على جعل الخلاف في الأخذ من الجاني وجهين، وخالف في "المنهاج" فجعل الخلاف قولين، وسبب ما وقع في "المنهاج" أن الرافعي عَبّر في "المحرر" بالأظهر ولم يزد عليه فتابعه عليه النووي غافلًا عن اصطلاحه أو غير كاشف عن حقيقة الخلاف فوقع في التناقض.

قوله: وإذا اعترف الجاني بالخطأ أو شبه العمد وكذبه العاقلة وجبت الدية عليه، فلو مات معسرًا، قال البغوي: يحتمل أن تؤخذ الدية من بيت المال كمن لا عاقلة له، ويحتمل المنع كما لو كان حيًا معسرًا.
قال في "الروضة": الاحتمال الثاني أرجح قوله: وإن كان بعض العاقلة حاضرًا وبعضهم غائبًا واستووا في الدرجة فهل يقدم الحاضر؟ فيه قولان، أصحهما: لا، بل يسوى بينهم.
ثم قال: والنظم هاهنا وفي "الوسيط" يشعر بتخصيص الخلاف بما إذا كانت المسافة بحيث لا يمكن التحصيل منها في سنة حتى إذا كانت دون ذلك لا يقدم الحاضر بلا خلاف، وكلام الشافعي والأصحاب لا يساعد عليه؛ فإنهم فرضوا فيما إذا كان القاتل بمكة والعاقلة بالشام، وحكوا فيه الخلاف.
انتهى كلامه.
وهو يشعر بانفراد الغزالي بذلك حتى أنه في "الروضة" أسقطه بالكلية وهو غريب؛ فإنه الإمام قد صرح بذلك في النهاية فإنه بعد ذكر المثال عن الشافعي بمكة والشام قال في أثناء الكلام: يجب أن لا يجري هذا في كل غيبة وإن كانت إلى مسافة القصر فإن الضرب سهل على من بعد عن مكان القتل بمرحلتين، وكذا لو زادت المسافة؛ فلابد من رعاية التعذر، وأقرب معتبر في هذا التعذر عندي متلقي من الأجل الشرعي؛ فإن كان يمكن تحصيل الغرض من الغيبة في مدة سنة فليس الأمر متعذرًا، وإن كان لا يتوصل إلى الضرب عليهم في سنة فيمكن أن يقضى عند ذلك بالتعذر،

الجزء: 8 - الصفحة: 251

ويجرى فيه القولان.
هذا كلام الإمام وذكر مثله في "البسيط" أيضًا.

قوله: الثالثة: ابتداء المدة في دية النفس من وقت الزهوق.
هذا ما يوجد لأئمة الأصحاب على اختلاف طبقاتهم، وفي الكتاب إن ابتداء الحول من وقت الرفع إلى القاضي، وكذا ذكر في "الوسيط"، وعلله بأن هذه مدة تناط بالاجتهاد، وصاحب "الكتاب" كالمنفرد بنقل ما ذكره عن المذهب حتى إن الإمام ساعد الجمهور على رواياتهم.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على إنكاره وعبر بقوله: فلا يعرف لغيره.
لكن هذا الحكم قد ذكره أيضًا في "البسيط" وعبر بقوله: قال الأصحاب: أول الحول من وقت الرفع إلى القاضي، إلا أن في النقل المذكور نظرًا فإن الفوراني بعد جزمه بما قاله غيره نقل هذا عن أبي حنيفة، والغزالي كثير النقل عنه؛ فالظاهر أنه انتقل نظره أو سقط من النسخة المنقول منها، ووقع في "الكفاية" لابن الرفعة أن الفوراني في "الإبانة" سبق الغزالي إليه.
وهو وهم عجيب؛ فقد راجعت ثلاث نسخ من "الإبانة" فرأيت فيها ما ذكرته لك وهو الجزم بما قاله غيره، ثم استظهرت فراجعت نسختين من كتابه المسمى "بالعمد" أيضًا فرأيته موافقًا "للإبانة".

قوله: وإذا جنى العبد تعلق الأرش برقبته.
اعلم أنه لم يتكلم -رحمه الله- على أنه إذا حصلت البراءة عن بعض الواجب بإعطاء أو غيره هل ينقل من العبد بقسطه أم لا كالمرهون؟ ، وقد صرح بها الرافعي في كتاب الوصايا عند الكلام في الدور الرابع المعقود للجنايات وصحح الانفكاك فقال: إذا جنى عبد على حر وعفى المجنى عليه ومات فإن أجازه الورثة فذاك، وإلا نفذ في الثلث وانفك ثلث العبد

الجزء: 8 - الصفحة: 252

عن تعلق الأرش.
قال: وأشار الإمام فيه إلى وجه آخر كما أن شيئًا من المرهون لا ينفك ما بقي شيء من الدين.

قوله في أصل "الروضة": إن أراد سيد العبد فداءه فبكم يفديه؟ قولان: أظهرهما -باتفاق الأصحاب وهو الجديد- بأقل الأمرين من قيمته وأرش الجناية.
والقديم: بالأرش بالغًا ما بلغ.
ثم قال لو قتل السيد عبده الجاني أو أعتقه أو باعه وقلنا بنفوذهما أو استولد الجانية، لزم الفداء، وفي قدره طريقان: أحدهما: طرد القولين، وأصحهما: القطع بأقل الأمرين، لتعذر البيع وبطلان توقع زيادة راغب.
انتهى كلامه.
وما ذكره هنا من تصحيح طريقة القطع قد خالفه في كتاب البيوع من "الروضة" في الكلام على بيع العبد الجاني فجزم بطريقة القولين، وقد سبق ذكر لفظه هناك فراجعه.

الجزء: 8 - الصفحة: 253

قال:

القسم الرابع: في غرة الجنين

قوله: وهل يعتبر العلم بالجنين أو الانفصال التام؟ وجهان، أصحهما: الأول فلو ضرب بطنها فخرج رأس الجنين وماتت الأم ولم ينفصل الولد أو خرج رأسه ثم جنى عليها فمات فعلى الأصح تجب الغرة لتيقن وجوده، وعلى الثاني: لا شيء لعدم الانفصال.
ثم قال: ولو خرج رأسه وصاح فجرّ جارٌّ رقبته، فإن اعتبرنا العلم بحصول الجنين وجب القصاص أو كمال الدية لأنا تيقنا بخروج الرأس وجوده وبالصياح حياته، وإن اعتبرنا الانفصال التام لم نوجب القصاص ولا الدية.
انتهى كلامه.
وما صححه هنا من أن حكمه كحكم سائر الأحياء في وجوب القصاص أو الدية قد خالفه في الباب الأول من أبواب العدد وكذلك في كتاب الفرائض أيضًا، وقد سبق ذكر لفظ كل من الموضعين في بابه فراجعه، ووقعت هذه المواضع في "الروضة" أيضًا على هذا الاختلاف.

قوله في الكلام على الجنين المحكوم عليه باليهودية أو النصرانية: وقول الغزالي: والثاني ثلث الغرة، الذى يتبادر إلى الفهم منه وجوب جزء من الغرة.
وهذا لم يذكره أحد وإنما هو محمول على إيجاب غرة قيمتها ثلث الغرة الكاملة على ما بيناه.
انتهى كلامه.
وذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، وليس الأمر كما زعم من إنكار هذا الوجه، والذي قاله الغزالي صحيح؛ فإنه وجه ثابت جزم به القاضي الحسين في "تعليقه" والغريب أن الإمام في "النهاية" حكاه عنه فقال: ونقل عن من يوثق به عن القاضي الحسين أن الجنين إذا كان كافرًا

الجزء: 8 - الصفحة: 254

وجب فيه جزء من الغرة نسبته من الغرة نسبة دية أهل الجنين من الدية الكاملة، فإذا كان الجنين نصرانيًا ففيه ثلث الغرة، وفي الجنين المجوسي خمس ثلث الغرة؛ فإن الديات هكذا نسبتها.
ثم قال: وهذه الطريقة مقاسة لكنه يجزم على القياس فيما الأصل فيه التعبد.
انتهى موضع الحاجة من كلامه.
وهذا الذي حكاه الإمام قد ذكر جميعه القاضي في "تعليقته" وحكاه أيضًا ابن الرفعة في "الكفاية" ولم يتعرض في "الروضة" لشيء من ذلك لتوهمه أن ما قاله الرافعي صحيح وأن عبارة الغزالي مُؤولة.

قوله في أصل "الروضة": ويجب في الجنين الرقيق عشر قيمة الأم ذكرًا كان أو أنثى، وفي الوقت الذى تعتبر فيه قيمتها وجهان، أحدهما: قيمة يوم الإجهاض، والأصح المنصوص تعتبر قيمته أكبر ما كانت من الجناية إلى الإجهاض.
انتهى.
وما ذكره هاهنا قد خالفه في "المنهاج" فقال: والرقيق عشر قيمة أمه يوم الجناية، وقبل: الإجهاض هذا لفظه.
وقد صحح الرافعي في "الشرح" اعتبار قيمته يوم الجناية كما صححه في "المحرر" وعزاه إلى النص، ثم قال: وإنما يعتبر يوم الجناية لأن القيمة يومئذ أكمل غالبًا، فإن فرضت زيادة القيمة مع تواصل الآلام اعتبرنا تلك الزيادة، وحقيقة هذا الوجه النظر إلى أقصى القيم هذا كلام الرافعي، ويعلم به أيضًا أن الشافعي لم ينص على الأكبر وإنما هو من تصرف الأصحاب.

قوله: فروع من "مولدات ابن الحداد" وغيرها.
منها: الجارية المشتركة بين اثنين بالسوية إذا حبلت من زوج أو زنا

الجزء: 8 - الصفحة: 255

فأعتقها أحدهما بعد ما جنى ثم ألقت جنينا ميتا نظر إن كان معسرًا عتق نصيبه من الأم والجنين وعليه نصف عشر قيمة الأم لشريكه.
وهل يلزمه نصف الغرة للنصف الحر؟ فيه وجهان: قال ابن الحداد: لا؛ لأنه وقت الجناية كان ملكه له وجناية الإنسان على ملكه لا توجب ضمانًا.
وقال آخرون: نعم، وحكوه عن نصه في "الأم" لأن الجناية على الجنين إنما تتحقق عند الإلقاء وهو حر حينئذ.
والخلاف مبني على وجهين ذكرا في أن الموجب للضمان هو الضرب أو الإجهاض؟ . أحدهما: الضرب؛ لأنه يؤثر في الجنين؛ ألا تري أنه يري أثره عليه عند الانفصال.
والثاني: الإجهاض؛ لأن الرحم محل نشوء الطفل وسبب الهلاك مفارقته.
وكلام أكثر الناقلين للمسألة يميل إلى الوجوب، والأولى بالترجيح ما رجحه الشيخ أبو على في جماعة أنه لا يجب، وأن الموجب هو الضرب.
انتهى كلامه.
وما رجحه الرافعي هنا من عدم الوجوب صرح بتصحيحه النووي في أصل "الروضة"، ثم ذكر الرافعي بعد ذلك بدون الورقة فرعًا حاصله الجزم بالوجوب وتبعه عليه في "الروضة" فقال: وإن أعتقاها معًا بعد ما جنيا.
أو وكلا وكيلًا فأعتقها بكلمة ثم أجهضت فقد عتق الجنين مع الأم قبل الإجهاض فيضمن بالغرة.
وفيما يجب على كل واحد منهما وجهان .. إلى آخر ما ذكر.

قوله: ومنها مات رجل عن زوج حامل وأخ، وفي التركة عبد فضرب بطنها فألقت الجنين ميتًا تعلقت الغرة برقبة العبد، وللأم ثلثها

الجزء: 8 - الصفحة: 256

وللعم ثلثاها والعبد ملكهما والمالك لا [يستحق] على ملكه شيئًا فيقابل ما يرثه كل واحد بما يملكه؛ فالأخ يملك ثلاثة أرباع العبد فتتعلق به ثلاثة أرباع الغرة وله ثلثا الغرة يذهب الثلثان بالثلثين يبقى نصف سدس الغرة متعلقا بحصته من العبد والزوجة تملك ربع العبد فيتعلق به الغرة ولها ثلث الغرة يذهب ربع بربع يبقى لها نصف سدس الغرة متعلقا بنصيب الأخ وهو ثلاثة أرباع العبد فيفديه بأن يدفع نصف سدس الغرة إلى الزوجة.
والفرع لابن الحداد أيضًا، وقد يورد جوابه بغير هذا الإيراد ولا يكاد يختلف المقصود.
انتهى كلامه.
واعلم أن الإمام أورد جواب ابن الحداد بهذا الطريق الذى ذكره الرافعي وأورده الغزالي في "البسيط" و"الوسيط" بطريق آخر يخالفه في المعنى لكنه لم ينبه على المخالفة إلا في "البسيط" ولم يقف الرافعي هنا على "البسيط" بل وقف على "الوسيط" فظن أن ما قاله ليس مخالفًا في المعنى فقال -أعني الرافعي- في آخر كلامه وقد يورد جوابه إلى آخره، والذى في البسيط أنه حكى هذه الطريقة.
ثم قال: هكذا أورده الإمام، وفيه نظر عندي بل الكشف فيه أن يقول فوات الثلث المستحق للأم يضاف إلى جميع الرقبة فيخص ربعها ربع ثلث الغرة فيبقي لها ربع الغرة متعلقا بنصيب الأخ ويعود إلى جانب الأم ويقول ثلثا الغرة فوته العبد فيوزع على الجميع فيخص نصيبه ثلاثة أرباع الثلثين فيبقى له سدس الغرة متعلقًا بنصيب المرأة.
فإن قيل: فإذا كان لها عليه الربع له عليها السدس فيصير السدس قصاصًا بمثله ويبقي للمرأة نصف سدس على الأخ، وهو الجواب كما سبق -أي: على طريقة الإمام-.
قلنا: نعم هو كذلك ولكن في التقاضي نظر لعدم تعلق الواجب

الجزء: 8 - الصفحة: 257

بدينهما وإنما تعلقه بالرقبة المملوكة لهما ولا تعد في تقدير التقاضي لكن تبقي فائدة وهي أن الأصح أن الواجب في العبد أقل الأمرين وربما لا تفي حصة الأم من العبد بالأرش الذي للأخ وتفي حصة الأخ وهو ثلاثة أرباع أرشها، فإذا سلمت نصيبها للبيع تعطل ما زاد من نصيبه ولم يتعطل شيء من نصيبها؛ فعلى هذا الوجه ينبغي أن تعلل المسألة.
هذا كلامه.
وهذه الطريقة التى ذكرها الغزالي وهي أن ينسب الساقط من نصيب كل منهما إلى النصيب لا إلى جملة الغرة متجه؛ فإن العبد كما يقال: إنه جنى على الجنين.
يقال: إنه جنى على كل جزء من أجزائه فلا يقال ربع العبد جنى على ربعه ولا نصفه على نصفه وإذا أضيف تلف النقص إلى جملة العبد اقتضى أن يكون الساقط من النصيب مضافًا إليه لا إلى الكل.
ووجه اختلاف الطريقين أما في المثال المذكور فنقول على الإيراد الأول يسلم للأخ نصف العبد وقيمته عشرة، وعلى الإيراد الثاني يبقي له سدس الغرة متعلقًا بنصيب المرأة، فهو وإن كان يستحق عشرة التى هي سدس الغرة لكن إنما يجب على المرأة أن تسلم ما تعلق به وهو ربع العبد وقيمته خمسة، فإذا بيع بها لم يصل إليه غيرها وضاعت عليها الخمسة الثانية؛ فعلى الأول يستقر له ما يساوى عشرة وعلى الثاني يستقر له خمسة فقط.
نعم: إن قلنا الفداء بالأرش لا بالأقل ظهر الاستواء.
واعلم أن التقاضي خاص بالنقدين على المعروف فلا يجئ البحث السابق إلا على وجه ضعيف.

قوله: ومنها قال ابن الصباغ: إذا جنى حر أمه عتيقة وأبوه رقيق على امرأة حامل ثم أعتق أبوه فانجر ولاؤه من معتق الأم إلى معتق

الجزء: 8 - الصفحة: 258

الأب، ثم أجهضت الحامل؛ فعلى قياس قول ابن الصباغ يتحمل بدل الجنين مولى الأم اعتبارًا بحال الجناية، وعلى قياس قول غيره يتحمل مولى الأب اعتبارًا بحال الإجهاض.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن تعبير الرافعي أولًا بقوله: فعلى قياس قول ابن الصباغ، سهو وصوابه -وهو المذكور في "الشامل"- إنما هو ابن الحداد، وقد أصلحه في "الروضة" بذلك.
الأمر الثاني: أن ما ذكره ابن الصباغ هنا من الجزم بالوجوب وحكاية الوجهين فيمن يجب عليه وأن قياس ابن الحداد وجوبه على موالى الأم وأقره عليه [وتابعه] عليه في "الروضة" وهو غلط مخالف لكلام الأصحاب في هذه المسألة بخصوصها ومخالف لكلام ابن الحداد بخصوصه أيضًا فيها؛ فإن ابن الحداد قد جزم بأن هذا الحر الذى عليه الولاء لا يجب عليه شيء، وتابعه عليه الأصحاب، وقد أوضح الرافعي المسألة في أوائل العاقلة في الكلام على الولاء فقال: والمتولد من عتيقة ورقيق إن قتل إنسانًا فالدية على مولى الأم، ولو جرح إنسانًا فأعتق أبوه ثم مات المجنى عليه فقدر أرش الجناية على موالى الأم والباقي يجب على الجاني لأنه لا يمكن إيجابه على معتق الأم لأنه خرج بإعتاق الأب عن استحقاق الولاء فلا يلزمه ما يجب بعد ذلك ولا يمكن إيجابه على معتق الأب لأنه وجب بسراية جناية وجدت قبل انجرار الولاية إليه فلا يلزمه تحمله ولا يمكن إيجابه على بيت المال لأنه لم يحل عن المعتق، وأيضًا فالضرب على العاقلة على خلاف القياس فتسقط بالشبهة كالقصاص.
هذا ما أجاب به ابن الحداد وساعده الأصحاب والإمام وصاحب الكتاب احتمال في الضرب على بيت المال لأنه إذا تعذر الضرب على المعتق كان كمن لا معتق له.
هذا كلام الرافعي، وتبعه عليه في "الروضة".

الجزء: 8 - الصفحة: 259

وهو كما قلنا دليل على بطلان ما ذكره هنا، وإنه إنما حصل من غفلة وذهول عما قاله هناك.
والحاصل أن ابن الصباغ اعتبر وقت الجناية في المسألة الأولى وهي ما إذا أعتق أحد الشريكين لأنه كان على ملكه إذا ذاك فاعتباره يقتضي عدم الوجوب فقدم على المقتضى لأن الأصل العدم ولم يعتبر في المسألة الثانية وهي التي فيها انجرار الولاء واحدًا من الأمرين لأنه يقتضي أيضًا عدم الوجوب على العاقلة الذى هو الأصل.

قوله في صفة الغرة: هي رقيق سليم من عيب يثبت رد المبيع، له سن مخصوص.
ثم قال: ولا يجبر على قبول خصى وخنثى وكافر.
انتهى.
وما ذكره في الكافر قد تبعه عليه في "الروضة" وهو غريب جدًا؛ فإنه لم ينقل في البيع عن أحد أن الكفر عيب على الإطلاق، بل قيل: إنه ليس بعيب مطلقًا، والصحيح: أنه إن كان في بلد تقل فيه الرغبة كان عيبًا، وكذلك إن كانت الرغبة لا تقل ولكن كانت أمة وكفرها مانع من وطئها كالتمجس والتوثن، ولا اعلم أحدًا ذكر هنا ما ذكره الرافعي.

قوله؛ ولم يتكلموا في التغليظ عند وجود الغرة إلا أن الروياني قال: ينبغي أن تجب عن عشر قيمتها بنصف عشر الدية المغلظة، وهذا أحسن.
انتهى كلامه.
وما ادعاه من أنه لم يتكلم فيها إلا الروياني تبعه عليه في "الروضة" وهو غريب؛ فقد تكلم جماعة في المسألة منهم القاضي أبو الطيب في "تعليقته" فقال ما نصه: عندنا أن الغرة تكون مقدرة بخمس من الإبل فينظر في حال الجناية فإن كانت خطأ فهي مخمسة في حق العاقلة، وإن كانت شبه عمد فتكون مثلثة حقة ونصف وجذعة ونصف وخلفتان.
هذا لفظه.

الجزء: 8 - الصفحة: 260

وذكر مثله البندنيجي أيضًا وقال إنه مفرع على الجديد، أما إذا قلنا قيمة الإبل عند الإعواز مقدرة فيعتبر هنا أن تكون قيمة الغرة في الخطأ خمسين دينارًا أو ستمائة درهم، ويزاد التغليظ قدر الثلث، وجزم أيضًا الماوردي بالتغليظ وحكى وجهين في كيفيته فقال: إذا ثبت تقدير الغرة بنصف عشر الدية فقال البصريون: تقوم بالإبل لأنها الأصل في الدية؛ فإن كانت الجناية خطأ قدرت بخمس من الإبل مخمسة: بنت مخاض وبنت لبون وابن لبون وحقة وجذعة، وإن كانت شبه عمد قدرت بخمس مثله كما سبق، ثم إنا نقوم الإبل بعد ذلك بالدراهم لأنها القيمة، فإن بلغت قيمتها في الغليظ ألف درهم مثلًا وفي التخفيف سبعمائة أخذنا منه غرة قيمتها كذلك، وقال جمهور البغداديين: نقدرها بالدراهم دون الإبل لأن الإبل ليست مأخوذة ولا من جنس ما تقوم به، ولو قومت بالإبل لاحتيج إلى تقويم الإبل أيضًا فوجب التقويم ابتداء بالدراهم.
هذا كلامه.
وذكر القاضي الحسين في باب الديات من "تعليقته" كلامًا ظاهره حكاية وجهين وأن الصحيح عدم التغليظ.

قوله: أما بدل الجنين الرقيق فلسيده.
انتهى.
هذه العبارة أحسن من قول "المنهاج" لسيدها؛ فإنه يخرج منه ما إذا أوصى بأحدهما دون الآخر فإنه يصح كما سبق في الوصية ويستحق بدل الجنين في هذه الحالة مالكه لا مالك الأم وقد سبقت الإشارة هنا إلى ذلك.

قوله: وإن اتفقا على سقوط الجنين بالجناية فقال الجاني: سقط ميتًا فالواجب الغرة، وقال الوارث بل حيًا ثم مات فالواجب الدية فعلى الوارث البينة لما [يدعيه] من استهلاك وغيره وتقبل فيه شهادة النساء لأن الاستهلاك حينئذ لا يطلع عليه غالبًا إلا النساء.
وعن رواية الربيع قول أنه يشترط رجلان.
انتهى كلامه.

الجزء: 8 - الصفحة: 261

وهذا الذى حكاه عن رواية الربيع صحيح فقد رأيته في "الأم" في كتاب ديات الخطأ في باب جنين المرأة لكن شرط فيه شرطًا يتعين الوقوف عليه فإنه قال بعد حكايته لهذا القول ما نصه: هذا إذا أمكنهم أن يخرجوه حيًا بعد ما يولد، فأما إذا لم يمكنهم أن يخرجوه لسرعة موته قبلت عليه شهادة أربع نسوة فيشهدن على موته بعد الجناية.
هذا لفظه.

الجزء: 8 - الصفحة: 262

باب: كفارة القتل

قوله: الثالثة: القتل المباح لا يوجب الكفارة؛ وذلك كقتل مستحق القصاص الجاني، وكقتل الصائل والباغي.
انتهى.
وهذا الكلام يوهم أن قتل الباغي للعادل يوجب الكفارة وكذلك كلامه بعد هذا أيضًا في شرط القتيل فإنه قال: الشرط فيه أن يكون معصومًا بإيمان أو أمان، مع أن أشبه الوجهين كما قاله في قتال البغاة أنها لا تجب فتفطن له.

قوله: وإذا وجبت الكفارة على الصبي والمجنون أعتق الولي من مالهما كما يخرج الزكاة.
ثم قال: ولو أعتق الولي من مال نفسه عنهما أو أطعم قال في "التهذيب": يجوز ذلك إن كان الولي أبا أو جدا وكأنه ملكهما ثم مات عنها في الإعتاق والإطعام، وإن كان وصيًا أو قيمًا لم يجز حتى يقبل القاضي التمليك ثم يعتق عنهما القيم أو يطعم.
انتهى كلامه.
وهذا الذى جزم به هنا من جواز إعتاق الولي من ماله ومن مال الطفل قد خالفه في الباب الثاني من أبواب الصداق في السبب الخامس المعقود لتفريط الولي في المهر، وقد ذكرت لفظه هناك مع بيان ما فيه من الخلل مبسوطًا فراجعه، وقال في كفارة الظهار نقلًا عن القفال من غير مخالفه له: ولو قال الولي اعتق عبدك عن ابني فأعتقه صح لأنه يتضمن ولاء إلى مضرة.
انتهى.
وجواز هذه الصورة يدل على جوازه في الكفارة بطريق الأولى.

قوله: ولا تجب الكفارة بقتل الحربي فإنا مأمورون بقتله، ولا بقتل المرتد فإنه مهدر مراق الدم وبمثله أجابوا في قاطع الطريق والزاني المحصن، ولم يوردوا فيه خلافًا لكن قد سبق ذكر خلاف في القصاص ولا يبعد مجيئه في الكفارة.
انتهى كلامه.

الجزء: 8 - الصفحة: 263

واعلم أن الرافعي قد ذكر في باب قطع الطريق أن قتله فيه معنى القصاص ومعنى الحدود.
وما الذي يُراعي منهما؟ فيه خلاف والأصح كما قاله في "المحرر" و"المنهاج": رعاية معنى القصاص.
قال الرافعي: وللخلاف فوائد.
منها: لو قتله قاتل بغير إذن الإمام فإن راعينا معنى القصاص فعليه الدية لورثته ولا قصاص لأن قتله متحتم، ويجئ فيه وجه آخر، وإن لم يراعه: فليس عليه إلا التعزير هذا كلامه.
وحاصله تصحيح وجوب الدية ويلزم منه أن يكونوا قد سلكوا به مسلك المعصومين وحينئذ فيلزم القول بوجوب الكفارة على خلاف ما جزم به هاهنا، وبتقدير تسليم كل من الجوابين بكون التزام إيجاب الدية بدون الكفارة موضعًا لا نظير له.
واعلم أن الرافعي قد ذكر في باب استيفاء القصاص في فصل الحامل أن الجلاد إذا جرى على يده قتل غير مستحق لا تلزمه الكفارة إذا كان جاهلًا بظلم الإمام.
تنبيه: ذكر الرافعي هنا البيات، وهو بباء موحدة مفتوحة بعدها ياء بنقطتين من تحت هو الإيقاع بالعدو ليلًا؛ يقول منه بيّت العدو بالتشديد، قال تعالى: ﴿بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ 23.

الجزء: 8 - الصفحة: 264

فصول الكتاب · 72 فصل
فصول المهمات في شرح الروضة والرافعي
المقدمةالمقدمةمقدمة المحققمقدمة المؤلفكتاب الطهارةكتاب التيممكتاب الحيضكتاب الصلاةكتاب الصلاةكتاب الصلاة بالجماعةكتاب صلاة المسافرينكتاب الجمعةكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الحجكتاب البيعكتاب الرهنكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب العاريةكتاب الغصبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب الجعالةكتاب الوقفكتاب الهبةكتاب اللقطةكتاب اللقيطكتاب الفرائضكتاب الوصاياكتاب الوديعةكتاب قسم الفيء والغنيمةكتاب قسم الصدقاتكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب القسم والنشوزكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفاراتكتاب "العدد"كتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجراحكتاب الدياتكتاب دعوى الدمكتاب الجنايات الموجبة للعقوباتكتاب موجبات الضمانكتاب السيركتاب [عقد] (1) الجزية والمهادنةكتاب الصيد والذبائحكتاب الضحايا والعقيقةكتاب الأطعمةكتاب السبق والرميكتاب الأيمانكتاب [النذر]كتاب القضاءكتاب الشهاداتكتاب الدعاوى والبيناتكتاب التدبيركتاب الكتابةكتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل