المهمات في شرح الروضة والرافعيكتاب الزكاة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وهي ستة أنواع:

زكاة الغنم

، ولها شروط: قوله: الزكاة أحد أركان الإسلام، فمن منعها جاحدًا كفر إلا أن يكون حديث عهد بالإسلام.
انتهى.
تابعه عليه في "الروضة" وفيه أمور، يتعين ذكرها قد سبق إيضاحها في الباب الذي قبله.

قوله: قال الأصحاب: الزكاة نوعان: زكاة الأبدان وهي الفطرة، ولا تعلق لها بمال، إنما يراعى فيها إمكان الأداء.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على اعتبار هذا الشرط في زكاة الفطر وهذا يقتضي أن المال لو تلف قبل إمكان أدائها منه لم تستقر في الذمة والمسألة فيها وجهان في باب زكاة الفطر من "شرح المهذب" و"الكفاية" وغيرها.
والصحيح منها على ما نقله في "شرح المهذب" عن غيره ولم ينكره هو عدم الاستقرار كما دل عليه كلام الرافعي هنا، ولكن مقتضى كلام ابن الرفعة أن المشهور عدم السقوط، وبه جزم في الكتاب المذكور أيضًا قبيل باب صدقة المواشي، ويؤيده أن الصحيح في موت المخرج عنه قبل التمكن هو عدم السقوط على ما قاله في "الروضة".

قوله في "الروضة": وأما العبد القني فلا يملك بغير تمليك السيد قطعًا، ولا بتمليكه على المشهور.
انتهى.
وما ذكره من عدم الخلاف ذكره في مواضع منها الوقف والظهار، ويأتي الكلام عليه في الوقف.

الجزء: 3 - الصفحة: 524

قوله أيضًا في "الروضة": فإن ملكه السيد مالًا زكويًا، وقلنا: لا يملك، فالزكاة على سيده.
وإن قلنا: يملك.
فالزكاة على العبد قطعًا لضعف ملكه، ولا على السيد على الأصح.
انتهى.
وتعبيره بالأصح يقتضى أن في المسألة وجهين، وقد خالف في "شرح المهذب" فصحح القطع بعدم الوجوب فقال: فيه طريقان: الصحيح منهما، وهو المشهور، وبه قطع كثيرون: لا يلزمه.
والثاني: فيه وجهان، وقد جزم الرافعي أيضًا وتبعه عليه في "الروضة" بأنه إذا ملكه عبدًا وقلنا: يملكه أن زكاة الفطر لا تجب على سيده ولم يذكر فيه هذا الخلاف فيحتاج إلى الفرق.
وقد خرجه عليه الماوردي وغيره.
قال في "شرح المهذب": إن جريان الخلاف شاذ باطل.

قوله: اعلم أن الناقة أول ما تلد يسمى ولدها ربعًا، والأنثى ربعة، ثم يقال لها هيع وهيعة، ثم فصيلا إلى تمام سنة، فإذا طعن في السنة الثانية سمى ابن مخاض.
. . إلى آخر ما ذكر.
اعلم أن هذه الألفاظ الأربعة أولها مضموم، وثانيها مفتوح، وما ذكر الرافعي هنا قد تابعه عليه في "الروضة" و"شرح المهذب" وابن الرفعة في "الكفاية"، وفي غير ذلك من الكتب.
وحاصله أن المولود يسمى أولًا ربعًا، فإذا كبر قيل له: هيع، وكذلك الأنثى.
كما يسمى بعد ذلك ابن مخاض ثم ابن لبون.
. . . إلى آخر الأسنان.
وهذا الذي اقتضاه كلامه غلط صريح، بل الذي نص عليه أهل اللغة، ومنهم الأزهري في كلامه على "المختصر"، والجوهري في فصل الراء،

الجزء: 3 - الصفحة: 525

وفصل الهاء من باب العين أن الربع هو الذي ينتج في أول زمان النتاج، وهو زمان الربيع، وجمعه رباع بكسر الراء، وأرباع.
والهيع هو الذي ينتج في آخر النتاج في زمان الصيف وسمى بذلك كما قاله الجوهري من قولهم: هيع إذا استعان بعنقه في مشيه، وذلك أن الربع أقوى منه لكونه ولد قبله، فإذا سار الهيع معه احتاج أى الهيع إلى الاستعانة بعنقه حتى لا ينقطع عنه.
قال: وهو في جميع السنة يسمى حوارًا أى بضم الحاء وبالراء المهملتين، وسمى فصيلًا لأنه فصل من أمه.

قوله: ثم إذا استوفى الولد ثلاث سنين وطعن في الرابعة سمى الذكر حقًا والأنثى حقة.
ولم سمى بذلك؟ اختلفوا فيه، منهم من قال: لاستحقاقه الحمل عليه وركوبه، ومنهم من قال: لأن الذكر استحق أن ينزو والأنثى استحقت أن يُنزى عليها.
انتهى.
وحاصله أن المعنى الذي يحصل معه اسم الحقة الواجبة في هذا العدد الخاص، وهو استحقاق الحمل والنزوان يحصل بالطعن في الرابعة.
وجزم في أوائل الأضحية بأن هذا الحيوان لا يهيأ لذلك إلا باستكمال الخامسة، والطعن في السادسة وهو غريب، فإنه إذا انتفى التهيؤ له قبل ذلك ابتغى الاستحقاق بطريق الأولى، وسوف أذكر لفظه في موضعه إن شاء الله تعالى فراجعه، ولم يتعرض في "الروضة" لبيان ذلك في الموضعين ولا في الأضحية من "شرح المهذب" فسلما من الاختلاف وقد وقع الموضعان كذلك في "الشرح الصغير".

قوله: عن سويد بن غفلة، هو بغين معجمة وفاء مفتوحتين.

قوله: واختلفوا في تفسير الجذعة والثنية على أوجه: أظهرها: أن الجذعة ما استوفت سنة، ودخلت في السنة الثانية، والثنية ما استوفت سنتين سميت الجذعة جذعة، لأنها تجذع السن أى ليسقط.

الجزء: 3 - الصفحة: 526

والثاني: أن الجذعة ما لها ستة أشهر، والثنية ما لها سنة، وهو الذي ذكره في الثنية.
والثالث: أن الجذعة هى التى لها ثمانية أشهر والثنية لها ستة، وهو اختيار الروياني في "الحلية" ويقال: إذا بلغ الضأن سبعة أشهر، وكان بين شاتين فهو جذع، لأنه ينزو على الأنثى، وإن كان بين هرمين فلا يسمى جذعًا حتى يستكمل ثمانية أشهر.
انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدها: أن النووي في "الروضة" قد أسقط الوجه الثالث بالكلية، وجعل بدله ما ذكره الرافعي في آخر كلامه معبرًا عنه بقوله: ويقال.
. . . إلى آخره وكأنه سقط من النسخة التى وقف عليها من الرافعي فلما حصل هذا السقط مع كون الرافعي قد عبر في أول المسألة بأوجه احتاج إلى تكميلها بقوله: ويقال، مع أن مثل هذا لا يعد وجهًا للأصحاب، ولهذا لم يعده الرافعي، وقد وقع هذا الغلط للنووى في "شرح المهذب" أيضًا بزيادة أخرى، وهو أنه عزى ما نقله الرافعي عن "التنبيه" للشيخ أبي إسحاق إلى "حلية الروياني"، وتابعه ابن الرفعة في "الكفاية" على هذا الغلط، ونبهت عليه في كتاب "الهداية".
الأمر الثاني: أن ما نقله في آخر كلامه وهو يقال.
. . . إلى آخره.
نقله اللغويون وأصحابنا عن ابن الأعرابى، وممن حكاه عنه ابن الرفعة في "الكفاية" فقالوا: إنه إذا كان بين شاتين فيجذع لستة أشهر إلى سبعة أشهر، وهو مخالف لما ذكره الرافعي، وتابعه عليه في "الروضة" من كونه لا يحصل إلا بسبعة.
الأمر الثالث: أن ما ذكره من الاختلاف محله إذا لم يحصل الإجذاع قبل هذا السن، فإن حصل أجزأت كما هو مقتضى كلامه في كتاب الأضحية فإنه بعد أن ذكر ما حكاه هنا قال ما نصه: نعم.

الجزء: 3 - الصفحة: 527

ذكر أبو الحسن العبادي أنه لو أجذع قبل تمام الستة كان مجزءًا كما لو تمت السنة قبل الجذع، ونزل ذلك منزلة البلوغ بالسن أو الاحتلام إن استوفى السن، ولم يحتلم كان بلوغًا، وإن احتلم قبل استيفاء السن كان بلوغًا، وهذا ما أورده صاحب "التهذيب" فقال: الجذعة هي التي استكملت سنة وطعنت في الثانية، أو جذعت سنها من قبل ذلك.
هذا كلامه.
واعلم أن الجذعة: بالذال المعجمة.

قوله: والوقص: منهم من يفتح قافه، ومنهم من يسكنها، والشنق بمعناه.
. . . إلى آخره.
الفصيح من هاتين اللغتين هو الفتح، وهو المشهور في كتب اللغة، وقد نبه عليه النووي في كتبه والشنق: بشين معجمة ونون مفتوحتين.

قوله في "الروضة": والأصح أنه يتخير في شياه الإبل بين الضأن والمعز، ثم قال بعد ذلك: والمذهب أنه لا يجوز العدول عن غنم البلد.
وقيل: وجهان.
انتهى.
مراده بالثاني في أنواع الضأن وأنواع المعز فاعلمه.
ثم إن الرافعي لم يصرح في هذه المسألة بحكاية طريقين، ولا بتصحيح.
نعم عبر بقوله: يشبه كذا.

قوله: فإذا أخرج بعيرًا عن خمس، فهل نقول: كله فرض أم الخمس فقط، والباقي تطوع؟ فيه وجهان.
. . . إلى آخره.
هذا قد سبق الكلام عليه مبسوطًا في صفة الصلاة وعلى نظائره، وما وقع فيه من الاختلاف في التصحيح فراجعه.

قوله: واعلم أن الشاة الواجبة في الإبل يجب أن تكون صحيحة، وإن

الجزء: 3 - الصفحة: 528

كان الإبل مراضًا لأنها في الذمة.
ثم فيها وجهان: أحدهما: وهو الذي أورده كثيرون: أنه يؤخذ من المراض صحيحة بمراعاة القيمة.
والثاني: يجب فيها ما يجب في الإبل الصحاح بلا فرق، قال في "المهذب": وهذا ظاهر المذهب، ونسب الأول لأبي على بن خيران.
انتهى.
والصحيح هو الثاني، كذا صححه في "شرح المهذب".

قوله: وفي خمس وعشرين بنت مخاض، فإن لم يجدها وعنده ابن اللبون جاز دفعه عنها، فإن لم يكن في إبله بنت مخاض ولا ابن لبون فالأصح أنه يشترى أيهما شاء ويخرجه.
والثاني: تتعين بنت مخاض.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" أيضًا، ومحل الوجهين إذا لم يرد الصعود إلى فرض أعلى منه، ويأخذ الجبران، فإن أراد ذلك جاز، كذا نقله ابن الرفعة في "الكفاية".

قوله: الثانية: لو كانت عنده بنت مخاض كريمة، فأراد إخراج ابن اللبون فوجهان: أظهرهما عند الأكثرين، وبه أجاب الشيخ أبو حامد أنه لا يجوز.
انتهى ملخصًا.
وتبعه عليه في "الروضة"، وهذا الذي نقله عن الشيخ أبي حامد هو الذي كان يراه أولًا، ولكنه قد رجع عنه، وجوز إخراج ابن اللبون، كذا ذكره تلميذه سليم الرازي في "تعليقه" قبيل باب زكاة البقر.

قوله: ولو فقد بنت المخاض ووجد ابن اللبون وبنت اللبون، فأراد إخراج بنت اللبون وأخذ الجبران لم يكن له ذلك في أصح الوجهين.
قاله في "العدة".
انتهى كلامه.

الجزء: 3 - الصفحة: 529

والصحيح ما قاله صاحب "العدة"، فقد قال البندنيجي في "تعليقه" والروياني في "البحر": إنه المذهب.
وصححه النووي في "شرح المهذب"، وفي أصل "الروضة" أيضًا.

قوله: الرابعة: لو أخرج حقًا بدلًا عن بنت مخاض عند فقدها فلا شك في جوازه، لأن إخراج ابن اللبون جائز، فالحق أجوز وأولى.
انتهى كلامه.
وما اقتضاه تعبيره من عدم الخلاف قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" وليس كذلك، ففيه وجه أنه لا يجوز إخراجه لأنه لا مدخل له في الزكاة.
كذا حكاه الماوردي في "الحاوي" والروياني في "البحر"، ونقله عنهما في "الكفاية"، وخصص الوجهين بحالة وجود ابن اللبون.
قال: وجزم الأصحاب عند فقده بالجواز، والذي قاله مردود، فراجعه من "الهداية".

قوله: ولو ملك مائتين من الإبل فقد نص في الجديد على أن الواجب أربع حقاق أو خمس بنات لبون، لأن المائتين أربع خمسينات، وخمس أربعينات، ونص في القديم على أنه يجب أربع حقاق، فمنهم من أثبت قولين، ومنهم من قطع بالجديد.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران: أحدهما: لم يصحح في "الروضة" شيئًا من الطريقين، والأصح طريقة القولين، كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير"، وقال في "شرح المهذب": إنها أصح الطريقين وأشهرهما، ولا يؤخذ من "المحرر" و"المنهاج" ترجيح لشئ من الطريقين.
الثاني: أن القائلين بتعين الحقاق اختلفوا، فمنهم من قال: يعينها سواء وجدا النوعان أو فقدا وهو الصحيح، ومنهم من قال: محل ذلك إذا وجدا خاصة، فإن فقدا، أخرج ما شاء.
كذا حكاه الرافعي في آخر

الجزء: 3 - الصفحة: 530

المسألة في الكلام على ألفاظ "الوجيز"، ولم يحك في "الروضة" الوجه الثاني.

قوله: فإذا أوجبنا في المائتين من الإبل إخراج الأغبط من الحقاق أو بنات اللبون فأخرج [غيره] 1، نظر إن وجد تقصير منه بأن أخذه مع العلم بحالة أو أخذه من غير اجتهاد، ونظر في أن الأغبط ماذا أو أخذه بتقصير من المالك بأن دلس، وأخفى الأغبط لم يقع المأخوذ عن الزكاة، وإن لم يوجد تقصير من واحد منهما وقع.
انتهى كلامه.
واعلم أن النووي قد عبر في "الروضة" بقوله: إن كان بتقصير إما من الساعي بأن أخذه مع علمه أو أخذه بلا اجتهاد، وظن أنه الأغبط، وإما من المالك بأن دلس وأخفى الأغبط لم يقع المأخوذ عن الزكاة، وإن لم يقصر واحد منهما وقع.
هذا لفظه وذكر مثله في "شرح المهذب" بقوله: وظن أنه الأغبط لا يفهم منه المعنى الذي ذكره، فينبغي حمل ظن على أنه مصدر إما منون أو مضاف، لا على أنه فعل.

قوله: وإن لم يوجد منه تقصير أجزأ ويجب قدر التفاوت، ثم إن شاء أخرجه دراهم، وإن شاء اشترى به شقصًا، فإن أخرج الشقص صرفه إلى الساعي على قولنا: يجب الصرف إلى الإمام في الأموال الظاهرة.
وإن أخرج الدراهم فوجهان: أحدهما: لا يجب الصرف إليه لأنها من الأموال الباطنة.
والثاني: يجب لأنها جبران المال الظاهر.
انتهى ملخصًا.
والأصح الثاني، وهو الوجوب، كذا صححه النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة".

قوله في المسألة: وإطلاق الأصحاب الدراهم هنا يشبه أن يكون مرادهم

الجزء: 3 - الصفحة: 531

به نقد البلد سواء كان دراهم أو دنانير، وبه صرح الشيخ إبراهيم المروروذي.
انتهى.
وهذا الذي قاله الرافعي بحثًا ونقله عن المروروزي فقط قد صرح به القاضي الحسين، والقاضي أبو الطيب في "المجرد" وإمام الحرمين والماوردي والروياني في "البحر".

قوله: ولو أخرج عن أربعمائة أربع حقاق وخمس بنات لبون فالأصح وبه قال الجمهور: يجوز، لأن كل مائتين أصل على الانفراد.
وقال الاصطخري: لا يجوز كما في المائتين، ثم قال بعد ذلك: ولعلك تقول: قد سبق أن الساعي يأخذ الأغبط عند اجتماع الحقاق وبنات اللبون.
وإذا كان أغبط الصنفين هو المخرج فكيف يخرج البعض من هذا، والبعض من ذاك؟ وأجاب ابن الصباغ: بأنه يجوز أن يكون لهم حظ ومصلحة في اجتماع النوعين، وهذا يفيد معرفة شئ آخر، وهو أن جهة الغبطة غير منحصرة في زيادة القيمة وحينئذ فإذا كان التفاوت لا من جهة القيم يتعذر إخراج [القصد] 2. انتهى كلامه.
ذكر نحوه في "الروضة"، والاعتراض المذكور باطل من أصله لا يحتاج معه إلى الحمل المذكور.
وإن كان الحكم الذي تضمنه صحيحًا فقد يكون عنده أربع حقاق مما يؤمر بإخراجها هي خير من كل خمس يخرجها مما عنده من بنات اللبون، ويكون في بنات اللبون خمس هي خير من كل أربع يخرجها مما بقى عنده من الحقاق، والعجب من توهم الرافعي ثم النووي صحة الاعتراض على أن اللفظ الذي نقله الرافعي عن الشامل لا ينافي الجواب الذي ذكرناه، إلا

الجزء: 3 - الصفحة: 532

أننى راجعت الشامل فوجدت فيه زيادة تأبي ذلك، وتقتضي ما فهمه الرافعي من عدم إرادته، ولو ذكرها الرافعي لكان أصوب.

قوله: ومن وجبت عليه بنت مخاض، وليست عنده جاز أن يخرج بنت لبون، ويأخذ شاتين أو عشرين درهمًا.
. . . إلى آخره.
فيه أمران: أحدهما: أن الرافعي قد ذكر قبل هذا الفصل بنحو ورقتين كلامًا يقتضي أن الانتقال والحالة هذه إلى بنت لبون غير واجب، بل يجوز أن يعطي قيمة بنت المخاض فقال في الكلام على إجماع الحقاق وبنات اللبون عند ملكه لمائتين ما نصه: وقد يعدل إلى غير جنس الواجب لضرورة تعرض.
ألا ترى أنه لو وجبت عليه شاة في خمس من الإبل، ولم يوجد جنس الشاة يخرج قيمتها، ولو لزمته بنت مخاض فلم يجدها ولا ابن لبون لا في ماله، ولا بالثمن يعدل إلى القيمة.
هذا لفظه، وذكر في "الروضة" مثله أيضًا.
وإذا ثبت هذا في بنت المخاض لزم القول به في سائر أسنان الزكاة.
الأمر الثاني: أن كلامه يقتضي ذلك -أعني الإعطاء- مع الجبران عند وجود ابن لبون.
والمسألة فيها وجهان: أصحهما في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة": المنع.

قوله: إحداها: لو وجب عليه جذعة فأخرج مكانها ثنية ولم يطلب جبرانًا جاز، وقد زاد خيرًا، ولو طلبه فوجهان: أحدهما: يجوز، وإليه ميل العراقيين، وهو ظاهر النص.
وأظهرهما عند الغزالي وصاحب "التهذيب": المنع.
انتهى.

الجزء: 3 - الصفحة: 533

ومقتضاه رجحان الجواز لكنه رجح عكسه في "الشرح الصغير" فقال: أظهر الوجهين: المنع، وكذلك في "المحرر" فقال: إنه أحسن الوجهين.
ورأيته في "التقريب" منقولًا عن الأكثرين، لكن صحح النووي في كتبه كلها الجواز، ونقله عن الجمهور كما يشعر به كلام الرافعي.

قوله: الثانية: يجوز الصعود والنزول بدرجتين مع جبرانين.
نعم لو رقا من بنت لبون إلى الجذعة، أو نزل عن الجذعة إلى بنت لبون مع وجود الحقة في الصورتين فلا يجوز ذلك في الأصح عند الأكثرين، ثم قال: ولو لزمته بنت لبون فلم يجدها في ماله ولا حقه، وفي ماله جذعة وبنت مخاض، فهل يجوز أن يترك النزول إلى بنت المخاض، ويرقا إلى الجذعة؟ فيه وجهان مرتبان وأولى بالجواز، وبه أجاب الصيدلاني، لأن بنت المخاض وإن كانت أقرب إلا أنها ليست في الجهة المعدول إليها.
انتهى كلامه.
والتعبير بالأولوية ذكره في "الروضة" أيضًا، ولا يؤخذ من ذلك تصحيح في المسألة، كما صرح به الرافعي في مواضع من هذا الكتاب، بل حاصلها أنا إن جوزنا هناك [جوزنا هنا] 3، وإن منعنا هناك فهاهنا وجهان، فاعلمه.
نعم الأصح في المسألة هو الجواز.
كذا ذكره في "شرح المهذب"، ولكن مقتضى كلام "المحرر" و"المنهاج" هو المنع.

قوله من زياداته: ولو وجبت عليه بنت مخاض فلم يجدها، ووجد ابن لبون وبنت لبون فأخرجها، وطلب الجبران لم يقبل على الأصح.
انتهى.
هذه المسألة ذكرها الرافعي قبل هذا الموضع في الكلام على ما إذا ملك خمسًا وعشرين من الإبل، وحكى فيها وجهين، وصحح عدم القبول كما هو مذكور هنا من زياداته.

الجزء: 3 - الصفحة: 534

قوله: روى أن عمر -رضي الله عنه- قال لساعيه: لا تأخذ الأكولة والربا، ولا الماخض، ولا فحل الغنم، وخذ الجذعة والثنية فذلك عدل بين غذاء المال، وخياره 4. فالأكولة هي المسمنة للأكل في قول أبي عبيد، وقال شمر: إنها الخصي والهرمة العاقر.
والربا: هي الشاة الحديثة العهد بالنتاج، يقال: هي في رباها، كما يقال: المرأة في نفاسها، والجمع: رباب بالضم.
والماخض: الحامل.
والغذاء: السخال الصغار جمع غذى.
نعم لو تبرع المالك بشئ من هذه فإنها تؤخذ.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور: أحدها: أن الأربعة المنهي عن أحدها لم يذكرها في "الروضة"، [مع] 5 ذكره لها في "المنهاج"، وكذلك كرائم الأموال، حتى إنه حذف أيضًا ما يفرع عليها.
وهو جواز الأخذ عن تبرع المالك، وقد حكى في الكفاية وجهين في جواز أخذ الكريمة عند التراضي للنهي عن أخذها، وكذلك في جواز أخذ الربا لما يحصل لها من الهزال عقب الولادة.
الثاني: أن ما ذكره من تفسير الهرمة بالعاقر أى التي لا تحمل عجيب، فإنه لم يتقدم للهرمة ذكر بالكلية، وكأنه نسى ذكرها أولًا، أو سقطت من الناقل من المسودة.
نعم وقع ذكرها في حديث آخر في الصحيحين، وهو "لا يؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار" 6 فيجوز أن يكون سري ذهنه إليه، وهو

الجزء: 3 - الصفحة: 535

الظاهر.
الثالث: في إيضاح ما وقع فيه من الألفاظ: فأما شمر: فبشين مكسورة وميم ساكنة وراء مهملة، وهو من أئمة اللغة.
وأما قولهم: (هي في رباها) فهو مصدر على وزن الكتاب وأما الواقع جمعًا فإنه على وزن البكاء والدعاء كما أشار إليه بقولهم: بالضم.
وأما الغذا: الواقع جمعًا فبغين معجمة مكسورة، وذال معجمة بعدها ألف ممدوة مفردة غذى لفصال وفصيل وصغار وصغير.

قوله: ولو كانت غنمه صغارًا ففي ما يؤخذ وجهان.
وقال صاحب "التهذيب" وغيره: قولان: الجديد: جواز أخذ الصغيرة.
انتهى.
ومقتضاه ترجيح كون الخلاف وجهين، وخالف في "المحرر" فجزم بأنه قولان، وتابعه في "الروضة" و"المنهاج" على الموضعين.

قوله: والماشية إن اتخذ نوعها بأن كانت إبله كلها أرحبية أو مهرية أو كانت غنمه كلها ضأنًا أو معزًا أخذ الفرض منها، وذكر في "التهذيب" ثلاثة أوجه في أنه هل يجوز أخذ ثنية [من] 7 المعز باعتبار القيمة عن أربعين ضأنًا أو جذعة من الضأن عن أربعين معزًا، أصحها الجواز لاتفاق الجنس كالمهرية مع الأرحبية.
والثاني: المنع كالبقر مع الغنم.
والثالث: لا يؤخذ المعز عن الضأن، ويجوز العكس كما يؤخذ في الإبل المهرية عن المجيدية ولا عكس.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وهو ظاهر أو كالظاهر في مخالفة البغوى،

الجزء: 3 - الصفحة: 536

ولهذا منع إجزاء المجيدية عن المهرية ولم يجوزها باعتبار القيمة، لكنه في "المحرر" و"المنهاج" جزم بطريقة صاحب "التهذيب".

قوله: وإن اختلف نوع الجنس الذي يملكه كالمهرية والأرحبية، والمجيدية من الإبل، والعراب والجواميس من البقر، والضأن والمعز من الغنم ففيه قولان: أحدهما: أن الزكاة تؤخذ من الأغلب، فإن استويا فكاجتماع الحقاق، وبنات اللبون حتى يؤخذ الأغبط على المشهور.
وأظهرهما: أنه يؤخذ من كل نوع بالقسط، ثم قال: وليس معناه أن يؤخذ شقص [من هذا، وشقص] 8 من ذاك، فإنه لا يجزئ بالاتفاق، ولكن المراد النظر إلى الأصناف باعتبار القيمة كما سيأتي.
انتهى ملخصًا.
وما ذكره من الاتفاق على امتناع التبعيض في الزكاة قد تابعه عليه في "الروضة"، وهو غريب، فقد حكى الخلاف جماعة كثيرة من أصحابنا منهم الجرجاني في كتاب الزكاة من المعاياه فقال: مسألة: لا يجوز إخراج نصفي شاتين عن شاة في الزكاة على أصح الوجهين، ويجوز مثله في الهدي والأضحية وكفارات الحج.
ثم بعد أن فرق قال: وأما إخراج نصفي رقبتين في الكفارة، فإن كان باقيها حرًا جاز، وإن كان الباقي رقيقًا فإنه يجوز أيضًا علي أصح الوجهين.
هذا لفظه ومنهم الروياني في كتاب الظهار من "البحر" في الكلام على الكفارة فقال: فرع: لو أخرج في الزكاة نصفي شاتين بدل شاة هل يجوز؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز، وهو قول عامة أصحابنا.

الجزء: 3 - الصفحة: 537

والثاني: يجوز.
وهو اختيار الاصطخري.
هذا لفظه.
ومنهم الماوردي في الموضع المذكور من "الحاوي" فقال: ففي إجزائه ثلاثة أوجه، ثم قال: والثالث: إن كان باقي الشاتين للفقراء أجزأه لارتفاع الضرر عنهم؛ وإن كان لغيرهم لم يجز لدخول الضرر عليهم.
هذا لفظه.
والأرحبيه: بالحاء المهملة والباء الموحدة منسوبة إلى أرحب قبيلة من همذان.
والمهرية: بفتح الميم جمعها مهاري منسوبة إلى مهرة بن حيدان أبو قبيلة.
قاله الجوهري.
وأما المجيدية فميم مضمومة وجيم بعدها ياء بنقطتين من تحت، ودال مهملة، وهي إبل دون المهرية منسوبة إلى فحل إبل يقال له مجيد؛ والجميع لقبائل من اليمن كما قاله في "البحر".

قوله في المسألة: ويوضح القولين بمثالين: أحدهما له خمس وعشرون من الإبل، عشرة مهرية وعشر أرحبيه وخمس مجيدية، فعلى القول الأول تؤخذ بنت مخاض أرحبية أو مهرية بقيمة نصف أرحبيه ونصف مهرية، لأن هذين النوعين أغلب ولا ينظر إلى المجيدية.
وعلى الثاني يؤخذ بنت مخاض من أى الأنواع أعطى بقيمة خمس مهرية وخمس أرحبية وخمس مجيدية.
فإذا كانت قيمة بنت مخاض مهرية عشرة، وقيمة بنت مخاض أرحبية خمسة، وبنت مخاض مجيدية دينارين ونصفا أخذ بنت مخاض من أي أنواعها شاء قيمتها ستة ونصف.
انتهى كلامه.
وما ذكره في التفريع على القولين تابعه عليه في "الروضة" وهو غير مستقيم، فإنه قد تقدم عند حكاية القولين أنا إذا فرعنا على القول الأول

الجزء: 3 - الصفحة: 538

وهو اعتبار الغالب فاستويا فإنا نوجب الأغبط على المشهور.
وحينئذ فقياس ذلك هنا أنا ننظر إلى الأغبط منها فنأخذها، لا إلى ما ذكره، وهو إعطاء ما شاء باعتبار التوزيع على قيمتها.
فائدة: ذكر في الباب ألفاظًا منها: العوار: وهو العيب، وهو بفتح العين والراء المهملتين.
وحكى أبو زيد ضم العين.
ومنها ألفاظ سبق ذكرها.

الجزء: 3 - الصفحة: 539

باب صدقة الخلطاء

وفيه فصول:

الفصل الأول: في حكم الخلطة

قوله: ثم الخلطة قد تكثر الزكاة كما لو كان جملة المال أربعين من الغنم يجب فيها شاة، ولو انفرد كل بنصيبه لم يجب شئ، وقد يقال.
. . . إلى آخره.
اعلم أن الخلطة قد توجب الزكاة، وقد تكثرها، وقد تقللها، وهذا المثال الذي ذكره الرافعي مثال لإيجاب الزكاة لا لتكثيرها، فإنها لم تجب على واحد منهما قبل الخلطة حتى يقال: كثرت بها.
بل الخلطة هى الموجبة والصواب أن تمثل الكثرة بما إذا خلط مائة شاة وشاة بمثلها، فإنه يجب على واحد شاة ونصف، ولو انفرد لزمه شاة فقط.
وكذلك إذا خلط خمسًا وخمسين بقرة بمثلها لزم كل واحد مسنة ونصف تبيع، ولو انفرد كفاه مسنة، وقد وقع في "الروضة" هنا بعض تغيير لكلام الرافعي.

قوله: وأما شروط خلطة الجوار فأربعة متفق عليها منها اتحاد المشرب بأن يسقي غنمها من ماء واحد نهر أو عين أو بئر أو حوض أو مياه متعددة حيث لا يختص غنم أحدهما بالشرب من موضع، وغنم الآخر من غيره.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن ما حكاه من الاتفاق في الشرب ليس كذلك، ففي "البحر" وجه أنه إن لم يكن بين المنهلين مسافة فهما كالمنهل الواحد.
الأمر الثاني: أنه يشترط أيضًا شرطان عدم التمييز في الموضع الذي تجتمع فيه إذا أريد سقيها والذي تنحى إليه إذا شربت ليشرب غيرها، ذكره

الجزء: 3 - الصفحة: 540

المتولي في "التتمة"، وهو في المعنى نظير المسرح وهو الموضع الذي تجتمع فيه لتستاق إلى المرعى وقد شرطه الرافعي.
الشرط الثاني: أن يكون الذهاب من الموضع الذي تجتمع عند خروجها، وهو المسمى بالمسرح إلى أن تصل إلى المرعى واحد، كذا جزم به النووي في "شرح المهذب".

قوله: ومنها اشتراك المالك في الراعى، حكى المصنف وشيخه فيه وجهين: أظهرهما: أنه يشترط.
ويجوز أن يعلم كلامه بالواو لأن كثيرًا من الأصحاب نفوا الخلاف في اشتراطه.
انتهى.
لم يصرح بالأصح من هاتين الطريقتين، وإن كان كلامه ربما يؤخذ منه رجحان طريقة القطع، لكون القائلين بها أكثر عددًا.
والأصح عند الرافعي طريقة الوجهين، كذا صححها في "الشرح الصغير"، وجزم بها في "المحرر".
وأما النووي فاختلف كلامه، فذكر في "شرح المهذب" أن الأكثرين على القطع باشتراطه، ولم يخالفهم.
وجزم في "المنهاج" بطريقة الوجهين، وكذلك في "الروضة" أيضًا، ونسى طريقة القطع فأسقطها من كلام الرافعي، فتوجه على "الروضة" ثلاث اعتراضات المناقضة والإسقاط وتصحيح ما لم يصححه الرافعي، بل في كلامه إشعار برجحان خلافه.

قوله: ومنها الاشتراك في الفحل، وفيه وجهان كما في الراعي: أظهرهما -ولم يذكر الجمهور سواه: أنه يعتبر.
والمراد أن تكون الفحول مرسلة بين ماشيتها لا يختص أحدهما بفحل سواء كانت الفحول مشتركة أو مملوكة لأحدهما أو مستعارة.

الجزء: 3 - الصفحة: 541

وفيه وجه يشترط أن تكون مشتركة بينهما.
انتهى.
فيه أمور: أحدهما: أن اتخاذ الفحول محله إذا كانت الماشية من نوع واحد، فإن اختلفت كالضأن والمعز، لم يشترط ذلك لأن فحل كل واحد منهما لا ينزو على غنم الآخر، كذا جزم به النووي في "شرح المهذب"، وزاد فقال: لا خلاف فيه للضرورة كما لو خلط ذكورًا بإناث وكلام ابن الرفعة يوهم جريان خلاف فيه، وليس كذلك كما أوضحته في "الهداية".
الأمر الثاني: أنه قد تلخص مما قاله أن الجمهور على القطع لا على إثبات الوجهين، وقد خالف "المحرر" و"الشرح الصغير" فجزم بطريقة الوجهين وقد تبعه النووي على هذا الاختلاف، وعبر بلفظ هو أصح من لفظ الرافعي فقال في "المنهاج": وكذا الراعي والفحل في الأصح.
وقال في "الروضة": السادس اتخاذ الفحل، والمذهب أنه شرط، وبه قطع الجمهور.
وقيل: وجهان [أصحهما] 9 اشتراطه.
هذا لفظه، وذكر مثله في "شرح المهذب".
الأمر الثالث: أن حاصل كلامه في حكاية الوجه المذكور آخرًا أنه لا يكفي المستعار ولا المملوك لأحدهما.
وهو غلط، تابعه عليه في الروضة وغيرها.
ويوضح الغلط عبارة الإمام فإنه ذكر أن بعضهم يشترط الاشتراك في الراعي على معنى أنه لا يختص راعٍ برعاية غنم أحد الخليطين، بل إن اتخذ الراعي راعي المالين، وإن تعدد راعي كل واحد جميعه على العادة.
ثم ذكر الفحل فقال ما نصه: فذهب بعضهم إلى أنه يجب أن يكون مشتركًا

الجزء: 3 - الصفحة: 542

بين الخليطين، وقال: إن كان مملوكًا فليكن مشتركًا، وإن لم يكن مملوكًا يجب أن يشتركا في استعارته، وإن تعدد الفحل فالمطلوب الاشتراك كما ذكرناه في الراعي.
انتهى كلامه.
فعبر بعضهم بالمشترك، ولم يوضحه كما أوضحه الإمام فقلده فيه الرافعي، وإلا فأى فرق بين المملوك والمستعار والموقوف مع اشتراكهما في المعنى.

قوله: أما موضع الحلب فلابد من الاشتراك فيه، فلو حلب هنا ماشيته في أهله وذاك ماشيته في أهله فلا خلط.
انتهى.
تابعه عليه النووي في أكثر كتبه "كالروضة" و"شرح المهذب" وخالف في "تهذيب الأسماء واللغات" مخالفة عجيبة، فإنه جزم بعدم الوجوب، وزاد فادعى نفي الخلاف فقال في باب الحاء ما نصه: المحلب المذكور في زكاة الخلطة هو بفتح الميم وهو موضع الحلب، وهذا لا يشترط الاتخاذ فيه في ثبوت الخلطة بلا خلاف.
وأما المحلب بكسر الميم فهو الإناء الذي يحلب فيه وفي اشتراط الإيجاد فيه لثبوت الخلطة وجهان: أصحهما: لا يشترط.
هذا لفظه.
وقد عبر النووي في "تحرير التنبيه" وتصحيحه بقوله: الأصح اشتراطه.
قال في "الكفاية": وظاهر كلام النووي يفهم خلافه فيه حيث عبر بالأصح.
انتهى.
وهذا الوجه الذي حاول ابن الرفعة إثباته، ولم يقف على التصريح به، قد صرح به الروياني في "البحر".

قوله: كما يخلط المسافرون أزوادهم، وفيهم الزهيد والرغيب.
انتهى.

الجزء: 3 - الصفحة: 543

أما الزهيد -أي بالزاي المعجمة- فهو القليل.
قال الجوهري: والزهيد: القليل، يقال: رجل زهيد الأكل.
هذا لفظه.
وحينئذ فتعبير الرافعي لابد فيه من تقدير لأن الزهيد هو القليل، والمراد هنا قلة خاصة، وهي قلة الأكل.
وأما الرغيب فهو الواسع الجوف.
قاله الجوهري: قال: ويقول: حوض رغيب وسقاء رغيب، أي بالراء المهملة، والغين المعجمة.

قوله: لا خلاف عندنا في تأثير الخلطة في المواشى وأما غيرها ففيه أربعة [أقوال] 10: أصحها عند الأكثرين ثبوتها أيضًا لأنهما يرتفعان باتخاذ الجرين والناطور والدكان والحارس والمتعهد، وكذا البيت والنهر الذي يسقي منه، وغير ذلك.
وثانيها: لا.
وثالثها: تثبت خلطة الشيئين دون الجوار.
ورابعها: لا تثبت خلطة الجوار في النقدين وأموال التجارة، وتثبت فيهما خلطة الشيوع.
وأما الثمار والزروع فتثبت فيها الخلطتان جميعًا.
وصورة ذلك بأن يكون لكل واحد صنف نخيل أو زرع في حائط، أو كيسان من الدراهم في صندوق واحد أو متعة تجارة في جرابه واحدة.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور: أحدهما: أن هذا القول الرابع هو خلاصة طريقة نقلها الرافعي عن

الجزء: 3 - الصفحة: 544

القفال وجماعة، فأسقطها في "الروضة" وسبب غلطه ذهول وقع أيضًا للرافعي فإنه في آخر الكلام عبر بقوله: واعلم أنا حيث أثبتنا الخلاف وتركنا الترتيب حصلت ثلاثة أقوال.
هذه عبارته، فقلده فيه المصنف فحصل ما حصل.
الأمر الثاني: أن ما قاله الرافعي من نفي الخلاف في المواشي قد تبعه عليه في "الروضة" أيضًا، وليس كذلك، فقد تقدم في أول الباب أن الحناطي حكى وجهًا أن خلطة الشيوع لا تؤثر فيها أيضًا.
الأمر الثالث: أن هذه الشروط التي ذكرها الرافعي على سبيل التعليل قد صرح أيضًا في "المحرر" باشتراطها فقال: ويشترط أن لا يتميز الماء لأن في الناطور والجرين والدكان والحارس ومجان الحفظ ونحوها.
هذه عبارته.
وذكر مثله في "المنهاج"، ولم يتعرض في "الروضة" لشئ من ذلك بالكلية لا شرطا ولا تعليلًا، وقد ذكرها في "شرح المهذب" فقال: والارتفاق هنا موجود باتخاذ الجرين والبندر والماء والحراث والناطور والحارس والدكان والميزان والوزان والكيال والحمال والمتعهد وجذاذ النخل وغير ذلك.
هذا كلامه.
وصرح في "الكفاية" باللقاط وكذا بالملقح، وإن كان الملقح قد يدخل في المتعهد، وصرح أيضًا في أموال التجارة في النقاد والمنادي والمطالب بالأثمان، ونقله عن البندنيجي.
تنبيه: الجرين بجيم مفتوحة موضع تجفيف الثمار، وقيل غير ذلك.
قال النووي في "دقائقه": وقال الثعالبي: الجرين يكون للزبيب خاصة.
والبندر: بفتح الباء الموحدة للحنطة.

الجزء: 3 - الصفحة: 545

والمربد: بميم مكسورة وراء مهملة ساكنة لثمر النخيل وهو التمر.
وأما الناطور: فهو حافظ النخل والشجر، وطاؤه مهملة وحكي إعجامها، وقيل بالمهملة كحافظ الكرم.
وأما بالمعجمة فللحافظ مطلقًا.
وأما لفظ الصف ففي بعض النسخ بفتح الصاد كما في قوله تعالى: ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ 11، وفي بعضها بكسر الصاد، وبعدها نون، وهو المذكور في "تهذيب البغوي"، ومنه أخذ الرافعي وهو أحسن.

قوله: ومنها لو وقف أربعين شاة على جماعة معينين إن [قلنا] 12: الملك في الموقوف لا ينتقل إليه فلا زكاة وإن قلنا: يملكونه، فوجهان: الأصح: لا زكاة أيضًا لضعف ملكهم.
انتهى.
ذكر في "الروضة" نحوه وهو توهم جواز إخراج الزكاة من عين الموقوف، وليس كذلك، بل يجب الإخراج من غير رعاية لحق الوقف كذا رأيته في كتاب "القولين والوجهين" للمحاملي.
وحينئذ فيبقى نظير المرهون، وقد صرح الرافعي بأنه لا يخرج منه إذا ملك غيره.

الجزء: 3 - الصفحة: 546

الفصل الثاني: في التراجع

قوله: ولو كان بينهما سبعون من البقر لأحدهما أربعون وللآخر ثلاثون فأخذ الساعي المسنة من صاحب الأربعين والتبيع من صاحب الثلاثين رجع صاحب الأربعين بقيمة ثلاثة أسباع [المسنة] 13 على الآخر، ورجع الآخر عليه بقيمة أربعة أسباع التبيع.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: وهو مبني على مقدمة، وهي أن نصف قيمة الشيء مثلا أو ثلث قيمته أكثر من قيمة نصفه أو قيمة ثلثه لأجل الشقص.
إذا علمت هذا فقد أوجب الرافعي المعنى الثاني في هذا المثال، وكذلك فعل في سائر أمثلة البقر وفي بعض أمثلة الغنم أيضًا، وفي بعضها إيجاب الأول فقال فيما إذا خلط عشرين من الغنم بعشرين بقرة إن المأخوذ منه يرجع على صاحبه بنصف قيمة الشاة، والذي ذكره في هذا المثال هو الصواب فإنا لو قلنا: يرجع بقيمة النصف مثلًا لكان قد غرم زيادة على صاحبة؛ ووقع الموضعان كذلك في "الشرح الصغير" أيضًا، وأصلح النووي في "الروضة" مقالة الرافعي وعبر بما نقلناه هنا في الغنم فسلم من الاختلاف، وصنع ذلك في "شرح المهذب" أيضًا وبسط فيه الكلام عليه فقال: الصواب أنه يرجع بنصف القيمة مثلًا أو بثلثها [لا] 14 بقيمة النصف أو ثلثه، فإن نصف القيمة أكثر من قيمة النصف لأجل الشقص.
فلو قلنا: يرجع المأخوذ منه بقيمة النصف لأجحفنا به هذا كلامه في "شرح المهذب"، وللمسألة نظائر أذكرها إن شاء الله تعالى مبسوطةً في

الجزء: 3 - الصفحة: 547

الصداق.
الأمر الثاني: أن إثبات التراجع عند أخذ الساعي من كل واحد ما عليه ذكره الإمام وبعضهم، فجزم به الرافعي هنا، وقبيل هذا الموضع أيضًا، وهو مخالف لنص الشافعي، فقد قال ما نصه: ولو كانت غنماها سواء وأوجبنا شاتين، فأخذ من غنم كل واحد شاة، وكانت قيمة الشاتين المأخوذتين مختلفة لم يرجع واحد منهما على صاحبه بشئ لأنه لم يؤخذ منه إلا ما عليه في غنمه لو كانت منفردة.
انتهى كلامه.
قال في "الروضة" بعد أن نقل هذا النص: إن هذا هو الظاهر.
وقال في "شرح المهذب": إن العراقيين صرحوا به أيضًا.

قوله: فلو أخذ من أحد الخليطين القيمة في الزكاة تقليدًا لأبي حنيفة، أو كبيرة من السخال تقليدًا لمالك رجع في أصح الوجهين، ومنهم من قال: يرجع في أخذ الكبيرة قطعًا.
انتهى كلامه.
تابعه عليه في "الروضة" على تصحيح طريقة الوجهين، وصحح في "شرح المهذب" الطريقة القاطعة فقال ما نصه: ولو أخذ كبيرة عن السخال على مذهب مالك فطريقان: أصحهما -وبه قطع في "المهذب" وسائر العراقيين وجماعة من غيرهم- يرجع بنصف قيمة ما أخذ لأنه مجتهد فيه.
والطريق الثاني -حكاه الخراسانيون: أن فيه وجهين.

قوله: وأما خلطة الشيوع فإن كان الواجب من جنس المال وأخذه الساعي منه، فلا يراجع، فإن المأخوذ مشاع بينهما.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على أنه لا يتصور التراجع، قال ابن الرفعة: وليس كذلك، بل يتصور كما إذا كان بينهما أربعون من الغنم لأحدهما في عشرين منها نصفها، وفي العشرين الأخرى نصفها وربعها.

الجزء: 3 - الصفحة: 548

الفصل الثالث: في اجتماع الخلطة والانفراد [في الحول الواحد]

15 قوله: فأما إذا انعقد الحول على الانفراد ثم طرأت الخلطة، فإن اتفق حولاهما فالجديد أن حكم الخلطة لا يثبت في السنة الأولى لأنها عارضة.
انتهى كلامه.
ومحل القولين إذا خلط في زمن لو علف فيه سقط حكم السوم، كذا رأيته في "مشكلات المهذب" لصاحب "البيان"، ونقله عنه النووي في "شرح المهذب"، وأقره وارتضى مقالته في "الروضة" فجزم بها، وادعى الاتفاق على أن اليومين لا أثر لهما.

قوله: ولو ملك ثمانين شاة فباع نصفها مشاعًا في أثناء الحول لم ينقطع حول البائع عن النصف الباقي قطعًا، وفيما يجب عليه عند تمام حوله وجهان: أحدهما: شاة تغليبًا للانفراد.
وأصحهما عند صاحب "التهذيب": نصف شاة.
انتهى.
والأصح ما صححه صاحب "التهذيب"، كذا صححه في "شرح المهذب"، وفي أصل "الروضة".

قوله في الفصل الرابع: ولو اجتمع في ملك الواحد ماشية مختلطة وماشية منفردة من جنسها كما لو خلط عشرين شاة بعشرين لغيره، وله أربعون ينفرد بها فقولان: أصحهما: أن الخلطة خلطة ملك أي تثبت الخلطة في كل ما في ملكه، فيجعل كأن لصاحب الستين خلط جميعها بعشرين، فيلزمها شاة، ثلاثة

الجزء: 3 - الصفحة: 549

أرباعها على صاحب الستين وربعها على صاحب العشرين.
والثاني: أن الخلطة خلطة عين أي يقتصر حكمها على قدر المخلوط، فعلى هذا يجب على صاحب العشرين نصف شاة، وفي صاحب الستين وجوه: أصحها: شاة تغليبًا للانفراد.
والثاني: ثلاثة أرباع شاة تغليبًا للاختلاط.
والثالث: عليه خمسة أسداس شاة ونصف سدس، وذلك بأن يجمع بين اعتبار الخلطة والانفراد فتوجب في الأربعين المنفردة حصتها من الواجب [لو انفرد بالستين وهو ثلثا شاة وتوجب في العشرين المختلطة حصتها من الواجب] 16 لو خلط الكل، وذلك ربع شاة.
والرابع: أن الخلطة تثبت في الأربعين، ولا تتعداها وحينئذ فتوجب عليه نصف شاة في العشرين المختلطة، وثلثا شاة في الأربعين المنفردة، فإنه حصة الأربعين لو انفرد بجميع ماله وذلك شاة وسدس.
انتهى ملخصًا.
وإنما ذكرت هذا الكلام كله توطئة لما سيأتي من المسائل بعد هذا.
إذا] 17 علمت ذلك فقد قال في الفصل السادس: الثانية: ملك خمسًا وعشرين من الإبل فخالط بكل خمس منها خمسًا لرجل، فإن قلنا بخلطة الملك فعلى صاحب الخمس وعشرين نصف حِقّه لأن الكل خمسون، وفيما على كل واحد من خلطائه وجهان: أحدهما: عُشر حقة.
والثاني: سدس بنت مخاض، لأنه خلط خمسًا بخمس وعشرين لا غير.
انتهى كلامه.

الجزء: 3 - الصفحة: 550

والأصح هو الوجه الأول، كذا صححه في "شرح المهذب"، وصححه أيضًا في أصل "الروضة" من غير تنبيه عليه، فافهم ذلك.

قوله: الرابعة: إن أردت أن تفرع صورة على هذه الاختلافات من عند نفسك فقدر أن لك عشرين من الإبل خلطت كل خمس منها بخمس وأربعين لرجل.
فإن قننا بخلطة الملك فعليك الأغبط من نصف بنت لبون أو خُمسى حقة.
وإن قلنا بخلطة العين فعلى كل واحد من خلطائك سبعة أعشار حقة لأن المبلغ خمسون.
وفيما تلزمه الوجوه السابقة على الأول يلزمك أربع شياه كأنك منفرد بالعشرين أي بالتفسير المذكور في الصور قبله.
وعلي الثاني يلزمك الأغبط.
. . . إلى أن قال ما نصه: وعلى الرابع يلزمك أربع شياه كما في الوجه الأول كما لو كانت كل خمس لرجل.
انتهى كلامه.
وما ذكره في التفريع على الوجه الرابع، تبعه عليه في "الروضة" أيضًا، وهو غلط.
والصواب: أنه يلزمه أربعة أعشار حِقّة، لأن الوجه الرابع يثبت حكم الخلطة فيما وقع فيه الاختلاف ثم إنه إن كان هناك من جنسه شئ آخر منفرد أوجبنا حصته لو كان منفردًا بجميع ماله، وإن لم يكن كهذا المثال اقتصرنا على إيجاب ما تقتضيه الخلطة، وقد أوضح ذلك كله بمثل كثيرة ذكرها قبيل هذا المثال.
وحينئذ فيجب عليه في كل خمسين عُشر حِقّة لأن واجبها حِقّة، وله منها خمس فقط بمجموع ما يجب عليه أربعة أعشار حِقّة.

الجزء: 3 - الصفحة: 551

وأما ما ذكره من أربع شياه فغلط عجيب سببه أن الفرع الذي ذكره قبل هذا مَثَّلَ له بمثال يلزم منه أن يكون التفريع على الرابع كالتفريع على الأول، فأجاب به أيضًا في الفرع الذي يليه.

قوله: فرع: لو خالط خمسة عشر من الغنم بخمسة عشر لغيره ولأحدهما خمسون منفردة، وقلنا بخلطة الملك ففي ثبوت الخلطة وجهان.
. . . إلى آخره.
والأصح ثبوتها، كذا صححه النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة".
قال -رحمه الله-: [النظر] 18 الثالث.
. . . إلى آخر ما ذكر.

قوله: وإنما تضم السخال إلى الأمهات بثلاثة شروط: أصحها: أن يحدث قبل تمام الحول سواء كثر الباقي من الحول أو قل.
. . . إلى آخره.
فيه أمران: أحدهما: أنه أهمل شرطًا آخر ذكره صاحب "التتمة" وهو أن يكون ملكه للنتاج بالسبب الذي ملك به الأمهات، حتى إن الموصي له بالحمل لو أوصى به لمالك الأمهات، ومات الموصى، ثم نتجت فلا ضم.
الأمر الثاني: قد علمت أن السيوم شرط في النتاج في باقي السنة، وبه صرح الرافعي.
وحينئذ فلا تضم السخال إلى الأمهات ما دامت تقتات بألبانها لأنها تقتات بشئ من أموال المالك والسائمة هي التي ترعى في الكلأ المباح، ثم إنها إن استقلت بعد ذلك بالرعي فلا ضم أيضًا إلا إذا مضى عليها حول من حين الاستقلال، لأن حول السخال عند الضم كحول الأمهات، والأمهات

الجزء: 3 - الصفحة: 552

إذا اعتلفت في أثناء الحول ينقطع حولها، فكذلك السخال، نعم إن فرضنا أن المدة التي اقتاتت فيها اللبن مدة يسيرة على ما هو مذكور في موضعه لم يمنع.

قوله: والمستفاد في أثناء الحول لا يضم في الحول إلى ما عنده، بل يضم إليه في النصاب خلافًا لابن شريح فإذا ملك عشرين من الإبل في أول محرم ثم اشترى عشرة في أول رجب، فإذا جاء المحرم فعليه أربع شياه في العشرين، وإذا جاء رجب فعليه خُمس بنت مخاض لأجل العشر ثم عليه بعد ذلك في كل حول يمضي على العشرين أربعة أخماس بنت مخاض، وقس على ذلك، وعلى ما قاله ابن شريح يجب في العشرين أربع شياه دائمًا وفي الخمس شاة أبدًا، ثم قال ما نصه: ورأيت في بعض الشروح حكاية وجه آخر أن الخمسة لا تجري في الحول حتى يتم حول الأصل، ثم ينعقد الحول على جميع المال، وهذا يطرد في العشر في الصورة السابقة بلا شك.
انتهى كلامه.
وهذا الوجه الذي حكاه عن هذا الشرح المجهول ولم يعلله وطرده بحثًا من عنده قد صرح في "التتمة" بنقله وصرح أيضًا باطراده في كل مثال وعلله أيضًا بقوله: حتى لا يؤدي إلى تبعيض ملك الشخص الواحد المقتضي للعُشر.

قوله: فإن كان صيرفيًا اتخذ الصرف في النقد متجرًا ففيه وجهان في رواية ابن كج والحناطي وصاحب "المهذب" وغيرهم، وقولان في رواية الشيخ أبي محمد وصاحب "التهذيب" وآخرين: أحدهما: لا ينقطع كالعروض.
وأصحهما: ينقطع لأن التجارة فيها ضعيفة نادرة.
وخص الصيدلاني وطائفة الخلاف بما إذا غلبنا زكاة العين عند اجتماعها

الجزء: 3 - الصفحة: 553

مع التجارة.
فإن غلبنا التجارة لم ينقطع جزمًا.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن الرافعي في "الشرح الصغير" قد جزم بأن الخلاف قولان.
وأما النووي فاختلف كلامه، فنقل في "شرح المهذب" عن الأكثرين أن الخلاف وجهان، ولم يخالفهم، وصحح في "الروضة" أنه وجهان، ولم ينبه فيها على أنه من زياداته، بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.
ونقل ابن الرفعة في "الكفاية" عن النووي أنه صحح في هذه المسألة أن حول التجارة لا ينقطع، وهو غلط ليس موجود في شئ من كتب النووي، فاعلمه.
الأمر الثاني: أن هذا المنقول عن الصيدلاني قد حذفه النووي فلم يذكره في "الروضة" مع أنه يتلخص منه مع ما قبله طريقان في المسألة: قاطعة بالوجوب، وحاكيه للخلاف.

قوله: وإن أسيمت في بعض الحول وعلفت في بعضه، وهو دون المعظم ففيه وجوه، ثالثها وهو الأفقه عند الغزالي، وذهب إليه أبو إسحاق ومال إليه ابن كج أنها إن علفت قدرًا يعد مؤنة بالإضافة إلى رفق السائمة فلا زكاة، وإن استحقر بالإضافة إليه وجبت الزكاة.
وفسر الرفق بدرها ونسلها وأصوافها وأوبارها.
ويجوز أن يقال: المراد فيه رفق إسامتها فإن في الرعى تخفيفًا عظيمًا.
ورابعها: وهو الذي ذكره الصيدلاني، وصاحب "المهذب" وكثير من الأئمة أنها إن علفت قدرًا تعيش الماشية بدونه لم يؤثر وجبت الزكاة، وإلا فلا.

الجزء: 3 - الصفحة: 554

وقد قيل: إن الماشية تصبر اليومين، ولا تصبر الثلاثة.
انتهى ملخصًا.
وليس فيه تصريح برجحان واحد منها عنده، وقد اختلف فيه كلامه فرجح في "الشرح الصغير" الوجه الثالث، وعبر بالأفقه، ورجح في "المحرر" الوجه الرابع وعبر بالأشبه، وكلامه هنا -أعني في "الكبير"- يشعر به.
وقال النووي في "شرح المهذب": إنه الأصح.

قوله في المسألة المذكورة: قال في "النهاية": ولا يبعد أن يلحق الضرر البين بالهلاك في هذه الطريقة أي في طريقة من اعتبر الهلاك.
انتهى.
لم يصرح هو ولا النووي في "الروضة" و"شرح المهذب" بموافقة الإمام ولا مخالفته، والأمر كما قاله الإمام، فقد جزم به في "المحرر" وتبعه عليه النووي في "المنهاج".

قوله: ولعل الأقرب تخصيص هذه الأوجه لما إذا لم يقصد شيئًا.
أما إذا علف على قصد قطع السيوم فينقطع الحول لا محالة، كذا أورده صاحب "العدة" وغيره.
انتهى.
تابعه عليه في "الروضة" وعبر في "الشرح الصغير" بقوله: بلا خلاف، والذي قاله مردود، فقد رأيت في "الشافي" للجرجاني التصريح بالخلاف في ما إذا علق على قصد القطع فقال ما نصه: وإن علقها الحول، أو بعضه ولم ينو تعليقها إلى العلف فلا حكم له، وإن نواه انقطع حولها في أصح الوجهين.

قوله من زوائده: ولو أسيمت في كلأ مملوك فهل هي سائمة أو معلومة؟ وجهان كلاهما في "البيان".
انتهى.
وهذه المسألة قد تكلم عليها القفال في "فتاويه" كلامًا حسنًا ينبغي الأخذ به فقال: إذا كان له غنم فاشترى حشيشًا في مكانه فرعاها فيه فإنها

الجزء: 3 - الصفحة: 555

تكون سائمة كما لو وهب له حشيش فأطعمها فإنها تكون معلوفة؛ فلو جز الحشيش وأطعمها في المرعى أو في البلد كانت معلوفة، ولو رعاها أوراقًا تناثرت كانت سائمة، فلو جمعت الأوراق وقدمت إليها كانت معلوفة.
هذا كلامه.
والمسألة شبيهة بالمعشرات في أنه إن سقى بماء السماء ففيه العشر لخفة المؤنة، وإن سقى بالناضج ونحوه ففيه نصف العشر لكثرتها.
وقد ذكر الرافعي هناك أنه إذا سقاه بما ملكه بالشراء فيكون كالناضح وإن ملكه بالهبة ففيه وجهان حكاهما ابن كج عن ابن القطان ورجح وجوب نصف العشر للمئة، وهذا الكلام موافق لبعض ما قاله القفال.

قوله: وفي وجوب الزكاة في السائمة التي تعمل كالنواضح وغيرها وفي السائمة إذا اعتلفت بنفسها وجهان: أصحهما: المنع.
انتهى ملخصًا.
جزم في المنهاج بطريقة الوجهين، ثم خالف في "شرح المهذب" فقال: قطع الأكثرون [بعدم الوجوب، وبين التعبير بالأصح المقتضي للجزم بالخلاف وقوته وبين قطع الأكثرين] 19 تباين كبير.

قوله في الشرط السادس: وفي الضال والمغصوب والمجحود ونحوها قولان: أصحهما: الوجوب.
وقيل: إن عادت بتمامها وجب، وإلا فلا.
وذهب مالك إلى أنه تجب زكاة السنة الأولى ولا يجب ما عداها، ثم قال الرافعي في آخر المسألة: إن الأئمة ذكروا أن مذهب مالك مبني على أصل له، وهو أن الإمكان من شرائط وجوب الزكاة فلا يبتدئ الحول

الجزء: 3 - الصفحة: 556

الثاني إلا من يوم الإمكان، ويوم الإمكان هاهنا هو يوم الوجدان.
وهذا الذي ذكروه يقتضي أن يكون للشافعى قول مثل مذهبه؛ لأن له قولًا كمذهبه في أن الإمكان من شرائط الوجوب.
انتهى كلامه.
وما ذكره الرافعي بحثًا من ثبوت قول ثالث، ولم يقف على نقله، قد صرح به أبو علي الزجاجي في كتابه المسمى "بالتهذيب" وهو زيادات على "المفتاح" لابن القاص فقال: ففيها ثلاثة أقوال: أحدها: لا زكاة عليه لما مضى، ويبتدئ الحول من يوم الوجود.
والثاني: علية زكاة السنين كلها.
والثالث: لا تجب إلا لسنة واحدة.
هذه عبارته، ومن كتابه نقلت، وقد نقله عنه أيضًا الروياني في "البحر" ونص -أعني الزجاجي- في خطبة كتابه على أنه إذا أطلق قولًا فيكون إما منصوصًا للشافعي أو من تخريج المزني أو أبي العباس بن سريج.
وقد أسقط النووي من "الروضة" ما قاله الرافعي هنا لتوهمه أنه مجرد بحث، لم يقل به أحد.

قوله: الثالثة: لو رهن ماشية أو غيرها من الأموال الزكوية فقد حكى الإمام والمصنف في وجوب الزكاة فيها وجهين لامتناع التصرف وقطع الجمهور بالوجوب.
ثم قال: نعم يجئ الخلاف بجهة أخرى، وهي أن الرهن لابد وأن يكون بدين، فيأتي فيه الخلاف الذي سنذكره في الدين هل يمنع وجوب الزكاة أم لا؟ والذي قاله الجمهور جواب على القول المشهور وهو أنه لا يمنع.
انتهى كلامه.
وما ادعاه من أن مجئ الخلاف سببه أن الرهن يستلزم الدين لا يستقيم

الجزء: 3 - الصفحة: 557

لأن الرهن وإن استلزم الدين لكن لا يستلزم أن يكون على مالك الرهن لأنه قد يستعير شيئًا ويرهنه فلا يأتي المعنى الذي قاله في هذه الصورة.
والأصحاب لم يخصوا الخلاف بما عداها.
وفي هذه المسألة كلام آخر يأتيك في زكاة الفطر في الكلام على فطرة العبد المرهون.

قوله: وإن كان الدين مؤجلًا ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه تجب فيه الزكاة قولًا واحدًا [كالمال الغائب الذي يسهل إحضاره.
والثاني: لا تجب قولًا واحدًا] 20 لأن من له دين مؤجل لا يملك شيئًا قبل حلول الأجل.
والثالث -وهو الأظهر: أنه على القولين في المغصوب.
انتهى.
وما قاله في تعليل الثاني من كونه لا يملك الدين المؤجل قبل حلوله قد صحح خلافه في كتاب الأيمان فقال في من حلف لا مال له: إنه يحنث بالدين الحال والمؤجل في أصح الوجهين.
فإذا حنث في التعبير بالمال فبالملك أولى لما ذكروه هناك.

قوله: فإن أوجبناها لم يجب الإخراج حتى يقبضه على الأصح، وعلى الثاني يجب في الحال.
انتهى.
والتعبير بالقبض وقع أيضًا في "الروضة" وفي غيرهما من كتبهما، وهو غير مستقيم، بل الصواب التعبير بالحلول، فإن الخلاف محله إذا كان على ملى مقر ولا مانع سوى الأجل.
وحينئذ فمتى حَلّ وجب الإخراج، قبض أم لا.

قوله: الخامسة: المال الغائب إن لم يكن مقدورًا عليه لانقطاع الطريق

الجزء: 3 - الصفحة: 558

أو لانقطاع خبره فهو كالمغصوب والمجحود.
ثم قال: وإن كان مقدورًا عليه معلوم السلامة وجب إخراج زكاته في الحال، وينبغي أن يخرج في بلد المال، فإن أخرج في غير ذلك البلد ففيه خلاف نقل الصدقة، وهذا إذا كان المال مستقرًا في بلد، فإن كان سائرًا، قال في "العدة": لا تخرج زكاته حتى يصل إليه، فإذا وصل زكى لما مضى بلا خلاف.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة"، قال في "شرح المهذب": وما ذكره في "العدة" وكلام الأصحاب محمول عليه.
واعلم أن ما ذكره هنا من وجوب الإخراج في الحال قد ذكر بعد ذلك في الكلام على تأخير الزكاة ما يخالفه، وسأذكر لفظه هناك فراجعه.

قوله: واللقطة في السنة الأولى باقية على ملك [المالك] 21 وفي وجوب زكاتها عليه الخلاف في المغصوب ثم إن عرفها الملتقط نظر إن اختار التملك.
. . . إلى آخر ما قال.
واعلم أنه إذا ملك أربعين شاة مثلًا وحال عليها الحول فهل وجب للفقراء شاة مبهمة أم وجب لهم جزء شائع من أربعين جزءًا منها؟ فيه وجهان حكاهما الرافعي من غير ترجيح.
إذا علمت ذلك فالذي قاله الرافعي وغيره من اختيار التملك يتجه إذا قلنا: الواجب شاة شائعة فإن الذي يملكه، والحالة هذه يكون معينًا وهو تسعة وثلاثون جزءًا من أربعين جزءًا منها.
وأما إذا قلنا: الواجب شاة مبهمة، فيكف يصح من الملتقط اختيار تملك الباقي مع أنه غير معين؟

قوله: والدين لا يمنع وجوب الزكاة على الجديد لأنا إن علقنا بالذمة،

الجزء: 3 - الصفحة: 559

فالذمة لا تضيق عن ثبوت الحقوق، وإن علقناها بالعين فالدين المتعلق بالذمة لا يمنع الحق [المتعلق] 22 بالعين؛ ألا ترى أن عبد المديون لو جنى تعلق أرش الجناية برقبته.
انتهى كلامه.
وقد اختلفت النسخ في التعبير عن الكلام الأخير ففي بعضها عبد المديون كما ذكرناه، أي عبد من عليه دين [وفي بعضها العبد المأذون أي إذا كان عليه دين] 23 فجنى، والاستشهاد به أبلغ، لأن الدين لم يمنع من تعلق الحق بالمديون نفسه.
واعلم أن الضامن لا يثبت عليه للمضمون له مال، بل الثابت إنما هو حق المطالبة والإبراء، كذا ذكره الشيخ عز الدين في قواعده، ثم قال: ويحتمل ثبوته في ذمته، ولكن لا يثبت له جميع أحكام الديون من وجوب الزكاة فيه وغيره، وينبغي استحضار هذا الفرع في هذه المسائل.

قوله: التفريع إن قلنا: الدين لا يمنع الزكاة، فلو أحاطت بالرجل ديون، وحجر عليه القاضي فله ثلاثة أحوال، ثم قال: الثاني: أن يعين لكل واحد منهم شيئًا من ماله على ما يقتضيه التقسيط ويمكنهم من أخذه فحال الحول، ولم يأخذه قال معظم الأصحاب: لا زكاة عليه أيضًا لأن ملكه قد ضعف، وصاروا أحق به، ولم يحكوا فيه [خلافًا] 24 وحكى الشيخ أبو محمد في هذه الصورة عن بعض الأصحاب أن وجوب الزكاة يخرج على الخلاف في اللقطة في السنة الثانية.
انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدها: أن ما ذكره هاهنا عن المعظم من وجوب الزكاة ومن نفيهم الخلاف قد تابعه عليه في "الروضة" وهو غريب، فقد أعاد المسألة في أوائل

الجزء: 3 - الصفحة: 560

كتاب التفليس في الكلام على تصرفات المفلس، وقال: إن أظهر القولين عدم الوجوب، وذكر أيضًا أن ذلك هو الأشهر، وستعرف كلامه هناك إن شاء الله تعالى فراجعه.
الأمر الثاني: أنه ينبغي أن تكون صورة هذه المسألة فيما إذا كانت أمواله من جنس ما عليه وإلا فكيف يعطيها الحاكم من غير بيع ولا تعويض، وقد صورها بذلك الشيخ أبو محمد في كتاب "السلسلة".
الأمر الثالث: أن النووي -رحمه الله- قد حصل له في "الروضة" هنا غلط فاحش فإنه جعل هذه الأحوال كلها مفرعة على أن الدين يمنع الوجوب فقال ما نصه: فإذا قلنا: الدين يمنع فأحاطت هذه عبارته، ومن خطه نقلت.
ثم عزاه منها إلى "شرح المهذب" على عادته وهو مع كونه خلاف ما في الرافعي، وما في الأصول المأخوذة من كتب المذهب "كالنهاية" و"البحر" وغيرهما واضح البطلان.
فإنا إذا قلنا: إن الدين يمنع فأحاطت به ديون فلا يأتي بعد ذلك خلاف وجوب الزكاة سواء حجر عليه الحاكم أم لم يحجر أرصده للغرماء أم لم يرصده.

قوله: ولو قال: لله علىّ أن أتصدق بهذا المال، فمضى الحول قبل التصدق، فإن قلنا: الدين يمنع وجوب الزكاة؛ فهاهنا أولى بأن لا يجب لوجوب صرفه إلى ما نذر.
وإن قلنا: لا يمنع فوجهان: ويخرج مما حكيناه طريقان: القطع بالمنع، والتخريج على الخلاف السابق أي في الدين هل يمنع؟ انتهى.
فيه أمور: أحدها: أن الأصح من هذين الوجهين المفرعين على عدم المنع هو عدم

الجزء: 3 - الصفحة: 561

الوجوب، كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير" وعبر بالأظهر.
الأمر الثاني: لم يبين الأصح من الطريقين هنا ولا في "الشرح الصغير"، وصحح النووي في "الروضة" و"شرح المهذب" الطريقة القاطعة، ولم ينبه في "الروضة" على أنه من زياداته، بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.
الأمر الثالث: ولنقدم عليه ما ذكره الرافعي في كتاب الضحايا قبيل الكلام على أحكام الأضحية فقال: وقد صرح الأصحاب بزوال الملك عن الهدي والأضحية المعينين، وكذا لو نذر أن يتصدق بمال بعينه زال ملكه عنه بخلاف ما لو نذر إعتاق عبد بعينه لا يزول ملكه عنه ما لم يعتقه لأن الملك في الهدي والأضحية، والمال المعين ينتقل إلى المساكين، وفي العبد لا ينتقل الملك إليه.
انتهى ملخصًا.
وإذا تقرر أن نذر التصدق ونحوه بنقل الملك فلا يتصور أن تجئ هذه المسألة بالكلية.
نعم حكى الرافعي هناك وجهًا بعد هذا الكلام بقليل أن هذه الأشياء لا تتعين ويكون الواجب في ذمته، ولا يستقيم أن يكون المذكور هنا تفريعًا عليه، فإن القائل به لم يوجب صرف المعين له.
والرافعي قد صرح في هذا الكلام بوجوب صرفه وهذا الإشكال الذي ذكرته يأتي أيضًا في مسألة سأذكرها عقب هذه المسألة ناقلًا لها عن "الروضة" لغرض آخر.

قوله في "الروضة": ولو قال: جعلت هذا المال صدقة أو هذه الأغنام ضحايا أو لله على أن أضحى بهذه الشاة، وقلنا: تتعين للتضحية بهذه الصيغة، فالمذهب لا زكاة.
وقيل: على الخلاف.
انتهى كلامه.
ويأتي في هذه المسائل من إشكال التصوير ما سبق في المسألة السابقة.

الجزء: 3 - الصفحة: 562

واعلم أن لفظ التضحية هنا مجرور بلام الجر هكذا رأيته بخط المصنف، وهو الصواب كما أوضحه هو في كتاب الأضحية فقال: ولو قال ابتدأ: على بالتضحية بهذه البدنة أو الشاة، لزمه التضحية قطعًا، وتتعين تلك الشاة على الصحيح.
انتهى.
فنفى الخلاف عن وجوب [التضحية] 25، وإنما حكى الخلاف في تعيين التي أشار إليها.

قوله: وإذا اجتمع الدين والزكاة في تركة ففيه ثلاثة أقوال: أظهرها: أن الزكاة تقدم لأن الزكاة متعلقة بالعين، والدين مسترسل في الذمة.
ولهذا تقدم الزكاة في حال الحياة ثم يصرف الباقي إلى الغرماء.
وثالثها: يستويان.
ثم قال: ولك أن تعلم كلامه بالواو لأنه قد حكى عن بعضهم طريقة قاطعة بتقديم الزكاة المتعلقة بالعين، والأقوال إنما هي في اجتماع الكفارات وغيرها مما يسترسل في الذمة مع حقوق الآدميين، وقد تفرض الزكاة من هذا القبيل بأن يتلف ماله بعد الحول والإمكان، ثم يموت وله مال.
انتهى.
وحاصله أن الأصح جريان الأقوال، وإن كان الزكوى باقيًا؛ إذا تقرر هذا ففيه أمور: أحدها: أنه قد ذكر ما يخالفه في موضعين من هذا الكتاب، وأن الأقوال لا تجري إذا كان الزكوى باقيًا: أحدهما: في زكاة المعشرات قبل الكلام على ضم حمل النخلة إلى حملها الثاني فقال فيه فيما إذا وجب عليه أداء دين فبدى الصلاح في ثمارٍ له، وهل تؤخذ الزكاة منها؟ إن قلنا: إنها تتعلق بالعين أخذت سواء قلنا

الجزء: 3 - الصفحة: 563

: تعلق الشركة أو تعلق الأرش.
وإن قلنا: إنها تتعلق بالذمة والمال مرتهن بها فطريقان: أحدهما: أنه على الأقوال الثلاثة في اجتماع حق الله تعالى وحق الآدمى.
والطريق الثاني: وهو الأصح -أن الزكاة تؤخذ بكل حال، لأن حق الزكاة أقوى تعلقًا بالمال من حق الرهن.
ألا ترى أن الزكاة تسقط بتلف المال بعد الوجوب وقبل إمكان الأداء أو الدين لا يسقط بهلاك الرهن، ثم حق المرتهن يقدم على حق غيره فحق الزكاة أولى أن يكون مقدمًا.
انتهى.
وحاصله أنا إن قلنا: يتعلق بالعين تعلق الشركة أو الأرش فلا تجرى الأقوال قطعًا.
وإن قلنا: يتعلق بالذمة فهو محل الطريقين والأصح عدم الجريان أيضًا، وهو تباين فاحش.
والموضع الثاني: في كتاب الأيمان قبيل الباب الثالث بنحو ورقة فقال فيه ما نصه: وعندنا إذا وفت التركة بما على الميت من حقوق الله تعالى وحقوق العباد قضيت جميعًا؛ وإن لم تفِ به وتعلق بعضها بالعين وبعضها بالذمة فيقدم ما يتعلق بالعين سواء اجتمع النوعان أو تجرد أحدهما.
وإن اجتمع النوعان والكل متعلق بالعين أو بالذمة فيقدم حق الله تعالى أو حق الآدمي أو يتساويان فيه ثلاثة أقوال ذكرناها.
انتهى.
ووقعت هذه المواضع الثلاث في "الروضة" كما في الرافعي، وأجاب هنا النووي في "شرح المهذب"، والرافعي في "الشرح الصغير" بأن الأقوال جارية مطلقًا، ولم يقع فيهما غير ذلك، والصواب خلاف ما قاله هنا لأن الأصحاب قد صححوا أن الزكاة متعلقة بالمال تعلق الشركة حتى أن

الجزء: 3 - الصفحة: 564

الفقراء ينتقل إليهم مقدار الزكاة، ويصيرون شركاء رب المال، وفي قول أن التعلق كالرهن، وفي قول كالجناية، وكل واحد منهما مقتضٍ للتقديم فكيف يعقل مع ما صححوه جريان الخلاف في تقديم الدين، وأن يقضي مما ليس بملك للمديون.
الأمر الثاني: إذا اجتمع في التركة جزية ودين فإن الأصح عند الرافعي والنووي أنهما يستويان مع أن الجزية حق الله تعالى.
فإن قيل: ليست عبادة.
قلنا: لا أثر له إذ المعنى في التقديم كونه حقًا لله تعالى، وأيضًا فينتقض بالكفارة على الذمي.
الأمر الثالث: أن ما ذكره أولًا من تقديم الزكاة في حال الحياة محله إذا لم يحجر الحاكم عليه، فإنه قد جزم في كتاب الأيمان بأن هذه الأقوال لا تجري في المحجور عليه بفلس، بل تقدم حقوق الآدمي، وتؤخر حقوق الله تعالى ما دام حيًا.
وتبعه عليه في "الروضة" فاعلمه فإن المتبادر من كلامه هنا ما يخالفه، لكن رأيت في كتاب الأيمان من "شرح المختصر" لأبي علي بن أبي هريرة الذي علقه عنه أبو علي الطبري الجزم بجريانها في الحياة، والتوقف في إجرائها بعد الموت فقال: وهذه الأقوال هي في حال الحياة وكذلك بعد الموت على الصحيح.
ويحتمل أن يقال: المقدم بعد الموت حق الآدمي قولًا واحدًا.
هذا كلامه.
ولم يتعرض ابن الرفعة لاجتماع الزكاة والدين على المحجور عليه، وحكى في اجتماع الكفارات والديون ترددًا للإمام موجهًا لعدم الجريان وتقديم الدين بأن الكفارات على التراخي، وللجريان بأن المرعي حق من عليه الكفارة.

الجزء: 3 - الصفحة: 565

الأمر الرابع: أن زكاة الفطر حكمها فيما ذكرناه حكم زكاة المال على الصحيح، وسيأتي الكلام عليه في آخر زكاة الفطر، بل هذه الأقوال جارية في كل حق لله تعالى يجتمع مع الدين سواء كان نذرًا أو كفارة كما تقدم أو خبراء صيد.
كذا ذكره في آخر قسم الصدقات من "شرح المهذب"؛ وذكره أيضًا في أثناء الحج من الشرح المذكور أنها تجرى أيضًا في الحج مع الدين.

قوله حكاية عن إمام الحرمين: فإن قلنا: إن الغنيمة تملك قبل القسمة ففي وجوب الزكاة ثلاثة أوجه: أحدها: لا لضعف الملك.
والثاني: [نعم] 26 اكتفاء بأصل الملك.
والثالث: إن كان في الغنيمة ما ليس بزكاتي فلا يجب لجواز أن يجعل الإمام الزكوى سهم الخمس، وإن كان الكل زكويًا وجب.
ثم قال الرافعي: وكان الأحسن بصاحب هذا الوجه أن يقول: إن كان الزكوى بقدر خمس المال لم يجب، وإن زاد وجب زكاة القدر [الزائد] 27. انتهى ملخصًا.
تابعه في "الروضة" على نقل الوجه الثالث عن الإمام على الكيفية التي نقلها عنه الرافعي، وعلى الاستدراك الذي أورده عليه، وهو غريب، فإن الإمام لم يطلق القول بعدم الوجوب فيما إذا كان فيها غير زكوى حتى يتوجه عليه الاعتراض، بل قيد ذلك بما إذا كان الزكوى قدر الخمس فقال ما نصه: والثالث: إن كان فيما غنموه ما ليس بزكاتي ويجئ بقدر أن يقع الزكاتي خمسًا ولا زكاة في الخمس، فلا زكاة أصلًا؛ فإن للإمام أن يوقع القسمة على الأجناس على شرط التعديل فيوقع [الزكاتي في الخمس.
هذا

الجزء: 3 - الصفحة: 566

لفظه.
وقول الإمام: (ولا زكاة في الخمس) هي جملة في موضع] 28 الحال فاعلمه.

قوله: ولو أصدق زوجته أربعين شاة فحال عليها الحول وأخرجت الزكاة منها ثم طلقها قبل الدخول ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: تأخذ نصف الصداق من الموجود، ويجعل المخرج من نصيبها، فإن تساوت قيمة الشاة أخذ عشرين منها، وإن تفاوتت أخد النصف بالقيمة.
والثاني: يأخذ نصف الأغنام الباقية، ونصف قيمة الشاة المخرجة.
والثالث: أنه بالخيار بين هذا وبين أن يترك الجميع، ويرجع بنصف القيمة.
انتهى.
والصحيح هو القول الثاني، كذا صححه الرافعي في كتاب الصداق والنووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة"، وقول الرافعي في آخر القول الأول: أخذ النصف بالقيمة، مراده بالنصف نصف الصداق لا نصف الموجود فاعلمه.
وتقديره أخذ النصف الذي يستحقه باعتبار القيمة، وقد عبر في "الروضة" أيضًا بهذه العبارة الموهمة، وزاد على ذلك إيهامًا آخر فقال: أحدهما: ترجع بنصف الجملة، فإن تساوت قيمة الغنم أخذ عشرين منها، وإن اختلفت أخذ النصف بالقيمة.
هذا لفظه.
ومراده بالجملة التي يرجع بنصفها هو الذي أعطاه لا الموجود فاعلم هذين الإيهامين.

الجزء: 3 - الصفحة: 567

قوله: وإذا أَجَّر دارًا أربع سنين بمائة دينار معجلة وقبضها فقولان: أحدهما: يلزمه عند تمام الأولى زكاة جميع المائة لأنه ملكها ملكًا تامًا.
ولهذا لو كانت الأجرة أمة جاز له وطؤها.
والثاني: وهو الراجح عند الجمهور -أنه لا يلزمه أن يخرج عند تمام كل سنة إلا زكاة القدر الذي استقر ملكه عليه لأن الملك قبل ذلك ضعيف إذ يسقط بانهدام الدار.
ثم قال: والقول بثبوت الملك التام في الأجرة ممنوع على رأى بعضهم، فإن صاحب "النهاية" حكى طريقة أن الملك يحصل في الأجرة شيئًا فشيئًا، فمن قال بذلك لا يسلم ثبوت الملك في الأجرة فضلًا عن ثبوت الملك التام.
انتهى كلامه.
وهذا النقل عن "النهاية" ليس مطابقًا لما فيها، وقد أوضحه ابن الرفعة في "الكفاية" فقال: الذي فيها حكاية خلاف في أنه مستقر أو موقوف فإن مضت المدة سالمة عما يوجب الانفساخ تبينا بالأجرة أنها ملكت بنفس العقد، وإن ظن انفساخ تبينا أنه لم يجد ملك إلا فيما مضت مدته.
انتهى.
وقد حكاه الماوردي أيضًا، وصحح الثاني فقال: وقد اختلف قول الشافعي في أنه هل ملكها بالعقد ملكًا مستقرًا منبرمًا كثمن المبيع أو ملكها ملكًا موقوفًا مراعًا كلما مضى زمان من المدة بان استقرار ملكه على ما قابله من الأجرة.
نعم الخلاف في أصل الملك ثابت؛ صرح به في "التتمة" فإنه حكى في ملكها طريقين: إحداهما: أن فيه قولين.
والثانية: القطع بالملك.

الجزء: 3 - الصفحة: 568

ورد الخلاف إلى الاستقرار، فلو تمسك الرافعي بهذا لاستقام.

قوله: التفريع إن قلنا بالقول الأول فيخرج عند تمام السنة الأولى زكاة المائة، وكذا كل سنة إن أخرج [من] 29 غيرها، فإن أخرج منها زكى كل سنة ما بقى، وإن قلنا بالثاني، وهو الراجح فيخرج عند تمام الأولى زكاة ربع المائة [وهي] 30 خمسة وعشرون دينارًا وزكاتها نصف وثُمن دينار، لأن ملكه قد استقر عليه.
فإذا مضت السنة الثانية فقد استقر ملكه على خمسين دينار، وكانت في ملكه سنتين فعليه زكاة خمسين لسنتين وهي ديناران ونصف، لكنه قد أدى زكاة خمس وعشرين لسنة فيحط ذلك ويخرج الباقي وهو ديناران إلا ثمن.
فإذا مضت الثالثة فقد استقر ملكه على خمسة وسبعين، وكانت في ملكه ثلاث سنين وزكاتها للثلاث خمسة دنانير ونصف وثمن دينار أخرج منها للسنتين الماضيتين دينارين ونصفًا تبقي ثلاثة دنانير [وثمن] 31، فإذا مضت الرابعة فقد استقرت المائه أربع سنين، وزكاتها عشر دنانير أخرج منها خمسة ونصفًا وثمنًا فيخرج الباقي وهو أربعة دنانير وثلاثة أثمان، وقد يعبر عن هذا المعنى بعبارة أخرى فيقال: يخرج عند تمام السنة الأولى زكاة خمسة وعشرين لسنة، وعند تمام الثانية زكاة خمسة وعشرين لسنتين، وزكاة الخمسة وعشرين الأول لسنة، وعند تمام الثالثة زكاة الخمسين [السنة] 32 و [زكاة] 33 لخمس وعشرين الأخرى لثلاث سنين وعند تمام الرابعة زكاة الخمس والسبعين لسنة وزكاة خمس وعشرين لأربع سنين.
انتهى كلامه

الجزء: 3 - الصفحة: 569

ملخصًا.
وقد استدرك الرافعي بعد هذا بأسطر استدراكًا صحيحًا سببه أن الزكاة تتعلق بالمال تعلق الشركة على الصحيح.
وحينئذ فلا إشكال في أنه يزكي لتمام السنة الأولى عن خمسة وعشرين وهي حصة السنة الأولى من الأجرة.
وأما إذا تمت السنة الثانية فلا إشكال أيضًا في إخراج الزكاة ثانيًا عن الخمسة والعشرين التي كان قد أخرج عنها في السنة الأولى، ثم إنه قد استقر ملكه أيضًا على ربع المائة التي هي حصة السنة الثانية، ولها في ملكه سنتان، وإنما لم يخرج عنها زكاة السنة الأولى عقب انقضائها لعدم استقرارها إذ ذاك.
وحينئذ فيكون قد انتقل إلى الفقراء [منها] 34 نصف دينار وثمن دينار، فلما حال الحول الثاني على الآخرة بجملتها، واستقرت حصة ذلك الحول منها لم تكن تلك الحصة كلها أعني الخمسة وعشرين في ملكه، لأن الفقراء قد ملكوا منها نصف دينار وثمنه من أول الحول كما سبق فتسقط حصة ذلك، وهكذا قياس السنة الثالثة والرابعة، وقد بسط الرافعي القول في هذا الاعتراض فقال: ثم القاطعون بالوجوب الحاكون للخلاف في الإخراج قد غاضوا فقالوا: كذا وكذا.
. . . إلى آخره.
وقد ذهل في "الروضة" عنه واقتصر على ما سبق فحصل الغلط، ثم إنه عزاه إلى "شرح المهذب" إلا أنه في "الروضة" ذكر إحدى العبارتين، وحذف الأخرى ولا حرج عليه في ذلك.

قوله: والقولان عند الجمهور في الإخراج، وأما الوجوب فثابت قطعًا، وعن القاضي أبي الطيب أنهما في الوجوب نفسه وبه يشعر كلام طائفة.

الجزء: 3 - الصفحة: 570

انتهى.
وهذا النقل عن أبي الطيب ذكره في "الشامل"، ولما لم يقف عليه الرافعي عبر بقوله: وعنَّ احتياطًا وتورعًا لاحتمال خطأ الناقل، وقد ظهرت بركة الرافعي في ذلك فإن القاضي المذكور قد جزم في تعليقته بأنهما في الإخراج، ونقله عنه أيضًا في "الكفاية".
واعلم أن النووي في "الروضة" قد جزم في أول المسألة بأن القولين في الإخراج، ثم حكى بعد هذا ترددًا في أنهما في الإخراج أو في الوجوب، وهو ظاهر التدافع فإن المتردد فيه غير المجزوم به فتأمله.

قوله: ولعلك تبحث فتقول: هل المسألة فيما إذا كانت المائة في الذمة ثم نقد أم فيما إذا كانت معينة أم لا فرق؟ أما كلام النقلة فإنه يشمل الحالتين جميعًا، وأما التفصيل والنص عليها، فلم أرَ له تعرضًا إلا في فتاوى القاضي الحسين، قال في الحالة الأولى: الظاهر أنه تجب زكاة كل المائة إذا حال الحول لاكن ملكه مستقر على ما أخذ.
وفي الحالة الثانية قال: حكم الزكاة حكمها في المبيع قبل القبض.
. . . إلى آخر ما قال.
والذي ذكره القاضي في "فتاويه" قد نص عليه أيضًا في "تعليقه" ونقله عنه ابن الرفعة.

الجزء: 3 - الصفحة: 571

قال -رحمه الله-:

النظر الثاني للزكاة طرف الأداء وله ثلاثة أحوال الحالة الأولى: الأداء في الوقت.

قوله: وأظهر الوجهين عند أكثرهم أن صرف الزكاة الباطنة إلى الإمام العادل أفضل من تفريقها بنفسه، وعبر صاحب "الكتاب" في قسم الصدقات عن هذا الخلاف بالقولين على خلاف المشهور.
فإن كان جائزًا فأصح الوجهين أن تفريقها بنفسه أفضل.
انتهى.
تابعه النووي في "الروضة" على جعل الخلاف في المسألتين وجوهًا ثم خالف في "المنهاج" فجعل الخلاف أقوالًا، فإنه عبر بالأظهر، واصطلاحه فيه أن يكون الأظهر من القولين أو الأقوال والسبب في هذا الاختلاف العجيب أن الرافعي في "المحرر" عبر بهذه العبارة، وليس له فيها ولا في غيرها من الألفاظ اصطلاح، فقلده فيها النووي حالة الاختصار، غير باحث عن المراد بها فلزم منه اختلاف كلامه.

قوله: ويؤيد أفضلية التفريق بنفسه في الأموال الباطنة قوله في "المختصر": وأحب أن يتولى الرجل قسمتها بنفسه، ثم قال: والقائلون بالأول وهو أفضلية الإعطاء إلى الإمام العادل، حملوا قول الشافعي على أنه أولى من التوكيل.
ومنهم من قال: أراد به في الأموال الباطنة.
انتهى كلامه.
وتعبيره في آخر كلامه بقوله: (الأموال الباطنة) سهو، فإن الكلام فيها، والصواب في الأموال الظاهرة.
واعلم أن السهمان: هو بضم السين، وهو جمع سهم كركب وركبان ولحم ولحمان.

الجزء: 3 - الصفحة: 572

قوله في أصل "الروضة": فإن كانت الأموال ظاهرة فالصرف إلى الإمام أفضل قطعًا، هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور، وطرد الغزالي فيه الخلاف.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أنه جزم في "المنهاج" بطريقة إثبات الخلاف وزاد فجعله قولين، فإنه عبر بالأظهر كما سبق التنبيه عليه.
الثاني: أن ما نقله عن الغزالي من طرد الخلاف وقع أيضًا في "شرح المهذب" وهو غلط، فإنه قد صرح بأنه لا يجري فيه فقال في "الوسيط": فإن كان المال باطنًا جاز التسليم إلى الإمام أو إلى المسلمين وأيهما أولى؟ فيه وجهان، وإن كانت ظاهرة ففي وجوب تسليمها إلى الإمام قولان، ولا شك أن التسليم أولى للخروج عن الخلاف، هذا لفظ "الوسيط".
وذكر في "البسيط" أيضًا مثله، وعبر بقوله: ولا خلاف.
وأما في "الوجيز" فإنه لم يفصل، بل أطلق الخلاف ولم يقف الرافعي من كلام الغزالي هنا إلا على "الوجيز" فنقل عنه أنه أطلق الخلاف، ثم نقل عن المحاملي أنه عمم الخلاف فقال: ورأيت المحاملي قد صرح في القولين والوجهين بطرد الخلاف، فتوهم النووي أنه يلزم من إطلاق الخلاف أن يكون قائلًا بالتعميم غير مستحضرٍ لكلامه في "المبسوط" فصرح به فوقع في الغلط، ثم عداه من "الروضة" إلى "شرح المهذب" على عادته، ويحتمل أن يكون قد غلط من المحاملي إلى الغزالي، وتعبير الرافعي بقوله في "القولين والوجهين" هو كتاب للمحاملي سماه بذلك، وهو من الكتب التي وقفت عليها، ونقلت عنها بالمباشرة، كما نبهت عليه في الخطبة.
وإذا قلنا بوجوب الدفع إلى الإمام فلم يكن أو كان فاسقًا فقيل: يصبر

الجزء: 3 - الصفحة: 573

سنة، وقيل: شهر أو شهرين ونحو ذلك، حكاه الدارمي في "الاستذكار".

قوله فيها أيضًا: ومحل أفضلية الدفع إلى الإمام في المال الباطن والظاهر هو إذا كان عادلًا، فإن كان جائرًا فأصح الوجين أن التفريق بنفسه أفضل.
انتهى.
وما ذكره من أن الصحيح أفضلية التفريق بنفسه في الأموال الظاهرة إذا كان الإمام جائرًا قد خالفه في "شرح المهذب" فصحح أن الإعطاء له أفضل.

قوله أيضًا في "الروضة": لو طلب الإمام زكاة الأموال الظاهرة وجب التسليم إليه بلا خلاف.
انتهى كلامه.
وما ذكره من عدم الخلاف قد صرح به أيضًا الرافعي قبيل كتاب النكاح بأوراق قلائل في المسألة الخامسة فنقله المصنف إلى هنا، وليس الأمر فيه كما قالاه، فقد حكى الجرجاني في كتاب "الشافي" فيه وجهين، وحكى القاضي أبو الطيب في "تعليقه" ذلك أعني الوجوب عن بعضهم، ثم خالفه وقال: إن قتال أبي بكر كان على المنع والجحود، وبالغ فيه -أعني القاضي المذكور- فنقل عن بعض أصحابنا أنه ليس للإمام حق القبض ونقل الروياني أيضًا وجهين في جواز المطالبة ونقل أيضًا في "البحر" في باب النية في إخراج الصدقة وجهين في أنه هل له مطالبة من يعلم أنه يؤديها بنفسه أم لا؟ ، فتحصلنا على ثلاثة أوجه.

قوله: ثم إذا فرق رب المال زكاة ماله الظاهر فجاء الساعي مطالبًا صدق رب المال بيمينه، واليمين واجبة أو مستحبة؟ وجهان.
انتهى.
صحح في "الروضة" من زوائده استحبابها.

قوله: فإن علم الإمام من رجل أنه لا يؤدي زكاة أمواله الباطنة بنفسه،

الجزء: 3 - الصفحة: 574

فهل له أن يقول: إما أن تدفع بنفسك، وإما أن تدفع إلىّ حتى أفرق؟ فيه وجهان في بعض الشروح يجريان في المطالبة بالنذور والكفارات.
انتهى.
هذه المسألة ذكرها الرافعي قبيل صدقة التطوع وهو قبل النكاح بقليل فنقلها في "الروضة" إلى هذا الموضع فتبعته عليه.
إذا علمت ذلك فاعلم أنه قد تلخص من كلام الرافعي أن المسألة مفروضة فيما إذا كان المالك يؤديها لكن لا بنفسه، بل بوكيله، وفهم النووي الخلاف على غير وجهه، فظن أن الصورة عند امتناعه من الأداء بالكلية فقال ما نصه: ولو علم الإمام من رجل أنه لا يؤديها فهل له أن يقول.
. . . إلى آخر ما سبق.
ثم اعترض بقوله: قلت: الأصح وجوب هذا القول إزالة للمنكر.
هذه عبارته.
وسبب غلطه أنه حذف لفظ النفس المذكور في أوائل كلام الرافعي، فظن أن التصوير عند الامتناع فصحح الوجوب معللًا له بإزالة المنكر، وقد ذكر المتولي المسألة على وجه صحيح يظهر منه تحريف الشارح الذي نقل عنه الرافعي فقال في الباب العاشر من أبواب الزكاة في الفصل الثالث منه: الرابعة: إذا علم الإمام من أرباب الأموال أنهم يخرجون الزكاة هل له أن يطالبهم؟ اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: ليس له أن يطالبهم كما إذا علم أنهم يصلون لا نتعرض لهم.
ومنهم من قال: يطالبهم إن أدى اجتهاد الإمام إلى ذلك لا بطريق الولاية على الفقراء، ولكن نيابة عن الفقراء وحثًا على الخروج عن حقوقهم.
هذا كلامه.
نعم الخلاف في النذور والكفارات عند الامتناع من إخراجها قد حكاه

الجزء: 3 - الصفحة: 575

المتولي قبل هذه المسألة متصلًا بها، فإنه جزم كما جزم غيره بأن الإمام يخير الممتنع عن الزكاة، واختلفوا في علته فقيل: لأن الزكوات كلها كانت تحمل إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وإلى خلفائه إلا أن عثمان فوض ذلك إلى أرباب الأموال، فإذا ظهر منهم التقصير كان له أن يطالب وقيل: لأنها حق الله تعالى، والإمام نائبه.
فإذا علم الترك طالبه بها كما يطالب بالصلاة عند الامتناع، ثم قال: فإن قلنا بالأول لم يطالب بالنذور والكفارات، وإن قلنا بالثاني طالب.
واعلم أن الخلاف فيهما قد حكاه الرافعي في آخر باب الظهار على كيفية أخرى، وهو صحة قبضه برضى من عليه، وإطلاق الخلاف هنا إنما يصح إذا كانا على الفور، فتفطن له.

قوله: وأيضًا فإن الزكاة تجري فيها النيابة، وإن لم يكن النائب من أهلها.
انتهى.
هذا التعليل لم يذكره النووي في "الروضة" ويؤخذ منه جواز توكيل الكافر في تفرقه الزكاة، والأمر كذلك فقد صرح بجوازه القاضي الحسين في "تعليقه"، والبغوي في "التهذيب" والروياني في "الحلية" و"البحر"، والرافعي في كتاب الأضحية في الكلام على توكيل الكافر في ذبحها، وحذفه أيضًا هناك من "الروضة"، ونقله النووي في "شرح المهذب" عن "التهذيب" فقط وأقره.
لكن جواز ذلك ليس على إطلاقه، بل شرطه تعيين المدفوع إليه.
كذا صرح به الروياني في "الحلية" وهو متعين لأن التوكيل في هذه الحالة مجرد إعانة واستخدام بخلاف ما إذا لم يعين، فإن فيه ولاية الإعطاء لمن شاء والمنع لمن شاء فيمتنع.

الجزء: 3 - الصفحة: 576

وذكر الماوردي قريبًا منه فقال كما نقله عنه الرافعي في قسم الصدقات: إنه لا يشترط فيه الإسلام والحرية إلا إذا كان التفويض عامًا فإن عين له الإمام شيئًا يأخذه لم يشترط واحد منهما.
قال النووي من "زياداته": وفي عدم اشتراط الإسلام نظر، واعلم أنه يجوز أيضًا توكيل السفيه فيها كما ستعرفه واضحًا في كتاب الحجر، وكذلك توكيل الصبي كما صرح به القاضي في "تعليقه" والبغوي في "فتاويه"، وصححه الروياني في "البحر" و"الحلية" وحكى فيها وجهًا أنه لا يجوز توكيله، وزاد في "البحر" امتناع توكيل الكافر في وجه.

قوله في "الروضة": ولا يكفي مطلق الصدقة على الأصح.
انتهى.
واعلم أن هاهنا مسألتين: إحداهما: أن يقتصر على نية الصدقة، وهو المذكور في "الشرحين" و"الروضة" و"الكفاية".
والثانية: أن تقيد الصدقة بالمال.
وقد أوضحهما في "شرح المهذب" فقال: ولو نوى الصدقة فقط لم يجزئه على المذهب الذي قطع به الجمهور، وحكى الرافعي فيه وجهًا ضعيفًا.
ولو قال: صدقة مالي أو صدقة المال فوجهان أصحهما لا يجزئه.
انتهى ملخصًا.
وحاصله أن المعروف في الأولى نفي الخلاف، وأما الثانية فجازم فيها بإثبات الخلاف وقوته.
وتعبير "الروضة" لا يوافق واحدة منهما لأن صدر كلامه يقتضي تصوير المسألة بالأولى، وعجزه يقتضي التصوير بالثانية، فإنه عبر فيها بالأصح.

الجزء: 3 - الصفحة: 577

قوله: ولو قال: هذه عن مالي الغائب إن كان سالمًا، فبان تالفًا فهل له الصرف إلى الحاضر؟ حكى في "العدة" فيه وجهين، قال: والأصح أنه لا يجوز.
انتهى.
ذكر نحوه في "الشرح الصغير" أيضًا، والذي صححه صاحب "العدة" هو الصحيح، ففي "شرح المهذب" أنه المذهب، وفي أصل "الروضة" أنه الصحيح.

قوله: لأن التعيين ليس بشرط حتى لو قال: هذه الخمسة عن الحاضر أو الغائب أجزأه، وعليه خمسة للآخر بخلاف ما لو نوى الصلاة عن فرض الوقت إن كان قد دخل، وإلا فعن الفائتة لا تجزئه لأن التعيين في العبادات البدنية شرط.
انتهى كلامه.
واعلم أن مراده باشتراط التعيين إنما هو تعيين كونها ظهرًا أو عصرًا.
وأما تعيين الأداء أو القضاء فليس بشرط على الصحيح وحينئذ فتكون صورة المسألة هنا في الصلاة محله فيما إذا كانت الفائتة مخالفة للحاضرة.
أما إذا كانتا متحدتين كظهرين أو عصرين، فإنه يلزم مما قاله الصحة فاعلمه.

قوله: وتجويز الإخراج عن النائب في مسائل الفصل جعله الكرخي جوابًا على جواز نقل الصدقة قال: ويصح تصوره بما أشار إليه في "الشامل"، وهو أن يفرض الغيبة عن المنزل لا عن البلد.
انتهى.
وهذا الذي صور المسألة به خروج عن ظاهر اللفظ ولا حاجة إليه، بل يتصور بما إذا كان ماله الغائب في موضع ليس فيه فقراء وكان الموضع الذي هو فيه أقرب موضع إليه.

قوله: وينوب الولي عن الصبي والمجنون في إخراج الزكاة، ويجب عليه أن ينوي.
انتهى.

الجزء: 3 - الصفحة: 578

علله الأصحاب، ومنهم ابن الرفعة في "الكفاية" بأن المؤدى عنه ليس أهلًا للنية، والتعليل المذكور يقتضي أن السفيه يتعاطى النية لأنه من أهلها.
قال ابن الرفعة: وفي الاعتداد بنيته نظر.
وكلامه يقتضي عدم الوقوف عليها، وقد صرح بها الجرجاني في "الشافي" فقال بعد أن ذكر وجوبها على الصبي والمجنون والسفيه: ويخرجه الولي عنهم وينوي لهم.
هذه عبارته.
وصرح به أيضًا النووي في "شرح المهذب" وحكى فيه الاتفاق، ونقله عن الرافعي وغيره مع أن الرافعي لم يذكره في السفيه كما قدمناه، بل ذكر الصبي والمجنون خاصة.

قوله: فإن لم [ينو] 35 صاحب المال عند دفعه إلى السلطان ونوى السلطان أو لم ينو هو أيضًا ففيه وجهان: أحدهما: وهو ظاهر كلامه في "المختصر"، ونص عليه في "الأم"، ولم يذكر كثير من العراقيين سواه -أنه يجزئ لأنه لا يدفع إلى السلطان إلا الفرض.
والثاني: لا يجزئ، وهو الأصح عند صاحب "المهذب" و"التهذيب" وجمهور المتأخرين واختاره القاضي أبو الطيب.
انتهى.
لم يصرح في "الروضة" أيضًا بتصحيح واحد منهما، والأصح هو الثاني.
كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير" و"المحرر" والنووي في "شرح المهذب" وغيره، وعبرا جميعًا بلفظ الأصح.

قوله: لما روى أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: "في كل أربعين من الإبل السائمة بنت لبون من أعطاها موتجرًا بها فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها

الجزء: 3 - الصفحة: 579

وشطر ماله" 36. انتهى.
الموتجر: بكسر الجيم على وزن المقتدر والمنتقم طالب الأجر.
والحديث رواه أبو داوود وضعفه الشافعي، ونقله عنه في "الروضة".

قوله في "الروضة": وإذا أخذ الإمام زكاة الممتنع، فإن نوى الإمام أجزأه ظاهرًا وكذا باطنًا في الأصح كولي اليتيم، وإن لم ينو الإمام لم يسقط الفرض باطنًا قطعًا، ولا ظاهرًا على الأصح، ثم قال: والمذهب أنه تجب النية على الإمام، وأن نيته تقوم مقام نية المالك.
وقيل: إن قلنا: لا تبرأ ذمة المالك باطنًا، لم تجب النية على الإمام، وإلا فوجهان: أحدهما: تجب كالولي.
والثاني: لا، لئلا يتهاون المالك فيما هو متعبد به.
[انتهى] 37. وتعبيره بقوله: (وأنه يقوم بنيته مقام نية المالك) خطأ من وجهين سَلِمَ منهما الرافعي: أحدهما: أنه عين الكلام السابق، وهو أن نية الإمام هل تجزئه ظاهرًا وباطنًا أم لا؟ فكرر وغاير في العبارة، وأدخله بين شقي مسألة واحدة.
الثاني: أنه عطفه على ما عبر عنه بالمذهب مع أن الرافعي لم يحكِ فيه طريقين.
والذي أوقع المصنف في هذا أن الرافعي عبر بظاهر المذهب فحذف

الجزء: 3 - الصفحة: 580

الظاهر، وأبقى المذهب فحصل ما حصل، وقد وقع له أيضًا في مواضع نظير هذا الموضع.

قوله: هل يجزئه تقديم النية على التفرقة؟ فيه وجهان: أظهرهما: نعم.
انتهى.
تابعه النووي في "الروضة" على إطلاق المسألة، وصورتها أن ينضم إلى النية عزل المقدار المخرج، فإن لم يقترن العزل بها لم يجز بلا خلاف، صرح به المتولي والروياني في هذا الباب، والماوردي في كتاب الأيمان ونقله النووي في "شرح المهذب" عن جماعة وأقره ثم نقل عن الأصحاب أن الزكاة والكفارة في ذلك سواء.
نعم لا فرق بين أن تكون النية مقارنة للعزل أو بعده.
وقيل: التفريق كما ذكره في "شرح المهذب" في الكلام على ما إذا دفع إلى الوكيل من غير نية.
ووقع لابن الرفعة هنا أمران نبهت عليهما في "الهداية" فتفطن لهما.

قوله في أصل "الروضة": ينبغي للإمام أن يبعث السعاة لأخذ الزكوات.
انتهى.
لم يصرح الرافعي أيضًا في هذا الباب بأن هذا البعث واجب أو مستحب، والمراد به الوجوب، كذا صرح به الرافعي في كتاب قسم الصدقات في الكلام على العامل.
[قوله: ] 38 ثم إن كانت المواشي ترد الماء أخذ الزكاة [على] 39 مياههم ولا يكلفهم ردها إلى البلد، ولا يلزمه أن تتسع المراعي، بهذا فسر

الجزء: 3 - الصفحة: 581

قوله -عليه الصلاة والسلام-: "لا جلب ولا جنب" 40 أى لا يكلفوا أن يجلبوها إلى البلد، وليس لهم أن يجنبوها الساعي فيشقوا عليه.
انتهى.
الجلب: بجيم ولام مفتوحتين، وقد فسره الجوهري بما ذكره المصنف.
وأما الجنب: فبفتح الجيم والنون أيضًا وهو ربط الحيوان إلى جانبه في حال سيره، ومنه قولهم: جاء الأمير تقاد الجنائب بين يديه.
وقد أشار الرافعي إلى تفسيره بأنه لا يكلف الساعي بأن يجنبها معه أي من المرعى.
والحديث المذكور رواه أبو داوود بإسناد حسن، ولفظه: "لا جلب ولا جنب ولا تؤخذ صدقاتهم إلا في دورهم".

قوله: وهل يكره ذلك أى إطلاق لفظ الصلاة على أحد؟ أطلق القاضي الحسين لفظ الكراهة، وكذلك الغزالي في "الوسيط" ووجهه الإمام بأن المكروه يتميز عن ترك الأولى بأن يفرض فيه نهي مقصود وقد ثبت نهي مقصود عن التشبيه بأهل البدع وإظهار شعارهم والصلاة على غير الأنبياء مما اشتهر به الرافضة.
وظاهر كلام الصيدلاني أنه خلاف الأولى وبه يشعر كلام "الوجيز" وصرح بنفي الكراهة في "العدة"؛ وقال أيضًا: الصلاة بمعنى الدعاء تجوز على كل أحد.

الجزء: 3 - الصفحة: 582

أما بمعنى التكريم والتعظيم فيختص به الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، والمشهور ما سبق.
انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدها: أن المراد بالنهي المقصود كما قاله الإمام في "النهاية" أن يكون مصرحًا به لقوله: لا تفعلوا كذا أو نهيتكم عن كذا، بخلاف ما إذا أمر بمستحب فإن تركه [لا يكون] 41 مكروهًا، وإن كان الأمر بالشئ نهيًا عن [ضده] 42 لأنا استفدناه باللازم، وليس بمقصود وذكر -أعني الإمام- أيضًا في كتاب الجمعة أن كل مسنون صح الأمر به مقصودًا كان تركه مكروهًا.
ثانيها: أنه يستثني من كلام الملائكة، فإن حكمهم في الصلاة كحكم الأنبياء، كذا صرح به الرافعي في "الشرح الصغير" ولم يستثنه أيضًا في "الروضة".
ثالثها: أن قول الرافعي: (والمشهور ما سبق) يحتمل أن يكون ردًا على ما قاله صاحب "العدة" من التفصيل وهو الفرق بين أن يقصد به الدعاء أو التكريم.
فكأنه قال: المشهور ما سبق من الاطلاق، ويحتمل أن يكون راجعًا إلى الوجه الأول المذكور في أصل المسألة، وهو الوجه الذاهب إلى الكراهة، والاحتمال الأول أظهر لمعنيين.
أحدهما: أن تفصيل صاحب "العدة" أقرب إلى هذه المقالة لكونه أخر الكلام فرجوع الكلام إليه أولى.
الثاني: أن الرافعي صرح في "الشرح الصغير" برجحان عدم الكراهة فقال: أشبه الوجهين أنه لا يكره، والكلام يبين بعضه بعضًا.

الجزء: 3 - الصفحة: 583

وجعله النووي في "الروضة" عائدًا إلى الوجه القائل بالكراهة فقال في اختصاره ما نصه: فيه وجهان: الصحيح الأشهر أنه مكروه، وإنما عدل عن قول الرافعي المشهور إلى الأشهر، لأنه قد اصطلح على التعبير بالمشهور عن القولين.
وعلى كل حال فهو إما اختلاف في كلام الرافعي، وإما غلط في فهم النووي، وهو الأقرب.
رابعها: أن النووي قد حذف من "الروضة" ما ذكره صاحب "العدة"، وهو التفصيل بين أن يقصد بالصلاة الدعاء أم لا.

قوله: ولا خلاف أنه يجوز أن يجعل غير الأنبياء تبعًا لهم فيقال: اللهم صلِ على محمد وعلى آل محمد وأصحابه وأزواجه وأتباعه، لأن السلف لم يمتنعوا منه، وقد أمرنا به في التشهد وغيره.
انتهى كلامه.
وهذا الكلام مشعر باستحباب الصلاة على الأصحاب وذكر في أوائل كتابه المسمى "بالتذنيب" نحوه أيضًا.
وكذا رأيت في "شرح المختصر" للداوودي -وهو المعروف بالصيدلاني- فقال: وأما نحن فإنما نصلي علي غير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تبعًا فيقال: اللهم صلِ على محمد وآله وأزواجه وأصحابه وأتباعه وأهل ملته، وعلينا معهم.
هذا لفظه.
وقال الشيخ عز الدين في "الفتاوي الموصلية": لا يستحب أن يذكر منهم إلا من صح ذكره وهم الآل والأزواج والذرية بخلاف من عداهم صحابيًا كان أو غيره.
هذا كلامه.

الجزء: 3 - الصفحة: 584

قال -رحمه الله- القسم الثاني: التعجيل

قوله في "الروضة": وحكى الموفق بن طاهر عن أبي عبيد بن خربويه من أصحابنا منع التعجيل، وليس بشئ.
انتهى.
وإطلاق المنع عن المذكور باطل، بل هو مجوز للتعجيل، ولكن قبل الحول بيوم أو يومين، وهو حاصل ما في الرافعي أيضًا، فإنه حكى عن مالك أنه منع التعجيل إلا في هذه الحالة، ثم حكى عن أبي عبيد أنه وافق مالكًا، فلزم ما قلناه.

قوله: ولو عجل صدقة عامين فصاعدًا فهل يجزئ المخرج عما عدا السنة الأولى، فيه وجهان: أحدهما: نعم، لما روى أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تسلف من العباس صدقة عامين 43، وبه قال أَبو إسحاق.
والثاني: لا، لأن زكاة السنة الثانية لم ينعقد حولها، والأولى أصح عند صاحب "الكتاب" ذكره في "الوسيط"، وكذا قال الشيخ أَبو محمد وصاحب "الشامل" والأكثرون على ترجيح الوجه الثاني، ومنهم معظم أصحابنا العراقيين، وصاحب "التهذيب".
انتهى كلامه.
وذكر مثله في "الروضة" أيضًا، وفيه أمران: أحدهما: أن مفهوم هذا الكلام حصول الإجزاء بالسنة إلى السنة الأولى، وبه صرح الإمام فقال: فإن منعنا فذلك في الزائد، أما ما يقع لسنة فمجزئ.
وهذا الحكم مسلم إن كان المخرج قد ميز حصة كل سنة، فإن لم يميز

الجزء: 3 - الصفحة: 585

فينبغي أن لا يجزئ لأن المجزئ عن خمسين شاة مثلًا إنما هو [شاة] 44 كاملة لا مشاعة ولا مبهمة، وهاهنا ليست كذلك.
الأمر الثاني: ولابد من تقديم مقدمة عليه فنقول: الأصحاب في هذه المسألة على أربعة أقسام، منهم من لم يتعرض لها بالكلية وهم خلائق كثيرون، ومنهم ابن سريج في "الودائع" والقفال الشاشي في "المحاسن" وأبو على في "الافصاح" والزبيرى في "الكافي" وجماعة آخرون.
ومنهم من تعرض لها، وحكى فيها خلافًا من غير ترجيح منهم القفال المروزي في "شرح التلخيص"، والشيخ أَبو حامد في "التعليق"، والشيخ أَبو على السنجي في "شرح التلخيص" أيضًا، والداوودي شارح "المختصر" وهو المعروف بالصيدلاني والمحاملي في كتاب "القولين والوجهين"، وفي كتاب "المجموع" وغيرهما، والقاضي الحسين في "التعليق"، والشيخ نصر في "التهذيب"، والدارمي في "الاستذكار"، والفوراني في "الإبانة"، والجرجاني في "الشافي"، وأبو عبد الله الطبري في "العدة"، والشيخ في "المهذب"، ومجلى في "الذخائر"، والعمراني في "البيان" والجاجرمي في "الكفاية".
ومنهم من ذهب إلى الجواز فمن هؤلاء أَبو إسحاق على ما نقله الرافعي عنه كما سبق.
وقال البندنيجي في "تعليقه": إنه المذهب، والقاضي أَبو الطيب في "تعليقه" أيضًا إنه المشهور من مذهبنا، وابن الصباغ في "الشامل" إنه المذهب المشهور، وسليم الرازي في "مجرده" إنه أشبه الوجهين، والماوردي في "الحاوي" إنه أظهر الوجهين، والشيخ أَبو محمد في "المختصر"، والغزالي في "الوسيط" و"الخلاصة"، والمتولي في

الجزء: 3 - الصفحة: 586

"التتمة" إنه الصحيح، والروياني في "البحر" إنه ظاهر المذهب، وفي "الحلية" له إنه القول الذي عليه الاختيار، وقال الخوارزمي في "الكافي" والجرجاني في "التحرير"، والشاشي في "الحلية" وفي كتابه المسمى "بالترغيب" أيضًا: إنه الأصح، وقال في الاستقصاء: إنه أظهر الوجهين، وجزم به ابن عصرون في "المرشد" وفي كتابه المسمى "بالتنبيه" وصححه في "الانتصار"، وصححه أيضًا ابن التلمساني في "شرح التنبيه"، وابن الصلاح في "مشكل الوسيط"، فإنه بعد نقله لتصحيح "الوسيط" قال: إن الأمر فيه كما قاله، ومال إليه إمام الحرمين، فإنه بعد حكاية الوجهين قال: ويشهد للجواز قصة العباس.
ونقل في "شرح المهذب" أن العبدري صححه أيضًا، ورأيت في "التقريب" لابن القفال أن أبا ثور نقله عن الشافعي، ونقله أيضًا عن نصه ابن الرفعة في باب قسم الصدقات من "الكفاية" قبيل قول الشيخ قال: وإن هلك الفقير.
ذكر ذلك في ذيل كلام نقله عن الشيخ أبي حامد.
وأما القسم الرابع وهو القائل بالمنع فلم أظفر بأحد صححه إلا البغوي بعد الفحص البليغ والتتبع الشديد فتلخص أن العراقيين وهم الشيخ أَبو حامد وأتباعه قائلون بالجواز إلا من لم يصحح منهم شيئًا، وكذلك جمهور الخراسانيين، والمراد بهم القفال وأتباعه ما عدا البغوي.
فإذا استحضرت جميع ما ذكرناه علمت أن كلام الرافعي في هذه المسألة قد حصل فيه اختلاط في حال التصنيف وانعكاس في النقل، وهو إعزاء قائلين بوجه [إلى] 45 الوجه الآخر، وكان الصواب أن يقول: والأكثرون على تصحيح الجواز ومنهم معظم العراقيين.
والحاصل من مجموع ما نقله النووي في "شرح المهذب" وابن الرفعة

الجزء: 3 - الصفحة: 587

في "الكفاية" أن القائلين بالجواز سبعة وهم البندنيجي، والغزالي، وأبو الطيب، وابن الصباغ، والجرجاني، والشاسي والعبدري، اتفقا على الأولين وهما البندنيجي والغزالي، وانفرد ابن الرفعة بأبي الطيب وابن الصباغ، والنووي بالثلاثة الباقية، ثم إنهما معًا مع تتبعهما واطلاعهما لم ينقلا المنع إلا عن تصحيح البغوي خاصة، وأردفاه بأن الرافعي نقله عن الأكثرين، ولم يطلقا النقل عنهم مع تقليدهما له في النقول غالبًا.
وحاصله أنهما توقفا في ثبوته لأجل ما وقفا عليه من العدد، ولو فحصا كما فحصت واطلعا من هذه النقول على ما ذكرت لقطعا برده كما قطعت، فلله الحمد والفضل على تيسير مثل هذه الأمور.

قوله: وذكر أَبو الفضل تفريعًا على جواز تعجيل صدقة عامين أنه هل يجوز أن ينوي تقديم زكاة السنة الثانية على الأولى؟ فيه وجهان كالوجهين في تقديم الصلاة الثانية على الأولى في الجمع.
انتهى كلامه.
والوجهان المشار إليهما محلهما في جمع التأخير، وقد صرح في أصل "الروضة" و"شرح المهذب" هنا بذلك أى بجمع التأخير، والصحيح منهما الجواز، فيكون الصحيح هنا أيضًا الجواز فاعلمه.
لكن لقائل أن يقول: إن صح تشبيه صدقة العامين بالجمع بين الصلاتين فهو إنما يشبه الجمع في وقت الأولى بالضرورة، وحينئذ فيمتنع جزمًا.

قوله: ولو عجل شاة عن أربعين فولدت أربعين فهلكت الأمهات، فهل يجزئه ما أخرج عن السخال؟ نقل في "التهذيب" فيه وجهين.
انتهى.
والأصح عدم الإجزاء، كذا صححه النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة".

قوله: والإخراج بعد تصيير الرطب تمرًا والعنب زبيبًا ليس بتعجيل، بل هو واجب حينئذ، ولا يجوز التقديم قبل خروج الثمرة، وفيما بعده أوجه:

الجزء: 3 - الصفحة: 588

أظهرها عند المعظم، وبه قطع ابن القطان وصاحب "العدة" جوازه بعد بدو الصلاح لا قبله.
والثاني: يجوز قبله من حين خروج الثمرة.
والثالث: لا يجوز قبل الجفاف.
وهذه الأوجه تجري أيضًا في الحب بعد تسنبله، وانعقاد حبه، وقبل تنقيته أصحها الجواز بعد الاشتداد والإدراك، ومنعه قبله.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن صورة المسألة أن يعرف حصول نصاب منهما، كذا ذكره الرافعي في أثناء الاستدلال، وعبر بلفظ العرفة، وحذفه من "الروضة"، وذكره أيضًا في "البحر"، وعبر عنه بغلبة الظن.
الأمر الثاني: أن هذه الطريقة القاطعة بالصحيح قد أسقطها أيضًا النووي من "الروضة".

قوله: وإن قال: إن شفي الله مريضي فلله تعالى علىّ عتق رقبة، فأعتق قبل الشفاء لا تجزئه على الأصح.
انتهى.
وما ذكره هاهنا من تصحيح عدم الإجزاء قد خالفه في الباب الثاني من كتاب الأيمان مخالفة عجيبة، وتبعه عليه في "الروضة"، وسوف أذكر لفظه هناك فراجعه.

قوله في الكلام على استقراض الإمام: وهل يكون للإمام طريقًا في الضمان حتى يؤخذ منه، ويرجع هو على المساكين أم لا؟ إن علم المأخوذ منه أنه يستقرض للمساكين بإذنهم فلا يكون طريقًا على أظهر الوجهين، بل يرجع عليهم.
والثاني: أنه يكون طريقًا كالوكيل بالشراء يكون مطالبًا على ظاهر المذهب.

الجزء: 3 - الصفحة: 589

وإن ظن المأخوذ منه أنه يستقرض لنفسه أو للمساكين من غير سؤالهم فله أن يرجع على الإمام والإمام يقضيه من مال الصدقة، أو يجعله محسوبًا عن زكاته المفروضة.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن ما صححه هنا من عدم مطالبة وكيل المستقرض وأنه بخلاف الشراء قد صحيح خلافه في الباب الثاني من أحكام الوكالة، وقد ذكرت لفظه هناك فراجعه.
الأمر الثاني: أن ما ذكره من حسبانه عن الزكاة كيف يستقيم مع أنه لم يؤخذ منه إعطاء ولا نية؟

قوله: ولو استغنى قبل الحول بالمدفوع إليه لم [يضر] 46 انتهى.
يستثني ما لو استغنى بزكاة إما معجلة أو غير معجلة فإنه يكون كما لو استغنى بغير الزكاة.
هذا حاصل ما رأيته في "فوائد المهذب" للفارقي.

قوله: وإذا أعطى الزكاة إلى الفقير، واقتصر على قوله: زكاة معجلة، أو علم القابض ذلك، ولم يذكر الرجوع ففيه وجهان: أحدهما: لا يرجع، بل تقع صدقة لأن العادة جارية أن المدفوع إلى الفقير لا يسترد، فكأنه أعطاه بهذه الجهة إن حصل شرطها، وإلا كان تطوعًا.
وأصحهما -ولم يذكر المعظم سواه: أنه يرجع كما لو عجل أجرة دار فانهدمت.
ثم قال: والوجهان محلهما فيما إذا دفع المالك بنفسه، فأما إذا دفع

الجزء: 3 - الصفحة: 590

الإمام، فلا يمكن جعله نافلة فلا حاجة إلى شرط الرجوع.
انتهى.
اعلم أن الداخل على لا النافية في المرتين هو فاء التعقيب ومعناه أن الإمام إذا دفع فلا يمكن جعله نافلة لأن الملك ليس له، وإذا لم يكن جعله نافلة فلا حاجة إلى شرط الرجوع لأنه لو لم يرجع مع أنه قد تبين أنه لا زكاة لوقع تطوعًا.

قوله في المسألة: لكن لو لم يعلم القابض أنه زكاة غير معجلة فيجوز على الوجه الأول أي القائل بعدم الاسترداد أن يقال: سلمنا أنه لا يسترد، ولكن على الإمام الضمان للمالك لتقصيره بترك اشتراط الرجوع.
انتهى.
هذا استدراك على ما ذكره من تخصيص الوجهين بالمالك، ولكنه تعبير ملبس لا يكاد أحد يتفطن له وقد أوضحه الرافعي في "الشرح الصغير" فقال: فأما إذا دفع الإمام فلا يمكن جعله نافلة، فلا حاجة إلى شرط الرجوع، هكذا ذكر.
وليكن هذا الجواب فيما إذا علم الآخذ أنه زكاة غيره، فإن لم يعلم فيجئ على الوجه الأول أن يقال لا يسترد، وعلى الإمام الضمان للمالك.
هكذا لفظه.
وحاصله أنه إذا علم الآخذ أنه زكاة غير الإمام فيرجع، وإن لم يعلم ذلك بأن اعتقد الفقير أن الإمام أخرجها عن نفسه، أو لم يعلم الحال فلا يرجع على ذلك الوجه، بل يغرمها الإمام لتقصيره.
وإذا علمت هذا فنرجع إلى لفظ الرافعي فنقول تعبيره بقوله: (زكاة) هو مجرور بالإضافة إلى غير ولفظ (غير) إما منون وهو الثابت في أكثر النسخ، وإما مضاف إلى هاء عائدة على الإمام.
"ومعجلة" إما صفة لزكاة، وإما خبر ثان لأن، ويجوز نصبه على الحال، ولما أشكل هذا الموضع على الواقفين عليه ضرب بعضهم على لفظ

الجزء: 3 - الصفحة: 591

غير فأفسد المعنى وحذف بعضهم الكلام برمته، ومنهم النووي في "الروضة".
وأبقاه بعضهم مصرحًا بإشكاله، وقد اتضح ذلك بمراجعة "الشرح الصغير"، ولله الحمد.
وقد استفدنا أيضًا من الشرح المذكور الجزم بما بحثه في "الكبير" من تخصيص الخلاف بما إذا علم الأخذ أنه زكاة غير الإمام.

قوله في "الروضة": ولو دفع المالك أو الإمام، ولم يتعرض للتعجيل، ولا علم به القابض فقد نص في "المختصر" على أن المعطي إن كان هو الإمام رجع وإن كان هو المالك فلا، فقيل فيهما قولان، وقيل بتقرير النصين، وهو الذي ذكره ابن كج وعامة العراقيين.
وقيل: لا رجوع قطعًا، وهو الذي أورده الجامعون لطريقة القفال.
انتهى.
صحح النووي في أصل "الروضة" طريقة التقرير وقد صححها أيضًا في "الكفاية" وعبر بالأصح.

قوله في المسألة: والأظهر أنه لا يثبت الرجوع سواء أثبتنا الخلاف أم لا، وهو فيما إذا دفع المالك بنفسه أولى وأظهر.
انتهى.
وما ذكره من تصحيح عدم الرجوع في المسألتين إذا لم يثبت فيهما الخلاف، بل قررنا النصين عجيب لا ينتظم فتأمله.
نعم تستقيم هذه العبارة -أعني التعبير بقوله: -سواء أثبتنا الخلاف أم لا- إذا كانت الطريقة القاطعة موافقة للصحيح، ولا شك أن الرافعي نقلها من مثل ذلك الموطن إلى هاهنا ذهولًا.

قوله: وإذا قلنا باشتراط التصريح بالرجوع أو باشتراط علم المالك فتنازعا فيه فالقول قول المسكين في الأصح مع يمينه، وقول المالك في الثاني،

الجزء: 3 - الصفحة: 592

ويجري الوجهان في تنازع الإمام والمسكين.
انتهى كلامه.
وما ذكره من تصحيح تصديق المسكين تابعه عليه النووي في "الروضة" وذكر مثله في "المنهاج"، وصحح في "شرح المهذب" أن القول قول الدافع، وعبر بالأصح، وقل من ذكر تصحيحًا ممن تعرض للمسألة وحكى الخلاف، بل أرسلوا ذكر وجهين، منهم الماوردي في "الحاوي"، والإمام في "النهاية"، والغزالي في "البسيط" و"الوسيط" و"الوجيز"، والبغوي في "التهذيب"، والروياني في "البحر".
نعم أجاب جماعة بتصديق القابض على وفق ما صححه في "الروضة"، وهو ترجيح الفتوى بما فيها منهم البندنيجي وصاحب "العدة" وهو أَبو المكارم لا أَبو عبد الله الحسين، ومنهم المتولي في "التتمة"، وحكى هو والروياني وجهين في أنه هل يحلف أم لا؟ وعللا المنع بأن ذكر التعجيل ليس معتادًا فدعواه بعيدة.

قوله: ولك أن تبحث في قول الغزالي، أما إذا لم يتعرض للتعجيل ولا علمه المسكين فنقول: هذا يشمل ما إذا سكت فلم يذكر شيئًا أصلًا، وما إذا قال: هذا زكاتي أو صدقتي المفروضة، ولم يتعرض للتعجيل، ولا علمه المسكين فهل الحكم في الحالتين واحد أم بينهما فرق؟ والجواب [أن] 47 فيه طريقين: إحداهما: أنه إذا تعرض للزكاة أو الصدقة المفروضة كان بمثابة ما لو ذكر التعجيل، ولم يصرح بالرجوع.
وأظهرهما: أنه كما لو لم يذكر شيئًا أصلًا.
انتهى.
وهذا الجواب ليس فيه تصريح بالمقصود، فإنه لم يبين فيه حكم السكوت، وقد أوضحه في "الكفاية" فقال: والطرق المذكورة باتفاق

الجزء: 3 - الصفحة: 593

ناقلها جارية، فيما إذا دفع وهو ساكت، وأما إذا قال حالة الدفع: هذه زكاتي أو صدقتي، فإنه يكون بمثابة ما لو ذكر التعجيل.
وقال القاضي أبو الطيب وغيره من العراقيين: الحكم كما لو دفع وسكت.
وحاصله أن الخلاف ثابت عند السكوت بلا شك، وأن في التحاق القسم الآخر به خلافًا، فكان جريانه في السكوت مقرر في ذهن الرافعي، فلذلك لم يصرح به.
وقد ظهر لك بما سبق أن الصحيح عند الرافعي التعميم، وعند ابن الرفعة خلافه.

قوله: ولو أتلف المالك المال رجع، وقيل: لا لتقصيره، وقضية هذا التعليل أن لا يجري الخلاف فيما إذا أتلفه بالإنفاق وغيره من وجوه الحاجات.
انتهى.
وما ذكره في آخر كلامه استنباطًا من التعليل وأفهم أنه لم يقف في المسألة على نقل قد صرح بنقله في "شرح المهذب" فقال: قال أصحابنا: إن كان لحاجة كالنفقة أو للخوف عليه أو ذبحه للأكل وغير ذلك ثبت الرجوع قطعًا.
هذه عبارته.
وعبر في "الروضة" بنحوها أيضًا، وذكر ابن الرفعة في "الكفاية" مثل ما ذكر الرافعي إلا أنه لم يسنده إليه، بل عبر بقوله: قيل: ثم إنه عبر عنه بعبارة ركيكة فإنه قال ما نصه: قيل وقضية هذا التعليل أن لا يجري هذا الوجه فيما إذا أتلفه اتفاقًا أو لحاجة.
هذه عبارته.

قوله: ولو أتلف بعض ماله حتى انتقص النصاب كان كإتلاف جميع ماله مثل أن يعجل خمسة دراهم عن مائتي درهم ثم يتلف منها درهمًا نقل هذه الصورة والوجهان فيها للاصطخري انتهى كلامه.

الجزء: 3 - الصفحة: 594

وأشار بما ذكره في آخره إلى أن التصوير للاصطخري وأن الوجهين له أيضًا أي من تخريجه، وقد صرح بذلك الروياني في "البحر" فقال ما نصه: خرج أبو سعيد الإصطخري فيه وجهين.
أحدهما: له أن يسترجع كما لو تلف بنفسه لأن الزكاة سقطت عنه في الحالتين.
والثاني: ليس له ذلك لأنه متهم في إتلاف درهم لاسترجاع خمسة.
هذه عبارته.
وذكر غيره مثله أيضًا، وقد علم منه أن العلة عند الإصطخري في هذا التصوير ونحوه ليست هي التقصير حتى يطرد في القليل والكثير بل العلة فيه هذه التهمة الخاصة حتى لا يطرد في الكثير.

قوله: ولو تسلف للطفل وليه فهو كالرشيد إذا تسلف بمسألته.
كذا قالوه، وهو مفرع على جواز صرف الزكاة إلى الصغير، وفيه وجهان لأنه إن كان في نفقة غيره فالخلاف مشهور، وإن لم يكن فقيل لا يصرف إليه لاستغنائه عن الزكاة بسهم اليتامى من الغنيمة.
وحينئذ فلا يجوز الصرف إليه من سهم الفقراء والمساكين.
انتهى.
وما ذكره قد تابعه عليه في "الروضة"، وليس كذلك لأن الصغير قد لا يكون في نفقة غيره، ولا هو ممن يصرف إليه من سهم اليتامى في الغنيمة [شئ] 48 بأن يكون له أب فقير.

قوله: والمراد بالمساكين في هذه المسائل أهل السهمان جميعًا، وليس المراد جميع آحاد الصنف بل سؤال طائفة منهم وحاجتهم.
انتهى.
تابعه عليه في "الروضة" لكن للإمام أن يصرف زكاة الشخص الواحد إلى واحد من الأصناف.

الجزء: 3 - الصفحة: 595

وحينئذ فلا يأتي ما قاله.
نعم لا تختص المسألة بسؤال الفقراء، بل بسؤال غيرهم من الأصناف كذلك.

قوله: ولو كان الطارئ موت المساكين فهل للمالك أن يستخلف ورثته على نفي العلم بأنها معجلة؟ فيه وجهان.
انتهى.
قال البندنيجي في "الذخيرة": المذهب أنهم لا يخلفون، ولم يصرح في "الروضة" ولا في "شرح المهذب" بتصحيح.

قوله: قال الإمام: وفي احتياج مخرج صدقة التطوع إلى لفظ تردد.
قال: والظاهر الذي عليه عمل الناس أنه لا يحتاج.
انتهى.
ذكر في "الروضة" نحوه، وهذا التردد الذي ذكره الإمام وجهان مشهوران للأصحاب، والصحيح منهما ما أشار إليه بحثًا.
كذا ذكره الرافعي في باب الهبة، ثم إن الإمام قد أشار هنا إلى ذلك فقال: فيه تردد للأصحاب مرموز إليه هذه عبارته.

قوله: ومتى ثبت الاسترداد فكان المعجل بالغًا ضمنه بقيمته، وفي القيمة المعتبرة وجهان: أحدهما: قيمة يوم التلف كالعارية.
والثاني: يوم القبض كالصداق.
قال المحاملي: وهذا أشبه.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران: أحدهما: أن المرجح هو الوجه الثاني فقد قال في "المحرر": إنه الأشبه، وصححه النووي في أصل "الروضة" و"شرح المهذب"، وعبر الرافعي في "الشرح الصغير" عنه بقوله: رجح بالبناء للمفعول.

الجزء: 3 - الصفحة: 596

الثاني: [أن ما] 49 جزم به هنا من كون الصداق مضمونًا أيضًا بقيمة يوم القبض مخالف لما ذكره في بابه وستعرفه إن شاء الله تعالى واضحًا.

قوله في المسألة: وينقدح عند إمام الحرمين وجه ثالث وهو إيجاب أقصى القيم بناء على أن الملك غير حاصل للقابض واليد يد ضمان تبينًا.
انتهى.
وهذا الذي نقله [احتمالًا عن الإمام فقط واقتضى كلامه عدم الوقوف على نقله] 50 وجه ثابت قديمًا حكاه القاضي الحسين في "تعليقه" والسرخسي في "الأمالي"، وحكاه أيضًا النووي في "شرح المهذب" وابن الرفعة في "الكفاية".

قوله في "الروضة": والمذهب أن القابض يملك المعجل، وفيه وجه شاذ أنه موقوف، فإن عرض مانع تبين عدم الملك، وإلا بان الملك.
فلو باعه القابض ثم طرأ المانع، فإن قلنا بالمذهب استمرت صحة البيع وإلا تبينا بطلانه.
ولو كانت العين باقية فأراد القابض رد بدلها، فإن قلنا بالوقف لزم ردها بعينها، وإن قلنا بالمذهب ففي جواز الإبدال الخلاف في مثله في الفرض بناء على أنه يملكه بالقبض أو بالتصرف؟ . انتهى.
واعلم أن النووي لم يذكر في المعجل أنه كالفرض أم لا حتى يفرع عليه، والرافعي قد ذكره في أثناء قاعدة حسنة مشتملة على فوائد فأهملها النووي ثم فرع عليها فلنذكرها ملخصة فإن كثيرًا من مسائل الفصل تنبني عليها فقال نقلًا عن الإمام حيث لا نثبت الرجوع فالملك حاصل للقابض لكنه متردد بين الفرض والتطوع وحيث نثبته فله تقديران حوم عليهما

الجزء: 3 - الصفحة: 597

صاحب "التقريب".
أحدهما: أن الملك موقوف، فإن حدث مانع تبين استمرار ملك المالك، وإلا فيتبين أن القابض ملكه من يوم القبض.
والثاني: أن الملك ثابت للقابض لكن إن استمرت السلامة تبين أن الملك عن الزكاة، وإلا تبين أنه فرض، ويأتي الخلاف في أن الفرض يملك بالقبض أو بالتصرف، وفي أن المراد بالتصرف ماذا؟ . انتهى ملخصًا.
واعلم أنه مع قولنا: إن القابض يملك، فإنه كالباقي على ملك المالك تقديرًا، سواء بقى عنده نصاب أو دونه كما سيأتي قريبًا الكلام عليه.

قوله: ولو عجل شاة عن مائة وعشرين ثم نتجت واحدة أو عن مائة وحدثت عشرون وبلغت غنمه مع الواحدة المعجلة مائة وإحدى وعشرين لزمه شاة أخرى.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على قوله في المثال الثاني، وحدثت عشرون، وهو سهو، والصواب أن يقول: وحدثت إحدى وعشرون، فتأمله.
والمثال الأول يوضح ما ذكرته.

قوله: ولو عجل شاتين عن مائتين ثم حدثت سخلة قبل الحول، وقد بلغت غنمه مع المعجلين مائتين وواحدة فيلزمه عند تمام الحول شاة ثالثة.
ثم قال ما نصه: فلو كانت المعجلة في هاتين الصورتين معلوفة أو اشتراها وأخرجها لم يجب شئ زائد لأن المعلوفة والمشتراة لا يتم بهما النصاب، وإن جاز إخراجهما عن الزكاة.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" عليه، ونقله ابن الرفعة أيضًا عنه، وأقره، وهو غلط فاحش بل يلزمه أيضًا شاة أخرى في الصورتين بلا خلاف وإن كان المخرج معلوفًا أو مشترى لأن المعلوفة والمشتراة لا يتصور أن تكون من المال الذي يزكي عنه لعدم شروط الوجوب فيهما، فيكون المال الذي عجل الزكاة

الجزء: 3 - الصفحة: 598

عنه باقيًا على حاله.
وحينئذ فلا يتوقف إيجاب الشاة الثانية في المثال الأول إلا على واحدة فقط لأن الفرض أنه لم ينقص شيئًا، وقد وجدت تلك الواحدة، ولا يتوقف إيجاب الشاة الثالثة في المثال الأخير إلا على واحدة أيضًا لأن المال الذي عجل عنه الشاتين وهو المائتان باقٍ على حاله، وتلك الواحدة التي توقف عليها قد وجدت، وهكذا يفعل في سائر الأمثلة.
وإذا فرضنا أنه أخرج من نفس المال فيكون المخرج كالباقي على حاله، وحينئذ فيجب أيضًا بحدوث ما قلناه غير أنه لا يمكن أن يكون المخرج، والحالة هذه معلوفًا ولا مشترًا فظهر أن ما قاله الرافعي في هذا الموضع، وتبعه عليه النووي غلط عجيب ولم أظفر له بمثله، فإنه ليس أمرًا نقليًا، فيحال على الأصل الذي نقل منه إما لإسقاط أو تحريف أو انتقال نظر، بل أمرًا مأخوذًا من قواعد أنتجه عمله وفكرته.

قوله: وإذا لم يعرض ما يقتض الرجوع، وكان الباقي عنده دون النصاب كما لو عجل شاة من أربعين فقط فقال صاحب "التقريب" نقدر كأن الملك لم يزل له مقتضى الحول، وفي ملكه نصاب، واستبعد الإمام ذلك فقال: كيف نقول ببقاء ملك المعطي مع نفوذ تصرف القابض بالبيع وغيره، وهذا الاستبعاد حق إن أراد صاحب "التقريب" بقاء الملك حقيقة، وإن أراد أنه نازل منزلة الثاني حتى يكون مكملًا للنصاب ومجزئًا عن الزكاة، فلا استبعاد، والأصحاب مطبقون عليه، وكأنه اكتفي عند التعجيل بمضى ما سبق من الحول على كمال النصاب رفقًا بالفقراء.
انتهى ملخصًا.
وحاصله الاتفاق على زوال الملك، وعلى تنزيله منزلة الباقي، وليس فيه ما يقتضي إثبات خلاف بل اعتراض الإمام في غاية الضعف، وكان ينبغي للرافعي أن لا يذكره بالكلية أو ينبه على ضعفه.

الجزء: 3 - الصفحة: 599

وقد التبس الكلام على النووي فأثبت في "الروضة" خلافًا ثم نفاه فقال: فيه وجهان: الصحيح الذي قطع به الأصحاب أن المعجل نازل منزلة الباقي، وليس بباقٍ في ملكه حقيقة.
هذه عبارته.
ثم ذكرنا في الكلام الذي نقلناه عن الرافعي.
نعم سبق لنا وجه أن المعجل موقوف، فإن تبين الرجوع تبين عدم الملك، وكلامنا في هذه المسألة في عكس ذلك، وهو إذا لم يحدث سبب يقتضي الرجوع.
وقد وقع الرافعي في "الشرح الصغير" فيما وقع فيه "النووي" فقال: ولو ملك نصابًا فقط فعجل عنه فهل يزول ملكه عن المخرج أو يقدر باقيًا في ملكه رعاية للنصاب فيه احتمالان.
والظاهر الأول.

قوله: وحيث ثبت الاسترداد فقد ذكر العراقيون فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يستأنف الحول لنقصان ملكه.
والثاني: يبني على ما مضى لأن المخرج للزكاة كالباقي، وهذا هو المذكور في "التهذيب"، هو الظاهر عند المعظم.
والثالث: يزكي النقد لما مضى بخلاف الماشية لأن السيوم ممتنع في الحيوان في الذمة هذا إن كان المخرج باقيًا.
فإن كان تالفًا نظر إن كان ماشية فلا تجب الزكاة بحال لأن الواجب على القابض هو القيمة ولا يكمل بها نصاب الماشية.
وروى ابن كج عن أبي إسحاق إقامة القيمة مقام العين.
انتهى ملخصًا.
إذا علمت هذا فقد قال بعده نقلًا عن الغزالي: والمخرج للزكاة إذا وقع عن الزكاة كالباقي، فإن طرأ مانع فلا.
وهكذا ذكره صاحب "التهذيب" فقال: لو عجل بنت مخاض عن خمس وعشرين فبلغت بالتوالد خمسًا وثلاثين خارجًا عما قبضه الفقراء،

الجزء: 3 - الصفحة: 600

وكان ما قبضوه هالكًا لم يجب بنت لبون لأنا إنما نجعل المخرج كالقائم إذا وقع محسوبًا عن الزكاة.
والذي قاله في "التهذيب" ينازع فيه ما حكيناه عن العراقيين في توجيه الوجه الثاني، وصرح بكونه كالباقي، وإن لم يقع عن الزكاة.
انتهى ملخصًا.
وهذه الصورة التي ذكرها البغوي ليس الأمر فيها على ما زعمه الرافعي من ثبوت الخلاف بين البغوي والعراقيين، لأن البغوي فرضها فيما إذا كان المخرج تالفًا.
وهذه الصورة لا نزاع فيها بينهما كما تقدم، وأما الأوجه المتقدمة التي استدرك الرافعي بتوجيه الوجه الثاني منهما على نزاع العراقيين للبغوي فمحلها إذا كان المخرج باقيًا كما صرح به الرافعي بعد ذكر الأوجه، وقد تقدم ذكر عبارته.
فتلخص أن كلام العراقيين في مسألة، وكلام البغوي في مسألة أخرى، وحينئذ فلا نزاع بينهما.

الجزء: 3 - الصفحة: 601

قال -رحمه الله- القسم الثالث: في تأخير الزكاة

قوله: فاعلم أنه ليس المراد من الإمكان مجرد كونه تسييل من إخراج الزكاة، لكن يعتبر معه شئ آخر، وهو وجوب الإخراج، وذلك بأن تجتمع شرائطه، فمنها أن يكون المال حاضرًا عنده.
فأما إذا كان غائبًا فلا يوجب إخراج زكاته من موضع آخر، وإن جوزنا نقل الصدقات.
انتهى كلامه.
وما ذكره ها هنا من عدم وجوب الإخراج عن المال الغائب قد جزم بخلافه قبل ذلك في الكلام علي شروط الزكاة في أثناء الشرط السادس، وقد سبق ذكر لفظه هناك فراجعه.
والمسألة فيها وجهان حكاهما القاضي حسين في "تعليقه" والروياني في "البحر" وغيرهما، وحكاهما أيضًا في "الكفاية" في الكلام على الدين.
والقياس هو المذكور هنا إلا أن يمضي زمان يمكنه المضى إليه فيه.

قوله: ولو أخر لطلب الأفضلية كالتأخير لانتظار قريب أو جار أو أحوج فوجهان: أظهرهما: الجواز.
قال الإمام: اللهم إلا إذا كان الحاضرون يتضورون جوعًا، فإن كان لم يجز التأخير بلا خلاف.
ثم قال ما نصه: ولك أن تقول إشباع الجائعين وإن وجب، لكنه غير متعين على هذا الشخص ولا من هذا المال ولا من مطلق الزكاة، وإذا كان كذلك فلا يلزم من وجوب الإشباع في الجملة أن لا يجوز التأخير.
انتهى.

الجزء: 3 - الصفحة: 602

فيه أمور: أحدها: أن النووي قد اعترض في "الروضة" على بحث الرافعي فقال: هذا النظر ضعيف أو باطل ثم إنه في "شرح المهذب" بين سبب بطلانه فقال لأنه وإن لم يتعين هذا المال لهؤلاء المحتاجين فدفع ضرورتهم فرض كفاية، ولا يجوز إهماله لانتظار فضيلة.
انتهى.
والذي قاله النووي عجيب سببه عدم فهمه لكلام الرافعي على وجهه، فإن الرافعي قد سلم أن إشباعهم واجب.
وحينئذ فإن حصل الإشباع من غير هذه الزكاة الخاصة لزم القول بجواز التأخير للجار ونحوه حتى إذا قال المزكي: أنا أعطيتهم تطوعًا، وانتظر بهذه الزكاة من ذكرناه جاز لأنه [لا] 51 مانع حينئذ فإن الشرط وهو اندفاع الحاجة قد حصل، وإن لم يحصل الإشباع إلا من هذه الزكاة فيتعين إعطاؤها ولا يجوز التأخير لأن الواجب على الجملة وهو الإشباع لم يقم به أحد، فانتفي الجواز لانتفاء شرطه، فكيف يصح أن يستدرك النووي بقوله: إن دفع ضرورتهم فرض كفاية ولا يجوز إهماله لانتظار فضيلة؟ . الأمر الثاني: أن تعبيرهما معًا بالإشباع غير صحيح، فقد صرح الغزالي في باب نفقة الأقارب من "الوجيز" بأن الأقارب الذين تجب نفقتهم كالأصول والفروع لا يجب على المنفق إشباعهم ثم إن الرافعي حالة شرحه بينه فقال: ولا يشترط إنتهاء المنفق عليه إلى حد الضرورة، ولا يكفي ما يسد الرمق، بل يعطيه ما يستقل به، ويتمكن معه من التردد والتصرف، هذه عبارته.
فإذا لم يجب ذلك للأباء والأولاد فللأجنبي بطريق الأولى.
الأمر الثالث: أن التضور في كلام الرافعي هو بالضاد المعجمة والواو،

الجزء: 3 - الصفحة: 603

ومعناه الصياح والتلوي عند الجوع ونحوه.
كذا قاله الجوهري ولم يتفطن النووي لهذه اللفظة الخاصة المستعملة فيما نحن فيهم، وتوهم أنها الضرر براءين، فعبر به في "الروضة".
نعم الصرة بالصاد المهملة المفتوحة والراء المشددة تطلق على الصحة والصيحة وعلى الشدة أيضًا، فيجوز أن يكون اللفظ المذكور هنا من ذلك والإمام -رحمه الله- كثيرًا ما يعبر بهذه الألفاظ العربية.

قوله في كيفية تعلق الزكاة بالمال أن الجديد الصحيح هو قول الشركة.
. . . إلى آخره.
اعلم أن الأصحاب لم يفرقوا في الشركة بين الدين والعين، وحينئذ فيلزم من ذلك أمور كثيرة ينبغي التفطن لها.
منها أنه لا يجوز لصاحب الدين أن يدعي تملك جميعه، ولا يجوز له أيضًا الحلف عليه، ولا للشهود أن يشهدوا بذلك، بل طريق الدعوى والشهادة أن يقال: إنه باقٍ في ذمته وأنه يستحق قبضه لأن له ولاية التفرقة في القدر الذي ملكه الفقراء.

قوله: وإذا فرعنا على قول الشركة فاستبقى قدر الزكاة وباع الباقي فوجهان: أحدهما: يصح البيع لأن ما باعه حقه.
وأقيسهما عند ابن الصباغ المنع لأن حق الفقراء شائع.
وهذا الخلاف مبني على كيفية ثبوت الشركة وفيها وجهان: أحدهما: أنها شائعة في كل شاة.
والثاني: أن محل الاستحقاق قدر الواجب، ثم يتعين بالإخراج، ويعبر عنه بأن الواجب شاة مبهمة.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران:

الجزء: 3 - الصفحة: 604

أحدهما: أن تخريج الوجهين على كيفية ثبوت الشركة كيف يستقيم مع أنهما جاريان في غير هذا كالحبوب والنقود كما صرح به البندنيجي والماوردي والقاضي أبو الطيب وغيرهم.
والشركة في هذه الأنواع بالشيوع قطعًا كما صرح به الأصحاب، وجزم به في "الكفاية" في آخر زكاة النبات.
الأمر الثاني: أن تعليل منع ابن الصباغ بكونه شائعًا ظاهره أنه يرى ذلك، وأنه علل به وليس كذلك، فإنه عبر بقوله: فيه وجهان: أحدهما: لا يصح، لأن الزكاة لا تتعين إلا بالدفع.
والثاني: يصح لأنه باع حقه.
والأول أقيس لأنه يلزم هذا القائل أن يقول إذا عزل الزكاة من غير المال الزكوى أنه يصح بيع الكل لأن الزكاة لا تتعين عليه منه.
هذه عبارته.
وليس فيها التعليل بالشيوع لا أولًا ولا آخرًا، وكأنه توهم من التعليل الأول، وهو أن الزكاة لا تتعين إلا بالدفع كونها شائعة، وهو توهم عجيب.
واعلم أن النووي في "الروضة" لما ذكر الوجهين والبناء لم يبين كيفيته، بل ذكره علي صورة توهم العكس، فتفطن له.

قوله: الحالة الثانية: أن يرهن قبل تمام الحول ثم يتم الحول ففي وجوب الزكاة خلاف [مر] 52 في الكتاب شرحه والرهن لابد وأن يكون بدين.
وفي كون الدَّين مانعًا من الزكاة خلاف مشهور، فإن أوجبنا نظر إن لم يملك هذا الراهن مالًا آخر فيبنى ذلك على كيفية تعلق الزكاة.
إن قلنا أنها تتعلق بالذمة والمال مرهون بها، فعن أبي علىّ وغيره أنه قد

الجزء: 3 - الصفحة: 605

اجتمع هاهنا حق الله تعالى وحق الآدمي فتأتي الأقوال الثلاثة في أنه يقدم الرهن أو الزكاة أو تستوي.
وعن أكثر الأصحاب أنه يقدم الرهن لأنه أسبق ثبوتًا، والمرهون لا يرهن.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره في توجيه الخلاف من أن الرهن لا يكون إلا بدين، وفي منع الدين خلاف، فقد تقدم الاعتراض عليه من جهة أنه قد يعير ليرَهن.
ومحل الخلاف إنما هو في الدين الذي على الراهن خاصة.
الأمر الثاني: أن ما ذكره هاهنا عن الأكثرين من عدم التخريج على الخلاف، ومن تقديم الرهن قطعًا قد ذكر ما يشكل عليه قبيل الكلام على أنه لا يضم حمل نخلة إلى حملها الأول، فإنه صحح هناك عدم التخريج، كما صحح هاهنا، لكنه جعل الأصح القطع بتقديم الزكاة، ولم يذكر ما نقله هنا عن الأكثرين فضلًا عن تصحيحه وسأذكر لفظه هناك فراجعه.

الجزء: 3 - الصفحة: 606

قال -رحمه الله-: النوع الثاني:

زكاة المعشرات

وفيه أطراف:

الطرف الأول: في الموجب

: قوله: واللوبيا وتسمى الدخن أيضًا.
. . . إلى آخره.
وقعت هنا ألفاظ بيّن الرافعي معناها، ولكن نحتاج إلى ضبطها.
فأما الدخن فبدال مهملة مضمومة وخاء معجمة ساكنة.
وأما الخلر فبخاء معجمة مضمومة ولام مشددة بعدها راء مهملة.
وأما الثفاء فبالثاء المثلثة المضمومة بعدها فاء مشددة يليها مد الواحدة ثفاه.
وأما الفث فبفاء مفتوحة وثاء مثلثة مشددة كذا ضبطه جميعه الجوهري وغيره.
والقنبط بقاف مضمومة ثم نون مشددة مفتوحة ثم باء موحدة وطاء مهملة وهو نبات معروف.

قوله: وقال في القديم: تجب الزكاة في الزيتون فإن كان مما لا يجئ زيتًا كالبغدادي أخرج عشره زيتونًا وكذا إن كان يجئ منه على الصحيح عند المعظم، وقيل: يتعين الزيت.
ثم قال: وروى إمام الحرمين وجهًا آخر أنه يتعين إخراج الزيتون، وعلل بأن النصاب يعتبر به دون الزيت بالاتفاق.
انتهى كلامه.
وما نقله عن الإمام من دعوى الاتفاق ووافقه هو عليه قد صرح به أيضًا النووي في "الروضة" ولم يعزه إلى الإمام، فإنه لما حكى في المسألة ثلاثة

الجزء: 3 - الصفحة: 607

أوجه قال ما نصه: الثالث: يتعين الزيتون بدليل أنه يعتبر النصاب بالزيتون دون الزيت بالاتفاق.
هذا لفظه.
وليس كما قالا من دعوى الاتفاق، بل في المسألة قولان للشافعى.
أحدهما: هذا.
والثاني: أن النصاب إنما يعتبر بالزيت.
حكاهما الماوردي في "الحاوي".
وحكى الخلاف أيضًا الروياني في "البحر" والشاشي في "الحلية" والنووي في "النكت" له على التنبيه.

قوله: ونقل عن القديم أنه يجب فيه الزكاة يعني الورس إن صح حديث أبي بكر، وهو ما روى أنه كتب إلى بنى خفاش بذلك.
وقال الصيدلاني وغيره: له في الورس قولان.
انتهى ملخصًا.
فأما خفاش فهو بضم الخاء المعجمة وتشديد الفاء وبالشين المعجمة، وهذا هو الصواب كما قاله في "شرح المهذب".
قال: وضبطه بعض الناس بكسر الخاء وتخفيف الفاء، وهو غلط، وأما الأصح من قولي القديم فهو الوجوب، كذا جزم به الرافعي في "الشرح الصغير" واقتصر في "الروضة" على حكاية التعليق على حديث أبي بكر.

قوله: والزعفران باتفاق الأصحاب مرتب على الورس إن لم تجب الزكاة فيه، ففي الزعفران أولى وإن وجبت ففي الزعفران قولان.
انتهى كلامه.
وما ذكره من الاتفاق على الترتيب ليس كذلك فقد حكى ابن الصباغ وغيره طريقة قاطعة بالبناء عليه، أى إن أوجبنا في الورس أوجبنا في الزعفران وإلا فلا.
وحكاهما أيضًا ابن الرفعة في "الكفاية".

الجزء: 3 - الصفحة: 608

قوله: وعن أبي إسحاق أن الشافعي في القديم علق القول في العسل على ثبوت الأخذ من فعل أبي بكر، وذهب الشيخ أبو حامد وغيره إلى أنه قطع القول بنفي الزكاة قديمًا وجديدًا، فتحصل فيه طريقان.
انتهى.
ومقتضى هذا الكلام رجحان طريقة القطع، وقد ضعفها أعنى الرافعي في "الشرح الصغير" فاعلمه، وكذلك النووي ففي "الروضة"، إلا أن النووي صحح طريقة التعليق.
وأما الرافعي فصحح طريقة الجزم بالوجوب في القديم، وهذه الطريقة لم يصرح بها في "الكبير" فضلًا عن تصحيحها.

قوله في أصل "الروضة": فالخمسة الأوسق ألف وستمائة رطل بالبغدادي؛ والأصح عند الأكثرين أن هذا القدر تحديد، وقيل: تقريب.
انتهى كلامه.
وما صححه هنا من كونه تحديدًا قد صحح عكسه في شرحه "لصحيح مسلم" وفي كتاب الطهارة من "شرح المهذب" في الكلام على القلتين فقال: وللقولين نظائر منها الحيض بتسع سنين، والمسافة بين الصفين بثلاث مائة ذراع، ومسافة القصر بثمانية وأربعين ميلًا، ونصاب المعشرات بألف وستمائة رطل بالبغدادي، ففي كل هذه المسائل وجهان: أصحهما: تقريب.
والثاني: تحديد.
هذا لفظه.
وذكر هذه الصور كلها في رؤوس المسائل، وصحح أيضًا فيها التقريب، وعلله بأنه مجتهد فيه.

قوله أيضًا في أصل "الروضة": فعلى التقريب يحتمل نقصان القليل كالرطلين، وحاول إمام الحرمين ضبطه فقال: الأوساق: الأوقار، والوقر ثلثمائة وعشرون رطلًا، وكل نقص لو وزع علي الأوسق الخمسة لم يعد

الجزء: 3 - الصفحة: 609

منحطه عن الاعتدال لم يضر، وإن عدت منحطه ضر.
انتهى.
ذكر في "شرح المهذب" كلامًا آخر مخالفًا لهذا فقال ما نصه: قال المحاملي وغيره: يغتفر على التقريب نقص خمس أرطال، ونقله الإمام عن العراقيين وأنكره عليهم وقال: المعتبر كذا، ثم ذكر ما تقدم والذي صححه أولًا لم يذكره هنا.
[قوله] 53: وحيث لا يجب الخراج فأخذه السلطان على أن يكون بدلًا عن العشر فهذا كأخذ القيمة في الزكاة بالاجتهاد.
وقد حكوا في سقوط الفرض به وجهين.
. . . إلى آخره.
والأصح منهما السقوط، كذا جزم به الرافعي في أوائل الزكاة في الكلام على اجتماع الحقاق وبنات اللبون.
وذكر في باب الخلطة ما يقتضي تصحيحه، وصححه النووي هنا من "زياداته"، قال: ونص عليه الشافعي في "الأم" وقطع به جماهير الأصحاب.

قوله في آخر الكلام على رَقْم كلام الغزالي: بل حكى القاضي وابن كج فيما سوى الزيتون طريقة نافية للخلاف قاطعة بالوجوب: انتهى كلامه.
وهذه الطريقة أسقطها النووي من "الروضة" فاعلمه.

قوله: كما تفسر الحنطة فتجعل حواري.
انتهى.
هو بضم الحاء المهملة وتشديد الواو وبالراء المفتوحة وهو الدقيق الأبيض من قولهم: حور كذا أي بيض.
قاله الجوهري.

قوله: وأما الأرز فتعبير بلوغه من العشرة عشرة أوسق، ثم قال ما نصه: وعن الشيخ أبي حامد أنه قد يخرج منه الثلث فيعتبر بلوغه قدرًا يكون

الجزء: 3 - الصفحة: 610

الخارج منه نصابًا.
انتهى لفظه.
وذكر في "الروضة" مثله أيضًا، وهذه العبارة التي عبر بها [عن] 54 رأي الشيخ أبي حامد لا تحصل بها معرفة ما ذهب إليه لأنا لا نعلم هل المراد بالثلث الخارج هو القشر أو الحب.
وقد بينه البندنيجي في "تعليقته" والروياني في "البحر" وغيرهما، فقال: المراد أنه يخرج منه الثلث قشرًا والثلثان حبًا، فيكون نصابه سبعة أوسق ونصفًا.
وذكر الجرجاني في "الشافي" نحوه فإنه قال: نصابه ستة أوسق أو سبعة على العادة، وإلى ذلك أشار الرافعي بقوله: قدر.

قوله: وأما السلق فقال العراقيون وصاحب "التهذيب" هو حب يشبه الحنطة في اللون والنعومة، ويشبه الشعير في برودة الطبع.
وعكس الصيدلاني وآخرون، وفيه ثلاثة أوجه: أظهرها: أنه أصل بنفسه.
وثانيها: حنطة.
وثالثها: شعير.
وقال المتولي: لا خلاف أنه لا يضم إلى الحنطة وإنما الخلاف في أنه أصل أم شعير.
انتهى ملخصًا.
وهذه الطريقة المحكية عن المتولي لم يذكرها في "الروضة"، وذكر فيها، وفي "شرح المهذب" وغيره أن الصواب الذي ذكره أهل اللغة وقطع به جماهير الأصحاب في صفتها هو مقالة العراقيين.

قوله: فأما إذا مات وعليه دين، وخلف نخلًا مثمرة فبدا الصلاح فيها

الجزء: 3 - الصفحة: 611

بعد موته، وقبل أن تباع في الدين وجبت فيها الزكاة في أصح القولين ثم إن كانوا موسرين أخذت الزكاة منهم وصرفت النخيل والثمار إلى دين الغرماء.
انتهى كلامه.
واعلم أنه إذا رهن مالًا زكويًا وحال عليه الحول وهو موسر فالجمهور على أن الزكاة لا تؤخذ من المرهون، بل من سائر أمواله لأنها مؤنة فأشبهت النفقة.
وقال أبو على الطبري وآخرون: تؤخذ من المرهون إذا علقناها بالعين، وهذا هو القياس، كما لا يجب على السيد فداء العبد المرهون إذا جنى هذا [كله] 55 كلام الرافعي في آخر الباب السابق.
فإذا علم ما في هذه المسألة من الاختلاف، وأن القياس كما قاله الرافعي عدم أخذها من الراهن فبطريق الأولى في مسألتنا؛ لأنه لا دين على الوارث بالكلية، فينبغى الجزم بأنها لا تؤخذ منه فكيف يجزم بعكسه.

قوله في المسألة: وإن كانوا معسرين أخذت الزكاة منها إن قلنا الزكاة تتعلق بالعين: وإن علقناها بالذمة، وقلنا: المال مرهون بها فطريقان: أحدهما: تخريجها على الأقوال الثلاثة في اجتماع حق الله تعالى وحق الآدميين.
ثم قال ما نصه: والطريق الثاني وهو الأصح.
أن الزكاة تؤخذ بكل حال لأن حق الزكاة أقوى تعلقًا بالمال من حق المرتهن.
ألا ترى أن الزكاة تسقط بتلف المال بعد الوجوب وقبل إمكان الأداء، والدين لا يسقط بهلاك الرهن، ثم حق المرتهن مقدم على حق غيره فحق الزكاة أولى بأن يكون مقدمًا.
انتهى.

الجزء: 3 - الصفحة: 612

وما ذكره هاهنا من القطع بتقديم الزكاة قد تقدم في آخر الباب السابق ما يخالفه، فإنه نقل عن الأكثرين في نظير المسألة وهو المرهون بدين عليه الجزم بتقديم حق المرهون، وقد تقدم ذكر لفظه فراجعه.

قوله: وإن أطلع الثاني بعد جذاذ الأول ففيه وجهان: أحدهما -وهو الذي أورده ابن كج وأصحاب القفال وهو المذكور في "الوجيز": أنه لا يضم.
والذي قاله أصحاب الشيخ أبي حامد أنه يضم، وهو نص الشافعي.
فعلى الأول لو كان أطلاع الثاني قبل الجذاذ وبعد بدو الصلاح فوجهان: أصحهما في "التهذيب": لا ضم أيضًا.
وإذا قلنا بقول أصحاب القفال فهل يقام وقت الجذاذ مقام الجذاذ؟ وجهان: أفقههما: يقام انتهى ملخصًا.
وحاصل كلامه أنه إذا أطلع المتأخر بعد بدو الصلاح المتقدم فثلاثة أوجه: ثالثها: إن كان قبل جذاذه ضم، وإلا فلا.
واختلف كلام الرافعي في الأصح منها، فصحح في "الشرح الصغير" أنه لا ضم مطلقًا فقال ما نصه: أظهرهما: لا ضم مطلقًا.
والثاني: نعم.
والثالث: إن أطلع قبل جذاذه ضم إليه، وإلا فلا وصحح في "المحرر" أنه يضم مطلقًا فقال: وثمار العام الواحد يضم بعضها إلى بعض، وإن اختلف إدراكها.
وفي وجه إذا أطلع الثاني بعد جذاذ الأول لم يضم انتهى لفظه.

الجزء: 3 - الصفحة: 613

وصححه النووي في "المنهاج"، وقال في "شرح المهذب": إنه الصحيح.
وفي "زيادات الروضة": إنه الراجح.
وقد نص الشافعي -رحمه الله- على ذلك كله فقال: وإذا كان له حائطان من نخل ببلد أو ببلدين فأطلع أحدهما طلعًا فلم يُجذ حتى أطلع الآخر فهما كثمرة واحدة، وإذا بلغا خمسة أوسق زكيا.
وإن كان حدوث الثمرة الثانية بعد تناهي الثمرة الأولى وبلوغها الجذاذ لم يضمها.
انتهى.
كذا رأيته في كتاب "المسافر" لمنصور التميمي نقلًا عنه، وحاصله التفصيل بين الجذاذ وعدمه، وأن وقت الجذاذ كالجذاذ.

قوله: وإذا كانت للرجل نخيل تهامية وأخرى نجدية فاطلعت التهامية ثم أطلعت النجدية لذلك العام.
واقتضى الحال ضم ثمرة النجدية إلى ثمرة التهامية فضممناها إليها ثم أطلعت التهامية مرة أخرى فلا تضم ثمرة هذه إلى ثمرة النجدية.
وإن أطلعت قبل بدو الصلاح فيها لأن في ضمها إلى النجدية ضمًا إلى ثمرتها المرة الأولى، ولا سبيل إليه، لأن ثمرتها في المرة الثانية إما حمل ثان على تصوير أن تكون تلك التهاميات مما يحمل في كل سنة مرتين، وأما حمل سنة ثانية.
وعلى التقديرين فلا ضم على ما سبق، فهذا ما ذكره الأصحاب.
ثم قال الصيدلاني وإمام الحرمين: ولو لم تكن ثمرة النجدية مضمومة إلى حمل التهامية أولًا بأن أطلعت بعد جذاذ ذلك الحمل لكنا نضم حملها الثاني المطلع قبل جذاذ النجدية إليها، إذ لا يلزم هاهنا المجذوذ الذي ذكرناه.
وهذا قد لا يسلمه سائر الأصحاب لأنهم حكموا بضم ثمرة العام الواحد بعضها إلى بعض، وبأن ثمرة عام لا تضم إلى ثمرة عام آخر، ومعلوم أن

الجزء: 3 - الصفحة: 614

إدراك ثمار التهامية [في كل عام أسرع من إدراك ثمار النجدية فيكون إطلاع التهامية] 56 ثانيًا للعام المقبل، وما على النجدية من العام الأول.
انتهى كلامه.
وهذا البحث الذي ذكره الرافعي ممنوع، وذلك لأن فرض المسألة فيما إذا كانت التهامية تثمر في السنة مرتين، وحينئذ فلا يسلم أن حملها الثاني لعام قابل بالنسبة إلى النجدية، وإن كان بالنسبة إليها نفسها كالعام القابل، فالمحذور إنما هو ضم النجدية إلى الحملين جميعًا للمعنى الذي قلناه.
أما ضمها لأحدهما فلا بدليل ضمها إلى الحمل الأول.
فإذا امتنع ضمها إلى الأول لأجل الجذاذ لم يمتنع ضمها إلى الثاني لوجودها معه في العام.

قوله: والشئ قد يزرع في السنة مرارًا كالذرة تزرع في الخريف والربيع والصيف، ففي ضم بعضها إلى بعض عشرة أقوال: أرجحها عند الأكثرين: إن وقع الحصادان في سنة واحدة ضم وإلا فلا.
انتهى.
وما نقله عن ترجيح الأكثرين ذكر مثله أيضًا النووي في "الروضة" وكذلك في "شرح المهذب" وعبر بالأصح، وهو نقل باطل يتعجب منه من تصفح كلامهم، وتفصيل القول فيه يطول.
والحاصل أن القول المذكور لم أرَ من صححه بعد التتبع فضلًا عن عزوه إلى الأكثرين، بل رجح كثيرون اعتبار وقوع الزرعين في السنة منهم البندنيجي وابن الصباغ، وصحح في "البحر" اعتبار الحصادين، ولكن في فصل واحد لا في سنة واحدة.

قوله في "الروضة" في المسألة: والقول الرابع: إن وقع الزرعان والحصادان أو زرع الثاني وحصد الأول في سنة ضم.
انتهى.
واشتراطه لوقوع الزرعين والحصادين معًا غلط، بل الصواب التعبير

الجزء: 3 - الصفحة: 615

بأو، وقد عبر الرافعي بذلك، وأوضحه إيضاحًا بليغًا.
وقد وهم ابن الرفعة في "الكفاية" هنا وهمًا أفحش من هذا الوهم فراجعه من "الهداية".

قوله: ولو نبتت الذرة فالتفت وغطى بعضها بعضًا وبقى المغطي مخضرًا ثم أثرت الشمس في المخضر فأدرك بعد حصد الأعلى فطريقان: أحدهما: القطع بالضم.
والثاني: يتخرج على الأقوال المعروفة في الذرة انتهى ملخصًا.
والأصح هي طريقة القطع، كذا صححه النووي في "شرح المهذب"، وفي أصل "الروضة" أيضًا، ويوجد أيضًا ذلك في بعض نسخ الرافعي.

قوله: والذرة الهندية تحصد سنابلها، ويبقى ساقها فتخرج سنابل أخرى، وفيها ثلاث طرق: أحدها: القطع بضم الثاني إلى الأول، وهو الأصح عند صاحب "التهذيب".
والثاني: القطع بعدمه.
والثالث: على الخلاف في حصد الزرع.
انتهى ملخصًا.
والأصح ما صححه صاحب "التهذيب"، كذا صححه النووي في أصل الروضة، وفي "شرج المهذب" أيضًا، لكنه نقل فيه هذا التصحيح عن الرافعي لوجوده في "الروضة" ظانًا أنه لم يغير كلام الرافعي.
واعلم أن في بعض نسخ الرافعي التعبير "بالتهذيب" كما ذكرته هاهنا، وهو كذلك فيه أعني "التهذيب" وفي بعضها "التقريب" بالقاف.

الجزء: 3 - الصفحة: 616

الطرف الثاني: في الواجب

قوله: والعثري.
. . . إلى آخر ما ذكر من الألفاظ وهي الغرب والسانية والمنجنون.
فأما العثري: فبعين مهملة وثاء مثلثة مفتوحتين بعدهما راء مهملة مكسورة ثم ياء مشددة، وتقال بإسكان الثاء، والصحيح المشهور الأول.
واختلف أهل اللغة في تفسيره على قولين حكاهما في "المحمل"، فالصحيح الذي ذهب إليه الأزهري وغيره أنه مخصوص بما سقى من ماء السيل فيجعل عاثور وهو شبه ساقية يحفر له تجري فيها الماء إلى أصوله، وسمى ذلك عاثورًا لأنه يتعثر بها [المار] 57 الذي لا يشعر بها.
والثاني وهو ما قاله الجوهري: أن العثري هو الذي لا يسقيه إلا ماء المطر.
وأما الغرب: فبغين معجمة مفتوحة وراء مهملة ساكنة وبالباء الموحدة هو الدلو العظيم.
وأما السانية: فبسين مهملة وبعد الألف نون ثم ياء بنقطتين من تحت وهي الناقة التي يستقى عليها ويقال: سنت الناقة، والسحابة تسنو إذا سقت الأرض والقوم يسنون لأنفسهم إذا استقوا، والأرض مسنوة ومسنية.
وأما المنجنون فهو الدولاب الذي يستسقي عليه، ويقال فيه المنجنين، قاله جميعه الجوهري.

قوله: وإن اختلفت أنواعه كما إذا ملك من التمر البردي والكبيس وهما

الجزء: 3 - الصفحة: 617

نوعان جيدان والجعرور ومصران الفأرة وعذق بن حبيق وهي أنواع رديئة انتهى.
أما البردي فبضم الباء الموحدة وسكون الراء وكسر الدال المهملة وتشديد الياء في آخره.
قال الجوهري بعد ضبطه: هو ضرب من أجود التمر والكبيس بفتح الكاف وكسر الباء الموحدة وبعدها ياء بنقطتين من تحت ثم سين مهملة.
والجعرور: بجيم مضمومة ثم عين ساكنة وراءين مهملتين.
قاله في "تهذيب الأسماء واللغات".
ومصران الفأرة: هو بضم الميم شبهوه بأمعاء الفأرة لحساسيته ورقته.
قال الجوهري: المصر: المعاء والجمع المصران مثل رغيف ورغفان، والمصارين جمع الجمع.
ومصران الفأرة ضرب رديء من التمر.
هذا كلام الجوهري.
وأما عذق الحبيق فالعذق بعين مهملة مفتوحة ثم ذال معجمة ساكنة بعدها قاف.
قال الجوهري: هو النخلة بحملها.
وأما بكسر العين فهو العنقود.
وقال في "المحكم": أنه بالفتح يطلق على النخلة وعلى كل غصن له شعت.
وأما حبيق فمصغر وهو بحاء مهملة ثم باء موحدة وفي آخره قاف.
قال الجوهري: عذق الحبيق: ضرب من التمر رديء.

قوله: فإن كثرت الأنواع، وقل مقدار كل نوع فحكى عن صاحب "الإفصاح" فيه ثلاثة أوجه:

الجزء: 3 - الصفحة: 618

أصحها: يؤخذ من الوسط.
والثاني: من كل نوع بالقسط.
والثالث: من الغالب.
وروى ابن كج في المسألة طريقين: إحداهما: القطع بأخذ الوسط.
والثانية: أن فيها قولين.
أحدهما: الوسط.
والثاني: الغالب.
انتهى.
وحاصله أن في المسألة ثلاثة طرق، ولم يبين الأصح منها، وقد اختلف فيه كلام النووي فصحح في "شرح المهذب" الطريقة القاطعة فقال ما نصه: أصح الطريقين: القطع بأنه يؤخذ الوسط، وبهذا قطع صاحب "المهذب" والجمهور، وهو المنصوص في "المختصر"، ونقل الإمام اتفاق الأصحاب عليه.
والطريقة الثانية فيها ثلاثة أوجه.
انتهى.
وصحح في "الروضة" طريقة الأوجه فقال ما نصه فيه أوجه: الصحيح أنه يخرج من الوسط رعاية للجانبين.
والثاني: يؤخذ من كل نوع بقسطه.
والثالث: يؤخذ من الغالب.
وقيل: يؤخذ الوسط قطعًا.
انتهى.
والحاصل أن كلام "الروضة" عليه ثلاث اعتراضات: أحدها: مناقضته لما في "شرح المهذب".
والثاني: إسقاط الطريقة الثالثة، وهي طريقة القولين.
والثالث: ترجيحه لأحد الطرق، فإن الرافعي لم يرجح واحد منها.

الجزء: 3 - الصفحة: 619

الطرف الثالث: فى وقت الوجوب

قوله: ولأن المقاسمة بيع على الصحيح.
. . . إلى آخره.
هذه المسألة قد اختلف فيها كلامه وكلام النووي، وسأذكر ذلك إن شاء الله تعالى في موضعه مبسوطًا.

قوله: ولو باع النخيل من مسلم قبل بدو الصلاح فبدا الصلاح في [ملك] 58 المشتري ثم وجد بها عيبًا، فليس له الرد إلا برضى البائع، لأنه تعلق بها حق الزكاة، وكان كعيب حدث في يده.
انتهى كلامه.
وتعبيره بقوله: (قبل بدو الصلاح) قد تكرر منه في هذا الفصل، وتبعه عليه في "الروضة"، وهو غير مستقيم.
والصواب قبل التأبير، وذلك لأنه يتكلم فيما إذا وجبت الزكاة في الثمرة بعد انتقالها إلى [ملك] 59 المشترى، وإنما ينتقل أن لو كان البيع قبل التأبير، وليس دائرًا مع بدو الصلاح وعدمه، وتصور المسألة ببيع الثمار مع الأشجار.
واعلم أن الفقراء يصيرون شركاء رب المال بسبب الزكاة.
وحينئذ فيكون بعض المبيع في مثالنا حالة الرد خارجًا عن ملك المشترى، وليس كالعيب.
وحينئذ يجر ذلك أمورًا: منها: أنه لا يأخذ جميع الثمن، فإنه إذا أدى الزكاة يعود الملك لمن.

قوله: فلو أخذ الساعي الرطب لم يقع الموقع ووجب رده إن كان باقيًا،

الجزء: 3 - الصفحة: 620

فإن كان تالفًا فوجهان، الذي نص عليه وقاله الأكثرون أنه يرد القيمة.
. . . إلى آخره.
وهذه المسألة أعنى الرطب والعنب مثليان أم لا؟ قد اختلف فيها كلامه، وكلام النووي أيضًا وستقف عليه -إن شاء الله تعالى- مبسوطًا في باب الغصب.

قوله: والصحيح المشهور إدخال جميع النخيل في الخرص ثم قال: وعن صاحب "التقريب" أن للشافعي قولًا في القديم أنه يترك للمالك نخلة [أو نخلات] 60 يأكل منها أهله، ويختلف ذلك باختلاف العيال.
انتهى.
وهذا القول الذي نقله عن القديم نقل المستغرب له قد نص عليه الشافعي في الجديد، ولم يحك في "البويطى" غيره فقال فيه ما نصه: ويترك لرب الحائط قدر ما يأكل هو وأهله لا يخرص عليه.
هذا لفظه بحروفه، ومنه نقلته.

قوله: وهل تعتبر الذكورة والحرية أى في الخرص قال في "العدة": إن اكتفينا بواحد فيعتبران، وإن قلنا: لابد من اثنين جاز أن يكون أحدهما عبدًا أو امرأة.
وعن الشاشي حكاية وجهين في اعتبار الذكورة مطلقًا.
ولك أن تقول: إذا اكتفينا بواحد فسبيله سبيل الحكم، فتشترط الحرية والذكورة؛ وإن اعتبرنا اثنين فسبيله سبيل الشهادات، فينبغي اشتراط الحرية، وأن تشترط أيضًا الذكورة في أحدهما، وتقام امرأتان مقام [الآخر] 61. انتهى كلامه.

الجزء: 3 - الصفحة: 621

فيه أمران: أحدهما: أن ما ادعاه من إلحاقه بالحكم علي تقدير الاكتفاء بالواحد مردود، فإن قائل ذلك قد يلحقه بالأخبار، بل هو الظاهر، وكيف يكون الخرص حكمًا مع أنه لا يترتب عليه إلزام إلا إذا وقع تضمين بإيجاب وقبول، ولأنه لو ادعى الغلط في شئ ممكن صدقناه فيه.
الأمر الثاني: أن الصحيح في هذه المسألة هو اشتراط الذكورة والحرية، فقد قال الرافعي في "المحرر": إنه أظهر الوجهين.
والنووي في كتبه: إنه الأصح.

قوله: وهل الخرص عبرة أو تضمين؟ قولان: أصحهما: تضمين، أي ينقطع به حق المساكين من عين الثمرة، وينتقل إلى ذمة المالك.
والثاني: عبرة، ومعناه أنه مجرد اعتبار [للقدر] 62، ولا ينتقل الحق إلى الذمة.
وفائدته على هذا جواز التصرف، وأخذ الزكاة منه على حساب الخرص، ولولا الخرص لكان القول قوله.
وإذا جعلناه تضمينًا فلابد من تصريح الساعي، وقبول المالك، فإن لم يوجد أبقى حق الفقراء كما كان وقيل: لا بل نفس الخرص تضمين.
وقيل: يشترط الإيجاب دون القبول.
ثم قال ما نصه: وهل يقوم وقت الخرص مقام الخرص؟ ذكروا فيه وجهين: وجه قولنا: نعم، إن العشر لا يجب [إلا ثمرًا] 63، والخرص يظهر

الجزء: 3 - الصفحة: 622

المقدار لا أنه يلزم بنفسه شيئًا، وينبغي أن يرتب هذا على ما سبق إن قلنا: لابد من التصريح بالتضمن لم يقم وقت الخرص مقامه وإن اغتنيا عنه فحينئذ يأتي فيه الخلاف.
انتهى كلامه.
وما ذكره في أن وقت الخرص هل يقوم مقام الخرص.
. . . إلى آخره قد تابعه عليه [أيضًا] 64 في "الروضة"، وهو كلام عجيب نشأ عن الذهول عن حقيقة المسألة، وإيضاح ذلك متوقف على مسألة يأتي بسطها عقب هذه المسألة وخلاصتها أن المالك إذا أتلف الثمرة بعد الخرص فإن قلنا: الخرص تضمين ضمن عشر الثمرة، وإن قلنا عبرة فهل يضمن عشر الرطب أو قيمة عشره؟ وجهان مبنيان على أن الرطب مثلي أو متقوم وهو الصحيح، وإن أتلفها قبل الخرص وجب ضمان الرطب، إن قلنا: لو جرى الخرص لكان عبرة، وان قلنا: إنه تضمين، فكذلك.
وقيل: يضمن التمر، وهذا الخلاف الأخير هو المعبر عنه بأن وقت الخرص هل هو كالخرص؟ ومعناه أن وقت الخرص هل يتنزل عند إيجاب الضمان منزلة الخرص في أن الواجب التمر، أو الرطب وفيه وجهان، ومدركهما ما سبق في كلام الرافعي وهذا الذي قررته هو الذي ذكره ابن الرفعة أيضًا، ونقله عن الغزالي فتوهم الرافعي أنهما مسألتان فذكرهما مرتين في موضعين متقاربين لاسيما، والموضع الذي ذكرها فيه هاهنا لا تعلق لها به بالكلية، وكيف يتوهم أن وقت الخرص كالخرص حتى يجب في ذمته الثمر، وحتى يباح له التصرف بما شاء، وحتى يطالب بمقدار معين إلى غير ذلك من الأمور التي لا يعقل القول بها ولا يستقيم أيضًا معه ما ذكره الرافعي بعد ذلك بحثًا في بيان محل الخلاف وقد وقع النووي أيضًا في هذا الموضع العجيب، إلا أنه صحح من زوائده أن وقت الخرص لا يقوم مقامه فوافق الصواب في نفس

الجزء: 3 - الصفحة: 623

الأمر من غير وقوف على حقيقة ذلك، وكأنه استبعد ما رآه واستنكره فذكر ما ذكر، وقد اتضحت المسألة ولله الحمد.

قوله في "أصل الروضة": وإن أتلف المالك الثمرة أو أكلها بعد بدو الصلاح فيضمن ثم له حالان: أحدهما: أن يكون ذلك بعد الخرص.
فإن قلنا: إن الخرص تضمين وهو الصحيح ضمن عشر التمر: لأنه قد ثبت في ذمته.
وإن قلنا: إنه عبره فهل يضمن عشر الرطب أو قيمة عشره؟ فيه وجهان مبنيان على أنه مثلى أم لا والصحيح الذي قطع به الأكثرون عشر القيمة.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن ما أجاب به هاهنا من كون الرطب متقومًا قد اختلف فيه كلامه، وكذلك كلام الرافعي أيضًا، وسنوضحه في كتاب الغصب إن شاء الله تعالى فراجعه.
الأمر الثاني: أن ما ذكره في ضمان الرطب متدافع لأنه عبر أولًا بقوله: قيمة العشر، وآخرًا بقوله: عشر القيمة، وهما متغايران كما تقدم إيضاحه في زكاة الخلطة فراجعه، فقد سلم الرافعي من هذا الاعتراض، فإنه عبر في الأول بقيمة العشر كما عبر في "الروضة"، وعبر ثانيًا بقوله: والذي أجاب به الأكثرون إيجاب القيمة، وهو تعبير صحيح، فإنه [قد] 65 دل علي أنه لا تجب الرطب بل القيمة، وتلك القيمة المعهودة قد تقدم تفسيرها، وهو قيمة عشره لا عشر قيمته، فغلط النووي فعبر بما ذكره.
نعم المتجه هاهنا إنما هو عشر القيمة على خلاف ما يقوله الرافعي لأن

الجزء: 3 - الصفحة: 624

مؤنة التسليم تجب على المزكى، وفي "شرح المختصر" للصيدلاني، وهو الذي يعبر عنه ابن الرفعة بالداوودي تارة، وبابن داوود أخرى أن الواجب فيما يجف إنما هو التمر سواء جعلنا الخرص عبرة أو تضمينًا.
قال: لأنه لو لم يتلفه لكان يخرج ذلك، قال: فإن كان لا يجف أخرج قيمة عشره رطبًا على قاعدة المتقومات.
وقال صاحب "التقريب": يضمن العشر بمثله رطبًا؛ لأن له إبداله بمثله من جنسه مع بقاء العين كما لو أتلف الغنم فإنه تلزمه شاة لا قيمتها، والذي نقله عنه متجه حسن.

قوله: قال في "التهذيب": ولا يجوز للمالك قبل الخرص أن يتصرف بأكل أو غيره، فإن لم يبعث الحاكم خارصًا أو لم يكن حاكم تحاكم إلى عدلين يخرصان عليه.
انتهى.
وهذا الذي نقله عن "التهذيب" خاصة وتبعه عليه في "الروضة" قد جزم به الرافعي في "الشرح الصغير" أيضًا، وإطلاقه باطل، فقد سبق في آخر الباب قبله إنه إذا باع الكل أو البعض شائعًا صح فيما عدا نصيب الفقراء، فينبغي حمل ما وقع هنا على التصرف في شئ معين.

قوله: وإذا ادعى هلاك الثمرة المخروصة عليه وأسند الهلاك إلى سبب ظاهر كالبرد.
فإن عرف وقوع ذلك السبب، وعموم أثره صدق بلا يمين، فإن اتهم في هلاك ثماره به حلف وإن لم يعرف وقوعه فالصحيح أنه يطالب بالبينة لإمكانها، ثم يقبل قوله بيمينه في الهلاك به.
والثاني: لا يطالب بها، بل يكفي اليمين، ورأيت في كلام الشيخ أبي محمد أنه لا حاجة إلى اليمين أيضًا إذا كان ثقة.
انتهى.
فيه [أمور:

الجزء: 3 - الصفحة: 625

أحدها] 66: أنه أهمل هاهنا قسمًا ثالثًا، وهو ما إذا عرف وقوعه، ولم يعرف عمومه، وقد ذكره في أواخر الوديعة وقال: إنه يصدق بيمينه إلا أنه هناك لم يذكر ما إذا اتهم فيحتمل أن يكون المراد من الكلامين شيئًا واحدًا علي نوع من [التجوز] 67. الثاني: أن النووي قد نقل عن "التتمة" من غير مخالفة له من "زوائده" قبيل باب معاملات العبيد في التفريع على أن الجوائح من ضمان البائع أنهما إذا اختلفا في الهلاك بجائحة، فإن عرف وقوعها وعمومها فالقول قول المشتري بلا يمين والذي نقله هناك واضح، والا فكيف يستقيم التحليف للتهمة مع فرض العموم، فينبغي حمل المذكور هنا على خلاف حقيقته، وأن المراد بالعموم هو الكثرة لا كل نخلة من كل بستان.
الثالث: أن ما نقله الرافعي في آخر كلامه عن الشيخ أبي محمد ظاهر في أنه تقييد للمسألة لا حكاية وجه آخر، لكن جزم به في "الروضة" بأنه حكاية لوجه فاعلمه.

قوله: أما إذا اقتصر على دعوى الهلاك من غير تعرض لسبب فالمفهوم من كلام الأصحاب قبوله مع اليمين.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وهو يشعر بأنه لم يقف في ذلك على نقل صريح.
وقد جزم المصنف في [آخر] 68 الوديعة بهذا الحكم.

قوله: واعلم أن من آحادَّ النظر في قول العبرة والتضمين، وتأمل ما قيل فيهما توجيهًا وتفسيرًا ظهر له أنهما مبنيان على تعلق الزكاة بالعين.
فأما إذا علقناها بالذمة فكيف نقول بالخرص لا يتعلق حقهم بالعين، ويتعلق بالذمة، وكان قبله كذلك.
انتهى.

الجزء: 3 - الصفحة: 626

ومراد الرافعي بتعلق الزكاة بالذمة هو القول القائل بأن النصاب خالٍ عن التعلق بالكلية ومراده بتعلقها بالعين هو القائل بالشركة والرهن والجناية، فإن كلًا منها متعلق بالعين فاعلم ذلك وليس مراده بتعلق العين هو الشركة فقط، وإن كان هو المتبادر إلى الفهم من كلامه، فإن الخرص يفيد أيضًا انقطاع الحق عن العين على قول الرهن والجناية على اختلاف فيه مذكور في موضعه.
وحينئذ فكان لا يستقيم للرافعي ما يحاوله.

قوله: ولو ادعى المالك بعد الكيل أن الخارص غلط عليه بقدر يحتمل الغلط في مثله كخمسة أوسق في مائة قبل.
انتهى.
ونقصان عشر الثمرة وسدسها مما يحتمل أيضًا.
كذا ذكره البندنيجي في "تعليقته" فاعلم ذلك وتفطن له.

قوله: هذا إذا كان المدعي فوق ما يقع بين الكيلين كما مثلناه؛ فإن كان بمقدار ما يقع بينهما فهل يحط عنه؟ فيه وجهان: أصحهما: نعم.
انتهى ملخصًا.
وما ذكره من تصحيح الحط قد رأيته كذلك في عدة من النسخ الصحيحة وصححه أيضًا في "المحرر" و"الشرح الصغير"، والنووي في "المنهاج".
وحكى في "الروضة" [الوجهين] 69 من غير ترجيح ثم قال من زياداته: الأقوى أنه يحط.
وصحح الإمام عكسه.
انتهى.
والذي صححه الرافعي وقواه النووي قد صححه أيضًا الماوردي والروياني وغيرهما.

قوله: وإذا أصاب النخيل عطش لو تركت الثمار عليها إلى الجذاذ لأضر بها جاز قطع ما يندفع به الضرر، وهل يستقل به المالك أم لابد من

الجزء: 3 - الصفحة: 627

استئذان الإمام؟ فيه خلاف.
انتهى ملخصًا.
والأصح عدم الوجوب، كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير" وصحح النووي في "الروضة" و"شرح المهذب" وغيرهما من كتبه وجوب الاستئذان، قال: وبه قطع العراقيون.

قوله من زوائده: وإذا خرص عليه فتلف بعضه تلفًا يسقط الزكاة، وأكل بعضه وبقي بعضه، وقال المالك.
لا أعرف قدر ما أكلته ولا ما تلف.
قال الدارمي: قلنا له: إن ذكرت قدرًا ألزمناك ما أقررت به، فإن اتهمناك حلفناك وإن ذكرت محملًا أخذنا الزكاة بخرصنا.
انتهى.
وهذا الذي نقله عن الدارمي قد نص الشافعي عليه في "الأم"، ونقله عنه في "البحر".

الجزء: 3 - الصفحة: 628

قال -رحمه الله-: النوع الثالث:

زكاة النقدين

قوله: ولو أخرج عن مائتي درهم خالصة خمسة دراهم مغشوشة لم يجز، وهل له الاسترجاع؟ حكوا عن ابن [سريج] 70 فيما فرع على "الجامع الكبير" لمحمد قولين: أحدهما: لا، كما لو أعتق رقبة معينة.
وأصحهما: نعم، كما لو عجل الزكاة فتلف ماله.
انتهى ملخصًا.
تابعه في "الروضة" على عدم الإجزاء، وذكر الرافعي في "الشرح الصغير" مثله أيضًا وهو مشكل بل ينبغي الاعتداد بالخالص منه.

قوله: الدراهم المغشوشة إن كانت معلومة العيار صحت المعاملة على عينها الحاضرة، وفي الذمة.
وإن كان مقدار النقرة مجهولًا ففي جواز المعاملة على عينها وجهان: أصحهما: الجواز.
انتهى ملخصًا.
تابعه في "الروضة" على ذلك، وهو يقتضي أن المعاملة عليها في الذمة لا تجوز، وأنه إنما يجوز على العين خاصة، وهو وجه حكاه النووي في كتاب البيوع من "شرح المهذب"، وصحح جواز التعامل بها، ولم يقيده بالعين وهو الصواب.

قوله: ولو كان عنده إناء وزنه ألف: ستمائة من نوع، وأربع مائة من نوع وأشكل عليه الأكثر، فإن احتاط وأخرج ستمائة من كل منهما فواضح، وإلا فيميز بالنار أو يمتحن بالماء.
انتهى.
ولا يشترط في التمييز بالنار سبك الجميع كما يوهمه كلامه، بل يكفي تمييز شئ يسير، ويقاس به [الباقي] 71 كما قاله الإمام، ونقله عنه في

الجزء: 3 - الصفحة: 629

"الكفاية".

قوله: وكيفية الامتحان بالماء أن يوضع قدر المخلوط من الذهب الخالص في ماء ويعلم علي موضع الارتفاع ثم يخرج ويوضع مثله من الفضة الخالصة، ويعلم أيضًا على موضع ارتفاعه، وهذه العلامة تقع فوق الأولى لأن أجزاء الذهب أكثر اكتنازًا ثم يوضع فيه المخلوط، وينظر إلى ارتفاع الماء به أهو إلى علامة الفضة أقرب أم إلى علامة الذهب.
انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدها: أن الحال لا يفترق بلا شك بين وضع المختلط أولًا أو آخرًا.
الثاني: أن لنا طريقًا آخر هو أسهل من هذه وأضبط منها أن يوضع في الماء ستمائة ذهبًا وأربعمائة فضة، ويعلم ارتفاعه، ثم نعكس ونعلم أيضًا عليه، ثم يوضع المشتبه، ويلحق بالذي وصل إليه.
ونقل في "الكفاية" طريقًا آخر عن الإمام وغيره يأتي أيضًا مع الجهل بمقدار كل نوع، وهي أن يطرح المختلط وهو ألف مثلًا في [ماء] 72 ويعلم علي موضع ارتفاع الماء، ثم يرفعه ويطرح من خالص الذهب في ذلك شيئًا بعد شئ حتى يرتفع الماء إلى تلك العلامة، ثم يرفعه ويعين وزنه.
فإذا كان ألفًا ومائتين مثلًا وضعنا في الماء من الفضة الخالصة شيئًا بعد شئ حتى يرتفع الماء إلى تلك العلامة ثم يرفعها ويعتبر أيضًا وزنها فإذا كانت ثمان مائة مثلًا علمنا أن نصف المختلط ذهب ونصفه فضة، وقس على [هذا التشبيه] 73. الثالث: أن الطريقة التي ذكرها المصنف تأتي أيضًا عند مطلق الاختلاط مع الجهل بالوزن بالكلية فإنك إذا وضعت المختلط المذكور تكون علامته بين

الجزء: 3 - الصفحة: 630

علامتي الخالص، فينظر ما بينهما، فإن كان بين علامة الذهب وعلامة المختلط قدر شعيرة مثلًا، وكذلك بين علامة الفضة والمختلط علمنا أن نصف المختلط ذهب ونصفه فضة.
وإن كان بين علامة الذهب والمختلط قدر شعيرتين وبين علامة المختلط والفضة قدر شعيرة علمنا أن ثلثيه فضة، وثلثه ذهب ولو كان بالعكس علمنا أن ثلثيه ذهب وثلثه فضه، وهكذا ينظر في النسبية دائمًا ويرتب الحكم عليها.

قوله: فإن تعذر الامتحان وعَسر التمييز وجب الاحتياط، وعُسر التمييز بأن يفقد آلات السبك أو يحتاج فيه إلى زمان صالح، فإن الزكاة واجبة على الفور فلا يجوز تأخيرها مع وجود المستحقين، ذكر ذلك في "النهاية" ولا يبعد أن يجعل السبك أو ما في معناه من شروط الإمكان.
انتهى كلامه.
وهذا كله حذفه النووي من "الروضة" وهو غريب جدًا.

قوله في المسألة: ولو غلب على ظنه أن الأكثر الذهب أو الفضة فهل له العمل بمقتضاه؟ قال الشيخ أبو حامد ومن تابعه: إن كان يخرج بنفسه فله ذلك، وإن كان يسلم إلى الساعى فالساعي لا يعمل بظنه.
وقال الإمام: الذي قطع به أئمتنا أنه لا يجوز اعتماد الظن فيه.
انتهى.
لم يصحح في "الروضة" ولا في "شرح المهذب" شيئًا منهما أيضًا، والصحيح هو ما نقله الإمام كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير".

قوله أيضًا فيها: قال الإمام: ويحتمل أن يجوز له الأخذ بما شاء من النقدين لأن اشتغال ذمته بعد ذلك غير معلوم، وجعل الغزالي في "الوسيط" هذا الاحتمال وجهًا.
انتهى.
والذي نقله عن الغزالي من جعله ذلك وجهًا قد فعله هو في "الشرح

الجزء: 3 - الصفحة: 631

الصغير" فصرح أيضًا بأنه وجه.

قوله: إحداها: لو اتخذ حليًا مباحًا، ولم يقصد الكنز ولا الاستعمال ففي وجوب الزكاة وجهان قال في "العدة": فظاهر المذهب أنها لا تجب.
انتهى.
لم يصرح بتصحيح في "المحرر" أيضًا، بل عبر بقوله: رجح على البناء للمفعول مشيرًا إلى كلام صاحب "العدة"، والذي قاله في "العدة هو الصحيح، فقد صححه الماوردي، وكذلك الرافعي في "الشرح الصغير" فقال: إنه أظهر الوجهين.
والنووي في أصل "الروضة" و"المنهاج" وغيرهما، وعبر بالأصح، ونقله في "شرح المهذب" عن تصحيح الرافعي، وقد أعلمتك سبب ذلك فيما تقدم، وهو نقله عن "الروضة" ظنًا أنه لم يغير عبارة الرافعي.
وقال الإمام: الجاري على القواعد هو الوجوب.

قوله: وإذا انكسر الحلي وقصد جعله كنزًا وجبت الزكاة، وإن قصد إصلاحه فلا يجب على أصح الوجهين وإن لم يقصد شيئًا ففيه خلاف، منهم من يجعله وجهين مرتبين على هذين الوجهين، وأولى بالوجوب، ومنهم من يجعله قولين: أحدهما: أنه تجب الزكاة لأنه غير مستعمل في الحال ولا معد له.
وأظهرهما: المنع؛ لأن الظاهر استمراره على ما سبق من قصد الاستعمال، ثم قال بعده: وإذا جمعت بين الصورتين قلت: في المسألة ثلاثة أوجه كما ذكر في "الكتاب"، ثالثها -وهو الأظهر- الفرق بين أن يقصد الاصلاح وبين أن لا يقصد شيئًا.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن الرافعي في "الشرح الصغير" قد صحح أن الخلاف

الجزء: 3 - الصفحة: 632

وجهان، والصواب أنهما قولان كما ستعرفه إلا أن كلًا منهما قد قال به قائل، ولم يصحح في الروضة، ولا في "شرح المهذب" أيضًا شيئًا من ذلك.
الأمر الثاني: أن كلام الرافعي هنا كلام عجيب أوله يخالف آخره، فإن حاصل ما قاله أولًا أن الأصح منع وجوب الزكاة، وحاصل ما قاله آخرًا: التفصيل بين أن يقصد الاصلاح أو لا [يقصد] 74 شيئًا.
والغريب أنه عبر بلفظ الأظهر في الموضعين، وقد تفطن الرافعي لذلك حالة تصنيف "الشرح الصغير" فاقتصر فيه على الأخير.
وكذلك النووي في "الروضة" فاقتضى ذلك أنه المعمول به، والصواب هو الأول، وهو عدم الوجوب على خلاف ما في "الروضة" والشرح المذكور، فقد قال الماوردي في "الحاوي": إنه المنصوص.
وقال في "البيان": إنه الجديد، ومقابله القديم.
وقال البندنيجي: إنه مقتضى نصه في ["الأم"] 75.

قوله: وقد روى أن عرفجة بن أسعد أصيب أنفه يوم الكلاب.
. . . إلى آخره.
أما عرفجة فبعين مهملة، ثم راء ساكنة، وفاء وجيم، العرفج شجر ينبت في السهل، الواحدة عرفجة، وبه سمى الرجل قاله الجوهري.
وأما الكلاب فبضم الكاف وفتح اللام المخففة وبالباء الموحدة، وهو اسم ماء كانت فيه وقعتان مشهورتان، قال الشاعر: إن الكلاب ماؤنا فخلوه.
قاله الجوهري.

الجزء: 3 - الصفحة: 633

قوله: والرانين.
. . . إلى آخره.
هذه الألفاظ وهي قبيعة السيف والتعاويذ وسكاكين المهنة.
فأما الران فهو بالراء المهملة وبالنون، وهو خف يلبس الساق ليس له قدم، بل يكون ما بين الركبة والكعبين، يلبسه المسافرون المشاة، ومن في معناهم ممن يكثر التردد لأن فيه تقوية للعصب.
وأما قبيعة السيف فالبقاف والباء الوحدة وهو ما على طرف مقبضه من فضة أو حديد.
وأما التعاويذ فجمع تعويذ بالتاء بنقطتين من فوق والعين المهملة والذال المعجمة وهي الحروز التي تعلق على الصبيان وغيرهم للاستعاذة بالله من كل ما يؤذي، والشاعر المعروف بالتعاويذي منسوب لذلك.
وأما المهنة فهي الخدمة، وهي بفتح الميم، وقد تقدم الكلام عليها في التيمم.

قوله: وكل حلي حرمناه على الرجال حرمناه علي الخنثى على المذهب، وعليه زكاته على المذهب كغيره من المحرمات، وقيل: في وجوبها القولان في الحلى المباح لأنا إنما حرمناه [للاحتياط] 76، وأشار في "التتمة" إلى الجواز لأنه كان جائزًا له في الصغر.
انتهى.
ذكر نحوه في "الروضة"، وهو يشعر بالجواز فيما أبحناه للرجال كتحلية آلات الحرب، مع أنه حرام أيضًا كما نص عليه أبو الفتوح وغيره احتياطًا أيضًا.
وقد جزم في "شرح المهذب" بالتسوية بين الأمرين.

قوله: وفي تحلية السرج واللجام والنقر وجهان: أصحهما: المنع.
. . . إلى آخره.
تابعه في "الروضة" على إطلاق الخلاف، ومحله في المقاتل، أما

الجزء: 3 - الصفحة: 634

غيره فلا يجوز له ذلك بلا خلاف، كذا قاله في "البحر"، وعبر بقوله: حرام بلا إشكال.
ويستثنى أيضًا البغلة والحمار فلا يجوز ذلك فيهما أيضًا بلا خلاف كما قاله في "الذخائر" لأنهما لا يصلحان للحرب.

قوله: ويحرم على النساء تحلية آلات الحرب لأن في استعمالهن لها تشبيهًا بالرجال، هكذا ذكره الجمهور، واعترض عليه صاحب ["العدة"] 77 بأن كونه من ملابس الرجال لا يقتضي التحريم، وإنما يقتضي الكراهة، ألا ترى أنه قال في "الأم": ولا أكره لبس اللؤلؤ إلا للأدب ولأنه من زى النساء لا للتحريم، فلم يحرم زى النساء على الرجال، وإنما كرهه فكذلك حكم العكس.
انتهى.
اعترض النووي على هذا فقال: الصواب أنه تشبه الرجال بالنساء وعكسه حرام للحديث الصحيح: "لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال" 78 وقد صرح الرافعي بتحريمه بعد هذا بأسطر، وأما نصه في "الأم" فليس مخالفًا لهذا لأن مراده أنه من جنس زي [الرجال] 79 انتهى كلامه.
فأما تصويب التحريم فواضح، وأما دعواه أن الرافعي صرح بتحريمه بعد هذا بأسطر، فأشار به إلى الكلام الآتي في التاج، فإن الرافعي ذكر فيه أن التشبه حرام كما ستعرفه، لكن الرافعي نقله أيضًا هناك عن الأصحاب كما نقله هنا عنهم، فالاعتراض الذي أورده عليهم [هناك وارد عليهم] 80 هنا، وإنما لم يذكره ثانيًا لقرب ذكره له، وحينئذ فلا اختلاف

الجزء: 3 - الصفحة: 635

في كلامه.

قوله: وأما التاج فقد ذكروا أنه جرت عادة النساء بلبسه كان مباحًا، وإلا فهو مما يلبسه عظماء الفرس فيحرم، وكأن هذا إشارة إلى اختلاف الحكم بحسب اختلاف النواحي، فحيث جرت عادة النساء بلبسه جاز لبسه، وحيث لم تجر لا يجوز تحرزًا عن التشبه بالرجال.
انتهى.
تابعه النووي عليه في "الروضة" وكذلك في "شرح المهذب" هنا فقال ما نصه: وأما التاج فقال صاحب "الحاوي" والأصحاب: حيث جرت عادة النساء بلبسه جاز لبسه، وإلا فحرام؛ لأنه لباس عظماء الفرس.
قال الرافعي: وكان معنى هذا أن يختلف بعادة أهل النواحي، فحيث جرت عادة النساء بلبسه جاز وإلا فلا يجوز تحرزًا عن التشبيه.
انتهى كلام النووي.
ثم خالف ذلك في الشرح المذكور أيضًا فقال في باب ما يجوز لبسه: الصواب في التاج الجواز مطلقًا من غير ترديد لعموم الحديث، ولدخوله في اسم الحلى، هذا كلامه.

قوله في "أصل الروضة": وفي الدراهم والدنانير التي تثقب وتجعل في القلادة وجهان: أصحهما: التحريم.
انتهى كلامه.
وهذا الذي قاله من التحريم غلط، بل يجوز للنساء لبس ذلك، ولا تحريم فيه بلا خلاف، بل ولا كراهة فيه أيضًا فاعلمه.
ولنوضحه فنقول وبالله التوفيق: هذه المسألة قد صرح الروياني في "البحر" هنا بها، وجزم بأنه لا يحرم لبس ذلك، وبأنه لا يكره أيضًا فقال ما نصه: فرع: الدنانير بالعري إذا طرحنها في القلادة فلبسنها لا يكره.
هذا

الجزء: 3 - الصفحة: 636

لفظه، ثم فرع على ذلك بعده بدون ورقتين فرعًا حسنًا.
حكى فيه وجهين، وهي أنها هل تلتحق بسبب ذلك بالحلي المباح المسقط للزكاة، لكونه قد أعد للزينة أو لا تلتحق به لأن صورة النقدية باقية فقال ما نصه: فرع: الدراهم والدنانير المثقوبة التي يجعلها في القلادة هل هي من جملة الحلي المباح الذي لا زكاة فيه في أحد القولين اختلف أصحابنا فيه، منهم من قال: هي من جملته، ومنهم من قال: لا تكون من جملته لأنها لم تخرج بالصنعة عن النقدية وهذا أشبه انتهى كلام الروياني وهو واضح حسن.
ثم إن الرافعي نقل عنه هذه المسألة نقلًا يوهم التحريم من جهة العبارة، ومن جهة السياق فقال: فيما يحل للمرأة وما يحرم ما نصه: وفي الدراهم والدنانير التي تثقب وتجعل في القلادة وجهان حكاهما القاضي الروياني: أظهرهما: المنع لأنها لم تخرج بالصوغ عن النقدية.
هذا لفظه.
فأراد بالمنع منع التحاقها بالحلي المباح المسقط للزكاة ويدل عليه التعليل المذكور لأن هيئة النقدية مناسبة لإيجاب الزكاة لا للتحريم، فتوهم النووي أن المراد بالمنع منع اللبس، فصرح به فقال: أصحهما: التحريم، وهو غلط صريح، ولعمري إنه لمعذور، فإن الواقف على كلام الرافعي ممن لا اطلاع له على أصوله لا يفهم منه غير ذلك، غير أنه كيف استقام له هذا الحكم مع التعليل المذكور، وقد تنبه في "شرح المهذب" إلى الصواب في هذه المسألة فقال في باب ما يجوز لبسه: صحح الرافعي أن ذلك لا يجوز، وليس الأمر كما قال، بل الأصح جوازه.
هذا كلامه.
فأما ما قاله من الجواز فهو الصواب غير أنه ليس كما زعمه من ثبوت الخلاف.

الجزء: 3 - الصفحة: 637

وأما إعزاءه التحريم إلى الرافعي فغلط حصل من فهمه، وقد عزاه إليه أيضًا في هذا الباب من "شرح المهذب" أيضًا، ولم ينقله عن غيره لأنه لم يظفر لأحد بذلك، غير أنه سكت عليه، ولم يستدركه في هذا الباب كما استدركه قبل ذلك [لعدم] 81 إمعانه في المسألة.
والحاصل أنه علم الصواب في المسألة من حيث الجملة، وهو يدل على علو قدره، وإن كان لم يدر من الذي وقع في الخطأ، ولا سبب وقوعه.

قوله: وكل حلى أبيح للنساء فذلك إذا لم يكن فيه سرف، فإن كان فوجهان، الذي ذكره معظم العراقيين هو المنع.
. . . إلى آخره.
فيه أمران: أحدهما: أن الصحيح منهما هو التحريم، كذا صححه في "المحرر"، والنووي في "أصل الروضة" وغيرها من كتبه.
الثاني: أن الرافعي في "المحرر" قيد التحريم بالمبالغة في السرف، ولم يكتف بالسرف، وتبعه عليه النووي في "المنهاج".

قوله: ولو اتخذ الرجل خواتم كثيرة أو المرأة خلاخل كثيرة لتلبس الواحد منها بعد الواحد جاز وقيل: فيه وجهان.
انتهى.
وتعبيره يشعر بأنه لا يجوز لبس الجميع جملة.
قال المحب الطبري في "شرح التنبيه": والمتجه أنه لا يجوز للرجل لبس الخاتمين سواء كانا في يدين أم في يد واحدة، لأن الرخصة لم ترد بذلك، قال: ولم أقف [فيه] 82 على نقل.
قلت: وقد صرح الدارمي في "الاستذكار" بما توقف فيه، وزاد فقال: يكره للرجل لبس فوق خاتمين فضة.

الجزء: 3 - الصفحة: 638

وصرح به أيضًا الخوارزمي في باب الآنية من "الكافي"، فقال: يجوز له أن يلبس زوجًا في يد وفردًا في الأخرى، فإن لبس في هذه زوج، وفي الأخرى زوج فقال الصيدلاني في "الفتاوى": لا يجوز.
فعلى قياسه لو تختم في غير الخنصر ففي جوازه وجهان.
انتهى ملخصًا.
وفي "صحيح مسلم" 83 عن علىّ كرم الله وجهه قال: نهاني النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن أجعل خاتمن في هذه أو التي تليها، ثم أشار إلى الوسطى والتي تليها.
وفي رواية أبي داوود 84 بإسناد صحيح: "في هذه أو هذه السبابة والوسطى".
قال: شك فيه الراوي.
ولا إشكال في أن المرأة يجوز لها أن تتختم في غير الخنصر، وقد صرح به الرافعي في الوديعة.

قوله: وفي تحلية الكعبة والمساجد بالذهب والفضة وتعليق قناديلها فيها وجهان مرويان في "الحاوي" وغيره: أحدهما: الجواز تعظيمًا كما في المصحف، وكما يجوز ستر الكعبة بالديباج.
وأظهرهما: المنع إذ لم ينقل ذلك عن فعل السلف، وحكم الزكاة ينبني على الوجهين.
نعم لو جعل المتخذ وقفًا فلا زكاة فيه بحال.
هذا لفظه بحروفه.
وهو كلام عجيب باطل متهافت يدفع بعضه بعضًا، فإنه صحح

الجزء: 3 - الصفحة: 639

[التحريم] 85 في أول الكلام، ثم جزم في آخره بصحة الوقف تفريعًا عليه أيضًا أي على التحريم، وقد اتفقوا على أن الوقف على الأشياء المحرمة لا يصح، بل اختلفوا في اشتراط القربة.
وقد ذكر النووي في هذه المسألة في "الروضة" كما ذكرها الرافعي، وكذلك في "شرح المهذب"، وزاد فيه أن هذا الوقف صحيح سواء فعله ثم وقفه، أو وقف وقفًا ليتخذ منه.
ثم بعد تقريره استشكل صحته بنحو ما قلناه.
وأعظم من ذلك إشكالًا على النووي أنه صحح في كتاب الوقف من "زيادات الروضة" أن الوقف على تزويق المسجد ونقشه لا يصح وعلله بكونه منهيًا عنه.
فانظر كيف أبطل الوقف عليه مع كراهته، وعلله بالنهي، وجزم بصحة الوقف في مسألتنا مع القول بالتحريم وبالجملة فالصواب بطلان الوقف في المسألة المذكورة في هذا الباب للمعنى الذي قلناه أولًا.

الجزء: 3 - الصفحة: 640

قال -رحمه الله-: النوع الرابع:

زكاة التجارة

قوله: واعتمد الشافعي فيه ما روى عمرو بن حماس أن أباه حماسًا قال: مررت على عمر بن الخطاب وعلى عنقي أدمة أحملها فقال: ألا تؤدي زكاتك يا حماس فقلت: ما لي غير هذا وأهب في القرص.
قال: ذلك مال فضعها.
فوضعها بين يديه فحسبتها فوجدت قد وجب فيها الزكاة فأخذ منها الزكاة.
انتهى.
حماس بكسر الحاء المهملة، وتخفيف الميم، وفي آخره سين مهملة أيضًا، وقد ضبطه بذلك في "شرح المهذب".
وأما الأدمة فاعلم أن الأديم يجمع على أدم بفتح الهمزة والدال، [وعلى أدمة بألف بعد الهمزة كرغيف وأرغفة.
وأما الأديم بفتح الهمزة والدال] 86 وبالياء فهو باطن الجلد الذي يلي اللحم والبشرة ظاهرها.
كذا قاله الجوهري.
وحينئذ فيتعين على ما نقله أن تكون اللفظة المذكورة في هذا الحديث إنما هي جمع الأديم، [فإن] 87 المفتوحة لا تظهر صحتها هنا.
وأما الإهاب: فهو الجلد قبل الدباغ، وجمعه أهب بفتح الهمزة وفتح الهاء على غير قياس كأديم وأدم وعمود وعمد، وقد قالوا أيضًا: أهب بالضم.
قاله الجوهري.
ومقتضى كلامه أن الأول هو المعروف.

قوله: ولو باعها في أثناء الحول بالنقد وهو ناقص عن النصاب ثم اشترى به سلعة فتم الحول وهي تبلغ نصابًا ففيه وجهان لتحقق النقصان

الجزء: 3 - الصفحة: 641

حسًا.
قال الإمام: ورأيت المتأخرين يميلون إلى انقطاع الحول.
انتهى.
لم يذكر ترجيحًا في "الشرح [الصغير] 88 " البتة، وذكر في "المحرر" و"الروضة" كما ذكر في "الكبير" إلا أنه لم ينقله في "المحرر" عن الإمام، وقد أطلق في "المنهاج" تصحيح الانقطاع، واختاره في "الحاوي الصغير".

قوله: وينبني حول التجارة على حول التقديم قال بعد ذلك: وهذا فيما إذا كان قد اشترى بعين النصاب.
أما إذا اشترى بنصاب من أحد النقدين، وله مائتا درهم أو عشرون دينارًا افتقدها في ثمنه ينقطع حول النقد، ويبتدئ حول التجارة من يوم الشراء.
هذا لفظ صاحب "التهذيب" وعلله بأن هذه الدراهم والدنانير لم تتعين للصرف فيه.
انتهى كلامه.
والذي نقله عن "التهذيب" قد وافقه عليه صاحب "التتمة"، وسبقهما إليه شيخهما القاضي حسين، وجزم به في "الروضة" من غير إعزائه إلى أحد، وصرح في "شرح المهذب" أنه لا خلاف فيه.
وإنما ذكرت ذلك لأن في اشتراطه نظر ظاهر، ولهذا لم يعتبره صاحب "الحاوي الصغير"، فإنه لم يشترطه.

قوله: ربح مال التجارة إذا حصل من غير نضوض المال يضم إلى الأصل في الحول كالنتاج.
قال الإمام: حكى الأئمة القطع به لكن من يعتبر النصاب في جميع الحول قد يمنع ذلك.
ومقتضاه أن يقول: إن ظهور الربح في أثنائه كنضوضه، وفيه خلاف يأتى.

الجزء: 3 - الصفحة: 642

قال الإمام: وهذا لابد منه، وهو يقتضي إعلام الكتاب بالواو.
انتهى.
وهذا البحث الذي ذكره الإمام، وارتضاه الرافعي والنووي ضعيف، فإنه موجود بعينه في النتاج.

قوله: فأما إذا باع ونض بعد تمام الحول فقد قال الشيخ أبو علي: إن ظهرت الزيادة قبل تمام الحول فلا خلاف في أنه يزكي [إن قلنا] 89 بحول الأصل.
وإن ظهرت بعد تمامه فوجهان: أحدهما: هكذا.
وأظهرهما: أنه يستأنف للربح حولًا.
انتهى كلامه.
والذي صححه الشيخ أبو علي هو الصحيح، كذا صححه النووي في "أصل الروضة" و"شرح المهذب".

قوله: ثم نوضح الفصل بفرعين [آخرهما] 90 من مولدات ابن الحداد وهو ما لو ملك الرجل عشرين دينارًا فاشترى بها عرضًا للتجارة، ثم باعه بعد ستة أشهر من ابتداء الحول بأربعين دينارًا واشترى بها سلعة أخرى، ثم باعها بعد تمام الحول بمائة كيف يزكي؟ أما إذا قلنا: إن الربح من الناض لا يفرد بحول فعليه زكاة جميع المائة؛ وأما إذا قلنا: يفرد فعليه زكاة خمسين دينارًا لأنه [لو] 91 اشترى السلعة الثانية بأربعين، عشرون منها.
. . . إلى آخر كلامه.
ثم قال في آخر هذا التفريع ما نصه: هذا جواب ابن الحداد تفريعًا على أن الربح لا يفرد بحول، وحكى الشيخ أبو علىّ فيه وجهين ضعيفين، والذي قاله من كونه تفريعًا على أن الربح لا يفرد غلط.

الجزء: 3 - الصفحة: 643

وإنما هو تفريع على إفراده كما صرح به هو في أول هذا الكلام الذي نقلته عنه، وقد وقع هذا الغلط أيضًا في "الروضة" و"شرح المهذب" وكأنه نقل المسألة من كلام الرافعي بلفظه.
ووقفت على بعض نسخ الرافعي فرأيته قد أزيلت منه لفظة "لا".

قوله: ونتاج الحيوان وثمار الأشجار مال تجارة في الأصح ثم قال.
وفي حولها وجهان: أحدهما: أنهما على القولين في ربح الناض لأنها زيادة مستقرة.
وأصحهما: أن حولهما حول الأصل كالزيادات المتصلة، وكالنتاج في الزكوات العينية.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن مراده بقوله: ربح الناض هو الربح إذا نض، وقد ذكره الإمام كذلك، والتعبير المذكور لا يعطي هذا المعنى وهو عجمة فإنهم ينكرون المعرف كثيرًا.
وقد عبر في "الروضة" بتعبير الرافعي، ولا شك أنه ذهل عنه أو توهم أن له معنى صحيحًا.
الثاني: أن حكم الصوف والوبر والورق والأغصان ونحوها كحكم هذين بلا شك، وتعليله بالاتصال يشعر به.
وقد وقع في كلام الرافعي هنا صيغة عتيد، ومعناها حاضر قال تعالى: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾.

قوله: وإن كان رأس المال دون النصاب فوجهان: أصحهما: أنه يقوم برأس المال.
ثم قال: وموضع الوجهين فيما إذا لم يملك من جنس النقد الذي ملك

الجزء: 3 - الصفحة: 644

به ما يتم به، فإن ملك كما إذا اشترى بمائة درهم عرضًا للتجارة وهو يملك مائة أخرى فلا خلاف في أن التقويم بجنس ما ملك به لأنه اشترى ببعض ما انعقد عليه الحول، وابتداء الحول من يوم ملك الدرهم.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على [دعوى] 92 عدم الخلاف وليس كذلك، فقد حكى القاضي حسين في "تعليقه" أن القفال تردد كلامه [فيه] 93 فقال مرة: إن ذلك ينبني على الخلاف السابق، فإن قلنا: ثم يقوم برأس المال فهاهنا أولى، وإلا فوجهان.
وقال في المرة الثانية بالمذكور هنا، أعني ما في الرافعي، وقد نقل في "الكفاية" أيضًا هذا التردد عنه.
واعلم أن الرافعي حكى عن صاحب "التقريب" قولًا أن التقويم أبدًا يكون بغالب نقد البلد سواء كان رأس المال نقدًا أم لا؛ وهذا القول لابد من جريانه هنا.

قوله: فإن اشتراه بعرض قوم بالنقد الغالب فإن غلب نقدان فتساويا في الرواج نظر إن بلغ بأحدهما نصابًا قوم به، وإن بلغ بهما ففيه أربعة أوجه.
أحدها -وهو الأصح عند الروياني والعراقيين: أن المالك يتخير ويعتضد بتخير معطي الجبران.
والثاني: يراعي الأغبط.
وإيراد الإمام وصاحب "التهذيب" يقتضي ترجيحه ويعتضد بوجوب الأغبط عند اجتماع الحقاق وبنات اللبون.
والثالث: بتعيين الدراهم لأنها أرفق.
والرابع: يعتبر بالنقد الغالب في أقرب البلاد كما لو لم يكن فيه نقد.

الجزء: 3 - الصفحة: 645

انتهى ملخصًا.
فيه [أمران] 94: [أحدهما] 95: أن كلامه يشعر بأن الأكثرين على الأول، ورجح في "المحرر" الثاني فقال: الأولى اعتبار الأغبط.
وقال في "الشرح الصغير": الأرجح أحدهما يعني الأول أو الثاني، ولم يزد على ذلك.
وصرح النووي في "الروضة" بتصحيح ما أشعر به كلام الشرح فقال: الأصح التخيير.
وصرح في "المنهاج" بما يقتضيه كلام "المحرر" فوقع في صريح التناقض، وكلامه في "شرح المهذب" يشعر برجحان التخيير كما في "الروضة"، وإذا استحضرت كلام أصل هذه الكتب ومبسوطها وهو "الشرح الكبير" علمت أن الأكثرين على التخيير فلتكن الفتوى عليه.
الثاني: أن ما ذكره الرافعي في تعليل الوجه الرابع مسألة مهمة، وقد أسقطها النووي من "الروضة" ظنًا منه أنه مجرد تعليل.

قوله: وإذا أوجبنا زكاة التجارة في الماشية المشتراة للتجارة لنقصانها عن النصاب فبلغت في أثناء الحول نصابًا بالنتاج، ولم تبلغ بالقيمة نصابًا في آخر الحول فوجهان: أحدهما: لا زكاة؛ لأن الحول انعقد للتجارة، ولا يتغير.
والثاني: ينتقل إلى زكاة العين.
انتهى.
والأصح عدم وجوب الزكاة.
كذا صححه النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة".

الجزء: 3 - الصفحة: 646

قوله في "أصل الروضة": وأما إذا كمل نصاب الزكاتين، وهما زكاة العين والتجارة، واختلف الحولان بأن اشترى بمتاع التجارة بعد ستة أشهر نصاب سائمة أو اشترى به معلوفة للتجارة ثم أسأمها بعد ستة أشهر فطريقان: [أصحهما] 96: أنه على القولين في تقديم زكاة العين أو التجارة.
والثاني: [أن القولين] 97 مخصوصان بما إذا اتفق الحولان بأن يشتري بعرض القنية نصاب سائمة للتجارة.
ثم قال ما نصه: فعلى هذا فيه طريقان: أصحهما -وبه قطع المعظم: أن المتقدم يمنع المتأخر قولًا واحدًا، فعليه زكاة التجارة في [الصور] 98 المذكورة.
والطريق الثاني على وجهين: أحدهما: هذا.
والثاني: أن المتقدم يرفع حكم المتأخر ويتجرد انتهى كلامه.
وهذا التعبير الذي ذكره في حكاية الطريقين غلط، فإن معناهما واحد، وكلام الرافعي على الصواب فإنه قال: أحدهما: أن المتأخر يرفع المتقدم ويتجرد قولًا واحدًا.
والثاني: أن المتقدم يمنع المتأخر.
هذا لفظه.
وهو تعبير صحيح، فعدل في "الروضة" إلى تعبير فاسد.

قوله: ولو اشترى حديقة أو نخلًا للتجارة فأثمرت، أو أرضًا مزروعة للتجارة فأدرك الزرع وبلغ الحاصل نصابًا فيجئ فيه القولان في أن المغلب

الجزء: 3 - الصفحة: 647

زكاة العين أو زكاة التجارة.
فإن غلبنا زكاة العين أخرج العشر أو نصفه من الثمار والزروع.
وهل تسقط به زكاة التجارة عن قيمة جذع النخيل وتبن الزرع؟ فيه وجهان: أظهرهما: لا.
ثم قال: وفي الإيجاب في أرض الحديقة وأرض الزرع طريقان: أحدهما: أنه على الخلاف في الجذع [والتبن] 99. والثاني: القطع بالوجوب.
والفرق بُعد الأرض عن التبعية.
قال الإمام: وينبغي أن يعتبر ذلك بدخولها في المساقاة فيما لا يدخل من الأرض المتخللة ويجب فيه الزكاة قطعًا، وما يدخل فهو على الخلاف.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أنه لم يصحح هو ولا النووي شيئًا من الطريقين، والأصح هو طريقة القطع، كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير" وعبر بالأظهر.
الأمر الثاني: أن هذا الذي نقله عن الإمام بحثًا قد جزم به الماوردي في "الحاوي" ونقله عنه النووي في "الروضة" و"شرح المهذب".

قوله في المسألة المذكورة: فإن أوجبنا زكاة التجارة في هذه الأشياء أي في الأرض والجذع والتبن فلم تبلغ قيمتها نصابًا فهل تضم إليها الثمرة والحب ليكتمل النصاب؟

الجزء: 3 - الصفحة: 648

نقلوا فيه وجهين.
انتهى.
والأصح منهما عدم الضم.
كذا صححه النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة".

قوله: وإذا دفع الرجل إلى غيره نقدًا قراضًا وحال الحول، وفيه ربح فلا يخلوا إما أن لا يكون واحد منهما من أهل وجوب الزكاة كالذمي والمكاتب أو يكونا جميعًا من أهله، أو يكون أحدهما فقط.
أما الحالة الأولى فلا يخفي حكمها.
وأما الحالة الثانية فإن قلنا: العامل يملك الربح بالظهور ففي وجوب الزكاة عليه في نصيبه طرق: أحدها ويحكي عن صاحب التقريب: أنه على القولين في المغصوب ونظائره؛ لأنه لا يتمكن من التصرف على حسب مشيئته.
والثاني: القطع بالوجوب لأنه يتمكن من التوصل إليه متى شاء بالاستقسام فأشبه الدين الحال على ملى.
والثالث: ويحكي عن القفال: القطع بالمنع لأن ملكه غير مستقر.
والظاهر الوجوب سواء ثبت الخلاف أم لا.
انتهى.
وما حكاه عن صاحب "التقريب" من تخريج نصيب العامل على المغصوب ونحوه ليس الأمر فيه كما ذكره، بل جزم بالوجوب عليه تفريعًا على هذا القول، وإنما تردد فيه أي في العامل حيث كان المالك ممن لا تلزمه الزكاة ترددًا من غير ترجيح، ثم إنه في صورة خاصة، وهي ما إذا تلف نصيب العامل فقال في باب زكاة [مال] 100 القراض: والقول الثاني: أن الربح إذا ظهر في المال كان بين العامل وبين رب المال على ما تشارطا عليه،

الجزء: 3 - الصفحة: 649

والزكاة عليهما إن كانا معًا في صفة من تجب عليه الزكاة، ثم تكلم فيما إذا كان العامل مسلمًا، ورب المال كافرًا فقال ما نصه: ليس للعامل، ولا عليه أن يؤدي زكاة حصته حتى يتفاضلا.
فإذا تفاضلا أدى العامل زكاة ما مضى، كما يؤدي زكاة المال الغائب، وليس كالعامل المسلم ثم قال: فإن قيل: فإذا لم يجعل الشافعي على العامل إذا كان مسلمًا، ورب المال نصرانيًا أن يؤدي زكاة حصته حتى يسلم له ربحه.
أفرأيتم إن تلف المال أتقولون أنه لا زكاة عليه كما يقولون في المال الغائب.
قيل: قد يجوز أن يقول ذلك لأنه كان ممنوعًا من الزكاة من أجل رب المال، وقد قاله بعض أصحابنا، وهو ظاهر قول الشافعي.
ومن أصحابنا من فرق بينه وبين المغصوب، بأن المغصوب ممنوع من ماله، والعامل المسلم قد يقدر على مفاصلة صاحبة، وهذا محتمل.
هذا كلامه.
وهو كما قد ذكرته لك [مباين] 101 لما حكاه الرافعي وإنما ذكرت عبارته مع طولها ليقف عليها من أحب، فإن الكتاب المذكور عزيز الوجود.

قوله: الحالة الثالثة: أن يكون أحدهما من أهل الوجوب، فإن كان هو العامل، وقلنا: يملك الحصة بالظهور ففي الزكاة عليه الخلاف الذي سبق في الحالة الأولى.
انتهى كلامه.
وما ذكره من الإحالة على الخلاف في الحالة الأولى سهو، والصواب أن يقول: ففي الزكاة عليه الخلاف الذي سبق في الحالة الثانية، فإن الخلاف سبق فيها لا في الأولى، كما ذكرته ملخصًا قبيل هذه المسألة فراجعه.

الجزء: 3 - الصفحة: 650

قال -رحمه الله-: النوع الخامس:

زكاة المعدن والركاز

قوله: وقد روى أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أقطع بلال بن الحارث المزني المعادن القبلية.
انتهى.
هو بالقاف والباء الموحدة المفتوحتين وكسر اللام بعدها، وهو موضع من ناحية القرع.
والقرع بضم [القاف] 102 وإسكان الراء والعين المهملة قرية ذات نخل وزرع ومياه بين مكة والمدينة على نحو أربع مراحل من المدينة، قاله النووي في "تهذيب الأسماء واللغات".

قوله في "الروضة": وفي زكاة المعدن ثلاثة أقوال: أظهرها: ربع العشر.
والثاني: الخمس.
والثالث: إن ناله بلا تعب ومؤنة فالخمس وإلا فربع العشر.
ثم قال: ثم الذي اعتمد الأكثرون [عليه] 103 على هذا القول في ضبط الفرق هو الحاجة إلى الطحن والمعالجة بالنار والاستغناء عنها، فما احتاج فربع العشر، وما استغنى عنها فالخمس انتهى كلامه.
ولم يبين الوجه [المقابل] 104 لما عليه الأكثرون، وهو غير معروف من هذا الكلام أيضًا.
وقد نبه الرافعي فقال: وحكى الإمام مع هذه طريقة أخرى وهي عد الاحتفار من جملة العمل المعتبر، والنظر إلى نسبة النيل إلى العمل أي

الجزء: 3 - الصفحة: 651

عمل كان من الحفر والطحن وغيرهما.
وإن لم يعد كثيرًا بالإضافة إلى العمل ومقتصدًا ففيه ربع العشر وإن عد كثيرًا ففيه الخمس.
وأوضحها بالتصوير فقال: لو استفاد إلى قريب من آخر النهار دينارًا وبعمل قليل في بقية النهار دينارًا ففي الأول ربع العشر، وفي الثاني الخمس.

قوله: فإن أوجبنا ربع العشر فلابد من النصاب وفي الحول قولان: أصحهما: لا يشترط.
والثاني: نعم.
وهذا القول ينقل عن "مختصر البويطي" إيماءً ورواه المزني في "المختصر" عن من يثق به عن الشافعي واختاره، وذكر بعض الشارحين أن أخته روت له ذلك فلم يحب تسميتها.
انتهى.
وهذا الذي نقله عن هذا الشارح ولم يسمه لعدم شهرته قد صرح به القاضي الحسين في "تعليقته"، والروياني في "البحر".

قوله في [المسألة] 105 في آخر الكلام على رقم ألفاظ "الوجيز": إن ابن عبدان حكى طريقة أخرى قاطعة بعدم الاعتبار، ولم يثبت ما رواه المزني لإرساله.
وحاصله أن في اشتراطه طريقين: أصحهما: طريقة القولين، وقد صرح بتصحيحها أيضًا في "الشرح الصغير"، وصحح النووي في أصل "الروضة" طريقة القطع على عكس ما قاله الرافعي فقال: والمذهب المنصوص عليه في معظم كتب الشافعي أنه لا يشترط الحول.
وقيل: في اشتراطه قولان.

قوله: وإذا شرطنا النصاب فلا فرق بين أن يناله في دفعة أو دفعات.

الجزء: 3 - الصفحة: 652

قال في "التهذيب": ولا يشترط بقاء المستخرج في ملكه.
انتهى.
وهذا المنقول عن "التهذيب" ذكر مثله الماوردي وغيره.

قوله: نعم لو تواصل العمل وانقطع النيل فطال زمن الانقطاع فقولان: الجديد: الضم أيضًا.
وإن قطع العمل بغير عذر فلا ضم، وإن كان بعذر ضم.
وقيل: لا إن طال الزمان.
ثم قال ما نصه: ومتى حكمنا بعدم الضم فمعناه أن الأول لا يضم إلى الثاني، فأما الثاني فيكمل بالأول قطعًا كما يكمل بما يملكه من غير المعدن.
انتهى.
[واللفظ] 106 "للروضة" وما ادعاه من عدم الخلاف في آخر كلامه ليس كذلك، [ففي] 107 "الكفاية" عن "البحر" وجه أن الثاني لا يكمل بالأول كما في العكس، وسيأتي في كلام الرافعي نحو ذلك في أمثلة وصور.

الجزء: 3 - الصفحة: 653

الفصل الثاني في [الركاز] 108

قوله في "الروضة": ويصرف أي الركاز مصرف الزكوات على المذهب، وحكى قول، وقيل: وجه أنه يصرف مصرف خمس الخمس.
اعلم أنه إنما عبر بالمذهب لأمرين: أحدهما: للاختلاف في مقابلة الصحيح، هل هو قول أو وجه؟ وهذا هو المذكور في الشرحين.
والثاني: لأجل إثبات الخلاف ونفيه، فإن في المسألة طريقين حكاهما في "شرح المهذب": إحداهما -ونقلها عن الجمهور: القطع بالأول.
والثانية: أن فيها قولين، وبها جزم في "المنهاج" إلا أنه جعل مقابله ضعيفًا، فإنه عبر بالمشهور.

قوله فيها أيضًا: والمذهب اشتراط النصاب [وكون] 109 الموجود ذهبًا أو فضة.
وقيل: في اشتراط ذلك قولان: الجديد: الاشتراط.
انتهى.
وهذا الذي ذكره من تصحيح طريقة القطع سهو علي العكس مما قاله الرافعي، فإن المذكور فيه إنما هو تصحيح طريقة القولين فقال: واختلف الأصحاب علي طريقين: أظهرهما: أن المسألتين على قولين، ثم قال: والطريق الثاني: القطع بالاشتراط.
هذا كلامه وذكر مثله أيضًا في

الجزء: 3 - الصفحة: 654

"الشرح الصغير"، وقد سرى هذا الغلط من "الروضة" إلى "شرح المهذب".

قوله: لو كان الموجود على ضرب الإسلام ولم يعلم مالكه كان لقطة.
وقال الشيخ أبو علي: يكون مالًا ضائعًا يحفظ دائمًا.
قال الإمام: لو انكشفت الأرض عن كنز بسيل فاللائق بقياس قول الشيخ أن لا يثبت فيه حق التملك اعتبارًا بأصل الوضع.
انتهى.
وحاصله أن قياس قول الشيخ أبي علي أنه يحفظ دائمًا لأن المالك وضعه، وهو يشعر بأن قياس الجمهور أنه لقطة، وقد صرح الماوردي في "الحاوي" بأنه ركاز، وفرع عليه فقال: ولو شك في أنه أظهره السيل أو كان ظاهرًا فهل يكون لقطة أو ركازًا؟ فيه وجهان كالوجهين فيما إذا وقع شك في المدفون، هل هو من دفين الإسلام أو الجاهلية؟

قوله: في الحديث إن وجدته في قرية [مسكونة] 110 أو طريق ميتاء فعرفه.
. . . إلى آخره.
قال النووي في "تهذيب الأسماء واللغات": طريق ميتاء بكسر الميم وبعدها همزة وبالمد، وتسهل فتقال: ميتاء بتاء ساكنة كما في نظائره.
قال صاحب "المطالع": معناه كثير السلوك عليه مفعال من الإتيان.

قوله: وإن وجد في شارع ففي ["الوجيز"] 111 أنه ركاز ولم يجزم به الإمام هكذا، وإنما أشار إلى خلاف فيه، والذي ذكره القفال والعراقيون أنه لقطة.
انتهى.
وحاصله إنكار التصريح بكونه ركازًا فضلًا عن الجزم به، وليس كذلك، فقد جزم الماوردي في "الحاوي" أيضًا بما جزم به الغزالي.

الجزء: 3 - الصفحة: 655

قوله: وما يوجد في المسجد ذكر في "التهذيب" أنه لقطة، وقياس المذكور في "الوجيز" أن يكون أيضًا ركازًا.
انتهى.
وحاصله أن المنقول إنما هو جعله لقطة، وليس فيه إلا بحث الرافعي في مجئ وجه، ولهذا جزم في "الشرح الصغير" بمقالة البغوي، ولم يذكر أيضًا [فيه] 112 النووي في "شرح المهذب" إلا البحث المذكور.
وإذا علمت ذلك فقد اختصره في "الروضة" بقوله.
والموجود في المسجد لقطة على المذهب، ويجئ فيه الوجه الذي في الطريق أنه ركاز.
هذا لفظه.
فصرح بإثبات الخلاف، وزاد فجعله طريقين.

قوله: وإذا وجده في موضع مملوك لغيره لم يملكه الواحد بل إن ادعاه مالكه فهو له بلا يمين كالأمتعة في الدار، وإلا فهو لم تلقى صاحب الأرض الملك منه، وهكذا إلى أن ينتهي إلى الذي أحيى الأرض فيكون له.
انتهى.
وتقييد ملك المالك بحالة الدعوى ذكره أيضًا الرافعي في "الشرح الصغير" و"المحرر" والنووي في "الروضة" و"المنهاج" و"شرح المهذب"، ولم يشترط ابن الرفعة ذلك، بل شرط أن لا ينفيه وهو الصواب كسائر ما في يده.
وحينئذ فيكون تعبيره بقوله بعده: وإلا منعناه، وإن لم يدعه بل نفاه، وإن كان ظاهر اللفظ عوده إلى الدعوى خاصة.

قوله: ورأي الإمام تخريج ملك الركاز بالإحياء على ما لو دخلت ظبية دارًا فأغلق عليها المالك الباب لا على قصد ضبطها، وفيه وجهان: أصحهما: أنه لا يملكها، لكن يصير بها أولى.
ثم فرع عليه فقال: إذا قلنا: إنه لا يملك الكنز فلا يبعد أن يقال: إذا زال

الجزء: 3 - الصفحة: 656

ملكه عن رقبة الأرض بطل اختصاصه.
انتهى ملخصًا.
وما نقله في آخر كلامه بحثًا عن الإمام، وتابعه عليه في "الروضة" فيه وجهان صرح بنقلهما صاحب "الذخائر" فقال: إذا قلنا: لا يملك الركاز بالإحياء فباع الأرض فهل ينتقل هذا الحق إلى المشتري؟ اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: . . . . إلى آخر ما ذكر.

قوله في "الروضة": وإن وجد الكنز في بلاد الكفار في موضع مملوك لهم فينظر إن أخذ بقهر وقتال فهو غنيمة كأخذ متاعهم من بيوتهم وإلا [فئ هكذا] 113 قاله الإمام، ثم قال: وفي كونه فيئًا إشكال لأن من دخل بغير أمان وأخذ مالهم بلا قتال فإما أن يأخذه خفية فيكون سارقًا، وإما جهارًا فيكون مختلسًا، وهما خاص ملك السارق والمختلس ولهذا أطلق كثيرون أن الركاز المأخوذ غنيمة.
انتهى كلامه.
وما ذكره من كون المأخوذ على جهة الاختلاس والسرقة يختص به من أخذ خلاف الصحيح.
فإن الأكثرين على أنه غنيمة مخمسة، كذا ذكره في الباب الثاني من كتاب السير في الطرف الرابع منه، وسوف أذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.
والمذكور هنا غير مطابق لكلام الرافعي، فإن الرافعي لما ذكر هذا الإشكال أسند حكمه إلى الغزالي فقط فحذفه النووي حالة الاختصار، وأبقاه في صورة المجزوم به ظنًا منه أن الحكم كما قاله الغزالي فلزم منه [المعارضة] 114. نعم ما قاله الإمام هنا من كونه فيئًا مردود بما قاله في "السير" فإنه حكى وجهين:

الجزء: 3 - الصفحة: 657

أحدهما: أنه مختص.
قال: وهو المذهب المشهور.
والثاني: أنه غنيمة مخمسة ثم ضعفه، كذا حكاه عنه الرافعي، ولم يذكر الفئ بالكلية.

قوله: حكم الذمي في الركاز حكمه في المعدن، فإن وجده ملكه.
قال الإمام: وفي الركاز احتمال عندي؛ لأنه كالحاصل في قبضة المسلمن.
. . . إلى آخر ما قاله.
وكلامه يشعر بأن المعادن ليس فيها نزاع أصلًا وبأنه ليس في الركاز إلا هذا الاحتمال، وليس كذلك، ففى المعادن والركاز وجه أن الذمي لا يملكها، حكاه الماوردي في "الحاوي" والروياني في "البحر" كلاهما في باب الركاز لا في باب المعدن فاعلمه.
[قوله] 115 في "الروضة"، ويملك الركاز بإحياء الأرض ورأى الإمام تخريجه على وجهين ثم قال: التفريع إن قلنا: المحيى لا يملكه بالإحياء، فإذا دخل في ملكه أخرج الخمس، وإلا فإذا احتوت يده على الكنز.
. . . إلى آخره.
واعلم أن معنى قوله: (وإلا) أي وإن قلنا: [يملكه] 116 بالإحياء فاعلمه.

قوله: ولو فرض النزاع بين المكري والمكتري أو بين المعير والمستعير بعد رجوع الدار إلى يد المالك، فإن قال: المعير أو المكري: أنا دفنته بعدما رجعت الدار إلى يدك فالقول قوله، وإن قال دفنته قبل خروج الدار عن يدي ففيه وجهان للشيخ أبي محمد: أظهرهما عند الإمام: أن القول قول المكتري والمستعير؛ لأن المالك قد

الجزء: 3 - الصفحة: 658

سلم له اليد، وحصول الكنز في يده ويده تنسخ اليد السالفة.
انتهى.
والصحيح ما رجحه الإمام فقد قال الرافعي في "الشرح الصغير": إنه أظهر الوجهين، والنووي في "شرح المهذب" وأصل "الروضة": إنه الأصح.
يتلوه في الرابع باب زكاة الفطر.

الجزء: 3 - الصفحة: 659

المُهِمَّات فِي شَرْحِ الرَّوْضَةِ والرَّافِعِيِّ

تَصْنيف الشَّيْخ الإِمَام العَلامَة جمال الدّين عبد الرَّحِيم الأسنوي رَحِمَه الله الْمُتَوفَّى 772 هـ

اعتَنى بِهِ أَبُو الْفضل الدّمياطِي أَحَمَدْ بنْ عَلي عَفَا الله عَنْهُ

الْجُزْء الرَّابع

مَرْكَز التراث الثقافي المغربي - دَار ابْن حزم

الجزء: 4 - الصفحة: 1

بسم الله الرحمن الرّحيم

الجزء: 4 - الصفحة: 2

المُهِمَّات فِي شَرْحِ الرَّوْضَةِ والرَّافِعِيِّ (4)

الجزء: 4 - الصفحة: 3

جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة الطبعة الأولى 1430 هـ - 2009 م

ISBN: 978 - 9953 - 81 - 740 - 8

الْكتب والدراسات الَّتِي تصدرها الدَّار تعبر عَن آراء واجتهادات أَصْحَابهَا

مَرْكَز التراث الثقافي المغربي الدَّار الْبَيْضَاء - 52 شَارِع الْقُسْطَلَانِيّ - الأحباس هَاتِف: 442931 - 022 _ فاكس: 442935 - 022 المملكة المغربية

دَار ابْن حزم للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان - ص. ب: 6366/ 14 هَاتِف وفاكس: 701974 - 300227 (009611) بريد إلكتروني: ibnhazim@cyberia.net.lb

الجزء: 4 - الصفحة: 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

رب يسر

قال -رحمه الله-: النوع السادس:

زكاة الفطر

. قوله: وفي وقت وجوبها ثلاثة أقوال: أصحها -وهو الجديد-: أن وقته وقت غروب الشمس ليلة العيد.
واحتجوا له بأنها مضافة إلى الفطر، وقد روي أن ابن عمر قال: "فرض رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين" 117. وعن ابن عباس: "أنه -عليه الصلاة والسلام- فرض زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين" 118. والثاني -وهو القديم-: أن وقته طلوع الفجر يوم العيد؛ لأنها قربة متعلقة بالعيد؛ فلا يتقدم وقتها على العيد كالأضحية.
والثالث: أنها تجب بمجموع الوقتين.
قال الصيدلاني: خرجه صاحب "التلخيص" واستنكره الأصحاب.
انتهى.
فيه أمور: أحدها: أنا هل نعتبر على الجديد إدراك الجزء الأخير من رمضان مع

الجزء: 4 - الصفحة: 5

أول جزء من ليلة العيد، أو إدراك الجزء الأخير من رمضان فقط، أو الجزء الأول من ليلة العيد فقط؟ عبارة الرافعي -رحمه الله- محتملة للثلاث ويظهر أثرها فيما إذا قال لعبده: أنت حر مع أول جزء من ليلة العيد، أو مع آخر جزء من رمضان، أو قاله لزوجته، وتفريعه لا يخفى.
إذا علمت ذلك فاعلم أن تعليل الرافعي يشير إلى اعتبار الاحتمال الثالث.
وقد صرح به الإمام في "النهاية" فقال: المنصوص عليه في الجديد أن الفطرة تجب مع أول جزء من الليلة الأولى من شوال.
انتهى.
وذكر في "الوسيط" نحوه فقال: الجديد أنها تجب بأول جزء من ليلة العيد؛ وهو وقت [الغروب] 119 آخر يوم من رمضان، فإنه منسوب إلى الفطر.
وذكر أيضًا في "البسيط" نحوه.
ولكن المعروف إنما هو الاحتمال الأول وهو إدراك الوقتين كذا جزم به أبو علي الطبري في "الإفصاح"، والماوردي والقاضي أبو الطيب وابن الرفعة في "الكفاية" [ونقلوه] 120 عن نص الشافعي، وجزم به أيضًا صاحب "التنبيه" حيث قال: وتجب صدقة الفطر إذا أدرك آخر جزء من رمضان وغربت الشمس في أصح القولين.
قال النووي في "نكت التنبيه": هذان شرطان للوجوب؛ وهو أن يدرك جزءًا من شهر رمضان وجزءًا من أول شوال.
انتهى.
وذكر في "التتمة" مثله فقال: المذهب الصحيح أنه يتعلق بغروب الشمس آخر يوم من رمضان؛ فمن أدرك جزءًا من الزمان قبل الغروب

الجزء: 4 - الصفحة: 6

وجزءًا بعد الغروب لزمته الفطرة.
هذا لفظه.
وقال ابن عبدان في "شرائط الأحكام": شرط وجوب زكاة الفطر أن يكون قد أدرك جزءًا من آخر شهر رمضان على القول الجديد، وما ذكره الرافعي من التعليل المشير إلى مراده لم يذكره في "الروضة" ووقع في التعبير عن القديم من الاختلاف قريب مما وقع في الجديد.
الأمر الثاني: أن ما ذكره الرافعي في تعليل القديم من التعبير بالعيد أراد به يومه، إلا أن الأولى له أن يقلب هذا القياس فيقول: فوجب أن لا يتعلق بالفجر كالأضحية.
الأمر الثالث: أن ما ذكره من أن هذا القول قد خرجه صاحب "التلخيص" ذكره النووي أيضًا في "الروضة" ولم يعزه إلى أحد، ونقله في "شرح المهذب" عن نقل أصحابنا وليس كذلك؛ فإن ابن القاص في "التلخيص" لم يذكر أنه مخرج، بل حكاه حكاية الأقوال المنصوصة فقال بعد ذكره للقول الجديد ما نصه: وفيه قول آخر: أنها لا تجب على من مات من ليلته إلا أن يدرك غروب الشمس ليلة الفطر وطلوع الفجر من يوم الفطر.
هذا لفظه ومن "التلخيص" نقلت ذكر ذلك في الباب المعقود لأوقات وجوب الزكوات، لا في باب زكاة الفطر.
ونقل أبو علي الطبري في "الإفصاح" عن أصحابنا أنهم اختلفوا في المراد من نصه في القديم؛ فمنهم من قال: [معناه أنه يعتبر غروب الشمس وطلوع الفجر، ومنهم من قال] 121: العتبر الفجر فقط، وحديث ابن عمر رواه الشيخان بهذا اللفظ، وحديث ابن عباس رواه أبو داود وابن ماجة والحاكم وقال: إنه صحيح على شرط البخاري.

قوله في "الروضة": ولو زال الملك في العبد بعد الغروب وعاد قبل

الجزء: 4 - الصفحة: 7

الفجر وجبت على الجديد والقديم.
وأما على المخرج فوجهان كالوجهين في أن الواهب هل يرجع فيما زال ملك [المتهب عنه] 122 عنه ثم عاد إليه؟ . انتهى كلامه.
والصحيح في الرافعي و"الروضة" أنه لا يرجع في مسألة الهبة، وهو ترجيح لكون الزائل العائد في هذه المسألة كالذي لم يعد.
وقياس مسألتنا منه أن يكون الصحيح عدم وجوب الفطرة، لكنه في "شرح المهذب" لما حكى الوجهين صرح بأن الأصح هو الوجوب، والرافعي نقل الوجهين والتشبيه بالواهب عن الإمام.

قوله: والأصل فيه قوله -عليه الصلاة والسلام-: "أدوا صدقة الفطر عن من تمونون" 123. والجهات التي يصير بها الشخص في نفقة الغير ثلاث: النكاح، والملك، والقرابة، وكلها تقتضي لزوم الفطرة في الجملة.
انتهى.
والحصر في الثلاث يرد عليه الاحتياج؛ فإنه يوجب الإنفاق على بيت المال وعلى من وجد من الموسرين إن تعذر، ولا فطرة في هذه الحالة.
والحديث المذكور رواه البيهقي وقال: إسناده ليس بالقوي.

قوله: وحيث أوجبنا نفقة زوجة الأب على الابن ففي وجوب فطرتها وجهان.
. . . إلى آخر ما قال.
لم يصرح بتصحيح هنا ولا في "الشرح الصغير"، والأصح: عدم الوجوب كذا صححه هو في "المحرر"، وقال في "المنهاج" و"زيادات

الجزء: 4 - الصفحة: 8

الروضة": إنه الأصح، وفي "شرح المهذب": إنه المختار.
واعلم أن الرافعي هنا قد قال: إن الصحيح وجوب إعفاف الأب على الابن؛ فعبر في الروضة عن الصحيح بالمذهب فاقتضى ذلك حكاية الرافعي لطريقتين وليس كذلك، بل الذي ذكره في موضعه عن النص: أنه يجب، وعن تخريج ابن سريج أنه لا يجب.

قوله: وإذا وجبت نفقة الابن على أبيه فملك -أعني الابن- قوت ليلة العيد ويومه؛ فإن كان كبيرًا لم تجب فطرته على الأب لسقوط نفقته، وإن كان صغيرًا فقال الصيدلاني: لا تسقط؛ لأن نفقة الكبير لا تثبت في الذمة بحال ونفقة الصغير قد تثبت بالاستقراض.
. . . إلى آخره.
واعلم أن مقتضى هذا الكلام الجزم بأن نفقة القريب لا تستقر بفرض الحاكم -أعني بالفاء-، وهذه المسألة مسألة مهمة عظيمة، والمذكور هنا هو الصواب نقلًا ودليلًا على خلاف ما اقتضاه كلام الرافعي والنووي في النفقات، وسنقف عليه هناك مبسوطًا متقنًا إن شاء الله تعالى.

قوله: الفطرة الواجبة على الغير قيل: تلاقي المؤدي عنه ثم يتحمل عنه المؤدي للحديث السابق، وقيل: تجب على المؤدي ابتداء؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة إلا صدقة الفطر عنه" 124. قال الروياني وغيره: ظاهر المذهب هو الأول، ثم قال بعد ذلك: [ثم] 125 الأكثرون طردوا الخلاف في الزوج والسيد والقريب.
قال الإمام: وذكر طوائف من المحققين أن هذا الخلاف في فطرة الزوجة، فأما فطرة القريب والمملوك فتجب على المؤدي ابتداء بلا خلاف؛ لأن المملوك لا يقدر على شيء والقريب المعسر نحوه.
انتهى.

الجزء: 4 - الصفحة: 9

فيه أمران: أحدهما: أنه ينبغي استثناء الزوجة المعسرة وإلحاقها بالقريب والمملوك في مجيء الطريقين، بخلاف ما أطلقه هو وغيره للمعنى الذي ذكره.
الثاني: أن الزوجة إذا كانت أمة كان سيدها هو المتحمل عنه على القول بالتحمل لا الأمة؛ لأن نفقتها تجب على السيد بحكم الملك والنفقة التي تجب على الزوج هو المالك لها.
والحديث رواه مسلم، وروى البخاري أيضًا أصله.

قوله: وحيث قلنا بالتحمل فهل هو كالضمان أو كالحوالة؟ حكى أبو العباس الروياني في "المسائل الجرجانيات" فيه خلافًا.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على حكاية الخلاف من غير تصحيح، والمعروف في المذهب وهو مقتضى نص الشافعي كما سيأتي: أنه كالضمان؛ فقد جزم به البندنيجي والماوردي وصاحب "البحر"، فقالوا: إن قلنا بالتحمل كان المخرج كالضامن، وإن قلنا بالملاقاة ابتداء كان كالمحال عليه، وجزم به أيضًا السرخسي في "الأمالي" كما سيأتي نقله عن "شرح المهذب".
وذكر صاحب "التقريب" نحو ما سبق فقال في الكلام على إخراج المرأة الفطرة بغير إذن الزوج وكذلك القريب ما نصه: فإن كان بغير أمرهما احتمل وجهين: أحدهما: أن ذلك جائز، وهذا على معنى من قال: إن الأب والزوج إنما يخرجان عن من يمونان بمعنى الضمان.
والثاني: لا يجوز أن يكون بإذنهما، وهذا على قول من قال: إنهما يخرجان بمضي الحوالة، هذا لفظه.

الجزء: 4 - الصفحة: 10

والصحيح المنصوص جواز الإخراج بغير الإذن، كذا قاله الرافعي بعد هذا فقال: إن قلنا الزوج متحمل أجزأ وإلا فلا، والأولى هو المنصوص عليه.
هذه عبارته؛ وحينئذ فيكون الراجح عند صاحب "التقريب": أنه ضمان، إلا أن كلامه لا ينافي كلام البندنيجي ومن تبعه؛ لجواز أن يكون الضمان لكونه متحملًا.
نعم صرح صاحب "الإفصاح" بحكاية الخلاف على القول بالتحمل على وفق ما نقله الرافعي فقال: فقد خرج أصحابنا وجهًا: يحتمل الزوج ذلك عنها على وجهين: أحدهما: أن ذلك تحمل حوالة.
والثاني: أن ذلك تحمل ضمان، هذا لفظه بحروفه.
والحاصل أنَّا إذا قلنا بالتحمل فطريقان: المشهور: القطع بأنه كالضمان، والثاني: على وجهين، وذكر في "شرح المهذب" عكس ذلك فقال: هذا الذي نقله الروياني والرافعي غريب، والصحيح الذي يقتضيه المذهب وكلام الشافعي والأصحاب: أنه كالحوالة؛ بمعنى أنه لازم للمؤدي لا يسقط عنه بعد وجوبه، ولا مطالبة على المؤدي عنه.
ووجه القول بالضمان -وبه جزم السرخسي-: أنه لو أداها المتحمل عنه بغير إذن المؤدي أجزأه على هذا القول، ولولا أنه كالمضمون عنه لما أجزأه.
انتهى كلامه.
وقد ظهر لك بما ذكرناه أنه مردود، وأن استغرابه للخلاف غريب عجيب فإنه ثابت قديما، وأن الذي استغربه هو المشهور، وأنه لم يظفر بأحد يقول بما صححه -وهو الحوالة- إذ لو ظفر به لذكره بلا شك.

الجزء: 4 - الصفحة: 11

وقد استفدنا من كلام السرخسي أن فائدة الخلاف في جواز الإخراج بغير الإذن.

قوله: وأما خادم الزوجة فإن كانت مستأجرة لم تجب فطرتها، وإن كانت من إماء الزوج فعليه فطرتها، وإن كانت من إماء الزوجة والزوج ينفق عليها لزمته فطرتها، لأنه يمونها، نص عليه الشافعي في "المختصر"، وقال الإمام: الأصح عندي أنها لا تلزمه.
انتهى.
وقد بقي من الأقسام ما إذا أخدمها حرة [صحبتها] 126 لتخدمها وينفق عليها، وقد ذكرها في "شرح المهذب" وجزم بأن فطرتها لا تجب؛ وعلله بأنها في معنى المستأجرة، ولكن ذكر الرافعي في كتاب النفقات ما حاصله أن هذه الصورة ملحقة بالمملوكة، وتبعه عليه في "الروضة" فقال بعد أن ذكر أمته والمستأجرة ما نصه: إن أخدمها بكفاية من صحبتها من حرة أو أمة فهذا موضع نفقة الخادم.
هذا لفظه، وهو يدل لما قلناه؛ لأن الفطرة تتبع النفقة؛ ولأجل ذلك صرح ابن الرفعة في كتاب النفقات بنقله عن الرافعي، وصرح أيضًا به في هذا الباب -أعني: زكاة الفطر- المتولي في "التتمة" فقال: تجب فطرتها أيضًا هذا لفظه.

قوله: وتجب فطرة العبد المرهون والجاني والمستأجر؛ لوجود الملك ووجوب النفقة، وقال الإمام والمصنف في "الوسيط": يحتمل أن يجري فيه الخلاف المذكور في زكاة المال المرهون.
ثم قال: واعلم أن الخلاف في زكاة المال المرهون لم نلقه إلا في حكاية هذين الإمامين.
انتهى كلامه.

الجزء: 4 - الصفحة: 12

تابعه في "الروضة" أيضًا على إنكار ثبوت الخلاف، وزاد فقال: بل قطع الأصحاب بالوجوب هنا وهناك، وليس الأمر كما قالا من عدم ثبوته، بل هو ثابت صرح به القاضي الحسين في "تعليقه" والمتولي في "التتمة"، وحكاه عنهما ابن الرفعة في "الكفاية" فقال: فيه طريقان حكاهما القاضي الحسين في موضع من "تعليقه"، والمتولي عن الأصحاب.
أحدهما: تخريجه على القولين في المغصوب والضال، وهي التي ذكرها في موضع آخر قبل ذلك احتمالًا لنفسه.
هذا كلام "الكفاية".

قوله: وأما المغصوب والضال ففي فطرته طريقان: أحدهما: أنه على القولين في زكاة المغصوب.
وطرد ابن عبدان على هذه الطريقة الخلاف فيما إذا حيل بينه وبين زوجته عند الاستهلال.
وأصحهما القطع بالوجوب اتباعًا للفطرة و [النفقة] 127. انتهى.
وما ذكره في مسألة الحيلولة قد ذكر في "الروضة" نحوه أيضًا، وأوضحه في "شرح المهذب"، فنقل هذه المقالة ثم قال: إن الذي يقتضيه إطلاق الأصحاب وجوب فطرتها على الزوج كالمريضة، ولكن تتأيد مقالة ابن عبدان بأنها لو وطئت بشبهة فاعتدت عنها لا نفقة لها في مدة العدة؛ لأنه نادر، بخلاف المرض فإنه عام.
انتهى ملخصًا.
وحاصله أنه تجب فيها الفطرة والنفقة، وما ذكره الرافعي فيها وتبعه عليه في "الروضة" و"شرح المهذب" قد ذكر الرافعي في كتاب النفقات ما يخالفه؛ فإنه جزم بوجوب نفقة المريضة، ثم قال: قال البغوي: ولو غصبت فلا نفقة وإن كانت معذورة بخروجها عن قبضته وفوات الاستمتاع بالكلية، بخلاف المريضة هذا كلامه، وتبعه عليه في "الروضة" وزاد عقبه: فجزم بما

الجزء: 4 - الصفحة: 13

يوافقه فقال: قلت: ولو حبست ظلمًا أو بحق فلا نفقة.
هذه عبارته؛ فعدم إيجاب النفقة يقتضي عدم إيجاب الفطرة، وأما إيجاب الفطرة دون النفقة فلا يستقيم، ومع ذلك فمخالف لما اقتضاه كلامهما.

قوله: وأما الآبق ففي الطريقان في المغصوب، وللخلاف فيه مأخذ آخر حكاه الإمام؛ وهو أن إباق العبد هل يسقط نفقته كنشوز الزوجة أم لا؟ ، وفيه خلاف، فإن أسقطها أسقط الفطرة أيضًا.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن هذا الخلاف الذي ذكره في سقوط نفقة العبد بإباقه قد حذفه النووي من "الروضة".
الأمر الثاني: أن ما نقله عن الإمام من حكاية الخلاف قد حكاه -أعني الإمام- هنا، وذكر أنه يأتي في كتاب النفقات، ولم يذكره، وذكره في زكاة الأموال بحثًا فقال: وليس إباق العبد بمثابة نشوز المرأة؛ إذ نشوز المرأة يضاد التمكين، ونفقة المملوك في مقابلة الملك، ويجب أن يقال: لو وجد الآبق طعامًا لسيده في إباقه حل له أن يأكل منه.
وهذا فيه نظر ظاهر؛ فليتأمل الطالب، وبالجملة: إن اتجه سقوط نفقة الآبق، ففي فطرته تأمل، هذا كلامه.

قوله: وإن لم يعلم حياته وانقطع خبره مع تواصل الرقاق ففي فطرته طريقان.
ثم قال: وكيف ما قدر فالأظهر: وجوب الفطرة وعدم الإجزاء في الكفارة, والمذهب: أنه يجب إخراج الفطرة في الحال، وقيل: يجوز التأخير إلى عود العبد كما في زكاة المال.
انتهى ملخصًا.

الجزء: 4 - الصفحة: 14

فيه أمران: أحدهما: أن محل هذا الخلاف فيما إذا لم تنته الغيبة إلى مدة يجوز للحاكم أن يحكم فيها بموته وأن مثله يورث، فإن انتهى إلى ذلك فلا خلاف في عدم الوجوب، قاله الرافعي في الفرائض.
الثاني: أنه كيف يؤمر بإخراج زكاة الفطر في هذه الحالة مع أنه يجب إخراجها من قوت بلد العبد لا بلد السيد، ويجب صرفها إلى قرابتهم أيضًا.
وذلك كله متعذر، فهل نقول: إن هذه الصورة مستثناة من القاعدة أم لا؟ وإذا لم نقل بالاستثناء فماذا نصنع؟ فيه نظر.
وهذا الإشكال يأتى أيضًا في العبد الضال والآبق.
وأقرب شيء فيه أن يقال: العبرة بآخر بلد وصل خبره منها؛ إذ الأصل بقاؤه فيها.
وقد يقال: يتعين عليه إعطاؤها إلى القاضي؛ لأن نقل الزكاة عن بلد المال جائز بالنسبة إليه كما تقرر في بابه.

قوله بعد الكلام في المغصوب والضال والغائب ونحوهم: ثم إذا أوجبنا الفطرة في هذه الصور فهل يجب إخراجها في الحال أم هل يجوز التأخير إلى عود العبد كما في زكاة المال في نظائرها؟ المذهب الأول؛ لأن المهلة ثم شرعت لمعنى النماء وهو غير معتبر هاهنا، وروى ابن الصباغ عن الشيخ أبي حامد أن الشافعي نص في "الإملاء" على قولين في ذلك؛ قال: وهذا بعيد؛ لأن إمكان الأداء شرط في الضمان في زكاة

الجزء: 4 - الصفحة: 15

المال، والمال الغائب متعذر الأداء، وليس كذلك الفطرة.
هكذا ذكره.
لكن قال صاحب "التهذيب": لو دخل الوقت ومات المؤدي عنه قبل إمكان الأداء ففي سقوط الفطرة وجهان؛ فألحقوها في أحد الوجهين بزكاة المال.
وحكى الإمام هذا الخلاف أيضًا، انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره من حكاية هذين القولين في جميع الصور ذكره أيضا في "الروضة"، وكذلك في "شرح المهذب" بعبارة هي أوضح من هذه فقال: إذا أوجبنا الفطرة في الآبق والضال والمغصوب ومنقطع الخبر وجب إخراجها في الحال على المذهب، وبه قطع البغوي وآخرون.
وقال صاحب "الشامل": حكى الشيخ أبو حامد فيه قولين عن "الإملاء".
انتهى.
إذا علمت ذلك فاعلم أن صاحب "الشامل" إنما حكى القولين في العبد الغائب فقط ولم يحكهما في جميع الصور.
ووقع في بعض نسخ الرافعي التعبير بقوله في هذه الصورة أعني بالتاء الدالة على المرة، لكن في أكثرها ما ذكرناه، وهو الموجود في "الروضة".
الأمر الثاني: أن الوجهين في سقوط الفطرة بموت العبد قد حكاهما ابن الصباغ أيضًا عن ابن سريج.
والعجب من ذهول الرافعي عنهما حتى أنه شرع يرد على ما قاله بحكاية غيره لهذين الوجهين.
وقد وقع النووي بسبب هذا في الغلط، وصحح من الوجهين عدم

الجزء: 4 - الصفحة: 16

السقوط، وستعرف ذلك قبل الطرف الثاني.

قوله: ثم إذا كانت زوجة العبد موسرة مسلمة فهل عليها فطرة نفسها؟ منهم من قال: هو على القولين المذكورين فيما إذا كانت تحت زوج معسر، ومنهم من قال: عليها فطرتها بلا خلاف؛ لأن العبد ليس أهلًا للخطاب بالفطرة.
وإن كانت أمة فهل على سيدها فطرتها؟ فيه هذان الطريقان؛ والثاني أظهر في هاتين الصورتين.
انتهى كلامه.
ومقتضاه في هذه المسألة -أي: زوجة العبد- تصحيح القطع بوجوبها على الحرة، وعلى سيد الأمة، وتضعيف طريقة القولين، وقد صرح بذلك في "أصل الروضة", وتبعه عليه، ثم خالفه في "المنهاج" فجزم بإلحاق العبد بالحر المعسر وجعلهما على قولين على عكس ما صححه في "الروضة".
ثم استدرك من زياداته فصحح عدم الوجوب على الحرة.
وما صرح به في "المنهاج" هو مقتضى ما في "المحرر" أيضًا.
وقد اختلف كلامه في "شرح المهذب" فذكر في موضع منه كما ذكر في "الروضة"، ثم قال بعد ذلك فيما إذا تزوج حر معسر أمة أو حرة موسرة: الأصح وجوب الفطرة على سيد الأمة دون الحرة كما نص عليه، ثم قال: ويجري الخلاف فيما لو تزوج عبد بحرة أو أمة، فإنه معسر والأصح وجوبها على سيد زوجته الأمة دون الحرة.
هذا لفظه.
وهو اختلاف عجيب؛ فإنه جزم بإجراء الخلاف وصح أنه لا تجب على الحرة, وهما جميعًا عكس ما سبق.

الجزء: 4 - الصفحة: 17

قوله: ولو ملك السيد عبده شيئًا وقلنا: إنه يملكه لم يكن له أن يخرجه عن زوجته، ولو أذن له السيد ففيه وجهان للشيخ أبى محمد.
انتهى.
لم يصحح في "الروضة" شيئًا منهما أيضًا، وصحح في "شرح المهذب" أنه لا يخرج، وعبر بالصحيح وعلله بأنه ليس أهلًا للوجوب.

قوله: ومنها إذا أوصى برقبة عبد لرجل وبمنفعته لآخر قال ابن عبدان: فطرته على الموصى له بالرقبة بلا خلاف، ونفقته عليه أو على الموصى له بالمنفعة أو في بيت المال؟ فيه ثلاثة أوجه، انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدها: أن ما نقله عن ابن عبدان من نفي الخلاف وأقره عليه ليس كذلك فقد نقل هو -أعني الرافعي- في كتاب الوصية أن أبا الفرج السرخسي وطائفة خرجوا الفطرة على الخلاف في النفقة، ولم ينقل ما نقله هنا عن ابن عبدان إلا عنه وعن البغوي خاصة.
ولما اختصر النووي كلام الرافعي هنا لم ينقل نفي الخلاف عن ابن عبدان بل أطلقه لتوهمه أن الأمر كذلك، ثم ظفر به فاستدركه وصحح أن الفطرة كالنفقة، وصححه أيضا في "شرح المهذب".
الأمر الثاني: أن الصحيح من الأوجه الثلاثة في النفقة وجوبها على مالك الرقبة.
كذا صححه الرافعي في كتاب الوصايا، والنووي في "شرح المهذب" وزيادات الروضة.
الأمر الثالث: أن الوجه القائل بأن نفقته في بيت المال ليس على إطلاقه؛ بل محله إذا لم يكن له كسب أو كسب لا يفي.

الجزء: 4 - الصفحة: 18

كذا صرح به الرافعي في كتاب الوصية، ثم النووي في "الروضة" هناك وفي "شرح المهذب" هنا.
الأمر الرابع: أن ما حكاه الرافعي في الوصية وصححه النووي هنا من أنها تابعة للنفقة قد أطلقه الأصحاب.
قال في "شرح المهذب": ومرادهم إذا قلنا بالوجهين الأولين، أما إذا قلنا بالثالث أنها في بيت المال فلا تجب؛ لأن عبيد بيت المال لا تجب فطرتهم؛ فهذا أولى، والذي قاله في عبيد بيت المال هو المشهور كما سيأتى.

قوله: ومنها عبد بيت المال والعبد الموقوف على المسجد في فطرتهما وجهان حكاهما عن "البحر".
الأظهر -وبه أجاب في "التهذيب"-: أنها لا تجب.
انتهى كلامه.
أما عبد بيت المال فلم أر له في "التهذيب" ذكرًا بالكلية.
وأما العبد الموقوف على المسجد فلم يصرح به أيضًا البغوي، بل ذكر أنه لا تجب فطرة العبد الذي اشتراه القيم للمسجد، وستأتي هذه الصورة.
والعبد المذكور لا يصير وقفًا بالشراء بل هو مملوك للمسجد، غير أن نفي الوجوب في هذه الصورة يستلزم نفيه عن الموقوف بطريق الأولى، والوجهان المحكيان عن "البحر" قد رأيتهما مذكورين فيه، لكنه صحح الوجوب في الصورتين على عكس ما قاله الرافعي وعبر بالمذهب.

قوله: والعبد الموقوف على رجل معين ذكر في "العدة" أن فطرته تنبني على أن الملك فيه لمن هو؟ إن قلنا الملك للموقوف عليه فعليه فطرته، وإن قلنا: لله تعالى فوجهان، ونفى صاحب "التهذيب" في باب الوقف وجوب

الجزء: 4 - الصفحة: 19

فطرته على الأقوال كلها؛ لأنه ليس فيه ملك محقق، والأول أشبه.
انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدها: أن الأصح من الوجهين المفرعين على الصحيح -وهو أن الملك لله تعالى- أنه لا فطرة، كذا صححه النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة".
الأمر الثاني: أنهما لم يبينا من الذي يجب عليه الإخراج على القول بالوجوب تفريعًا على أنه لله تعالى هل هو بيت المال أو الواقف أو الموقوف عليه؟ الأمر الثالث: أن الرافعي -رحمه الله- لم يمعن النظر في هذه المسألة؛ ولهذا لم ينقل التخريج إلا عن "العدة"، والنفي مطلقًا إلا عن "التهذيب" في كتاب الوقف.
والمعروف في المذهب هو الثاني وهو عدم التخريج؛ فقد جزم به أيضًا في "التهذيب" في هذا الباب.
واقتصار الرافعي على ذلك الباب غريب مفهم بأنه لم يطلع عليه هنا وأن البغوي أيضًا لم يذكره إلا هناك، وصرح به أيضًا الخوارزمي في باب الوقف من "الكافي"، وصححه أيضًا صاحب "التتمة" ونقل أنه المذهب، ثم قال: ومن أصحابنا من بنى فطرته على أقوال الملك، وذكر مثله القاضي الحسين في "تعليقه" فقال: ولو وقف عبده على أقوام معينين فالمذهب أن صدقة الفطر لا تجب على أحد ويمكن بناؤه على أقوال الملك.
هذا لفظه.
وقد اغتر في "الروضة" بالترجيح الضعيف الذي وجده الرافعي -وهو

الجزء: 4 - الصفحة: 20

الأشبه- فعبر عنه بالمذهب فزاد الأمر خللًا وغلطًا.

قوله في "أصل الروضة": فرع: إذا مات المؤدي عنه بعد دخول الوقت وقبل إمكان الأداء لم تسقط الفطرة على الأصح، وبه قطع في "الشامل".
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن هذين الوجهين حكاهما الرافعي -رحمه الله- من غير تصحيح بالكلية لا تصحيحًا مطلقا ولا منقولًا عن غيره، والتصحيح من كلام النووي، وقد صححه أيضًا في "شرح المهذب"، والأمر كما ذكره من التصحيح، فقد قال سليم الرازي في "مجرده": إن المذهب من الوجهين عدم السقوط، وذكر ابن الرفعة في "الكفاية" ما يدل [على] 128 أنه المشهور.
الأمر الثاني: أن ما حكاه عن "الشامل" من القطع بالوجوب ذكره أيضًا في "شرح المهذب"، وهو غلط؛ فإن ابن الصباغ قد حكى الخلاف في ذلك فقال: فرع: إذا كان له عبد فأهل شوال ووجبت عليه زكاته فمات العبد قبل أن يتمكن من أداء زكاة الفطر عنه فهل تسقط زكاة الفطر؟ قال أبو العباس: فيه وجهان.
هذا لفظه في "الشامل"، ولم يصرح الرافعي بهذا النقل عن "الشامل"، ولكن عبارته توهم ذلك فصرح به النووي، وهذه المسألة ذكرها الرافعي عند الكلام على فطرة العبد الغائب فنقلها النووي إلى هذا الموضع وعبر عنها بما أوقعه في الأمرين المذكورين.
وقد ذكرت لفظ الرافعي هناك فراجعه.

الجزء: 4 - الصفحة: 21

أين الطرف الأول

الطرف الثاني: في صفات المؤدي

قوله: وهى: الإسلام .. إلى آخرها.
فيه أمران: أحدهما: أن المصنف -رحمه الله- حصر شروط المؤدي في الإسلام، والحرية، واليسار.
وهذا الكلام يقتضي أن الجنين إذا وضع مثلًا ليلة الفطر تجب عليه فطرة نفسه وعبيده الذين كانوا في ملكه وقت الغروب.
لكن ذكر الرافعي عند الكلام على فطرة المطلقة البائن أن الجنين لا تجب عليه فطرة نفسه، فإذا لم يكلفوه الإخراج عن نفسه فبطريق الأولى عن غيره.
وأيضًا فإن زكاة المال لا تجب عليه على الصحيح؛ فكذلك زكاة الفطر.
وتلخص من ذلك أنه لابد من زيادة قيد في المسألة.
الأمر الثاني: أن ما ذكره في الكافر محله في الأصلى، فأما المرتد فتأتي فيه الأقوال في زكاة ماله، كذا نقله في "شرح المهذب" عن الأصحاب.

قوله: ولو كان في نفقة الكافر مسلم، ففي وجوب فطرته عليه خلاف في أنها هل تجب ابتداء أو بطريق التحمل.
ثم قال: فإن قلنا بالوجوب فقد قال الإمام: لا صائر إلى أن المتحمل عنه ينوى والكافر لا تصح منه النية؛ وذلك يدل على استقلال الزكاة بمعنى المواساة.
انتهى.

الجزء: 4 - الصفحة: 22

ذكر مثله في "الروضة"، وهو كلام مجمل، وقد ذكر في الظهار في الكلام على الكفارات كلامًا لابد منه فقال في الكلام على تكفير الكافر: ويشترط أن ينوي الكافر بالإعتاق والإطعام نية التمييز دون نية التقرب.
هذا كلامه.
واعلم أن المتولي قد ذكر أن الإمام يأخذها من ماله كزكاة الممتنع وهذا الكلام يشعر بإلحاقه به في النية، والأصح [هناك] 129 وجوبها.

قوله: ولو أسلمت ذمية تحت ذمي واستهل الهلال في تخلف الزوج ثم أسلم قبل انقضاء العدة؛ ففي وجوب نفقتها في مدة التخلف خلاف يأتى في موضعه.
ثم ذكر بعد ذلك ما حاصله أن الفطرة كالنفقة.
واعلم أن تقييده بما قبل العدة [حاصله أن الفطرة كالنفقة] 130 ويوهم أن ما بعدها لا يجري فيه خلاف وليس كذلك بل فيه خلاف، والصحيح أيضًا أن حكمه حكم ما قبله؛ لأنها محبوسة بسببه فتفطن له.

قوله في "الروضة": وفي المكاتب ثلاثة أقوال أو أوجه: أصحها: لا فطرة عليه ولا على سيده.
والثاني: تجب على سيده.
والثالث: تجب عليه في كسبه كنفقته.
انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدها: أن الإيجاب على السيد لم يحكه الرافعي وجهًا بل قولًا قديمًا عن رواية أبي ثور فقال: روى أبو ثور عن القديم: أنها تجب على السيد؛

الجزء: 4 - الصفحة: 23

لأنه عبد ما بقي عليه درهم.
وأنكر الشيخ أبو علي أن يكون هذا قولًا للشافعي وقال إنه مذهب أبي ثور نفسه، هذا لفظ الرافعي.
وإنما تردد الرافعي في المقالتين النافيتين فنقل عن صاحب "التهذيب" أنهما وجهان، وعن الإمام وغيره أنهما قولان، وأن الإمام قال: إن الأول منصوص عليه، والآخر مخرج.
وما ذكره الإمام من كون الأول منصوصًا عليه هو الصواب فقد نص عليه في "الأم" في موضعين، وقال في "شرح المهذب": إنه المنصوص عليه في كتب الشافعي.
الأمر الثاني: أن هذا الكلام الذي نقله الرافعي عن الشيخ أبي علي حاصله حكاية طريقة قاطعة بنفي هذا القول حتى لا يبقى إلا قولان أو قول ووجه؛ لأن تفردات أبي ثور لا تعد وجهًا فأسقط النووي هذه الطريقة.
الأمر الثالث: أن هذا الخلاف محله في المكاتب كتابة صحيحة، أما المكاتب كتابة فاسدة ففطرته على سيده.
كذا جزم به الرافعي في باب الكتابة.
وذكر قبله بقليل أن نفقته لا تجب على سيده؛ لأنه استقل بالكسب كذا نقله عن الإمام والغزالي ولم يخالفه، ذكر ذلك جميعه في الباب الثاني من أبواب الكتابة مفرقًا وقد علمت منه أن الفطرة في هذه الصور ليست تابعة للنفقة، فتفطن له.

قوله: الأمر الثالث: اليسار؛ فالمعسر لا زكاة عليه وكل من لم يفضل عن قوته وقوت من تلزمه نفقته ليلة العيد ويومه ما يخرجه في الفطرة فهو معسر، ومن فضل عنه ذلك فهو موسر.
انتهى كلامه.

الجزء: 4 - الصفحة: 24

وهو يقتضي أن القدرة على الكسب لا تخرجه عن الإعسار، وقد صرح بذلك في الكلام على الاستطاعة في الحج فقال: كما أن القدرة على الكسب في يوم الفطرة لا تجعل كحصول النصاب، هذه عبارته.

قوله: وهل يشترط كون الصاع فاضلًا عن مسكنه وعبده الذي يحتاج إليه للخدمة؟ فيه وجهان.
انتهى ملخصًا.
تابعه في "الروضة" على حكاية الخلاف من غير تصحيح، والأصح هو الاشتراط، كذا صححه الرافعي في "المحرر" و"الشرح الصغير".
وكلامه في "الكبير" في بيع جزء من العبد في فطرته يدل عليه، وصححه أيضًا النووي في "المنهاج" و"شرح المهذب" و"نكت التنبيه".
واعلم أن النووي في "الروضة" نقل الاشتراط عن الإمام، ثم قال: وإذا نظرت كتب الأصحاب لم تجد ما ذكره.
وهذا التعبير مع حكاية الخلاف عقبه تعبير متهافت.
وكلام الرافعي صحيح؛ فإنه عبر بقوله وجدت أكثرهم ساكتين فاعلم ذلك.

قوله: وربما استشهدت بكونهم لم يذكروا دست ثوب يلبسه، ولا شك في اعتباره.
انتهى.
وهذا الكلام من الرافعي يوهم أنه لم يجد لأحد تصريحًا باعتبار الكسوة، وهو غريب فقد صرح به في "التتمة" فقال: المعتبر عندنا أن يملك صاعًا فاضلًا عن قوته وقوت من تلزمه نفقته في يوم العيد وكسوتهم.
وصرح به أيضًا في "النهاية" فقال: ولا شك أنه لا يحسب عليه دست ثوب يليق بمنصبه ومروءته.
هذا لفظه، وكذا النووي في "نكت التنبيه"،

الجزء: 4 - الصفحة: 25

وعبر بقوله: قال أصحابنا، إلا أن تعبير الرافعي يحتمل عود الضمير فيه إلى الأكثر.

قوله: وهل يعتبر الدين؟ إلى آخره.
اعلم أن الرافعي قد ذكر في ذلك خلافًا بعضه هنا وبعضه في آخر الباب، ولم يصرح فيه بترجيح.
وكذا النووي في "الروضة"، وقد رجح في "الشرح الصغير" أنه لا يعتبر فقال: في كلام الشافعي والأصحاب ما يدل على أن الدين لا يمنع وجوب الفطرة، وهو الأشبه بالمذهب، وكلامه في "المحرر" يقتضيه أيضًا، فإنه لم يشترطه ورجح صاحب "الحاوي الصغير" اعتباره وهو الذي جزم به النووي في "نكت التنبيه" ونقله عن الأصحاب.

قوله: حتى لو انتهى في الكفارة إلى المرتبة الأخيرة وهى الإطعام ولم يجد إلا إطعام ثلاثين قال الإمام: يتعين عندى إطعامهم قطعًا.
انتهى.
وهذه المسألة التى اقتضى كلامه عدم الخلاف فيها قد ذكرها في آخر الظهار، وحكى فيها خلافًا وتفريعًا مع أمور أخرى تتعلق بها؛ ولهذا أسقطها من "الروضة" هنا، فاعلم ذلك وراجعه.

قوله: وإذا فضل صاع وله عبد صرفه عن نفسه، وهل يلزمه أن يبيع في فطرة العبد المحتاج إليه جزءًا منه في فطرته -أي: في فطرة العبد-؟ فيه وجهان.
ثم قال: ويحسن أن يرتب فيقال: إن قلنا: إنه لا يباع في الفطرة فلا يباع الجزء المذكور، وإن قلنا: يباع فهاهنا وجهان.
انتهى.
وهذا الذي ذكره قد صرح به في "التتمة"، ونقله عنه في "الكفاية".

الجزء: 4 - الصفحة: 26

قوله في المسألة: ويتلخص في بيع جزء من العبد لفطرته ثلاثة أوجه: أصحها: الفرق بين أن يحتاج إليه أو يستغنى عنه، وصور المسألة في "الوسيط" بما إذا كان العبد مستغن عنه, والخلاف ليس مختصًا به بلا شك.
انتهى.
واعلم أن هذا الثالث لا يأتي مع التصوير المنقول عن "الوسيط"، بل حكى الثالث على كيفية غريبة فقال: هل له أن يبيع جزءه فيها؟ ثالثها: الأعدل إن استغرق الصاع قيمته لم يخرج عنه، وإن كان عشره مثلًا يشتري تسعة أعشار صاع فليخرجه عن الباقي بعد بيع العشر؛ لأن من لا يملك إلا تسعة أعشار عبد إنما يلزمه تسعة أعشار صاع، ثم وجه المنع باتحاد المخرج والمخرج عنه.
انتهى.
وهذا قد ذكره الإمام احتمالًا.

قوله: ولو فضل صاع وله زوجة وأقارب فأراد أن يوزع الصاع لم يجز في أصح الوجهين.
ثم قال: وأورد المسعودي وجه التوزيع إيرادًا يشعر بأنه يتعين ذلك محافظة على الجواب.
انتهى.
وهذه الطريقة التي للمسعودي أسقطها النووي فلم يذكرها في "الروضة"، ثم إنها هى الطريقة المعروفة فقد نقله الإمام عن الصيدلاني، وجزم بها القاضي الحسين، والفوراني، وصاحب ["البحر"] 131 و"التتمة" و"البيان" و"الذخائر"، وابن يونس شارح "التنبيه" 132.

الجزء: 4 - الصفحة: 27

قوله: فإن فضل صاع واحد واجتمع في نفقته جماعة واستووا فهل يتخير بينهم أو يقسط؟ فيه وجهان.
ويتأيد وجه التقسيط بالنفقة فإنها توزع في مثل هذه الحالة, ولم يتعرضوا للإقراع هاهنا وله مجال في نظائره.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن تأييد الرافعي لوجه التقسيط فيه إشعار برجحانه، ولم يذكره في "الروضة" أعني [التأييد] 133 -بل صحح من زياداته، وفي "شرح المهذب" أنه يتخير، وكذلك صاحب "الحاوي الصغير".
الأمر الثاني: أن ما ذكره الرافعي من كونهم لم يتعرضوا للقرعة قد تابعه عليه في "الروضة".
وليس كذلك، فقد جزم به أبو الحسن منصور التميمي تلميذ الربيع صاحب الشافعي؛ كذا رأيته في كتابه المسمى "بالمسافر" مستدركًا به على ما نقله عن الشافعي فقال: وإذا كان عنده بعد نفقة يومه ما يزكي به عن [بعض من يمون زكى به عن من شاء منهم، قال منصور: بل يقرع بينهم فيزكي عمن] 134 قرع أصحابه منهم؛ لأن كلًا ذو حق.
هذه عبارته.

قوله: ولو كان في نفقته جماعة وفضل عن كفايتهم ما يؤدى في فطرة بعضهم قدم فطرة من تقدم نفقته على الوفاق والخلاف المذكور في كتاب النفقات.
ثم قال: وظاهر المذهب من الخلاف الذي ذكرناه وما أجريناه إلى النفقات أنه يقدم نفسه ثم زوجته ثم ولده الصغير ثم الأب ثم الأم ثم ولده الكبير.

الجزء: 4 - الصفحة: 28

هذا لفظه.
فيه أمران: أحدهما: أن ما قاله من كون المذكور في النفقات أن الأب يقدم في النفقة على الأم ليس كذلك؛ بل الذي صححه هناك هو العكس.
والذي قاله هنا من تقديم الأب قد وقع أيضًا في "الروضة" وفي "المحرر" و"مختصره" و"تصحيح التنبيه".
وتفطن النووي في "شرح المهذب" لهذه المناقضة فحاول [الجمع] 135 بينهما فقال: إنما قدموا في النفقات الأم لعجزها، وأما الفطرة فإنها لتطهير المخرج عنه وتشريفه، والأب أحق بهذا؛ فإنه منسوب إليه ويشرف بشرفه، ومراد الأصحاب بقولهم كالنفقة أي: في الترتيب، وقد شاركته في المعظم.
انتهى كلامه.
وهذا الطريق الذي سلكه في الجمع بين الكلامين فاسد لوجوه: أحدها: أن المعنى الذي ذكره وهو مراعاة الشرف ذهول عجيب؛ فإنا لو راعيناه لم نقدم فطرة الابن الصغير على الأبوين؛ فدل على إلحاقها بالنفقة في تقديم الأحوج فالأحوج.
ثانيها: أن هذا الطريق إنما يستقيم التمسك به لو تكلموا هنا على المقدم منهما في الفطرة ولم يتكلموا في النفقة، وليس كذلك، بل قد صرحوا تصريحًا لا احتمال فيه ولا وقفة بأنا إنما قدمنا الأب في الفطرة؛ لأنه المقدم في النفقة، بل صرحوا بأنه المقدم فيها فراجع العبارة المتقدمة.
ثالثها: أن الرافعي لما تكلم هنا في "الشرح الصغير" على المقدم في الفطرة ذكر أن الأصح أنه يقدم فيها من تقدم نفقته، ولم يذكر مراتب من

الجزء: 4 - الصفحة: 29

يقدم بل أحاله على الترتيب المذكور في النفقات من غير استثناء، إلا أن الشيخ محيي الدين لم يطالع "الشرح الصغير"، ولهذا فاته منه مواضع كثيرة من مقاصده في "الروضة" وغيرها، ولو وقف عليه لم يذكر هذا التأويل، واختار صاحب "الحاوي الصغير" تقديم الأب في الموضعين.
رابعها: أن الشاشي قد صرح في "الترغيب" بتقديم فطرة الأم على فطرة الأب.
الأمر الثاني: أن كلامه يقتضي أيضًا أنه صحح في كتاب النفقات تقديم الأب على الابن الكبير، وليس كذلك، بل حكى فيها ثلاثة أوجه: ثالثها: التساوي، ثم قال: والتساوي هو اختيار القفال.
ولم يذكر هو ولا النووي كلامًا آخر.
وهذا إن لم يشعر بترجيح الثالث فلا ترجيح فيه أصلًا.

الجزء: 4 - الصفحة: 30

الطرف الثالث: في صفات المخرج

قوله من زياداته: والصواب ما قاله أبو الفرج الدارمي من أصحابنا أن الاعتماد في الصاع على الكيل دون الوزن.
. . . إلى آخره.
وهذا الذي استدركه قد صححه الرافعي في زكاة المعشرات، وعجب من إعزائه إلى الدارمي مع التصريح بالتصحيح منه ومن الرافعي.
وفي المسألة كلام آخر أذكره إن شاء الله تعالى -في كفارة الظهار يتعين الوقوف عليه فراجعه.

قوله: أما الأول فلأن الأقوات النادرة كالفث .. إلى آخره.
هذه اللفظة قد تكررت في هذا الباب، وهى بالفاء والثاء المثلثة، وقد سبق إيضاح ذلك في زكاة المعشرات.

قوله: وحكى الموفق ابن طاهر أن صاحب "الإفصاح" حكى عن القديم قولًا: إنه لا يجزئ إخراج العدس والحمص في الفطرة؛ لأنهما إدامان.
انتهى كلامه.
واعلم أن صاحب "الإفصاح" لم يحكه عن القديم، بل ولا جزم بحكايته، بل تردد في إثباته فقال: وقد حكى أصحابنا أن الشافعي قال في موضع آخر: وإن كان قوته عدسًا أو حمصًا لم أر أن يخرج منه الزكاة لأني أراهم يقتاتونه؛ فيحتمل هذا وجهين: أحدهما: أن يكون معناه: لم أستحب له ذلك، لا أنه إذا أراد إخراجه لم يجز، فهذا موافق لما ذكرنا.
ويحتمل أن يكون معناه لم [يجزئه] 136 ذلك ويكون الاعتبار بغالب

الجزء: 4 - الصفحة: 31

الأقوات التي تجري فيها الزكاة دون ما لم يكن غالبا.
هذا لفظ "الإفصاح" بحروفه، ومنه نقلت.

قوله في "الروضة": وفي الأقط طريقان: أحدهما: القطع بجوازه، والثاني: على قولين؛ أظهرهما جوازه.
انتهى.
لم يبين الأصح من الطريقتين؛ والأصح هى طريقة القولين.
كذا صححه الرافعي في الشرحين "الكبير"، و"الصغير"، وجزم به في "المحرر"، وحذفه النووي في "الروضة".
وعبارته في "الكبير": أظهرهما أنه على قولين.

قوله في "الروضة": فإن جوزنا الأقط، فالأصح أن اللبن والجبن في معناه، والثاني: لا يجزئان.
والوجهان في إخراج من قوته الأقط: اللبن والجبن.
انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدها: أن ما جزم به من حكاية الوجهين قد خالفه في "شرح المهذب"؛ فإنه حكى طريقين وصحح القطع بالجواز فقال: فيه طريقان: أصحهما -وبه قطع المصنف وجمهور العراقيين وآخرون-: يجزئه؛ لأن الجبن مثلة واللبن أكمل منه.
والثاني: حكاه الخراسانيون على وجهين: أصحهما: يجزئه.
الأمر الثاني: أن ما ذكره في اللبن من الجواز قد ذكر في "تصحيح التنبيه" في الظهار ما يخالفه، وقد بسطت الكلام عليه هناك فراجعه.
الثالث: أن تخصيص الوجهين في إجزاء اللبن والجبن بمن قوته الأقط يقتضي أنهما [لا] 137 يأتيان فيمن قوته اللبن، وأنه يجوز إخراجهما جزمًا؛

الجزء: 4 - الصفحة: 32

تفريعًا على ما نحن نفرع عليه؛ وهو إجزاء الأقط، وقد صرح به في "شرح المهذب" فقال: الخلاف مخصوص بمن قوته الأقط هل له إخراج اللبن والجبن؟ هكذا قاله الماوردي والرافعي وغيرهما.
هذا لفظه، وليس الأمر على ما اقتضاه كلام "الروضة" وسرى منها إلى "شرح المهذب" فإن في الرافعي نقلًا عن البغوي من غير مخالفة: أن الوجهين جاريان فيمن قوته اللبن أيضًا؛ فكان صوابه أن يقول: والوجهان في إخراج من قوته الأقط واللبن اللبن والجبن أي: بتكرار اللبن.
الأمر الرابع: إذا صححنا إجزاء الجبن فكيف نصنع بالمقدار الذي هو الكيل؟ والذي يظهر هاهنا أنه يتعين الرجوع إلى الوزن.
وقد ذكر الرافعي في زكاة المعشرات عند ذكره الاختلاف في أن المعتبر الكيل أو الوزن قال أبو العباس الجرجاني: إلا العسل إذا أوجبنا فيه الزكاة فالاعتبار فيه الوزن.

قوله: واتفقوا على أن إخراج المختض والمصل والسمن لا يجزئ.
انتهى.
والمصل: بميم مفتوحة وصاد مهملة ساكنة بعدها لام، قال في "المجمل": هو ماء الأقط.
وقال النووي في "لغات التنبيه" وغيرها: إذا أرادوا أقطا أو غيره جعلوا اللبن في وعاء من صوف أو خوص أو كرباس ونحوه فينزل مائيته منه فهى المصل.
وفي "الاستقصاء" و"البيان": أن المصل لبن منزوع الزبد.
وفي "النهاية": أن المصل هو المختض.

الجزء: 4 - الصفحة: 33

قوله: ولا يجزئ المسوس.
اعلم أن المسوس والمدود بكسر الواو.
قال الجوهري: في باب السين: السوس: دود يقع في الصوف والطعام، تقول منه: ساس الطعام يساس سوسًا بالفتح إذا وقع ذلك فيه، وكذلك أساس الطعام بالهمز وسوس.
قال الراجز: قد أطعمتني دقلًا حولنا ... مسوسًا مدودا حجرنا وذكر نحوه في باب الدال فقال: داد الطعام يداد، وكذلك أداد بالهمز، ودود بالتشديد إذا وقع فيه السوس وأنشد البيت السابق وضبطه فيهما بالكسر، وصرح به -أعني بالكسر- من الفقهاء جماعة منهم صاحب "الاستقصاء"، وابن الصلاح.

قوله: ويجزئ القديم وإن قلت قيمته بسبب القدم ما لم يتغير طعمه ولونه.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على التعبير في التعبير بما ذكره؛ وهو يقتضي أن الرائحه لا اعتبار بها، وأنه لابد من اجتماع الطعم واللون، وليس كذلك، بل كل واحد من الثلاثة مانع من الإجزاء وحده، وقد صرح في "شرح المهذب" بذلك ونقله عن الماوردي وغيره، ولم يحك فيه خلافًا, وجزم به أيضًا الروياني في "البحر" ناقلًا له عن نص الشافعي، وذكر نحوه في "الكفاية".

قوله ناقلًا عن "الوجيز": ثم يتعين من الأقوات القوت الغالب يوم الفطر في قول، وجنس قوته على الخصوص في قول، وقيل: يتخير في الأقوات.

الجزء: 4 - الصفحة: 34

ثم قال: ودليل الأول قوله -عليه الصلاة والسلام-: "أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم" 138. انتهى.
اعترض الرافعي بعد هذا بنحو ورقتين على كلام "الوجيز" فقال: وتسمية الأول والثاني قولين لا يكاد يوجد لغيره، وإنما حكاهما الجمهور وجهين، وإنما قوله: وقيل: يتخير فمنهم من حكاه قولًا على ما سبق.
انتهى كلامه.
وما ذكره من الإنكار على الغزالي وأنه غير موجود لغيره فليس كذلك؛ فقد صرح الماوردي في "الحاوى" بحكايته وبحكاية جميع الخلاف أقوالًا؛ فقال: اختلف قول الشافعي في الأقوات المدخرة هل هى على الترتيب أو التخيير فيه قولان، ثم قال: فعلى هذا -أي: الترتيب- هل يعتبر غالب قوت بلده أو غالب قوته في نفسه؟ على قولين.
هذا لفظه.
والحديث المذكور رواه البيهقي، وقال: إنه ضعيف.

قوله: وأما لو عدل إلى القوت الأعلى فهو جائز بالاتفاق.
انتهى.
تابعه في "الروضة" أيضًا على دعوى الاتفاق.
وليس كذلك؛ بل في الجواز وجهان مشهوران حكاهما الماوردي في "الحاوى"، والروياني في "البحر"، والشاشي في "الحلية"، وابن يونس في "شرح التنبيه".
وحكى أيضًا -أعني الماوردي- في الكفارات وجهين في ما إذا عدل عن الواجب إلى ما هو دونه في الكفارة.
ثم جعل الفطرة كالكفارة، وهذا هو الخلاف الذي حكاه الشيخ في

الجزء: 4 - الصفحة: 35

"التنبيه" في هذا الباب وأنكروه عليه إلا أنه جعله قولين.
وإنكاره باطل؛ فقد حكاهما أيضًا أبو إسحاق المروزي في "الشرح"، والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ وصاحب "البحر".

قوله: والنظر في الأعلى إلى الاقتيات وقيل: إلى القيمة؛ لأنه أرفق بالمساكين وأشق على المالك.
وعلى هذا يختلف الحال باختلاف البلاد والأوقات، إلا أن تعتبر زيادة القيمة في الأكثر.
انتهى.
وما ذكره تفريعًا على الثاني معناه أن الاختلاف المذكور إنما نأخذ به إذا لم يكن المعتبر عند الأصحاب زيادة القيمة في أكثر الأوقات بل وقت الإخراج، فإن كان الأكثر هو المعتبر عندهم أخذنا به، وهو الذي ذكره بحثا متوقفًا فيه، وتابعه عليه في "الروضة" قد جزم به النووي في "شرح المهذب"، وخالف فيه القاضي حسين في "تعليقه"، ونقله عنه في "الكفاية".

قوله: ورجح صاحب "التهذيب" الشعير على التمر، وعن الشيخ أبي محمد: أن التمر خير منه، وله في الزبيب مع الشعير أو التمر تردد، قال الإمام: والأشبه تقديم التمر على الزبيب.
انتهى كلامه.
لم يرجح النووي في "الروضة" شيئا في هذه المسائل أيضًا، والراجح أن الشعير خير من التمر، وأن التمر خير من الزبيب، كذلك رجحه الرافعي في "المحرر" و"الشرح الصغير" وعبر فيهما بالأشبه.
وقال النووي في "المنهاج" و"شرح المهذب": إنه الأصح، وبالغ في الشرح المذكور بالنسبة إلى تقديم التمر [والشعير] 139 على الزبيب فقال: إنه الصواب.

الجزء: 4 - الصفحة: 36

واختاره أيضًا فيهما صاحب "الحاوي الصغير"، ولم يزد في "الروضة" في الشعير مع الزبيب على أنه فيه تردد للجويني.

قوله: ولا يجوز عن شخص واحد فطرة من جنسين وإن كان أحدهما أعلى من الواجب.
هذا هو المعروف، ورأيت لبعض المتأخرين تجويزه.
انتهى كلامه.
تابعه عليه في "الروضة"، وهو يقتضي عدم الوقوف على الجواز، إلا لهذا المتأخر الذي لم يصرح باسمه لعدم شهرته؛ ففي المسألة وجوه مشهورة: أحدها: هذا الوجه صرح به إمام الحرمين، والغزالي في "البسيط"، وكلاهما قبل كتاب الصيام بقليل نظرًا إلى المعنى، لكن لو استوى الجزءان امتنع عند هذا القائل كما قاله الإمام.
والثاني: إن كان عنده صاع من جنس واحد لم يجز البعض وإلا جاز تكميله بالأعلى.
حكاه السرخسي في "الأمالي" وحكاه عنه النووي في "شرح المهذب".
والثالث: يجوز مطلقا، حكاه ابن يونس شارح "التنبيه".

قوله في "أصل الروضة": وإن كان السيدان في بلدين مختلفي القوت، أو اعتبرنا قوت الشخص بنفسه فاختلف قوتهما فأوجه: أصحها: يخرج كل واحد نصف صاع من قوته، وقيل: من قوت بلد العبد.
انتهى.
وهذا الوجه الذي ضعفه هو الصحيح في المسألة فاعلمه.

الجزء: 4 - الصفحة: 37

وأما الأول فمخالف لما ذكره قبل ذلك فإنه قال: ولو ملك رجلان عبدًا وأوجبنا الغالب من قوت البلد ومكان العبد في بلد آخر بني على أن الفطرة تجب على المالك ابتداء أم بطريق التحمل؟ انتهى.
ومقتضاه أن الصحيح وجوبها من بلد العبد على عكس ما سبق نقله الآن عن "الروضة".
وقد ذكر الرافعي المسألة على الصواب؛ فإنه بعد ذكره لما قاله النووي نقل عن الشيخ أبي عليّ أن هذا إذا قلنا بوجوبها على المخرج ابتداءا، فإن قلنا بالتحمل تعين قوت بلد العبد، وهكذا ذكره الرافعي في "الشرح الصغير" من غير نقله عن الشيخ أبي عليّ؛ بل جزم به.
وكذلك النووي في "شرح المهذب"، ولكنه في "الروضة" أهمل ذكر هذا التفريع نسيانًا، وجعلها مسألة مستقلة فحصل من الغلط ما حصل، ثم إنه أخذ مما قرره في "الروضة" وجعله في "المنهاج" من زياداته، وفي "تصحيح التنبيه".
وذلك كله خطأ فاعلمه، ولم يتفطن له في شيء من كتبه إلا في "شرح المهذب" كما أشرنا إليه.

قوله: فهل يتخير بين الأقوات؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لظاهر حديث أبي سعيد.
وأصحهما: لا؛ بل يتعين الغالب؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم" 140، ولو صرف إليه غير القوت الغالب لما كان يغني عن الطلب؛ فإن الظاهر أنه يطلب القوت الغالب في البلد.
ثم قال: وقول الغزالي في "الوجيز"، ثم يتعين من الأقوات القوت

الجزء: 4 - الصفحة: 38

الغالب يوم الفطرة: التقييد بيوم الفطر لم أظفر به في كلام غيره، وبين لفظه هاهنا [ولفظ] 141 "الوسيط" بعض المباينة؛ لأنه قال: المعتبر فيه غالب قوت البلد في وقت وجوب الفطرة لا في جميع السنة.
انتهى كلامه.
وذكر مثله في "الشرح الصغير"، وتابعه النووي على ذلك في "الروضة"، وليس فيه بيان للوقت المعتبر.
وذكر مثله في "شرح المهذب" أيضًا، إلا أنه تعرض لبيان الوقت بكلام لا إيضاح فيه أيضًا فقال ما نصه: هذا النقل غريب كما قال الرافعي، والصواب: أن المراد قوت السنة كما سنوضحه في الفرع الذي بعد هذا، انتهى كلامه.
ثم ذكر بعده الفرع الذي أشار إليه فقال: فرع إذا اعتبرنا قوت البلد أو قوت نفسه وكان القوت مختلفا باختلاف الأوقات ففي بعضها يقتاتون أو يقتات جنسًا وفي بعضها جنسًا آخر.
قال السرخسي في "الأمالي": إن أخرج من الأعلى أجزأه وكان أفضل، وإن أخرج من الأدنى فقولان: أحدهما: لا يجزئه احتياطًا للعبادة.
قال: وأصحهما: يجزئه؛ لدفع الضرر عنه، ولأنه يسمى مخرجًا من قوت البلد أو من قوته هذا كلامه.
وحاصله: تصحيح اعتبار الغلبة في وقت من أوقات السنة، والتقييد الذي ذكره الغزالي في "الوسيط" قد ذكره أيضًا صاحب "الذخائر" وهو القياس.

الجزء: 4 - الصفحة: 39

والاستدلال الذي تقدم الآن نقله عن الرافعي كالصريح فيه.

قوله: وإن مات بعد استهلال الهلال عن عبد؛ فتقدم فطرة العبد على [الوصايا] 142 والميراث.
وفي تقديمها على الديون طريقان: أظهرهما: أنه على ثلاثة أقوال على ما قدمناها في زكاة المال.
والثانى: القطع بتقديم الفطرة [لأنها] 143 متعلقة بالعبد واجبة بسببه فصار كأرش جنايته.
وأما فطرة نفسه فهى على الأقوال، وحكى القاضي الروياني -رحمه الله- طريقة أخرى قاطعة بتقديم فطرة نفسه أيضًا لقلتها في الغالب.
انتهى كلامه.
والذي حكاه الروياني في "البحر" وسبقه إليه الماوردي أن أبا الطيب ابن سلمة قال: زكاة الفطر تقدم على الديون قولًا واحدًا لقلتها في الغالب وتعلقها بالرقبة، وزاد الماوردي على هذا: فاستحقت كأرش الجناية.
وهذا الطريق هو غير الطريق السابق المذكور في العبد، ولا يتصور أن يكون في المالك كما فهمه الرافعي؛ لأن التعليل بالتعلق بالرقبة وبالتشبيه بأرش الجناية يدفع ذلك، ولم يتعرض له في "الحلية".

قوله من زوائده: ولو أخرج الأب من ماله فطرة ولده الصغير الغني جاز كالأجنبي إذا أذن، بخلاف الابن الكبير.
انتهى.

الجزء: 4 - الصفحة: 40

فيه أمران: أحدهما: أن محل المنع في الكبير ما إذا كان عاقلًا رشيدًا، فإن كان مجنونًا جاز.
وكذلك السفيه على ما دل عليه كلامه في "شرح المهذب"؛ لأن الفارق بين الصغير والكبير هو استقلال الأب بتمليك الصغير، وهذا موجود في المجنون والسفيه، وما ذكره في السفيه هو قياس ما ادعاه من كونه ينوي عنه وفيه كلام سبق.
وعلل المحب الطبري في "ألغازه" عدم الإجزاء عن الكبير بكونه قادرًا على النية، وهذا يقتضي التفرقة بين السفيه والمجنون.
الأمر الثاني: أنه سكت عن الوصي وحكمه أنه لا يجوز له ذلك إلا بإذن القاضي.
كذا قاله البغوي، ونقله أيضًا الماوردي.

الجزء: 4 - الصفحة: 41

فصول الكتاب · 72 فصل
فصول المهمات في شرح الروضة والرافعي
المقدمةالمقدمةمقدمة المحققمقدمة المؤلفكتاب الطهارةكتاب التيممكتاب الحيضكتاب الصلاةكتاب الصلاةكتاب الصلاة بالجماعةكتاب صلاة المسافرينكتاب الجمعةكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الحجكتاب البيعكتاب الرهنكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب العاريةكتاب الغصبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب الجعالةكتاب الوقفكتاب الهبةكتاب اللقطةكتاب اللقيطكتاب الفرائضكتاب الوصاياكتاب الوديعةكتاب قسم الفيء والغنيمةكتاب قسم الصدقاتكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب القسم والنشوزكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفاراتكتاب "العدد"كتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجراحكتاب الدياتكتاب دعوى الدمكتاب الجنايات الموجبة للعقوباتكتاب موجبات الضمانكتاب السيركتاب [عقد] (1) الجزية والمهادنةكتاب الصيد والذبائحكتاب الضحايا والعقيقةكتاب الأطعمةكتاب السبق والرميكتاب الأيمانكتاب [النذر]كتاب القضاءكتاب الشهاداتكتاب الدعاوى والبيناتكتاب التدبيركتاب الكتابةكتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل