المهمات في شرح الروضة والرافعيكتاب الصلاة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[قوله] 1 الصلاة في الشريعة عبارة عن الأفعال المفتتحة بالتكبير، المختتمة بالتسليم بشرائط.
انتهى.
وهذا الحد الذي ذكره يرد عليه سجدة التلاوة والشكر، فإن الحد صادق عليهما مع أنهما ليستا من أنواع الصلاة كما صرح به الرافعي، بل ذلك في الكلام على الأوقات المكروهة، وهو واضح أيضًا.
والمراد بالأفعال هو ما يصدر عن الشخص، ليعم القراءة وغيرها من الأركان القولية، وأنها من الصلاة بلا نزاع.

قوله في أصل "الروضة": فالأركان المتفق عليها سبعة عشر: النية والتكبير والقيام والقراءة والركوع والطمأنينة فيه والاعتدال والطمأنينة فيه، والسجود والطمأنينة فيه، والجلوس بين السجدتين والطمأنينة فيه، والقعود في آخر الصلاة والتشهد فيه، والصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيه، والتسليم، وترتيبها هكذا؛ انتهى.
فيه أمور: أحدها: أنه جعل من المتفق على ركنتيه التكبير، والطمأنينة، والصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والتسليم، وليس كذلك.
فأما التكبير ففي "البحر" للروياني وجه أنه شرط لا ركن؛ وعلله بأن الركن هو الداخل في الماهية، والمصلي لا يدخل في الصلاة إلا بفراغه منه.

الجزء: 3 - الصفحة: 5

وأجاب عنه الروياني بأن المصلي إذا فرغ منه تَبَيَّنا دخوله في الصلاة بأوله.
والنووي في "شرح المهذب" حكى هذا عن أبي حنيفة، قال: وفائدة الخلاف في كونه شرطًا أو ركنًا فيما لو افتتح التكبير بمانع ما من النجاسة أو استدبار القبلة، أو غيره، وهي فائدة صحيحة فاعلمها.
وأما الطمأنينة فإن الغزالي لم يجعلها ركنًا مستقلًا بل هيئة تابعة للركن، ومال إليه الرافعي فقال: وبه يُشْعِر قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ثم اركع حتى تطمأن.
. . ." 2 إلى آخر الحديث.
وأما الصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فليست متفقًا على وجوبها فضلًا عن ركنيتها فإن الجرجاني حكى في كتابيه "الشافي" و"التحرير" قولين في إيجابها فقال: [فصل] 3. وأما الصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فهي واجبة في التشهد الأخير على أصح القولين.
هذا لفظه، ومنهما نقلته.
وحكى القاضي عياض في "الشفا" عدم الوجوب أيضًا عن الخطابي من أصحابنا، ونقله في "شرح المهذب" عن ابن المنذر وقال: إنه من جملة الأصحاب.
وأما السلام فرأيت في "الذخائر" للقاضي مجلي وجهًا أنه شرط، فثبت بطلان دعواه في هذه الأربعة.
ولم يتعرض الرافعي -رحمه الله- لنفي الخلاف، فقد ذكر النووي من

الجزء: 3 - الصفحة: 6

جملة المقطوع به أيضًا النية، إلا أنه بعد أسطر قد ذكر الخلاف فيها.
الأمر الثاني: أن الرافعي لم يرفض عد الترتيب من [بين] 4 الأركان على الإطلاق فضلًا عن دعوى عدم الخلاف فيه، فإنه نقل في تفسير الركن عبارتين، ثم نقل عن الغزالي أنه عد الأركان أحد عشر؛ ثم قال: ومنهم من ضم إلى الأحد عشر التي ذكرها الترتيب في الأفعال.
وهكذا أورده صاحب "التهذيب" ويظهر عده من الأركان على العبارة الثانية .. هذه عبارته إلا أنه جزم به في "المحرر"، وقال في "الشرح الصغير": إنه حسن.
الأمر الثالث: أن تعبيره بقوله: ترتيبها هكذا.
أي على مقتضى العدد غير مستقيم؛ لأن النية والتكبير لا ترتيب بينهما، وكذلك القيام مع القراءة.
وقد صرح الرافعي في كتاب الحج في أوائل الفصل الثامن المعقود للمبيت بأنه لا ترتيب بين القيام والقراءة.

قوله: ومن فرض الموالاة ونية الخروج ألحقها بالأركان.
انتهى.
فيه أمور: أحدها: أن مدلول هذا الكلام هو اتفاق القائلين بالوجوب [على الركنية ولأجل ذلك اغتر ابن الرفعة به فقال: لا خلاف أن نية الخروج] 5 من الأركان وليست كذلك.
فأما الموالاة ففي "النهاية" عن الأصحاب أنها شرط.

الجزء: 3 - الصفحة: 7

وأما نية الخروج ففي كونها ركنًا أو شرطًا وجهان رأيتهما في "العمد" للفوراني، وفي "الإبانة" له أيضًا.
الأمر الثاني: أن النووي قد تابع الرافعي هنا، وفي أكثر كتبه على جعل الموالاة من الأركان.
وخالف في "شرح الوسيط" فقال في باب شروط الصلاة: والموالاة والترتيب شرطان، وهو أظهر من جعلهما من الأركان.
هذه عبارته، ومن خطه نقلت.
الأمر الثالث: في تصوير الموالاة في الصلاة، فإن في تصويره إشكالًا، وقد تعرض لتصويره إمام الحرمين فقال: ولا يتصور ذلك إلا في تطويل الفواصل كالاعتدال والجلوس بين السجدتين، قال: فالتفريق في الصلاة إنما هو تطويل ركن قصير؛ وتبعه الرافعي على هذا التصوير فقال بعد ذلك في الكلام على ترك الموالاة في الفاتحة ناسيًا: ولو أخل المصلي بالموالاة ناسيًا بأن طول ركنًا قصيرًا لم يضر.
هذا كلامه.
ولما كان في الإبطال بتطويل الركن القصير خلاف شهير عبر الرافعي بقوله: ومن فرض الموالاة؛ فاعلم ذلك فإنه دقيق مهم.
وصور ابن الصلاح بصورة أخرى رأيتها في نكت له على "المهذب" فقال: وعندي أن صورته ما إذا سلم ناسيًا، وطال الفصل فإنها تبطل للتفريق، لأنه ليس بمتصل حقيقة بخلاف الفصل القصير فإنا عفونا عنه كالكلام اليسير.
وقد أعاد الرافعي الكلام على هذه المسألة في أوائل سجود السهو، وذكرت أيضًا لفظه هناك فراجعه.

الجزء: 3 - الصفحة: 8

قوله: وعد الغزالي هنا الأبعاض أربعة: أحدها: القنوت.
وثانيها: التشهد الأول.
وثالثها: العقود له.
ورابعها: الصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيه إذا قلنا باستحبابها.
وألحق بها شيئان: أحدهما: الصلاة على الآل في التشهد الثاني إن قلنا: إنها مستحبة لا واجبة، وكذلك في التشهد الأول إن استحببناها تفريعًا على استحباب الصلاة على الرسول فيه؛ وهذا الخامس قد ذكر في الكتاب في باب السجدات.
والثاني: القيام للقنوت عُدَّ بعضًا [برأسه] 6 وقراءة القنوت بعضًا آخر، حتى لو وقف ولم يقرأ سجد للسهو، وهذا هو الوجه إذا عددنا التشهد بعضًا، والقعود له بعضًا آخر.
انتهى كلامه فيه أمور: أحدها: أن الغزالى في "الوجيز" في البابين معًا، قد ذكر الصلاة على الآل في التشهد الثاني؛ فدعواه أنه أهمله هنا غريب.
ثم إن الغزالي في "الوجيز" لم يتعرض للصلاة على الآل في التشهد الأول، لا هنا ولا هناك فاعلمه، فإن ظاهر كلامه يقتضي أن الغزالي عده هناك، وأن المراد بالخامس هو الصلاة على الآل في التشهدين، إذا قلنا باستحبابهما.
الأمر الثاني: أن ما ذكره من كونه لو وقف ولم يقرأ أن يسجد إنما هو بيان للسجود بترك القراءة دون القيام، ولم يبين صورة العكس، وهو

الجزء: 3 - الصفحة: 9

السجود للقيام فقط مع غموضه.
وأما الذي مثل له فإنه واضح، وصورته: أن يكون لا يحسن القنوت ولا التشهد فإنه يستحب له أن يقف ويجلس بقدرهما كما قاله في باب صفة الصلاة من "الكفاية"؛ وحينئذ فإذا ترك ذلك سجد للسهو كما ذكره في الباب المذكور، وفي باب سجود السهو أيضًا.
وما ذكره يدل على أن التشهد والقنوت إنما يشرع السجود لتركهما إذا كان التارك يحسنهما، ولو قيل بخلافه لم يبعد نظرًا إلى أن التارك من حيث الجملة محتاج إلى الجبر.
وخالف في "الإقليد" ما ذكره ابن الرفعة فقال في "التحقيق": إن القيام للقنوت لا يعد من هذه الجملة لأن القنوت يشرع في قيام مشروع لغيره وهو ذكر الاعتدال؛ ولهذا لا يقف من لا يعرف القنوت بقدر القنوت، والتشهد شرع جلوسه مقصودًا في نفسه، ولهذا يجلس من لا يعرف التشهد بقدره.
هذا كلامه.
الأمر الثالث: في تصوير السجود لترك الصلاة على الآل في التشهد الثاني بأن السجود محله قبل السلام، وحينئذ فإن لم يسلم صلى على الآل، ولا سجود، ولا ترك، وإن سلم فات المحل.
والجواب: أنه يتصور بما إذا صلى مأمومًا وتيقن ترك إمامه لذلك، وهذه الصورة لا إشكال فيها، وقد تصور أيضًا بصورتين للنظر فيهما مجال.
إحداهما: إذا سلم ناسيًا للترك فإن المتجه أن يسجد كما أطلقوه، وإن كان يحتمل أن يقال: إذا سجد كان عائدًا إلى الصلاة كما صححوه؛ وإذا عاد فيأتي بها لأن محلها باقٍ وهو القعود.
وإذا أتى بها فلا سجود فيؤدي السجود إلى عدم السجود، وذلك دور.

الجزء: 3 - الصفحة: 10

وجوابه: بأنه يسجد ويعود إلى الصلاة ولكن لا يأتي بالمتروك للدور المذكور، ولاشتغاله بشيء آخر.
الصورة الثانية: إذا تركها واشتغل بالأدعية المأثورة فيحتمل أن يأتي بها ولا سجود لأنه لم يشتغل بفرض، ويحتمل عدم الإتيان لاشتغاله بما بعدها من السنن، كما قالوا: إنه لا يعود إلى دعاء الاستفتاح بعد تعوذه على الصحيح.
وما ذكرناه موقوف على قاعدة: وهي أن من اشتغل عن السنة بسنة بعدها، هل يعود إلى السنة المتروكة أم لا؟ كلام صاحب "التنبيه" يدل على أنه يعود، فإنه قال: وإن ترك سنة فإن ذكر قبل التلبس بقرض عاد إليه، وإن تلبس بفرض لم يعد إليه.
فدل على أنه لا أثر للتلبس بالسنة، ووافقه عليه ابن الرفعة، واعتذر عن عدم العود إلى دعاء الاستفتاح بأنه لمعنى، وهو الاستفتاح وقد زال.
وكلامه في "المهذب" يدل على عدم العود فإنه ذكر المسألة في باب سجود السهود فقال: فإن نسى سنة نظرت فإن ذكر ذلك، وقد تلبس بغيره مثل إن ترك دعاء الاستفتاح فذكره، وهو التعوذ، أو ترك التشهد الأول فذكره وقد انتصب قائمًا لم يعد إليه.
هذه عبارته، ووافقه النووي في شرحه له، وزاده تصريحًا فقال: قال أصحابنا: إذا ترك المصلي سنة وتلبس بغيرها لم يعد إليها؛ سواء تلبس بفرض أو سنة.
هذه عبارته، وستكون لنا عودة أيضًا إلى الكلام في الأبعاض في أول باب سجود السهو فراجعه.

الجزء: 3 - الصفحة: 11

الركن الأول التكبير

قوله: وهل يجب استصحاب النية إلى أن يفرغ من التكبير؟ فيه وجهان: أصحهما: نعم.
انتهى.
ذكر مثله أيضًا في "الشرح الصغير" و"المحرر" ثم خالف ذلك في كتاب الطلاق من "الشرح الكبير" فقال في الكلام على نية الكنايات.
والأظهر: الاكتفاء بمقارنتها لأول التكبير.
انتهى.
وحذفه النووي من "الروضة" هناك فاتفق أن يسلم من الاختلاف؛ لكنه قال في "شرح المهذب" و"شرح الوسيط" المسمى "التنقيح": المختار ما اختاره الإمام والغزالي [إلى] 7 أنه يكفي فيها المقارنة العرفية عند العوام بحيث يعد مستحضرًا لصلاة.

قوله: في أصل "الروضة": ولو علق الخروج بدخول شخص ونحوه مما يحتمل حصوله في الصلاة، وعدمه بطلت في الحال في الأصح كما لو دخل في الصلاة هكذا فإنها لا تنعقد بلا خلاف، وكما لو علق به الخروج من الإسلام فإنه يكفر في الحال قطعًا.
والثاني: لا تبطل في الحال.
وهل تبطل بوجود الصفة إذا وجدت وهو ذاهل عن التعليق؟ وجهان: أصحهما وهو قول الأكثرين: تبطل.

الجزء: 3 - الصفحة: 12

قال الإمام: ويظهر على هذا أن يقال: يتبين بالصفة بطلانها من حين التعليق.
أما إذا وجدت، وهو ذاكر للتعليق فتبطل قطعًا.
انتهى.
ذكر الرافعي نحوه، وفيه أمور: أحدها: أن الرافعي قد عكس هذا الترتيب في الصيام فقال قبيل الركن الثاني: هل هو خارج عن الصوم عند مجيئه؟ فيه وجهان: إن قلنا نعم فهل يخرج في الحال؟ فيه وجهان: وكل ذلك كما في الصلاة.
الأمر الثاني: أن ما ذكره من عدم الخلاف فيما إذا دخل في الصلاة على هذا التعليق ليس كذلك، فقد حكى القاضي حسين في "تعليقه" في ذلك خلافًا.
الأمر الثالث: [أن ما ذكره من] 8 كونه ذاكرًا للتعليق مدلوله استحضار أنه كان قد علق مع أنه لم ينس تعليقًا آخر مماثلًا للأول، فهذا لا سبيل فيه إلى ما زعمه من القطع بالبطلان ولا شك أن مراده إنشاء تعليق آخر إلا أن عبارته قصرت عنه.

قوله فيها أيضًا: ولو تردد الصائم في الخروج من صومه، أو علقه على دخول شخص ونحوه لم يبطل على المذهب الذي قطع به الجماهير، وقيل: وجهان.
انتهى.
وما ذكره من تصحيح طريقة القطع قد خالفه في كتاب الصوم فجزم بحكاية وجهين.

قوله: الثانية لو شك في النية نظر إن أحدث على الشك ركنًا فعليًا بطلت صلاته، وإن أحدث ركنًا قوليًا كالقراءة والتشهد، وكذلك في أظهر

الجزء: 3 - الصفحة: 13

الوجهين، وهو المنصوص.
انتهى ملخصًا.
وهذه العبارة تشعر أو توهم أن الحكم متعلق بجميع الفاتحة أو التشهد، وليس كذلك، بل البعض منها مبطل أيضًا على الأصح كما صرح به الخوارزمي في "الكافي" ونقله عن نص الشافعي.

قوله: وفي اشتراط نية الفرضية وجهان: أظهرهما عند الأكثرين، وبه قال أبو إسحاق: يشترط لأن الطهر قد يوجد من الصبي، وممن صلى منفردًا ثم أعادها في الجماعة، مع أنه ليس بفرض، ولك أن تقول: إن عني بالفرضية في هذا المقام كونها لازمة على المصلي بعينه وجب أن لا ينوي الصبي الفرضية بلا خلاف ولم يفرق الأئمة بين الصبي والبالغ بل أطلقوا الوجهين.
وأيضًا فإن من صلى منفردًا ثم أدرك جماعة ينوي بالثانية الفرض على الصحيح، وهو غير لازم عليه وإن عنى بالفرضية كونها لازمة على أهل الكمال فالطهر أخص منه، والتعرض للأخص يغني عن التعرض للأعم؛ وإن عنى به شيئًا آخر فلابد من بيانه.
انتهى ملخصًا.
فيها أمران: أحدهما: أن ما أشعر به إطلاقه من إلحاق الصبي في ذلك بالبالغ قد صرح به في الباب الثالث من أحكام التيمم فقال: والصحيح أن الصبي لا يجمع بين فرضين لأنه وإن لم يكن ملحقًا لكن ما يؤديه حكمه حكم الفرض، ألا ترى أنه ينوي بصلاته المفروضة.
هذه عبارته.
وقد صرح النووي أيضًا هنا في "الروضة" بذلك فقال مختصرًا لكلام الرافعي ونية الفرضية شرط على الأصح عند الاكثرين سواء كان الناوي بالغًا أو صبيًا، ثم خالف ذلك في "شرح المهذب" فقال: قال الرافعي:

الجزء: 3 - الصفحة: 14

وسواء في الاشتراط كان الناوي بالغًا أو صبيًا، وهذا ضعيف.
والصواب أنه لا يشترط في حقه نية الفرضية، وكيف ينوي الفرضية وصلاته لا تقع فرضًا؟ . وقد صرح بهذا صاحب "الشامل" وغيره.
هذا كلامه.
وذكر مثله في "التحقيق" فقال: الأصح أنه لا يشترط، وما ذكره النووي فيهما هو الصواب.
وقد جزم به أيضا في "التتمة" في الكلام على ما إذا صلى الصبي ثم بلغ وإمام الحرمين في الكلام على المنفرد إذا أعاد في جماعة، ونقله عنه الرافعي هناك، واقتضى كلامه الاتفاق عليه، وستعرفه في موضعه إن شاء الله تعالى.
ورأيته أيضًا مجزومًا به في كتاب "القولين والوجهين" للمحاملي في كتاب الصيام.
واعلم أن الذي ذكره الرافعي أيضًا في الصلاة المعادة قد خالفه في "الروضة" في صلاة الجماعة فقال من زوائده: الراجح أنه لا يشترط فيها نية الفرضية، وبما ذكرناه يحصل الجواب عن البحث السابق.
وتعليل النووي عدم نية الفرضية لكونه لا يقع فرضًا منقوض بمن أدرك الإمام في الجمعة بعد الرفع من الركوع الثاني، فإن الأصح في "الروضة" و"شرح المهذب" وغيرهما أنه ينوي الجمعة [وإن كانت لا تحصل، وكتب النووي على حاشية هذه المسألة في كتاب الجمعة] 9، من "الروضة" فقال: إنما ينوي الجمعة لأنا لم نتيقن فواتها لاحتمال أن يكون الإمام قد

الجزء: 3 - الصفحة: 15

نسي القراءة من إحدى الركعتين فتذكر أنه بقي عليه ركعة فيقوم إليها.
وحينئذ فيكون الذي قاله فارقًا بين المسألتين، لكنه غير مستقيم، فقد ذكر في "الروضة" من "زياداته" أن المسبوق إذا بقي عليه ركعة فقام الإمام إلى خامسة، فلا يجوز متابعته فيها حملًا على أنه تذكر ترك ركن.
وأيضًا فلو راعينا هذا لكان يلزمه الاقتداء به، وهو بعيد.
الأمر الثاني: أن كلامه يقتضي إلحاق فرض الكفاية والمندوب وركعتي الطواف إن أوجبناهما بالصلوات الخمس في شيئين: أحدهما في التعيين، وهو ظاهر، وكلامهم في الصوم يدل عليه، وحينئذ فينوي صلاة الجنازة مثلًا أو عن نذر أو ركعتي الطواف.
ثانيهما: في الفرضية، وهو ظاهر أيضًا، وقد صرح به في فرض الكفاية الرافعي في باب صلاة الجنازة، وحكى معه وجهًا آخر أنه لابد من نية فرض الكفاية.
وأما المنذور فنقله في "الكفاية" عن بعضهم ساكتًا عليه، والقياس في ركعتي الطواف كذلك.

قوله: وأصح الوجهين عند الأكثرين أنه لا يشترط التعرض لنية الأداء والقضاء، بل يصح الأداء بنية القضاء، وبالعكس.
ولك أن تقول: إن جرى ذلك على لسانه أو في قلبه، ولم يقصد حقيقة معناه، بل قصد بالأداء حقيقته، وبالقضاء حقيقته، فلا ينبغي أن يقع نزاع في جوازه، وإن قصد معناه المصطلح عليه، فلا ينبغى أن يقع نزاع في منعه، وإن كان المراد شيئًا آخر فلابد من بيانه أولًا.
انتهى.

الجزء: 3 - الصفحة: 16

فيه أمران: أحدهما: أنه قد يلتزم تصويره بما إذا أراد شيئًا آخر [لابد من بيانه] 10 فسبق لسانه إلى غيره بناءً على أن التلفظ يجب، وعلى أن نية القضاء والأداء لابد منها، وهذا الجواب قد ذكره في "الكفاية".
الأمر الثاني: أن النووي قد استدرك عليه في "الروضة" فقال: مراد الأصحاب بهذه المسألة ما إذا نوى ذلك جاهلًا بالوقت لغيم ونحوه، وذكر أيضًا مثله في "شرح المهذب" ثم قال: صرح الأصحاب بأنه إذا نوى الأداء في وقت القضاء وعكسه لم يصح بلا خلاف.
وممن صرح به إمام الحرمين في مواقيت الصلاة.
انتهى.
وحاصل ما قاله النووي: أن محل الوجهين فيما إذا نوى ذلك جاهلًا، لكنه قد ذكر في الشرح المذكور قبل هذا الموضع بأسطر قلائل ما يخالفه فقال: وإذا ظن الوقت باقيًا فنوى الأداء لم يضر بلا خلاف، ونص عليه الشافعي.
هذا كلامه.
وذكر قريبًا منه أو ما يقتضيه في مثله من الصوم.
واعلم أن حمل الخلاف على صورة الجهل وإثبات الخلاف فيها قد أنكره في "الكفاية"، ولا وجه لإنكاره؛ وتوجيه البطلان أنه نوى شيئًا ليس مطابقًا لما في نفس الأمر لاسيما من يقول بوجوب التعرض للأداء والقضاء، فله أن يقول: هذا الشرط لم يحصل، فبطلت الصلاة مع الجهل كسائر الشروط التي جهلها المصلي.
وقد ظفرت بنسخة صحيحة من "فتاوى القاضي حسين" ورأيته قد ذكر هذه المسألة فقال: ظاهر المذهب أنه يصح؛ وهو يقتضي إثبات الخلاف، ثم

الجزء: 3 - الصفحة: 17

رأيت نسخة أخرى فلم أظفر بذلك لاختلاف النسخ ورأيت في "فتاوى القفال" كلامًا حاصله: التفصيل بين أن يضم إليه شيئًا آخر يعارضه لقوله: أصلي فرض الوقت قضاءًا، أو أصلي ظهر أمس [أداء] 11، فيصح، ويلغو ذكر القضاء والأداء، أو لا يضم إليه ذلك، فلا يصح [فاقتضى] 12 كلامه فرض ذلك مع العلم.

قوله: في "الروضة": ولا يشترط التعرض لعدد الركعات على الصحيح، لكن لو نوى الظهر ثلاثًا أو خمسًا لم تنعقد.
انتهى.
وما ذكره من عدم الانعقاد [مقتضاه] 13 أنه لا فرق فيه بين الغالط والعامد، وهو خلاف ما ذكره الرافعي فإنه قد ذكر ذلك قبل هذه المسألة بقليل استدلالًا على شئ، وفرضه في حالة العلم.
ومقتضاه أنه لا يؤثر عند الغلط، ويؤيده ما ذكروه في نية الخروج من الصلاة وفي غيرها فإنهم قالوا: إذا لم يوجبها فأخطأ في التعيين لم يضر.

قوله: القسم الثاني: النوافل، وهما ضربان: أحدهما: النوافل المتعلقة بوقت أو سبب فيشترط فيها أيضًا نية فعل الصلاة، والتعيين [فينوي] 14 سنة الاستسقاء والخسوف، وسنة عيد الفطر والتراويح والضحى وغيرها.
وفي الرواتب تعين بالإضافة فيقول: أصلي ركعتي الفجر، وراتبه الظهر، أو سنة العشاء.
انتهى.

الجزء: 3 - الصفحة: 18

فيه أمور: أحدها: أن النووي في "شرح المهذب": قد مثل للراتبة بقوله: وسنة الظهر التي قبلها أو التي بعدها.
هذه عبارته.
واقتضى كلامه اشتراط ذلك، ولا وجه لاشتراطه عند تقديم المقدمة لا فيها ولا في المتأخرة.
فإن أخرها فقد اجتمعتا فتحتمل الشرطية، ويتجه تخريجه على الخلاف في الأداء، والقضاء عند اجتماعهما، وإن كانت المؤخرة أداء.
وأصل هذا البحث أن الراتبة المقدمة على الفريضة تؤخر وتكون أداء بخلاف المؤخرة فإنها لا تقدم.
الأمر الثاني: أن كلامه -أعني: الرافعي- يقتضي اشتراط التعيين في ركعتي لإحرام والطواف والتحية وسنة الوضوء لأنها من ذوات السبب كما صرحوا به في الأوقات المنهي عنها مع أنه لا يشترط في التحية بلا شك كما قاله في "الكفاية" قال: وأما الأولان فصرح الأصحاب باشتراط التعيين فيهما؛ وقد صرح في "تصحيح التنبيه" بركعتي الطواف، وعدهما مما يجب فيه التعيين بلا خلاف، وأما سنة الوضوء فيتجه إلحاقها بالتحية، وقد ذكر الغزالي ذلك وزاد عليه فقال في "الإحياء" في كلامه على سنة الوضوء: ولا ينبغي أن ينوي ركعتي الوضوء كما ينوي ركعتي التحية، فهو تطوع محض يقع عقب الوضوء كيلا يتعطل وضوءه.
الأمر الثاني: أن تعبيره بقوله: ركعتي الفجر أو راتبه الظهر أو سنة العشاء، فيه إشارة إلى التخيير بين هذه الألفاظ.
وتعبيره بقوله: فينوي سنة الاستسقاء، والخسوف، وسنة عيد الفطر والتراويح، والضحى إلى آخره.

الجزء: 3 - الصفحة: 19

هكذا وقع في الرافعي -أعني: بلفظ- السنة ولا يمكن تصحيح النية بما ذكره فقط.
وعبر في "الروضة" بقوله: فينوي صلاة الاستسقاء والخسوف أو عيد الفطر أو النحر.
قال الشيخ عز الدين: وينبغي في صلاة العيد أن لا يجب التعرض لكونه فطرًا أو نحرًا لأنهما مستويان في جميع الصفات فيلتحق بالكفارات.
الأمر الرابع: أن الرافعي قد جزم في مواضع من باب صلاة التطوع بأن الوتر من الرواتب التابعة للفرائض، وتابعه عليه في "الروضة"، وحينئذ فكيف يستقيم مع ذلك ما ذكراه هنا ليس من كونها لا تضاف إلى العشاء لأنها صلاة مستقلة.
الأمر الخامس: أن ما سبق في الوتر محله فيما إذا نوي عددًا، فإن لم ينو شيئًا فهل يلغو لإبهامه أو تصح وتحمل على ركعة [لأنها المتيقن] 15 أو على ثلاث لأنها أفضل كما لو نوى الصلاة فإنها تنعقد ركعتين مع صحة الركعة أو علي إحدى عشرة لأن الوتر له غاية هي أفضل فحملنا الإطلاق عليها بخلاف الصلاة؟ في كل ذلك نظر.

قوله: وهل يشترط التعرض للنفلية في هذا الضرب؟ اختلف فيه كلام الناقلين، وهو قريب من نية الفرضية في الفرض.
انتهى.
وهذا الخلاف الذي ذكره الرافعي -رحمه الله- كيف يتصور مع التصريح بالسنة؟ فإن التعرض لسنة العشاء مثلًا يستلزم التعرض للسنة قطعًا.

الجزء: 3 - الصفحة: 20

قوله: الضرب الثاني: النوافل المطلقة فيكفي فيها نية فعل الصلاة، ولم يذكروا هنا خلافًا في اشتراط التعرض للنفلية.
ويمكن أن يقال: مقتضى اشتراط الفرضية في الفرض اشتراط النفلية هنا.
انتهى.
وما ذكره من عدم ذكرهم الخلاف، ليس كذلك فقد جزم صاحب "التقريب" بأن الصلاة لا تصح إلا مع التعرض للفرض أو النفل.
ذكر ذلك في كتاب "الحج" في الكلام على ما إذا أهل بالحج في غير أشهره، فقال ما نصه: فأما الصلاة فلا يجوز صرفها من نية إلى نية لأنه عقدها لا يجوز على غير شيء، ألا تراه لو صلى لا ينوي به فرضًا، ولا نفلًا لم يجز صرفها إلى واحد منهما لحاجة كل واحد منهما إلى تعيين النية له دون صاحبه.
وللشافعي ما يدل على هذا القول، وقد أشرنا إليه في كتاب الصلاة.
هذا كلام ابن القفال، ومن "التقريب" نقلته.
ولم يطلع في "الروضة" على ما ذكرناه فقال: الصواب الجزم بعدم اشتراط النفلية في الضربين، ولا وجه للاشتراط في الأول، وذكر نحوه في "شرح المهذب"، ووجه ما قاله من أنه لا وجه لاشتراطه في الضرب الأول؛ وهو ذو السبب والوقت أمران: أحدهما: ما ذكرته قبل هذه المسألة.
والثاني: أن هذه الأمور لا تكون إلا نافلة بخلاف الظهر ونحوها، فإنها قد تكون فرضًا، وقد لا تكون بدليل صلاة الصبي، والصلاة المعادة، فاعلم ذلك فإن كلامه قد يتبادر منه العكس.

الجزء: 3 - الصفحة: 21

قوله في أصل "الروضة": النية في جميع العبادات تتعين بالقلب، ثم قال: ولنا وجه شاذ أنه يشترط نطق اللسان.
انتهى.
وهو يقتضي أن هذا الوجه يجري في العبادات كلها لأنه لم يخصه بشيء، وليس كذلك.
فإن الصوم لا يجب النطق فيه بلا خلاف كما هو مصرح به في "الشرح" و"الروضة" في كتاب الصيام، وكذلك أيضًا الحج كما دل عليه كلام الرافعي هنا، وكذا في الزكاة كما دل عليه كلامه في موضعه.
وكلام الرافعي لا إيراد عليه، لأن سياق كلامه هنا يقتضي تخصيص الوجه بالصلاة.
نعم في باب الوضوء من "البحر" وجه أنه لابد من التلفظ، ومقتضاه جريانه في العبادات كلها فإنه قال: وقال أبو عبد الله الزبيري: النية اعتقاد بالقلب، وذكر باللسان، ليظهر بلسانه ما اعتقد بقلبه.
هذه عبارته.
وهو لا يدفع عن النووي الاعتراض المذكور.

قوله: ولو عقب النية بقوله: إن شاء الله تعالى، بالقلب أو اللسان، فإن قصد به التبرك ووقوع الفعل بمشيئة الله تعالى لم يضر.
وإن قصد الشك لم تصح صلاته.
انتهى.
تبعه عليه في "الروضة"، وقد أهملا قسمًا ثالثًا وهو الإطلاق، وقد نص عليه الجرجاني في باب صفة الوضوء من "الشافي" وقال: إنه لا يصح، لأن اللفظ موضوع للتعليق.

قوله: ولو تحرم بالفرض منفردًا فجاء الإمام وتقدم ليصلي بالناس فقال -يعني الشافعي-: أحببت أن يسلم عن ركعتين تكون نافلة، ويصلي

الجزء: 3 - الصفحة: 22

الفرض في جماعة.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن ما قاله الشافعي معناه: أن يقطع نية الفرضية ويقلبها نفلًا، هكذا ذكره الرافعي في آخر كتاب صلاة الجماعة، وذكر هنا في آخر المسألة نحوه أيضًا، ولكن حذفه النووي من "الروضة".
الأمر الثاني: أن صورة المسألة أن تكون الجماعة مشروعة، فإن لم تكن كما لو كان يصلي الظهر مثلًا فوجد من يصلي العصر، فإنه لا يجوز القطع، كما قاله النووي في صلاة الجماعة من "شرح المهذب" ونقله عن المتولي وغيره.
ونقل الرافعي هناك عن القاضي حسين أنه في هذه الحالة لا يستحب القطع، وتابعه النووي عليه وزاد فجزم به غير ناقل له عن أحد.
والقياس امتناعه، فإن الخروج من الصلاة في الوقت يجعلها قضاء على ما قاله أئمتنا.
ويأتيك أيضًا في الحج.
وكان القياس يقتضي امتناعه، وإن كانت الجماعة مشروعة، إلا أَنَّا قد اغتفرناه لهذا الغرض.

قوله: ولو قلب فرضه نفلًا بلا سبب، فالأظهر البطلان.
انتهى.
إنما قيده بعدم السبب ليحترز عن المسألة السابقة، وعن المتيمم إذا رأى الماء في أثناء صلاته فإن له قلبها نفلًا على اختلاف فيه مذكور في موضعه،

الجزء: 3 - الصفحة: 23

[وعما] 16 لو دخل في الفائتة ظانًا أن وقت الحاضرة متسع فبان ضيقه فإنه يجب قطعها على الصحيح كما قاله 17 [في "الروضة".
قال القاضي حسين: ويستحب له في هذه الحالة أن يقلبها نفلًا ويسلم من ركعتين.

قوله في "الروضة": فإن طال -أي: الفصل بين التكبير لقوله: الله لا إله إلا هو الملك القدوس أكبر- لم يجزئه قطعًا.
انتهى.
وما ذكره من عدم الخلاف قد أشعر به كلام الرافعي أيضًا، وليس كذلك فقد خالف فيه [الشاشي] 18 فقال: ولا اعتبار عندي بطول الفصل وقصره، بل بالانتظام، فمتى أفاد التكبير بأن يكون [أكبر] 19 خبرًا عنه انعقد، وقد حكى ذلك في "الكفاية"، لكنه حكاه عن بعضهم، ولم يبين قائله.
واعلم أن الماوردي قد مثل اليسير بقوله: الله لا إله إلا هو أكبر، مع أن الفاصل أربع كلمات فاعلمه.

قوله من زوائده: ومن فروع الفصل ما ذكره صاحب "التلخيص" والبغوي والأصحاب أنه لو كبر للإحرام أربع تكبيرات أو أكثر، دخل في الصلاة بالأوتار وبطلت بالأشفاع.
وصورته: أن ينوي بكل تكبيرة افتتاح الصلاة ولم ينو الخروج عن الصلاة بين كل تكبيرتين فبالأولى دخل، وبالثانية خرج، وبالثالثة دخل، وبالرابعة خرج، وبالخامسة دخل، وبالسادسة خرج، وهكذا أبدًا.

الجزء: 3 - الصفحة: 24

لأن من افتتح صلاة ثم نوى افتتاح صلاة بطلت صلاته، ولو نوى افتتاح الصلاة بين كل تكبيرتين فبالنية يخرج، وبالتكبير يدخل، ولو لم ينو بالتكبيرة، وما بعدها افتتاحًا ولا خروجًا صح دخوله بالأولى، وباقي التكبيرات ذِكر لا تبطل به الصلاة.
انتهى كلامه.
وهذه المسألة التي بسطها قد ذكرها الرافعي مختصرة في الباب الثاني من أبواب الشفعة في الكلام على تصرف المشتري في الشقص المشفوع فقال ما نصه: كما إذا تحرم بالصلاة ثم شك فجدد نية وتكبيرة لا تنعقد بها الصلاة لأنه يحصل بها الحل، فلا يحصل بها العقد.
هذا لفظه، وقد عبر الإمام أبو عبد الله المعروف بالختن عن هذه العلة بعبارة تقتضي معنًا آخر، أو بسطًا للمعنى المذكور هنا، فقال: لأنه مع التكبيرة الثانية ينوي الخروج من الصلاة التي عقدها بالتكبيرة الأولى، وينوي الدخول بها في الثانية، ولا يجوز أن يكون في وقت واحد مبطلًا لإحدى صلاتين داخلًا في أخرى.
هذه عبارته، ومن شرحه على "التلخيص" نقلت.
واعلم أن صاحب "التلخيص" ذكر هذا الحكم ولم يعلله، ولم يجزم به أيضًا، بل نقله عن بعض شيوخه، فيقال عقب ذكره له: سمعت بعض مشايخنا يقوله.
هذه عبارته ومن "التلخيص" نقلت.

قوله: وحكى في بعض نسخ "الوجيز" في قيد الرفع ثلاثة أقوال.
أحدها: أنه يرفع يديه إلى حذو المنكبين.
والثاني: أنه يرفعها إلى أن تحاذي أصول أصابعه أذنيه.
والثالث: إلى أن تحاذي أطراف أصابعه أذنيه، وإبهاماه شحمة أذنيه، وكفاه منكبيه.

الجزء: 3 - الصفحة: 25

وفي بعض النسخ الأول والثاني خاصة.
والمراد من القول الأول أن لا يجاوز بأصابعه منكبيه، وهكذا صرح به إمام الحرمين.
وأما الثاني فكأن المراد من الأذن هو شحمته وأسافله، لا أعلاه، وإلا اتحد مع القول الثالث.
وظاهر المذهب القول الثالث، ولم ينقل معظم الأصحاب في ذلك خلافًا، ولم أرَ حكاية الخلاف إلا لابن كج، وإمام الحرمين، لكنهما لم يذكرا إلا القول الأول والثالث.
فظهر تفرد المصنف بما نقل من حكاية القولين أو الثلاثة.
انتهى ملخصًا.
والحاصل أن المسألة ليس فيها ثلاثة أقوال بل ولا قولان على الوجه الذي حكاه الغزالي وإنما قولان آخران: أحدهما: أن يرفع بحيث يحاذي برؤوس أصابعه منكبيه.
والثاني: القول المعروف، ولم يثبت في "الروضة" خلافًا بالكلية وكأنه يوهم نفي أصل القولين.

قوله: لكن الأكثرين على ترجيح الوجه الثاني المنسوب إلى رواية وائل ابن حجر، وهو أنه يبتدئ الرافع مع ابتداء التكبير، واختلفوا على هذا في انتهائه، فمنهم من قال: يجعل انتهاء الرفع والتكبير معًا.
وقيل: يجعل انتهاء التكبير، والإرسال معًا؛ وقال الأكثرون: لا استحباب في طرف الانتهاء، فإن فرغ من التكبير قبل تمام الرفع أو بالعكس أتم الثاني.
انتهى كلامه.

الجزء: 3 - الصفحة: 26

تابعه النووي في "الروضة" على نفي الاستحباب في الانتهاء فقال: إنه الأصح، لكنه لم ينقله عن الأكثرين، وصرح بتصحيحه أيضًا في "شرح مسلم"، ثم صحح -أعني: النووي- في "التحقيق" الوجه الآخر، وهو أنه يستحب انتهاؤهما معًا، وقال في "شرح الوسيط" المسمى "بالتنقيح": إنه الأصح، وهو قول الجمهور، ونص عليه الشافعي في "الأم"، وقال في "شرح المهذب": إنه الأصح المنصوص عليه في "الأم".
وإذا علمت ما تقدم علمت أن الفتوى على خلاف ما في "الشرح" و"الروضة" ترجيحًا لأحد الموضعين المتعارضين على الآخر بنص الشافعي.
واعلم أن الإمام قد حكى عن شيخه ما حاصله أن الكيفيات كلها على السواء، وأقره عليه، وتابعه عليه الغزالي فقال في "الوسيط": قال المحققون: ليس هذا اختلافًا بل صحت الروايات كلها فلنقبل الكل ولنجوزها على نسق واحد.

قوله: والثالثة: ويُسن بعد التكبير، وحط اليدين من رفعهما أن يضع اليمنى على اليسرى وذلك بأن يقبض بكفه اليمنى كوع اليسرى، وبعض الرسغ والساعد، وقد روى ذلك عن وائل بن حجر عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. انتهى.
والرسغ: براء مضمومة ثم سين مهملة ساكنة، وعين معجمة وهو ما رقّ من الكف واتصل بالذراع، ويقال فيه: الرصغ بالصاد، قاله الجوهري، وحديث وائل رواه أبو داود بإسناد صحيح كما قاله في "شرح المهذب"، ورواه مسلم أيضًا عنه، ولفظه: "ثم وضع يده اليمنى على اليسرى" 20 ولم يذكر غير ذلك.
ووائل مهموز على وزن ضارب؛ وحجر بحاء مهملة ثم جيم ساكنة

الجزء: 3 - الصفحة: 27

بعدها راء.
واعلم أن كلام الرافعي يقتضي أن إرسال اليدين مكروه، لأن مخالفة السنة مكروهة، كما قاله النووي.
وبذلك -أعني: كراهة الإرسال- صرح البغوي في "التهذيب"، لكن قال الشافعي: والقصد من ذلك تسكين يديه، فإن أرسلهما ولم يعبث فلا بأس كذا نقله عنه في "الشامل".

قوله: ويتخير بين بسط أصابع اليمنى في عرض المفصل وبين نشرها في صوب الساعد، ذكره القفال لأن القبض باليمنى على اليسرى حاصل في الحالين.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على نقله عن القفال واقتصاره عليه، وقد ذكر الغزالي في "الإحياء" كيفية أخرى تخالف هذه فقال في أوائل الباب الثاني من كتاب "أسرار الصلاة": ويضع اليمنى علي اليسرى إكرامًا لليمنى بأن تكون محمولة، وينشر المسبحة والوسطى من اليمنى على الساعد، ويقبض بالخنصر والبنصر على كوع اليسرى.
هذه عبارته في نسخة وقفت عليها.

قوله: وكيف يفعل المصلي بعد رفع اليدين عند التكبير أيدلي يديه كما يفعله الشيعة في دوام القيام ثم يضمها إلى الصدر، أم يجمعهما ويضمهما إلى الصدر من غير أن يدليهما؟ والجواب: أن المصنف ذكر في "الإحياء" أنه لا يقبض يديه يمينًا وشمالًا إذا فرغ من التكبير، ولكن يرسلهما إرسالًا خفيفًا رقيقًا ثم يستأنف وضع اليمين على الشمال.
قال: وفي بعض الأخبار أنه كان يرسل يديه إذا كبر، فإذا أراد أن يقرأ وضع اليمنى على اليسرى، فهذا ظاهر في أنه يدلي ثم يضمهما إلى

الجزء: 3 - الصفحة: 28

الصدر، وقال صاحب "التهذيب" وغيره: المصلي بعد الفراغ من التكبير يجمع بين يديه، وهذا يشعر بالاحتمال الثاني.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن المراد من الاحتمال الأول المنقول عن الشيعة هو المبالغة في إرسال اليدين كما يفعله المالكية، وما نقله عن الغزالي في "الإحياء" مخالف لهذا الاحتمال، فإن قول الغزالي: إرسالًا خفيفًا، صريح في أنه لا يبالغ، بل يقبض عند الصدر، وقد صرح به كذلك في درسه، كذا نقله عنه ابن الصلاح في "مشكل الوسيط" فقال: وبعد هذا كله لطيفة علقتها بنيسابور مما علق عن صاحب الكتاب في الدرس قال: ثم حالة إرسال اليدين لا ينبغي أن يرسل يديه ثم يستأنف رفعها إلى الصدر، فإني سمعت بعض المحدثين يقول: الخبر إنما ورد بأنه يرسل يديه إلى صدره.
هذا كلامه، وما ذكره البغوي لا ينافيه أيضًا.
وإذا ظهر لك ذلك علمت قطعًا المنافاة بين كلام الغزالي والاحتمال الأول من احتمال الرافعي، وقد اختصره في "الروضة" بعبارة هي أفحش في الغلط من عبارة الرافعي فقال: واختلفوا في أنه إذا أرسل يديه هل يرسلهما إرسالًا بليغًا ثم يستأنف رفعهما إلى تحت صدره، ويضع اليمنى على اليسرى، أم يرسلهما إرسالًا خفيفًا إلى تحت صدره فحسب ثم يضع؟ فيه وجهان.
قلت: الأصح الثاني، والله أعلم.
وذكر مثله في "شرح المهذب" وزاد فيه، فنقل هذا الخطأ كله عن كلام الرافعي.
نعم في "الخلاصة" للغزالي و"بذل الهداية" له أنه يخفضهما ثم يستأنف رفعهما.

الجزء: 3 - الصفحة: 29

الأمر الثاني: أن الغزالي في "الإحياء" قد عبر بقوله: "ويرسلهما إرسالًا خفيفًا، ويستأنف وضع اليمين على الشمال بعد الإرسال".
وفي بعض الروايات: إن كان إذا كبر أرسل يديه فإذا أراد أن يقرأ وضع اليمنى على اليسرى، وإن صح هذا فهو أولى.
هذه عبارته، وهذا الذي نقله عن بعض الروايات، وادعى أنه إذا صح يكون أولى مغاير لما ذكره أولًا، وكلام الرافعي يقتضي أنه هو.

قوله: والسنة أن يفرق بين أصابعه تفريقًا وسطًا.
انتهى.
تابعه في "الروضة"، وذكر في "شرح المهذب" ما يخالفه فقال: قطع المصنف والجمهور باستحباب التفريق، وقال الغزالي: لا يتكلف الضم ولا التفريق، بل يتركها منشورة على هيئتها.
وقال الرافعي: يفرق تفريقًا وسطًا، والمشهور الأول.
انتهى كلامه بحروفه.
وحاصله أن المشهور استحباب المبالغة في التفريق، والذي قاله الرافعي هو ملخص كلام الإمام فإنه قال: ولتكن الأصابع منشورة، ولا يؤثر اعتماد تفريجها ولا نرى ضمها، وليكن بين بين؛ والضابط في هيئتها أن ينشر الأصابع ويتركها على صفتها وسجيتها، ولا يتعمد فيها ضم ولا تفريج، فإذا فعل ذلك اقتصد الأمر في الانفراج.

قوله من زياداته: وإذا طول الثلاثة يعني القيام والركوع والسجود زيادة على ما يجوز الاقتصار عليه.
فالأصح أن الجميع يكون واجبًا.
والثاني: يقع ما زاد سنة.

الجزء: 3 - الصفحة: 30

ومثله الخلاف في مسح جميع الرأس، وفي البعير المخرج في الزكاة عن خمس، وفي البدنة المضحى بها بدلًا عن شاة منذورة.
انتهى كلامه.
وحاصله أن الراجح في جميع هذه الصور أن الجميع يقع واجبًا، وقد صرح بتصحيحه أيضًا هنا في "شرح المهذب" و"التحقيق".
إذا علمت ذلك فقد صحح -يعني: النووي- في باب الوضوء من "شرح المهذب" و"التحقيق" أن الزيادة تقع نفلًا، وبه أجاب في "الروضة" من زياداته في باب الأضحية فقال ما نصه: والأرجح في الجميع أن الزيادة تقع تطوعًا.
انتهى.
وكذلك في باب الدماء أيضًا، وهو قبل باب الأضحية فقال في البدنة أو البقرة المخرجة عن الشاة، قلت: الأصح أن الفرض سُبعها، صححه صاحب "البحر" وغيره، والله أعلم.
وكذلك في "شرح المهذب" في باب النذر فقال: أصحهما يقع سبعها واجبًا، والباقي تطوعًا؛ ثم ذكر -أعني: النووي- أيضًا هذه النظائر كلها في باب الزكاة من "شرح المهذب" وصحح أن الزائد في بعير الزكاة فرض، وأن الزائد في باقي الصور نفل، وأدعى اتفاق الأصحاب على تصحيح هذا التفصيل، وكلام "الشرح" و"الروضة" هناك ربما يفهمه أيضًا.
ومن نظائر المسألة ما إذا زاد بعرفات على قدر الوقوف الواجب، وقد خرجه في "الكفاية" على هذا الخلاف.
ومن نظائره أيضًا ما إذا زاد في الحلق والتقصير على ثلاث شعرات، والقياس فيه التخريج.
ومنها ما إذا صلى على الجنازة أكثر من واحد، ولا شك أنه لا يصح

الجزء: 3 - الصفحة: 31

تخريجها على الخلاف لاستحالة حصول ثواب الواجب لو أخذ بعينه بخلاف باقي الصور، فإن الفعل فيها حصل من واحد فيصح أن يثاب على بعضه ثواب الواجب، وعلى بعض ثواب النفل.
والقياس فيها -أي: صلاة الجنازة أن يثاب كل واحد ثواب الواجب، أو يوزع ثواب الواجب على الجميع بالسوية، إلا أن الرافعي وغيره قد جزموا في الطائفة الثانية بأن صلاتهم تقع فرضًا فبطريق الأولى ما نحن فيه، وعللوا ما قالوه بأن صلاة الجنازة لا يتطوع بها، وبأن الشخص إذا علم أنه يثاب على الفعل ثواب الواجب كان أدعى إلى الإتيان به.
وهذا التعليل حسن يطرد في باقي الصور، وأما الأول فينتقض بصلاة الصبي، والمرأة، وبالصلاة المعادة، وما ذكروه في صلاة الجنازة قياسه الاطراد في سائر فروض الكفايات.
ومن النظائر ما إذا زاد على قدر الكفاية والحكم فيه أن يقع تطوعًا كما جزم به الرافعي في أوائل باب النذور، وتابعه عليه في "الروضة".
والزكوات والديون والنذور ونحوها بمثابة الكفارة، والفرق بينهن وبين مسح الرأس ونظائره أن الكفارات ونحوها لها قدر معلوم محدود منصوص عليه، وهاهنا أمور مهمة: أحدها: أن جواز إخراج البدنة أو البقرة عن الشاة ليس على إطلاقه بل يستثنى منه جزاء الصيد، قاله الرافعي في باب الدماء وتبعه عليه في "الروضة"، ثم ذكر في باب الأضحية ما يوهم الجواز في جزاء الصيد إيهامًا شديدًا.
ومقتضى كلامه جواز الإخراج في جزاء الشجر، وكان الفرق المطلوب من جزاء الصيد المماثلة في الصورة إخراج البدنة عن البقرة.

الجزء: 3 - الصفحة: 32

وأما الشجر فليس المقصود منه المماثلة، إذ الحيوان ليس مماثلًا للشجر فإذا جاز إخراج البدنة عن الشجرة الكبيرة فإخراجها عنها، وهي صغيرة أولى.
ويستثنى أيضًا ما إذا نذر أن يهدي شاة بعينها فإنه لا يجوز أن يذبح مكانها بدنة ولا بقرة، لأنها تعينت كما صرح في باب النذر من "شرح المهذب" وغيره.
[الثاني] 21 أن الخلاف في مسح الرأس هل محله إذا وقع دفعة واحدة حتى إذا وقع مرتبًا فالزائد نفل جزمًا أم الخلاف جارٍ في الصورتين؟ ، فيه وجهان حكاهما النووي في باب الأضحية من زياداته من غير ترجيح وصحح منهما في "شرح المهذب" أنه لا فرق، واختار الإمام الأول، وذكر في القيام قريبًا منه فقال: ولا يتجه وصف القيام بعد قراءة الفاتحة بالفرضية، ويتجه فرض الخلاف فيما إذا وقف زمنًا ولم يقرأ الفاتحة ثم قرأها، هل يوصف ذلك بالفرضية من حيث أنه كان يمكن إيقاع القراءة المفروضة فيه وكان لا يسوغ قطعه قبلها؟ الثالث: للخلاف المذكور ثلاث فوائد ذكرها في "التحقيق" و"شرح المهذب" في مواضع: إحداها: جواز الأكل فإن قلنا: الزائد فرض فلا يجوز أكله؛ وإن قلنا: إنه نفل، جاز، وهذه الفائدة ذكرها الرافعي في باب الدماء، وفي باب الأضحية.
الفائدة الثانية: إذا عجل البعير عن الشاة، واقتضى الحال الرجوع، فهل يرجع بخمسة فقط أم يرجع بكله على هذا الخلاف؟ كذا ذكره النووى مع الفائدة المتقدمة والمتأخرة في هذا الباب من "شرح المهذب" و"التحقيق".

الجزء: 3 - الصفحة: 33

الفائدة الثالثة: زيادة الثواب، فإن ثواب الواجب أعظم من ثواب النفل لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حكاية عن الله تعالى: "وما تقرب إلىّ المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم" 22، وهذه الفائدة ذكرها النووي في "زياداته" في باب الأضحية، والقدر الذي يمتاز به الواجب هو سبعون درجة، حكاه في "الروضة" من زياداته في أول النكاح عن حكاية الإمام قال: واستأنسوا فيه بحديث.
انتهى.
واعلم أن الطبراني روى في "معجمه الكبير" عن صهيب بن النعمان أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "فضل صلاة الرجل في بيته على صلاته حيث يراه الناس كفضل المكتوبة على النافلة" 23. وإسناده متماسك.
وروى البيهقي في "شعب الإيمان" أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إن الرجل ليعمل العمل فيكتب له عمل صالح معمول به في السر وضعف أجره ستون ضعفًا" 24 وهو ضعيف فإنه من رواية بقية بن الوليد، وهذا المجموع هو الحديث الذي استأنسوا به فاعلمه، إذ الحسنة بعشر أمثالها مضافة إلى الستين، والمراد بالعمل هنا الفرض، لأنه الذي يستحب إظهاره.
قلت: وفائدة رابعة وهي الحسبان من الثلث إذا أوصى بذلك، أو فعله

الجزء: 3 - الصفحة: 34

في مرض موته.
فإن جعلناه نفلًا حسبناه من الثلث؛ وإن جعلناه فرضًا فيتجه تخريجه على الخلاف في ما إذا أوصى بالعتق في الكفارة المخيرة هل تحسب من رأس المال أم لا؟ وفيه اختلاف يأتيك في باب الوصية.
وفائدة خامسة أيضًا وهي كيفية النية في البعير المخرج عن الشاة ونحو ذلك، فإن جعلنا الجميع فرضًا فلابد أن ينوي الزكاة أو الصدقة المفروضة، ونحو ذلك بالجميع.
وإن قلنا: إنه الخمس، كفاه الاقتصار عليه في النية.

[الركن الثاني: القيام]

* قوله: وإذا عجز عن القيام في صلاة الفرض عدل إلى القعود ولا ينقص ثوابه [لأنه] 25 معذور.
انتهى.
وهذا التعليل قد تابعه عليه في "الروضة" و"شرح المهذب" وفيه كلام مهم يتعين الوقوف عليه أذكره إن شاء الله تعالى في صلاة الجماعة في الكلام على الأعذار المرخصة في تركها.

قوله: ولو جلس للغزاة رقيب يرقب العدو، ولو قام لرآه العدو، أو جلس الغزاة في مكمن ولو قاموا رآهم العدو، وفسد التدبير فلهم الصلاة قعودًا، ويجب الإعادة لندوره، انتهى.
زاد في "الروضة" فقال: قلت: قال صاحب "التتمة": إن خاف لو قام في الصلاة أن يقصده العدو صلى قاعدًا وأجزأته على الصحيح، ولو صلى الكمين في وهدة قعودًا ففي صحتها قولان، والله أعلم.
فأما المسألة الأولى: من زوائده فقد اختلف تصحيحه فيها فصحح في

الجزء: 3 - الصفحة: 35

"شرح المهذب" هنا وجوب الإعادة، وصحح في باب صلاة المريض من "التحقيق" عدم الوجوب.
وأما الثانية: فقد رأيتها أيضًا في كلام "التتمة" وأعادها لإفادة القول المحكي في عدم الصحة، كذا أوضحه في "شرح المهذب" في صلاة المريض فاعلمه.

قوله: وإذا قعد المعذور فلا يتعين لقعوده هيئة، لكن يكره الإقعاء في هذا القعود وفي جميع قعدات الصلاة، لما روى أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى أن يقعي الرجل في صلاته 26. ويروى أنه قال: "لا تقعوا إقعاء الكلاب" 27، واختلفوا في تفسير الإقعاء على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يقرب بين رجليه، ويضع إليته على عقبيه.
والثاني: أن يجعل يديه على الأرض، ويقعد على أطراف أصابعه.
والثالث: وهو الذي ذكره في الكتاب، أنه الجلوس على الوركين، ونصف الفخذين والركبتين، وهذا أظهر، وبه فسر أبو عبيد، لكن زاد فيه شيئًا آخر، وهو وضع اليدين على الأرض.
انتهى.

الجزء: 3 - الصفحة: 36

فيه أمور: أحدهما: أن تفسير الإقعاء المكروه بالتفسير الأول قد نبه في "الروضة" على غلطه فقال: الصواب هو الثالث؛ وأما الأول فغلط، فقد ثبت في "صحيح مسلم" 28 أن الإقعاء سنة نبينا محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وفسره العلماء بالتفسير الأول، ونص على استحبابه للشافعي في "البويطي"، و"الإملاء" في الجلوس بين السجدتين؛ قال العلماء: والإقعاء ضربان: مكروه وغير مكروه.
انتهى كلام "الروضة".
وذكر ابن الصلاح نحوه فقال: وقد خبط في الإقعاء من المصنفين من لم يعلم أنه نوعان.
واعلم أن ما ذكره ابن الصلاح والنووي قد سبقهما إليه البيهقي، وأوضحه فأطال الكلام فيه 29. وقد نقله عنه في "شرح المهذب"، إلا أن خلاصة كلامه أنه مكروه ما عدا الجلوس بين السجدتين فإنه مرخص فيه أو سنة، وكلام "الروضة" لا يعطي ذلك فتفطن له.
الأمر الثاني: أن الأحاديث الواردة في النهي عن الإقعاء كلها ضعيفة، كذا ذكره البيهقي، وتبعه عليه في "شرح المهذب" 30، لكن روى الحاكم في "مستدركه" 31 عن الحسن عن سمرة قال: "نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن

الجزء: 3 - الصفحة: 37

الإقعاء في الصلاة" ثم قال: إنه صحيح على شرط البخاري، وأراد أن مذهب البخاري أن الحسن قد ثبت سماعه من سمرة مطلقًا خلافًا لمن خصه بحديث العقيقة، كذا نقله ابن عبد البر في "الاستذكار" عن الترمذي عن البخاري.
الأمر الثالث: أن عبارة الرافعي، والنووى في هذا الإقعاء صريحة في أنه يجعل ظهور قدميه على الأرض، ويجلس على بطونها.
وعبر في "البويطي" بقوله: ويجلس المصلي في جلوسه بين السجدتين على صدور قدميه، ويستقبل بصدور قدميه القبلة، هذا لفظه.
وحاصله أنه ينصب القدمين، ويجعل أطراف الأصابع على الأرض ويعتمد عليهما.
الأمر الرابع: أن ما ذكره في "الروضة" من استحباب الإقعاء في الجلوس بين السجدتين، وأن الشافعي نص عليه، لا ينافي ما ذكره في الكلام على الجلوس بين السجدتين من استحباب الافتراش في أصح القولين، فإنه قد ذكر في شرحي "المهذب" و"مسلم" جوابه فقال: وكلاهما سنة، لكن إحدى السنتين أكثر وأشهر فكانت أفضل في أصح القولين.
الأمر الخامس: أنه وقع في "الرافعي" و"الروضة" أبو عبيد بلا تاء، وصوابه أبو عبيدة بالتاء.
ففي "شرح المهذب" عن البيهقي: أن أبا عبيد القاسم بن سلام نقله عن شيخه أبي عبيدة معمر بن المثنى.

قوله: فإن عجز عن القعود اضطجع على جنبه الأيمن مستقبلًا بوجهه ومقدم بدنه القبلة، فإن ترك التيامن جاز، وفي قول: يستلقي على ظهره

الجزء: 3 - الصفحة: 38

ويجعل رجليه إلى القبلة، فإنه إذا رفع وسادته قليلًا كان وجهه إلى القبلة، وإذا أومأ بالركوع والسجود كان إيماؤه إلى القبلة بخلاف المضطجع.
وقيل: يضطجع على جنبه الأيمن، ولكن أخمصاه إلى القبلة، وهو ضعيف.
وذكر الإمام أن الخلاف المذكور خلاف في الوجوب، لأن الاستقبال مختلف فيه بخلاف الخلاف في كيفية القعود فإنه خلاف في الأفضل.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور: أحدها: أن رفع الوسادة على القول الثاني هل هو على سبيل الاشتراط أم لا؟ ليس في كلامه تصريح بشيء، وقد صرح باشتراطه في أصل "الروضة" وغيرها.
الأمر الثاني: أن هذا كله مسلم إذا كان يصلي في غير الكعبة، فإن صلى فيها مضطجعًا لمرض أو تنفل مضطجعًا فالمتجه أنه يجوز أن يستلقي على ظهره وعلى وجهه، لأنه كيف ما توجه فهو متوجه لجزء من أجزاء الكعبة.
نعم إن لم يكن على الكعبة سقف، وتنفل مستلقيًا على ظهره فيتجه المنع.
والمسألة محتملة، ولعلنا نزداد فيها علمًا أو نشهد نقلًا.

قوله: فإن عجز عن الإشارة بالرأس أومأ بطرفه، فإن عجز عن تحريك الأجفان أجرى أفعال الصلاة على قلبه، وقال أبو حنيفة: إذا عجز عن الإيماء بالرأس لم يكلف بها في تلك الحالة، ولكن يقضيها وقد حكاه في "البيان" وجهًا لنا.

الجزء: 3 - الصفحة: 39

دليلنا: ما روي عن علىّ -رضي الله عنه- أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "يصلى المريض قائمًا، فإن لم يستطع صلى جالسًا، فإن لم يستطع الجلوس وأومأ وجعل السجود أخفض من الركوع، فإن لم يستطع صلى على جنبه الأيمن مستقبل القبلة أومأ بطرفه فإن لم يستطع صلى على قفاه مستلقيًا وجعل رجليه مستقبل القبلة" 32. ثم قال بعد ذكره لهذا الحديث: واحتج في الكتاب للترتيب المذكور بما روي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" 33 ولا يصح الاحتجاج به في هذا المقام، لأن هذا الخبر أمر بالإتيان بما يشتمل عليه المأمور عند العجز عن ذلك المأمور، فإنه قال: "فأتوا منه"، والقعود المعدول إليه عند العجز لا يشتمل عليه القيام المأمور به حتى يكون مستطاعًا من المأمور به، وكذلك الإضطجاع لا يشتمل عليه القعود، وإجراء الأفعال على القلب لا تشتمل عليه الأفعال المأمور بها.
ألا ترى أنه إذا أتى بالأفعال، ولم يحضرها في ذهنه حين ما يأتي بها أجزأته صلاته.
انتهى ملخصًا.

الجزء: 3 - الصفحة: 40

فيه أمور: أحدها: أن حكاية هذا الوجه عن "البيان" في حالة العجز عن الإيماء بالرأس قد تبعه عليه أيضًا في "الروضة" وهو غلط، فإن المذكور في "البيان" ما حاصله أنه إذا عجز عن الإيماء برأسه أومأ بحاجبه وطرفه في الركوع والسجود ويقرأ بلسانه، فإن عجز حركه بها، فإن تعذر الإيماء وحركة اللسان أمر الأركان على قلبه.
وقال أبو حنيفة: تسقط عنه الصلاة في هذه الحالة، وحكى الطبري في "العدة وجهًا" مثله.
انتهى.
وذكر أيضًا في "الزوائد" نحوه.
وحاصله أن هذا الوجه يقول: إن الصلاة لا تسقط عند العجز عن الإيماء بالرأس، فالأبدان تعجز أيضًا عن الإيماء بالطرف، وعن حركة اللسان بالقراءة، ثم راجعت كلام "العدة"، وهي "عدة" أبي عبد الله الحسن الطبري، فوجدت النقل فيها كذلك أيضًا، إلا أنه لم يذكر الإيماء بالحاجب وكأنه ملازم للإيماء بالطرف، ورأيته قد نقل الوجه عن ناصر العمري شيخه، وزاد أن قائله يقول بوجوب القضاء على الأصح.
الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" لما حكى الوجه الضعيف لم يذكر وجوب القضاء، بل اقتضى كلامه عدم وجوبه، وهو وجه آخر تقدمت حكايته لم يذكر وجوب القضاء، بل اقتضى كلامه عدم وجوبه، وهو وجه آخر تقدمت حكايته، ويتحصل من ذلك ثلاثة أوجه: أحدها: أن هذا الإعراض الذي ذكره الرافعي عن الغزالي ذهول عن مراده، فإنه لم يرد بالأمر حديث الأعرابي، ونحوه مما يتبين فيه أركان الصلاة، بل أراد الحديث الذي ذكره وهو من رواية علىّ لكن الإمام ذكره،

الجزء: 3 - الصفحة: 41

واستنتج منه هذا، ودلالته على ما عدا الإمرار واضحة، وأما على الإمرار فقد أوضحه الإمام فقال: لأنه لما أمر المستلقي بالصلاة والصلاة في الشريعة عبادة مخصوصة ذات أركان فعلية وقولية، فلا يتصور اعتقادها عند سقوط الأفعال الظاهرة إلا بإجرائها في القلب، ثم قال: وهذا حسن لطيف، وهذا الحديث قد أخرج معناه الدارقطني وضعفه 34. نعم في البخاري من رواية [عمران] 35: صلى قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب" 36. وحديث: "إذا أمرتكم" 37 صحيح أخرجه الشيخان.

قوله في "الروضة": فرع: القادر على القيام إذا أصابه رمد، وقال له طبيب موثوق به: إن صليت مستلقيًا أو مضطجعًا أمكن مداواتك، وإلا خيف عليك العمى، جاز له الاضطجاع، والاستلقاء على الأصح، انتهى كلامه.
والخلاف المذكور عائد إلى كل من المسألتين، كذا صرح به الرافعي فقال: فهل له أن يستلقي أو يضطجع بهذا العذر؟ فيه وجهان.
هذا لفظه.
وعبارة الروضة ليست صريحة فيه.

قوله: ولو وجد المريض خفة في ركوعه قاعدًا وإن وجدها قبل الطمأنينة لزمه الارتفاع إلى حد الركوع الصحيح، ولا يجوز له أن ينتصب قائمًا ثم يركع، وإن وجد بها بعد الطمأنينة فقد تم ركوعه، ولا يلزمه الانتقال إلى ركوع القائمين، ولكن يجوز له ذلك، لأنه لابد له من القيام للاعتدال، إما منحنيًا أو مستويًا.
انتهى كلامه.
وهو يقتضي أن الانتقال من ركن إلى ركن لا يجب، إذ لو كان واجبًا لكان يلزمه العود إلى الركوع مطلقًا لينتقل منه، ولا ينتقل من غيره.

الجزء: 3 - الصفحة: 42

وذكر أيضًا بعد ذلك نحوه فقال: إنه إذا سقط من الركوع، فإن اطمأن فلا يجب العود إلى الركوع، بل يقوم وإلا وجب، انتهى.
وهذا الذي اقتضاه كلامه من كون الانتقال غير واجب، قد صرح بخلافه في أوائل شروط الصلاة في الكلام على سبق الحدث، وسأذكر إن شاء الله عبارته هناك، وذكر هناك نحوه أيضًا فقال في الكلام على الركوع: ويجب أن لا يقصد بهويه غير الركوع، فلو قرأ في صلاته آية السجدة فهوى ليسجد للتلاوة ثم بدا له بعدما بلغ حد الراكعين أن يركع، لم يعتد بذلك عن الركوع، لأنه لم يقطع القيام لقصد الركوع، بل يجب عليه أن يعود إلى القيام ثم يركع.
انتهى.
وهو يدل على وجوب شيئين.
أحدهما: الانتقال.
والثاني: أن لا يقصد شيئًا آخر.
وذكر في مواضع أخرى نحوه أيضًا.
واعلم أن ما ذكره الرافعي من جواز الانتقال إلى ركوع القائمين بعد الطمأنينة لم يصرح به في "الروضة"، إلا أن في كلامه إشعار به.

[الركن الثالث] (1) القراءة

[قوله] 39 يستحب للمصلي إذا كبر أن يقول دعاء الاستفتاح وهو: "وجهت وجهي.
. . ." إلى: وأنا من المسلمين" 40 رواه عليّ -رضي الله عنه- إلا أنه قال في آخره: وأنا أول المسلمين، لأنه -عليه الصلاة والسلام- أول مسلمي هذه الأمة، ولا يزيد الإمام على هذا إذا لم يعلم رضى المأمومين بالزيادة.38

الجزء: 3 - الصفحة: 43

فإن علم رضاهم، أو كان المصلي منفردًا استحب أن يقول بعده: "اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت.
." إلى آخره.
فيه أمران: أحدهما: أن المأموم في الصلاة الجهرية يستحب له الاقتصار على الأول، ويسرع به أيضًا ليشتغل بسماع قول الإمام، كذا نقله في "شرح المهذب" عن "التبصرة" للشيخ أبي محمد وأقره، وهو ظاهر.
الثاني: أن إطلاقه يقتضي أنه لا فرق في التعبير بقوله: من المشركين، وبقوله: من المسلمين، بين الرجل والمرأة.
واستعمال المرأة لذلك صحيح على إرادة الأشخاص، ويدل على التعميم ما رواه الحاكم في "المستدرك" عن عمران بن حصين -رضي الله عنهما- أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "يا فاطمة قومي إلى أضحيتك فاشهديها، فإنه يغفر لك عند أول قطرة من دمها كل ذنب عملتيه، وقولي: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين"، قال عمران: قلت: يا رسول الله: هذا لك ولأهل بيتك خاصة فأهل لذلك أنتم أم للمسلمين عامة؟ قال: لا، بل للمسلمين عامة 41. واعلم أن الذكرين المتقدمين رواهما مسلم "في صحيحه" من رواية عليّ، إلا أن (مسلمًا) بعد قوله (حنيفًا) ليست في رواية مسلم، بل زادها ابن حبان في "صحيحه" 42.

الجزء: 3 - الصفحة: 44

قوله في "الروضة": ولا يجهر بالتعوذ في الصلاة السرية، ولا في الجهرية أيضًا على الأظهر قياسًا على دعاء الاستفتاح.
والثاني: يستحب.
والثالث: يتخير بلا ترجيح، وقيل: يستحب الإسرار قطعًا.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن استحباب الإسرار بدعاء الاستفتاح قد أسقطه النووي لكونه تعليلًا فلزم خلو "الروضة" منه.
وفي "شرح التنبيه" للمحب الطبري: أن في استحباب الجهرية أيضًا وجهين.
الأمر الثاني: أن الرافعي لم ينقل طريقة قاطعة بالإسرار كما فعل المصنف فإنه لم يتعرض لنفي الخلاف، وإنما حكاه عن أبي عليّ الطبري كحكاية سائر الأوجه.

قوله: واستحباب التعوذ هل يختص بالركعة الأولى؟ منهم من قال: لا، بل يسن في كل ركعة لوقوع الفصل بين القراءتين بالركوع والسجود، ومنهم من قال: فيه قولان: أظهرهما: ما ذكرناه.
والثاني: يختص بالأولى، كما لو سجد للتلاوة ثم عاد إلى القراءة، فإنه لا يعيد، فكأن رابطة الصلاة تجعل الكل قراءة واحدة.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران: أحدهما: أن الأصح من الطريقين هي طريقة القطع، كذا صححه النووي في "الروضة"، ولم ينبه فيها على أنه من زياداته، بل أدخله في كلام الرافعي، فتفطن له، وصحح الرافعي في "الشرح الصغير" طريقة

الجزء: 3 - الصفحة: 45

القولين، وحكى في "شرح المهذب" طريقة ثالثة أنه لا يستحب قطعًا.
الأمر الثاني: أن ما ذكره في سجدة التلاوة من كونه لا يعيد التعوذ مسألة نفسية مهمة، وقد أسقطها النووي فلم يذكرها في "الروضة"، ونقلها في "شرح المهذب" عن المتولي.

قوله: وهل يجب على المأموم قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية؟ فيه قولان: أصحهما: نعم.
فإن قلنا: لا يقرأها؛ فلو كان أصمًا أو بعيدًا لا يسمع قراءة الإمام، قرأ في أصح الوجهين، فلو جهر الإمام في صلاة السر أو بالعكس فوجهان: أصحهما عند صاحب "التهذيب": أن الاعتبار بصفة الصلاة، وهو ظاهر لفظ المصنف.
وذكر المحاملي حكاية عن النص ما يقتضي أن الاعتبار بفعل الإمام، وهو الموافق للأصح في الأصم والبعيد.
انتهى ملخصًا.
وظاهره يشعر برجحان الوجه الثاني، ولهذا صرح النووي بتصحيحه في "أصل الروضة" وصححه أيضًا في "شرح المهذب" و"التحقيق"، لكن صرح الرافعي في "الشرح الصغير" بتصحيح الأول فقال: الأصح أن الاعتبار بحال الصلاة.
وجزم في "شرح المهذب" بأن المأموم يستحب له قراءة السورة إذا أسر الإمام بالجهرية فيحتاج إلى الفرق.
وقريب من هذه المسألة أنَّا إذا قلنا: لا يحرم على المحرم قلع الشجر الذي ثبته الآدميون، فالعبرة بحاله لا بفعل الشخص في أصح الوجهين كما قاله في "الروضة".

الجزء: 3 - الصفحة: 46

قوله وإذا قلنا: إن المأموم لا يقرأ الفاتحة، فهل يسن له أن يتعوذ؟ فيه وجهان في "البيان".
أحدهما: لا، لكونه لا يقرأ.
والثاني: نعم لأنه ذكر سري فيشارك الإمام فيه كما لو أسر بالفاتحة.
انتهى ملخصًا.
والأصح منهما أنه لا يتعوذ، كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير"، والنووي في "التحقيق" و"شرح المهذب" وزيادات "الروضة".

قوله: وإذا قلنا: إنه يقرأها، فيستحب للإمام أن يسكت بعدها قدر قراءة المأموم لها، ذكره في "التهذيب".
انتهى.
ذكر مثله بعد ذلك في الكلام على قراءة السورة ولم يعزه إلى البغوي، والتعبير بالسكوت تابعه عليه في "الروضة" أيضًا، وهو يوهم أن الإمام في مدة انتظاره لقراءة المأموم لا يأتي بشئ بل يسكت حقيقة، وليس كذلك، بل يستحب للإمام في هذه الحالة أن يشتغل بالذكر أو الدعاء أو القراءة سرًا، لأن الصلاة ليس فيها سكوت حقيقي في حق الإمام، وبالقياس على قراءته في انتظاره في صلاة الخوف، وقد جزم النووي بذلك في "شرح المهذب" و"الفتاوى" وغيرها، ونقله أيضًا عن "الأمالي" للسرخسي فقال: قال -يعني السرخسي-: يستحب أن يدعو في هذه السكتة كما ورد في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي.
. . ." 43 إلى آخره.
وهذا الذي قاله حسن، ولكن المختار القراءة لأن هذا موضعها، هذا كلام النووي.

الجزء: 3 - الصفحة: 47

قوله: واعلم أن القراءة واجبة في كل ركعة إلا ركعة المسبوق، لما روى عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أنه قال: أمرنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن نقرأ فاتحة الكتاب في كل ركعة 44. انتهى.
تابعه في "الروضة" على هذا الحصر، وليس كذلك، بل تسقط أيضًا الفاتحة في الركعات كلها حيث حصل له عذر تخلف بسببه عن الإمام بأربعة أركان طويلة، وزال عذره، والإمام راكع، وتلك في صور: منها: لو كان المأموم بطيء القراءة.
ومنها: لو نسى أنه في الصلاة.
ومنها: ما لو امتنع من السجود بسبب الزحمة.
ومن الأعذار أيضًا: ما إذا شك بعد ركوع إمامه في قراءة الفاتحة، وقد أوضحوا ذلك في الجمعة والجماعة، وحينئذ فيتصور خلو الصلاة كلها عن القراءة.
واعلم أن الحديث المذكور غير ثابت، ويغني عنه ما رواه رفاعة بن رافع في حديث المسيء صلاته: "إذا استقبلت القبلة فكبر ثم اقرأ بأم الكتاب ثم قال في آخره: ثم افعل ذلك في كل ركعة رواه الإمام أحمد في مسنده، وابن حبان في صحيحه وفي "شرح المهذب": إن البيهقي رواه بإسناد صحيح ولفظ الصحيحين: "ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" 45.

الجزء: 3 - الصفحة: 48

والمراد كل ركعة بدليل الركوع والسجود وغيرهما، وأيضًا ففي البخاري: "صلوا كما رأيتموني أصلي" 46، وفي مسلم: "كان يقرأ الفاتحة في كل ركعة" 47.

قوله: ثم كيف يقول أيتحمل الإمام الفاتحة عن المسبوق أم لا تجب عليه أصلًا؟ فيه مأخذان للأصحاب.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن الصحيح من هذا الخلاف هو الأول، كذا صححه النووي في "زيادات الروضة" و"شرح المهذب" وزاد فيه: إن الأكثرين قطعوا به.
ثانيهما: أن فائدة الخلاف -كما أشار إليه ابن الرفعة- فيما لو أدركه محدثًا أو في ركعة خامسة، فإن قلنا بالأول، لم يحتسب له، لأن إمامه ليس أهلًا للتحمل، وإلا حسب، والصحيح عدم الحسبان، كما هو مقتضى البناء.

قوله: التسمية آية من الفاتحة، لما روي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قرأ الفاتحة فقرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 48، وعدها آية منها.
وروي أنه قال: "إذا قرأتم فاتحة الكتاب فاقرأوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فإنها أم القرآن والسبع المثاني" 49، وإن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الجزء: 3 - الصفحة: 49

ليس منها، وما حكم التسمية في سائر السور سوى براءة؟ لأصحابنا.
فيه طريقتان: إحداهما: أن في كونها من القرآن قولين، والطريقة الثانية -وهي الأصح: أنها من القرآن بلا خلاف، وإنما الخلاف في أنها آية مستقلة أم بعض آية.
انتهى.
تابعه النووي في "الروضة" على تصحيح طريقة القطع، وجزم في "التحقيق" و"شرح المهذب" بطريقة القولين، وهو غريب.
نعم ذكر الرافعي في آخر الكلام على المسألة أن الأكثرين على طريقة القولين، والظاهر أنه سهو سبق إليه القلم.
والحديث الأول رواه ابن خزيمة في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه" من رواية أبي هريرة، وقال: رجاله كلهم ثقات.

قوله: فلو أبدل حرفًا بحرف فقد ترك الواجب وهل يستثني إبدال الضاد بالظاء؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم لقرب المخرج وعسر التمييز.
وأصحهما: لا كغيره من الخروج.
انتهى كلامه.
وقد تبعه في الروضة على التعبير بقوله: إبدال الضاد بالظاء، وهو فاسد، فإن مدلوله لغة عكس المراد.
والصواب إبدال الظاء بالضاد، وذلك لأن القاعدة اللغوية أن الباء مع كلمة الإبدال لا تدخل إلا على المتروك، ولا تدخل على المأتى به قال تعالى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ 50، وقال تعالى:

الجزء: 3 - الصفحة: 50

﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ 51 الآية، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (108﴾ 52 وقال تعالى: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ 53 فدل ذلك كله على ما ذكرناه.
نعم لو أتى بحرف بين حرفين كقاف العرب بين الكاف والقاف المعروفة، لم يضر كما صرح به جماعة، وجزم به في "الكفاية" ومال الطبري، -شارح "التنبيه"- إلى البطلان، وقال النووي في صلاة الجماعة من "شرح المهذب": إن فيه نظر.
واعلم أنه يدخل في إبدال الحرف بالحرف إقامة الدال المهملة مقام المعجمة من "الذين".
ومقتضى كلامهم القطع فيه بالبطلان، فليتفطن له، ويحتمل تخريجه على ما سبق.

قوله: ولا يحتمل اللحن المحيل للمعنى كقوله: "أنعمت عليهم" و"إياك نعبد" بل تبطل صلاته إن تعمد، ونعيده على الاستقامة إن لم يتعمد.
انتهى.
ومراده أنه أتى بتاء "أنعمت" مضمومة أو مكسورة، وبكاف إياك مكسورة، ولو أتى مضمومة لم يضر وقول الرافعي: ونعيده على الاستقامة مقتضاه أنه لا يلزمه الاستئناف بل يعيده مع ما بعده، وهو مقتضى كلام الماوردي، وعبر في "الروضة" بقوله: ويجب إعادة القراءة، وهو يشعر بوجوب الاستئناف، وبه صرح القاضي حسين في "تعليقه": واعلم أن مقتضى كلام الرافعي أن اللفظ القاطع للولاء إذا أتى به ناسيًا، ولم يطل لا يجب معه الاستئناف، وبه صرح القاضي حسين في "تعليقه" على الصحيح ومسألتنا فرد منها، فيكون الصواب فيها البناء كما

الجزء: 3 - الصفحة: 51

أشعر به كلام الرافعي.
قال القاضي حسين: والمحيل للمعنى هو الذي يبطل معه المعنى الأول سواء ثبت له دلالة أم لا، وجعل هو والماوردي الظالين بالمعجمة من المحيل للمعنى لأن "ظل" بمعنى أقام نهارًا.
واعلم أن إقامة الواو مقام الياء في "رب العالمين" مضر، وإن كان لحنًا لا يحيل المعنى لما فيه من الإبدال.

قوله: وتسوغ القراءة بالسبع وكذا القراءة بالشاذة إن لم يكن فيها تغيير معنى، ولا زيادة حرف، ولا نقصانه.
انتهى كلامه.
وفيه أمران: أحدهما: أن مقتضى ما ذكره جواز القراءة بها بالشرط المذكور، وقال في "شرح المهذب": إنه لا يجوز لا في الصلاة، ولا في غيرها، وعبر في "الروضة" بعبارة أخرى فقال: وتصح بالقراءة الشاذة.
ورأيت في فتاوى قاضي القضاة صدر الدين موهوب الجزري أن القراءة بالشواذ جائزة مطلقًا إلا في الفاتحة للمصلي، وذكر ابن الحميري المصري في "فتاويه" نحوه أيضًا، إلا أنه أطلق المنع في الصلاة، نعم نقل البغوي في أول تفسيره الاتفاق على جواز القراءة بقراءة يعقوب، وأبي جعفر لشهرتهما.
الثاني: أن إطلاق الجواز عند الشرط المذكور يدخل فيه ما إذا وقع الشذوذ بإبدال الحرف كقوله: "إنا أنطيناك الكوثر" بالنون، وبه صرح في "الكفاية".

قوله: ويجب الترتيب، فلو قدم متأخرًا على متقدم، نظر إن كان عامدًا بطلت قراءته، وعليه الاستئناف، وإن كان ساهيًا عاد إلى الموضع الذي أخل منه [بالترتيب] 54 فقرأ منه.

الجزء: 3 - الصفحة: 52

قال الصيدلاني: إلا أن يطول فيستأنف، انتهى كلامه.
ذكر في "الروضة" مثله أيضًا، وهذه المسألة من المسائل المهمة النفسية، فإن الحكم فيها على خلاف ما يتبادر إلى الفهم من لفظها حتى إن الرافعي نفسه حال تصنيف "الشرح الصغير" فهم من هذا اللفظ غير المراد منه لطول العهد به، فصرع به، وأدى ذلك كله إلى غلطي أيضًا في "شرح المنهاج"، وإلى غلط جماعة مضت عليهم أعصار وأن يعتبر بوقع المعبر به في الغلط جدير أن يعذر غيره فيه، فلنوضح ذلك فنقول: تقديم بعض الفاتحة على قسمين: أحدهما: أن يقدم آخر الفاتحة على أولها، كتقديم النصف الأخير بكماله أو الثلث، ونحو ذلك.
والثاني: أن يقدم شيئًا من الوسط حيث يكون فاصلًا بين كلمات الفاتحة كما لو انتهى إلى قوله تعالى "صراط الذين" فعاد فقرأ: "مالك يوم الدين" أو شيئًا مما يأتي، وهو غير متصل بالأول كأن قرأ هذا المذكور: "غير المغضوب عليهم".
فأما القسم الأول فلا نزاع فيه حسبان النصف الأول منه، أو الثلث أو غيره، وهو المقدار الذي أخره حتى أنه يبني عليه، لأنه والحالة قارئ الفاتحة بكمالها من غير فاصل، وهو نظير ما ذكروه في الطواف والسعي والوضوء إذا ابتدأ بغير ما يشرع الابتداء به، وقد صرح بهذا الحكم مع وضوحه جماعة منهم القاضي حسين في "تعليقه" ومجلي في "الذخائر"، وجزم به أيضًا ابن الرفعة في "الكفاية".
وأما القسم الثاني: فالحكم فيه ما ذكره الرافعي، وقد صرح بذلك تصويرًا أو حكمًا جماعة منهم المتولي في "التتمة" ثم استدل عليه -أعني- المتولى.

الجزء: 3 - الصفحة: 53

فقال: لأن ذلك غير معهود في التلاوة، ومن فعل في الصلاة فعلًا يخالف الصلاة وهو ناسٍ أو جاهل لم تبطل صلاته، وإن كان عامدًا عالمًا بطلت، فكذلك القراءة؛ ثم إن الرافعي نقل هذه المسألة من كلام "التتمة" على عادته في النقل عنه، إلا أنه نقلها من غير تمثيل ولا تعليل، فلزم الخطأ، بحمل كلامه على القسم الأول لأنه المتبادر منه حتى حمله هو عليه في "الشرح الصغير" لبعد قصده عن المراد كما تقدم، فإنه قال: فإن قرأ النصف الأخير قبل الأول لم يعيد النصف الأخير بحال، ثم إن فعل ذلك عمدًا فعليه الاستئناف، وإن كان ساهيًا بنى عليه، هذه عبارته، ففهم ذلك من تعبيره في "الكبير" كما يفهمه غيره منه أيضًا، وكلام النووي في "شرح المهذب" يقتضي أنه فهمه منه أيضًا.
وكذلك جعلها فرعين مستقلين، وقد وفق الله الكريم إلى الإلهام إلى الصواب، وله الحمد والشكر، وبه التوفيق والعصمة.
واعلم أنه إذا كرر آية من وسط الفاتحة حتى طال الفصل فإنه يضر.
كذا نقله الخوارزمي في "الشافي" عن القاضي الحسين، وارتضاه ولم ينقل خلافه، وهو متجه فاعلمه] 55.

قوله: وهو أخل بترتيب التشهد نظر إن كان تغييرًا مبطلًا للمعنى لم يحسب وتبطل صلاته بتعمده، ويجب طرد مثل هذا في الفاتحة.
وإن لم يغير فعلى الطريقين فيما إذا قال: عليكم السلام؛ والأظهر الجواز.
انتهى.
واعلم أن تقديم الصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هل هو لتقديم بعض التشهد؟ فيه كلام يأتيك في باب سجود السهو في الكلام على وجوب الترتيب في الصلاة.

الجزء: 3 - الصفحة: 54

قوله: ولو نوى قطع القراءة ولم يسكت أو سكت سكوتًا يسيرًا، ولم ينو القطع لم تنقطع قراءته، فإن اجتمعا انقطعت فى أصح الوجهين، ثم قال: وإنما لم تؤثر مجرد النية هاهنا بخلاف نية قطع الصلاة، لأن النية ركن في الصلاة يجب إدامتها حكمًا، والقراءة لا تفتقر إلى نية خاصة فلا تؤثر فيها نية القطع.
انتهى.
وقياس هذه الفرق أن نية قطع الركوع، وغيره من الأركان لا يؤثر.
فاعلم ذلك فإنها مسألة مهمة، وحذف من "الروضة" هذا الفرق ففاتته هذه المسألة.

قوله: أما ما يؤمر به، وتتعلق به مصلحة الصلاة كالفتح على الإمام، وسؤال الرحمة، واستعاذته من النار عند قراءة الإمام آية دلت على ذلك لم تبطل قراءته في أصح الوجهين.
انتهى.
فيه أمور: أحدها: أن العرب تقول للقارئ إذا توقف أُرتج عليه بضم الهمزة، وتخفيف الجيم على البناء للمفعول ارتاجًا من قولهم: أرتجت الباب، إذا أغلقته، والمرتاج: المغلاق، ويقولون أيضًا: أرتتج عليه بضم التاء الأولى ارتياجًا ولا يجوز ارتج عليه بتاء ثم جيم مشددة.
وتقول في الرد: فتح عليه الأمر.
ثانيهما: أنه لم يبين محل الرد، وقد بينه المتولى في "التتمة" فقال: لا يرد عليه مادام يردد التلاوة، وإنما يرد إذا سكت.
[الثالث] 56 قال الشيخ تقي الدين بن رزين في "فتاويه": ولم يثبت شيء في كيفية الاستعاذة، وغيرها مما ندب إليه المأموم؛ قال: والظاهر:

الجزء: 3 - الصفحة: 55

اتباعِ اللفظ المتلو، والذي يتضمن امتثال ما أمر به فالأول كما إذا تلي: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74)﴾ 57 فيقول: سبحان ربي العظيم.
أو تلا: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ 58 فيقول: اللهم إني أسألك من فضلك.
وأما الثاني: فكقوله في الدعاء: ﴿رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (118﴾ 59، وفي الاستعاذة: ﴿رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97)﴾ 60.

قوله: ثم لم يجروا هذا الخلاف في كل مندوب فإن الحمد عند العطاس مندوب إليه، وإن كان في الصلاة، وهو قاطع للموالاة، ولكن في المندوبات التي تختص بالصلاة، وتعد من صلاحيتها.
انتهى.
وما ذكره من كونه لم يجروا فيه ذلك قد تابعه عليه في "الروضة"، وفي "شرح المهذب" وصرح بأنه لا خلاف فيه، وليس كذلك، فقد حكى في "الكفاية" عن الروياني وجهين في البطلان بإجابة المؤذن -أي: على القول باستحباب إجابته في الصلاة- وإذا جرى الوجهان في هذه الصورة لزم جريانهما في المتفق على استحبابه بطريق الأولى.

قوله: بل إن تذكر القراءة بعدما ركع عاد إلى القيام وقرأ.
انتهى.
تابعه عليه في الروضة، ومحله إذا لم يكن مأمومًا فإن كان تابعه، وقضى ركعة في آخر صلاته كما جزم به الرافعي في صلاة الجماعة عند الكلام على تخلف المأموم قال: وكذلك إذا شك في القراءة أيضًا.

قوله: فنقول: إذا ترك الموالاة ناسيًا، الذي ذكره الجمهور، ونقلوه عن

الجزء: 3 - الصفحة: 56

نص الشافعي: أنه لا تنقطع الموالاة؛ ومال الإمام والغزالي إلى أنه يقطع.
انتهى.
وهذا الخلاف قد صرح به أيضًا الروياني في] 61 "التلخيص" كما حكاه عنه ابن الرفعة فقال: فيه وجهان، وادعى النووي في "تصحيح التنبيه" أنه لا تنقطع بلا خلاف، فإنه عبر بالصواب وقد اصطلح في خطبته أنه يعبر بالصواب في الموضع الذي لا خلاف فيه.

قوله: ثم إن أحسن سبع آيات متوالية بالشرط المذكور لم يجز العدول إلى المتفرقة.
انتهى.
واستدرك عليه في "الروضة" فقال: قلت: قد قطع جماعة بأنه تجزئه الآيات المتفرقة وإن كان يحسن المتوالية سواء قرأ بها من سورة أو سور منهم القاضي أبو الطيب وأبو علي البندنيجي، وصاحب "البيان"، وهو المنصوص في "الأم"، والله أعلم.
وما ذكره من أن هؤلاء قد نصوا على جواز المتفرقة مع إمكان المتوالية ليس كذلك، فقد راجعت كلام الشافعي والبندنيجي والعمراني فلم أجد [لهم] 62 تصريحًا بالإجزاء في هذه الحالة بل قالوا: إنه يجزئ الذي يحسنه سواء كان من سور أم سورة، وهذا إطلاق يصح تنزيله على ما صرح به أولئك.
وإجمال تعينه تفسيرهم، وقد صرح بالمنع الشيخ أبو محمد والإمام، والغزالي في "البسيط" [والقاضي مجلي في "الذخائر"] 63 والرافعي، لاسيما أن المعاني الحاصلة من اتصال الآيات تفوت، فقد لا تفهم أن المتفرقة من القرآن بالكلية كما ستعرفه في المسألة الآتية.

الجزء: 3 - الصفحة: 57

قوله: فإن لم يحسن إلا سبع آيات متفرقة أتى بها.
واستدرك الإمام فقال: لو كانت الآية المفردة لا تفيد معنًا منظومًا إذا قرئت وحدها كقوله تعالى: "ثم نظر" فيظهر أن لا نأمره بقراءة هذه الآيات المتفرقة، ونجعله كمن لا يحسن قرآنًا أصلًا.
انتهى.
تابعه النووي عليه في "الروضة" وليس فيه صراحة بموافقة هذا الاستدراك، ولا برده.
وقد صرح به النووي في "شرح المهذب"، و"شرح الوسيط" المسمى "بالتنقيح" فقال فيها: المختار ما أطلقه الجمهور.

قوله: وروى أن رجلًا جاء إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: إني لا أستطيع أن آخذ شيئًا من القرآن فعلمني ما يجزئني في الصلاة، فقال: قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله" 64. واختلفوا في تعيين هذه الكلمات على وجهين: أحدهما: لا تتعين.
فإن قلنا بالتعيين فهل يشترط أن يضيف إليه نوعين آخرين ليصير سبعة أنواع؟ وجهان.
انتهى.
والأصح أنه لا يشترط، وقد صححه جماعة منهم ابن الرفعة في "الكفاية"، والحديث المذكور رواه ابن حبان في صحيحه.

قوله: وحيث انتقل إلى الذكر فيأتي بالثناء، وهل الأدعية المحضة كالأثنية؟ فيه تردد للشيخ أبي محمد، قال الإمام: والأشبه أن ما يتعلق بأمور الآخرة يقوم دون ما يتعلق بالدنيا.
انتهى.

الجزء: 3 - الصفحة: 58

ذكر مثله في "الروضة"؛ وهذا التفصيل قد رجحه أيضًا الغزالي في "البسيط"، وقال في "شرح المهذب": إنه الراجح، وقال في "التحقيق": إنه الأقوى، وقد نص الشافعي -رحمه الله- على أنه لا يجزيء غير الذكر فقال: ولا يجزئه إذا لم يحسن يقرأ إلا ذكر الله -عز وجل-.
هذه لفظه، ومن "الأم" نقلته.
والدعاء لا يدخل في الذكر، ويؤيده الحديث: "ومن شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين" 65. والأثنية: جمع ثناء بمعنى المدح.

قوله: ويشترط أن لا يقصد بالذكر المأتى به شيئًا آخر سوى البدلية كما إذا استفتح أو تعوذ على قصد إقامة سنتهما، ولكن لا يشترط قصد البدلية فيهما، ولا في غيرهما من الأذكار فى أظهر الوجهين.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره من تصحيح عدم اشتراط قصد البدلية، في غير الاستفتاح والتعوذ ظاهر وأما فيهما فقد تابعه عليه في "الروضة"، وهو مشكل، فإن القرينة تصرف الذكر المعهود إليهما، ونية الصلاة تشملهما فإنها شاملة للفرض والنفل، وقد دخل وقتهما، وهذا الخلاف نقلوه عن صاحب "التقريب" في غير هذين من الأذكار، وهو واضح.
وقد ذكروا فيما إذا كبر المسبوق تكبيرة واحدة ما يأتي فيه هذا الإشكال أيضًا.
الأمر الثاني: أن كلامه يقتضي استحباب دعاء الاستفتاح والتعوذ عند العجز عن القرآن والانتقال إلى الذكر، وهو مسلم بالنسبة إلى الاستفتاح.
وأما التعوذ فالمتجه أنه لا يستحب في هذه الحالة، لأن الأمر به إنما ورد عند

الجزء: 3 - الصفحة: 59

قراءة القرآن، ويؤيده ما سبق في المأموم من كونه لا يتعوذ على الأصح إذا قلنا: لا يقرأ، وعلى هذا يتصور كلام الرافعي بما إذا وجب عليه الذكر قبل الشروع في القراءة بأن عجز عن البسملة مثلًا فيتعوذ بدلًا عنها، وقد يقال باستحبابه لكون الذكر بدلًا عن القراءة، ورواه أيضًا أبو داود، والنسائي من رواية إبراهيم السكسكي، وهو ضعيف.

قوله: ولو أحسن بعض الفاتحة ولم يحسن للباقي بدلًا، وجب تكرار ما يحسنه بلا خلاف، وإن أحسنه فوجهان، وقيل: قولان: أحدهما: أنه مكروه أيضًا لأنه أقرب إلى الأصل.
وأصحها: أنه يأتي به ويبدل الباقي، لأن الشيء الواحد لا يكون أصلًا وبدلًا، ويدل عليه أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر ذلك السائل بالكلمات الخمس منها: الحمد لله، وهذه الكلمة من جملة الفاتحة ولم يأمره بتكرارها انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن الصواب في الخلاف المذكور أنه قولان، فقد ذكر البندنيجي في "تعليقه" أنهما منصوصان في "الأم".
الأمر الثاني: أن الذي يحسنه من الفاتحة على ثلاثة أقسام: أحدها: أن تكون آية كاملة، فلا نزاع في جريان الخلاف.
والثاني: أن لا تكون آية، ولكنه كلام مفيد نحو الحمد لله، فإن: "رب العالمين" هو تتمة الآية بلا خلاف، وكلام الرافعي والنووي يقتضي إجراء الخلاف فيه، وليس كذلك بل ينتقل إلى البدل بلا خلاف، وقد صرح به ابن الرفعة في "الكفاية"، وعلله بأنه لا إعجاز فيه، وحينئذ فلا يستقيم إطلاقه ولا استدلاله.
وابن الصباغ لما استدل بالحديث قال: وفي هذا الذكر "الحمد لله"، ولا

الجزء: 3 - الصفحة: 60

يتعذر عليه أن يقول: رب العالمين، ولم يأمره النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بتكرارها.
هذا كلامه.
وهو مطابق لما نقله ابن الرفعة، وكأن الرافعي أخذ هذا الاستدلال منه فأخل ببعضه فوقع في المحذور المذكور.
الثالث: أن تكون كلمة واحدة كالحمد فلا إشكال في أنه لا يكرره، وهو يؤخذ مما سبق بطريق الأولى مع أن كلام الرافعي شامل له، ولهذا قيد المسألة في "شرح المهذب" بالآية والاثنتين.

قوله: وإذا كان ذلك -أي: يعلم الأصل- بعد القراءة وقبل الركوع، فوجهان: أصحهما: لا يلزمه الإتيان به لأن البدل قد تم، ثم قال: ويجوز أن يعلم قوله فوجهان أيضًا أي بالواو لأن صاحب "البيان" ذكر أنه لا يجب وجهًا واحدًا.
انتهى ملخصًا.
وحاصله تصحيح طريقة الوجهين، وهذا المذكور في "الشرح الصغير" أيضًا، وقد اختصره النووي في "الروضة" على العكس فصحح طريقة القطع، وضعف طريقة الوجهين فقال: المذهب أنه لا يلزمه، وقيل: وجهان.
هذا لفظه.
وقد صحيح أيضًا الطريقة القاطعة في "التحقيق" و"شرح المهذب" اعتمادًا منه على ما وقع في "الروضة".

قوله في "أصل الروضة": وأما المأموم فالمذهب أنه يجهر بالتأمين، وقيل: قولان، وقيل: إن لم يجهر الإمام جهر لتنبيهه، وإلا فقولان؛ وقيل: إن كثر القوم جهروا، وإلا فلا.
انتهى كلامه.
فيه أمران:

الجزء: 3 - الصفحة: 61

أحدهما: أن هذا الذي ذكره من تصحيح طريقة القطع سهو على العكس مما ذكره الرافعي، فإن الرافعي في الشرحين: "الكبير" و"الصغير" إنما صحح طريقة القولين، وأما طريقة القطع فلم يحكها بالكلية فضلًا عن تصحيحها، وحكى باقي الطرق إلا أن في مطابقة الطريق الثالثة أيضًا لكلام الرافعي نظر؛ وقد أثبت في "التحقيق" و"شرح المهذب" طريقة القطع، ولكنه ضعفها، وصحح طريقة القولين على عكس ما في "الروضة" وعبر في "شرح المهذب" بقوله: إنها الأصح الأشهر التي قالها الجمهور.
الأمر الثاني: أن الرافعي والنووي قد أطلقا الخلاف وليس كذلك، بل محله إذا أمن الإمام، فإن لم يؤمن فيستحب للمأموم الجهر به بلا خلاف ليسمع الإمام فيأتي به، سواء تركه الإمام عمدًا أو سهوًا، كذا صرح به النووي في "شرح المهذب" ونقله عن النص، وعبر بقوله: إنهم قد اتفقوا عليه، وإنه ليس فيه خلاف.
وعن صاحب "الذخائر" أن بعضهم أجرى القولين فيه.

قوله: لنا ما روي عن عطاء قال: كنت أسمع الأئمة، وذكر ابن الزبير ومن بعده يقولون: آمين ونقول، من خلفهم: آمين، حتى إن للمسجد للجة 66 انتهى.

الجزء: 3 - الصفحة: 62

واللجة بفتح اللام وبالجيم المشددة هي اختلاط الأصوات، والأثر المذكور رواه الشافعي في "الأم" فقال: أخبرنا مسلم بن خالد عن ابن جريج عن عطاء.
وذكره أيضًا البخاري في "صحيحه" تعليقًا -أي: بغير إسناد- فقال: قال عطاء، وقد تقدم غير مرة أن تعليقات البخاري صحيحة إذا كانت بصيغة الجزم كالمذكور هنا.

قوله: ويسن للإمام والمنفرد قراءة سورة بعد الفاتحة في ركعتي الصبح والأولتين من سائر الصلوات، وأصل الاستحباب ينادي بقراءة شيء من القرآن، لكن السور أحب، حتى أن السورة القصيرة أولى من بعض سورة طويلة.
انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدها: أنه كالصريح في تفضيل السورة القصيرة على بعض سورة أطول منها، وإلا لكان ذكر حرف الغاية هنا وهو -حتى- لا معنى له، بل يكون ذكره فاسدًا، ولأجل ما قلناه نقله ابن الرفعة في "الكفاية" عن الرافعي، ونقله عن صاحب "التتمة" أيضًا.
وقد صرح به الرافعي في "الشرح الصغير" فقال ما نصه: وقراءة سورة كاملة أفضل من بعض سورة، وإن طال.
هذا لفظه بحروفه، وهو يوضح مراده في "الشرح الكبير".
وتوهم النووي أن مراد الرافعي تفضيل السورة على البعض المساوي لها دون الزائد عليها، فاختصر كلامه اختصارًا فاسدًا فقاله في "الروضة": وقراءة سورة كامله أفضل من قدرها من طويلة.
هذه عبارته.
ثم نقله من "الروضة" إلى "شرح المهذب" ثم إلى "التحقيق" فاعلمه، واجتنبه، فقد صرح البغوي وغيره بخلافه، ولا استبعاد في أن تكون قراءة الكوثر مثلًا أفضل في الصلاة بخصوصها أو أكثر أجرًا من معظم

الجزء: 3 - الصفحة: 63

البقرة، فقد يكون الثواب المترتب على قراءة السورة الكاملة في الصلاة أكثر، وقد علل في "شرح المهذب" تفضيل السورة بأن الوقف علي آخرها صحيح بالقطع بخلاف البعض، فإنه قد يخفى عليه الوقف فيه، فيقف في غير موضعه، وهذا المعنى موجود في البعض الأطول.
الأمر الثاني: نبه عليه الغزالي في "الإحياء" فقال: إذا اقتصر على قراءة البعض فيكون [بقدر] 67 ثلاث آيات -أي: حتى يكون كأقصر سورة- وهي سورة الكوثر.
الأمر الثالث: أن التقييد بما بعد الفاتحة للاحتراز عما إذا قدمها عليها فإنها -أعني: ب السورة- لا تحسب على المذهب المنصوص، كما قاله في "زوائد الروضة".
الأمر الرابع: لابد من تقييد السورة بكونها غير الفاتحة للاحتراز عما إذا كرر الفاتحة، وقلنا: لا تبطل صلاته، فإن المرة الثانية لا تحسب عن السورة كما نقله في "شرح المهذب" عن المتولي وغيره، وقال: إنه لا خلاف فيه، وعلله بأن الشيء الواحد لا يؤدى به فرض ونفل، وهذه العلة ممنوعة، فإنا إن سلمناها من الأصل فيدعي أن ذلك في الشيء الواحد الذي لم يكرر، فأما إذا كرر حيث أمكن تكريره فلا يمتنع لا في الفرض، ولا في النفل، وقد ذكر صاحب "التعجيز" في شرحه له أنها تحسب ونقل خلافه عن المتولي خاصة، والذي قاله ظاهر.
الأمر الخامس: الجنب إذا فقد الطهورين وصلى، لا يجوز له قراءة السورة كما مر في موضعه، وحينئذ فإذا كان مأمومًا لا يسمع أو في صلاة سرية فالقياس أنه يشتغل بالذكر، ولا يسكت لأن السكوت في الصلاة منهي

الجزء: 3 - الصفحة: 64

عنه.

قوله: وهل تسن قراءة السورة في الثالثة من المغرب وفي الثالثة والرابعة من الرباعية؟ فيه قولان: الجديد: أنها تسن.
ولكن تجعل السورة فيها أقصر، لما روي عن أبي سعيد الخدري أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وفي الأخيرتين قدر خمس عشرة آية، وفي العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر خمس عشرة آية، وفي الآخيرتين قدر نصف ذلك 68. والقديم أنها لا تسن لما روي عن أبي قتادة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأخيرتين بأم الكتاب فيسمعنا الآية، ويطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الثانية 69. ثم قال: والأكثرون على الفتوى بالقديم.
انتهى.
تابعه عليه النووي في "الروضة" وفيه أمور: أحدها: أن المزني والبويطي، وهما أجل أصحاب الشافعي في الجديد قد رويا عنه أنه لا يقرأها، فصارت المسألة مما يفتى فيه على الجديد.
وقد صرح بالنقل عنهما كما ذكرته جماعة منهم القاضي أبو الطيب، ونقله عنه النووي في "شرح المهذب" ورأيت نصه في "البويطي" فقال: قال الشافعي: فعل كل مصلي خلف إمامه أن يقرأ خلفه في كل ما أسر به الإمام من الصلاة التي يجهر في بعضها، والصلاة التي أسر فيها كلها بأم

الجزء: 3 - الصفحة: 65

القرآن، وسورة في الأوليين، وأم القرآن في الأخيرتين، فإن ترك السورة، وقد أتى بأم القرآن أجزأه.
وذكر أيضًا بعده بأسطر مثله فقال: قال الشافعي: ومن صلى وحده صلاة جهرًا وصلاة سرًا فليقرأ في الأوليين أم القرآن وسورة وفي الأخيرتين بأم القرآن.
هذه عبارته، وهذا كله في غير المسبوق.
وأما المسبوق إذا أدرك ركعتين من الرباعية مثلًا فإنه يقرأ السورة في الركعتين الأخيرتين على الأصح المنصوص، وقد ذكر الرافعي المسألة في آخر باب صلاة الجماعة.
الأمر الثاني: إذا قلنا بالاستحباب فما المقدار الذي ينقصه عن الأوليين؟ لم يبينه -رحمه الله- وقد بينه ابن أبي عصرون في "المرشد" فقال: يكون على النصف منهما.
الأمر الثالث: إذا قلنا: لا يستحب الإتيان بها، فقد جزم النووي في "التحقيق" بكراهتها فقال: وتكره السورة في ثالثة ورابعة في الأظهر، وهو نصه في القديم، والمزني والبويطي.
هذه عبارته.
ولما تكلم في "شرح المهذب" هنا على الفرق بين إتيان المسبوق بهما، وبين عدم الجهر ذكر فرقًا يقتضي عدم الكراهة، فقال: لأن سنة آخر الصلاة الإسرار فلا [يقويه] 70، وبهذا يحصل الفرق بينه وبين السورة.
هذه عبارته من غير زيادة، فدل كلامه على أنه لا يسن في آخر الصلاة ترك السورة، وإنما الذي يقال: لا يسن له الإتيان بها، وبينهما فرق ظاهر، ألا ترى أنا نقول: لا يسن صوم يوم الثلاثاء والأربعاء، ولو صامهما لم يكن مكروهًا بل أتى بعبادة، وهذا الذي اقتضاه كلامه في "شرح المهذب": هو الصواب المفهوم من كلامهم.

الجزء: 3 - الصفحة: 66

واعلم أن الحديث الأول من حديثي الرافعي رواه مسلم إلا أنه يقتضي استحباب قراءة السورة في الظهر دون العصر.
والحديث الثاني منهما متفق عليه.

قوله: ولا تفضل الركعة الأولى على الثانية بزيادة القراءة، ولا الثالثة على الرابعة في الأصح فيهما [لحديث أبي سعيد، والثاني: نعم] 71 لحديث أبي قتادة.
استدرك في "الروضة" فقال: هذا الذي صححه هو الراجح عند الأصحاب، لكن الأصح التفضيل، فقد صح فيه الحديث.
انتهى.
وهذا الذي أطلقاه محله فيما إذا لم يرد فيه تنصيص من الشارع مما سنعرفه، فإن ورد اتبع بلا خلاف، سواء كان يقتضي تطويل الأولى كصلاة الكسوف، وكصبح الجمعة وغيرهما، أو تطويل الثانية كسبح، "وهل أتاك" في العيد.

قوله: ويستحب أن يقرأ في الصبح بطوال المفصل، وفي الظهر بقريب من ذلك، وفي العصر والعشاء من أوساطه.
. . . إلى آخره.
تابعه عليه النووي في "الروضة" وفيه أمور: أحدها: أن كلامه هنا يقتضي استحباب نقصان الظهر عن الطوال، وكذلك كلام النووي في "شرح المهذب"، وصرح به في "شرح مسلم" وكذا الإمام في "النهاية" فإنه قال -أعني الإمام- ولعل السبب فيه أن وقت الصبح طويل والصلاة ركعتان فحسن تطويلهما، ووقت صلاة المغرب ضيق، فشرع فيه القصار، وأوقات الظهر والعصر والعشاء طويلة، ولكن الصلوات أيضًا طويلة، فلما تعارض ذلك رتب عليه التوسط.
انتهى.
وكلامه في "المنهاج" يخالفه فإنه قال: ويسن للصبح والظهر طوال

الجزء: 3 - الصفحة: 67

المفصل، والحديث الصحيح يدل للمذكور هنا، وهو ما رواه مسلم عن جابر بن سمرة قال: "كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقرأ في الظهر بالليل إذا يغشى، وفي العصر بنحو ذلك، وفي الصبح أطول من ذلك" 72. الأمر الثاني: أن ما قاله من استحباب الطوال والأوساط للمصلي ليس على إطلاقه، بل محله إذا كان منفردًا، فإن كان إمامًا، وكان المأمومون محصورين وآثروا التطويل استحب، وإن لم يكونوا محصورين أو كانوا ولكن لم يؤثروا التطويل، فلا يستحب ذلك، هكذا جزم به النووي في "شرح المهذب" فقال: وهذا الذي ذكرناه من استحباب طوال المفصل وأوساطه هو فيما إذا آثر المأمومون المحصورون ذلك، وإلا خفف وجزم به أيضًا في "التحقيق"، وفي "شرح مسلم"، وجزم ابن الرفعة في "الكفاية" هنا نقلًا عن إمام الحرمين بأن ذلك كله مستحب، وإن لم يؤثره المأمومون، وجزم به أيضًا في صلاة الجماعة نقلًا عن القاضي حسين، ذكره عند قول الشيخ: ويستحب للإمام أن يخفف في الأذكار، قال إمام الحرمين: ويطيل المنفرد ما شاء إلا في المغرب، فإنه والإمام سواء لتعلق ذلك بالوقت، وفيما قاله من الاستثناء نظر.
الثالث: أن المستحب في حق المسافر أن يقرأ في الأولى من الصبح ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، كذا رأيته في "شرح المختصر" للمصعبي وفي "الخلاصة" و"البداية" و"الإحياء" للغزالي، وأورد فيه حديثًا.
والحديث الذي ذكره الطبراني في "المعجم الكبير" لكن في إسناده ضعيفان.

الجزء: 3 - الصفحة: 68

الأمر الرابع: لم يبين هو ولا النووي في "الروضة" ما هو المفصل، وقد اختلفوا فيه على عشرة أقوال: أحدها: الجاثية إلى آخر الكتاب العزيز.
والثاني: القتال.
والثالث: الحجرات.
والرابع: قاف، حكاهن في "شرح المهذب".
والخامس: الصافات.
والسادس: الصف.
والسابع: تبارك.
حكاهن ابن أبي الصيف فيما وقفت عليه من نكته على "التنبيه".
والثامن: إنا فتحنا، حكاه الدزماري فيما وقفت عليه من شرحه على "التنبيه" المسمى "رفع التمويه".
والتاسع: سبح.
حكاه الشيخ برهان الدين في "تعليقه" عن "شرح التنبيه" [للمرزوقي] 73. والعاشر: الضحى.
حكاه [الدزماري] 74 والخطابي في "غريب الحديث".
والأصح أنه من الحجرات، كذا صححه النووي في "لغات التنبيه"، و"دقائق المنهاج"، وسمي مفصلًا لكثرة الفصول فيه بين سوره، وقيل: لقلة المنسوخ فيه، وطوال المفصل كالحجرات، واقتربت، والرحمن.
وأوساطه كالشمس وضحاها، والليل إذا يغشى.
وقصاره معروفة منها: قل هو الله أحد.

الجزء: 3 - الصفحة: 69

وجعلها البندنيجي من أوساطه، وقال ابن معن في "التنقيب": طواله إلى عم، ومنها إلى الضحى أوساطه، ومن الضحى إلى آخر القرآن قصاره.
ورأيت في "المسافر" لأبي المنصور التميمي أحد أصحاب الربيع عن نص الشافعي تمثيل القصار بالعاديات ونحوها.

قوله من زوائده: قال أصحابنا: والمرأة لا تجهر بالقراءة في موضع فيه رجال أجانب، فإن كانت خالية أو عندها نساء أو رجال محارم جهرت، وفي وجه تسر مطلقًا، وحيث قلنا: تسر، فجهرت لا تبطل صلاتها على الصحيح، والخنثى كالمرأة.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره في المرأة قد خالفه في أواخر نقض الوضوء من "شرح المهذب" فجزم بأنها تسر مطلقًا، والصواب المذكور في "الروضة" فإنه المعروف، والواقع أيضًا في هذا الباب من الشرح المذكور، وإنما ذكر هناك أنها تسر تقليدًا لأبي الفتوح مصنف "أحكام الخناثا" فإني رأيت فيه ذلك مذكورًا بلفظه.
الأمر الثاني: أن ما ذكره في الخنثى قد خالفه في "شرح المهذب" في أواخر النواقض أيضًا فجزم بأنه يسر مطلقًا، ثم خالف الموضعين معًا في "شرح المهذب" هنا فقال: وأما الخنثى فيسر بحضرة النساء والرجال الأجانب، ويجهر إن كان خاليًا أو بحضرة محارمه فقط.
وأطلق جماعة أنه كالمرأة، والصواب ما ذكرته.
هذا لفظه.
وقد جزم به في "التحقيق" فقال: والخنثى يجهر خاليًا وبحضرة محرم فقط، وإلا فيسر.
انتهى.

الجزء: 3 - الصفحة: 70

ووجه الإسرار بحضرة النساء احتمال الرجولية، وقد استفدنا مما ذكره في الكتابين الجزم بأن الرجل يسر إذا صلى بحضرة نساء أجانب متمحضات، أو مع رجال لأنه إذا أسر الخنثى لهذا الاحتمال فالمحقق الرجولية أولى.
ووجهه خشية افتتان النسوة كما في العكس، والذي قاله مردود؛ فإن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والأئمة الراشدين ثم من بعدهم إلى زماننا كانوا يجهرون مع اقتداء النساء بهم، ولم يستثن أيضًا أحد من الأصحاب هذه الحالة، بل كلامهم كالصريح في دفعه، فلتكن الفتوى على المذكور في "الروضة".

قوله أيضًا من زياداته: وأما نوافل الليل فقال صاحب "التتمة": يجهر، وقال القاضي حسين، وصاحب "التهذيب": يتوسط بين الجهر والإسرار، وهو الأصح، وتستثنى التراويح فإنه يجهر فيها.
انتهى.
وذكر في التحقيق أيضًا مثله، وفيه أمران: أحدهما: أن الوتر وارد على كلامه، فإنه يجهر فيه بلا خلاف كما صرح به الماوردي في "الحاوي" قبل صلاة الجماعة بدون ورقة في أثناء الاستدلال على أن أقل الوتر واحدة ردًا على مالك، وأبي حنيفة فقال ما نصه: ثم الذي يدل على ما قلناه اتفاق الجميع على أن الثلاث ركعات يجهر فيها بالقراءة، فلو كان حكمها حكم الصلاة الواحدة لكان من حكمها أن يسر الثالثة كالمغرب.
انتهى كلامه.
وذكر الروياني في "البحر" في الموضع المذكور مثله أيضًا، ونقل ابن الرفعة عن الماوردي أن الإجماع على الجهر فيه، وليس كذلك، بل مراد الماوردي الأئمة الثلاثة فقط، كما دلت عليه عبارته التي ذكرتها، والاتفاق على الجهر في مثل هذا غريب مخالف لما عداه من نوافل الليل، وقد استثناه النووي أيضًا في "شرح المهذب" وغيره، وكذلك في "التبيان"، ونقل

الجزء: 3 - الصفحة: 71

الإجماع عليه، إلا أنه قيده بالوتر الواقع عقب التراويح، واقتضى كلامه الإسرار فيما عداه، ورأيت في "ما لا يسع المكلف جهله" ما هو كالصريح فيه.
الأمر الثانى: أن النووي قد ذكر في "التبيان" ما حاصله تصحيح الإسرار في النوافل الليلية على عكس ما قاله في "الروضة" فقال فيه ما نصه: واختلف أصحابنا في نوافل الليل فالأظهر: أنه لا يجهر.
والثاني: يجهر.
والثالث: وهو اختيار البغوي يقرأ بين الجهر والإسرار.
انتهى كلامه.
وجزم في "الروضة" في كتاب الحج بأن ركعتي الطواف تصلى في الليل جهرًا وفي النهار سرًا، وهذا أيضًا مخالف لكل من الموضعين المتقدمين.

الركن الرابع: الركوع

قوله: وأقل الركوع أن ينحني بحيث تنال راحتاه ركبتيه إلى آخره.
ثم قال: وفي لفظ: الانحناء إشارة إلى أنه لو انخنس وأخرج ركبتيه، وهو مائل منتصب لم يكن ذلك ركوعًا، وإن صار بحيث لو مد يديه لنالت راحتاه ركبتيه.
انتهى.
والمائل بالثاء المثلثة هو المنتصب، يقال: مثل بين يديه بالفتح مثولًا أي انتصب قائمًا.
ومنه قيل لمنارة المسرجة: ماثلة، ومثل بالأرض، أي: لصق بها، فهو من الأضداد، قاله الجوهري.
قال: والراحة الكف، والجمع راح بغير تاء.
وتعبيرهم بالراحة يشعر بعدم الاكتفاء بوصول الأصابع وفيه نظر.

الجزء: 3 - الصفحة: 72

قوله: والكلام في أكمل الركوع يقع في جملتين: إحداهما: في هيئته وهي: أن ينحني بحيث يستوي ظهره، وعنقه ويمدها كالصفيحة الواحدة، وروي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى التذبيح في الصلاة 75، وهو أن يبسط ظهره ويطأطأ رأسه، وهذا اللفظ يذكر بالدال وبالذال، والأول أشهر.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة"، ولم يتعرضا لكراهة مخالفة ذلك مع أنها مكروهة، فقد قال الشافعي في "الأم": فإن رفع رأسه عن ظهره أو ظهره عن رأسه، أو جافا ظهره حتى يكون كالمحدوب كرهت له ذلك، ولا إعادة عليه.
هذه عبارته.
وقد ذكره أيضًا في "المنهاج" قبيل سجود السهو إلا أنه قيد الكراهة بالمبالغة في خفض الرأس، وكلام الشافعي يدفعه.
والصفيحة -بفاء مسكورة بعدها ياء- إحدى ألواح الباب، والجمع صفائح، قاله الجوهري.
والتذبيح بالحاء المهملة، والمعجمة، كذا قاله الجوهري.
وشرط في تفسيره أن يقتب ظهره، أي: يقوسه ويجعله كالقبة فإنه قال: يقال: ذبخ الرجل تذبيخا إذا قتب ظهره وطأطأ رأسه بالحاء، وبالخاء.
هذا لفظه، وهو يخالف ظاهر تعبير الرافعي "بالبسط"، وقول الرافعي، والأول أشهر أي الدال المهملة، فإن الجوهري قد أورده في فصلها [لا في الفصل] 76 المعقود للذال المعجمة.
وكان الرافعي قد استغنى عن التصريح بتقديم ما هو مقدم في اصطلاحهم، وهو المهملة.

الجزء: 3 - الصفحة: 73

قوله: ويستحب أن يكبر للركوع لما روي عن ابن مسعود أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يكبر في كل خفض ورفع وقيام وقعود 77، ويستحب أن يبتدئ به في ابتداء الهوي، ثم قال: ويرفع يديه إذا ابتدأ التكبير، انتهى.
وتابعه عليه في "الروضة"، وفيه أمران: أحدهما: أنه لم يتعرض لظرف الانتهاء، وفي استحباب ما قالوه في الإحرام من انتهائهما معًا نظر، والقياس استواؤهما فيه.
الأمر الثاني: أن كلامه صريح في أنه يأخذ في رفع يديه حال هويه، والمذكور في "شرح المهذب" أنه يهوي عند استكمال الرفع فقال: قالوا: ويبتدأ التكبير قائمًا، ويرفع يديه، ويكون ابتداء رفع يديه وهو قائم مع ابتداء التكبير، فإذا حاذى كفاه منكبيه انحنى.
هذه عبارته.
وفي "البيان" و"الإقليد"، و"شرح التنبيه" لابن يونس نحوه أيضًا؛ لكن عبارة "النهاية" وغيرها توهم ما ذكره الرافعي، والصواب خلافه.
قال في "الإقليد": لأن الرفع حال الانحناء متعذر أو متعسر، والحديث المذكور رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، وفي الصحيحين نحوه.

قوله: ويستحب أن يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثًا لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إذا ركع أحدكم فقال: سبحان ربي العظيم ثلاثًا، فقد تم ركوعه، وذلك أدناه، وإذا سجد فقال في سجوده سبحان ربي الأعلى، ثلاثًا، فقد تم سجوده وذلك أدناه" 78. ثم قال: واستحب بعضهم أن يضيف إليه:

الجزء: 3 - الصفحة: 74

"وبحمده"، وقال: إنه قد ورد في بعض الأخبار.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على نقله عن بعضهم، وليس في كلامهما ما يدل على موافقه هذا القائل، ولا على مخالفته، وقد بينه النووي في أكثر كتبه وأجاب باستحبابه فقال في "شرح الوسيط" المسمى بـ"التنقيح": استحبه الكثيرون أو الأكثرون، وقال في "شرح المهذب": استحبه أصحابنا، قال: وينكر على الرافعي هذه المقالة، وجزم في "التحقيق" باستحبابه.
واعلم أن الإنكار إن توجه على الرافعي كما زعمه فتوجهه عليه في "الروضة" أوجه، والإنكار عليه فيها أبلغ.
والواو في: "وبحمده" واو العطف، التقدير: "وبحمده سبحت" والحديث المذكور رواه أبو داوود والترمذي، وابن ماجة، والشافعي في "الأم" وهو منقطع كما قاله البيهقي، لأن من رواته عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن مسعود، وعون لم يلق ابن مسعود، فلهذا عبر الشافعي بقوله: إن كان ثابتًا.
وأما زيادة: "وبحمده" فرواها أبو داوود والدارقطني بإسناد ضعيف.
والحكمة في تخصيص "العظيم" بالركوع، والأعلى بالسجود أن الأعلى أفعل تفضيل، والسجود في غاية التواضع، لما فيه من وضع الجبهة التي هي أشرف الأعضاء على مواطئ الأقدام، ولهذا كان أفضل من الركوع فجعل الأبلغ مع الأبلغ.

قوله: وحكى عن "الحاوي" أن أتم الكمال من تسع تسبيحات إلى إحدى عشرة، وأوسطه خمس.
انتهى.
وهذا المنقول عن "الحاوي" صحيح، رأيته مذكورًا فيه كما حكاه عنه

الجزء: 3 - الصفحة: 75

الرافعي، وقد أسقطه النووي فلم يذكره في "الروضة"، والتسع بتاء ثم سين، وذكر في "الإفصاح" طريقة متوسطة فقال: يسبح في كل من الركعتين الأولتين إحدى عشرة وفي كل من الأخيرتين سبعًا، وهذا حسن، يؤيده ما سبق في السورة، ويمكن حمل كلام الماوردي عليه.

قوله: والاعتدال ركن في الصلاة، ولكنه غير مقصود في نفسه.
انتهى.
وما ذكره من كونه غير مقصود قد وقع التعرض له في ثلاثة مواضع من هذا الكتاب على اختلاف فيها، وستأتي في صلاة الجماعة مبسوطة إن شاء الله تعالى.

قوله: ويستحب أن يبتدئ بقوله: سمع الله لمن حمده، ويرفع الرأس واليدين معًا، وقال ابن كج: يبتدئ بالتسميع قبلها.
انتهى مخلصًا.
وهذا الوجه قد ذهل عنه النووي لكونه مذكورًا في الكلام على ألفاظ "الوجيز" فأسقطه من "الروضة" ونقله ابن الرفعة في "الكفاية" على غير وجهه كما أوضحته في "الهداية" فاعلمه.

قوله في أصل "الروضة": فإذا استوى قائمًا قال: ربنا لك الحمد، أو ربنا ولك الحمد ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، ويستوي في استحباب ذلك الإمام والمأموم والمنفرد، ويستحب لغير الإمام، وله إذا رضي القوم أن يزيد فيقول: أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وتكره للإمام هذه الزيادة إلا برضاهم.
انتهى.
فيه أمور: أحدها: أن ما ذكره في الإمام عند عدم الرضى قد خالفه في "شرح المهذب" فقال: يقتصر على سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، ولا يزيد عليه إلا عند الرضى.

الجزء: 3 - الصفحة: 76

وذكر في "التحقيق" ما يخالف كلامهما، فإنه ذكر ما ذكره في "الروضة"، وزاد عليه: حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، عقب قوله: ربنا لك الحمد، وما ذكره في هذه المسألة غريب جدًا، فإنه ذكر ثلاث مقالات متخالفة وجزم بكل منها.
الأمر الثاني: أن ما ذكره من كون الإمام يأتي به عند رضى المأمومين صحيح، إلا أن الرافعي لم يذكره، وأهمل أيضًا منه شرطًا، وهو أن يكونوا محصورين.
[الثالث] 79: استدرك النووي في "زيادات الروضة" فقال: هكذا يقوله أصحابنا في كتب المذهب "حق ما قال العبد [كلنا] " 80، والذي في صحيح مسلم وغيره من كتب الحديث أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقول: "أحق ما قال العبد" 81. وكلنا بزيادة ألف في أحق، وواو في كلنا، وكلاهما حسن، لكن ما ثبت في الحديث أولى، وذكر في باقي كتبه ما هو أبلغ منه فقال: الصواب الذي رواه مسلم وسائر المحدثين إثباتهما وإنكاره باطل، ففي رواية للنسائي إسقاطهما.
الرابع: [استدرك] 82 الشيخ تاج الدين في "الإقليد" فقال: إن هذا الذكر الوارد في الاعتدال لا يفعل مع القنوت على ما دل عليه ظاهر كلام الشافعي فإنه قال: وإذا رفع رأسه من الركعة الثانية في الصبح، وفرغ من قوله: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، قال وهو قائم: اللهم اهدنا

الجزء: 3 - الصفحة: 77

فيمن هديت؛ وزاده الماوردي بيانًا فقال: محل القنوت إذا فرغ من قوله: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، فحينئذ يقنت.
وهذا [قصد] 83 القياس، فإن القنوت إذا ضم إلى الذكر المشروع في الاعتدال طال الاعتدال، وهو ركن قصير بلا خلاف، وعمل الأئمة بخلافه كجهلهم بفقه الصلاة، فإن الجمع إن لم يكن مبطلًا فلا شك في كونه مكروهًا.
انتهى كلامه.
وفي الحديث عن سالم عن ابن عمر أنه سمع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر يقول: "اللهم العن فلانًا وفلانًا بعدما يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد" 84. رواه البخاري في كتاب التفسير من صحيحه، وظاهره يدل لما ذكره.
ورأيت في "الكافي" للخوارزمي ما يوافقه أيضًا فإنه قال: والقنوت سنة بعد الركوع، والفراغ من قوله: ربنا لك الحمد.
هذا كلامه.
نعم إن خالف لم تبطل الصلاة عنده -أي: عند الخوارزمي- فإنه قال: ويكره إطالة القنوت، والرافعي لم يصرح بالكراهة في هذه الحالة بل صحح أن التطويل بالقنوت لا يكون مبطلًا، وحينئذ فيكون الثابت من قول الشيخ تاج الدين المذكور أن التطويل إما مكروه، وإما مبطل، إنما هو الكراهة على تقدير الأخذ بظاهر عبارة هؤلاء، لكن قد رأيت في "التهذيب" للبغوي ما يخالفه فقال: ذهب الشافعي إلى أنه يقنت في صلاة الصبح بعدما رفع رأسه من الركوع في الركعة الثانية، وفرغ من قوله: ربنا لك الحمد.
. . . إلى آخره.
هذا لفظه.

الجزء: 3 - الصفحة: 78

ورأيت في "العدة" للشاشي صاحب "الحلية" نحوه فإنه [نص] 85 على أنه يستحب في رفع الرأس أن يقول: ربنا لك الحمد ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت، بعد ثم قال ما نصه: فإن كان في صلاة الصبح قنت بعد [الرفع من] 86 الركوع في الركعة الثانية بعد قوله: ربنا لك الحمد، بتمامه.
هذه عبارته.
والصواب هو ما ذكره البغوي ومن تبعه، وقال القاضي حسين: [لو] 87 طول القنوت زائدًا على العادة كره، وفي البطلان احتمالان.

قوله من زياداته: قال صاحب "الحاوي": يجهر الإمام بسمع الله لمن حمده، ويسر بربنا لك الحمد.
انتهى كلامه.
والسبب في جهر الإمام إنما هو الإعلام بالرفع ليرفع المأمومون، ويؤخذ من ذلك أن المبلغ خلف الإمام يسلك هذا المسلك أيضًا.
وقد صرح به النووي في "شرح المهذب" ولم يحك فيه خلافًا فقال: ويجهر المبلغ خلف الإمام بسمع الله لمن حمده، ولا يجهر بربنا لك الحمد، لأنه ليس للانتقال بل هو ذكر للاعتدال فلم يجهر به كسائر الأذكار، هذا كلامه وهي مسألة حسنة [وجهلها انتقاص] 88 فينبغي معرفتها، فإن عمل الناس على خلافه.

قوله: وأما ما عدا الصبح من الفرائض ففيها أقوال: أصحها عند المعظم أنه إن نزلت بالمسلمين نازلة من وباء أو قحط قنتوا، وإلا فلا.
والثاني: إن نزلت قنتوا، وإلا يخير.
والثالث: لا يقنتون مطلقًا، ولنا ما روي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قنت شهرًا يدعو

الجزء: 3 - الصفحة: 79

علي قاتلي أصحابه ببئر معونة ثم تركه 89. فأما في الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا.
انتهى.
فيه أمور: أحدها: أن ما [ذكرته] 90 من الأقوال هو حاصل ما ذكره الرافعي لمن [تأمله] 91، وقد اختصره في "الروضة" بقوله: ففيها ثلاثة أقوال: المشهور أنه [إن] 92 نزلت بالمسلمين نازلة كالوباء والقحط قنتوا، وإلا فلا.
والثاني: يقنتون مطلقًا.
والثالث: لا يقنتون مطلقًا.
هذه عبارته.
والقول الثاني: وهو القنوت مطلقًا لم يذكره الرافعي بل ذكر عوضه قول التخيير فالتبس عليه.
نعم ذكره ابن يونس شارح "التنبيه" مع وجه آخر، وهو أنه يقنت في الجهرية دون السرية.
الأمر الثاني: أن تقييده بالفرائض مخرج للنوافل إلا أنه لم يبين حكمها، هل هو الكراهة أو عدم الاستحباب؟ وقد نص عليه الشافعي كما نقله عنه في "شرح المهذب" فقال: ولا قنوت في صلاة العيدين، والاستسقاء، فإن قنت عند نازلة لم أكرهه، وإن قنت من غير نازلة كرهته.
هذا كلامه، وحاصله أنه لا يستحب، وفي كراهته هذا التفصيل.
الأمر الثالث: أن تعبيره بالمسلمين وتمثيله بالوباء والقحط مشعران بأن المصيبة الخاصة ببعضهم كالأسر ونحوه لا يشرع فيه القنوت له، ولا لغيره، وقد يقال بالمشروعية، ويستأنس بالقصة المذكورة، ويتجه أن يقال: إن كان

الجزء: 3 - الصفحة: 80

[ضرره] 93 متعديًا كأسر العالم والشجاع ونحوهما قنتوا، وإلا فلا؛ وتعبيرهم يقتضيه.
والوباء بالمد: فساد في الهواء أو الماء.
والقحط: الجدب، وأصله احتباس المطر.
يقال: قحط المطر بالفتح، وحكى الفراضية الكسر، يقحط بالفتح أيضًا قحوطا إذا احتبس وأقحط القوم إذا أصابهم القحط، وقحطوا أيضًا على البناء للمفعول قحطًا.
ومعونة من بئر معونة بضم العين المهملة، وبالنون، وهي في ناحية نجد بين أرض بني عامر وجرة بني سليم، وكانت غزوتها في أول سنة أربع من الهجرة بعد أحد بأشهر، والحديث المذكور صحيح كما قاله في "شرح المهذب"، صححه الحاكم، والبيهقي، ورواه الدارقطني من طرق بأسانيد صحيحة، وكان الحامل على القنوت دفع تمرد القاتل، وجبر مصيبة المسلمين فيهم باستخلاف غيرهم لأنهم كانوا من القراء الشجعان [لا] 94 النظر إلى المقتولين خاصة لعدم إمكان تداركهم.

قوله: وحكى أبو الفضل بن عبدان عن أبي علي بن أبي هريرة أنه قال: المستحب ترك القنوت في صلاة الصبح إذ صار شعار قوم من الشيعة، إذ [في] 95 الاشتغال به تعرض للتهمة.
انتهى.
واعلم أن في بعض النسخ "إذ" بصيغة إذ الدالة على التعليل، وفي بعضها "إذا" بصيغة الشرط، وعلى كلا العبارتين فإنه يفيد عند هذا القائل استحبابه إذا زال هذا المعنى.
وذكر في "الروضة" هذا الوجه فقط بدون ما بعده فأخل بشرطه.
واعلم أن هذا الوجه ليس غريبًا كما دل عليه تعبير الرافعي، فإن

الجزء: 3 - الصفحة: 81

الغزالي في "الوسيط" قد حكاه عنه في الكلام على دفن الميت مع أشياء استحب فيها [أيضًا] 96 الترك في زماننا لكونها قد صارت شعارًا للرافضة منها: الجهر بالبسملة، وتسطيح القبر، والتختم في اليمين.

قوله: والقنوت أن يقول: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي، ولا يقضي عليك، إنه لا يذل من واليت، تباركت وتعاليت.
هذا القدر يروى عن الحسن بن علي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - علمه ذلك 97. انتهى.
واعلم أن النووي في "الروضة" لما ذكر هذا اللفظ زاد فيه فاءًا مع "إنك"، وواوًا مع "إنه لا يذل" وزاد "ربنا" بعد "تباركت"، وهكذا ذكره في "شرح المهذب" وغيره، ثم قال: هذا لفظه في الحديث كما رواه أبو داوود والترمذي والنسائي وغيرهم بإسناد صحيح، فيكون هو الاختيار والسنة، إلا أن أبا داود لم يذكر الفاء مع "إنك".

قوله: والإمام لا يخص نفسه بل يذكر بلفظ الجمع.
انتهى.
اعلم أن ما ذكره من الجمع قد رواه البيهقي عن ابن عباس، وصححه وعلله في الأذكار بأنه يكره للإمام تخصيص نفسه بالدعاء لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "لا يؤم عبد قومًا ويخص نفسه بدعوة دونهم فإن فعل فقد خانهم" 98.

الجزء: 3 - الصفحة: 82

رواه أبو داوود والترمذي، وقال: حديث حسن، ومقتضى كلام "الأذكار" إطراده في سائر أدعية الصلاة، وبه صرح الغزالي في "الإحياء" في كلامه على التشهد فقال: يقول: اللهم اغفر لنا، ولا يقول: اغفر لي.
فقد كره للإمام أن يخص نفسه بالدعاء، وقال الجيلي شارح "التنبيه": الحكم كذلك في جميع الأدعية، ونقله ابن المنذر في "الإشراف" عن الشافعي فقال: قال الشافعي: لا أحب للإمام تخصيص نفسه بالدعاء دون القوم.
قال ابن المنذر: وثبت أنه -عليه الصلاة والسلام- كان إذا كبر في الصلاة يقول قبل القراءة: "اللهم باعد بيني.
. . ." إلى آخره اللهم نقني، اللهم اغسلني 99. الدعاء المعروف [وبهذا نقول] 100. هذا كلامه.
وعلى هذا فالفرق بينه وبين القنوت أن الجميع مأمورون بذلك الدعاء بخلاف القنوت ومقتضى هذا [الفرق] 101 أنه لا يستحب الجمع للإمام في التشهد، ونحوه إلا أن يكون مراد ابن المنذر استثناء دعاء الاستفتاح خاصة.
واعلم أن في جهر الإمام بالقنوت خلافًا يأتي، وإذا قلنا: إنه يسر، فإن المأموم يقنت، وإذا علمت هذا علمت أن جزم الرافعي بالجمع مع حكايته للخلاف في الجهر يقتضي أنه يجمع سواء قنت المأموم أم لا، وذلك يبطل الفرق، ويقتضي استحباب الجمع في سائر الأدعية.
ومما يدل أيضًا عدم تفصيله بين أن يسمع المأموم أو لا يسمع؛ لكن ذكر -أعني: الرافعي- في الكلام على دعاء الاستفتاح أدعية بصيغة الإفراد، ونص على أن الإمام بقوم محصورين يأتي بها أيضًا، والمعتمد عليه هو ما نقله ابن المنذر عن النص.

الجزء: 3 - الصفحة: 83

قوله: وزاد العلماء فيه: "ولا يعز من عاديت" قبل "تباركت وتعاليت"، وبعده "فلك الحمد على ما قضيت، أستغفرك وأتوب إليك".
ولم يستحسن القاضي أبو الطيب كلمة: ولا يعز من عاديت وقال: لا تضاف العداوة إلى الله تعالى، وقال سائر الأصحاب: ليس ذلك ببيعد، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ 102. انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن كلامه يوهم أن هذه الزيادة مستحبة، وهو وجه، والراجح خلافه، هكذا ذكره النووي في كتبه فقال في "الروضة": قال جمهور أصحابنا: لا بأس بهذه الزيادة، وقال أبو حامد، والبندنيجي وآخرون: مستحبة، واتفقوا على تغليط القاضي أبي الطيب في إنكار لا يعز من عاديت وقد جاءت في رواية البيهقي، وذكر في "التحقيق" مثله فقال: ولو زادها فلا بأس، وقيل: فحسن، ويقال: لا يقال: من عاديت.
هذه عبارته.
الأمر الثاني: أن ما ذكره في توجيه كلام القاضي والرد عليه قد قلد فيه صاحب "الشامل"، وهو خلاف ما ذكره القاضي فإنه قال في "تعليقه": إنه لا يستحب له ذلك لأن "لا" بدل من "واليت" يغني عنها، ولأن الأمر لم يرد بها.

قوله: وهل تسن الصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في القنوت؟ فيه وجهان: أظهرهما: نعم، لأنه يروى في حديث الحسن: "وصلي الله [على النبي وآله] 103 وسلم"، وأيضًا فقد قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)﴾ 104 قال المفسرون: أي لا أذكر إلا ويذكر معي.
انتهى.

الجزء: 3 - الصفحة: 84

فيه أمور: أحدها: أن كلامه، وكلام "الروضة" يشعر بأن الصلاة على الآل لا تسن، لكنه قد جزم في "الأذكار" باستحبابها، وباستحباب السلام أيضًا فأما السلام [فسلم] 105 للآية، ولهذا قالوا: يكره إفراد الصلاة عن السلام.
وأما الصلاة على الآل فقياسها مما قالوه في التشهد الأول حكمًا وتعليلًا، أنها لا تستحب، بل قد حكى الرافعي في الكلام على التشهد وجهًا أن ذكر الصلاة في القنوت مبطل لكونه نقل ركنًا إلى غير موضعه فالسلام الذي لم يثبت أولى.
الأمر الثاني: أن الرافعي نص على الصلاة فقط، ثم استدل بحديث ذكر فيه الصلاة والسلام، وهذا الحديث الذي استدل به قد رواه النسائي عن الحسن بإسناد صحيح أو حسن، كما قاله النووي في "شرح المهذب" وغيره، إلا أن السلام ليس مذكورًا فيه فإنه قال في آخره: وصلي الله على النبي.
هذه صيغة ما رواه بغير زيادة، ولم يذكر النووي في غير "الأذكار" ما نقلناه عنه من استحباب السلام والصلاة على الآل، وقد خالفه فيهما صاحب "الإقليد" فقال: أما ما وقع في بعض كتب أصحابنا من زيادة "وسلم"، وما يعتاده الأئمة الآن من ذكر الآل والأزواج والأصحاب، فكل ذلك لا أصل له.
الأمر الثالث: أن ما نقله عن المفسرين في تفسير الآية قد ثبت في الحديث، وهو ما رواه ابن حبان في "صحيحه" عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "أتاني جبريل فقال: إن ربي وربك يقول لك: كيف رفعت ذكرك؟ ، قلت: الله أعلم، قال: إذا ذكرتُ ذكرتَ معي 106.

الجزء: 3 - الصفحة: 85

الأمر الرابع: أن الرافعي لم يصرح بمحل الصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - علي القول باستحبابها، ومحله بعد القنوت كما صرح به في "المحرر" و"أصل الروضة"، وقال الطبري صاحب "العدة": لا بأس بها أوله وآخره لأثر ورد فيه.

قوله: ثم مقتضى كلام الأكثرين أن الخلاف -أي: الأقوال الثلاثة السابقة في القنوت- في غير الصبح إنما هو في الجواز، ومنهم من يشعر إيراده بالاستحباب.
انتهى.
استدرك عليه في "الروضة" فقال من زياداته: الأصح أن الخلاف في الاستحباب، ونص عليه الشافعي، وذكر مثله في شرح الوسيط المسمى "بالتنقيح"، ولم يذكر غير ذلك.
وقال في "التحقيق" ما نصه: والمختار أن الخلاف في الندب، ونص عليه في "الإملاء"، وقال الأكثرون: في الجواز.
انتهى كلامه.
ومقتضاه أن الصحيح الثاني، لأن اصطلاحه كذلك، لاسيما مع تصريحه بأن الأكثرين على خلافه.

قوله: وهل يجهر الإمام بالقنوت في الصبح؟ فيه وجهان: أظهرهما: نعم، لأنه روى ذلك عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم قال: وأما في سائر الصلوات إذا قنت فيها، فإيراده في "الوسيط" يشعر بأنه يسر في السريات، وفي الجهريات الخلاف المذكور في الصبح، وإطلاق غيره يقتضي طرد الخلاف في الكل، وحديث بئر معونة يدل عليه.
انتهى.
قال في "شرح المهذب": الصحيح أو الصواب استحباب الجهر.
وقال في "الروضة": إنه الراجح، ولم ينبه في "الروضة" على أنه من زوائده، بل أدخله في كلام الرافعي، فتفطن له.

الجزء: 3 - الصفحة: 86

والذي استدل به الرافعي أخرجه البخاري في كتاب التفسير من صحيحه من رواية أبي هريرة أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع وربما قال: إذا قال: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، "اللهم أنج الوليد بن الوليد"، ثم قال في آخره: يجهر بذلك 107.

قوله: فإن قلنا: يجهر الإمام، [فسمعه المأموم] 108 فوجهان: أصحهما: أنه يؤمن، ولا يقنت روى عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقنت ونحن نؤمن خلفه 109. والثاني: يتخير بين أن يقنت أو يؤمن.
فعلى الأول وجهان: أظهرهما: أن المأموم يؤمن في القدر الذي هو دعاء، أما في الثناء فيشاركه أو يسكت.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن كلامه يوهم مساواة المشاركة للسكوت، وليس كذلك، بل المستحب المشاركة كذا جزم به في "المحرر" و"المنهاج" و"شرح المهذب" وغيرها.
الأمر الثاني: أن مقتضاه أنه يؤمن أيضًا في الصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأنها دعاء، وفيه نظر يحتاج إلى نقل.
وحديث ابن عباس رواه أبو داود والحاكم، وقال: حديث صحيح

الجزء: 3 - الصفحة: 87

على شرط البخاري.
[قوله] 110: ولفظ الكتاب، وإن كان مطلقًا في حكاية الخلاف في الجهر فالوجهان في "الأم"، أما المنفرد فيسر به كسائر الأذكار، والدعوات ذكره في "التهذيب".
انتهي كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" أيضًا، وهذا الذي قاله البغوي سبقه إليه شيخه القاضي الحسين والقاضي الماوردي، وصرح في "التحقيق" بأنه لا خلاف فيه، وذكر نحوه في غيره من كتبه، وإطلاق جماعة يقتضي جريان الخلاف فيه، بل عبر البندنيجي بقوله: ويجهر به المصلى.

قوله: وهل يسن رفع اليدين؟ فيه وجهان: اختيار أبي زيد، والشيخ أبي محمد، وابن الصباغ، وهو الذي ذكره في "الوسيط": أنه يسن، لما روى عن ابن عباس أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إذا دعوت فادع ببطون كفيك، فإذا فرغت فامسح راحتيك على وجهك" 111. والثاني: لا، لما روي عن أنس أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يكن يرفع [اليد] 112 إلا في ثلاث مواطن: الاستسقاء والاستنصار، وعشية عرفة 113. وهذا هو الأظهر عند صاحب "المهذب" "والتهذيب" واختاره القفال، ومال إليه الإمام.
انتهى.

الجزء: 3 - الصفحة: 88

فيه أمران: أحدهما: أن الأصح هو الرفع، فقد صححه الرافعي في "المحرر" وعبر بالأظهر، وهو مقتضى كلامه في "الشرح الصغير"، وصححه النووي في "شرح المهذب" و"التحقيق" و"الروضة"، ولم ينبه في "الروضة" على أنه من زياداته، بل أدخله في كلام الرافعي، فتفطن له.
الأمر الثاني: أن السنة لمن دعا لرفع بلاء أن يجعل ظهر كفيه إلى السماء، ولمن دعا لتحصيل شئ أن يجعل بطنهما إلى السماء.
[قاله] 114 الرافعي في باب الاستسقاء: وحديث ابن عباس ضعيف.
قال أبو داود: يروى من غير وجه كلها واهية، وقال البيهقي: لست أحفظ في مسح الوجه هنا عن أحد من السلف شيئًا، وإن كان [يروى عن بعضهم] 115 في الدعاء خارج الصلاة فأما في الصلاة فهو عمل لم يثبت فيه خبر ولا أثر ولا قياس.
والكلام في حكم المسح يأتي، وإنما وقع هذا الكلام استطرادًا لأنه من تتمة حديث الرفع.
نعم روى البيهقي الرفع بإسناد صحيح أو حسن كما قاله في "شرح المهذب" من رواية أنس.
والحديث الثاني الدال على عدم الرفع، صحيح، رواه البخاري 116 وغيره، ولفظ البخاري: "إلا في الاستسقاء"، ولم يذكر غيره.

قوله: فإن قلنا: يرفع، فهل يمسح بهما وجهه؟ وجهان.
قال في "التهذيب": أصحهما لا يمسح.
انتهى.
والأشهر في [المذهب] 117: استحباب المسح.
كذا قاله في "شرح

الجزء: 3 - الصفحة: 89

المهذب"، لكنه صحح فيه، وفي باقي كتبه أنه لا يمسح، وصححه أيضًا الرافعي في "المحرر"، وقال البيهقي في "سننه": لأنه لم يثبت فيه خبر ولا أثر ولا قياس.
قال: وإنما روى ذلك في الدعاء خارج الصلاة من رواية ابن عباس بإسناد ضعيف، وورد في الحديث حكمته وهو الإفاضة عليه مما أعطاه الله تفاؤلًا بتحقيق الإجابة.

قوله من زوائده: ولو قنت بآية من القرآن ينوي بها القراءة، وقلنا بالصحيح أنه لا يتعين له لفظ، فإن تضمنت الآية دعاء أو شبهه كان قنوتًا، وإن لم تتضمنه كآية الدين وثبت، فوجهان حكاهما في "الحاوى": الصحيح: لا يكون قنوتًا.
انتهى.
وتعبيره بقوله: "ينوي بها القنوت" يقتضي اشتراط النية في ذلك، لكن الأركان لا تحتاج إلى نية لاشتمال نية الصلاة عليها، فالسنة بطريق الأولى وأيضًا فالقنوت بخصوصه لا يحتاج إلى [إفراده بنية] 118، وقد يقال إن الصلاة لما كانت تقتضي القراءة من حيث الجملة لكونها قرآنًا لم ينصرف منه شئ إلى القنوت إلا بالقصد، وفيه أيضًا نظر، لأن القراءة في الاعتدال [وغيره] 119 مما عدا ما قبل الركوع مكروهة.
الركن الخامس: السجود.

قوله: لما روى جابر - رضي الله عنه - قال: "رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يسجد بأعلى جبهته على قصاص الشعر" 120. انتهى.

الجزء: 3 - الصفحة: 90

والقصاص: بضم القاف وفتحها وكسرها؛ ثلاث لغات حكاهن ابن السكيت وغيره، وهو أول منبته من مقدم الرأس، قاله في "شرح المهذب"، والتقييد بكونه من مقدم الرأس إنما هو تفسير للقصاص الواقع في الحديث.
وأما مفهومه اللغوي فينطلق على منتهى النبات سواء كان من المقدم أو من المؤخر.
قاله الجوهري، قال: والضم أفصح.
والحديث المذكور رواه الدارقطني وضعفه.

قوله في "أصل الروضة": والصحيح أنه لا يكفي في وضع الجبهة الإمساس، بل يجب أن يتحامل على موضع سجوده بثقل رأسه وعنقه، فلو سجد على قطن أو حشيش أو شئ محشو بهما وجب أن يتحامل حتى [ينكبس] 121 ويظهر أثره على يد لو فرضت تحت ذلك المحشو، وقال الإمام: عندي أنه يكفي إرخاء رأسه ولا يقله، ولا حاجة إلى التحامل كيف فرض محل السجود، انتهى كلامه.
والوجه الذي يقابل الصحيح، هو ما ذكره آخرًا عن الإمام وليس وجهًا آخر، فإن الرافعي ذكره هكذا.
إذا علمت ذلك فاعلم أن ما ذكره من كونه يكفي الإمساس على وجه، وأن الإمام قال به، غلط فاحش فإن الرافعي قال: وقال الإمام: يكفي عندي أن يرخي رأسه، ولا يقله، ولا حاجة إلى التحامل كيف ما فرض موضع السجود ولأن الغرض إبداء هيئة التواضع، وذلك لا يحصل بمجرد الإمساس، فإنه ما دام يقل رأسه كان كالطير بوضعه، وإذا أرخى حصل الغرض، بل هو أقرب إلى هيئة التواضع من تكلف التحامل.
وهذا ما أورده في "الوسيط".
هذه عبارته، وهي [مطابقة] 122 لما في "النهاية".

الجزء: 3 - الصفحة: 91

والحاصل أن التحامل هو الغاية، وأن الإمساس مع قصد الإقلال لا يكفي قطعًا، وأن محل الخلاف فيما إذا أمس، ولم يتحامل، ولم يقل رأسه، بل فعل ما تقتضيه الجوارح بطبعها، والذي قاله الإمام هو الظاهر.

قوله: وهل يجب وضع اليدين والركبتين والقدمين في السجود؟ فيه قولان: أحدهما: يجب، لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم" 123، ويروى: "سبعة آراب 124: على الجبهة واليدين والركبتين وأطراف القدمين".
وأظهرهما: لا يجب، لأنه لو وجب وضعها لوجب الإيماء [بها] 125 عند العجز، وتقريبها من الأرض كالجبهة.
فإن قلنا: يجب، فيكفي وضع جزء من كل واحد منها، والاعتبار فى اليدين بباطن الكفين، وفي الرجلين ببطون الأصابع.
وإن قلنا: لا يجب، فيعتمد على ما شاء منهما [ويرفع ما شاء] 126، ولا يمكنه أن يسجد مع رفع الجميع؛ هذا هو الغالب أو المقطوع به.
انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدها: أن ما ذكره دليلًا على الأظهر، مسألة مهمة، وقد أسقطها من "الروضة".

الجزء: 3 - الصفحة: 92

الأمر الثاني: [لم] 127 يصرح بالراد بباطن الكف، وقد صرح به في "شرح المهذب" فقال: إنه لا فرق بين الراحة والأصابع، وقيل: يختص بالراحة.
الثالث: أن ما ذكره من عدم الإمكان في الجميع، غريب، فإنه يتصور بأن يرفع الركبتين، ويعتمد على ظهر الكفين، وعلى ظهور أصابع الرجلين، لأن الوضع المعتبر لم يحصل.
والآراب: جمع إرب بهمزة مكسورة، وراء ساكنة بعدها باء موحدة، وهو العضو.
والحديث المذكور رواه البخاري ومسلم من رواية ابن عباس، وقد وقع هنا ذكر خباب بن الأرت.
وخباب: بالخاء المعجمة، والباء الموحدة المشددة، وبالموحدة أيضًا بعد الألف.
والأرت: بالمثناة [وكنية] 128 خباب أبو عبد الله شهد بدرًا مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وكان من السابقين إلى الإسلام نزل الكوفة وتوفى بها سنة سبع وثلاثين وهو ابن ثلاث وسبعين سنة - رضي الله عنه -.

قوله: الثانية: يجب كشف الجبهة في السجود بأن لا يكون بينه وبين موضع السجود حائل متصل به يرتفع بارتفاعه، فلو سجد على طرته، أو كور عمامته لم يجز خلافًا لأبي حنيفة.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أنه لو كان بيده عودًا أو نحوه فسجد عليه [جاز] 129 كما ذكره في نواقض الوضوء من "شرح المهذب"، فلابد من استثناء هذه المسألة.
الثاني: أن هذا الكلام يوهم أن لو نبت على جبهته شعر فسجد عليه] 130، لم يكف، ويجب عليه حلقه، ويحتمل الإجزاء مطلقًا، بدليل

الجزء: 3 - الصفحة: 93

أنه لا يجب على المتيمم أن ينزعه ويمسح على البشرة، وهو متجه وأوجه منه أن يقال: إن استوعب الجبهة كفى، وإلا وجب أن يسجد على الموضع الخالي منه لقدرته على الأصل.
والطرة هي الناصية.
والكور: بكاف مفتوحة وراء مهملة هو الدور، يقال: كار العمامة على رأسه يكورها كورًا إذا أدارها، وكل دور كور، قاله الجوهري.

قوله: ولو سجد على طرف عمامته أو ذيله المتحرك بحركته لم يصح، وإن لم يتحرك بحركته قيامًا وقعودًا أجزأه.
انتهى.
ذكر النووي في "الروضة" مثله، وصرح في "شرح المهذب" بأنه لا خلاف في الصحة إذا لم يتحرك، ذكر ذلك في باب طهارة البدن والثوب فقال: ولو سجد على طرف عمامته إن تحرك بحركته لم تصح صلاته، وإن لم يتحرك صحت صلاته بلا خلاف.
هذا لفظه.
ثم حكى فيه وجهين في هذا الباب من الشرح المذكور أيضًا فقال: فيه وجهان: فالصحيح: الصحة.
والثاني: لا، وبه قطع القاضي حسين في "تعليقه" كما لو كان على ذلك الطرف نجاسة، هذا كلامه.
والفرق بين السجود وبين النجاسة أن المعتبر في السجود أن يضع جبهته على قرار للأمر الوارد بتمكينها من الأرض، وإنما يخرج عن القرار بالحركة.
والمعتبر في النجاسة أن لا يكون شئ مما ينسب إليه ملاقيًا للنجاسة لقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4)﴾ 131 والطرف الطويل من ثيابه

الجزء: 3 - الصفحة: 94

منسوب إليه.

قوله: فلو [تعذرت] 132 عليه هذه الهيئة يعني [التنكيس] 133 لمرض أو غيره فهل يجب وضع وسادة ونحوها ليضع الجبهة عليها أم يكفي إيماء الرأس إلى الحد الممكن؟ فيه وجهان: أظهرهما عند صاحب "الكتاب": أنه يجب.
وأشبههما بكلام الأكثرين: أنه لا يجب، لأن هيئة السجود فائتة، ولو أمكنه الإتيان [التنكيس] 134 ولكن عجز عن وضع الجبهة وجب عليه وضع وسادة ليسجد عليها بلا خلاف.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران: أحدهما: أن الرافعي في "الشرح الصغير" قد رجح الوجوب فقال: أظهر الوجهين: أنه يجب، والمذكور في "الكبير" هو الذي صححه النووي في كتبه كلها، والفتوى عليه.
الأمر الثاني: أن المريض إذا لم يمكنه الانتصاب إلا بالاعتماد على شئ كعصا ونحوه، ففي وجوب وضعه وجهان: أصحهما في الرافعي و"الروضة": وجوبه، وإمساك العصا ليقوم هو نظير وضع الوسادة ليسجد، وقد قال في "الروضة": أنه يجب بلا خلاف، كما تقدم فأي فرق بينهما؟ !

قوله: الثالث: ينبغي أن لا يقصد بهويه غير السجود، فلو سقط على الأرض من الاعتدال قبل قصد الهوى للسجود لم يحسب، بل يعود إلى الاعتدال ويسجد.
انتهى.
وتعبيره أولًا بقوله: "أن لا يقصد" تابعه عليه في "الروضة" "وشرح

الجزء: 3 - الصفحة: 95

المهذب"، وهو تعبير غير صحيح، فإن الذي فرعه عليه، وهو السقوط لا يخرج به، فإنه لم يشترط فيه قصد السجود والساقط يصدق عليه أنه لم يقصد بهويه غير السجود لانتفاء القصد، وقد عبر في "المحرر" بتعبير صحيح فقال: ويجب أن لا يكون هويه لغير السجود، وذكر نحوه في "المنهاج".

قوله: ولو هوى ليسجد فسقط على جنبه وانقلب وأتى بصورة السجود على قصد الاستقامة والاستداد لم يعتد به، وإن قصد السجود اعتد به.
انتهى.
نبه في "الروضة" على أمرين: أحدهما: أنه إذا قصد الاستقامة فينظر إن قصدها قاصدًا صرف ذلك عن السجود فلا يجزئه قطعًا وتبطل صلاته لأنه زاد فعلًا عمدًا لا يزداد مثله في الصلاة.
وإن قصد الاستقامة، ولكن لم يقصد صرفه إلى السجود، بل غفل عنه فلا تجزئه أيضًا على الصحيح المنصوص، ولكن لا تبطل صلاته بل يكفيه أن يعتدل جالسًا ثم يسجد، ولا يلزم أن يقوم ليسجد من قيام على الظاهر، بل لو قام متعمدًا بطلت صلاته.
ثانيهما: أن الرافعي قد أهمل القسم الثالث، وهو ما إذا لم يقصد السجود، ولا الاستقامة، وحكمه [أن] 135 تجزئه عن السجود قطعًا.
هذا كلام "الروضة" وفيه أمور: أحدها: أن تعبيره بالظاهر يوهم أن مقابله وجه أنه يلزمه أن يقوم ليسجد، وليس كذلك، وإنما هو احتمال أبداه الإمام لنفسه ثم استضعفه وقال: الأظهر أنه لا يقوم، هكذا نبه عليه في "شرح المهذب".
الأمر الثانى: أنه أهمل قسمًا آخر وهو ما إذا نواهما معًا -أى: الاستقامة والسجود- والمنقول منه كما ذكره الطبري شارح "التنبيه" أنه

الجزء: 3 - الصفحة: 96

يجزئه وتعليل كلام "المهذب" يدل عليه فإنه قال: كما لو اغتسل للتبرد ونوى رفع الحدث.
الأمر الثالث: أن ما ادعاه في آخر كلامه من الإجزاء بلا خلاف فيما إذا [لم يقصد] 136 السجود، ولا الاستقامة ليس كذلك، فقد ذكر العمراني في "البيان" ما حاصله الجزم بعد الإجزاء فقال: وإن لم ينو السجود لم يجزئه لخروجه بسقوطه لجنبه عن سمت السجود، فلا يعود إليه إلا بفعل أو نية، [إذ الفعل] 137 أن يجلس ثم يسجد، والنية أن ينوي بانقلابه السجود، هذا كلامه فانظر كيف صرح بأنه لا يعود إلا بأحد الأمرين.

قوله: السنة أن يكون أول ما يقع من الساجد ركبتاه ثم يداه ثم أنفه وجبهته لما رواه وائل بن حجر قال: كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه 138. انتهى كلامه.
لم يبين -رحمه الله- حكم الجبهة مع الأنف هل يضعهما معًا أم يتخير، وقد اختلف فيه.
نقل النووي في "شرح المهذب" فقال في الكلام على المسألة ما نصه: قال الشيخ أبو حامد في تعليقه: والجبهة والأنف كعضو واحد يقدم أيهما شاء.
هذه عبارته من غير زيادة عليها، ثم ذكر بعد ذلك بنحو ورقة وصفحة ما يخالفه فقال: فرع: السنة أن يسجد على أنفه مع جبهته.
قال البندنيجي وغيره: يستحب أن يضعهما على الأرض دفعة واحدة لا يقدم أحدهما.
هذا لفظه.

الجزء: 3 - الصفحة: 97

وجزم به الرافعي في "المحرر"، ورأيت في "التبصرة" لأبي بكر البيضاوي الجزم باستحباب تقديم الجبهة على الأنف.
والحديث المذكور رواه أبو داود، والترمذي والنسائي، وقال الترمذي: إنه حديث حسن.
وقال الخطابي: إنه أثبت من حديث تقديم اليدين.

قوله: والأفضل أن يضيف إلى التسبيح ما روي عن علي -رضي الله عنه- عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه كان يقول في سجوده: "اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه [وصوره] 139 وشق سمعه وبصره فتبارك الله أحسن الخالقين" 140. انتهى.
زاد في "الروضة": "بحوله وقوته" [قيل] 141 فتبارك الله ولم ينبه على أنه من زوائده.
والحديث المذكور رواه مسلم باللفظ الذي ذكره الرافعي إلا أنه عبر بقوله: "تبارك" بلا فاء، نعم رواه ابن حبان 142 بالفاء، ذكر ذلك في كتابه المسمى "وصف الصلاة بالسنة" بسند صحيح.

قوله: الثانية: إذا رفع رأسه من السجدة الثانية في ركعة لا يعقبها تشهد فنص في "المختصر" أنه يجلس للاستراحة قبل قيامه، ونص في "الأم" على أنه يقوم من السجدة، فقيل: فيه قولان: أحدهما: لا يجلس، لما روي عن وائل بن حجر أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا رفع رأسه من السجدتين استوى قائمًا" 143.

الجزء: 3 - الصفحة: 98

وأصحهما: أنه يجلس لما رواه مالك بن الحويرث أنه رأى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدًا 144. وقال أبو إسحاق: المسألة على حالين: فإن كان بالمصلي ضعف لكبر أو غيره جلس للاستراحة وإلا فلا.
انتهى.
ذكر في "الشرح الصغير" أيضًا مثله، والذي ذكره -رحمه الله- يؤخذ منه تصحيح الجلوس في العاجز، وأما غيره فلا يؤخذ منه تصحيح فيه، فتفطن له فإنه لم يصحح شيئًا من الطريقين.
وتصحيح الجلوس مطلقًا إنما هو تفريع على طريقة القولين.
والأصح: استحبابه مطلقًا، فقد صححه في "المحرر" وكذلك النووي في كتبه، ولم ينبه في "الروضة" على أنه من زوائده، بل أدخله في كلام الرافعي، فتفطن له.
وقد صحح في "شرح المهذب" طريقة القولين فقال: [إنها أشهر] 145، وهو مقتضى ما في "الروضة" و"المحرر" و"المنهاج".
الأمر الثاني: في شرح المراد بقوله: في كل ركعة لا يعقبها تشهد، هل المراد به مشروعيته أو فعله؟ فإنه لم يصرح به، والمنقول هو الثاني، فقد صرح به البغوي في "فتاويه" فقال: إذا صلى أربع ركعات بتشهد فإنه = وظفرت به في سنة أربعين في "مسند البزار" في أثناء حديث طويل في صفة الوضوء والصلاة وقد روي الطبراني عن معاذ بن جبل في أثناء حديث طويل أنه كان يمكن جبهته وأنفه من الأرض ثم يقوم كأنه السهم وفي إسناده الخصيب بن جحدر وقد كذبه شعبة ويحيى القطان، ولأبي داود من حديث وائل: وإذا نهض نهض على ركبتيه واعتمد على فخذيه وروى ابن المنذر من حديث النعمان بن أبي عياش قال أدركت غير واحد من أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فكان إذا رفع رأسه من السجدة في أول ركعة وفي الثالثة قام كما هو ولم يجلس.

الجزء: 3 - الصفحة: 99

يجلس للاستراحة في كل ركعة منها لأنها إذا ثبتت في الأوتار ففي محل التشهد أولى، وحديث وائل قال النووي: إنه غريب، إلا أن حاصله عدم التعرض لها، وقد قال الإمام أحمد: إن أكثر الأحاديث ليس فيها تعرض لها.
وأما حديث مالك فرواه البخاري في "صحيحه".

قوله: وإن قلنا: لا يجلس المصلي للاستراحة فيبتدئ التكبير مع ابتداء الرفع، وينهيه مع استوائه قائمًا.
وإن قلنا: يجلس، فأوجه: أحدها: أنه يرفع رأسه غير مكبر ويبتدئ التكبير جالسًا، ويمده إلى أن يقوم، لأن الجلسة للفصل بين الركعتين، فإذا قام منها وجب أن يقوم بتكبير كما إذا قام إلى الركعة الثالثة.
والثاني: وهو أصحها عند جمهور الأصحاب: أنه يرفع مكبرًا ويمده إلى أن يقوم، ففي الحديث أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يكبر في كل خفض ورفع 146. والثالث: أنه يرفع مكبرًا كما ذكرناه إلا أنه إذا جلس يقطعه ويقوم غير مكبر لأنه لو مد لطال، وتبتر النظم؛ ثم قال: ولا خلاف في أنه لا يكبر تكبيرتين.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ادعاه من عدم الخلاف تبعه عليه النووي في "الروضة" وغيرها، وسبقهما إليه القاضي حسين في "تعليقه" ثم البغوي، وليس كذلك، بل فيه وجه حكاه في "الإقليد" فقال: وفي بعض التعاليق أنه يكبر تكبيرة يفرغ منها في الجلوس، ثم يبتدئ أخرى للنهوض، وهذا وجه غريب أنكره الرافعي وقال: لا خلاف فيه، فحصل في التكبير أربعة أوجه.
هذا كلامه.

الجزء: 3 - الصفحة: 100

وقال الغزالي في "الإحياء": يبتدئ التكبير من وسط ارتفاعه إلي القعود وينهيه في وسط.
ارتفاعه إلى القيام، فيقع التكبير فى وسط انتقاله، ويخلو عنه طرفاه، فهو أقرب إلى التعميم.
الأمر الثاني: في مقدار قعود هذه الجلسة، وقد ضبطه في "التتمة" فقال: يستحب أن يكون بقدر الجلوس بين السجدتين، ويكره أن يزيد على ذلك، وحديث التكبير في كل خفض ورفع رواه الترمذي، وقال: إنه حسن صحيح.

قوله: ويقوم معتمدًا على الأرض بيديه لقول ابن عباس: كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا قام في [صلاته] 147 وضع يديه على الأرض كما يضع العاجن 148 ثم قال:

الجزء: 3 - الصفحة: 101

والمراد بالعاجن هو عاجن الخمير.
انتهى.
ومقتضى ما قاله من أن المراد عاجن الخمير أنه يقبض يديه، وقد صرح به الغزالي في درسه كما نقله عنه ابن الصلاح في "مشكل الوسيط" فقال بعد ذكره للحديث: هذا حديث لا يعرف، ولا يصح، ومن غالط في لفظه يقول: العاجز بالزاي، ومن غلط في معناه غير غالط في لفظه يقول: هو بالنون، وأن المراد عاجن الخمير فيقبض أصابع كفيه ويضمها ويتكئ عليها، ولا يضع راحته.
وقد نقل عن الغزالي في درسه أنه أثبت الوجهين هكذا، وعمل به كثير من عامة العجم وغيرهم.
والحديث لم يثبت ولو ثبت لم يكن ذلك معناه، فإن العاجز في اللغة هو الرجل المسن الذي إذا قام اعتمد على الأرض بيديه من الكبر وأنشدوا: فأصبحت كنتيًا وأصبحت عاجنًا ... وشر خصال المرء كنت وعاجن فإن كان وصف الكبير بذلك من عاجن العجين بالتشبه في شدة الاعتماد عند وضع اليدين لا في كيفية ضم أصابعهما.
انتهى كلام ابن الصلاح ملخصًا.
ونقل النووي في "شرح الوسيط" ما ذكرناه عن الغزالي، ثم أنكره عليه وذكر نحوه في "شرح المهذب" وقال: إنه يبسط يديه بلا خلاف، ولم يتعرض في "الروضة" للمسألة بالكلية، وهو غريب.
واعلم أن ابن الأثير في "النهاية" قد ذكر ما ذكره الرافعي فقال في حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: "إنه كان يعجن في الصلاة" [أي يعتمد] 149 فقيل له: ما هذا؟ فقال: رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعجن في الصلاة 150، أي يعتمد على يديه إذا قام كما يفعل الذي يعجن العجين

الجزء: 3 - الصفحة: 102

هذا كلامه.

قوله من زوائده: واختلف أصحابنا في جلسة الاستراحة على وجهين: الصحيح: أنها جلسة مستقلة تفصل بين الركعتين كالتشهد.
والثاني: أنها من الركعة الثانية.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن هذه المسألة قد ذكرها الرافعي وجزم بأنها فاصلة، وقد ذكرت لفظه في الكلام على وقت ابتداء التكبير، وقال صاحب "الذخائر": يحتمل أن يكون من الأولى تبعًا للسجود.
الأمر الثاني: ذكر النووي في "شرح المهذب" أن فائدة الخلاف في التعليق على الركعة، وقال بعض [فضلاء] 151 المتأخرين -وهو القاضي شرف الدين البادري الحموي: فائدة الخلاف في المسبوق إذا كبر والإمام فيها، فإن قلنا: إنها مستقلة، جلس معه كما يجلس في التشهد الأول إذا كبر فيه، وإن قلنا: إنها من الثانية، فله أن ينتظره إلى القيام، والذي قاله فيه نظر.
الركن السادس: "التشهد"

قوله: فإذا جلس من عليه سجود سهو في آخر صلاته افترش، لأنه يعقبه حركة، وقيل: يتورك لأنه قعود في آخر الصلاة.
انتهى.
وهذا الذي أطلقه هو وغيره يتجه أن يكون محله ما إذا قصد السجود فإن لم يقصده تورك لانتفاء المعنى، وتعليله يدل عليه، ويصير نظير ما ذكروه في الحاج إذا طاف للقدوم إن قصد السعي بعده اضطبغ ورمل، وإلا فلا، ومقتضى إطلاق الرافعي أنه لا فرق في تصحيح الافتراش بين أن يفرع

الجزء: 3 - الصفحة: 103

على كون السجود قبل السلام أو بعده، وهو محتمل.

قوله: ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويقبض الخنصر والبنصر، ويرسل المسبحة، وفيما يفعل بالإبهام والوسطى ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يقبض الوسطى مع الخنصر والبنصر ويرسل الإبهام مع المسبحة، رواه أبو حميد الساعدي.
والثاني: أنه يحلق بين الإبهام والوسطى 152، رواه وائل بن حجر، وعلى هذا فيحلق بينهما برأسيهما، وقيل: يضع أنملة الوسطى بين عقدتي الإبهام.
والثالث: وهو الأصح: أنه يقبضهما أيضًا، وعلى هذا يضع الإبهام تحت المسبحة كأنه عاقد ثلاثة وخمسين، كذا رواه ابن عمر.
وقيل: يضعها على أصبعه الوسطى كأنه عاقد ثلاثة وعشرين، لما روى عن الزبير أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يضع إبهامه عند الوسطى 153. انتهى ملخصًا.
فيه أمور: أحدها: أنه لم يبين علي القول الأول كيفية إرسال الإبهام مع المسبحة، هل يرسلهما مفترقين أو راكبة إحداهما على الأخرى أو إحداهما إلى جانب الأخرى مساوية لها أو تحتها وقد جزم في "النهاية" بالاحتمال الأول فقال: ومن الأئمة من قال: يطلق الإبهام والمسبحة كالعاقد ثلاثة.
هذه عبارته بلفظ ثلاثة من غير زيادة.
والظاهر أنه مراد الرافعي، وحكى في "الكفاية" فيه وجهين ذكرهما

الجزء: 3 - الصفحة: 104

في "الحاوي" فقال: وعلى هذا هل يضع السبابة على الإبهام كأنه عاقد بسبعة وعشرين أو يرسلهما غير متراكبين؟ [فيه وجهان.
وقال في "الإقليد": يرسل الإبهام والمسبحة كالعاقد ثمانين] 154. واعلم بأن عقد ثلاثة وعشرين قبض الخنصر والبنصر والوسطى، وإرسال المسبحة، وضم الإبهام إليها مقبوضة الأنملة إلى جهة الأصابع.
الأمر الثاني: أن [تصحيحه] 155 استحباب عقد ثلاثة وخمسين قد تابعه النووي في "الروضة" عليه، وذكر مثله أيضًا في "شرح المهذب" و"التحقيق" وغيرهما، وقد اعترض -أعني: النووي- على ذلك في "شرح مسلم" فقال: إن الكيفية المستحبة في التشهد ليست عقد ثلاث وخمسين عند الحسَّاب فإن شرط تلك الكيفية عندهم عقد البنصر أيضًا.
قال: والعقد المستحب إنما هو عقد بسبعة وخمسين.
ونقل الشيخ تاج الدين في "الإقليد" أن اشتراط عقد البنصر طريقة القبض، قال: ومن الحسَّاب من لا يشترط ذلك.
ونقل في "الكفاية": أن عدم الاشتراط طريقة المتقدمين.
الأمر الثالث: أن ما ذكره في آخر كلامه من الاستدلال المذكور، استدلال غير مطابق.
فإن الدعوى وضعها على أصبعه الوسطى، ولفظة "عند" في الحديث لا تعطي ذلك، لكن هذا الحديث الذي نقله عن الزبير قد رواه مسلم في "صحيحه" عنه، ولفظه فيه: "ووضع إبهامه على أصبعه الوسطى" هذه صيغته بلفظ "على" مطابقًا للمدعي، فتحرف ذلك على الرافعي وحديث

الجزء: 3 - الصفحة: 105

أبي حميد رواه أبو داود بإسناد صحيح، لكن لفظه: "وضع كفه اليمنى على ركبته اليمنى، وأشار بأصبعه"، والذي عزاه إليه الرافعي غير ثابت.
وحديث وائل رواه البيهقي بإسناد صحيح كما قاله في "شرح المهذب"، وحديث ابن عمر رواه مسلم.
وأبو حميد بحاء [مهملة] 156 مضمومة، واسمه عبد الرحمن، وقيل: المنذر ابن عمر الأنصاري الساعدي، من بني ساعدة بطن من الأنصار، المدني، توفي في آخر خلافة معاوية.
وأما وائل [فمن كبار العرب وأولاد ملوك حمير] 157، كنيته [أبو هنيدة] 158، نزل الكوفة، وعاش إلى أيام معاوية، ويقال: وال إليه والأعلى وزن طلب طلبًا [أى لجأ] 159، وؤلًا أيضًا ومضارعة يئل فهو وائل أي لاجئ.
وأما حُجر فهو بضم الحاء وإسكان الجيم.
والعرب تقول عند الأمر تنكر: حجرا بالضم أى دفعًا، وهو استعاذة من الأمر، ويقولون: حجر بالله من كذا.

قوله في "الروضة" وفي وجوب الصلاة على آل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في التشهد الأخير قولان، وقيل: وجهان: الصحيح المشهور أنها لا تجب بل تسن.
انتهي.
وما ذكره من تصحيح جعل الخلاف قولين، قد خالفه في "شرح المهذب" فقال: فيه وجهان، وحكاهما الإمام والغزالي قولين، والمشهور وجهان.
هذا كلامه.

الجزء: 3 - الصفحة: 106

وحكاه أيضًا في "المنهاج" وجهين هنا، وفي كتاب الجنائز.

قوله: وأما أكمل التشهد فاختار الشافعي ما رواه ابن عباس، وهو: "التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، سلام عليك أيها النبي، ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله" 160 هكذا رواه الشافعي، وروى غيره: "السلام عليك السلام علينا" بإثبات "ال" فيهما وهما صحيحان، ولا فرق، وحكى في "النهاية" عن بعضهم أن الأفضل إثبات الألف واللام.
انتهى.
وما ذكره من أن إثبات "ال" وحذفها هل هما سيان أم لا؟ قد حذفه من "الروضة" ثم ذكره من "زوائده" فقال: إثبات "ال" أكثر في روايات الحديث، وفي كلام الشافعي، واتفق أصحابنا على جواز الأمرين هنا.
هذا كلامه.
وحكى الإمام وجهًا آخر أن الأفضل إثباتها مع السلام الثاني دون الأول.
وحديث ابن عباس المذكور رواه مسلم.

قوله: فالمنقول عن نص الشافعي، وهو الذي رواه العراقيون، والروياني أنَّ أقل التشهد: "التحيات لله سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" ورواه صاحب التهذيب؛ "وأشهد أن محمدًا رسوله".
وأسقط الصيدلاني لفظه: "وبركاته"، ثم قال ما نصه: فإذا حصل

الجزء: 3 - الصفحة: 107

الخلاف في المنقول عن الشافعي في ثلاثة مواضع: أحدها: في كلمة "وبركاته".
والثاني: في كلمة "أشهد" في المرة الثانية.
والثالث: في لفظ "الله" في الشهادة الثانية.
فمنهم من اكتفى بقوله: "ورسوله"، أي بالضمير.
انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدها: الكلام على صيغة "أشهد" في المرة الثانية، وقد جزم في "المحرر" بوجوبها، ومقتضى كلامه في "الكبير" و"الصغير" أن الأكثرين على عدم الوجوب، وصححه النووي في كتبه [واستدرك] 161 في "المنهاج" على كلام "المحرر" فقال: قلت الأصح "وأن محمدًا رسول الله" وثبت في صحيح مسلم.
والله أعلم.
وما ادعاه من أنه قد ثبت في "صحيح مسلم" ممنوع.
فإنه لم يثبت على هذا الوجه لأن الثابت عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ذلك كما حكاه في كتبه] 162. إنما هو ثلاث كيفيات: إحداها: "وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله".
رواه الشيخان، من رواية ابن مسعود 163. والثاني: "وأشهد أن محمدًا رسول الله" [رواه مسلم] 164 من رواية ابن عباس.
والثالث: "وأن محمدًا عبده ورسوله" 165 بإسقاط أشهد، رواه مسلم، أيضًا من رواية أبي موسى.

الجزء: 3 - الصفحة: 108

وليس ما قاله واحدًا من الثلاثة، لأن الإسقاط إنما ورد مع زيادة العبد.
الأمر الثاني: في جواز الإتيان بالضمير بدلًا عن لفظ "الله" في قولنا: "وأن محمدًا رسول الله".
ومقتضى كلام الرافعي تصحيح المنع كما تقدم، وهو مقتضى كلامه في "الشرح الصغير" أيضًا، وهو الموجود في أكثر نسخ "المحرر"، وقد اختصر النووي في "الروضة" كلام الرافعي على العكس فصحح أن الضمير يجزئ ثم عكس ذلك في مشاهير كتبه فقال في "شرح المهذب" ما نصه: قال الشافعي وأكثر الأصحاب، أقله "أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله".
وقال جماعة: وأن محمدًا رسوله، [ونقله] 166 الرافعي عن العراقيين، والروياني.
انتهى لفظه بحروفه.
وقد علمت مما تقدم أن نقله هذا عن الرافعي غلط، اعتمد فيه على ما لخصه هو في "الروضة" وصححه أيضًا -أعني: وجوب الظاهر- في "شرح الوسيط" المسمى "بالتنقيح" فقال ما نصه: الأصح أنه يجوز إسقاط لفظة "أشهد" في الشهادة الثانية فيقول: وأن محمدًا رسول الله".
وقيل: يكفي: "وأن محمدًا رسوله" هذا لفظه.
ومن خطه نقلت.
وكذلك صححه في "التحقيق" وجزم به في "المنهاج"، وإذا علمت ذلك كله علمت أن الفتوى على المنع.
الأمر الثالث: أن الضمير قد ثبت مع زيادة العبد في التشهد الوارد في الصحيح من رواية ابن مسعود وأبي موسى، ولم يقع الظاهر إلا في رواية ابن عباس كما تقدم.
وقد اتفق العلماء على جواز التشهد بالروايات الثلاث كما قاله النووي في "شرح مسلم" في أول باب التشهد، فلزم من ذلك استثناء [هذه

الجزء: 3 - الصفحة: 109

الصورة، واختصاص] 167 الاختلاف فيما عداها، فينبغي أن يتنبه له.
واعلم أن النووي قد جزم في "التحقيق" و"شرح المهذب"، وغيرهما بأن الضمير كاف في الصلاة على الآل إذا أوجبناها فيقول: اللهم صل على محمد وآله، مع تصحيحه في هذه الكتب أنه لا يكفي في الصلاة على الرسول فما الفرق بينهما؟ ! الأمر الرابع: روى البخاري في "صحيحه" 168 في باب الأخذ باليدين من كتاب الاستئذان عن عبد الله بن مسعود قال: كنا نقول في حياة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: [السلام عليك أيها النبي، فلما قبض النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قلنا: السلام على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] 169، ومقتضى هذا الذي ثبت عن الصحابة أن الخطاب اليوم غير واجب، وقد رأيته مصرحًا به في كتاب "تذكرة العالم" لأبي حفص عمر بن الإمام أبي العباس بن سريج، وأبو حفص هذا قد نقل عنه الشيخ أبو حامد، وأصحابه، وكذا ابن الرفعة في كتاب الطهارة من "الكفاية".
الأمر الخامس: المنقول أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقول في تشهده: وأشهد أني رسول الله، كذا ذكره الرافعي في باب الأذان.

قوله: والأولى في الصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
لما روى كعب بن عجرة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئل عن كيفية الصلاة عليه فأمرهم بذلك 170. انتهى كلامه.

الجزء: 3 - الصفحة: 110

فيه أمور: أحدها: أن النووي قد اختلف كلامه في الأكمل من أربعة أوجه، فإنه في "الروضة" قد تابع الرافعي على ما ذكره، ثم خالفه في "الأذكار" فقال في هذا الباب ما نصه: والأفضل أن يقول: اللهم صل على محمد عبدك ورسولك النبي الأمي، وعلى آل محمد وأزواجه وذريته [كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد وأزواجه وذريته] 171، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
انتهى.
لفظه بحروفه.
فزاد "عبدك ورسولك" في الصلاة خاصة وزاد "الأزواج" "والذرية" في الصلاة وفي البركة معًا، وزاد: "النبي الأمي" في الصلاة والبركة.
وقد ذكر في "التحقيق" و"الفتاوى" كما ذكر في كتاب "الأذكار" إلا أنه لم يأت بالنبي الأمي في المرة الثانية التي هي عقب: وبارك على محمد.
والذي ذكره في "الروضة" قد نقله في "شرح المهذب" عن الشافعي والأصحاب فقال: قال الشافعي والأصحاب: والأفضل.
كذا، وذكره إلى آخره إلا أنه أسقط "على" الداخلة على "آل إبراهيم" فى الصلاة والبركة وكذلك نقل في "المهذب" مع أنه قد ورد إثباتهما في سنن البيهقي وصححه ابن حبان والحاكم، وإن كان بلفظ آخر، ثم قال النووي في الشرح المذكور عقب ما نقلناه عنه: وينبغي أن يجمع ما في الأحاديث الصحيحة السابقة فيقول: اللهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
هذا كلامه.
وليس هو مستوعبًا لما ثبت في الأحاديث ولا موافقًا لما ذكره في باقي كتبه، فإنه أسقط قوله: عبدك ورسولك، وقد ذكر الرافعي في "كتاب

الجزء: 3 - الصفحة: 111

الإيمان" نقلًا عن إبراهيم المروذي من غير اعتراض عليه أنه لو قال: لأصلين على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أفضل الصلاة عليه، فطريق البر أن يقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كلما ذكره الذاكرون وكلما سهى [عنه] 172 الغافلون.
ثم اعترض [عليه] 173 النووي فقال: الصواب والذي ينبغي [أن يجزم] 174 به أن الأفضل هو الذي يقال عقب التشهد.
الأمر الثاني: لقائل أن يقول للشيخ محيي الدين: لم اخترت استحباب جمع ما ورد في الأحاديث بالنسبة إلى الصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ولم تختر ذلك بالنسبة إلى التشهد حتى يزيد [الزاكيات] 175 بعد "التحيات" فإن مالكًا رواها في "الموطأ" 176 بإسناد صحيح، ويزيد العبد في آخره فيقول: "وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله" فإنها ثابتة في الصحيحين.
وفي "الكفاية" في استحباب ذلك في التشهد وجهين؟ الأمر الثالث: أنه قد اشتهر زيادة "سيدنا" قبل محمد عند أكثر المصلين، وفي كون ذلك أفضل من تركها نظر.
وفي حفظي قديمًا أن الشيخ عز الدين بن عبد السلام بناه على أن الأفضل سلوك [الأدب] 177 أم امتثال الأمر؟ فعلى الأول: يستحب دون الثاني لقوله -عليه الصلاة والسلام-: قولوا اللهم صل على محمد.
الأمر الرابع: أن دعوى الرافعي أن كعب بن عجرة روى هذه الصيغة، ليس له ذكر في الكتب المطولة كسنن البيهقي وغيرها، وإن كان أصل الحديث في الصحيحين، وأقرب لفظ إليه ما رواه البيهقي 178 عن الشافعي عنه وهو: اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل

الجزء: 3 - الصفحة: 112

إبراهيم إنك حميد مجيد.
وهو مخالف من جهة إسقاط "على" مع آل محمد، وآل إبراهيم في الصلاة والبركة جميعًا، والحاصل منه إسقاطها أربع مرات.

قوله: قال الصيدلاني: ومن الناس من يزيد: وارحم محمدًا كما رحمت على إبراهيم، وربما يقولون: ترحمت على إبراهيم، أي بالتاء.
قال: وهذا لم يرد في الخبر، وهو غير فصيح، فإنه لا يقال: رحمت عليه، وإنما يقال: رحمته، وأما التراحم ففيه معنى التكلف، فلا يحسن إطلاقه في حق الله تعالى.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن هذه المسألة قد أسقطها النووي من "الروضة".
الثاني: أن قول الرافعي: أنه لا يقال: رحمت عليه، غير مستقيم، فقد نقل الطبري شارح "التنبيه" عن شيخه الصاغاني أنه يقال: رحمت عليه، وقال الغزالي: لا يجوز ترحم.
أعني بالتاء وهو المراد من قول الرافعي: إنه لا يحسن وقال النووي: إنه بدعة.
وبالغ ابن العربي في إنكاره، وخطأه فيه ابن أبي زيد المالكي.

قوله: وأقل الصلاة على الآل أن يقول: وآله، ولفظ الكتاب يشعر بأنه يجب أن يقول: وعلى آل محمد، أي بإعادة "على" وبالظاهر عوضًا عن الضمير، والأول هو الذي ذكره صاحب "التهذيب" وغيره.
انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره الغزالي قد وافقه عليه في "الكفاية" في على، فصح أن إعادتها واجبة وخالفه في الضمير، فصح أنه يكفي، وللنحاة خلاف مشهور في جواز إضافة "الآل" إلى الضمير، وقد حذف في "الروضة" مقالة الغزالي، فاعلمه.

الجزء: 3 - الصفحة: 113

قوله في "الروضة": ولا يجوز أن يخترع دعوة بالعجمية، ويدعو بها.
انتهى.
واعلم أن الذكر المخترع كحكم الدعاء في منع تأديته أيضًا بالعجمية كذا ذكره الرافعي، [وأهمله] 179 في "الروضة".

قوله: وذكر الصيدلاني في طريقته أن المستحب للإمام أن يقتصر على التشهد والصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليخفف على من خلفه، فإن دعا جعل دعاءه دون قدر التشهد، ولا يطول.
قال: وأما المنفرد فلا بأس له بالتطويل، هذا ما ذكره، والظاهر الذي نقله الجمهور أنه يستحب للإمام الدعاء كما يستحب لغيره، ثم الأحب أن يكون الدعاء أقل من التشهد، والصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأنه تبع لهما.
فإن زاد لم يضر إلا أن يكون إمامًا فيكره له التطويل.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الشرح الصغير"، وحاصله أن المنفرد يستحب له أيضًا أن يكون ما يأتي به أنقص من التشهد والصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو خلاف المنقول في كتب المذهب فإن الذي فيها أنه يطيل ما أراد ما لم يوقعه ذلك في السهو، كذا جزم به خلائق لا يحصون منهم الماوردي، وابن الصباغ، والمتولي، والشيخ في "المهذب"، والإمام والغزالي في "البسيط" وغيره، ونص عليه الشافعي في "الأم" فقال: أحب لكل مصلٍ أن يزيد على التشهد، والصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذكر الله -عز وجل- وتحميده، ودعاءه في الركعتين الأخيرتين، وأرى أن تكون زيادة ذلك إن كان إمامًا أقل من قدر التشهد، والصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيه قليلًا للتخفيف عمن خلفه، وأرى أن يكون جلوسه إذا كان وحده أكثر من ذلك، ولا أكره ما أطال ما لم يخرجه ذلك إلى سهو أو يخاف به سهوًا.

الجزء: 3 - الصفحة: 114

فإن لم يزد على التشهد والصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كرهت ذلك.
هذا نصه بحروفه، ومن "الأم" نقلته، وهو مشتمل على فوائد: منها: أنه يستحب للمنفرد الزيادة وهذا مع ما يقوله الرافعي في غاية التباين.
وقد جزم بما ذكرناه أيضًا النووي في "شرح المهذب" فإنه ذكر النص المذكور، ولم يخالفه، وكذلك ابن الرفعة في "الكفاية" ناقلًا له عن الأصحاب فقال: ولا شك في استحباب الدعاء في حق المنفرد، بل قال الأصحاب: له أن يطيل الدعاء ما شاء ما لم يخرجه ذلك إلى السهو.
هذه عبارته.
وذكر في "الروضة" مثل ما ذكره الرافعي إلا أنه أخر الوجه الأول وحصل بسبب تأخيره إبهام فتأمله، واجتنب الإبهام المذكور.
وقد صرح في "المحرر" بمثل ما ذكره في الشرحين فقال: وينبغي أن لا يزيد قدر الدعاء على التشهد والصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. هذا لفظه، وتبعه عليه في "المنهاج" إلا أن بينهما تغاير من جهة أن تعبير الشرحين و"الروضة" يقتضي أنه لا يستحب ترك المساواة، بخلاف "المحرر" و"المنهاج"، وذلك كله مردود لما ذكرناه.

قوله في "الروضة": وأما سائر الأذكار كالتشهد الأول والقنوت، وتكبيرات الانتقال والتسبيحات فأوجه: أحدها: يجوز للعاجز أن يأتي بترجمتها.
والثاني: لا يجوز.
والثالث: يترجم لما يجبر بالسجود دون غيره، [ثم] 180 قال من

الجزء: 3 - الصفحة: 115

"زياداته": الأصح الجواز للعاجز والمنع في [القادر] 181. . . . إلى آخره.
فيه أمران: أحدهما: أن هذا التصحيح الذي ذكره من زياداته صرح الرافعى به وعبر بالأصح كما عبر هو به، ونقله عن الأصحاب قاطبة فحذفه ثم استدركه.
الثاني: أنه [أهمل] 182 في اختصاره الترجمة للقادر، وقد ذكرها الرافعي أيضًا كما ذكرها في "زياداته" فحذفها أيضًا ثم زادها، وهو عجيب.
واعلم أن الترجمة بغير العربية تأتي في مسائل: إحداها: الواجبات التي ليست بقرآن كتكبيرة الإحرام، والتشهد الأخير والصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[فيه] 183، وعلى الآل إذا أوجبناها، فيترجمها العاجز لا القادر.
الثانية: الفاتحة وغيرها من القرآن لا يجوز ترجمته لا لقادر، ولا لعاجز لما فيه من الإعجاز، وكذا الدعاء الذي ليس بمأثور فإن فعل بطلت صلاته.
الثالثة: الأدعية المأثورة، الأصح: جواز ترجمتها للعاجز دون القادر.
وقيل: يجوز مطلقًا.
وقيل: لا مطلقًا، فإن منعنا فترجم بطلت صلاته.
الرابعة: الأذان، أطلق الشيخ أبو حامد أنه لا يجوز، وقال الماوردي: إن أُذَّن لنفسه جاز للعاجز، وعليه أن يتعلم، ولم يجز للقادر وإن أُذَّن للجماعة لم يجز مطلقًا.
قال النووى: وهذا محمول على ما إذا كان فيهم من يحسن العربية، فإن لم يكن صح.

الجزء: 3 - الصفحة: 116

الخامسة: الخطبة، الصحيح: منع الترجمة فيها عند القدرة.
السادسة: كلمة الإسلام يجوز ترجمتها للعاجز، وكذا للقادر في الأصح.
السابعة: السلام، يجوز ترجمته للقادر والعاجز في أصح الأوجه.
الثامنة: لفظ التزويج والإنكاح، يجوز ترجمته للعاجز والقادر في الأصح.
وقيل: يمتنع فيهما.
وقيل: يجوز للعاجز دون القادر.
التاسعة: البيع، وغيره من ألفاظ العقود والفسوخ يجوز ترجمته للعاجز والقادر.

قوله: وأقله السلام عليكم، فلو قال: سلام عليكم فوجهان: أحدهما: أنه لا يجزئه، لأنه نقص الألف واللام، فأشبه ما لو قاله بغير تنوين.
وأظهرهما: أنه يجزئه، ويقوم التنوين مقام الألف واللام كما في التشهد.
انتهى.
وهذه المسألة التي ذكرها في ضمن التعليل وهي أن غير المنون لا يجزئ قد أسقطها من "الروضة"، ولم يصرح بها أيضًا في "شرح المهذب" وحكى القاضي الحسين في "تعليقه" فيها خلافًا.
وعلل الإجزاء بأن ترك التنوين لا يغير المعنى، واعلم أن الجوهري قد قال: إن السِلم بكسر السين وسكون اللام هو السلام.
وأنشد: وقفنا فقلنا آية سلم فسلمت وحينئذ فيتجه الجواز لأنها ليست كلمة أخرى، وإذا جوزنا هذا

الجزء: 3 - الصفحة: 117

مع ما يؤخذ من إطلاق الرافعي في [المعلق] 184 تبين أنه لا فرق بين المعرف والمنكر حصل لك ثمان مسائل، لأن التقديم قد يكون للمعرف، إما مع اللغة المشهورة، وإما مع الأخرى.
وقد يكون للمنكر مع اللغتين، وهذه الأربعة يأتي مثلها في التأخير.

قوله: ولا يجب أن ينوي بسلامه الخروج من الصلاة في أصح الوجهين.
فإن قلنا: يجب، لم يجب تعيين الصلاة في نية الخروج، فلو عين غير ما هو فيه عمدًا بطلت صلاته؛ وإن كان سهوًا سجد للسهو [وسلم] 185 ثانيا.
انتهى.
وما ذكره في حالة السهو بين السجود والسلام ثانيًا محله إذا لم يطل الفصل؛ فإن طال استأنف الصلاة، كذا رأيته في "عدة الطبري" و"شرح التلخيص" للقاضي الحسين، وهو ظاهر.
ورأيت في شرحه أيضًا لأبي عبد الله الختن -بالخاء المعجمة- وهو ختن الإمام أبي بكر الإسماعيلي أي زوج ابنته: أن الساهي لا يحتاج إلى السجود، ولا إلى إعادة السلام قال: لأنه فرض أتى به في موضعه، وإنما سهى في نيته فلم يضر كما لو اعتقد أن الثانية ثالثة.

قوله في المسألة: وإن قلنا: إن نية الخروج مستحبة فلا يضر الخطأ في التعيين.
انتهى.
ومراده بالخطأ تعيين خلاف ما هو عليه عمدًا كان أو سهوًا، فإن الأكثرين ممن تكلم على المسألة قد صرحوا بذلك، منهم القفال في "شرح التلخيص" والبغوي في "التهذيب"، وأبو عبد الله الطبري في "العدة" والعمراني في "البيان"، وهو المفهوم أيضًا من عبارة الرافعي لمن تأملها، [ولهذا] 186 عزاه ابن الرفعة إليه إلا أنه نقل عنه عدم البطلان إذا نوى غير

الجزء: 3 - الصفحة: 118

ما عليه عمدًا، وقلنا بأن التعيين لا يجب بعبارة تقتضي ضعف ذلك من جهة النقل، وهو غريب منه.
نعم ذكر في "البحر" كما ذكره القاضي الحسين فتبعهما المصنف عليه، ومعظم الكتب ساكتة عن المسألة "كالاستذكار" و"الحاوي" و"النهاية" و"الشامل" و"التتمة" وكتب الفوراني والغزالي وابن عصرون، وقد عبر الرافعي في "الشرح الصغير" بعبارة عجيبة لا تطابق ما قاله هنا، فقال: فإن أوجبنا نية الخروج، فلا يحتاج إلى تعيين الصلاة، فإن الخروج لا يكون إلا عما هو فيه، ولو عين غير ما فيه بطلت صلاته بخلاف ما إذا قلنا: إنها لا تجب، فإنه لا يضر الخطأ في التعيين.
هذه عبارته.

قوله: ثم المصلي إن كان إمامًا فيستحب له أن ينوي بالتسليمة الأولى السلام على من على يمينه من الملائكة، ومسلمي الجن والإنس، وبالثانية على من [على] 187 يساره منهم.
والمأموم ينوي مثل ذلك، ويختص بشئ آخر وهو أنه إن كان على يمين الإمام ينوي بالتسليمة الثانية الرد على الإمام وإن كان على يساره ينويه بالتسليمة الأولى، وإن كان في محاذاته ينويه بأيهما شاء وهو في التسليمة الأولى أحب.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" وفيه أمران: أحدهما: أن المأموم الكائن على يسار الإمام كيف ينوي الرد على الإمام بالأولى مع أن الرد إنما يكون بعد السلام عليه.
وجوابه موقوف على مسألة وهو أن المأموم هل يستحب أن يتأخر بالتسليمة الأولى إلى فراغ الإمام من التسليمتين أم [لا] 188؟ بل يستحب أن يسلم الأولى عقب الأولى، والثانية عقب الثانية كما

الجزء: 3 - الصفحة: 119

نقله غالب الناس، فيه وجهان، حكاهما في "شرح المهذب" من غير تصريح بتصحيح إلا أنه قال: ذهب البغوي إلى الأول، والمتولى إلى الثاني، وإنَّ ظاهر نصه في "البويطي" يدل للأول.
نعم صرح بتصحيحه في "التحقيق"، وإذا علمت ذلك علمت أن كلام الرافعي ماشٍ على اختيار الوجه الأول، وهو المرجح.
واعلم أن القاضي الحسين قد خالف الوجهين فإنه فصل فقال فيمن كان على يمين الإمام بمقالة البغوي، وفيمن كان على يساره بمقالة المتولي وخير المحاذي بين المقالتين، وذكر أيضًا -يعني القاضي- في "تعليقه" أن الأحب للمأموم الرد على إمامه بالأولى مطلقًا سواء كان على يمينه أو يساره أو محاذيًا له.
الأمر الثاني: أن المحاذي المذكور في الرد لم يتقدم له ذكر بالكلية في السلام من الإمام فتأمله، وقياس ما ذكره في المأموم أن الإمام ينوي السلام عليه بما شاء منهما.

قوله: وأما المنفرد فينوي بهما السلام على من على جانبيه من الملائكة.
انتهى.
واقتصاره على الملائكة قد تابعه عليه في "الروضة"، وهو غريب، بل ينبغي أن ينوي المسلمين من الملائكة والجن والإنس أيضًا كما سبق مثله في الإمام والمأموم، وقد صرح بذلك في "شرح المهذب" فقال: من ملائكة وغيرهم.

قوله من زياداته: السنة أن يكثر من ذكر الله تعالى عقب الصلاة.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره من استحباب الذكر، قد ذكره أيضًا في "شرح

الجزء: 3 - الصفحة: 120

المهذب" فقال: إنه يستحب لكل مصلٍ، لكنه ذكر بعد ذلك ما يشكل عليه فقال: قال الشافعي والأصحاب -رحمهم الله- يستحب للإمام إذا سلم أن يقوم من مصلاه عقب سلامه إذا لم يكن خلفه نساء، هكذا قاله الشافعي في "المختصر"، واتفق عليه الأصحاب وعللوه بعلتين: إحداهما: لئلا يشك هو أو من خلفه، هل سلم أم لا؟ والثانية: لئلا يدخل غريب فيظنه بعد في الصلاة فيقتدي به، أما إذا كان خلفه نساء فيستحب أن يثبت بعد سلامه، ويثبت الرجال قدرًا يسيرًا يذكرون الله حتى ينصرف النساء.
ويستحب للنساء أن ينصرفن عقب سلامه.
هذا كلامه.
فذكر أنه ينتقل من مكانه عقب السلام إذا لم يكن نسوة، وأنه لا يمكث للذكر إلا عند وجودهن، بخلاف ما دل عليه كلامه السابق من كونه يأتي بالذكر مطلقًا.
وقد ذكر الماوردي كلامًا فيه جمع بين الأمرين فقال: إذا فرغ الإمام من صلاته فإن كان من صلى خلفه رجالًا لا امرأة فيهم، وثبت ساعة سلم ليعلم الناس فراغه من الصلاة ولئلا يسهو فيصلى، وإن كان معه رجال ونساء ثبت قليلًا لينصرف النساء، فإذا انصرفن وثب، ثم إذا وثب الإمام فإن كانت صلاة لا يتنفل بعدها [كالصبح والعصر استدبر القبلة ودعا، وإن كانت صلاة يتنفل بعدها] 189 كالظهر فيختار له أن يتنفل في منزله.
هذا كلامه بحروفه.
وذكر الروياني في "البحر" أن الإمام يدعو قائمًا، وذكر مثله الجيلي في "شرح التنبيه"، وبهذا ينتظم الكلام.

الجزء: 3 - الصفحة: 121

ثم إذا أراد الإمام أن يتنفل في المحراب فينفتل عن يمينه، وفي كيفية استقباله لهم وجهان في "شرح المهذب" حكاهما الجيلي فيما سبق نقله عنه، وهو الدعاء قائمًا، وعبر في "التحقيق" بالجلوس فقال: أصحهما: أنه يجلس على يسار المحراب بأن يدخل يساره فيه، ويمينه إلى الناس ثبت ذلك في مسلم 190، وقيل: على يمينه بأن يجعل يمينه فيه ويساره إلى الناس، وقال الإمام: لم يصح فيه شئ ولا أرى فيه إلا التخيير.
الأمر الثاني: أن الشافعي قيد استحباب الإكثار بالمنفرد والمأموم فقال: وأستحب للمصلي منفردًا والمأموم أن يطيل الذكر بعد الصلاة، ويكثر الدعاء رجاء الإجابة بعد المكتوبة، هذا لفظ الشافعي، وقد نقله عنه في "شرح المهذب" ولم يخالفه، وهو يخالف إطلاق "الروضة".
نعم لقائل أن يقول: يستحب أن يختصر فيهما بحضرة المأمومين، فإذا انصرفوا طول، وهذا هو الحق إن شاء الله تعالى.

قوله في "الزيادات" أيضًا: ويسن الدعاء بعد السلام سرًا إلا أن يكون إمامًا يريد تعليم الحاضرين.
انتهى.
وما ذكره الصنف من تقييد الدعاء بالسر دون الذكر يقتضي أنه يجهر به -أعني بالذكر- كما هو المعتاد، وليس كذلك فقد نص الشافعي والأصحاب على أن حكم الذكر في ذلك حكم الدعاء، وقد نبه عليه في "شرح المهذب".

قوله فيها أيضًا: قال أصحابنا: يستحب إذا أراد أن يتنفل عقب الفريضة أن ينتقل إلى بيته فإن لم يكن فإلى موضع آخر.
انتهى.
واعلم أن علة الانتقال كما قاله الأصحاب شهادة المواضع له بالعبادة.
وقد ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ 191 أن

الجزء: 3 - الصفحة: 122

المؤمن إذا مات بكى عليه مصلاه من الأرض، ومصعد عمله من السماء، وهذا المعنى يقتضي أنه لا فرق بين النافلة المتقدمة والمتأخرة، ولا بين النافلة مع الفريضة أو مع نافلة أخرى، فمن تهجد أو صلى سنة الظهر مثلًا أربعًا بتسليمتين حتى ينتقل مرتين في هذا المثال إلا أن المتجه في النافلة المتقدمة ما أشعر به كلامهم من عدم الانتقال لأن المصلي مأمور بالمبادرة، والصف الأول، وفي الانتقال بعد استقرار الصفوف مشقة خصوصًا إذا كثر المصلون كما في الجمعة.

قوله من "الزوائد" أيضًا: ويستحب إذا كان يصلي وراءه نساء أن يمكث في مصلاه حتى ينصرفن.
انتهى.
سكت هو وغيره عن الخناثى، والقياس استحباب انصرافهم فرادى، إما قبل النساء أو بعدهم، وتأخر الرجال عن جميعهم.

قوله أيضًا: وإذا أراد الانصراف، فإن كانت له حاجة عن يمينه أو عن يساره انصرف إلى جهة حاجته، وإن لم يكن له حاجة فجهة اليمين أفضل.
انتهى.
واعلم أن المصنف قد ذكر في كتابه المسمى "برياض الصالحين" أنه يستحب في الحج، والصلاة، وعيادة المرضى وسائر العبادات أن يذهب في طريق ويرجع في أخرى، وإطلاق هذا مع إطلاق ما نقلناه عن الروضة متنافيان.

قوله فيها: وإذا سلم الإمام التسليمة الأولى فقد انقطعت متابعة المأموم، وهو بالخيار إن شاء سلم في الحال، وإن شاء استدام الجلوس للتعوذ والدعاء، وأطال ذلك.
انتهى كلامه.
وما ذكره من جواز الاستدامة محله في غير المسبوق، أما المسبوق فينظر

الجزء: 3 - الصفحة: 123

إن [كان] 192 موضع جلوسه أى تشهده الأول فله ذلك إلا أن تطويل التشهد الأول مكروه وإن كان في غيره وجب القيام على الفور، فإن جلس متعمدًا بطلت صلاته، أو ساهيًا سجد للسهو، كما هو معروف في صلاة الجماعة.

قوله: خاتمة: إذا فاتت الفريضة وجب قضاؤها.
. . . إلى آخره.
هذه المسألة فيها كلام مهم يتعين الوقوف عليه، وقد ذكرته في كتاب الحج في الكلام على الجماع، فإن المسألة محلها هناك، وفي "شرح التنبيه" للطبري: أنه لو كان عليه فوائت فهل يبدأ بالصبح لأنها الأولى أو بالظهر تأسيًا بجبريل؟ على وجهين.

قوله من "زياداته": صلاة الصبح، وإن كانت نهارية فهي في القضاء جهرية، ولوقتها حكم الليل في الجهر.
انتهى كلامه.
واعلم أن هذا الكلام قد فهمه أكثر الناس على غير ما هو عليه، واشتهر ذلك في خاصتهم وعامتهم قاصيهم ودانيهم، وعمل به فقهاؤهم، وقد وفق الله الكريم إلى الحق فيه، وإلى تقريره على المراد منه تقريرًا ظاهرًا، وذلك أنهم توهموا أن الصبح يقضى بالنهار جهرًا لتوهمهم أن المراد من قول النووي: فهي في القضاء جهرية، والحق أنها تقضى فيه سرًا على الصحيح كما هو القياس وكلام "الروضة" يدل على ذلك أيضًا، وتقرير ما في "الروضة" أن الصبح، وإن كانت من صلوات النهار، فحكمها حكم الصلوات الجهرية، إذا قضيت حتى يجهر فيها بلا خلاف إن قضاها ليلًا، ويكون مستثنى من قولهم: من قضى فائتة النهار بالليل فهل يجهر؟ فيه وجهان، إذ النهار عندنا أوله طلوع الفجر كاليوم، وحتى يسر على

الجزء: 3 - الصفحة: 124

الصحيح إن قضاها بعد طلوع الشمس، ويكون ذلك أيضًا مستثنى من قولهم: أن من قضى فائتة النهار بالنهار يسر بلا خلاف.
فقول النووي: فهي في القضاء جهرية، أى فهي صلاة جهرية قد قضيت لا سرية، وإذا حكم بأنه قضاء صلاة جهرية فلا يلزم منه الجهر بها، ألا ترى أنه إذا قضى العشاء نهارًا فقد قضى صلاة جهرية، ومع ذلك لا يجهر.
وأما قول النووي: ولوقتها حكم الليل في الجهر فهي أيضًا مسألة حسنة نبه عليها.
ومعناه أن هذه القطعة من النهار حكمها حكم الليل في الجهر حتى يجهر بلا خلاف إذا قضى فيها المغرب أو العشاء، ويكون مستثنى من قولهم: إن من قضى فائتة الليل بالنهار يسر على الصحيح، وحتى يجهر أيضًا بلا خلاف إذا قضى فيها الصبح ويكون مستثنى من قولهم: إن فائتة النهار تقضى بالنهار سرًا بلا خلاف، وحتى يجهر على الصحيح إذا قضى فيها الظهر أو العصر، ويكون مستثنى من قولهم أيضًا: [إن من قضى] 193 فائتة النهار بالنهار يسر بلا خلاف.
وحاصله أن من طلوع الشمس إلى غروبها محل إسرار، وما عدا ذلك فهو محل جهر، وإن كان فيه قطعة من النهار، وهي من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، هذا حاصل كلام "الروضة" فاعلمه، وقد ذكر ذلك أيضًا في "شرح المهذب" بعبارة لا لبس فيها فقال ما نصه: قلت: كذا أطلق الأصحاب لكن صلاة الصبح، وإن كانت نهارية، فلها في القضاء [في الجهر] 194 حكم الليلية ولوقتها فيه حكم الليل، وهذا مراد

الجزء: 3 - الصفحة: 125

الأصحاب.
انتهى لفظه بحروفه.
فانظر كيف شرح كلام "الروضة" بما قد قررته وأبدل اللفظة الموهمة بلفظة [توضح] 195 المراد فتأمله.
وصرح بها أيضًا في "شرح مسلم" تصريحًا أبلغ من هذا فقال في باب قضاء الفائتة في الكلام علي حديث الوادي الذي نام فيه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إن الصبح إذا قضيت نهارًا تقضى سرًا على الصحيح، وليس بعد هذا النص وقفة، ولو لم يكن في هذا الكتاب سوى هذه المسألة لكان فيها كفاية.

قوله: وإذا اجتمعت حاضرة وفائتة فيستحب البداءة بالفائتة إن لم يضق وقت الحاضرة فإن ضاق وقتها بدأ بها.
انتهى.
والتعبير بالضيق وعدمه ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، وفي "الروضة" وعبر في "المحرر" بالفوات وعدمه، وتبعه عليه في "المنهاج" و"التحقيق"، وكذلك عبر به الشيخ في "التنبيه" وأقره عليه في تصحيحه.
ومقتضى التعبير بالفوات أنه إذا أمكنه فعل الفائتة، وإدراك ركعة من الحاضرة أنه يجوز له فعل ذلك، لأن الحاضرة لم تفت، بل وقعت أداء، لكنهما صححا في الباب الأول من كتاب الصلاة أن إخراج بعض الصلاة عن الوقت لا يجوز، وإن جعلناها أداء فالجواز هنا إنما يستقيم على الوجه المرجوح عندهما هناك، لأن المحافظة على الترتيب سنة، فلا تكون مسوغة لإخراج البعض عن الوقت فضلًا عن استحبابه إلا على تقدير القول بجواز الإخراج، وبتقدير التزام اغتفاره لكونه سنة، وهو المجزوم به في "الكفاية" لابن الرفعة، ففي تعدي ذلك إلى الرواتب نظر، وتعبير الكتاب محتمل لما ذكره في "المحرر" ولغيره، وهذه المسألة قد تقدم الوعد بذكرها في الباب

الجزء: 3 - الصفحة: 126

الأول من أبواب الصلاة.

قوله من "زياداته": ولو تذكر فائتة، وهناك جماعة يصلون الحاضرة والوقت متسع فالأولى أن يصلي الفائتة أولًا منفردًا، لأن الترتيب مختلف في وجوبه، والقضاء خلف الأداء مختلف في جوازه، فاستحب الخروج من الخلاف.
انتهى كلامه.
وهذا الذي قاله مردود نقلًا وبحثًا.
أما الأول فلأن النقول متظافرة على استحباب صلاة الحاضرة مع الإمام، كذا صرح به الغزالي في كتاب "الإحياء" في الباب السادس في "أسرار الصلاة"، والبغوي في "فتاويه"، وصاحب "التعجيز" فيه، وفي "مختصر التنبيه" المسمى بالتنبيه، وحكاه في "الشرح الصغير" عن جده، واقتصر عليه، ونقله المحب الطبري شارح "التنبيه" عن صاحب النكت يعني ابن أبي الصيف، وعن غيره ولم ينقل غيره.
ونقل الروياني عن والده أنه قال: يحتمل أن يقال: يصلي العصر في جماعة ثم الظهر، ثم يستحب إعادة العصر.
انتهى.
واقتصر عليه.
وأما الثاني فلأنه يؤدي إلى تفويت صلاة الجماعة بالكلية لاسيما إذا كانت الفائتة رباعية، والحاضرة ثنائية، والجماعة قد ورد عليها من الطلب والثواب ما لم يرد في الترتيب ولا في اتفاق صلاة الإمام والمأموم.
وأيضًا فالأمور الثلاثة مشتركة في الاختلاف فيها عند العلماء، وامتازت الجماعة بالاختلاف فيها عندنا، والنووي -رحمه الله- لم ينقل هنا هذه المسألة عن أحد إلا أنه نقل في صلاة الجماعة ما يوهمه، وسنقف عليه هناك.

الجزء: 3 - الصفحة: 127

قوله من "زياداته": أما إذا علم فرضية الصلاة، ولم يعلم أركانها فله ثلاثة أحوال: أحدها: أن يعتقد جميع أفعالها سنة.
والثاني: أن يعتقد بعضها فرضًا وبعضها سنة، ولا يعرف تمييزها، فلا تصح صلاته قطعًا، صرح به القاضي حسين، وصاحب "التتمة"، و"التهذيب".
والثالث: أن يعتقد جميع أفعالها فرضًا فوجهان حكاهما القاضي الحسين، وصاحب "التهذيب".
أحدهما: لا تصح صلاته لأنه ترك معرفة ذلك وهي واجبة.
وأصحهما: تصح، وبه قطع صاحب "التتمة" لأنه ليس فيه أكثر من أنه أدى سنة باعتقاد الفرض وذلك لا يؤثر.
قال في "التهذيب": فإن لم يصحح صلاته ففي صحة وضوئه في هذه الصورة وجهان، هكذا ذكر هؤلاء هذه المسائل، ولم يفرقوا بين العامي وغيره.
وقال الغزالي في "الفتاوي": العامّي الذي لا يميز فرائض صلاته من سننها تصح صلاته بشرط أن لا يقصد التنفل بما هو فرض، فإذا غفل عن التفصيل فنية الجملة في الابتداء كافية.
والذي قاله الغزالي هو الظاهر.
انتهى.
فيه أمور: أحدها: أن ما ادعاه من القطع بالبطلان في القسم الثاني، وأسنده أيضًا إلى الثلاثة المذكورين ليس بصحيح، فقد ذكر فيه القاضي الحسين في "تعليقه" وجهًا أنه يصح، وعلله باشتباهه على أكثر الناس، ونقله عنه أيضًا ابن الرفعة في "الكفاية"، ورأيته مجزومًا به في "فتاوى القفال"،

الجزء: 3 - الصفحة: 128

وعلله بأن معرفتها غامضة وزاد على ذلك مسألة حسنة فقال: إذا علم أن الفاتحة مثلًا أو الركوع فرض فقال: أنا أفعله أولًا تطوعًا ثم أفعله مرة ثانية فرضًا، ففعله أولًا بنية التطوع وقع عن الفرض، ثم إن ما ذكره النووي مخالف لمقالة الغزالي التي ارتضاها.
والحاصل أن القطع بالبطلان إن ذكر على أنه حكاية عن هؤلاء لم تصح لما ذكرناه من كون القاضي حاكيًا للخلاف، والآخران جازمان لا مصرحان بعدم الخلاف، وإلا فمناقض مناقضة عجيبة، وباطل أيضًا لوجود الخلاف.
الأمر الثاني: أن الأصح من الوجهين في الوضوء هو البطلان أيضًا، كذا صححه النووي في "التحقيق" ولم يصحح شيئًا في "شرح المهذب".
الأمر الثالث: أن تقيده بالعامي يقتضي أن العالم إذا لم يميز بقصده الفرض من السنة تبطل صلاته وهو المذكور في "فتاوي الإمام"، وفيه نظر.
والظاهر الصحة في العالم أيضًا، فإن تكليفه استحضار العلم بحال كل فعل، وبقصده أيضًا حرج شديد، فلا يعتبر في حق الجميع إلا أن ينوي بالفرض التنفل.
الأمر الرابع: أن حاصل كلامه هنا الجزم بالبطلان عند اعتقاد السنة فيما هو فرض، وهو مشكل على ما سيأتي في الاقتداء بالحنفي وغيره من المخالفين، فإن الأصح صحته، وإن اعتقد أن الفاتحة والطمأنينة وغيرهما من المفروضات سنة.

الجزء: 3 - الصفحة: 129

الباب الخامس في

شرائط الصلاة

وهي ستة:

الشرط الأول: الطهارة عن الحدث

قوله: وإن أحدث بغير اختياره كما لو سبقه الحدث فلا خلاف في بطلان طهارته، وتبطل صلاته أيضًا على الجديد، لما روى عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: "إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف وليتوضأ، وليعد الصلاة" 196 انتهى.
واعلم أن عبارة الرافعي يدخل فيها المكره على الحدث، وقد صرح في "البيان" بذلك فقال: إنه على القولين، لكن ذكر ابن أبي هريرة في "تعليقه" أنه لو عصر بطنه حتى خرج منه حدث بغير اختياره لم تبطل صلاته، ويحتمل أن يقال: إن لم يحصل منه فعل بالكلية كما لو ألقى على امرأة أو ألقيت عليه فهو كالسبق، وإن حصل منه فعل نقض قطعًا كالساهي، وهذه المسألة لا يخرج حكمها من "الروضة" فإنه عبر بقوله: بأن سبقه -أعني بباء الجر- الداخلة على أن لأن التقدير يسبقه وذلك قيد لا يعتبر.
وفسما بفاء مفتوحة، وسين مهملة بعدها ألف، أي: أخرج الريح يقول منه: فسًا فسوًا، والاسم: الفساء بالمد.
والحديث المذكور ضعيف.

قوله: والقديم أنه يتوضأ ويبني على صلاته لما روى أنه -عليه الصلاة

الجزء: 3 - الصفحة: 130

والسلام- قال: "من قاء أو رعف أو أمذى في صلاته، فلينصرف وليتوضأ وليبن على صلاته ما لم يتكلم" 197. فعلى هذا قال الصيدلاني: لابد أن يعود إلى الركن الذي سبقه الحدث فيه، فإنه قال: لو سبقه الحدث في الركوع فيعود إلى الركوع، ولا يجزئه غيره.
وقال الإمام: إن سبقه الحدث قبل أن يطمئن عاد، وإن كان بعده فالظاهر أنه لا يعود لأن ركوعه قد تم.
وهذا التفصيل أورده في "الوسيط" ويجوز أن يجري كلام الصيدلاني على إطلاقه، فإن الانتقال من الركن إلى الركن واجب.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران: أحدهما: أن القول بالبناء قد حكاه جماعة منهم ابن الرفعة في "الكفاية" عن "الإملاء"، وهو من الكتب الجديدة.
الثاني: لم يصحح شيئًا في "الروضة" أيضًا، والصحيح ما قاله الصيدلاني، كذا صححه النووي في "شرح المهذب"، وفي "شرح الوسيط" المسمى بالتنقيح وعبر فيهما بالأصح، ولم يتعرض لهذه المسألة في "التحقيق"، وفيها كلام آخر تقدم في صفة الصلاة في أواخر الكلام على القيام.
والحديث روى أصله ابن ماجة وغيره، وضعفه البيهقي 198 قال: والمحفوظ أنه مرسل، ورواياتهم مختلفة وفي بعضها: "من قاء أو قلس"، وهو بقاف وسين مهملة، ومعناه القئ أيضًا، وقيل: القئ الذي لا يملأ الفم.

الجزء: 3 - الصفحة: 131

ويقال: رعف بفتح العين يرعف بالفتح والضم ويقال: رعف بالضم أيضًا في لغة، ضعيفة قاله الجوهري.

قوله: وإذا أراد أن يتوضأ ويبني فيجب عليه أن يسعى في تقريب الزمان وتقليل الأقوال والأفعال بحسب الإمكان، فليس له أن يعود إلى الموضع الذي كان يصلي فيه إن قدر على أقرب منه إلا إذا كان إمامًا لم يستخلف أو مأمومًا يبغي فضيلة الجماعة فهما معذوران في العودة، ذكره في "التتمة"، انتهى.
فيه أمور: أحدها: أن ما ذكره من تقييد الإمام بكونه لم يستخلف قد تابعه عليه في "الروضة" و"شرح المهذب" وغيرهما ولم ينقله عن "التتمة" كما نقله الرافعي بل أطلق الفعل، ومقتضاه أنه إذا استخلف لا يجوز له العود، وهو غير مستقيم، فإن له أيضًا غرضًا في الجماعة وأى فرق بينه وبين المأموم؟ وصاحب "التتمة" لم يذكر هذا القيد هنا بالكلية بل أطلق جواز الرجوع.
نعم أشار إليه في الكلام على الاستخلاف وقد ذكر القاضي حسين في تعليقه عكس ذلك كله فقال: عندنا على قول البناء لو لم يستخلف جاز، ولا يجوز له أن يعود إلى مكانه فضلًا من أن يجب عليه.
هذا كلامه.
الأمر الثاني: أن مقتضى كلامه امتناع العود في حق المنفرد مع أن الصواب إلحاقه بالمأموم حتى يجوز عند قصد الجماعة بل هو أولى بالجواز، وقد صرح بذلك صاحب "التتمة" هنا أيضًا.
وذكر نحوه في "التحقيق" فقال: وليس له الرجوع إلى مكانه إلا لإدراك الجماعة.
هذه عبارته وهي عامة.
الأمر الثالث: أن احتمال المشي لإدراك الجماعة ينبغي أن لا يفترق الحال فيه بين أن يكون إلى الموضع الذي كان فيه أو إلى غيره، وإن كان أبعد منه

الجزء: 3 - الصفحة: 132

نظرًا إلى المعنى، وأن لا يجوز العود في عرض الجماعة إلى مكانه إذا أمكنه الوقوف فيما هو أقرب منه.
الأمر الرابع: أن كلامه يقتضي أنه يجوز للمأموم أن يصلي حيث شاء، وليس كذلك فإن القدوة باقية مادام الإمام في الصلاة، وفي عدم عوده بطلان الصلاة لمخالفته لإمامه، وهو حرام.
وقد جزم المتولي بذلك فقال: يجب عليه أن يعود أو يخرج نفسه من الاقتداء.

قوله: فلو أخرج بقية الحدث عمدًا، فقد نقل العراقيون وغيرهم عن النص أنه لا يضر، لأن طهارته قد بطلت.
وفي "البيان" عن بعضهم أن العلة فيه احتياجه إلى إخراج البقية.
فعلى الأول: يجوز أن يحدث حدثًا آخر مستأنفًا، وعلى الثاني: لا يجوز.
وخالف الإمام والغزالي فمنعا إخراج بقية الأول.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران: أحدهما: أنه قد تلخص من كلام الرافعي أن الأكثرين في الحدث المستأنف أنه لا يضر، وحكى في "الروضة" الخلاف فيه بدون ترجيح بالكلية ولم يحك أيضًا الاختلاف في التعليل الذي ينبني عليه الخلاف المذكور، وهو عجيب.
الأمر الثاني: أن النووي قد اختلف كلامه في بطلان الصلاة به فقال في "التحقيق": الأصح أنها تبطل، وذكر عكسه في "شرح المهذب" فقال ما نصه: وإذا أخرج بقية الحدث الأول لم يضر على الصحيح.
والأصح أن علته بطلان الطهارة، وقيل: لأنه محتاج إلى إخراجه لئلا يسبقه مرة أخرى.

الجزء: 3 - الصفحة: 133

فإن أحدث حدثًا آخر فإن قلنا بالأول لم يضر، وإلا فلا.
انتهى لفظه بحروفه.
وذكر مثله في "شرح الوسيط" المسمى بالتنقيح.

الشرط الثاني: طهارة النجس

199. قوله: وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأسماء: "حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء" 200 انتهى.
وما ذكره الرافعي من أن أسماء هي المقول لها قد اعترضوا عليه فيه، وعلى من ذكر كما ذكر فقالوا: إنها راوية الحديث لا صاحبة الواقعة، ففي الصحيحين عن أسماء أن امرأة سألت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ذلك فقال: "تحته ثم تقرصه بالماء"، وفي رواية: "فلتقرصه ثم لتنضحه بماء".
قال في "شرح المهذب": وليس في الصحيح أن أسماء هي السائلة، ولا في كتب الحديث المعتمدة لكن رواه الشافعي في "الأم" كذلك في رواية ضعيفة بعد أن رواه عن أسماء أن امرأة سألت.
والحت: بالتاء المثناة كما قاله الجوهري هو الحك.
والقرص: بالصاد المهملة هو التقطيع والقلع بالظفر.

قوله: ويلزمه قطع موضع النجاسة إذا تعذر الغسل وأمكن ستر العورة بالطاهر منه ولم ينقص من قيمته أكثر من أجرة مثل الثوب لو استأجره.
انتهى.
وما ذكره من اعتبار النقصان بمقدار الأجرة، ذكره المتولي في "التتمة"

الجزء: 3 - الصفحة: 134

فتابعه عليه الرافعي ثم النووي، والصواب اعتبار أكبر الأمرين من ذلك من ثمن الماء لو اشتراه مع أجرة غسله عند الحاجة، فإن كلًا منهما لو انفرد لكان يجب عليه تحصيله.
وأنكر الشاشي كلام المتولي وقال: الوجه أن يعتبر ثمن الثوب لا أجرته، لأنه يلزمه شراؤه بثمن المثل، والذي قاله ضعيف.
لأنا إنما أوجبنا الشراء لبقاء العين، وفي الأجرة خروج المالية كما في القطع.

قوله: ولو غسل أحد نصفيه ثم غسل النصف الآخر ففيه وجهان: أحدهما: أنه لا يطهر حتى يغسل الكل دفعة.
وأظهرهما: أنه إن غسل مع النصف الباقي القدر الذي تجاوز من الأول طهر الكل، وإن لم يغسل إلا النصف في الدفعة الثانية طهر الطرفان فقط.
انتهى كلامه.
وما ذكره الرافعي في هذه المسألة قد ذكر مثله في "المحرر"، وتابعه عليه النووي في "الروضة " و"المنهاج" و"شرح المهذب" هنا ثم صحح خلافه في "شرح المهذب" أيضًا من أواخر باب إزالة النجاسة فقال: الصحيح الخلاف كان ذلك في جفنة بأن وضع نصفه ثم صب عليه ما يغمره فلا يطهر لأن هذا الماء يلاقي جزءًا ما لم يغسله، وذلك الجزء نجس، وهو وارد على ما دون القلتين فينجسه، وإذا نجس الماء نجس الثوب، وإن غسل نصفه في غير جفنة ولكن يصب الماء عليه طهر.

قوله: ولو نجس واحد من موضعين منحصرين أو مواضع، وأشكل عليه كما لو نجس أحد الكمين فأدى اجتهاده إلى نجاسة أحدهما فغسله، وصلى فيه، فوجهان: أصحهما عن المعظم: أنها لا تصح، لأن الثوب واحد فقد تيقن نجاسته،

الجزء: 3 - الصفحة: 135

ولم يتقين الطهارة فلو فصل أحدهما جاز الاجتهاد، ويجري الوجهان في اليدين والأصابع، وكذلك فيما لو اجتهد في ثوبين وغسل النجس عنده، وصلى فيهما معًا لأنه استيقن النجاسة في المجموع ولم يستقين الطهارة، لكن الأظهر هاهنا الجواز لأنهما سيان ولو غسل أحد الكمين بالاجتهاد وفصله عن الباقي فجواز الصلاة فيما لم يغسله واردة على الخلاف.
انتهى.
وتعبيره في آخر كلامه بقوله: "على الخلاف" يجوز أن يريد به الخلاف المحكي في أصل المسألة حتى يكون الصحيح فيه أيضًا المنع، وهو الذي فهمه النووي في "شرح المهذب" فتأمله، ويجوز أن يريد به الخلاف الأخير المذكور قبل هذه المسألة، وهو أظهر في المعنى خصوصًا إذا كان مستحضرًا لطرق الاجتهاد فإنه لا سبيل معه إلى المنع، وقد ذكر في "شرح المهذب" صورة أخرى، وهي ما إذا كان الغسل بغير اجتهاد وحكى فيها وجهين عن "التتمة"، وصحح المنع.
وهو في هذه الصورة متجه، ويجوز أن تكون هى [التي] 201 أرادها الرافعي، ويكون صنعه "بلا" اجتهاد أعني بلا النافية، ولكن تحرفت.

قوله: وإذا غسل أحد الثوبين بالاجتهاد فتجوز الصلاة في كل واحد منهما وحده بلا خلاف.
انتهى.
وما ادعاه من عدم الخلاف تابعه عليه أيضًا في "الروضة"، وليس كذلك، ففي المسألة وجه أنه لا يجوز في الذي لم يغسله، كذا حكاه القاضي الحسين في "تعليقه"، وقال: فيه الوجهان في صلاته بالاجتهاد مع إمكان صلاته في ثوب طاهر بيقين، وحكاه أيضًا في "التتمة" ونقله في "شرح المهذب" عنه، بل حكى المرعشي في "التقاسيم" قولًا أنه لا يجتهد في الثياب بالكلية إلا في السفر بخلاف الأواني.

الجزء: 3 - الصفحة: 136

قوله: ما لبسه المصلي يجب أن يكون طاهرًا سواء كان يتحرك بحركته في قيامه وقعوده أو لا كذنابة العمامة.
انتهى.
الذنابة بذال معجمة مضمومة، بعدها نون وبعد الألف باء موحدة هو ذنب الوادي وغيره، كذا قاله في "ديوان الأدب" في باب فعال بضم الفاء، ولم يذكره في باب فعال بكسرها.
ثم قال: إنها أعني بالكسر ما بين القلعتين أي المكانيين المرتفعين من مسايل الماء.
وقال الجوهري في "الصحاح": الذنب واحد الأذناب، ثم قال: والذناب بكسر الذال عقب كل شئ، وذنابة الوادي أيضًا: الموضع الذي ينتهي إليه.
هذا كلامه.
وسياقه يقتضي أن الذنابة أيضًا بالكسر.
وقد ضبطه هو أيضًا بذلك.
وقد عبر النووي في "الروضة" عن هذه اللفظة بقوله: كذؤابة العمامة، أعني بالهمزة بعد الذال ولا شك أن الذأبة قد تطلق على الطرف المرخي من العمامة، ولكنه مجاز، فإن الذأبة اسم للشعر، والجمع: ذوائب، كذا قاله الجوهري وغيره.
والظاهر أن النووي إنما عدل عن "الذنابة" إلي "الذؤابة" لتوهمه أنه تحريف.
وعبر في "الروضة" قبيل صلاة العيد بالعذبة وهو أيضًا مجاز، فإن العذبة تقال على غصن الشجرة، وتقال أيضًا على أحد السيرين الرفيعين اللذين في طرفي السوط.

قوله: ولو قبض طرف حبل أو ثوب بيده أو شده في وسطه طرفه الآخر نجس أو ملقى على نجاسة فوجهان:

الجزء: 3 - الصفحة: 137

أحدهما: تبطل صلاته كما في العمامة، وكلام الأكثرين يدل على أنه أرجح.
والثاني: لا، لأنه ليس محمولًا، وخصص الإمام والغزالي هذين الوجهين بما إذا لم يتحرك الطرف الملقى على النجاسة، وجزما بالمنع عند تحركه.
ولم أر ذلك إلا لهما، ولمن تابعهما، وعامة الأصحاب أرسلوا الكلام إرسالًا، وجعل صاحب "التهذيب" صورة الشد أولى بالمنع من القبض.
انتهى موضع الحاجة ملخصًا.
وفيه أمران: أحدهما: أن الرافعي أيضًا في "المحرر" قد صحح البطلان فقال: إنه أظهر الوجهين، لكن خالفه في "الشرح الصغير" فقال: أوجه الوجهين أنها لا تبطل، ولم يذكر ترجيحًا غيره.
الأمر الثاني: أن هذا الإرسال الذي حكاه الرافعي عن الأكثرين لا يلزم منه أن يكون ذهابًا منهم إلى تعميم الخلاف، بل حاصله إطلاق يحتمل أن يكون المراد به التعميم، وأن يكون المراد به التقييد، كما ذهب إليه الإمام والغزالي ولم يبين الرافعي هنا ذلك، وقد بينه في "الشرح الصغير" و"المحرر" فإنه جزم فيهما بالتقييد، ولم يحك الخلاف إلا مع عدم الحركة.
وقد اختصر النووي في "الروضة" هذا الكلام على غير وجهه، فإنه عبر عن قول الرافعي: "والوجهان أرسلهما الأكثرون" بقوله: الأكثرون قالوا: إنه لا فرق بين أن يتحرك بحركته أم لا، وهو غلط لما تقدم، ثم إنه يوهم الواقف عليه أن الرافعي ناقض كلامه مع أنه ليس كذلك فاعلمه.

قوله: وإن كان طرف الحبل ملقى على ساجور كلب أو مشدودًا فيه فوجهان مرتبان على الصورة السابقة، وأولى بالصحة، لأن بين الكلب وطرف الحبل واسطة، وهي الساجور فيكون أبعد عن النجاسة، ولو كان

الجزء: 3 - الصفحة: 138

طرف الحبل على موضع طاهر من حمار، وعليه نجاسة في موضع آخر فعلى الخلاف في الساجور، وأولى بالصحة منه، لأن الساجور قد يعد من توابع الحبل، وأجزائه بخلاف الحمار، وإذا تركت الترتيب، وقلت: أخذ بطرف حبل طرفه الآخر نجس، أو متصل بنجاسة، حصل في الجواب ثلاثة أوجه: أحدها: يصح.
والثاني: لا.
والثالث: إن كان الطرف الآخر نجسًا أو متصلًا بعين النجاسة كما لو كان في عنق كلب فلا يصح، وإن كان متصلًا بشئ طاهر، وذلك الطاهر متصل بنجاسة كما لو كان مشدودًا إلى ساجور أو خرقة، وهما في عنق [حمار] 202، وعليه حبل نجس فلا بأس.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره من حصول ثلاثة أوجه فقط تبعه عليه في "الروضة"، وليس كذلك، بل الحاصل أربعة لأنه ذكر ثلاث مسائل: إحداها: أن يكون طرف المأخوذ نجسًا أو متصلًا بنجاسة.
الثانية: أن يكون طرفه على ساجور كلب أو مشدودًا بساجور.
الثالثة: أن يكون طرفه على موضع طاهر من حمار وعلى ذلك الحمار نجاسة في موضع آخر، وجعل الثانية أولى بالصحة من الأولى، والثالثة أولى بذلك من الثانية، فتحصل أربعة أوجه: أحدها: يصح في الثلاث.
والثاني: يبطل فيها.
والثالث: يبطل في الأولى والثانية ويصح في الثالثة.
والرابع: يبطل في الأولى فقط، ويصح في الثانية والثالثة.

الجزء: 3 - الصفحة: 139

واعلم أنك إذا لمحت ما نقله الرافعي عن "التهذيب" في الشد كثرت الأوجه، لأن تلك الأربعة المتقدمة تجري في الأخذ والشد، ويأتي خامس وهو أنه لا يصح مع الشد، ويصح مع الأخذ في الثلاث.
ووجه سادس: وهو أنه لا يصح مع الشد ويصح مع الأخذ في المسألة الثانية فقط.
وسابع: أنه لا يصح مع الشد، ويصح مع الأخذ في الثانية والثالثة فقط، ويأتي على ما فهمه النووي من أن الخلاف عند الأكثرين يجري فيما تحرك، وما لم يتحرك وجوه أخرى فيقال: الثامن: إن تحرك بحركته لم يصح، وإلا فيصح في الثلاث.
والتاسع: إن تحرك بحركته لم يصح، وإلا فيصح في الثالثة فقط.
والعاشر: إن تحرك بحركته لم يصح، وإلا فيصح في الثالثة والثانية فقط.
الأمر الثاني: أن النووي قد صحح في "أصل الروضة" البطلان في مسألتي الساجور والحمار، وهو صحيح مأخوذ من كلام الرافعي، فإنه قال عقب ذلك: وأطلق -يعني الغزالي- الكلام في الكلب، وهكذا نقل الشيخ أبو محمد والصيدلاني وابن الصباغ.
وفصل الأكثرون فقالوا: إن كان الكلب صغيرًا أو ميتًا، وطرف الحبل مشدود عليه بطلت صلاته بلا خلاف، لأنه حامل للنجاسة، ويعنون به أنه لو مشى يجره.
وإن كان الكلب كبيرًا حيًا، فأصح الوجهين أنها تبطل أيضًا لأنه حامل لشئ متصل بالنجاسة.
والثاني: لا، لأنه يمشي باختياره فله قوة الامتناع، هذا كلامه.
وهذا الكلام الذي نقله الرافعي، عن الأكثرين يقتضي الصحة في

الجزء: 3 - الصفحة: 140

مسألتي الساجور والحمار كما تقدم ذكره، وذلك لأن الرافعي قد تكلم فيما صوره الغزالي، والغزالي إنما فرضها في الحبل المشدود بالساجور لا بالكلب نفسه فلزم القول به في نظائرها كلها، سواء كان حيوانًا أم لا.
فإن العلة هي اتصاله بنجس.

قوله: وإن كان الحبل مشدودًا بالسفينة، وموضع الشد طاهر وفي السفينة نجاسة، فإن كانت صغيرة تبحر بالجر فهي كالكلب، وإن كانت كبيرة فلا بأس، وفيها وجه بعيد.
انتهى.
وصورة المسألة كما قاله في "الكفاية": أن تكون السفينة فى البحر، فإن كانت في البر لم تبطل قولًا واحدًا صغيرة كانت أو كبيرة.

قوله: وإن جبر عظمه بعظم نجس فينظر إن احتاج إلى الجبر، ولم يجد عظمًا طاهرًا يقوم مقامه فهو معذور وليس عليه نزعه سواء خاف من النزع أم لا، وإن لم يحتج إليه أو وجد طاهرًا يقوم مقامه نظر إن لم يخف محذورًا يبيح التيمم وجب النزع، ولا عبرة بالألم لأنه حامل نجاسة يمكنه إزالتها، وقد تعدى بحملها وقيل: إن اكتسى باللحم لم يجب النزع، وإن خاف الهلاك فوجهان: المذهب منهما أنه لا يجب.
وقال الغزالي: في المسألة قولان: المنصوص منهما أنه لا يجب.
والمخرج وجوبه، وهو من تفرداته، وسائر الأصحاب لم يطلقوا في المسألة إلا وجهين.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن ما جزم به الرافعي، واقتضى كلامه عدم الخلاف فيه من أن غير المتعدى لا يلزمه النزع، وإن انتفى الخوف، قد ذكر في "النهاية" خلافه، وكذلك المتولي في "التتمة" وابن الرفعة في "الكفاية" وغيرهم، ورأيت في كتاب "القولين والوجهين" للمحاملي نحوه أيضًا.

الجزء: 3 - الصفحة: 141

وحاصل كلام "التتمة" أن غير المتعدى إن لم يخف يجبر على القلع قطعًا، وإن خاف فعلى قولين، وفي كلامه فائدتان أيضًا: إحداهما: أنه إذا جبر عظمه بعظم نجس فلم ينجبر به، ووجد عظمًا طاهرًا يجبر به، فإنه يؤمر بقلع النجس بلا خلاف من غير فرق بين المتعدي وغيره.
والثانية: أن من احتاج إلى الجبر، ولم يجد عظمًا طاهرًا يجبر به، أو كان لا ينجبر بما يجده من العظام الطاهرة ففي جواز الإقدام على الجبر بالنجس وجهان مبنيان على أنه لو جبر هل يؤمر بقلعه أم لا؟ وأما الإمام فصرح بالخلاف في غير المتعدي وكلامه في المتعدي محتمل.
الأمر الثاني: أن ما ادعاه من أن سائر الأصحاب لم يحكوهما إلا وجهين، غريب، فقد حكاهما المتولي في "التتمة" قولين فقال: فأما إذا كان قد انجبر العظم، وخاف من قعله الهلاك [فهل] 203 يؤمر بالقلع أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: يؤمر به، وإذا امتنع أجبر عليه، حكاه المزني في "مختصره" ثم قال: والقول الآخر: أنه لا يجب القلع وهو الصحيح.
انتهى كلامه.
ولا شك أن الرافعي لم يمعن النظر في هذه المسألة، ولذلك فإنه كلام "النهاية" و"التتمة".

قوله: وحيث أوجبنا النزع فمات قبله ففيه وجهان: أظهرهما -وهو المنصوص-: أنه لا ينزع لأن فيه مُثلة، وهتكًا لحرمة الميت ولأن النزع في حال الحياة إنما أمر به محافظة على الصلاة، فإذا مات سقط التعبد.
والثاني: أنه ينزع لئلا يلقى الله تعالى حاملًا للنجاسة.
ومنهم من خصص هذا الوجه بما إذا لم يستتر باللحم ثم قال: فإن قلنا بالمنصوص

الجزء: 3 - الصفحة: 142

فقضية التعليل بهتك الحرمة أنه لا يجوز، وقضية التعليل الثاني أنه يجوز.
وإذا قلنا بالوجه الثاني، وهو أنه ينزع فمنهم من قال: يجب، ومنهم من قال: الأولى.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران: أحدهما: أن النووي في "الروضة" قد حذف الخلاف المأخوذ من الاختلاف في التعليل، واقتصر في "المهذب" على التعليل الثاني، وهو المحافظة على العبادة، وتبعه عليه النووي في "شرحه"، وبذلك يترجح عدم التحريم.
الأمر الثاني: أن الأصح من الخلاف الأخير هو: الوجوب، كذا صححه النووي في "الروضة"، و"شرح المهذب" وغيرهما، ولم ينبه في "الروضة" على أنه من زوائده بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.
وجزم في "المحرر" بأن الخلاف في الوجوب فقال: فإن مات فالأصح أنه لا يجب النزع هذا لفظه، ولم يصرح به في "المنهاج".

قوله: واعلم أن مداواة الجرح بالدواء النجس وخياطته بالخيط النجس كالوصل بالعظم النجس، وكذلك لو شق موضعًا من بدنه، وجعل فيه دمًا، وكذا لو وشم يده بالنوور أو العظم فإنه ينجس عند الغرز انتهى كلامه.
النوور بنون مفتوحة ثم واو مضمومة بعدها واو ساكنة ثم راء مهملة.
قال الجوهري: هو دخان الشحم يعالج به الوشم حتى يخضر، ولك أن تقلب الواو المضمومة همزة، وقد نور ذراعه إذا غرزها بإبرة ثم در عليها النوور، هذا كلامه.
وأما العظم فهو بعين مهملة مكسورة، وظاء معجمة مشالة ساكنة، ولام مكسورة، كذا ضبطه الفارابي في "ديوان الأدب"، وقال: إنه نبت.
وقال الجوهري: إنه نبت يصبغ به.

الجزء: 3 - الصفحة: 143

واعلم أن هذه اللفظة قد تحرفت على النووي في "الروضة" بالعظام فقال: وكذا لو وشم يده بالعظام أو غيرها، هذه عبارته.

قوله: والأصل فيه ما روى عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن قال: "لعن الله الواصلة والمستوصلة، [والواشمة] 204 والمستوشمة، والواشرة والمستوشرة أي فاعلة ذلك، وسائلته.
والواشرة هي التي تشر الإنسان حتى تكون لها أشر، وهو التحدد.
انتهى.
والأشر مضموم الهمزة وسكون الشين [ويجوز فتح شينه ويقال فيه الأشور أيضًا، والمفرد أشره بضم الهمزة وسكون الشين] 205، وتقول: نشرت الخشبة بالمنشار بالنون فيهما بمعنى قطعها وأشرتها بالمنشار بالهمز فيهما أيضًا ووشرتها بالواو، واسم الآلة على هذا بالتاء، قاله الجوهري مفرقًا.
وإنما قيل في الأخير بالتاء لوقوع الواو فيه ساكنة بعد كسرة كما في الميقات والميزان المأخوذين من الوقت والوزن.
والحديث المذكور ثابت في الصحيحين، لكن على تغيير لبعض الألفاظ.

قوله في أصل "الروضة": فرع: وصل المرأة شعرها بشعر نجس أو شعر آدمي حرام قطعًا.
انتهى.
وما ذكره من دعوى القطع على تحريم الوصل بالشعر النجس غريب جدًا مخالف للمعنى ولكلام الأصحاب حتى الرافعي.
أما المعنى: فإن الاستعمال بالتضمخ أبلغ.
ومع ذلك فإن فيه خلافًا شهيرًا، وأقوالًا للشافعي.

الجزء: 3 - الصفحة: 144

وأما الرافعي فعبارته صريحة في إثبات الخلاف فإنه قال: اعلم أن وصل الشعر حرام وفاقًا في بعض الأحوال، وخلافًا في بعضها، ثم قد يحرم لمعنى واحد، وقد يجتمع له معانٍ.
وتفصيله أن الشعر إما نجس، وإما طاهر، وهذا التقسيم يتفرع على ظاهر المذهب، وهو أن الشعر ينجس بالموت، فأما الشعر النجس فيحرم وصله لأنه لا يجوز استصحابه في الصلاة، وفي غير الصلاة يكون مستعملًا للشئ النجس العين في بدنه استعمال إيصال وذلك حرام في أصح القولين، ومكروه في الثاني، ونظيره الادهان بالدهن النجس ولبس جلد الكلب والخنزير والميتة، والامتشاط بمشط العاج، كل ذلك حرام على الأصح.
هذا لفظ الرافعي وهو صريح في إثبات الخلاف، إلا أن يكون في حالة الصلاة فيحرم قطعًا لكونه يؤدي إلى حمل النجاسة في الصلاة لا لكونه يؤدي إلى حمل النجاسة في الصلاة لا لكونه وصلًا من حيث هو.
وقد اغتر النووي بما وقع فيه من "الروضة" فنقله إلى "شرح المهذب" على عادته.

قوله: فأما شعر الآدمي فحرام لأن من كرامته أن لا ينتفع بشئ منه بعد انفصاله عنه بل يدفن، وأيضًا فلأنه إن كان شعر رجل فيحرم على المرأة أن تنظر إليه.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره من تحريم نظر المرأة إلى الرجل قد خالفه في أوائل كتاب النكاح فصح جواز نظرها لما عدا العورة على خلاف ما صححه النووي، وستعرف لفظه هناك إن شاء الله تعالى.

الجزء: 3 - الصفحة: 145

الأمر الثاني: أنه لم يبين حكم الانتفاع والدفن.
فأما [حكم] 206 الانتفاع: فحرام، وقد صرح به هنا في "أصل الروضة"، وبهذا يتبين عدم صحة بيعه، ولأنه غير مملوك له أيضًا.
نعم: في الصحيحين أنه -عليه الصلاة والسلام- لما حلق رأسه بمنى ناول شعره أبا طلحة فقسمه بين الناس، والمحقق في هذه القسمة ثبوت الاختصاص فقط.
وأما الدفن: فأطلق الرافعي في أوائل الصلاة على الميت باستحباب دفن جميع ما ينفصل من الحي حتى دم الفصد والحجامة، وكذلك المضغة والعلقة.
وإطلاقه يقتضي عدم الوجوب أيضًا في اليد ونحوها، وفيه شئ يأتيك في الجنائز ورأيت في كتاب الحج من "الإملاء" للشافعي أن استحباب الدفن في الشعر الحسن آكد لئلا يؤخذ للوصل.

قوله في "الروضة": وأما الشعر الطاهر لغير الآدمي، فإن لم تكن ذات زوج، ولا سيد حرم الوصل به على الصحيح، وعلى الثاني: يكره.
وإن كانت ذات زوج أو سيد فثلاثة أوجه: أصحها: إن وصلت بإذنه جاز، وإلا فلا انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أنه قد جزم في باب السواك من كتاب "التحقيق" بالتحريم مطلقًا فإنه قال: وأما تحميرها وَجْنَة وخضب بسواد وتطريف أصابع به وتجعيد شعر فحرام إلا بإذن زوج وسيد على المذهب؛ ثم قال بعد ذلك ما نصه: ويحرم عليها وصل الشعر والوشم والوشر، هذا لفظه.
والمذكور في "الروضة" قد تبعه عليه في "شرح المهذب"، وبين فيه

الجزء: 3 - الصفحة: 146

أن التحريم مطلقًا قوى في الدليل لكنه مخالف للأكثرين، فالفتوى حينئذ على المذكور هنا.
الأمر الثاني: أن تقييده بالشعر يوهم جواز الوصل بغيره كالصوف والخرق وغيرهما، وهو مذهب الليث بن سعد.
والذي جزم به العمراني أنه كالشعر، ونقله في "شرح المهذب" عن جمهور أهل العلم قال: وهو الصحيح لما رواه مسلم عن جابر أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زجر أن تصل المرأة برأسها شيئًا" 207. قال: فأما ربط الشعر بخيوط الحرير الملونة ونحوها مما لا يشبه الشعر، فليس بمنهي عنه.

قوله أيضًا في "الروضة": أما تحمير الوجنة فإن كانت خلية من الزوج والسيد، أو كان أحدهما وفعلته بغير إذنه فهو حرام، وإن كان بإذنه فجائز على المذهب.
وقيل: وجهان كالوصل.
انتهى.
واعلم أن ما ذكره من تصحيح طريقة القطع لم يذكره الرافعي، بل مقتضى نقله تصحيح طريقة الوجهين.
وأما القطع فبحث للإمام فإنه قال: واعلم أن الصيدلاني والقاضي حسين ذكرا في طريقهما أن تحمير الوجه كوصل الشعر الطاهر، واستبعد إمام الحرمين الخلاف فيه مع الإذن بخلاف الوصل، فإن النهي ورد فيه.
انتهى ملخص نقل الرافعي، وليس فيه نقل غيره، ولا بحث، فكان صوابه أن يقول: فجائز على الأصح، وقيل: قطعًا.
هذا إن جعلنا الاستبعاد المذكور وجهًا على ما فيه من البعد.
ثم إن كلامه يقتضي القطع في القسمين الأولين وليس كذلك، وهذا

الجزء: 3 - الصفحة: 147

الغلط الذي وقع من تصرفه عزاه في "شرح المهذب" إلى الرافعي فاجتنبه؛ فإن كلام الرافعي يدل على جريان الخلاف في الأحوال كلها، إذ هو مثل الوصل، أو بالجواز أولى كما قاله الإمام.
وقد سبق في الوصل جريان الخلاف في الجميع ثم إنه يؤخذ منه الخلاف في الخلية والمزوجة عند عدم الإذن، ولا يؤخذ من "الروضة" فاعلمه.

قوله: وأما الوشم فحرام مطلقًا والوشر وهو تحديدًا أطراف الأسنان وترقيقها كالوصل بشعر طاهر.
انتهى.
وقد تقدم أن الوصل فيه ثلاثة أوجه: أصحها: إن أذن فيه الزوج أو السيد جاز، وإلا فلا.
فيكون وشر الأسنان أيضًا فيه هذا التفصيل.
إذا علمت ذلك فقد تبعه النووي في "الروضة" على ما ذكره في الوشر، وجزم في هذا الباب من "شرح المهذب" بما يخالفه، فإنه تكلم على الوصل، وتحمير الوجنة والخضاب بالسواد وفصل فيها بين أن يأذن الزوج والسيد أم لا، ثم قال ما نصه: وأما الوشم والوشر فحرام على الرجل والمرأة لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لعن الله الواشرة والمستوشرة" 208. انتهى لفظه، ولم يذكر غير ذلك.
وذكر مثله أيضًا في "شرح مسلم"، وكذلك في باب السواك من "التحقيق".

قوله في "الروضة": وأما المكان فيجب أن يكون ما يلاقي بدن المصلى، وثيابه في موضع الصلاة طاهرًا، وكما يعتبر ذلك في جهة السفل يعتبر في جهة العلو، والجوانب المحيطة حتى لو وقف بحيث يحتك في صلاته بجدار نجس أو سقف نجس بطلت صلاته، ثم قال: ولو كان ما يحاذي صدره أو

الجزء: 3 - الصفحة: 148

بطنه أو شيئًا من بدنه في سجوده أو غيره نجسًا صحت صلاته على الأصح.
انتهى كلامه.
وتعبيره في آخره بقوله: أو غيره [يقتضي] 209 جريان الخلاف فيما يحاذيه من الأعلى والجوانب كسقف البيت وحيطانه، ولا يتأتي القول به، بل كلامهم صريح في عدم اشتراطه.
وتصوير الرافعي، وتعليله يخرجه فإنه قال: ولو كان ما يحاذي صدره أو بطنه أو شيئًا من بدنه في السجود نجسًا فهل تصح صلاته؟ فيه وجهان: أحدهما: لا لأن القدر الذي يوازيه منسوب إليه بكونه موضع صلاته.
وأصحهما: أن صلاته صحيحة لأنه ليس حاملًا للنجاسة ولا ملاقيًا لها، هذه عبارته.
فتقييده السجود وتعليله بكونه موضع صلاته مخرج لما ذكرناه، فحذف النووي التعليل، وعبر بقوله في سجوده أو غيره، وهو ذهول عجيب.
نعم ذكر الطبري في "شرح التنبيه" أنه يكره استقبال الجدار النجس أو المتنجس.
وذكر القاضي حسين أن الوجهين جاريان فيما لو كان ينتفل ماشيًا، وكان بين خطوتيه نجاسة لم يصبها شيء من بدنه، وفيما إذا كان على النجاسة ثوب شفاف ترى من تحته النجاسة ولا تلقى شيئًا من بدن المصلى أو ثيابه.
كذا نقله في "الكفاية" عنه، ولا يؤخذ ذلك من تعبير الرافعي.

قوله: ولو اشتبه مكان من بيت أو بساط لم يجز التحري في أصح الوجهين كما لو خفي موضع النجاسة من الثوب الواحد.
والثاني: يجوز كما لو اشتبه ذلك في الصحراء.
انتهى.

الجزء: 3 - الصفحة: 149

فيه أمران: أحدهما: أن كلامه يقتضي الجزم بالاجتهاد في الصحراء، وقد تابعه النووي في "الروضة" عليه، ثم خالفه في "شرح المهذب" فقال: ذهب الجمهور إلى أنه لا يجتهد في الصحراء.
وقال البغوي: يجتهد.
وهو شاذ.
هذا كلامه.
وهو اختلاف عجيب، وأشار الرافعي بالبيت والبساط ونحوهما إلى المحل الصغير وبالصحراء إلى الواسع، وبه صرح في "المهذب"، وغيره، حتى لو كان البيت والبساط كبيرين كانا كالصحراء، وإذا جوزنا الصلاة في المكان المتسع فله أن يصلي في جميعه إلى أن يبقى موضع قدر النجاسة، كذا حكاه في "شرح المهذب" عن المتولى، وحكى في "الروضة" في نظيره من الأواني وجهين: أصحهما: كذلك.
والثاني: إلى أن يبقى عدد لو كان عليه ابتداء لم يكن له أن يجتهد وهو العدد المحصور.
ومن نظائر المسألة: ما إذا اشتبهت محرم بنسوة غير محصورين، والأصح فيه أنه يتزوج ما شاء منهن إلى أن يبقى عدد محصور، والفرق بين هذه، وبين ذينك أن الأصل في أفراد كل منهما الجواز، والمنع طارئ بخلاف نظيره من النكاح.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد ذكر قبل هذا بأوراق في الكلام على غسل الثوب أنه إذا اشتبه موضع النجاسة، ولم ينحصر في موضعين أو مواضع محصورة فلا يجوز الاجتهاد، وأن انحصر كالكمين فعلى وجهين: أصحهما عند المعظم المنع أيضًا، وحينئذ فما ذكره الرافعي هنا في البساط ونحوه إن كان عند حصر النجاسة في موضع أو موضعين فالوجهان جاريان في نظيره من الثوب أيضًا، فكيف يستدل لأحد الوجهين بالقياس عليه،

الجزء: 3 - الصفحة: 150

وإن كان عند عدم الانحصار فقد سبق أنه لا يأتى الوجهان بالكلية، وبهذا يضعف أيضًا ما وقع فيه من الاجتهاد في الصحراء.

قوله: روى ابن عمر "أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن الصلاة في سبع مواطن: المزبلة والمجزرة، وقارعة الطريق، وبطن الوادي والحمام، وأعطان الإبل، وفوق ظهر بيت الله العتيق" 210. ويروى المقبرة بدل بطن الوادى.
فأما المزبلة والمجزرة فالمعنى فيهما النجاسة فلو فرش عليه شيئًا صحت الصلاة، وبقيت الكراهة لكونه مصليًا على نجاسة وإن كان بينهما حائل.
وأما قارعة الطريق فللنهي فيها معنيان: أحدهما: غلبة النجاسة.
والثاني: اشتغال القلب بسبب مرور الناس واختلفوا كما قاله في "التتمة" في أن العلة منهما ماذا؟ قال: فإن قلنا بالمعنى الأولى جرى النهي في جواد الطرق في البراري.
وإن قلنا بالثاني فلا، ولو فرش شيئًا طاهرًا وصلى صحت الصلاة قطعًا، وتبقى الكراهة لشغل القلب.
انتهى ملخصًا.
تابعه عليه في "الروضة" وفيه أمور: أحدها: أن الأصح من هذين المعنيين هو الثاني كذا صححه النووي في "التحقيق" فقال: وقارعة الطريق في البنيان، وقيل: وفي البرية، وصححه أيضًا في "الكفاية".
الأمر الثاني: أن ما ذكره في طرق البراري الخلية من الناس من عدم الكراهة فيها تفريعًا على المعنى الثاني، وهو اشتغال القلب يقتضى أيضًا

الجزء: 3 - الصفحة: 151

عكسه، وهو أنه إذا لم يقف في طرق البلد، ولكن استقبلها فإنها تكره على الثاني دون الأول، وهذا كله عجيب، فقد سبق من كلام الرافعي فيما نقلناه الآن عنه أن الشغل كاف في الكراهة، وذكر في الكلام على المقبرة أن الغلبة كافية أيضًا فيها.
وحينئذ فتكره الصلاة في القسمين جميعًا إلا أنها لمعنى واحد لا لمعنيين، وبه صرح في "الكفاية" أيضًا.
الأمر الثالث: أنه قد تلخص من مجموع كلام الرافعي أن فرش الطاهر يزيل الكراهة فيما غلبت فيه النجاسة دون ما تيقنت فيه فتأمله، وتفطن له، وهو ظاهر، لأن عدم التحقق قد ضعف بالحائل والكلام على الحديث يأتي عقب هذه المسألة.

قوله: وأما بطن الوادي فسبب النهي فيه خوف السيل السالب للخشوع، فإن لم يتوقع السيل فيجوز أن يقال: لا كراهة وتحتمل الكراهة لمطلق النهي.
انتهى.
اعترض النووي في "الروضة" و"شرح المهذب" وغيرهما من كتبه على الرافعي باعتراض صحيح فقال: تبع الإمام الرافعي، الغزالى، وإمام الحرمين في إثبات النهي عن الصلاة في بطون الأودية مطلقًا، ولم يجئ في هذا نهي أصلًا، والحديث الذي جاء فيه ذكر المواطن السبعة ليس فيه الوادي، بل فيه المقبرة بدلًا منه، ولم يصب من ذكر الوادي، وحذف المقبرة.
والحديث من أصله ضعيف ضعفه الترمذي وغيره وإنما الصواب ما ذكره الشافعي - رضي الله عنه - فإنه كره الصلاة في وادٍ خاص، وهو الذي نام فيه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ومن معه عن الصبح حتى فاتت، وقال: اخرجوا بنا من هذا الوادي، وصلى خارجه.
هذا كلام النووي.
واعلم أن الترمذي لما روي هذا الحديث قال: إسناده ليس بذاك القوى.

الجزء: 3 - الصفحة: 152

قال: وهو أشبه وأصح من حديث عمر، هذا كلامه.
وهو إلى تصحيحه أقرب من ضعفه.

قوله: وأما أعطان الإبل، فقد فسرها الشافعي - رضي الله عنه - بالمواضع التي تنحى إليها الإبل الشاربة ليشرب غيرها، فإذا اجتمعت استقت، ولا كراهة في مراح الغنم، وهو مأواها ليلًا.
روي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إذا أدركتكم وأنتم في مراح الغنم فصلوا فيها، فإنها سكينة وبركة، وإذا أدركتكم وأنتم في أعطان الإبل فاخرجوا منها، وصلوا فإنها جن خلقت من جن ألا ترى إذا نفرت كيف تشمخ بأنافيها" 211. والفرق من وجهين: أحدهما: أن الصلاة في مأوى الجن والشياطين مكروهة.
والثاني: أنه يخاف من نفارها وذلك يبطل الخشوع، والمعنيان لا يوجدان في المراح، وقد يتصور في الغنم مثل ما يتصور في أعطان الإبل وحكمهما واحد، ومأوى الإبل ليلًا كالموضع المعبر عنه بالعطن، نظرًا إلي المعنى، وهذا كله إذا كان الموضع طاهرًا، فإن كان نجسًا لم يصح فيها.
انتهى.
فيه أمور: أحدها: أن تعبيره بقوله: وحكمهما واحد ظاهره: أن حكم العطن، وما يتصور مثله في الغنم واحد وليس كذلك، بل مراده أن حكم المتصور مثله في الغنم، وحكم المراح واحد، فاعلم ذلك.
وقد صرح به هكذا في "الشرح الصغير" وفي "أصل الروضة".
الأمر الثاني: أنه قد وقع في "شرح المهذب" أن كراهة الصلاة في

الجزء: 3 - الصفحة: 153

العطن والحمام: كراهة تحريم، ذكر ذلك في باب الساعات التي نهي عن الصلاة فيها، فإنه لما صحح أن الصلاة في تلك الأوقات للتحريم علله بقوله لثبوت الأحاديث في النهي.
وأصل النهي للتحريم كالصلاة في أعطان الإبل والحمام.
هذه عبارته.
والذي ذكره فيها سهو.
الأمر الثالث: إذا كانت هذه الأمكنة نجسة ففرش عليها ثوبًا طاهرًا صحت صلاته، ولكنها تكره، أما في المراح فالمعنى واحد، وهو محاذاة النجاسة كما صرح به الرافعي، والنووي في مواضع من هذا الباب.
وأما في أعطان الإبل فلمعنيين: أحدهما: هذا.
والثاني: خوف النفار، ووقع في "شرح المهذب" أنها لا تكره مع الفرش في مراح الغنم، وهو ذهول أيضًا فاعلمه واجتنبه.
وكلام الشرح و"الروضة" في المسألة ملبس، وهو الذي أوقع النووي فيما وقع؛ على أن القاضي حسين قد قال: إنه لا كراهة مع الفرش مطلقًا.
الأمر الرابع: أنه قد سكت عن حكم النفر، وكذلك سكت عنها أيضًا لمعظم، وقد رأيته في "الإشراف" لابن المنذر من أصحابنا، وحاصل ما ذكره إلحاقها بالغنم، ثم نقله أيضًا عن عطاء ومالك، وصرح به أيضًا المحب الطبري في "الإحكام" واعلم أن الحديث المذكور رواه الشافعي، وفي إسناده إبراهيم بن يحيى، وهو ضعيف عند المحدثين، لكنه ثقة عند الشافعي.
نعم: معناه ثابت، ففي "صحيح مسلم" 212 من حديث جابر بن سمرة

الجزء: 3 - الصفحة: 154

أن رجلًا سأل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أصلى في مرابض الغنم؟ قال: "نعم"، قال أصلي في مبارك الإبل؟ قال: "لا".
وروي ابن ماجة من حديث عبد الله بن مغفل: "صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل فإنها خلقت من الشياطين" 213 وأخرجه أيضًا ابن حبان في صحيحه.
وأما الإخبار عن الغنم بأنها بركة فرواه أبو داود من حديث البراء بن عازب.
وروي البيهقي من حديث أبي هريرة مرفوعًا أنها من دواب الجنة.

قوله: وأما المقبرة فالصلاة فيها مكروهة بكل حال: إلى آخره.
اعلم أن المعنى فيه ما تحت مصلاه من النجاسة كما تقدم غير مرة.
والذي دَلَّ عليه كلام القاضي كما قاله في "الكفاية" أن الكراهة لحرمة الموتى، ومن المعنيين يظهر أن صورة المسألة ما إذا حاذى الميت حتى إذا وقف بين الموتى فلا كراهة إلا أن ابن الرفعة بعد ذكره للمعنيين السابقين قال: ولا فرق في الكراهة بين أن يصلي على القبر أو بجانبه أو إليه، ومنه يؤخذ أنه تكره الصلاة بجانب النجاسة وخلفها، هذه عبارته وما ذكره في النجاسة من الكراهة خلفها وفي جانبها يعضده ما سبق نقله عن الطبري بنحو ورقتين من كراهة استقبال الجدار النجس.
وأما ما ذكره من الكراهة في جانب القبر وإليه ففيه نظر، ويحتاج إلى نقل إلا إن يعلل بكونه موضع الشياطين.

قوله: إحداها: الأثر الباقي على محل الاستنجاء بعد الحجر يعض عنه

الجزء: 3 - الصفحة: 155

مع نجاسته، فلو لاقى ماءًا قليلًا نجسه.
انتهى.
وما ذكره من تنجيسه للماء القليل، قد ذكر في "الروضة" مثله أيضًا، وصرح في موضعين من "شرح المهذب" بأنه لا خلاف في تنجيسه.
الأول في "كتاب الطهارة" قبل باب ما يفسد الماء من الاستعمال فقال: ولو انغمس فيه مستجمر بالأحجار نجسه بلا خلاف، هذا لفظه.
والثاني في آخر باب الاستنجاء فقال: ولو انغمس هذا المستجمر في مائع أو في ماء دون قلتين نجسه بلا خلاف.
هذه عبارته أيضًا.
ولم يذكرها في غير هذا الموضع من الشرح المذكور إذا علمت ذلك فاعلم أنه قد ذكر المسألة في "التحقيق" قبل باب ستر العورة، وحكى فيها وجهين، وزاد على ذلك فجعل الخلاف قويًا، فإنه قال: ولو وقع في ماء قليل أو مائع فالأصح تنجيسه لمستنج دون طائر وفأرة، ونحوهما.
هذا لفظه والصواب: ما في "شرح المهذب" فإن المذكور في "التحقيق" مأخوذ من كلام موهم ذكره هنا في "شرح المهذب".

قوله: ولو حمل المصلى من استنجى بالحجر أو من على ثوبه نجاسة معفو عنها لم تصح صلاته في أصح الوجهين، ويقرب منهما الوجهان فيما لو عرق ولوث محل النجو غيره، لكن الأصح هاهنا العفو لتعذر الاحتراز بخلاف حمل الغير.
انتهى.
تابعه النووي على ذلك في "الروضة"، وكذلك في هذا الباب من "شرح المهذب" وحاصله أن الخلاف إنما هو في المجاور لمحل النجو، فإن الصحيح فيه العفو، ثم ذكر -أعني النووي- ما يخالفه في آخر باب الاستنجاء من الشرح المذكور فقال ما نصه: الرابعة: إذا استنجى بالأحجار فعرق محله، وسال العرق منه، وجاوزه وجب غسل ما سال إليه، وإن لم يجاوزه فوجهان:

الجزء: 3 - الصفحة: 156

الصحيح: أنه لا يلزمه شئ لعموم البلوى، وذكر مثله في التصنيف الذي شرع فيه، وهو المسمى "بمهمات الأحكام" في الاستنجاء أيضًا فقال: ولو عرق المحل وجب غسله إن سال، وإلا فلا.
وذكر المسألة في "التحقيق" في آخر باب الاستنجاء فقط موافقًا لما في "شرح المهذب" هناك.

قوله: ولو حمل بيضة صار حشوها دمًا لم تصح صلاته في أظهر الوجهين.
انتهى.
تابعه النووي على تصحيح البطلان في "الروضة" و"شرح المهذب" و"التحقيق"، وصححه أيضًا في هذا الباب من "شرح الوسيط" المسمى "بالتنقيح".
وخالف ذلك في أوائل "شرح الوسيط" المذكور في الكلام على النجاسات فقال ما نصه: [والأظهر] 214 طهارة بيض ما لا يؤكل لحمه إن قلنا الأصح طهارة المنى.
فأما البيضة المذرة بالذال المعجمة، وهي التي صار حشوها دمًا فالصحيح طهارتها أيضًا.
هذا كلامه.
واعلم أن النووي قد صحح في كتبه طهارة العلقة والمضغة، ولا فرق في ذلك عنده بين الآدمي وغيره، لأن منى غيره طاهر عنده، وهذا يشكل على تصحيحه في "الروضة" وغيرها نجاسة البيضة المذرة لأنهما اشتركا في كونها دما يؤول إلى الحيوانية، بل البيضة أولى لاستتار دمها استتارًا خلقيًا.

قوله: ولو حمل قارورة مضممة الرأس برصاص أو نحوه، وفيها نجاسة لم تصح صلاته على ظاهر المذهب، ولو ضممها بخرقة بطلت صلاته، ولو

الجزء: 3 - الصفحة: 157

ضممها بشمع فقال بعضهم: أنه كالخرقة وقال ابن كج: إنه كالرصاص.
انتهى.
لم يصح شيئًا في مسألة الشمع لا في "الروضة" ولا في "شرح المهذب" وقال في "الشرح الصغير": أقرب الوجهين أنه كالخرقة.
وخالف -أعني النووي- فصحح في "التحقيق" أنه كالرصاص، ونقل في "تهذيب الأسماء واللغات" أن صلاته لا تصح وجهًا واحدًا ذكر ذلك في الكلام على سد.

قوله: واللحم المنتن طاهر.
انتهى.
هذه المسألة قد أسقطها من "الروضة" وعبر الأصحاب عنها بقولهم: اللحم إذا خنز أى تغير وهو بخاء معجمة مفتوحة بعدها نون مكسورة ثم زاى معجمة.

قوله: وإن أصاب أسفل خفه أو ثوبه نجاسة فدلكه فى الأرض حتى ذهبت أجزاؤه لم تصح صلاته فيه على الجديد.
والقديم الصحة لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "إذا أصاب خف أحدكم أذى فليدلكه في الأرض" 215. قال أصحابنا: والقولان متفقان على أنه لا يطهر، والكلام إنما هو في العفو، ثم قال: وذكروا للقولين شروطًا.
أحدها: أن تكون النجاسة لها جرم تلتصق به، أما البول ونحوه فلا يكفي فيه الدلك بحال.
والثاني: أن يقع الدلك في حال الجفاف، فأما ما دام رطبًا فلا يغني الدلك بلا خلاف.
انتهى كلامه.

الجزء: 3 - الصفحة: 158

تابعه عليه النووي وفيه أمران: أحدهما: أن ما أفهمه كلامه من اتفاق الأصحاب على أنه لا يطهر ليس كذلك، بل فيه خلاف لهم حكاه الجرجاني في "الشامل"، ورجح أن القولين في الطهارة، فقال ما نصه: فإذا زال عنها طهر [فى] 216 أحد القولين للحاجة.
وقيل: لا يطهر بذلك قولًا واحدًا، ولكنه يعفي عن أثرها، هذا لفظه بحروفه.
الأمر الثاني: أن ما ذكره في الشرط الثاني من عدم الخلاف قد ذكر الفارقي ما يخالفه فقال: المراد بالجافة هي الجامدة التي فيها أدنى رطوبة، وبالرطبة المائعة.
والذي قاله إما حمل لكلام الرافعي على غير ما فهمه -أعني الرافعي- وإما مخالف له بالكلية وذكر العمراني ما يوافق الثاني فقال: ظاهر كلام أبي حامد، والأكثرين أنه لا فرق فى جريان القولين بين أن تكون النجاسة رطبة أو يابسة، وقد رأيته مصرحًا به في "الاستذكار" للدارمي.

قوله: الثالث: دم البراغيث يعفي عن قليله في الثوب والبدن، وفي كثيره وجهان: أصحهما عند العراقيين والقاضي والروياني وغيرهم أنه يعفي لأنه من جنس ما يتعذر الاحتراز عنه.
وأصحهما عند الإمام وهو المذكور في الكتاب أنه لا يعفي.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور:

الجزء: 3 - الصفحة: 159

أحدها: أن مقتضى ما ذكره في الدم الكثير رجحان مقالة الأولين لأنهم أكثر عددًا، ولهذا صرح النووي بتصحيحه في أصل "الروضة" لكن رجح الرافعي في "المحرر" مقابله فقال: أحسن الوجهين عدم العفو، واستدرك عليه النووي فصحح في "المنهاج" من زياداته ما صححه في "الروضة" وغيرها.
الأمر الثاني: أن محل ما تقدم من العفو مطلقًا إنما هو في الثوب الملبوس إذا أصابه ذلك من غير تعمد، فإن لم يلبسه بل حمله في كمه أو فرشه وصلى عليه أو لبسه، ولكن كانت الإصابة بفعله بأن قتل قملة أو برغوثًا في ثوبه أو بدنه أو بين أصبعيه فتلوث به، فإن كان كثيرًا لم تصح صلاته، وإن كان قليلًا فوجهان: أصحهما: العفو، كذا قال النووي في "التحقيق" ونقله في "شرح المهذب" عن المتولي، وأقره وأشار إليه أيضًا الرافعي في كتاب الصيام فقال: لو فتح فاه عمدًا حتى وصل الغبار إلى جوفه فقد قال في "التهذيب": أصح الوجهين أنه يقع عفوًا، وهذا الخلاف كالخلاف فيما إذا قتل البراغيث عمدًا، وتلوث بدمائها هل يقع عفوًا؟ وذكر القاضي ما يوافقه فقال: لو كان الثوب الملبوس زائدًا على عام لباس بدنه لم تصح صلاته لأنه غير مضطر إليه، والذي قاله يقتضي منع زيادة الكم إلى الأصابع وليس ثوب آخر لا نعرض من تحمل ونحوه.

قوله: ولو كان قليلًا فعرق وانتشر اللطخ بسببه ففيه الوجهان المذكوران في الكثير واختيار القاضي حسين أنه لا يعفي عنه لمجاوزة محله، واختيار أبي عاصم العبادي: العفو لتعذر الاحتراز.
انتهى.
وهذا الكلام ظاهر في مساواة هذه المسألة للمذكور في الدم الكثير، حتى يأتي [فيها] 217 ما تقدم جميعه وقد صرح بالمساواة في "المحرر"

الجزء: 3 - الصفحة: 160

ورجح عدم العفو لذهابه إليه في الكثير.
لكن سبق لنا قريبًا من كلام الرافعي أنه إذا عرق محل النجو وتلوث به غيره فيعفي عنه، وهو يقوى العفو هنا، لكن الفرق بينهما أن مشقة الاحتراز في محل النجو أكبر لضرورة خروج هذه النجاسة.

قوله: والأظهر الرجوع في القلة والكثرة إلى العادة فما يقع التلطخ به غالبًا ويعسر الاحتراز عنه قليل، وإن زاد فكثير، وعلى هذا فيختلف الحال بين الأماكن والأوقات، ويجتهد المصلي في ذلك، فإن شك ففيه احتمالان للإمام، رجح منهما العفو، وهو المذكور في الكتاب.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران: أحدهما: أنه أهمل أمرًا آخر لابد منه، نبه عليه الإمام فقال: والذي أقطع به أنه لابد أيضًا من اعتبار عادة الناس في غسل الثياب.
وذكر مثله الغزالي في ["الوسيط"] 218. الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" قد عبر بقوله، وهو الذي قطع به الغزالي -يعني العفو- وما ادعاه ليس بصحيح، فقد حكى الغزالي في "البسيط" هذا التردد، ولم يرجح شيئًا.

قوله في "الروضة" الضرب الرابع: دم البثرات وقيحها وصديدها كدم البراغيث فيعفي عن قليله قطعًا، وعن كثيره على الأصح، ولو عصر بثرة فخرج ما فيها عفي عنه على الأصح.
انتهى كلامه.
وهو يقتضي أنه لا فرق في الدم الخارج بعصر البثرة بين القليل والكثير، وكذلك كلام "المنهاج" يقتضيه أيضًا، وليس كذلك، بل حاصل المذكور في "الشرحين"، "وشرح المهذب" أنهما في القليل، فإن كثر لم يعف عنه بلا خلاف، وبه صرح في "الكفاية" واحتج الرافعي عليه بأن ابن

الجزء: 3 - الصفحة: 161

عمر -رضي الله عنهما- عصر بثرة علي وجهه، ودلك ما خرج منها بين أصابعه، وصلى ولم يغسله، وهذا الأثر رواه البيهقي بإسناد صحيح.
وفي البخاري عنه نحوه تعليقًا.
نعم قال الإمام: لعل يده جرت عليه في حال غفلة منه.
قال في "الكفاية" ولعل أيضًا أن ما خرج منه مما لا رائحة له فيكون طاهرًا على المذهب والبثرات جمع بثرة بإسكان المثلثة، والفتح لغة، وهي خراج صغير.
ويقال بثر وجهه بفتح الثاء وكسرها، وضمها.

قوله: ولو أصابه دم قليل من بدن غيره من آدمي أو بهيمة أو غيرهما فقد حكي الغزالي وجماعة فيه وجهين، والجمهور حكوهما قولين: أحدهما: وهو نصه في "الإملاء": أنه لا يعفي عنه؛ لأنه لا يشق الاحتراز عنه، فأشبه القليل من الخمر وغيره.
والثاني: وهو نصه في القديم "والأم" أنه يعفي عنه؛ وهذا هو الأصح عند العراقيين، وصاحب "التهذيب" لكن صحح إمام الحرمين وجماعة عدم العفو، وهو الأحسن.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن ما نقله عن الجمهور من كون الخلاف قولين منصوصين قد خالفه في "المحرر" فجزم بأنه وجهان.
الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" قد تابعه على إطلاق الخلاف، وكذا أطلقه الجمهور وقيد صاحب "البيان" ذلك بغير دم الكلب، والخنزير وما تولد من أحدهما، وأشار إلى أنه لا يعفي عن شئ من ذلك بلا خلاف لغلظ حكمه.
قال في "التحقيق": ولم أجد تصريحًا بموافقته، ولا مخالفته، هذا كلامه.

الجزء: 3 - الصفحة: 162

والذي قاله العمراني قد رأيته في كتاب "المقصود" للشيخ نصر المقدسي في باب الصلاة بالنجاسة فإنه ذكر أن اليسير من دم البراغيث يعفي عنه ثم قال: وما عدا ذلك من دماء غير الكلب والخنزير فقد قال في "الإملاء": لا يعفي عن شئ منه كسائر النجاسات، وقال في القديم "والأم": يعفي عن قليله.
هذه عبارته.

قوله: ولو أصابه شئ من دم الدماميل والقروح وموضع الفصد والحجامة ففيه وجهان: أحدهما: أنها كدم البثرات لأنها وإن لم تكن غالبة فليست بنادرة، ولأن الفرق بين البثرات والدماميل الصغار قد يعسر.
والثاني: أنها لا تلحق بدم البثرات لأن البثرات لا يخلو عنها معظم الناس في معظم الأحوال، وعلى هذا فينظر إن كان مثلها مما [يدوم] 219 غالبًا فهي كدم الاستحاضة، وحكمه ما سبق في الحيض.
وإن كان لا يدوم غالبًا فيلحق بدم الأجنبي.
والأول هو قضية كلام الأكثرين، ولكن الثاني أولى الوجهين.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن مقتضى [كلامه و] 220 كلام "الروضة" جريان الخلاف فيما يدوم غالبًا، وهذا مخالف للمعنى والمنقول، فقد جزم الأصحاب بأن الجراحات النضاحة حكمها حكم الاستحاضة فيما عدا انتقاض الوضوء.
فكان صوابه: أن يقول في صدر المسألة: فما يدوم منها غالبًا حكمه حكم دم الاستحاضة، وإلا فوجهان.
. . . إلى آخره.
وهكذا فعل الغزالي في "الوجيز" ولكنه التبس على الرافعي حالة شرحه، وقد

الجزء: 3 - الصفحة: 163

تفطن في "التحقيق" "وشرح المهذب" لذلك، فلم يدخله في المسألة فأما في "التحقيق" فلم يتعرض له بالكلية، وكأنه أهمله لتقدم حكمه في بابه.
وأما في "شرح المهذب" فذكره بعد ذلك مضمومًا إلى الاستحاضة جازمًا بالحكم فقال عقب المسألة: وأما دم الاستحاضة، وما يدوم غالبًا فسبق حكمه في باب الحيض.
هذه عبارته.
الأمر الثاني: أن النووي قد صحح في "الروضة" "والمنهاج" من زوائده أن هذه الأشياء كدم البثرات، ثم خالف ذلك في "التحقيق" "وشرح المهذب" فصحح أنه كدم الأجنبي.

قوله: وأما ماء القروح والنفاطات فإن كان له رائحة كريهة فهو نجس، وإلا فطريقان: أحدهما: القطع بالطهارة.
والثاني: على قولين: أظهرهما: أنه نجس.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن هذا الكلام كما لا يؤخذ منه تصحيح إحدى الطريقتين، لا يؤخذ منه أيضًا تصحيح في المسألة.
وقد صحح في "شرح المهذب" [هنا] 221 طريقة القطع بالطهارة وصحح في "المحرر" النجاسة، ولم يتعرض للطريقين بالكلية.
وصحح النووي في "الروضة" من زياداته أنه طاهر، وحذف الأصح من القولين تفريعًا على طريقة الخلاف.
الأمر الثاني: إذا قلنا: إنه نجس فهل يكون كدم الفروح حتى يأتى فيه الخلاف السابق والاختلاف في التصحيح أم كيف الحال؟ والجواب: أن النووي -رحمه الله- قد جزم [بإلحاقه] 222 بدم البثرات،

الجزء: 3 - الصفحة: 164

كذا ذكره في "التحقيق"، "وشرح المهذب" مع تصحيحه أن دم القروح كدم الأجنبي.

قوله: وإذا تبين له أنه صلى بنجاسة فقولان: الجديد: وجوب القضاء لما روى أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خلع نعله في الصلاة فخلع الناس نعالهم فلما فرغ من صلاته قال: "ما حملكم على ما صنعتم؟ " قالوا: رأيناك ألقيت نعلك فألقينا نعالنا.
فقال: "إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيها قذرًا" 223 فلو علم بالنجاسة ثم نسي فصلى ثم تذكر فطريقان: أحدهما: القطع بوجوب القضاء لتفريطه.
والثاني: أنه على القولين.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أنه لم يصحح شيئًا من الطريقين في "الشرح الصغير" أيضًا.
والصحيح طريقة القطع، كذا صححها النووي في "شرح المهذب" وصححها أيضًا في "الروضة" ولم ينبه على أن ذلك من زياداته، بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.
الأمر الثاني: أن النووي في "شرح المهذب" قد اختار عدم الإعادة في المسألتين، ذكر ذلك في آخر المسألة فقال: إنه المختار.
والحديث رواه أبو داود من رواية أبي سعيد بإسناد صحيح.
وقال الحاكم في المستدرك: إنه صحيح على شرط مسلم [وفي رواية

الجزء: 3 - الصفحة: 165

لأبي داود: [خبثًا] 224 بدل قذرًا] 225. وفي رواية غيره: قذرًا أو أذى.
وفي رواية: دم حلمة، والحلمة بفتح الحاء واللام وهو القراد الكثير.

قوله: وقول الغزالي في أول القسم الثاني أما مظان الأعذار فخمس يشعر بانحصارها في الخمس المذكورة، لكن للعذر مظان أُخر.
منها: النجاسة التي تستصحبها المستحاضة، وسلس البول في صلاته، ومنها ما إذا كان على جرحه دم كثير فخاف من إزالته.
ومنها ما إذا تلطخ سلاحه [بالدم] 226 في صلاة شدة الخوف [هذا لفظه] 227. وذكر نحوه في "الشرح الصغير" أيضًا، والمراد بأن هذه مظان للأعذار هو العفو عنها حتى لا يجب القضاء.
فإن الخمس التي أورد هذه الصور عليها يعفي عن جميعها، وقد صرح الرافعي أيضًا بهذا لمراد في أول هذا القسم فقال: القسم الثاني من النجاسات: النجاسات الواقعة في مظنة العذر، والعفو.
وقد جعل مظان العذر خمسًا، هذا كلام الرافعي وهو صريح فيما قلناه.
إذا علمت ذلك: فأما السلاح المتلطخ بالدم فمخالف لما قاله في صلاة الخوف، وسأذكر المسألة هناك فراجعها.
وأما الدم على الجرح فقد سبق في آخر كتاب التيمم من الشرحين المذكورين ما يخالفه فقال فيهما: الجديد: وجوب القضاء.
لا جرم أن النووي قد استدرك في "الروضة" عليه، فصحح وجوب القضاء، وكذلك صحح في باقى كتبه إلا في "المنهاج" فإن حاصل ما فيه تصحيح عدم وجوب القضاء فتأمله.

الجزء: 3 - الصفحة: 166

الشرط الثالث ستر العورة

قوله: ويجب ستر العورة في الخلوة على أصح الوجهين لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا تكشف فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حىٍ، ولا ميت" 228. ويروى: "لا تبرز".
ثم قال: وعورة الرجل ما بين سرته وركبته وعورة المرأة جميع بدنها إلا الوجه والكفين ظهرًا وبطنًا إلى الكوعين.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن إطلاق هذا الكلام يقتضى أنه لا فرق في العورة بين البالغ والصبى، وبه صرح في "شرح المهذب"، ومقتضى إطلاقه أنه لا فرق بين المميز وغيره، فإن قيل: غير المميز لا تصح منه الصلاة، ولا يحرم النظر إلى عورته إلا فرج الصغيرة على اختلاف فيه مذكور في "النكاح" فما فائدة الحكم بالعورة؟ قلنا في ستره في الطواف إذا أحرم عنه الولى على

الجزء: 3 - الصفحة: 167

ما يأتيك في الحج، وما ذكره في "شرح المهذب" ذكر في "البيان" نقلًا عن الصيمري ما يخالفه فقال: إن عورة الصبي والصبية قبل سبع سنين هي القبل والدبر فقط، ثم تتغلظ بعد السبع، ثم تكون بعد العشر كعورة البالغين لأنه زمان يمكن فيه البلوغ.
وذكر في "الحاوي" أيضًا ما يخالفه فقال: إن الذكور والإناث من الأطفال لا حكم لعوراتهم قبل السبع، وحكمهم حكم البالغين بعد إمكان البلوغ، وفيما بينهما يحرم النظر إلى الفرج خاصة، ولم يبين الصيمري التغليظ المشار إليه، على أن الروياني حكى عن والده جواز صلاة الصغيرة بغير خمار لظاهر الحديث.
الأمر الثاني: أن ما ذكره الرافعي هنا صريح في أن المرأة يحرم عليها كشف عنقها ورأسها، وغير ذلك في الخلوة، وليس الأمر كما ذكره هنا، بل الذي يجب ستره من الحرة في الخلوة إنما هو المقدار الذي يجب ستره من الرجل، هذا حاصل ما ذكره الإمام والرافعي وغيرهما في كتاب النكاح.
ورأيت في "التلقين" لابن سراقة من كبار المتقدمين ما هو أصرح منه فقال: وعورة الحرة في الصلاة ومع الرجال غير ذوي محارمها جميع بدنها إلا وجهها وكفيها، هذا لفظه.
وحينئذ فتنقسم العورة إلى عورة في [الصلاة.
وعورة في] 229 النظر، وعورة في سترها خالية، والنظر له أقسام معروفة.
والحديث رواه أبو داود في "سننه" في كتاب الجنازة ثم كتاب الحمام من رواية علىّ وقال: إن هذا الحديث فيه نكارة ويغني عنه حديث جرهد بفتح الجيم والهاء أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "غط فخذك، فإن الفخذ من

الجزء: 3 - الصفحة: 168

العورة" 230. رواه أبو داود في كتاب الحمام والترمذي في الاستئذان من ثلاث طرق، وقال في كل طريق منها: حديث حسن.
وقال في بعضها: حديث حسن، وما أرى إسناده بمتصل.

قوله: ولا يكاد يفرض ظهور باطن الكفين دون ظاهرهما.
انتهى.
وتصوير ذلك سهل بلصوق عجين ونحوه، وبالربط بخيوط ونحوها.

قوله: وهل يستثني أخمص قدميها؟ حكى صاحب الكتاب وطائفة فيه وجهين، وجعلهما آخرون قولين: أصحهما أنهما من العورة.
انتهى.
والأصح أن الخلاف المذكور قولان، كذا صححه النووي في "الروضة" وغيرها، ولم ينبه في "الروضة" على أنه من زوائده، بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.
وقد حكى الرافعي في كتاب النكاح وجهًا أن ظهر الكفين عورة أيضًا.

قوله: فلو خالف الخنثي، ولم يستر إلا ما بين السرة والركبة فهل تجزئه صلاته؟ فيه وجهان نقلهما في "البيان".
انتهى.
صحح النووي في "زيادات الروضة" أنها لا تجزئه فقال: أصحهما: لا تصح؛ لأن الستر شرط وشككنا في حصوله، وقال في "شرح المهذب": إنه أفقه الوجهين.

الجزء: 3 - الصفحة: 169

وصحح عكسه في "التحقيق" فقال: الأصح أنها تصح للشك في وجوبه.
هذا لفظه بحروفه.
وذكر في باب نواقض الوضوء من "شرح المهذب" نحوه أيضًا.

قوله: ولو ستر اللون ووصف حجم الأعضاء كما لو لبس سروالًا خفيفًا فلا بأس.
انتهى.
وهذا الكلام قد يوهم أن ذلك ليس مكروهًا، ولا خلاف الأولى، وليس كذلك بل هو مكروه للمرأة، وخلاف الأولى للرجل، كذا قاله الماوردي، وغيره.
بل في "شرح المهذب" وجه أنها باطلة.
واعلم أن النووي في "الروضة" قد عبر بقوله: ولو ستر اللون ووصف حجم البشرة -أعني بلفظ البشرة- عوضًا عن الأعضاء، وهو تعبير عجيب، فإن البشرة ظاهر الجلد، ولا معنى له هاهنا.

قوله: فأما الفسطاط.
. . إلى آخره.
الفسطاط بيت من شعر، وفاؤه مضمومة، وكسرها لغة، قاله الجوهري.
وسمى ساحل مصر فسطاطًا لذلك أيضًا، فإن خيمة عمرو بن العاص كانت منصوبة هناك لما كان أميرًا على الجيش عند فتحها فكانوا يقولون: اذهب بنا إلى الفسطاط، وذهب إلى الفسطاط، ونحو ذلك فغلب على ذلك الساحل ثم غلب على كل ساحل.

قوله: ولو وقف في جب ضيق الرأس وصلى على جنازة فقال في "التتمة" يجوز.
ومنهم من قال: لا.
انتهى.
قال الرافعي في "الشرح الصغير": الأشبه أنه لا يجوز.
وصحح النووي في "التحقيق" و"شرح المهذب" وزيادات "الروضة" أنه يجوز.

الجزء: 3 - الصفحة: 170

قوله: ولو حضر جمع من العراة فلهم أن يصلوا جماعة، ويجب أن يقف إمامهم وسطهم كالنسوة إذا عقدن الجماعة.
انتهى كلامه.
والتعبير بقوله: يجب، رأيته كذلك في أصول معتمدة من الرافعي وكان سببه أن التقدم مظنة للرؤية المحرمة، إلا أنه -أعني الرافعي- قد صرح في أوائل صلاة الجماعة بأن مثل هذا في حق النسوة العاريات مستحب، لا واجب.
والمقالتان لا تجتمعان فإنهما سواء في هذا المدرك ويحتمل أن يكون لفظ الرافعي إنما هو نحب بنون مضمومة وحاء مهملة، وما في معناه، أو يستحب، ولكن تحرف، ويؤيده تشبيهه بالنسوة.
ولم يصرح في "الروضة" هنا بشئ من ذلك بل اقتصر على المساواة بينهما فإنه قال: ويقف إمامهم وسطهم كجماعة النساء، هذا لفظه.

قوله: وهل يسن للعراة إقامة الجماعة أم الأولى أن ينفردوا؟ فيه قولان: القديم: أن الانفراد أولى.
انتهى كلامه.
فيه أمور نبه عليها الأصحاب، ونقلها عنهم النووي في "شرح المهذب" وبعضها في "الروضة".
أحدها: أن صورة المسألة أن يكونوا بحيث يتأتى نظر بعضهم إلى بعض، فلو كانوا عميًا أو في ظلمة استحب لهم الجماعة بلا خلاف.
الأمر الثاني: أن حكاية القولين هكذا قد ذكرها جماعة فتبعهم الرافعي، والذي حكاه المحققون عن الجديد أن الجماعة والانفراد سواء.
الأمر الثالث: إنما عبر الرافعي بالعراة الذي هو جمع عارٍ للاحتراز عن النسوة، فإن الجماعة تستحب لهن بلا خلاف، لأن إمامتهن تقف وسطهن حال اللبس أيضًا.

قوله: ولو وهب منه الثوب لم يلزمه قبوله وقيل: يلزمه، وله الرد بعد

الجزء: 3 - الصفحة: 171

الصلاة.
وقيل: يلزمه، ولا رد له.
انتهى ملخصًا.
واعلم أن المتجه -وهو قياس ما ذكروه في التيمم: وجوب قبول الطين والتراب ونحوهما مما يستر وقيمته قليلة غالبًا، وتقييده بالثوب يؤخذ منه ذلك، فتفطن له.

قوله: وإذا لم يجد إلا ثوبًا نجسًا ففيه قولان: أصحهما: يصلي عاريًا بلا إعادة.
ولو لم يجد إلا ثوب حرير فوجهان: أصحهما: أنه يصلي فيه لأنه يباح لبسه للحاجة انتهى.
وهذا الذي ذكره في الحرير مسلم إذا كان الثوب قدر العورة، فإن كان زائدًا عليها فيتجه أن يقال: إن كان القطع لا ينقص أكثر من أجرة الثوب لزمه قطعه، وإلا لم يلزمه.
ولقائل أن يقول: كيف يستقيم الفرق الذكور مع أن لبس النجس يباح للحاجة، بل دونها في غير الصلاة، فإن أراد أن الحرير مباح في الصلاة للحاجة كالحكة ودفع القمل بخلاف النجس قلنا: ممنوع، فإن النجس يباح أيضًا في الصلاة لشدة الحر، والبرد.

قوله: يستحب أن يصلي الرجل في أحسن ما يجده من ثيابه يتعمم ويتقمص، ويرتدي فإن اقتصر على ثوبين فالأفضل قميص ورداء أو قميص وسراويل.
فإن اقتصر على واحد فالقميص أولى ثم الإزار ثم السراويل، وإنما كان الإزار أولى لأنه يتجافي.
انتهى كلامه.
تابعه عليه في "الروضة"، وما ذكره في تقسيم الثوبين كيف يستقيم مع أن السراويل لم يتقدم له ذكر بالكلية، وإنما كان يستقيم الحكم بالتخيير أن لو قال: أو يتسرول بلفظ -أو- ثم إنه لم يذكر حكم العمامة في هذا

الجزء: 3 - الصفحة: 172

التخيير، بل مقتضاه أن القميص والعمامة دون هذين القسمين مع باقي الأقسام الممكنة، وهي العمامة والسراويل.
فأما الثاني فواضح.
وأما الأول وهو العمامة والقميص، فإن كان عند وجود ما يستر به رأسه من طاقية وقبعة فواضح.
وإن كان عند عدمه فممنوع لأنه يكره كشف رأسه بخلاف عدم الارتداء والاتزار.
وأما ما ذكره في الثوب الواحد: فجيد، فإنه إنما لم يذكر العمامة والرداء لعدم جواز الاقتصار عليهما، وإنما أخر السراويل لما سبق، لكن فيه أيضًا ما أشرنا إليه من كونه لم يتقدم للسراويل ذكر.
ولا شك أن أول كلامه قد سقط منه شئ، وأصله يتعمم ويتقمص ويرتدي ويئتزر ويتسرول فاعلمه.
وقد ذكر في "الشامل" ما يدل عليه فقال فأما الفضيلة فأن يصلى الرجل في قميص وإزار وسروايل، هذا لفظه.
وذكر غيره مثله أيضًا، وما ذكرناه من تفضيل الإزار هو المنصوص الذي عليه جماعة.
وقال المحاملي والبندنيجي السراويل أولى لأنه أستر.
وفي "زوائد العمراني": أن الفقيه أبا بكر قال: السراويل الواسعة أولى.
واعلم أن عبارة الرافعي في -أحسن ما نجده: يتعمم، أعني: بلا "واو" مع يتعمم، فاقتضى أن ذلك تفسير للأحسنية.
وعبارة "الروضة": ويتعمم بالواو، وهي تقتضي أن ذلك مغاير للأحسن المتقدم ذكره [وهو الأقرب] 231.

الجزء: 3 - الصفحة: 173

الشرط الرابع: ترك الكلام ... إلى آخره اعلم أن النووي -رحمه الله- قد وافق في "الروضة" على [جعل] 232 هذا من الشروط، وكذلك الكف عن غيره من المناهي كالأكل وغيره، وأنكر ذلك في "شرح الوسيط" المسمى "بالتنقيح" في باب الاجتهاد، وفي "التحقيق" في أواخر باب صفة الصلاة، وفي "شرح المهذب" في الموضع المذكور أيضًا فقال ما نصه: وضم الفوراني والغزالي إلى الشروط ترك الأفعال في الصلاة، وترك الكلام، وترك الأكل.
والصواب أن هذه ليست بشروط، وإنما هي مبطلات للصلاة كقطع النية، وغير ذلك، ولا يسمى شرطًا إلا عند الأصوليين، ولا عند الفقهاء.
هذا كلامه.

قوله في "الروضة": ولو نطق بحرف ومده بعده فالأصح: البطلان.
والثاني: لا.
والثالث: قاله إمام الحرمين: إن أتبعه بصوت غُفل لا يقع على صورة المد لم تبطل، وإن أتبعه بحقيقة المد بطلت.
انتهى كلامه.
وما ذكره من أن الإمام قد ذهب إلى هذا التفصيل غلط؛ فإن حاصل ما ذهب إليه الإمام هو البطلان مطلقًا، إلا أنه جازم بالبطلان عند حقيقة المد، ومصحح له عند الصوت الغفل، فإنه قال: وإن كان بعده صوت غفل موصولًا به قال الإمام: فقد كان شيخي يتردد فيه وهو لعمري محتمل، فإن الكلام حروف، والأصوات المرسلة من مباني الكلام، فالأظهر عندي أنه مع الحروف [كحرف مع حرف] 233، فإن الصوت الغفل مده، والمدات تقع ألفًا أو واوًا أو ياءً، وإن كانت إشباعًا بحركات معدودة.

الجزء: 3 - الصفحة: 174

وعندي أن شيخي لم يتردد فيها، وإنما يتردد في صوت غفل لا يقع على صورة المدات.
هذا كلامه.
وهو كما ذكرته لك، والذي أوقع النووي في هذا الغلط هو الرافعي، فإنه حكى وجهين، وجعل الأظهر البطلان، ثم قال: ومال إمام الحرمين إلى رفع هذا الخلاف بحمل الوجه الأول أي القائل بعدم البطلان على ما إذا أتبعه بصوت غفل لا يقع على صوت المد، والجزم بالمنع إذا أتبعه [بصوت غفل لا يقع على صوت المد، والجزم بالمنع إذا أتبعه بحقيقة المد] 234. هذه عبارته.
فتعبيره بقوله: بحمل الوجه الأول، وبقوله: والجزم بالمنع] 235، موافق لتعبير الإمام إلا أنه أخطأ في تعبيره برفع الخلاف.
وكان صوابه تخصيص الخلاف ثم إن النووي عبر عن تعبير الرافعي بما عبر فزاد المسألة خللًا، ووقع في صريح الغلط.

قوله أيضًا فيها: ولو تنحنح فبان منه حرفان بطلت في الأصح، وقيل: لا.
وقيل: إن كان فمه منفتحًا بطلت، وإلا فلا، ثم قال في آخر الفصل ما نصه: وأما الضحك والبكاء والنفخ والأنين فإن بان منه حرفان بطلت وإلا فلا.
انتهى كلامه.
وحاصله أن الأوجه الثلاثة التي في التنحنح لا تأتى في هذه الأشياء وقد صرح بذلك في "التحقيق" فقال: والضحك والبكاء والأنين والتأوه والنفخ ونحوها تبطل إن بان حرفان، وكذا التنحنح، وفي قول: لا، وقيل: إن أطبق فمه فلا.
هذه عبارته.
وذكر مثلها في "شرح المهذب"، والذي ذكره خلاف ما يقتضيه كلام الرافعي فإنه قال عقب الأوجه في التنحنح ما نصه: والضحك والبكاء والأنين والنفخ كالتنحنح، إن بان منه حرفان بطلت صلاته، وإلا فلا.
هذه عبارته.

الجزء: 3 - الصفحة: 175

وذكر في "الصغير" ما هو أظهر من ذلك فلما سوى بينهن وبين التنحنح ثم نص على ما عليه الفتوى اقتضى ذلك جريان الخلاف في الجميع وبه صرح في "المحرر" و"المنهاج" وصرح به أيضًا المتولي في "التتمة" إلا أنه حكى الخلاف قولين.

قوله: وحيث أبطلنا بالتنحنح فذلك إذا كان بغير عذر، فإن كان مغلوبًا فلا بأس.
انتهى كلامه.
وهذا الذي أطلقه من عدم الإبطال عند الغلبة قد تابعه عليه في "الروضة" أيضًا.
وهو يقتضي أنه لا فرق بين أن يكون كثيرًا أو قليلًا، وكذلك كلامهما يقتضي عدم التفرقة أيضًا في المسألة الآتية، وهي التنحنح عند تعذر القراءة والجهر كما سنعرفه، إلا أن الرافعي ذكر بعد هذا في الكلام على الأعذار أن غلبة الكلام والضحك والسعال إن كثرت أبطلت على الصحيح، وضم إليها في "شرح المهذب" العطاس أيضًا.
وما ذكره في الضحك لا شك فيه، وبه صرح في "التنبيه" لأنه أشد منافاة للصلاة.
وأما التنحنح والسعال والعطاس فسواء بلا شك، فإما أن يقولا بعدم الإبطال في الجميع وهو الأقرب لأنه لا يمكن الاحتراز منه، أو بالإبطال فيها إذا كثرت، وهو بعيد لما ذكرناه.

قوله: ولو تعذرت القراءة إلا بالتنحنح تنحنح وهو معذور، ولو أمكنته القراءة لكن تعذر عليه الجهر لو لم يتنحنح لم يعذر في أظهر الوجهين لأنه سنة، وقيل: يعذر لإقامة شعار الجهر.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره من أن تعذر القراءة عذر قد تابعه في "الروضة"

الجزء: 3 - الصفحة: 176

على إطلاقه ويتجه أن يكون محله في القراءة الواجبة، أما المستحبة فإنها كالجهر، وقد صرح بالتقييد المذكور في "شرح المهذب" و"التحقيق" فقال: ولو تعذرت قراءة الفاتحة.
هذه عبارته فيهما.
الأمر الثاني: أن كلامه في الجهر يقتضي عوده إلى القراءة خاصة، لكن كلامه في "المحرر" و"المنهاج" و"التحقيق" يقتضي جريانه في كل جهر مأمور به، فيدخل فيه الجهر بالقراءة الواجبة والمستحبة، والجهر بالقنوت، والجهر بتكبيرات الانتقالات حيث احتيج إليه في إسماع المأمومين إلا أن المتجه في القسم الأخير أنه عذر والمتجه فيما إذا حصل ذلك في أثناء قراءة السورة الجزم بأنه ليس بعذر، لأن علة ذلك الوجه إنما هي إقامة شعار الجهر، وقد حصل ذلك [بالبعض] 236.

قوله: وتعذر [ذلك] 237 في الكلام بأمور.
. . . إلى آخره.
أهمل شيئين: أحدهما: النذر فلم يعده من الأعذار، والمسألة فيها وجهان: أصحهما: أنه عذر، كذا صححه النووي في "شرح المهذب" فقال: الثانية: إذا نذر شيئًا في صلاته، وتلفظ بالنذر عامدًا هل تبطل صلاته؟ فيه وجهان حكاهما القاضي أبو الطيب في "تعليقه" في آخر باب استقبال القبلة في مسألة بلوغ الصبي في الصلاة: أحدهما: وبه قال الداركي، وهو ظاهر كلام أبي إسحاق المروزى: لا تبطل، لأنه مناجاة لله تعالى، فهو من جنس الدعاء.
والثاني: تبطل لأنه أشبه بكلام الآدمي، والأول أصح [لأنه] 238 يشبه قوله: سجد وجهي للذي خلقه.
هذا كلامه.
وفيه شيء ستعرفه في أول النذر يتعين الوقوف عليه.

الجزء: 3 - الصفحة: 177

وقياس ما ذكره النووي هنا حكمًا وتعليلًا أن يتعدى ذلك إلى الإعتاق والوصية والصدقة وسائر القرب المنجزة.
الأمر الثاني: إذا سلم ساهيًا ثم تكلم عامدًا فإن الصلاة لا تبطل كما ذكره الرافعي في كتاب الصيام في مسائل الجماع، ولم يتعرض هنا لكلام تؤخذ منه هذه المسألة، بل ذكر الجهل بتحريم الكلام، وقيده بقيد يؤخذ منه خلاف ما ذكره هناك فاعلمه.

قوله: ومنها الجهل بتحريم الكلام لما روي عن معاوية بن الحكم قال: لما رجعت من الحبشة [صليت] 239 مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فعطس بعض القوم فقلت: يرحمك الله، فحدقني الناس بأبصارهم فقلت: ما شأنكم تنظرون إليَّ فضربوا بأيديهم على أفخاذهم يسكتونني فسكت، فلما فرغ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "يا معاوية إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شئ من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتهليل وقراءة القرآن" 240، وهذا عذر في حق قريب العهد بالإسلام.
فإن كان بعيد العهد به بطلت صلاته لأنه مقصر بترك التعلم.
انتهى كلامه.
وهو يقتضي أنه لا فرق في بعيد العهد بين أن ينشأ في بادية بعيدة أو لا، وقياس نظائره يقتضي إلحاق من نشأ في البادية المذكورة بقريب العهد، بل حكى الطبري شارح "التنبيه" وجهًا أن البعيد العهد يعذر أيضًا، إذا لم يكن ممن يخالط العلماء.
وأما "حدقني" الواقع في الحديث فهي بحاء مهملة ودال مخففة مهملة أيضًا بعدها قاف.
هكذا رواه أبو عوانة في "مسنده" 241، والبيهقي في "سننه"،

الجزء: 3 - الصفحة: 178

ومعناه أصابوني بحدقتهم كقولهم: عانه أي أصابه بالعين، وركبه البعير أصابه بركبته، وليس معناه نظرًا؛ إنما قالوا: حدّق بالتشديد إذا نظر إليه نظرًا شديدًا لكنه لازم غير متعدٍ، فيقال: حدق إليه، ولا يقال: حدقه.
والحديث المذكور أصله في مسلم، وإن كانت الألفاظ مختلفة.

قوله في "الروضة": ولو علم تحريم الكلام ولم يعلم أنه يبطل الصلاة لم يكن عذرًا.
ولو جهل كون التنحنح مبطلًا فهو معذور على الأصح لخفاء حكمه على العوام انتهى.
كلامه.
وهو يوهم أن مسألة التنحنح مفروضة مع العلم بالحرمة كالمسألة السابقة وليس كذلك، فإن الغزالي ذكر المسألة في "الوسيط" بلفظ يوهم ذلك، ثم نقلها عنه الرافعي، ونفى الحمل عليه وقال: إن الحمل عليه بعيد، فإنه لا يظهر فرق مع التسوية في الحرمة والجهل، ثم قال: والأقرب شيئان: أحدهما: تصوير ذلك بما إذا علم حكم الكلام وجهل [أن التنحنح ملحق به.
والثاني: بما إذا بعد عهده بالإسلام وجهل] 242 حكم التنحنح، فعلى رأى لا يعذر فيه كالكلام، وعلى رأى نعم لخفائه.
وأشار الرافعي بهذا الأخير إلى أنه لو كان قريب العهد بالإسلام لكان في الكلام يعذر بلا خلاف، فكيف يجئ التردد في التنحنح ولو كان بعيد العهد بالإسلام لم يعذر بذلك لتقصيره بترك التعلم.

قوله فيها أيضًا: ولو أكره على الكلام فقولان: أظهرهما: يبطل لندوره، وكما لو أكره على أن يصلي بلا وضوء أو قاعدًا، فإنه يجب الإعادة قطعًا.
انتهى كلامه.

الجزء: 3 - الصفحة: 179

فيه أمران: أحدهما: أنه قد ذكر في أواخر التيمم من زوائده أيضًا ما يقتضي عكس المذكور هنا في الوضوء، فإن كلامه هنا يقتضي إيجاب القضاء، ولو كان مع البدل وهو التيمم، ويدل عليه القيام فإنه أوجب فيه القضاء مع إتيانه ببدله وهو القعود، وقد ذكرت لفظه هناك فراجعه.
الأمر الثاني: أن دعوى عدم الخلاف باطلة، ولو كان مع المنع من التيمم فللشافعي قول أن كل صلاة وجبت في الوقت لا يجب فيها الإعادة، وقواه في "شرح المهذب".

قوله: حكى في "البيان" عن الشيخ أبي حامد أن الكلام اليسير هو ثلاث كلمات، ونحوها، وعن ابن الصباغ أن اليسير هو القدر الذي تكلم به رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حديث ذي اليدين، وكل واحد منهما للتمثيل أصلح منه للتحديد، والأظهر فيه، وفي نظائره الرجوع إلى العادة.
انتهى.
وقد حذف النووي في "الروضة" مقالة الشيخ أبي حامد، ومقالة ابن الصباغ أيضًا، واقتصر على المقالة الثالثة وكأنه توهم مما قاله الرافعي أنهما مثالان، وليس كذلك، بل مراده أن التحديد بهما ليس بواضح على أن الأصحاب قد سلكوا مثل ذلك في مواطن كثيرة منها ما هو على الراجح، ومنها ما هو على وجه كدخول وقت الأضحية، ووقت الوقوف.
وحكى في "شرح المهذب" قولًا أنه ما لا يسع زمانه ركعة؛ ووجها أنه ما لا يسعه قدر تلك الصلاة.

قوله: وإذا ناب المأموم شيء في صلاته كما إذا رأى أعمى يقع في بئر، أو استأذنه إنسان في الدخول أو أراد إعلام غيره أمرًا، فالسنة أن يسبح إن كان رجلًا وأن يصفق إن كانت امرأة، ففي الحديث: "إذا ناب أحدكم شيء في صلاته فليسبح الرجال ولتصفق النساء" 243. انتهى.

الجزء: 3 - الصفحة: 180

فيه أمران: أحدهما: أن التنبيه قد يكون واجبًا كما في الأعمى ولو أدى إلى الكلام كما سيأتي.
وقد يكون مندوبًا، وقد يكون مباحًا كما قاله في "شرح المهذب" فالمندوب صورته أن يكون المنبه عليه مندوبًا، كمن هم بترك التشهد الأول، والمباح كالإذن في الدخول.
وإذا علمت الانقسام إلى هذه الثلاث، فإن حملت التنبيه في كلام المصنف على التفرقة بين الرجال والنساء فقط في الحكم المذكور لم يعرف منه كيفية التنبيه.
وإن حملته على التنبيه والتفرقة معًا كما هو ظاهر عبارة المصنف ورد قسم الواجب والمباح.
الأمر الثاني: أن كلامه ساكت عن حكم الخنثى والقياس أنه يصفق لاحتمال أن تكون امرأة فلا يأتي بالتسبيح جهرًا، وقد رأيت ذلك مصرحًا به في أحكام الخناثى المسمى "بالتحقيق" وهو للقاضي أبي الفتوح المعروف بابن أبي عقامة بفتح العين المهملة وبالقاف، ونقله عنه، في باب نواقض الوضوء من "شرح المهذب" من جملة ما نقله عنه ولقائل أن يقول: قد سبق أن المرأة تجهر خالية وبحضرة النساء، [والمحارم] 244 فلم لا أجيز لها، والحالة هذه التسبيح، فإن صح لنا في المرأة ذلك لزم مثله في الخنثى؟ والحديث رواه الشيخان، لكن لا بهذا اللفظ.

قوله: والمراد من التصفيق أن تضرب بطن كفها الأيمن على ظهر كفها الأيسر، وقيل: هو أن تضرب أكثر أصابعها اليمنى على ظهر أصابعها اليسرى وقيل: تضرب أصبعين على ظهر الكف.

الجزء: 3 - الصفحة: 181

والمعاني متقاربة، والأول أشهر.
انتهى كلامه.
تابعه عليه في "الروضة"، واعلم أن في معنى الكيفية التي رجحها الرافعي أن تعكس فتضرب ببطن الشمال على ظهر اليمين، وأن تضرب بظهر اليمين على بطن الشمال، وأن تعكس أيضًا.
وما وقع في كلام الرافعي وغيره من الاقتصار على بعض هذه الصور فإنه من باب المثال كما سلكه الماوردي وغيره، ولهذا عبر في "التحقيق" بقوله: تصفق بظهر كف على بطن أخرى ونحوه، لا بطن على بطن، فقوله: "بظهر كف على بطن أخرى" دخل فيه الصورتان الأخيرتان، وقوله: ونحوه، دخل فيه الأولتان.
وعبر في "شرح المهذب" بعبارة أخرى يمكن تنزيلها على ما ذكره في "التحقيق".
وتعبير الرافعي بقوله: الأيمن والأيسر خطأ، وصوابه اليمين واليسرى لأن الكف مؤنثة.

قوله: ومنها لو أشرف إنسان على الهلاك فأراد إنذاره، ولم يحصل إلا بالكلام تكلم.
وفي بطلان صلاته وجهان: أصحهما عند الأكثرين: نعم.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران: أحدهما: أن النووي في "الروضة" قد تابعه على تصحيح البطلان إلا أنه لم ينقله عن الأكثرين، ثم صحح في "التحقيق" عدم البطلان فقال ما نصه: ولو رأى مشرفًا على الهلاك كأعمى وصبي لا يعقل فخاف وقوعه في بئر [أو نار] 245 أو غافل أو نائم قصده سبع أوحية أو ظالم لقتله، ولم يكن إنذاره إلا بكلام وجب، والأصح: لا تبطل.
هذا لفظه بحروفه؛

الجزء: 3 - الصفحة: 182

وذكر في "الشرح" ما يقتضيه أيضًا.
فإنه نقل عن أبي إسحاق المروزي عدم البطلان ونقل تصحيحه عن القاضي أبي الطيب في "التعليق" وعن الشيخ في "المهذب"، والمتولي في "التتمة" ولم ينقل البطلان إلا عن تصحيح الرافعي فقط.
ورأيت في "الترغيب" للشاشي أن أصح الوجهين عدم البطلان، وصححه أيضًا في "البيان" والماوردي في "الحاوي".
الأمر الثاني: أنه احترز بقوله: "ولم يحصل إلا بالكلام"، عن الفعل، ولم يصرح هو ولا النووي بحكمه، ولا شك أنه إن كان قليلًا كخطوة وخطوتين أتى بهما، ولا إشكال.
وإن كان كثيرًا فله حالتان: إحداهما: أن لا يحصل الإنذار إلا بالفعل كما في الصغير الذي لا يميز، والأعمى الأصم، فإذا مشى إليه خطوات فيحتمل أن يقال لا يلحق بالقول، بل تبطل الصلاة قطعًا لأن الإجابة بالكلام خرجت بالنص، وهو جواب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فبقى ما عداها من البطلان على الأصل، ولأن الفعل أقوى من القول، ويحتمل إلحاقه [به] 246 وهو المتجه، لأن الكلام أشد منافاة للصلاة من الفعل بدليل اغتفار الفعل اليسير كقتل الحية والعقرب والخطوة والخطوتين، وحمله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمامة، وغير ذلك، وقد صرح الأصحاب بهذه الأولوية، وحينئذ فإذا ثبت عدم الإبطال بالقول فبالفعل أولى.
وعلى هذا يتم صلاته في الموضع الذي انتهى إليه ولا يعود إلى مكانه إلا في الموضع الذي يجوزه في سبق الحدث، وقد رجح الطبري شارح "التنبيه" الاحتمال الثاني فقال: إنه الظاهر، إلا أنه لم يقرره بما ذكرته، ويأتي أيضًا ما ذكرناه فيما إذا استدعى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في عصره رجلًا، وقريب

الجزء: 3 - الصفحة: 183

مما نحن فيه ما ذكره في "الشامل" وهو أنه لو فعل فعلًا واجبًا في الصلاة من رد وديعة وتفرقة زكاة بطلت صلاته إذا كان كثيرًا لإمكانه قبلها أو بعدها بخلاف القول، وفي تعليله نظر.
الحالة الثانية: أن يمكن حصوله بالقول وبالفعل، فإن أبطلنا تخير، وإلا فيحصل على التفريق السابق ثلاث احتمالات.
أظهرها: نفي الفعل.
والثاني: القول.
والثالث: التخير.
ومما يتعلق بهذا الفصل إذا ناداه أحد الوالدين في الصلاة ففيه وجوه حكاها الروياني في باب إمامة المرأة من "البحر": أحدها: تلزمه الإجابة وتبطل الصلاة، [وقيل: تبطل إذا قصد] 247. والثاني: تلزم ولا تبطل.
والثالث: لا تلزم بالكلية، قال: وهو أصح عندي، وذكر ابن الرفعة في "المطلب" أنه لم ير في المسألة نقلًا.

قوله: فإن أتى بشئ من نظم القرآن قاصدًا به القراءة أو القراءة مع شئ آخر كتنبيه الإمام أو غيره أو الفتح على من ارتج عليه أو تفهيم أمر، لم تبطل صلاته، وقيل: تبطل إذا قصد مع القراءة شيئًا آخر.
[ولو قصد الإعلام فقط بطلت صلاته.
انتهى.
أهمل قسمًا آخر] 248 وهو ما إذا لم يقصد شيئًا بالكلية، وكذلك أهمله في "الروضة" أيضًا وقد اختلف فيه كلام المتأخرين، فالذي دل عليه كلام "الحاوي الصغير" أنها لا تبطل فإنه قال: تبطل الصلاة بكذا

الجزء: 3 - الصفحة: 184

وكذا، ثم قال: وبالقراءة والذكر لمجرد التفهيم.
هذا لفظه.
وبه جزم الحموي شارح "الوسيط" قال: لأن الظاهر القراءة، وجزم في "التحقيق" بأنها تبطل فقال: ولو نطق بنظم قرآن كـ "ادخلوها بسلام" و"يا يحيى خذ الكتاب" وقصد تلاوة [لم تبطل، وكذا تلاوة] 249 وإعلامًا على المذهب أو إعلامًا أو أطلق بطلت.
هذا لفظه وصرح بذلك أيضًا في "دقائق المنهاج"، وذكر في "شرح المهذب" نحوه فقال: وإن لم يقصد شيئًا فظاهر كلام المصنف وغيره أنها تبطل، وينبغي أن يفرق بين أن يكون قد انتهى في قراءته إليها فلا تبطل، وإلا فتبطل.
انتهى كلامه.
واعلم أن هذه الأقسام الأربعة تجري في الجنب أيضًا، فإذا قال مثلًا: "سبحان الذي سخر لنا هذا" ونحوه فحاصل ما ذكره الرافعي فيه أنه يحرم إذا قصد القراءة سواء قصد معه الذكر أم لا، ولا يحرم إذا قصد الذكر، وكذلك أيضًا إذا أطلق تغليبًا للذكر.
ويجري أيضًا في الأيمان، فإذا حلف لا يكمله فأتى بآية فهم المحلوف عليه بها ما قصده الحالف، قال الرافعي: فلا يحنث إن قصد القراءة، وإلا حنث.
هذا لفظه.
وحاصله عدم الحنث عند قصد القراءة سواء كان معه قصد كلامه أم لا، والحنث إذا قصد كلامه وكذا إذا أطلق تغليبًا للكلام، وهو موافق للمذكور في الجنابة.
فتلخص لنا أن الإطلاق في المسائل الثلاث على حد واحد عند النووي لأنه غلب هنا كلام الآدمي فحكم بالإبطال، وهو موافق للجواز في الجنب، ولكونه يحنث في اليمين.
وأما على ما في [الخلاف] 250 من عدم الإبطال هنا فإنه لا يوافق

الجزء: 3 - الصفحة: 185

تجويزه للحنث، وقد سبق منه هناك الموافقه عليه.
وقد تقدم الكلام على "ارتج" في الكلام على قراءة الفاتحة.

قوله: ولو أتى بكلمات لا توجد في [القرآن] 251 على نظمها ويؤخذ مفرداتها مثل أن يقول: يا إبراهيم سلام كن، بطلت صلاته.
انتهى.
ولو فرق هذه الكلمات ولم يصل بعضها ببعض وقصد به القرآن لم تبطل، كذا صرح به المتولي ونقله عنه في "شرح المهذب" وأقره، وتعبير الرافعي بالنظم يدل عليه.
وقال الشاشي: عندي أنه مبطل، لأنه لا قرآن ولا ذكر.

قوله: نعم ما فيه خطاب مخلوق غير رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يجب الاحتراز عنه، فلا يجوز أن يقول للعاطس: رحمك الله.
وعن يونس بن عبد الأعلى عن الشافعي أنه لا يضر ذلك، وصححه الروياني.
انتهى.
وهذا القول مشهور معروف، وقد نص عليه الشافعي في "الأم" وجزم به، وكذلك في "البويطي".
وكلام الرافعي يقتضي استغرابه حتى أن النووي ذكر في "شرح المهذب" أن المنصوص في كتبه كلها أنه يضر، ويدل على صحة هذا القول أنه إذا قال: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (46)﴾ 252 بقصد التلاوة والخطاب لا يضر على المشهور، فكذلك "يرحمك الله" بقصد الدعاء.
وكلام الرافعي يقتضي البطلان إذا خاطب ملكًا أو نبيًا غير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقد يقال: إنما اغتفر الخطاب في السلام الواقع في آخر الصلاة لأجل الملائكة.

الجزء: 3 - الصفحة: 186

قوله: الثانية: السكوت اليسير في الصلاة لا يضر بحال، وفي السكوت الطويل إذا تعمده وجهان: أصحهما: أنه لا يضر أيضًا.
وخص في "التهذيب" الوجهين بما إذا سكت لغير غرض، فأما إذا سكت لغرض بأن نسى شيئًا فوقف ليتذكره فلا تبطل صلاته بلا محالة.
انتهى كلامه.
والذي ذكره البغوي ليس طريقة مخالفة للأكثرين بل كلام الباقين محمول عليها، كذا سلكه الرافعي -رحمه الله- في "الشرح الصغير" وعبر بقوله: لم تبطل بلا خلاف، ولم يقف النووي على "الشرح الصغير" وفهم أنها طريقة ضعيفة فأثبت الخلاف في "الروضة" و"شرح المهذب" وغيرهما، وعبر بالمذهب إلا أنه صحح طريقة القطع فقال: لم تبطل على المذهب وبه قطع الجمهور.
وحكى جماعة من الخراسانيين في بطلانها وجهين، وهو ضعيف، هذه عبارته في "شرح المهذب" لكن كلام الرافعي يدل إما على نفي الخلاف بالكلية أو على تصحيح طريقة الخلاف فاعلمه.

قوله: ولو سكت كثيرًا ناسيًا، وقلنا: عمده مبطل، فطريقان: أحدهما: التخريج على الخلاف في الكلام الكثير ناسيًا.
والثاني: لا يضر جزمًا.
قال في "الوسيط": وهذا أصح.
انتهى.
فيه أمور: أحدها: أن الأصح هي الطريقة القاطعة، كذا صححها في "شرح المهذب" فقال: إنها المذهب، ولم يصحح في "الروضة" شيئًا منها.
الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" لم يبين ما هما الوجهان اللذان خرجت عليهما الطريقة الأولى بل عبر بقوله: على الوجهين، ولم يزد

الجزء: 3 - الصفحة: 187

على ذلك وهو غريب.
الثالث: قد سبق في الفاتحة أن السكوت الكبير في أثنائها يضر على الصحيح، فلو كان ذلك ناسيًا لم يضر كما قاله الجمهور، ونص عليه الشافعي ومال الإمام إلى أنه يضر، وتابعه الغزالي فجعل المسألة على التردد، كذا ذكره الرافعي هناك.
والمسألة نظير المسألة، ولكن الخلاف هناك غير معروف، ولهذا ادعى في "تصحيح التنبيه" أنه لا خلاف فيحتاج إلى الفرق.

قوله: ولو أشار في الصلاة إشارة مفهمة فقد أفتى الغزالى بعدم البطلان، ورأيت لوالدي وجهًا أنها تبطل.
انتهى.
والأصح منهما عدم البطلان، كذا صححه الرافعي في كتاب الطلاق في الكلام على الكنايات، وعبر بالصحيح، وقال النووي في "التحقيق": إنه المذهب، وفي "شرح المهذب": إنه المذهب الصحيح المشهور الذي قطع به الجمهور، وصححه أيضًا هنا في "أصل الروضة" فاعلمه.
وما نقله الرافعي عن والده من البطلان جزم به القاضي حسين في "فتاويه".

الشرط الخامس: ترك الأفعال

. قوله: ما ليس من أفعال الصلاة ضربان: أحدهما: ما هو من جنسها، فينظر إن فعله عامدًا بطلت صلاته سواء كثر أو قل كركوع وسجود ونحوهما لأنه تلاعب بالصلاة.
انتهى كلامه.
وأشار بقوله: ونحوهما إلى القيام وإلى القعود الطويل، واحترز بالقعود الطويل عما إذا هوى للسجود فجلس قبل سجوده جلسة خفيفة أي لا تزيد علي مقدار جلسة الاستراحة، فإن صلاته لا تبطل كما قاله الرافعي في باب سجود السهو، ومثله ما إذا سجد للتلاوة ثم جلس للاستراحة قبل القيام.
ولو كان قائمًا فجلس ثم قام بطلت صلاته لا لعين القيام بل لكونه قطع القيام ثم عاد إليه فكأنه أتى بقومتين، قاله الإمام.

الجزء: 3 - الصفحة: 188

نعم لو ركع قبل الإمام أو سجد فإنه يجوز له العود ثانيًا كما تقف عليه إن شاء الله تعالى في صلاة الجماعة مع أنه يصدق أن يقال: قد زاد ركوعًا ونحوه ولو كان قائمًا فانتهى إلى حد الركوع لقتل حية أو عقرب لم يضر، كذا قاله الخوارزمي في "الكافي".
وقد دخل في كلام الرافعي ما إذا سجد على مكان خشن فخاف أن تتجرح جبهته فرفع رأسه ثم سجد ثانيًا.
وللقاضي حسين فيها احتمالان: أحدهما: البطلان مطلقًا.
والثاني: أنه إن كان قد تحامل على الشئ الخشن بثقل رأسه بطلت صلاته بالعود وطريقه فيه أن يزحف جبهته قليلًا، ولا يرفع رأسه، وإن لم يكن قد تحامل لم تبطل لأنه عمل قليل، ويجريان فيما لو سجد على يده ثم رفعها وسجد على الأرض.

قوله: الضرب الثاني: ما ليس من أفعال الصلاة فيفرق فيه بين القليل والكثير بلا خلاف لأنه -عليه الصلاة والسلام- صلى وهو حامل أمامة بنت بنته، فكان إذا سجد وضعها، وإذا قام حملها 253، وأخذ بأذن ابن عباس فأداره من شماله إلى يمينه 254، ورد السلام بالإشارة 255، وأمر بقتل الأسودين الحية والعقرب في الصلاة 256، ودخل أبو بكرة المسجد والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - راكع فأحرم منفردًا، وركع خوفًا من فوات الركعة ثم خطا خطوة ودخل

الجزء: 3 - الصفحة: 189

الصف فقال له -عليه الصلاة والسلام-: "زادك الله حرصًا ولا تعد" 257. [والمعني] 258 فيه أنه يعسر أو يتعذر على الإنسان السكون على هيئة واحدة في زمان طويل، ولا يخلو عن حركة واضطراب، ولابد للمصلي من رعاية التعظيم والخشوع، فعفي عن القدر الذي لا يحمل على الاستهانة بهيئة الخشوع، ثم قال: والكثير بالعرف، وقيل: ما يظن أن فاعله ليس في صلاة، [وضعفوه] 259. وقيل: ما يسع ركعة، وقيل: ما يحتاج فيه إلى كلتى اليدين ككور العمامة لا لرفعها [وحل] 260 أنشوطة السراويل.
انتهى.
فيه أمور: أحدها: أن ما ذكره أولًا في تقرير العفو عن القليل دون الكثير إنما يستقيم على الحد الثاني الذي ضعفه فتأمله.
الثاني: أنه يقتضي أن الخشوع شرط، والصحيح على ما ذكره في صلاة الجماعة خلافه.
الثالث: أنه قد أعاد الخلاف في حد الطويل والقصير في أثناء سجود السهو قبيل قوله: قال: قواعد أربع، وجعل مقدار الركعة عند من يضبط بها قليلًا، وأن الطويل ما زاد عليها على خلاف ما ذكره هنا، ثم إنه حكاه قولًا لا وجهًا، وستعرف لفظه في موضعه.
= (1245) وأحمد (7178) والدارمي (1504) وابن خزيمة (869) وابن حبان (2351) والحاكم (939) وعبد الرزاق (1754) وابن أبي شيبة (1/ 431) والبيهقي في "الكبرى" (3251) وأبو نعيم في "الحلية" (9/ 45) من حديث أبي هريرة.
قال الترمذي: حسن صحيح.
وقال الحاكم: صحيح ولم يخرجاه.
وقال الألباني: صحيح.

الجزء: 3 - الصفحة: 190

وكور العمامة سبق إيضاحه في السجود.
والأنشوطة: بنون ثم شين معجمة وطاء مهملة قال ابن فارس وغيره: الأنشوطة: العقدة تنحل إذا مدّ طرفها، يقال: أنشطت الحبل إذا عقدت، وأنشطت إذا حللت.
ومنه خبر الرُقيا "كأنما أنشط من عقال" فيكون من الأضداد.
واعلم أن حمل أمامة وإدارة ابن عباس رواهما البخاري ومسلم.
والتسليم بالإشارة، والأمر بقتل الأسودين رواهما الترمذي، وصححهما.
وحديث أبي بكرة رواه البخاري، وأبو بكرة بتاء في آخره تقدم الكلام عليه في أوائل المسح على الخف.

قوله: فأما الحركات الخفيفة إذا كثرت وتوالت كتحريك الأصابع في تسبيحة أو حكة أو عقد أو حل فلا يضر في أظهر الوجهين.
انتهى.
فيه أمور: أحدها: أن الرافعي قد ذكر بعد هذا في الكلام على الأكل أن المضغ وحده فعل حتى يكون الكثير منه مبطلًا، وإن لم يصل إلى الجوف شئ مع أن [الذكر] 261 الذي ذكره من الأفعال الخفيفة.
الأمر الثاني: إذا قلنا بالإبطال في تحريك الأصابع، فهل يكون الذهاب والإياب مرة واحدة أو مرتين؟ لم ينبه الرافعي ولا النووي عليه، وقَلَّ من تعرض له أيضًا.
وقد بينه الخوارزمي في "الكافي" فقال: إن ذلك مرة واحدة، قال: وكذا رفع اليد عن الصدر ووضعها في محل الحك.
الثالث: أن تقييد الرافعي هذه المسألة بتحريك الأصابع قد يؤخذ منه أن

الجزء: 3 - الصفحة: 191

تحريك اليد بذلك مبطل، وقد جزم به الخوارزمي في "الكافي" أيضًا، وأنه لا فرق في الأصابع بين الثلاث، وما زاد، وجعل في "البسيط" محل الخلاف فيما زاد على الثلاث، وجزم في تحريك الثلاث بعدم البطلان.

قوله: وقد حكي عن نص الشافعي -رضي الله عنه- أنه لو كان بعد الآي في صلاته عقدا باليد لم تبطل صلاته، وإن كان الأولى أن لا يفعله.
انتهى كلامه.
ذكر في "الروضة" مثله أيضًا، وقد رأيت هذا النص في "الأم" في كتاب اختلاف العراقيين وأبي حنيفة، وابن أبي ليلى، وهو مذكور بعد باب قطع العبد فقال في باب صلاة الخوف من الكتاب المذكور ما نصه: وذكر عن الحكم أيضًا عن إبراهيم أنه قال: لا بأس بِعَدّ الآي في الصلاة.
قال الشافعي: ولو ترك عَدَّ الآي في الصلاة كان أحب إلىّ.
هذا لفظه بحروفه، ومن "الأم" نقلته.
ومقتضاه عدم الكراهة، وبه صرح في "شرح المهذب" فقال: مذهبنا أنه لا يكره، بل هو خلاف الأولى، قال: وهو مراد "المهذب" بقوله: إنه يكره ألا ترى إلى قوله بعد ذلك: فكان خلاف الأولى.
هذا كلامه.
إذا علمت ذلك فقد جزم في "التحقيق" بأن ذلك مكروه ذكر ذلك في آخر [هذا] 262 الباب، وهو غريب، وكلام النووي في "شرح المهذب" يوهم أن عدم الكراهة متفق عليه، وليس كذلك، فقد نقل في "البحر" عن "الحاوي" ما يقتضي أنه مكروه، وجزم به الجرجاني في "الشافي".

قوله: روي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إذا مر المار بين يدي أحدكم وهو في الصلاة فليدفعه فإن أبى فليدفعه، فإن أبى فليقاتله، فإنه شيطان" 263.

الجزء: 3 - الصفحة: 192

وروي البخاري -رحمه الله- في "الصحيح" عن أبي سعيد الخدري أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إذا صلى أحدكم إلى شئ يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان" 264. انتهى.
وقوله في الحديث الأول وهو الذي ليس فيه ذكر السترة: "فإن أبى فليدفعه" وقع في أكثر نسخ الرافعي تكراره ثلاثًا، وفي بعضها مرتين، وفي "الوجيز" مرة، والحديث روى الشيخان معناه.

قوله: والمستحب للمصلي أن يكون بين يديه سترة من جدار أو سارية أو غيرهما، ويدنوا منها بحيث لا يزيد ما بينه وبينها على ثلاثة أذرع.
ولو كان في صحراء فينبغي أن يغرز عصا أو نحوها، أو يجمع شيئا من رحله، ومتاعه، وليكن قدر مؤخرة الرحل، فإن لم يجد شيئًا شاخصًا خط بين يديه خطًّا أو بسط مصلي، لما روى عن أبي هريرة أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئًا، فإن لم يجد فلينصب عصا، فإن لم يكن معه عصا فليخط خطًا، ثم لا يضره ما مر بين يديه" 265، وذكر الإمام والغزالي أن الخط لا يكفي لأن الشافعي مال إليه في القديم، ولكن رواه في الجديد ثم خط عليه، ولأنه لا يظهر.
انتهى ملخصًا.
والسارية هي العمود ونحوه، ومؤخرة الرحل بسكون الهمزة، وكسر الخاء المعجمة، سبق الكلام عليها في استقبال القبلة.
إذا علمت ذلك ففيه أمور:

الجزء: 3 - الصفحة: 193

أحدها: أن هذا الترتيب الذي ذكره في السترة قد تابعه عليه في "الروضة"، لكنه خالفه في "المنهاج" فخير بين الجميع فقال: ويسن للمصلى إلى جدار أو سارية أو عصا مغروزة أو بسط مصلي أو خط [قبالته] 266 دفع المار.
وخالفهما في "التحقيق" فقال: فإن عجز عن سترة بسط مصلي، فإن عجز خط خطًّا على المذهب.
هذه عبارته، فرتب حتى بين الخط والمصلى وذكر نحوه في "شرح مسلم" وزاد فقال نقلًا عن الأصحاب: فإن لم يجد عصا ونحوها جمع أحجارًا أو ترابًا أو متاعًا، وإلا فليبسط مصلى، وإلا فليخط خطًّا.
وعبارة "المحرر": إذا استقبل المصلى جدارًا أو سارية أو غرز في الصحراء بين يديه خشبة أو بسط مصلى أو خط خطًّا.
هذه عبارته.
ولا شك أن ما اقتضاه كلام الرافعي من أن شرط الخشبة المغروزة والمتاع الموضوع فقدان الشاخص، لم يرد به حقيقته، وإنما جرى ذلك على سبيل الغالب من أحوال المسافرين في عدم الجدار ونحوه.
وأما الخط والمصلي فالحق أنهما في مرتبة واحدة لأن المصلي لم يرد فيه خبر ولا أثر، وإنما أخذوه بالقياس على الخط بجامع أنه [علامة، فكيف يكون مقدمًا عليه، ولهذا قال في "الإقليد": الحق أن] 267 مذهب الشافعي أن الخط لا يكفي، قال: ومن يقول بالاكتفاء فيكون هو والمصلي في درجة واحدة، وما عزاه إلى مذهب الشافعي سببه ما اشتهر أن الاكتفاء به نص عليه في القديم، وأنه نص في "البويطي" على أنه لا يكفي، لكن قد نص في "سنن حرملة" على استحبابه، وممن نقله عنه النووي في "الروضة" وغيرها، وهو من الكتب الجديدة.
[الأمر الثاني: لم يبين هيئة الخط، وقد اختلفوا فيه فقيل: يجعل مثل

الجزء: 3 - الصفحة: 194

الهلال، وقيل: يمد يمينًا وشمالًا، وقيل: طولًا إلى جهة القبلة، واختاره في "الروضة"] 268. الأمر الثالث: أن الرافعي قد سكت عن قدر المصلي والخط والقياس أنهما كالشاخص.
[الرابع: ] 269 أن ما ذكره عن الغزالي من عدم الاكتفاء بالخط هو كذلك في "الوسيط" و"الوجيز"، ولكنه قد ذكر بعد ذلك في "الخلاصة" أنه يكفي، وذكر في "الإحياء" ما يدل عليه فقال: وليكن نظره محصورًا على مصلاه الذي يصلي عليه، فإن لم يكن مصلى فليقرب من جدار أو ليخط خطًّا، فإن ذلك يقصر مسافة البصر، ويمنع تفرق الفكر.
هذه عبارته، وإن كان قد ساقه لمعنى آخر.
والحديث الذي ذكره الرافعي رواه أبو داود، وصححه الإمام أحمد وابن المنذر وابن حبان، وقال البيهقي: لا بأس به في مثل هذا الحكم إن شاء الله تعالى.
وضعفه الدارقطني وغيره، وجزم به في "الروضة".

قوله: وإذا وجدت السترة المذكورة حرم المرور في أظهر الوجهين لأنه صح عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: "لو يعلم المار [بين يدي المصلي [ما] 270 عليه من الإثم لكان أن يقف أربعين خيرًا [له] 271 من أن يمر] 272 بين يديه.
. . ." والإثم إنما يلحق بالحرام.
انتهى.
والحديث مذكور في "الصحيحين" 273. وأما التصريح بقوله: "من الإثم" ففي بعض روايات أبي ذر عن أبي

الجزء: 3 - الصفحة: 195

الهيثم في "صحيح البخاري" وذهل ابن الصلاح عن هذه [الروايات] 274 فقال في "مشكل الوسيط": وليس في الحديث لفظ "الإثم" صريحًا.
لكن ترجم البخاري وغيره عليه بباب: إثم المار وتابعه أيضًا النووي على هذا الذهول فقال في "شرح المهذب" عقب ذكر أصل الحديث: وفي رواية رويناها في "كتاب الأربعين" للحافظ عبد القادر الرهاوى: "ماذا عليه من الإثم".

قوله في "الروضة": وللمصلي حينئذ أن يدفعه ويضربه على المرور وإن أدى إلى قتله.
انتهى.
وتعبيره بقوله: "وللمصلي" ذكر الرافعي نحوه، وفيه أمران: أحدهما: أنه يشعر بأن الدفع مباح لا مستحب وليس كذلك، فقد جزم الرافعي في "المحرر" و"الشرح الصغير" باستحبابه وكذلك النووي في "المنهاج" وغيره، ونقله في "شرح المهذب" عن الأصحاب بل لقائل أن يقول: لم لا يجب عليه الدفع فإن المرور محرم وهو قادر على إزالته، وإزالة المنكر واجبة، وليس كدفع الصائل حتى تخرج على الخلاف، فإنهم إنما لم يوجبوا ذلك على وجه لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "كن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل" 275. واعلم أن هذا الذي جزم به من جواز ذلك، وإن أدى إلى القتل، نقله الرافعي عن "الكافي" للروياني، وحكى الماوردي وجهًا، وصححه أنه مضمون، ولابد في الدفع [فقط] 276 من مراعاة الأسهل فالأسهل كما في

الجزء: 3 - الصفحة: 196

الصائل، كذا نبه عليه في "شرح المهذب" وهو واضح.
الثاني: أن غير المصلي لا يكون حكمه كذلك، والمتجه إلحاقه به فيه وعبروا "بالمصلي" نظرًا إلى الغالب.

قوله: وإذا لم تكن سترة أو كانت وتباعد عنها أكثر من ثلاثة أذرع، لم يكن له الدفع في أظهر الوجهين لتقصيره.
ورواية الصحيح مقيدة بما إذا صلى إلى السترة والمطلق محمول على المقيد.
قال في "الروضة": ولا يحرم المرور حينئذ، ولكن الأولى تركه.
انتهى.
فيه أمور: أحدها: أنه لا يجوز المرور في هذه الحالة في حريم المصلى وهو قدر إمكان السجود، كذا نبه عليه الخوارزمي في "الكافي".
وقياسه جواز الدفع.
الثاني: أن ما ذكره من أن تركه خلاف الأولى قد خالفه في "التحقيق" و"شرح مسلم" فجزم فيهما بالكراهة.
الثالث: أن ما ذكره من كون المطلق محمولًا على المقيد، إشارته إلى الحديثين المذكورين في أول الفصل.
إذا علمت ذلك فاعلم أن هذا ليس من باب حمل المطلق على المقيد بل الصلاة إلى سترة بعض أفراد الصلاة الداخلة في الحديث الذي لم يذكر فيه السترة، وذكر بعض أفراد العموم لا يقتضي التخصيص على المشهور عند الأصوليين.
نعم الحديث الثاني وهو قوله: "إذا صلى أحدكم إلى شئ يستره.
." إلى آخره.
قد وقع فيه التقييد بالسترة في الجملة الواقعة شرطًا

الجزء: 3 - الصفحة: 197

فيدل بمفهومه على أنه لا يجوز الدفع إذا صلى لغير سترة، وتخصيص المنطوق بالمفهوم جائز على الصحيح.

قوله: وحكى صاحب "البيان" عن المسعودي أن الخط كالسترة في امتناع المرور، وولاية الدفع.
انتهى.
والمراد بالمسعودي هنا، وفي كل موضع نقل عنه صاحب "البيان" إنما هو الفوراني، وسببه أن "الإبانة" له -أى: للفوراني- وقعت في إقليم اليمن منسوبة إلى المسعودي، فاغتر به صاحب "البيان" من جملة من اغتر فاعلم ذلك.
وقد نبه عليه ابن الصلاح في ["الطبقات"] 277 وغيرها، ونقله عنه ابن خلكان أيضًا في "تاريخه".

قوله: قال إمام الحرمين: والنهي عن المرور، والأمر بالدفع محله إذا وجد المار سبيلًا سواه، فإن لم يجد وازدحم الناس فلا نهى عن المرور، ولا يشرع الدفع، وتابعه الغزالي عليه، وفيه إشكال لأن البخاري روى في "صحيحه" 278 ما يخالفه، وهو ما رواه عن أبي [صالح] 279 السمان قال: رأيت أبا سعيد الخدري -رضي الله عنه- في يوم الجمعة يصلي إلى سترة، فأراد شاب أن يمر بين يديه فدفعه أبو سعيد في صدره، فنظر الشاب فلم يجد مساعًا إلا بين يديه فعاد ليجتاز فدفعه أبو سعيد أشد من الأولى، فلما عوتب في ذلك روى الحديث الذي قدمناه في أول الفصل، وأكثر الكتب ساكتة عن تقييد المنع.
قال في "الروضة" من زياداته: الصواب أنه لا فرق بين وجود السبيل وعدمه، فحديث البخاري صريح في المنع، ولم يرد شئ يخالفه، ولا في كتب المذهب لغير الإمام.
انتهى ما قالاه.

الجزء: 3 - الصفحة: 198

وفيه أمور: أحدها: أن الإمام -رحمه الله- لم يذكر هذا التقييد من قبل نفسه، بل صرح بنقله عن الأئمة.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد نقل أنه يجوز المرور بين يدي الصف الثاني لسد الفرجة التي في الصف الأول وعلله بتقصيرهم، ويؤخذ من ذلك أن المصلي إذا كان منسوبًا إلى التقصير بالصلاة في المكان لا يكره المرور بين يديه، وذلك كما إذا صلى في قارعة الطريق، كذا نبه عليه في "الكفاية" وهو واضح، وحينئذ فيصح حمل كلام [الإمام] 280 على هذه الصورة التي لابد من استثنائها.
وأما التعميم كما يوهمه كلام الرافعي، فلا سبيل إليه.
الأمر الثالث: أن ما ذكراه من أن الحديث صريح، ليس كذلك لأن الحجة إنما هي في كلام النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وليس في الحديث تصريح بالتعميم، بل هو مطلق يحتمل أن يراد به [حالة] 281 وجود سبيل آخر فإنه القياس، لاسيما أن العام في الأشياء مطلق في أحوالها.
وأما إدخال هذه الصورة فإنه من اجتهاد الراوي، وإنما يرجع إلى الراوي في التفسير ونحوه لا فيما نحن فيه وأمثاله.

قوله من "زوائده": وإذا صلى إلى سترة فالسنة أن يجعلها مقابلة ليمينه أو شماله، ولا يصمد لها.
انتهى.
والصمد هو القصد، يقال: صمد له يصمد -بالضم علي وزن قعد يقعد- إذا جعله تلقاء وجهه.
وأطلق الصمد على الله تعالى لأنه الذي يقصد بالعبادة والطلب.
وعبر في "شرح المهذب" بالحاجب الأيمن والأيسر، والدليل على هذا الحكم ما رواه المقداد بن الأسود قال: "ما رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلي إلى

الجزء: 3 - الصفحة: 199

عود، ولا إلى عمود ولا شجرة إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولا يصمد له" 282. رواه أبو داود ولم يضعفه، لكن قال البيهقي: تفرد به الوليد بن كامل، وقد قال البخاري: عنده عجائب.

قوله: ولو أكل ناسيًا أو جاهلًا بالتحريم، فإن كان قليلًا لم تبطل، وإن كان كثيرًا فوجهان: أصحهما: البطلان، هكذا ذكره الأئمة وجعلوه كالكلام في الصلاة ناسيًا، والأكل في الصوم ناسيًا، ولم يجعلوه كسائر الأفعال في الصلاة إذ الجمهور على أن الفعل لا فرق فيه بين العمد والسهو على ما تقدم.
انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدها: أنه لم يفصل هنا بين أن يكون قريب عهد بإسلام ونحوه، وهو الناشئ في البادية وبين أن لا يكون كذلك.
وقد ذكر -أعني: الرافعي- هذا التفصيل في نظير المسألة، وهو الأكل في الصوم جاهلًا بتحريمه وسأذكر لفظه هناك -إن شاء الله تعالى- لهذا الغرض ولغيره مما يتعلق بمسألتنا فراجعه.
الأمر الثاني: أنه أشار بقوله: "هكذا ذكر الأئمة.
. . ." إلى آخره، إلى أن الكثير من الكلام والأكل على سبيل النسيان أو الجهل.
وإن كان الأصح فيه أن يكون مبطلًا كما في الفعل الكثير نسيانًا إلا أن الجمهور قطعوا به في الفعل، وحكوا في [الباقي] 283 وجهين.
هذا من

الجزء: 3 - الصفحة: 200

كلامه فتفطن له.
الأمر الثالث: أن النووي -رحمه الله- قد رجح في "التحقيق" أن الفعل الكثير سهوًا لا يضر فقال: إنه المختار لحديث ذي اليدين، وصححه في "التتمة"، وحكى في "الذخائر" طريقة قاطعة [به] 284.

قوله: ولو أكل الصائم كثيرًا ناسيًا، فإن لم تبطل الصلاة بالكثير فالصوم أولى.
وإن أبطلنا الصلاة ففي الصوم وجهان، ووجه الصحة أن الصوم ليس فيه أفعال منظومة حتى نفرض انقطاعها، وإنما هو الكفاف مجرد النهي.
وما ذكره من كون الخلاف مرتبًا قد خالفه في الصوم فجعله مبنيًا وسأذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى فراجعه.
خاتمة: قوله: لنا: إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ربط ثمامة بن أثال في المسجد 285. انتهى 286. ثمامة وأثال بضم أولهما وبالثاء المثلثة.
قال الجوهري: الثمام بضم الثاء المثلثة نبت ضعيف له خوص أو شبيه بالخوص، الواحدة ثمامة وبه سمى الرجل.
قال: وأثال بضم الهمزة، وفتح الثاء المثلثة اسم جبل، قال: وبه سمى الرجل، والحديث المذكور صحيح.

قوله: فإن كان الكافر جنبًا فهل يمنع من المكث فى المسجد؟ فيه وجهان: أصحهما: لا.
والكافرة الحائض تمنع حيث تمنع المسألة لأن المنع منه لخوف التلوث.
انتهى كلامه.

الجزء: 3 - الصفحة: 201

وما ذكره من منع الكافرة الحائض من المكث قد صرح بخلافه في كتاب اللعان، وسنقف على لفظه هناك، وتبعه النووي في "الروضة" على الموضعين والمعروف: المنع، وبه جزم في أوائل الحيض من "شرح المهذب" وبالغ فادعى أنه لا خلاف فيه.

قوله: وكذا الصبيان والمجانين يمنعون من دخوله.
انتهى.
تابعه في "الروضة" عليه وهو يقتضي تحريم إدخالهم كالذي قبله، وليس كذلك مطلقًا، بل إن غلب تنجيسهم له وجب منعهم، وإلا فلا، كذا ذكره في أوائل الشهادات من زوائده.
وأطلق في باب ما يوجب الغسل من "شرح المهذب" أنه يجوز مع الكراهة، وستأتي المسألة أيضًا في الشهادات.

قوله من زياداته: والبصاق في المسجد خطيئة فإن خالف فبصق فقد ارتكب النهي، ويكره غرص الشجر فيه، فإن غرس قطعه الإمام.
قال الصيمري: ويكره حفر البئر فيه، ويكره عمل الصنائع فيه، ولا بأس بالأكل والشرب والوضوء إذا لم يتأذ به الناس.
انتهى.
وهو مشتمل على مسائل: الأولى: البصاق في المسجد وإنما عبر بكونه خطيئة ولم يصرح بحرمته ولا كراهته لأن الحكم ليس مذكور في الكتب المتداولة غالبًا، ولذلك لم يذكره الرافعي ولا ابن الرفعة أيضًا، فعبر بالخطيئة لأنه لفظ الحديث.
وقد تتبعت ذلك فوجدت الأصحاب قائلين بالكراهة كذا صرح به المحاملي في "التجريد" و"المقنع" بعد الكلام على ستر العورة، وسليم الرازي في "التقريب" و"المجرد" في الموضع المذكور أيضًا، وأبو العباس الجرجاني في كتابه "الشافي" وأبو المحاسن الروياني في "البحر"، وأبو الخير اليمني في "البيان"، وقد ذكر النووي في باب ما يفسد الصلاة من

الجزء: 3 - الصفحة: 202

"شرح المهذب" و"التحقيق" أنه حرام وكأنه تمسك بظاهر لفظ الحديث.
المسألة الثانية: غرس الشجر في المسجد والحكم بكراهته، قد رأيته أيضًا في "شرح الكفاية" للصيمري وهو مشكل، بل ينبغي تحريمه، فإن البقعة مستحقة للصلاة، وقد صحح الرافعي في الصلح أنه يحرم غرس شجرة أو نصب دكة في الطريق الواسع وتبعه هو عليه -أعني: النووي- وعلله الرافعي بأن الموضع مستحق للمشي، وقد أشغله، وهذا بعينه موجود هنا.
وقد جزم البغوي في "فتاويه" بتحريم الغرس كما ذكرته بحثًا، ذكر ذلك في كتاب الوقف، وجزم به أيضًا القاضي الحسين في "تعليقه" في أواخر باب الصلاة بالنجاسة فقال: فرع: لا يجوز للرجل أن يغرس في المسجد غرسًا، ولا أن يحفر فيه بئرًا أو حوضًا، ولا أن يبني فيه منارة، ولا أن يضرب فيه اللبنات ويضعها في زاوية منه، أو يجمع الحشيش في موضع منه لأن هذه الأشياء تشغل موضع الصلاة، وقيل: إن اتخاذ المنارة أخف لأنه يمكن الصلاة على رأس المنارة بخلاف حفر البئر، ونحوه.
وهكذا لا يجوز الاستطراق في المسجد من غير غرض صحيح له فيه، ولو اتخذ سردابًا تحت المسجد ليسكن فيه من حر الشمس جاز، لأنه يمكن الصلاة فيه.
هذا كلام القاضي الحسين.
وهو مشتمل على نفائس وهو الصواب.
ثم إن ما ذكره إنما يتخيل عند فقدان الضيق، فإن ضيق على المصلين فلا سبيل إلى غير التحريم وقد ذكر ذلك في الباب الرابع في موجب الدية مع تفصيل آخر يخالف المذكور هنا، فإنه تكلم أولًا على الحفر في الشارع فذكر ما حاصله أن الحفر فيه يمتنع عند الضرر مطلقًا، فإن لم يضر جاز لمصلحة عامة سواء أذن الإمام أم لم يأذن، ويجوز لفرض نفسه بإذن الإمام،

الجزء: 3 - الصفحة: 203

ثم ذكر بعده أن الحفر في المسجد مثله فقال: فرع: الحفر في المسجد كالحفر في الشارع.
هذه عبارته.
فعلم أن فيه أيضًا هذا التفصيل.
المسألة الثالثة: في قطع هذه الشجرة، وما جزم به من جواز ذلك.
قد نقل القاضي حسين في كتاب الاعتكاف عن الأصحاب عكسه فقال نقلًا عنهم: إنه لا يجوز ذلك لأنها صارت ملكًا للمسجد.
المسألة الرابعة: حفر البئر والكلام فيها كالكلام في الغرس.
المسألة الخامسة: عمل الصنائع، وليس الأمر كما أطلقه فيها من الكراهة، بل محله إذا كثر، فإن لم يكثر فلا يكره اللهم إلا إذا قعد لذلك، كذا صرح به في كتاب الاعتكاف، بخلاف البيع والشراء، فإنه قد صحح كراهته مطلقًا، ونقله عن نصه في "البويطي" على خلاف ما جزم به الرافعي من كراهة الكثير دون القليل.
نعم نص في القديم "والأم" على عدم كراهتهما مطلقًا.
كذا رأيته في كلام جماعة منهم المحاملي في كتاب "القولين والوجهين" أيضًا، فإطلاقه كراهة الصنعة ينبغي أن يحمل على تفصيل ذكره الشيخ عز الدين بن عبد السلام في "الفتاوى الموصلية" فقال: لا يجوز أن يعمل فيه صنعة خسيسة تزري به فقال: وأما الكتابة وغيرها مما لا يزري فإنه إنما يجوز بشرط أن لا يبتذل ابتذال الحوانيت على أن الرافعي قد ذكر في إحياء الموات ما يشعر بتحريم الجلوس لكل ما سبق فإنه قال: الجلوس في المسجد للبيع والشراء والحرفة ممنوع منه إذ حرمة المسجد تأبى اتخاذه حانوتًا.
هذا كلامه.
وعجب من ابن الرفعة في هذه المسألة حيث لم يطلع على كلام الرافعي في شيء من هذه المواضع ولا على نص الشافعي فإنه قال في كتاب البيع

الجزء: 3 - الصفحة: 204

من "المطلب": البيع في المسجد منهي عنه لحديث في الترمذي، ولم أر لأصحابنا تعرضًا لهذا الفرع وأصول الشافعي تقتضيه لذكره هو وأصحابه إنشاد الضالة فيه، وهي جلب فائت وذلك بالتحصيل أليق.
هذا كلامه.
المسألة السادسة: الوضوء في المسجد، وحكمه عليه بالجواز عند عدم التأذي يخالف ما نقله في الاعتكاف، فإنه نقل هو والرافعي عن "التهذيب" أنه لا يجوز نضح المسجد بالماء المستعمل لأن النفس قد تعافه، وأقراه على ذلك.
ورأيت الجزم به أيضًا في "الكافي" للخوارزمي.
والحق ما ذكره في هذا الباب فقد ذكر مثله في "شرح مسلم" في حديث الأعرابي الذي بال في المسجد، وكذلك في "شرح المهذب" في باب الاعتكاف وفي أثناء الفصل المعقود لأحكام المساجد أيضًا وهو في باب الغسل فقال: صرح صاحب "الشامل" و"التتمة" في باب الاعتكاف بجواز الوضوء في المسجد.
ونقل ابن المنذر إباحته عن كل من يحفظ عنه العلم.
وأما الذي قاله البغوي فضعيف.
انتهى.
وليس للمسألة ذكر في "الشرح الصغير".

الجزء: 3 - الصفحة: 205

الباب السادس في

السجدات

وهي ثلاث:

سجدة السهو

: قوله: ومقتضيه شيئان: ترك مأمور، وارتكاب منهي.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على حصر المقتضي في الشيئين، وقد أهملا سببًا ثالثًا، وهو إيقاع بعض الفرض مع التردد في وجوبه، وذلك فيما إذا شك هل صلى ثلاثًا أو أربعًا؟ فإنه يقوم إلى الرابعة ويسجد لأجل التردد في وجوبها عليه، كما سيأتي إيضاحه في موضعه إن شاء الله تعالى.

قوله: أما المأمورات، فإن كانت أبعاضًا وهي التي عددناها في أول باب صفة الصلاة يسجد لتركها سهوًا، وكذا عمدًا في الأصح.
انتهى.
يستثنى من المتروك عمدًا مسألة ذكرها القفال في "فتاويه" فقال: وإن لم يقنت الإمام وهوى للسجود فوقف المأموم بنية القنوت فقنت بطلت صلاته، لأنه مخالف للإمام إلا أن يخرج نفسه من الجماعة كما في التشهد الأول فإذا تابع الإمام ولم يقنت، فإن سجد إمامه للسهو سجد معه، وإن لم يسجد إمامه سجد هو، فإن كان الإمام حنفيًا لا يرى السجود يترك القنوت لم يسجد المأموم لأن ذلك بسهو من الإمام.
هذا كلامه.
وما ذكره أولًا من بطلان صلاة المأموم بتخلفه للقنوت، قد جزم الرافعي بخلافه فقال: لا يضر إذا لحقه في السجود، وكان الفرق بين القنوت والتشهد على ما قاله الرافعي أنه لم يحدث فى التخلف للقنوت وقوفًا بخلاف التشهد فإنه يحدث له قعودًا، غير أنه ينتقض بما إذا جلس

الجزء: 3 - الصفحة: 206

للاستراحة إلا أن ينازع منازع ويقول: لا يستحب الجلوس لمن ترك التشهد؛ والمتجه خلافه.

قوله: وهى -أى الأبعاض- هى التشهد الأول وبقعود له والصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيه، والصلاة على الآل حيث استجبناها في التشهدين، والقنوت إلى آخره، ثم قال: أما التشهد الأول فللحديث، وأما الصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلأنه لو تركها في التشهد الأخير عامدًا بطلت صلاته فيسجد لها في الأول كالتشهد.
انتهى.
فيه أمران مهمان نبه عليهما الطبري شارح "التنبيه": أحدهما: أن ترك حكمة من القنوت كترك جميعه على خلاف ما يوهمه كلام الرافعي، والنووى قال: وحكى عن "فتاوى الإمام" احتمال فيما إذا أتى بأكثره أنه لا يسجد.
الثاني: أن المراد بالتشهد هو المقدار الواجب في الأخير، وما كان سنة فيه، فإنه لا يسجد لتركه.
وتعليل الرافعي يسير إلى ما ذكره فتأمله.
وقياس ما سبق في القنوت من تعلق السجود بكلمة منه أن يأتى [هذا] 287 في التشهد الواجب مثله أيضًا، وقد تقدم في أوائل صفة الصلاة أمور مهمة في الكلام على الأبعاض فراجعه.

قوله: وحكى ابن يونس القزوينى عن البافي أن الداركى ذكر وجهًا فيمن نسي التسبيح في الركوع والسجود أنه يسجد.
انتهى.
البافي بالباء الموحدة وبالفاء كما سبق إيضاحه في باب الباء.

قوله: وأما النهى عنه فما لا تبطل الصلاة بعمده كالالتفات والخطوة والخطوتين لم يسجد لسهوه، وما يبطل بعمده كالركوع يسجد لسهوه.
. . .

الجزء: 3 - الصفحة: 207

إلى آخره.
فيه أمران: أحدهما: أن هذه القاعدة التى ذكرها يستثنى منها مسائل: إحداها: القنوت في غير محله كما لو قنت قبل الركوع، فإن عمده لا يبطل الصلاة مع أن سهوه يقتضى السجود على الأصح المنصوص كما ذكره النووي من "زياداته" في باب صفة الصلاة.
وصورة المسألة أن يقرأه بنية القنوت، فإن لم ينوه به فلا سجود، قاله الخوارزمى في "الكافي".
الثانية: إذا طول ركنًا قصيرًا ساهيًا، وقلنا: لو تعمده لم يضر، فإنه يسجد على الصحيح كما ذكره الرافعي والنووي في هذا الباب.
الثالثة: إذا نقل ركنًا ذكريًا فإنه يسجد أيضًا على الصحيح كما ذكره الرافعي في "الشرحين" "والمحرر" وتابعه النووى عليه.
الرابعة: إذا قرأ في غير موضع القراءة، وإن لم يكن المقروء ركنًا كسورة الإخلاص فإنه يسجد كما ذكره في "شرح المهذب" وقياس التسبيح في القيام أن يكون كذلك أيضًا، وهو مقتضى ما في "شرائط الأحكام" لابن عبدان، نعم لو قرأ السورة قبل الفاتحة لم يسجد كما قال ابن الصباغ، لأن القيام محل لها من العجلة، هكذا لو كرر التشهد ناسيًا أو شك فيه فأعاده، كما قاله القاضى الحسين.
الخامسة: إذا فَرَّقَهم في الخوف أربع فِرَق وصلى بكل فِرْقة ركعة، أو فَرَّقَهم فرقتين فصلى بفرقة ركعة وبالفرقة الأخرى ثلاثة فإنه يجوز على المشهور، لكنه يكره، وليسجد للسهو للمخالفة بالانتظار في غير موضعه، كذا ذكره في "الروضة" هناك ناقلًا له عن النص.

الجزء: 3 - الصفحة: 208

السادسة: إذا ترك التشهد [الأول] 288 ناسيًا وتذكره بعد ما صار إلي القيام أقرب، فله أن يعود إليه، ثم إذا عاد سجد علي ما صححه الرافعي في "الشرح الصغير" و"المحرر" وتبعه النووى في "المنهاج" مع أنه لو تعمده لم تبطل صلاته لأنه يجوز له ترك التشهد الأول، وأن ينتصب فإنَّ فِعْل الموجب للسجود في هذه الصورة إنما هو القيام والقعود، وعلى هذا فلا استثناء لأنه لو قام عمدًا حتى صار إلى القيام أقرب ثم عاد بطلت صلاته، كما هو مجزوم به فى "الشرح" و"الروضة" وغيرهما.
فالجواب: أن الموجب هنا هو القيام وحده، لأن العود مأمور به، وقد فعله فلم يرتكب بعوده منهيًا، ولا ترك مأمورًا، وهما سبب السجود، فلم يبق إلا القيام وهو منهى عنه.
وفائدة هذا البحث أيضًا: أن الإمام لو فعل ذلك ثم قطع المأموم القدوة قبل القعود، فإنه يسجد -أعنى المأموم- لوجود السبب.
واعلم أن ما ذكره في "المنهاج" من كونه يسجد في هذه المسألة، قد خالفه في باقى كتبه فقال في "التحقيق": الأظهر أنه لا يسجد، وقال في "تصحيح التنبيه": أنه الأصح، وقال في "شرح المهذب": صححه الجمهور.
وكلام "الكبير" و"الروضة" كالمتعارض.
وإذا علمت ما تقدم علمت أن الفتوى على عدم السجود لذهاب الأكثرين إليه كما تقدم التصريح بنقله عن "شرح المهذب".
السابعة: استثناها ابن الصباغ في "الشامل" وابن أبي الصيف في "النكت" وهو القاصر إذا زاد ركعتين سهوًا، فإنه يسجد مع أنه يجوز له زيادتهما.

الجزء: 3 - الصفحة: 209

وقال مجلى: وفيه نظر، لأن تعمد الزيادة لا بنية الإتمام مبطل، ولو عَيَّن في النفل عددًا، وزاد عليه فهو كالقصر فيما ذكرناه، هذه المسائل تستثنى من القسم الأول، وهو عدم السجود لما لا يبطل.
وأما الثاني: فيستثنى منه ما إذا تنفل علي الدابة فحولها عن صوب مقصده ناسيًا، وعاد على الفور، فإنه لا يسجد على ما هو مقتضى كلام "الروضة" في استقبال القبلة.
وصرح بتصحيحه هناك في "التحقيق" و"شرح المهذب"، وإن كان عمده يبطل، وقد تقدمت المسألة هناك مبسوطة.
الأمر الثالث: إذا فعل المنهي عنه جاهلًا فإنه يبطل إما لتقليده لمن يراه أو خطأ منه فهل يسجد لذلك أم لا؟ لم يتعرض له المصنف هنا، وقد بسطت القول فيه في الكلام على سجود المأموم لسهو الإمام فراجعه.

قوله: إحداها: الاعتدال من الركوع ركن قصير، أُمر المصلى فيه بالتخفيف، ولهذا لم يسن تكرير الذكر المشروع فيه بخلاف التسبيح في الركوع، والسجود، وكأنه ليس مقصودًا لنفسه، وإن كان فرضًا فإنما الغرض منه الفصل بين الركوع والسجود، ولو كان مقصودًا لنفسه لشرع فيه [ذكر] 289 واجب، لأن القيام هيئة معتادة فلابد من ذكر يصرفها عن العادة إلى العبادة، كالقيام قبل الركوع، والجلوس في آخر الصلاة، لما كان كل واحد منهما هيئة تشترك فيها العبادة والعادة، وجب فيهما شئ من الذكر، وبهذا الفقه.
أجاب أصحابنا أحمد بن حنبل حيث قال بوجوب التسبيح في الركوع والسجود كالقراءة في القيام، والتشهد في القعود فقالوا: الركوع والسجود لا يشترك فيهما العبادة والعادة، بل هما محض عبادة، فلا حاجة إلى ذكر

الجزء: 3 - الصفحة: 210

مميز بخلاف القيام والقعود.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن كون الركن القصير مقصودًا أم لا؟ وقد ذكره الرافعي في ثلاثة مواضع من كتابه واختلف كلامه فيها، وكذلك كلام النووى أيضًا، وقد تقدم ذلك مبسوطًا في باب صفة الصلاة.
الثاني: أن كلامه صريح في تحريم حنى الظَّهر لغيره، والحديث الصحيح يدل عليه أيضًا، وهو: "إن أحدنا يجد أخاه في طريقه انحنى ظهره له، قال: لا" 290، وقد ذهل النووى فقلد المتولى في كراهته كما سنعرفه في السير.

قوله: ولو طول الاعتدال عمدًا فثلاثة أوجه: أحدها: لا تبطل لما روى عن حذيفة قال: "صليت مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليلة فقرأ البقرة وآل عمران والنساء في ركعة، ثم ركع، فكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم رفع رأسه وقام قريبًا من ركوعه ثم سجد" 291. والثانى: أنها تبطل إلا حيث ورد الشرع بالتطويل بالقنوت أو في صلاة التسبيح، لأن تطويله تغيير لموضوعه، وهذا ما أورده في "التهذيب" وقال الإمام: إنه ظاهر المذهب.
والثالث: إن قنت عمدًا في اعتداله في غير موضعه بطلت، وإن طول بذكر آخر لا بقصد القنوت لم تبطل.
انتهى.
فيه أمور: أحدها: أنه لم يبين هو ولا النووي في "الروضة" حقيقة صلاة

الجزء: 3 - الصفحة: 211

التسبيح، وقد اختلف كلام النووي في بيان حقيقتها فقال في "شرح المهذب": روى ابن عباس -رضى الله عنهما- أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال للعباس: يا عباس، يا عماه، ألا أعطيك، ألا أمنحك ألا أحبوك، ألا أفعل بك عشر خصال إذا أنت فعلت ذلك، غفر الله لك ذنبك كله أوله وآخره، قديمه وحديثه، خطأه وعمده، صغيره وكبيره، سره وعلانيته، أن تصلى أربع ركعات تقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وسورة من القرآن، فإذا فرغت من القراءة في أول ركعة وأنت قائم قلت: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر، خمس عشرة مرة، ثم تركع فتقولها وأنت راكع عشرًا، ثم ترفع رأسك من الركوع فتقولها عشرًا، ثم تسجد فتقولها عشرًا، ثم ترفع رأسك فتقولها عشرًا، ثم ترفع رأسك فتقولها عشرًا، ثم تسجد ثانيًا فتقولها عشرًا، ثم ترفع رأسك فتقولها عشرًا، فذلك خمس وسبعون، في كل ركعة تفعل ذلك في أربع ركعات، إن استطعت أن تصليها في كل يوم فافعل، فإن لم تفعل ففي كل جمعة مرة، فإن لم تفعل ففي كل شهر مرة، فإن لم تفعل ففي كل سنة مرة، فإن لم تفعل ففي عمرك مرة" 292 رواه أبو داود وابن ماجة وابن خزيمة في "صحيحه".
هذا كلامه.
وذكر هذه الكيفية في "الأذكار" إلا أنه لم يذكر العشر المفعولة بعد السجدة الثانية، بل ذكر عوضها عشرًا قبل قراءة الفاتحة.
الأمر الثانى: أن النووي -رحمه الله- قد اختلف أيضًا كلامه في استحبابها، وفي صحة الحديث الوارد فيها فقال في "شرح المهذب" بعد ذكره لهذا الحديث: قال القاضى الحسين وصاحب "التهذيب" و"التتمة"

الجزء: 3 - الصفحة: 212

والرويانى في أواخر كتاب الجنائز من كتابه "البحر" تستحب صلاة التسبيح للحديث الوارد فيه، وفي هذا الاستحباب نظر، لأن حديثها ضعيف، وفيها تغيير لنظم الصلاة المعروف فينبغي أن لا يفعل لغير حديث صحيح، وليس حديثها بثابت.
هذا لفظه في باب صلاة التطوع.
وذكر في "التحقيق" هناك مثله أيضًا، فقال: وحديثها ضعيف.
هذا لفظه، وخالف في "تهذيب الأسماء واللغات" فقال في الكلام على سبح: وأما صلاة التسبيح المعروفة فسميت بذلك لكثرة التسبيح فيها خلاف العادة في غيرها.
وقد جاء فيها حديث حسن في كتاب الترمذى وغيره، وذكرها المحاملي، وصاحب "التتمة" وغيرهما من أصحابنا، وهي سنة حسنة.
هذا لفظه.
وقال ابن الصلاح: إنها سنة، وإن حديثها حسن، وله طرق يعضد بعضها بعضًا، فيعمل به سيما في العبادات.
الأمر الثالث: في ضابط ما يحصل به التطويل، وقد ذكره الخوارزمي في "كافيه" نقلًا عن الأصحاب فقال: هو أن يلحق الاعتدال بالقيام للقراءة ويلحق الجلوس بين السجدتين بالجلوس للتشهد، أى: إذا قلنا: إنه قصير كما ستعرفه بعد هذا.
وكلام الرافعي "والروضة" في الكلام على نقل الركن القولي يدل على ما ذكره الخوارزمي، فإنهما صورا النقل مع عدم التطويل بما إذا قرأ بعض الفاتحة أو التشهد فدل على أن الكامل منهما يحصل به التطويل.
وحديث حذيفة المذكور رواه مسلم في "صحيحه"، وروى البخارى معناه.
الرابع: أن النووي -رحمه الله- قد اختار جواز إطالة الاعتدال بالذكر خاصة فقال في "الروضة": إنه الراجح، وفي "التحقيق": إنه

الجزء: 3 - الصفحة: 213

المختار، وفي "شرح المهذب": إنه الأقوى، ووافق في "المنهاج" رأى الجمهور، وهو الذي اختاره، وهو التفصيل بين الذكر وغيره، لم يختر غيره على الإطلاق ثم إن مسلمًا روى عن أنس ما يقتضى أيضًا جواز إطالة الجلوس بين السجدتين بالذكر، وكان ينبغي طرد اختياره [فيه] 293، والظاهر أنه لم يستحضره.

قوله: واحتج إمام الحرمين للوجه الأظهر -أى: القائل ببطلان الصلاة بتطويل الاعتدال- بأنه لو جاز تطويله لبطل معنى الموالاة، فإن سائر الأركان قابلة للتطويل، وإذا طوله أيضًا لم تبق الموالاة، ولابد من الموالاة في الصلاة.
ولمن ذهب إلى الوجه الأول أن يقول: إن كان معنى الموالاة أن لا يتخلل فصل طويل بين أركان الصلاة بما ليس منها، فلا يلزم من تطويله وتطويل سائر الأركان فوات الموالاة [وإلا فلا أسلم اشتراط الموالاة] 294 بمعنى آخر.
انتهى.
وهذا الكلام قد حذفه من "الروضة"، وفيه دلالة على أن الرافعي لم يتحرر له تفسير الموالاة، وهو من الأمور المهمة، وقد تقدم بسطه في أوائل صفة الصلاة، فراجعه.

قوله: الرابعة: الجلوس بين السجدتين وفيه وجهان: أحدهما: أنه طويل، حكاه الإمام عن الجمهور.
وأصحهما: أنه قصير، وعلى هذا ففي البطلان بتطويله عمدًا الخلاف في الاعتدال.
انتهى.
تابعه النووي في "الروضة" على تصحيح كونه قصيرًا إلا أنه أطلق نقل الطويل عن الجمهور، ولم يعزه إلى الإمام كما عزاه الرافعي، وهو

الجزء: 3 - الصفحة: 214

عجيب، فإن التصريح بالأصح في مقابلة الجمهور، غير مستعمل غالبًا، وهذا لا يرد على الرافعي بأن تصحيحه منازعة للإمام في النقل عن الجمهور.
وصحح في "المنهاج" أيضًا أنه قصير، وكذلك في كتاب صلاة الجماعة من "شرح المهذب" "والتحقيق"، وصحح في هذا الباب من "التحقيق" أيضًا أنه ركن طويل، ونقله هنا في "شرح المهذب" عن الأكثرين، ولم يخالفهم.

قوله: الخامسة: سبق أن نقل الركن القولى كالفاتحة والتشهد وبعضهما إلى الركوع أو غيره لا يضر في أصح الوجهين، فإن قلنا بالإبطال فيه، وفي تطويل الركن القصير فسهى بذلك سجد ولا كلام.
وإن قلنا بعدم البطلان فهل يسجد عند السهو؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، كسائر ما لا يبطل عمده الصلاة.
وأصحهما: نعم، لأن المصلي مأمور بالتحفظ وإحصان الذهن أمرًا مؤكدًا عليه كتأكيد التشهد الأول، فإذا غفل وتركه سجد كالتشهد الأول أو القنوت.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور: أحدها: أن تعبيره في النقل يدخل فيه التكبير والسلام، مع أن نقل السلام مبطل جزمًا، وفي التكبير نظر، والظاهر ما اقتضاه كلامه لأنه كالتشهد في وقوعه تارة فرضًا، وتارة سنة، وقد أجروا فيه الخلاف.
الثاني: أن الخلاف في السجود لنقل الركن يجري فيما إذا كان المنقول، غير ركن بالكلية، كما إذا نقل سورة الإخلاص مثلًا، كذا جزم به في "شرح المهذب".
والقياس أن يكون نقل التسبيح إلى غير موضعه مثله أيضًا.
الثالث: أن هذا التعليل الذي ذكره في آخر كلامه وهو قول "التحفظ"

الجزء: 3 - الصفحة: 215

يقتضى أنه لا فرق في السجود بين أن يفعل ذلك عمدًا أو سهوًا، وهو متجه وقد صرح به في "شرح المهذب"، لكن في مسألة النقل، وأشعر كلامه في التطويل بخلافه، والصواب التسوية كما سبق.

قوله: قاعدة الفصل: إن الترتيب في أركان الصلاة واجب الرعاية.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن مقتضى كلامه أنه يجب الترتيب بين التشهد والصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأنهما ركنان كما سبق ذكره في صفة الصلاة، وقد جزم البغوى في "فتاويه" بذلك -أعنى: بوجوب الترتيب بينهما- فيقدم أولًا التشهد ثم الصلاة، وجزم به أيضًا النووي في "شرح المهذب" لكن ذكر الرافعي في "شرح مسند الإمام الشافعي" كلامًا طويلًا حاصله الجزم بأنه كبعض التشهد وحينئذ فيكون الأصح عنده عدم وجوب الترتيب.
الأمر الثانى: أن الرافعي -رحمه الله- قد جعل الترتيب من الأركان، وأما النووي فاختلف فيه كلامه فجزم في أوائل باب صفة الصلاة من ["الروضة"] 295 وفي آخره من "المنهاج" بأنه من الأركان.
وجزم في "شرح الوسيط" المسمى "بالتنقيح" بأنه من الشرائط.

قوله: فبقوم إذا تذكر في قيام الثانية أنه ترك سجدة من الأولى، وكان قد جلس عقب السجدة المفعولة بقصد الاستراحة لظنه أنه أتى بالسجدتين جميعًا فوجهان: أحدهما: لا يحسب ذلك الجلوس لأنه قصد به السنة فلا ينوب عن الفرض، كما لو سجد للتلاوة، لا يقوم مقام سجود الفرض.
والثانى: -ورجحه الأكثرون- أنه يكفيه كما لو جلس في التشهد

الجزء: 3 - الصفحة: 216

الأخير، وهو يظنه الأول: انتهى ملخصًا.
ومقتضاه الجزم في التشهد الأخير بأنه يكفي، ولا يخرج علي الخلاف، وإلا لم يصح القياس، ثم إنه خلاف ما ذكره هنا بعد ذلك بسبعة أوراق، قُبَيل كلام أوله قال: السادس: قد ذكر أنه إذا تشهد التشهد الأخير ثم قال ناسيًا، ثم تذكر لم يجب إعادته على الصحيح.
ثم قال ما نصه: فهذا كله إذا كان قد تشهد علي قصد التشهد الأخير، فأما إذا تشهد على ظن أنه التشهد الأول عاد الوجهان في تأدى الفرض بنية النفل، هذا كلامه بحروفه، ووقع الموضعان في "الروضة" وغيرها من كتب النووي كذلك، وما ذكره الرافعي أيضًا في سجود التلاوة هو المعروف.
وفي "المهذب" وغيره وجه أنه يكفي أيضًا عن سجود الفرض.
واعلم أن هذه القاعدة التى ذكرها الرافعي وهى الخلاف في تأدي الفرض بنية النفل قد تكرر استعمالها في هذا الباب، وفي غيره، وليس الأمر فيها على ما يقتضيه ظاهر إطلاق اللفظ، بل لها ضابط خاص، وقد لخصه النووي في "شرح الوسيط" فقال: صورته أن يكون قد سبقت نية تشمل الغرض والنفل جميعًا، ثم يأتي شئ من تلك العبادة ينوي به النفل، ويصادف بقاء الغرض عليه، فهل تجزئه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، لأن نية النفل موجودة حقيقة وتلك ضمنًا واستصحابًا.
وأصحهما: تجزئة، لأن بقاء [نية] 296 الفرض الشاملة لها حكم الموجود حقيقة، ولهذا صحت العبادة مع غفلته استصحابًا.
قال: والباء باء المصاحبة، أى هل يتأدى الفرض بنيته السابقة الشاملة المستصحبة مع ما صحبها من نية النفل، والله أعلم.

الجزء: 3 - الصفحة: 217

هذا كلامه -رحمه الله- وسبقه إليه ابن الصلاح في "مشكل الوسيط".

قوله: ولو ترك ثلاث سجدات، ولم يعرف موضعهن لزمه ركعتان، فإن أسوأ الأحوال أن يكون قد ترك سجدة من الأولى وسجدة من [الثانية] 297، وسجدة من الرابعة، فتجبر الأولى بسجدة من الثانية وتبطل [الثانية] 298 وتجبر الثالثة بسجدة من الرابعة وتبطل الرابعة.
انتهى ملخصًا.
تابعه عليه في "الروضة"، والصواب أنه يلزمه ركعتان وسجدة، فإن أسوأ الأحوال أن يكون المتروك هو السجدة الأولى من الركعة الأولى والسجدة الثانية من الركعة الثانية وواحدة من الرابعة، ويتصور ترك الأولى وغيرها.
وأما السجود فيها على كور عمامته أو لنزول عصابته على جبهته أو غير ذلك من الطرق التى ذكروها، وإنما قلنا: إنه الأسوأ، لأنه لما قدرنا أنه ترك السجدة الأولى من الركعة لم يحسب الجلوس الذي بعدها لأنه ليس قبله سجدة، ولكن بعده سجدة محسوبة، فيبقى عليه من الركعة الأولى الجلوس بين السجدتين والسجدة الثانية.
ولما قدرنا أنه ترك السجدة الثانية من الركعة الثانية لم يمكن أن يكمل بسجدتها الأولى الركعة الأولى لفقدان الجلوس بين السجدتين قبلها.
نعم بعدها جلوس محسوب فيحصل له من الركعتين ركعة إلا سجدة فيكملها بسجدة من الثالثة، وحينئذ فتفسر الثالثة لأن القيام إليها كان قبل كمال التى قبلها، ثم ترك واحدة من الرابعة فيبقى عليه ركعتان، وسجدة فيسجد ثم يأتي بركعتين، وهذا العمل كله واضح، وهو أمر عقلي لا شك

الجزء: 3 - الصفحة: 218

فيه.
فإن قيل: إذا قدرنا أن المتروك هو السجدة الأولى، وأنه يلزم بطلان الجلوس الذي بعدها كما قلتم، فحينئذ لا يكون المتروك ثلاث سجدات فقط.
قلنا: هذا خيال باطل، فإن المعدود تركه إنما هو المتروك حسًا، وأما المأتي به في الحس ولكن بطل شرعًا لبطلان ما قبله ولزومه من سلوك أسوأ التقادير، فلا يحسب في ترجمة المسألة، إذ لو قلنا بهذا لكان يلزم في كل صورة، وحينئذ فيستحيل قولنا: ترك ثلاث سجدات فقط أو أربع، لأنا إذا جعلنا المتروك من الركعة الأولى هو السجدة الثانية كما قاله الأصحاب، فيكون قيام الركعة الثانية وركوعها وغير ذلك مما أتاه فيها باطلًا إلا السجود وهكذا في الركعة الثالثة مع الرابعة.
وحينئذ فلا يكون المتروك هو السجود فقط، بل أنواعًا أخرى من الأركان، وهو واضح لا شك فيه، وإنما ذكرت هذا الخيال الباطل لأنه قد يختلج في صدر بعض الطلبة، وإلا فمن حقه أن لا يدون، وهذا الاعتراض الذي ذكرته يأتي أيضًا في ما إذا كان المتروك أربع سجدات فإن الرافعي قد ذكر قبل ذلك أنه يلزمه ركعتان وسجدة، وكذا ذكره غيره أيضًا.
وجعلوا أسوأ الأحوال أن يكون المتروك سجدتين من ركعة واحدة، وسجدتين من ركعتين غير متواليتين.
مثاله: أن يترك من الأولى سجدتين، ومن الثانية سجدة، ومن الرابعة أخرى.
والصواب: أنه يلزمه ركعتان وسجدتان بالعمل المتقدم.

قوله: ولو قعد الإمام للتشهد الأول، وقام المأموم ناسيًا عاد في أصح الوجهين، لأن متابعة الإمام فرض.

الجزء: 3 - الصفحة: 219

والثاني: يحرم العود، لأنه حصل في فرض ليس فيما فعله إلا التقدم على الإمام بركن، وهو غير مبطل، وإن كان عمدًا فلا حاجة إلى الرجوع إلى سنة، ثم قال: والخلاف عند الإمام والغزالي في الجواز، ولا يجب جزمًا، لكن الشيخ أبو حامد، ومن تبعه جعل الخلاف في الوجوب، وكذلك البغوي.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور: أحدها: أن الرافعي في "المحرر" قد جزم بطريقة الإمام والغزالي فقال: وللمأموم أن يعود إلى متابعة الإمام على الأصح.
هذا لفظه، فانظر كيف قال: "وللمأموم" ولم يقل: وعلى المأموم.
وصحح النووي في "أصل الروضة" وفي كتبه كلها طريقة الوجوب، وكلام "الشرح الصغير" يقتضي أن الأكثرين قائلون بها.
الثاني: أن كلام الرافعي في تعليل العود يقتضي أن ترك القعود للتشهد مع الإمام مخالفة فاحشة مع أنه قد صرح هنا أيضًا بأن تخلفه عنه لاشتغاله بالتشهد تخلف فاحش مبطل ولا شك أن التقديم أفحش.
الثالث: أنه يدل أيضًا على أن القول بوجوب العدد لا فرق فيه بين القائم عمدًا أو سهوًا وسيأتى ما فيه.

قوله في "الروضة": ولو نهض المنفرد ناسيًا وتذكر قبل الانتصاب عاد، وهل يسجد للسهو؟ قولان: أظهرهما: لا، وقال كثير من الأصحاب: إن صار إلى القيام أقرب منه إلى القعود ثم عاد سجد، وإن كان إلى القعود أقرب، أو كانت نسبته إليهما على السواء لم يسجد، وهذه الطريقة أظهر، وهى كالتوسط بين القولين وحملها على الحالين.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور:

الجزء: 3 - الصفحة: 220

أحدها: أن كلامه أولًا يقتضي تصحيح طريقة القولين، وآخرًا يقتضي التفصيل، وهو ظاهر التناقض، وكلام الرافعي سالم منه، فإنه نقل الطريقة الأولى عن العراقيين خاصة، ثم ذكر الثانية ورجحها.
الثاني: أنه جعل ما إذا كانت نسبته إليها على السواء من جملة مقالة الكثيرين، وليس كذلك فإن الرافعي نقله عن الإمام خاصة.
الثالث: أن الرافعي -رحمه الله- قد جزم في "المحرر" بطريقة التفصيل، وقال في "الشرح الصغير": إنها الأظهر، فوافق ما في "الكبير".
وأما النووي فذكر في "المنهاج" كما في "المحرر"، ثم خالف في أكثر كتبه فصحح في "التحقيق" أنه لا يسجد مطلقًا، وقال في "شرح المهذب" .. إنه الأصح عند الجمهور، وأطلق في "تصحيح التنبيه" تصحيحه أيضًا.
وإذا تأملت ذلك كله علمت أن الفتوى عليه لموافقة الأكثرين.

قوله: ولو قام المأموم عمدًا فقطع الإمام فإن العود حرام مبطل كما في نظيره من الركوع والسجود، ثم قال: ولنزاعه مجال ظاهر، لأن أصحابنا العراقيين أطبقوا على أنه لو ركع قبل الإمام عمدًا فينبغي أن يرجع ليركع مع الإمام، فاستحبوا الرجوع.
انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدها: أن ما ذكره من إطباق العراقيين على الاستحباب تابعه عليه في "الروضة"، وهو غريب، فقد قطع بالوجوب شيخهم الشيخ أبو حامد شيخ العراقيين، ونقله عن نصه في القديم، وكذلك الشيخ أبو إسحاق في "المهذب"، وهو أشهر العراقيين.
الثاني: أن حاصل ما ذكره عدم وجوب العود بالكلية وقد صرح

الجزء: 3 - الصفحة: 221

بتصحيحه في "شرح المهذب" هنا فقال: إلا أنه يستحب، ونص عليه في "الأم".
الثالث: أن الرافعي والنووي قد صححا في باب صلاة الجماعة أن المأموم لا يجب عليه العود إذا سبق إمامه بركن سواء كان عمدًا أو سهوًا.
قالوا: ويستحب العود عند العمد، وحينئذ فيستحب عند السهو بطريق الأولى لما نقف عليه في موضعه.
والذي قالاه هنا مشكل على ما صححوه هنا من الوجوب عند السهو بالقيام عن التشهد كما سبق قبل هذا بدون الورقة، إلا أن يجيب مجيب بأن ترك القعود مع الإمام مخالفة فاحشة.
ويمنع ما أشعر به كلام الرافعي فيصح الفرق.

قوله في "الروضة": ولو ترك الركوع [ثم تذكره] 299 في السجود، فهل يجب الرجوع إلى القيام ليركع أم يكفيه أن يقوم راكعًا؟ وجهان لابن شريح.
قلت: أصحهما الأول، والله أعلم.
انتهى كلامه.
واعلم أن الصحيح في هذه المسألة من حيث الجملة هو عدم الوجوب، وذلك لأن الرافعي فرع هذين الوجهين على قولنا: إنه يجب إعادة التشهد إذا قام إلى خامسة ساهيًا، وتذكر بعدما تشهد.
ووجوب الإعادة، والحالة هذه وجه ضعيف فيكون الصحيح أيضًا في مسألتنا عدم الوجوب، فإنه قال: الخامس: إذا قام إلى الخامسة ناسيًا بعد التشهد ثم تذكر جلس وسلم، وهل يحتاج إلى إعادة التشهد فيه وجهان: أصحهما -وبه قال المعظم: لا، لأنه أتى به في موضعه، فلم يعده كالسجود.

الجزء: 3 - الصفحة: 222

والثاني -وبه قال ابن شريح، ونسب إلى النص: إنه يجب؛ وذكر ابن شريح له معنيين.
أحدهما: رعاية الموالاة بين التشهد والسلام.
والثاني: أنه لو لم يعد التشهد لبقى السلام فردًا غير متصل بركن قبله، ولا بعده.
وفرع ابن شريح عليهما ما إذا ترك الركوع ثم تذكر في السجود.
إن قلنا بالمعنى الأول فيجب أن يعود إلى القيام ويركع منه؛ وإن قلنا بالثانى كفاه أن يقوم راكعًا، فإنه لا يبقى فردًا لاتصاله بالسجود، وما بعده.
انتهى كلام الرافعي.
ثم إنه ضعف كلًا من المعنيين، فلما اختصره النووى حذف المفرع عليه، وجعلها مسألة مستقلة وصحح فيها الوجوب، وهو اختصار عجيب يقتضى عكس ما دل عليه كلام الرافعي من عدم الوجوب.
نعم إذا فرعنا على الوجه الضعيف يكون الحكم ما قاله النووى.
وقد اغتر في "شرح المهذب" بما ذكره في "الروضة" وصحح الوجوب أيضًا، وظن أن ذلك حكم مستأنف متأصل، فعلله بأن شرط الركوع أن لا يقصد بالهوى إليه غيره، وهذا قصد للسجود.

قوله: وإن وقع الشك في عدد الركعات أو في ترك ركن من الأركان بعد السلام فينظر إن لم يظن الفصل فقولان: أظهرهما -وبه قطع بعضهم-: أنه لا عبرة به وإن طال فطريقان: أحدهما: طرد القولين.
وأصحهما: القطع بأنه لا عبرة به.
انتهى ملخصًا.
ذكر مثله في "الشرح الصغير"، وفيه أمور: أحدها: أن النووى في "الروضة" قد جمع بين القسمين،

الجزء: 3 - الصفحة: 223

واختصرهما اختصارًا فاسدًا، فإنه أداه ذلك إلى انعكاس كلام الرافعي عليه في المسألة الأولى، فصحح طريقة القطع لا طريقة القولين، فإنه قال ما نصه: وإن وقع هذا الشك بعد السلام فالمذهب أنه لا شئ عليه ولا أثر لهذا الشك، وقيل: فيه ثلاثة أقوال.
. . . إلى آخره.
وذكر مثله في "شرح المهذب" و"التحقيق"، وسبب وقوعه في هذا أن الرافعي بعد تفصيله لهذا الكلام قال: وإذا لم نفصل بين طول الزمان وقصره قلت: في الشك الطارئ بعد الفراغ طريقان: أحدهما: أنه لا يعتبر بحال.
والثانية: ثلاثة أقوال.
. . . إلى آخره.
فذكر النووي هذا الكلام، وضم إلى الطريقة الأولى تصحيح عدم الإبطال مع أنه لايمكن إطلاقه، ولا إطلاق قسمه لما علمت من أنها -أى: الطريقة القاطعة- هي الصحيحة في الثانية دون الأولى.
الأمر الثاني: أن النووي -رحمه الله- قد جزم في "المنهاج" بطريق الخلاف غير أنه جعله ضعيفًا، فإنه عبر بالمشهور، وذلك مناقض لما صححه في "الروضة" وغيرها من طريقة القطع.
الثالث: أنهم إنما قيدوا الشك المذكور بما ذكروه من الأركان، وعدد الركعات للاحتراز عن الشك في الشروط، فإنه يؤثر إذا وقع بعد السلام على الصحيح كما ذكره النووي في "شرح المهذب" في باب المسح على الخفين فقال: لو صلى ثم شك بعد ذلك هل كان متطهرًا أم لا؟ فوجهان: المذهب: أنه يضر، قال: والفرق بينه وبين الأركان من وجهين: أحدهما: أن الأركان يكثر الشك فيها غالبًا لكثرتها بخلاف الطهارة.
الثاني: أنه إذا شك في الشروط فقد شك في انعقاد الصلاة، والأصل عدمه.
وهذا الذي قاله النووي في الطهارة، نقل القاضي حسين أنه القول

الجزء: 3 - الصفحة: 224

الجديد، وهو يقتضى أن الشروط كلها كذلك، وأن المشكوك فيه لو كان هو النية وجبت الإعادة، وقد صرح به البغوي في "فتاويه"، ويؤيده ما ذكره أيضًا في باب صلاة الجماعة من "شرح المهذب" و"التحقيق" أنه لو شك كل واحد من الإمام والمأموم بعد الفراغ أنه نوى الإمامة والائتمام أوشك أحدهما، ونوى الآخر الاقتداء بطلت صلاتهما، قال: بخلاف ما لو شك في أنه هل كان نوى الاقتداء أم لا؟ فإنه [لا شئ عليه وذكر أيضًا -أعني: النووي- في "الروضة" و"شرح المهذب" وغيرهما أنه] 300 لو شك بعد الفراغ من وضوئه [في غسل بعض أعضائه] 301 فإنه [لا] 302 يضر [على الصحيح بخلاف ما إذا كان في أثناء الوضوء فإنه يضر] 303 فينبغي حمل ما قاله في "شرح المهذب" على ما إذا شك في أصل الفعل، لكن الفرق الثاني من الفرقين المتقدمين يقتضي أيضًا أنه [لا] 304 يضر، لأنه شك في هذه الحالة في انعقاد الصلاة.

قوله: والأظهر ويحكى عن نصه في "الأم" أن الطول يعتبر [بالعرف] 305، وقيل: قدر الصلاة التي كان فيها، وحكى عن "البويطي" أنه ما يزيد على قدر ركعة، وبه قال أبو إسحاق المروزي.
. . . إلى آخره.
فيه أمران: أحدهما: أنه قد ذكر في أثناء الباب قبله في الكلام على الشرط الخامس أن مقدار الركعة عند من يعتبرها طويل على خلاف ما ذكره هنا، وقد تقدم ذكر لفظه.

الجزء: 3 - الصفحة: 225

الأمر الثاني: أن الشافعى في "البويطي" قد نص على أن المعتبر في هذه الركعهّ إنما هو مقدار قراءة الفاتحة فقط، قال -رحمه الله-: قواعد أربع: الأولى: إذا شك في صلاته هل صلى ثلاثا أو أربعًا؟ أخذ بالأقل، وسجد للسهو، ولا يجوز العمل بقول الغير.
وقيل: يجوز الرجوع إلى قول جمع كثيرين كانوا يرقبون صلاته، ثم قال: والمشهور الأول، لأنه تردد في فعل نفسه، فلا يرجع إلى قول غيره كالحاكم إذا نسى حكمه لا يأخذ بقول الشهود.
انتهى كلامه.
وما استدل به على هذا الوجه من القياس المذكور فغير صحيح، لأن الخلاف ثابت في المسألتين، وقد حكاه هو هناك في موضعه.

قوله: واختلفوا في سبب السجود فيما إذا شك هل صلى ثلاثًا أم أربعًا؟ فقيل: المعتمد فيه الخبر ولا يظهر معناه، وقيل: سببه التردد في الركعة التي يأتي بها هل هى رابعة أم زائدة؟ [ونقضه الإمام بما إذا شك في قضاء الثانية التى كانت عليه، فإنا نأمره بقضائها] 306 ولا يسجد للسهو، وإن كان مترددًا في أنها عليه من أول الصلاة إلى آخرها، ويتفرع على الخلاف، ما إذا زال تردده قبل السلام، وعرف أنه لم يزد شيئًا وأنها الركعة الأخيرة.
فإن قلنا بالأول فلا يسجد لأنَّ المُتَّبع الحديث، والحديث ورد في دوام الشك.
وإن قلنا بالثانى سجد لأن الركعة قد تأدت على التردد وضعف النية، وزوال التردد بعد ذلك لا يرفع ما وقع وضبط أصحاب الوجه الثاني صور

الجزء: 3 - الصفحة: 226

عروض الشك وزواله فقالوا: إن كان ما فعله من وقت عروض الشك إلي زواله ما لابد من على كل احتمال فلا يسجد وإن كان زائدًا على بعض الاحتمالات سجد.
مثاله: شك في قيامه من صلاة الظهر أنها ثالثة أم رابعة، فركع وسجد على هذا الشك، وهو على عزم القيام إلى ركعة أخرى فتذكر قبل القيام إليها أنها ثالثة أو رابعة، فلا يسجد لأن ما فعله في زمان الشك لابد منه على التقديرين جميعًا.
وإن لم يتذكر أنها ثالثة أو رابعة حتى قام إليها سجد لأن احتمال الزيادة وكونها خامسة كان ثابتًا حين قام.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور: أحدها: أن الأصح هو الثاني، وهو التردد، كذا صححه الرافعي في "التهذيب" و"الشرح الصغير" وصححه أيضًا النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة" وغيرهما، وكلام "المحرر" يوافق ذلك أيضًا، فإنه جزم فيه بالضابط المفرع على الوجه الثاني، وتبعه عليه في "المنهاج".
الأمر الثاني: أن مسألة القضاء التي نقض الإمام بها كلام الشيخ أبي عليّ مسألة مهمة، وقد أسقطها من "الروضة".
الثالث: أنهما قد أهملا قسمًا ثالثًا وهو ما إذا وقع التذكر بعد نهوضه، وقبل انتصابه.
والقياس أنه إن صار إلى القيام أقرب سجد وإلا فلا.
وقد يقال: يسجد مطلقًا بناء على أن الانتقالات واجبة، وقد سبق إيضاحه في أوائل شروط الصلاة.

قوله: والمنفرد إذا سها في صلاته ثم دخل في جماعة -وجوزنا ذلك على ما سيأتي- فلا يتحمل الإمام سهو ذلك.
انتهى كلامه.

الجزء: 3 - الصفحة: 227

جزم أيضًا بعدم التحمل في صلاة الجمعة، وقال في صلاة الخوف: ولو فرق الإمام الناس فرقتين وصلى بالفرقة الثانية، ثم فارقته وسهت بعد المفارقة، فالصحيح أن الإمام يتحمله.
ثم قال: والوجهان جاريان فيما إذا صلى منفردًا فسهى في حال انفراده، ثم اقتدى بعد ذلك، وضعفه الإمام.
انتهى كلامه.
ومقتضاه أنها كتلك عند غير الإمام، لكن النووي في "شرح المهذب" لما ذكر هذه المقالة قال: والأظهر ما قاله الإمام من القطع بالسجود.
ووقعت هذه المواضع المذكورة أيضًا في "الروضة" كما هى في "الشرح".

قوله: ولو تيقن -أى: المأموم- في التشهد أنه ترك الركوع أو الفاتحة من ركعة ناسيًا، فإذا سلم الإمام لزمه أن يأتي بركعة أخرى، ولا يسجد للسهو، لأنه سهى في حال الاقتداء.
انتهى كلامه.
ذكره مثله أيضًا في "الروضة"، وقد أهملا الكلام على قسم هذه المسألة وهو ما إذا لم يتيقن الترك، بل شك وأتى بعد سلام الإمام بالركعة فهل يسجد أم [لا؟ ] 307 وقد ذكرها القاضي الحسين في "تعليقه" فقال: كنت أقول: إنه يسجد، لأن ما يأتى به بعد سلام الإمام زيادة في أحد محتمليه فإن من الجائز أنه لم يتركها، فيخاطب بسجود السهو، ثم رجعت وقلت: لا سجود عليه، لأن هذه الركعة التي يفعلها بعد سلام الإمام صادرة عن تشكيك صدر في حالة الاقتداء فلم يسجد اعتبارًا بتلك الحالة.
انتهى كلامه.
لكن نقل في "الروضة" عن "فتاوى الغزالي" أن المسبوق إذا شك في إدراك ركوع الإمام، وقام بعد سلام إمامه إلى تدارك تلك الركعة، فإنه

الجزء: 3 - الصفحة: 228

يسجد كما لو شك هل صلى ثلاثًا أو أربعًا، ثم قال: والذي قاله الغزالي ظاهر، ولا يقال: يتحمله عنه الإمام لأنه شاك في العدد بعد سلام إمامه ومسألتنا نظير هذه.

قوله: ولو ظن المسبوق سلام الإمام فقام ثم سلم الإمام، وهو قائم، وعلم بالحال، فهل يجوز له أن يمضي في صلاته أم يجب عليه أن يعود إلى القعود ثم يقوم؟ حكى صاحب "التهذيب" وغيره فيه وجهين.
انتهى.
والأصح هو الثاني، كذا صححه النووي في "التحقيق" "وشرح المهذب"، "وزيادات الروضة"، وتعليل الوجهين يظهر مما سيأتى.

قوله: ولو كانت المسألة بحالها، وعلم في القيام أن الإمام لم يسلم بعد، فقال إمام الحرمين: إن رجع فهو الوجه، وإن أراد أن يتمادى وينوي الانفراد قبل سلام الإمام ففيه الخلاف في قطع القدوة.
فإن منعنا تعين الرجوع، فإن جوزناه فوجهان: أحدهما: يجب الرجوع، لأن نهوضه غير معتد به فيرجع ثم يقطع القدوة إن شاء.
والثانى: لا يجب، لأن النهوض ليس مقصودًا بعينه، وإنما المقصود القيام فما بعده، فلو لم يُرد قطع القدوة بمقتضى كلام الإمام وجوب الرجوع.
وقال الغزالى: إن شاء رجع، وإن شاء انتظر سلام الإمام.
. . . إلى آخره.
والصحيح وجوب الرجوع في الحالتين، كذا صححه في "التحقيق" و"شرح المهذب" و"زيادات الروضة".

قوله: وإذا سهى الإمام في صلاته لحق سهو المأموم ثم قال: ويستثنى عنه صورتان: إحداهما: أن يتبين له كون الإمام جنبًا فلا يسجد لسهوه، ولا يتحمل

الجزء: 3 - الصفحة: 229

هو عن المأموم أيضًا.
والثانية: أن يعرف سبب سهو الإمام ويتيقن أنه مخطئ في ظنه، كما إذا سجد لترك شئ يظن أنه من الأبعاض، ولا يوافق الإمام إذا سجد.
انتهى.
تابعه [عليها] 308 في "الروضة"، والصورة الأولى فيها إشكال، لأن الصلاة خلاف المُحْدِث والجنب صلاة جماعة لا فرادى على المشهور الذي نص عليه الشافعي.
وأما الصورة الثانية فالكلام عليها متوقف على مقدمة، وهى أن المصلى إذا أتى بالفعل المنهي عنه جاهلًا فإنه لا تبطل، إما لتقليده لمن يراه أو للخطأ المحض فإنه يسجد، كذا جزم به الرافعي في الكلام على ترك التشهد الأول، وتبعه عليه في "الروضة"، وذكر مثله في آخر الباب فقال: إنه إذا ظن [سهوًا] 309 فسجد ثم تبين عدمه سجد في أصح الوجهين.
وإذا علمت ما ذكرناه فقياسه في مسألتنا أن يتوجه السجود على المأموم لأنه قد ثبت أن الزيادة علي وجه الخطأ مقتضية للسجود، وما يفعله الإمام من مقتضيات السجود يخاطب به المأموم أيضًا، فلزم ما ذكرناه.
نعم هل له موافقة الإمام في هذا السجود لأنه بمجرد وضع جبهة الإمام توجه عليهما ذلك أو ينوي مفارقته، ثم يأتي به لأن الإمام مخطئ في الإتيان بهذا؟ فيه نظر، وهذا يأتي بعينه في ما إذا تذكر الإمام، وهو في السجود [خطأه فيشرع في الاعتداد بما يأتي به عن السجود] 310 المأمور به من غير رجوع إلى القعود، وإن شاء هوى للسجود.
والقياس المنع؛ وآخر كلام الرافعي كالصريح فيه وهو دليل على أنه في هذه المسألة قد اختلط عليه المراد بغير المراد، فإن أوله يخالف تصوير آخره،

الجزء: 3 - الصفحة: 230

وحينئذ فالحق أنه لا يوافقه، بل يسجد مع نفسه.

قوله: وحتى سجد الإمام في آخر صلاته سجدتين وجب على المأموم متابعته حملًا على أنه سهى بخلاف ما لو قال إلى ركعة خامسة، فإنه لا يتابعه حملًا على أنه ترك ركنًا من ركعة، لأنه لو تحقق الحال هناك لم يجز متابعته لأن المأموم أتم صلاته يقينًا.
انتهى.
وكما لا يتابعه في الخامسة لا ينتظره أيضًا، بل يسلم، كذا ذكره في "شرح المهذب" في باب الصلاة على الجنازة.

قوله من "زياداته": ولو كان المأموم مسبوقًا بركعة أو شاكًا في ترك ركن كالفاتحة فقام الإمام إلى الخامسة، لم يجز للمأموم متابعته فيها.
انتهى.
اعلم أن هذه المسألة قد ذكرها الرافعي في آخر صلاة المسافر.

قوله أيضًا من "زياداته": ولو سهى المأموم ثم سبق الإمام حدث لم يسجد المأموم لأن الإمام حمله.
انتهى.
هذه المسألة التي ذكرها الرافعي في كتاب الجمعة في أثناء الكلام على الاستخلاف.

قوله: وكتب الأصحاب ساكتة عن الذكر فيهما -أى: في سجدتى السهو- وذلك يشعر بأن المحبوب فيهما هو المحبوب في سجدات صلب الصلاة كسائر ما سكتوا عنه من واجبات السجود ومحبوباته.
انتهى كلامه.
وما ذكره من سكوت الأصحاب عليه قد تابعه عليه في "الروضة"، وهو غريب، فقد صرح المتولي [في "التتمة"] 311 بالمسألة فقال: ويسبح فيهما كما ذكرنا في سجدات الصلاة.
هذه عبارته.
وقد علمت أن أكثر نقل الرافعي منها، ومن "النهاية"، و"التهذيب".

الجزء: 3 - الصفحة: 231

قوله: وفي محله ثلاثة أقوال: أصحها: أنه قبل السلام لما روى عن عبد الله بن بحينة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى بهم الظهر فقام في الركعتين الأوليين، ولم يجلس فقام الناس معه حتى إذا قضى الصلاة، وانتظر الناس تسليمه كبر، وهو جالس فسجد سجدتين قبل أن يسلم ثم سلم 312. ولحديث أبى سعيد الخدري 313 وعبد الرحمن 314 المذكورين في الشك في عدد الركعات، ثم قال: والثاني إن سهى بزيادة سجد بعد السلام.
والثالث: يتخير إن شاء قَبْل، وإن شاء بَعْد.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن هذا الذي جزم به من حكاية الخلاف قد تابعه عليه في "الروضة"، ولكنه خالفه في "التحقيق" فحكى طريقة قاطعة بالأول، وزاد على ذلك فصححها، وهذه الطريقة قد أشار إليها في "المهذب" ولم يصرح بها في شرحه.
الثاني: أن ما ذكره من دلالة حديث عبد الرحمن على السجود قبل السلام صحيح، وأما دعواه ذلك أيضًا فيما ذكره من حديث أبي سعيد فذهول فإنه قد ذكره في أولى القواعد الأربع فقال: لنا ما روى أبو سعيد الخدري - رضى الله عنه - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أصلى ثلاثًا أم أربعًا فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ويسجد سجدتين فإن كانت صلاته تامة كانت الركعة [والسجدتان نافلة، وإن

الجزء: 3 - الصفحة: 232

كانت صلاته ناقصة كانت الركعة] 315 والسجدتان ترغيمًا للشيطان".
هذا نص ما ذكره قبل ذلك، وليس فيه تعيين محل السجود.
ولا شك أن الحديث المذكور فيه روايتان ذكرهما البيهقى في "السنن": إحداهما: فيها تعيين محل السجود قبل السلام وهى التى في "صحيح مسلم".
والثانية: بلا تعيين كما ذكره الرافعي، فتوهم الرافعي أن الذي قدمه هو الرواية الأولى، وليس.
كذلك واعلم أن بحينة بباء موحدة مضمومة ثم حاء مهملة مفتوحة ثم ياء مثناة من تحت ساكنة، ثم نون مفتوحة ثم هاء، وبحينة أم عبد الله المذكور، وأبوه اسمه: مالك، وقيل: إن بحينة أم أبيه، حكاه ابن عبد البر.
واسم بحينة: عبدة أم الحارث [بن عبد المطلب بن عبد مناف] 316.

قوله: ثم هذا الاختلاف في الإجزاء على المشهور بين الأصحاب، وحكى القاضي ابن كج وإمام الحرمين طريقة أخرى أنه في الأفضل، ففي قول: الأفضل التقديم، وفي قول: الأفضل التأخير، وفي قول: هما سواء.
انتهى كلامه.
وهو يوهم أن الإمام حكى قولًا أن التأخير أفضل مطلقًا، وليس كذلك، ومراد الرافعي أنه أفضل في المحل المتقدم ذكره، وهو ما إذا سهى بالزيادة، وقد صرح به الإمام هكذا في هذا الموضع إلا أن الرافعي اختصر لدلالة ما سبق.
نعم صرح بهذا القول النووي في "التحقيق" إلا أَنَّا لا نعلم حكايته

الجزء: 3 - الصفحة: 233

لغيره، ولا له أيضًا في غير هذا الكتاب.
واعلم أن ما ذكره الرافعي من كون المشهور هو جعل الخلاف في الإجزاء سبقه الإمام إليه فقلده فيه؛ لكن ذكر الماوردي أنه لا خلاف بين الفقهاء أن سجود السهو جائز قبل السلام وبعده، وإنما اختلفوا في المسنون والأولى.
فمذهب الشافعى، وما نص عليه في القديم والجديد أن الأولى فعله قبل السلام في الزيادة والنقصان.
هذه عبارته.
وتوسط في "التتمة" فقال: الذين قالوا بأنه قبله لم يصححوه بعده بخلاف العكس.

قوله: التفريع إن قلنا: يسجد قبل السلام فسلم قبل السجود عامدًا فات السجود في أصح الوجهين، ثم قال: ولا خلاف في أنه، وإن سجد لا يكون عائدًا إلى الصلاة بخلاف ما لو سلم ناسيًا وسجد، ففيه خلاف سيأتى.
انتهى كلامه.
وما ادعاه من عدم الخلاف ذكره الإمام فقلده فيه الرافعي، ثم النووي في "الروضة" و"شرح المهذب"، وليس كذلك فإن فيه وجهين صرح بهما الفوراني في "الإبانة" والعمراني في "الزوائد".

قوله: وإن سلم ناسيًا نظر إن طال الزمان لم يسجد في الجديد لفوات محله، وتعذر البناء بطول الفصل، والقديم أنه يسجد لأنه جبران عبادة فيجوز أن يتراخى عنها كجبرانات الحج.
فإن لم يطل الزمان جاز السجود على المنصوص الذي قطع به الجمهور، ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى الظهر خمسًا وسلم، فقيل له في ذلك فسجد للسهو.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران: أحدهما: أن الأصحاب قد اختلفوا في مَنْ سَلّم عامدًا أو ساهيًا هل

الجزء: 3 - الصفحة: 234

يفوت السجود في حقه أو لا؟ وفيه الخلاف المذكور، فإن قلنا: يفوت، قال الإمام: ففي قضائه القولان في سجود التلاوة حينئذ فيتلخص في التارك أقوال أو أوجه: أحدها: يأتي به أداء.
والثاني: قضاء.
والثالث: لا يأتي [به بالكلية] 317. والرابع: التفرقة بين طول الزمان وقصره، وقد عبر هنا، وفي "الروضة" في النسيان بالسجود وعدمه كما تقدم، وحينئذ فيؤخذ منه أنه لا يأتي به بالكلية على هذا القول بخلاف تعبير "المنهاج" وغيره.
الأمر الثاني: أن قياس الإتيان بالسجود على جبران الحج يقتضي أنه لا يشترط المبادرة إلى السجود عقب التذكر.
والحديث المذكور رواه الشيخان من حديث ابن مسعود.

قوله: وحيث سجد فهل يكون عائدًا إلى الصلاة؟ فيه وجهان: أرجحهما -عند البغوي-: أنه لا يعود.
والثاني: نعم، وبه قال أبو زيد، وذكر القفال أنه الصحيح، وتابعهما إمام الحرمين والمصنف فقطع في "الفتاوى" بذلك، وهكذا ذكر الروياني وغيره.
وينبني على الوجهين مسائل: منها: لو تكلم عامدًا أو أحدث في السجود، فإن صلاته تبطل إن قلنا بالعود، وإلا فلا.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران: أحدهما: أن ما عزاه إلى "فتاوى الغزالي" من القطع قد غيره في

الجزء: 3 - الصفحة: 235

"الروضة" تغييرًا فاحشًا فعبر بالصحيح فقال: وبه قال أبو زيد، وصححه القفال، وإمام الحرمين والغزالي في "الفتاوى" والروياني وغيرهم.
هذه عبارته.
وذكر مثلها في "شرح المهذب" ناقلًا له من "الروضة" على عادته.
الأمر الثاني: أن تعبيرهم بالسجود يؤخذ منه أنه لا يعود إلى الصلاة بالهوي جزمًا، وأن السجدة الأولى كافية في العود، وأن وضع الجبهة من غير طمأنينة كافٍ فيه أيضًا.
وفي الأول نظر، والمتجه القطع بأن الهوي كاف، ويحمل ما ذكروه على الغالب، بل إن الإمام والغزالي وجماعة لم يعتبروا بالسجود وعدمه، بل قالوا: إن عَنَّ له أن لا يسجد تبيّنا أنه وقع موقعه، وما ذكره هؤلاء متجه أيضًا.

قوله: ومنها لو كان السهو في صلاة جمعة، وخرج الوقت، وهو في السجود فاتت الجمعة على القول بالعود ولا تفوت على الآخر.
انتهى.
وما أطلقه هو وغيره من السجود في هذه المسألة محمول على ظن بقاء الوقت، أما العالم به فيحرم عليه السجود بلا شك، لأنه يفوت الجمعة مع إمكانها، ويحتمل أن يقال: لا يعود به إلى الصلاة لأنه ليس مأمورًا به.
والحالة هذه للمعنى الذي ذكرناه، وقد صرح البغوي في "فتاويه" بالمسألة فقال: إذا صلى الجمعة أو قصر المسافر فخرج الوقت بعد أن سلموا ناسيين لما عليهم من السهو فلا سجود.
انتهى.
واعلم أن إخراج بعض الصلاة عن وقتها ممتنع، وإن جعلناها أداء على ما صححه الرافعي والنووي.
وحينئذ فيمتنع السجود في الجمعة وغيرها، وفي المقصورة والتامة.

قوله: ومنها إن قلنا بالفور فلا يكبر للافتتاح، ولا يتشهد، وإن قلنا: لا

الجزء: 3 - الصفحة: 236

يعود، فيكبر، ولا يأتي بالتشهد في الأصح، قاله في "التهذيب".
والصحيح: أنه يسلم سواء قلنا: يتشهد أو لا يتشهد.
انتهى.
والذي صححه البغوي قد صححه النووي في "التحقيق"، وأما في "الروضة" و"شرح المهذب" فعزاه إليه كما عزاه الرافعي.
واعلم أنا إذا قلنا بالعود فلابد من السلام أيضًا، وهو يؤخذ من كلام الرافعي قبل هذا الموضع.

قوله: أما إذا قلنا: إن السجود بعد السلام، فقال في "النهاية": حكمه في التحريم والتشهد والتحلل كحكم سجود التلاوة.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" أيضًا، ولم يزد عليه، وما ذكره الإمام قد خالفه فيه جماعات كثيرة منهم الشيخ أبو حامد فقطع في "تعليقه" بأنه يتشهد ويسلم ونقله عن نصه في القديم، وادعى الاتفاق عليه، ونقله عنه في "شرح المهذب"، وقال الماوردي: إنه مذهب الشافعي وجماعة الفقهاء، وذكر المحاملي نحوه أيضًا.

قوله من "زياداته": والسهو في النفل كالفرض على المذهب، وقيل: لا يسجد في القديم انتهى، هذه المسألة ذكرها الرافعي في باب استقبال القبلة في مسائل الانحراف عن القبلة، وتابعه النووي عليها.

قوله أيضًا من "زياداته": ولو سلم من صلاة وأحرم بأخرى ثم تيقن أنه ترك ركنًا من الأولى لم تنعقد الثانية، وأما الأولى فإن قصر الفصل بنى عليها، وإن طال وجب استئنافها.
انتهى كلامه.
وما ذكره يقتضي عدم انعقاد الثانية عند طول الفصل، ولا معنى له، فإنه عند التحريم بها ليس في صلاة غايته أنه اعتقد صحة الأولى، واعتقاد ذلك كيف يكون مانعًا من انعقاد أخرى، ولكن صورة المسألة وهو مراده أيضًا أن يُحْرِم بالثانية عقب سلامه بحيث لم يطل الفصل، ولهذا علله في "شرح المهذب" بقوله: لأنه حين أحرم بها لم يكن خرج من الأولى، ومراده

الجزء: 3 - الصفحة: 237

بطول الفصل وقصره بالنسبة إلى ما بين السلام، وتيقن الترك فاعلمه.

قوله: ولو جلس للتشهد في الرباعية، وشك هل هو التشهد الأول أم الثاني فتشهد شاكًا ثم قام فبان الحال سجد للسهو سواء بأن أنه الأول أو الآخر، لأنه وإن بان الأول فقد قام شاكًا في زيادة هذا القيام، وإن بان الحال، وهو بعد التشهد فلا سجود.
انتهى.
واعلم أنه إذا بان الحال وهو في التشهد، فإن بان أنه الأول فالأمر كما قاله، وإن بان أنه الثاني فالقياس أنه لم يقرأ شيئًا من ألفاظ التشهد في حال الشك، فكذلك أيضًا، وإن قرأ شيئًا من ألفاظه سجد لإيقاعه إياه مع التردد في وجوبه.

قوله من "زياداته": ولو أراد القنوت في غير الصبح لنازلة وقلنا به فنسيه لم يسجد للسهو على الأصح، ذكره في "البحر".
انتهى.
وقد نقله عنه أيضًا في "شرح المهذب"، والصحيح ما قاله، فقد صححه في "التحقيق" من غير إعزاء إلى أحد.
ولقائل أن يقول: ما الفرق بين هذا، وبين قنوت رمضان فإنه يسجد لتركه كما ذكره في "الروضة"؟ ولعل الفرق تأكد أمره بدليل الاتفاق على مشروعيته بخلاف قنوت النازلة.

قال -رحمه الله-: السجدة الثانية:

سجدة التلاوة

. قوله: وسجدات التلاوة في الجديد أربعة عشر سجدة، وأسقط سجدات المُفَصَّل في القديم وهي ثلاثة لما روي عن ابن عباس: إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة 318.

الجزء: 3 - الصفحة: 238

واحتج في الجديد بما روى عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سجدنا مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في "إذا السماء انشقت" و"اقرأ باسم ربك" 319 وكان إسلام أبي هريرة.
انتهى كلامه.
وما ذكره في تاريخ إسلام أبي هريرة من تعبيره بسنتين على التثنية ذكره الغزالي في "الوسيط" فقلده هو فيه -أعني الرافعي- وليس كذلك، بل الصواب في إسلامه أنه في عام خيبر، وهو [سنة] 320 سبع كما هو معروف في كتب الطبقات والسير، كسيرة ابن هشام وغيره، وقد ذكره الرافعي على الصواب في "الأمالي الشارحة لمفردات الفاتحة" من غير حكاية خلاف فيه.
وكذلك في "الروضة" من زوائده في كتاب السير [فقالا: أسلم] 321 عام خيبر سنة سبع، ويحتمل أن يكون أراد سنين جمع سنة وتحرف على النساخ لكن المذكور في النسخ هو ما ذكرته من تثنيته سنة، وقد نبه ابن الصلاح في "مشكل الوسيط" على هذا الاعتراض والتأويل.
واعلم أن دليل القديم رواه البيهقي وضعفه هو وغيره.
ودليل الجديد رواه مسلم، وروى البخاري عنه ذلك في "إذا السماء انشقت" 322 خاصة.

قوله في "الروضة": ولو سجد إمامه في "ص" لأنه ممن يراها فلا يتابعه بل يفارقه أو ينتظره قائمًا، وإذا انتظره قائمًا فهل يسجد للسهو؟ فيه وجهان: قلت: الأصح لا يسجد لأن المأموم لا سجود لسهوه، ووجه السجود أنه

الجزء: 3 - الصفحة: 239

يعتقد أن إمامه زاد في صلاته جاهلًا، وحكى صاحب "البحر" وجهًا أنه يتابع الإمام في سجود ص، والله أعلم.
فيه أمور: أحدها: أن هذا التصحيح الذي ذكره النووي مشكل لا يمشي على القواعد للمعنى الذي ذكره في تعليل السجود.
الثاني: أن التعليل الذي ذكره في هذا الحكم، وهو أن المأموم لا سجود لسهوه عجيب جدًا، لأن المأموم لم يحصل له سهو، ولم يزد شيئًا، وليس فعل المأموم هو منشأ هذا الخلاف حتى يقول ما قاله بل السبب إنما هو فعل الإمام.
وقد علل في "التتمة" عدم السجود بأن الإمام لا يعتقد وجود خلل في صلاته، فاعتبار اعتقاده أولى لأنه هو المتبوع.
هذه عبارته.
وذكره في "البحر" مختصرًا فقال: لأن الاعتبار بالإمام المتبوع.
الأمر الثالث: أن ما اقتضاه كلامه من تخصيص الخلاف بحالة الانتظار لا وجه له، وكأنه لم يقع على سبيل التقييد، حتى لو نوى المفارقة جرى الخلاف أيضًا للتعليل الذي ذكره.
واعلم أنه يجوز قراءة "ص" بالإسكان وبالفتح وبالكسر بالتنوين، وبه مع التنوين، وإذا كتبت في المصحف كتبت حرفًا واحدًا.
وأما في غيره فمنهم من يكتبها كذلك، ومنهم من يزيد عليها ألفًا ودالًا، فتصير هكذا "صاد".

قوله: ثم مواضع السجود من الآيات بينة لا خلاف فيها إلا في "حم السجدة" ففيها وجهان: أصحهما: أنه عند قوله: ﴿وَهُمْ لا يَسأَمُونَ (38)﴾ 323 لأن الكلام يتم

الجزء: 3 - الصفحة: 240

عنده.
والثاني عند قوله: ﴿إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37)﴾ 324. انتهى.
وما ادعاه من عدم الخلاف قد تابعه عليه في "الروضة" وليس كذلك، فقد اختلفوا في سجدتين أخرتين: إحداهما: في سجدة النمل فالمجزوم به في "شرح المهذب" وغيره أنها عند قوله: ﴿ويَفْعَلُونَ مَا يُؤْمرُونَ (50)﴾ 325 وقال الماوردي: عند قوله ﴿وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (49)﴾ 326. والثانية: في سجدة النمل، والمعروف فيها أنها عند قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم (26)﴾ 327. وفي "كفاية" العبدري: إن مذهبنا أنها عند قوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ 328 وما قاله شاذ، كما قاله في "شرح المهذب".

قوله: وكذا ظاهر اللفظ -يعني: لفظ "الوجيز"- يشمل قراءة المحدث والصبي والكافر، ويقتضي شرعية السجود للمستمع إلى قراءتهم.
وقال في "البيان": إنه لا اعتبار بقراءتهم عندنا خلافًا لأبي حنيفة.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن الصحيح هو الأول، كذا صححه النووي في "التحقيق" و"شرح المهذب"، وصححه أيضًا في "الروضة" ولم ينبه

الجزء: 3 - الصفحة: 241

فيها على أنه من "زياداته" بل أدخله في كلام الرافعي فاعلمه.
وإثبات الخلاف قد صرح به في "التحقيق" "وشرح المهذب"، والظاهر إسناده إلى ما حكاه الرافعي مع أنه ليس صريحًا في ذلك فينبغي التوقف فيه، ولم يصرح بالمسألة في "المحرر" ولا في "الشرح الصغير".
الأمر الثاني: أن ما نقله عن صاحب "البيان" صحيح بالنسبة إلى المحدث، وأما بالنسبة إلى الصبي والكافر فإن صاحب "البيان" لم يجزم به، بل نقله عن صاحب "العدة" فقط إلا أنه سكت عليه.
وقال القاضي الحسين في "فتاويه": إن قراءة الجنب والسكران لا تقتضي سجود التلاوة خلافًا لأبي حنيفة.

قوله: ولو قرأ الإمام ولم يسجد فلا يسجد المأموم، فلو فعل بطلت صلاته ويحسن القضاء إذا فرغ، ولا يتأكد.
انتهى.
وما ذكره من مشروعية القضاء قد تابعه عليه في "الروضة" لكن قد ذكر الرافعي في هذا الباب أن القضاء إنما يتحقق عند طول الفصل، فإن لم يطل فلا فوات وحينئذ فلا قضاء.
وإذا تقرر ذلك ظهر لك أن صورة المسألة عند طول الفصل، والذي قاله الرافعي في هذه الصورة هو طريقة صاحب "التهذيب"، فإنه قد ذكر أن القضاء يشرع فيها، وفي غيرها.
وقد نقله الرافعي عنه بعد هذا في صورة أخرى.
ونقل عن جماعة ما يخالفه، وصرح بتصحيحه في "أصل الروضة"، وكذلك الرافعي قبل الموضع المذكور ثانيًا بقليل، فراجع الرافعي "والروضة" في هذا الفصل يظهر لك ما قلته.
فتلخص أن الراجح في هذه المسألة خلاف ما جزم به، وتبعه عليه في "الروضة" فتفطن لذلك.

الجزء: 3 - الصفحة: 242

قوله: ولو كرر الآية الواحدة في المجلس الواحد وسجد للمرة الأولى فوجوه: أظهرها: يسجد مرة أخرى لتجدد السبب.
وثالثها: إن طال الفصل سجد، وإلا فلا.
والركعة كالمجلس، والركعتان كالمجلسين، ولو قرأ مرة في الصلاة ومرة خارجها في المجلس الواحد وسجد للأولى، فلم أر فيه نصًا للأصحاب.
وإطلاقهم يقتضي طرد الخلاف فيه.
انتهى.
وما اقتضاه كلامه من جريان الخلاف في المسألة مع جزمه بأن الركعتين كالمجلسين، قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" وهو عجيب، فإن الحكم على الأخير بالتغاير أولى من الأولى [لقرب الزمان] 329 والاجتماع في الصلاة.
نعم إنْ فرض ذلك في الركعة الأخيرة ففيه نظر.
والظاهر أنها أولى أيضًا بالتغاير.

قوله: وإذا قلنا: إن التشهد ليس بشرط، فهل يستحب؟ ذكر [في] 330 "النهاية" أن للأصحاب خلافًا.
انتهى.
والأصح عدم الاستحباب، كذا صححه النووي في "شرح المهذب" "وزيادات الروضة".

قوله: ويفتقر هذا السجود إلى شروط الصلاة كطهارة الحدث والنجس وستر العورة واستقبال القبلة وغيرها بلا خلاف.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أنه أشار بقوله: "وغيرها" إلى دخول الوقت، وقد صرح به في "شرح المهذب" فقال عقب ذكره الاستقبال ما نصه: ودخول وقت

الجزء: 3 - الصفحة: 243

السجود بأن يكون قد قرأ الآية أو سمعها، فلو سجد قبل الانتهاء إلى آخر آية السجدة، ولو بحرف واحد لم يجز، وهذا كله لا خلاف فيه عندنا.
هذا كلامه.
وهو صريح في أنه لا يصح السجود إلا بعد سماع جميع الآية، ولا عبرة بسماع بعضها فتفطن له، وفي كلام الرافعي بعد هذا ما يشعر به.
الثاني: سكت الرافعي والنووي في كتبهما عن الإمساك عن الكلام والفعل والأكل، وقد اختلف الناس في عد ذلك من الشروط كما سبق التنبيه عليه في موضعه.
فإن قلنا: إنه منها، دخل في العبارة السابقة، وإن قلنا: ليس منها، فمقتضى كلامهما أنه لا يشترط والمتجه الجزم بالاشتراط.

قوله في "الروضة": فالأول أي وهو أن يكون في غير الصلاة، فينوي ويكبر للافتتاح، ويرفع يديه ثم يكبر أخرى للهوي من غير رفع اليد، إلى أن قال: وتكبيرة الافتتاح شرط على الصحيح، وكذا السلام في الأظهر.
لم يتكلم -رحمه الله- على أن النية مستحبة أو واجبة، وعلى تقدير الوجوب هل هي متفق عليها أو مختلف فيها؟ وقد تعرض الرافعي للأمرين جميعًا فنقل عن الوسيط" أنها لا تجب إذا لم نوجب التكبير.
وذكر بعده بدون صفحة ما يوافقه فقال: في أقل سجدة التلاوة أربعة أوجه: أحدها: أن الأقل سجدة واحدة في صلب الصلاة لا غير.
والثاني: سجدة مع التحرم والتحلل والتشهد.
والثالث: مع التحرم والتحلل لا غير.
والرابع: مع التحرم لا غير.

الجزء: 3 - الصفحة: 244

وجعل -أي الغزالي- أولها أصحها، وهو متأيد بما حكى عن الشافعي - رضي الله عنه - أنه قال: وأقله سجدة بلا شروع ولا سلام.
والظاهر عند الأكثرين اعتبار التحرم والتحلل.
هذا كلامه.
فحذف في "الروضة" الكلام على النية فلم يذكره بالكلية، بل تكلم على حكم التكبير، وذكر في "الكفاية" أن النية تجب بالاتفاق قال: بخلاف ما إذا كان الساجد في الصلاة، فإنها لا تجب بالاتفاق، وقد ظهر لك أن ما ذكره أولًا ممنوع، وقد أوضحته في كتابنا المسمى "بالهداية".

قوله نقلًا عن "الوجيز": ويستحب قبلها -أى: قبل هذه السجدة- تكبيرة مع رفع اليدين إن كان في غير الصلاة، ودون الرفع إن كان في الصلاة، ثم قال بعد ذلك في الكلام على العلامات ما نصه: وأعلم قوله: ودون الرفع إن كان في الصلاة بالواو، لأنه قال في "الوسيط": ولا يستحب رفع اليدين في الصلاة.
وقال العراقيون: يستحب رفع اليد، لأنه تكبير التحرم، لكن هذا شئ بدع حكمًا وتعليلًا، ولا يكاد يوجد نقل له لغيره، ولا ذكر له في كتبهم.
انتهى كلامه.
واعلم أن هذا النقل عن "الوسيط" قد غلط فيه الرافعي، وسببه إسقاط لفظة واحدة من كلام الغزالي، وهي لفظة "غير" فإنه قال: أما المصلى فيكفيه سجدة، ويستحب في حقه تكبيرة الهوي، ولا يستحب رفع اليدين في غير الصلاة، وقال العراقيون: يستحب رفع اليد لأنه تكبيرة التحرم.
هذا كلامه.
وهو صحيح من جهة المعنى إلا أن طريقة العراقيين هي الطريقةْ المشهورة في المذهب، وقد خالفهم فيها، فأسقط الرافعي من لفظ "الوسيط" لفظة "غير" إما ذهولًا منه أو لغلط في النسخة التي وقف عليها، ثم اعترض عليه بأنه بدع حكمًا وتعليلًا، ولا شك أن الأمر كذلك لو كان الأمر فيه

الجزء: 3 - الصفحة: 245

كما ذكر.
أما الحكم فلأن العراقيين لم يقولوا باستحباب رفع اليدين في الصلاة في هذه التكبيرة.
وأما التعليل فواضح، وهو ابتغاء التحرم.
نعم يقال للرافعي: إذا كان [الذي] 331 قاله في "الوسيط" بدعًا -أي منكرًا- خارجًا عن كلام الأصحاب غير معقول فكيف يصح لأجله إعلام لفظ "الوجيز"؟ ! .

قوله من "زوائده": ولو أراد أن يقر أآية أو آيتين فيهما سجدة لغرض السجود فقط، فلم أر فيه كلامًا لأصحابنا، وفي كراهته خلاف للسلف أوضحته في كتاب: "آداب القراء"، ومقتضى مذهبنا أنه إن كان في غير الوقت المنهي عن الصلاة فيه، وفي غير الصلاة لم يكره.
وإن كان في الصلاة أو في وقت كراهتها ففيه الوجهان فيمن دخل المسجد في هذه الأوقات لا لغرض سوى صلاة التحية، والأصح أنه يكره له الصلاة.
انتهى كلامه.
وهذه المسألة التى لم يقف على كلام فيها لأصحابنا قد ذكرها القاضي الحسين والشيخ عز الدين بن عبد السلام.
فأما القاضي فمقتضى كلامه جواز ذلك وعدم استحبابه، فإنه قال: لا يستحب له جمع آيات السجود وقراءتها دفعة واحدة من أجل السجود، وأما الشيخ عز الدين فإنه منعه، وأفتى ببطلان الصلاة.

قوله فيها أيضًا: قال صاحب "البحر": إذا قرأ الإمام السجدة في صلاة سرية استحب تأخير السجود إلى فراغه من الصلاة.
انتهى كلامه.
وهذا الإطلاق محمول على ما إذا قصر الفصل كما سبق إيضاحه.

الجزء: 3 - الصفحة: 246

قوله في "الزيادات" أيضًا: قال -يعنى الروياني-: وقد استحب أصحابنا للخطيب إذا قرأ السجدة أن يترك السجود لما فيه من كلفة النزول عن المنبر والصعود.
انتهى كلامه.
وهذا الذي نقله عن الروياني وأقره عليه قد ذكر في كتاب الجمعة في الكلام على الخطبة ما يخالفه فقال: ولو قرأ سجدة نزل وسجد، فلو كان المنبر عاليًا لو نزل لطال الفصل لم ينزل، لكن يسجد عليه إن أمكن، [وإلا ترك] 332 السجود، وذكر المسألة في "شرح المهذب" في كتاب الجمعة فقط، كما ذكرها في "الروضة" هناك، وزاد فنقلها أيضًا عن الأصحاب كما نقل الأول عنهم، فصار اختلافًا عجيبًا، ولا يصح حمل المذكور هنا على ما إذا لم يمكن السجود على المنبر، وكان هذا النزول يؤدي إلى التطويل لأن الموالاة في الخطبة واجبة على الصحيح، وهو قد حكم في هذه الحالة باستحباب عدم السجود كما [قد] 333 تقدم لك من عبارته، ولأجل هذا إنه عدل إلى التعليل بالكلفة في الصعود والنزول.
واعلم أن الشافعي -رحمه الله- له نصان متقابلان حكاهما النووي في كتاب الجمعة من "شرح المهذب"، وهما سبب الاختلاف: أحدهما -ما قاله في "المختصر": ولو قرأ الخطيب سجدة فنزل وسجد فلا بأس.
والثاني -نقله عن القاضي أبي الطيب: أن الشافعي قال في موضع آخر: أستحب أن لا يفعل، لأن السجود نفل، فلا يشتغل به عن الفرض، وعلى هذا التعليل يسأل عن الفرق بينه وبين ما إذا قرأ السجدة في الصلوات

الجزء: 3 - الصفحة: 247

الخمس، فإنه لا خلاف في السجود، وإن كان قد اشتغل به عن الفرض.
ونقل المحاملي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قرأ السجدة على المنبر فنزل وسجد ثم قرأ دفعة ثانية ولم يسجد (1)، قال: فيكون الترك أولى لأنه المتأخر، هكذا رأيته في كتاب الجمعة من كتابه المسمى "بالتجريد" وحينئذ فيمكن أن يكون هذا أيضًا سببًا للاختلاف، ورأيت في "الترغيب" للشاسي الجزم بالاستحباب.

قال -رحمه الله-: السجدة الثالثة:

سجدة الشكر

. قوله: وهو سنة خلافًا لمالك وأبي حنيفة، ولنا ما روى أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رأى نغاشيًا فسجد شكرًا لله تعالي 335. انتهى.
والنغاشي بنون مضمومة، وغين وشين معجمتين وبالياء المشددة في آخره، وروى أيضًا بلا ياء على وزن الفؤاد قيل: هو المبتلى، وقيل: ناقص الخلق، حكاهما الماوردي، وقيل: القصير، قاله ابن فارس.
قال أبو العباس: النغاشيون هم القصار والضعاف الحركة.
والقلطي بالقاف والطاء المهملة فوق النغاشي.
وقال النووي في "الخلاصة": النغاشي هو القصير جدًا، الضعيف الحركة، الناقص الخلقة.334

الجزء: 3 - الصفحة: 248

والحديث رواه البيهقي بإسناد ضعيف مرسل.

قوله: ولا يسن سجود الشكر عند استمرار النعمة وإنما يسن عند مفاجأة نعمة واندفاع بلية من حيث لا يحتسب، وكذلك إذا رأى مبتلى ببلية أو معصية.
انتهى.
تابعه عليه في "الروضة" وفيه أمور: أحدها: أن النووي في "شرح المهذب" قد قيد النعمة والنقمة بكونهما ظاهرتين، ونقل ذلك عن الأصحاب، وهو كذلك في "التنبيه" "والمهذب" ولم يذكر هو ولا غيره ما احترزوا به عنه.
والصواب ما اقتضاه كلام الرافعي من عدم التقييد، فإن عدم ظهور ذلك للناس لا أثر له في ما نحن فيه.
الأمر الثاني: أن التقييد بكونه من حيث لا يحتسب -أي: يدري-، قد ذكره أيضًا في "المحرر" وفيه أيضًا نظر.
وإطلاق الأصحاب يقتضي أنه لا فرق بين أن يتسبب فيه أم لا، ولهذا لم يذكر في "شرح المهذب" هذا القيد، وقد تعرض في "البحر" لأمثلة من ذلك فقال: أما الأول فلحدوث الولد والمال والجاه والنصر على الأعداء.
وأما الثاني: فلنجاته من الغرق ونحوه.
ومَثَّل في "الكفاية" أيضًا الأول: بقدوم الغائب وشفاء المريض.
والثاني: بأن ينجو من مؤذٍ غلب على ظنه وقوعه فيه كالهدم والغرق ونحوهما.

الجزء: 3 - الصفحة: 249

ومَثَّل لهما أيضًا في "شرح المهذب" بحدوث المطر عند القحط وزواله عند خوف التأذي به.
ومقتضى ما نقلناه عن "البحر" عدم الفرق بين أن يكون له ولد ومال أم لا، ومقتضى كلام "الكفاية" أن النعمة على الولد ونحوه كهى عليه.
والظاهر أن حدوث الأخ ونحوه كحدوث الولد.
وقال القاضي الحسين؛ إنما يسجد لنعمة طالما كان يتوقعها أو لانكشاف بلية طالما كان فيها ويترقب انكشافها.
الأمر الثالث: أن ما ذكره في الفاسق قد قيده ابن الرفعة في "الكفاية" بكونه يتظاهر بفسقه، ونقله عن الأصحاب، ويدل عليه ما سيأتي في القضاء، أن الحاكم يصغي إلى شهادة الفاسق المستتر دون المعلن.
واستحباب السجود لرؤية العاصي يؤخذ منه استحبابه لرؤية الكافر بطريق الأولى، وبه صرح في "البحر".
الأمر الرابع: لو حضر المبتلى أو العاصي في [ظلمة] 336 أو عند أعمى أو سمع سامع صوتهما، ولم يحضرا عنده فالمتجه استحباب السجود أيضًا، ويأتي مثل هذا النظر واضحًا في الدعاء عند رؤية الكعبة المشرفة فراجعه.

قوله: ثم إذا سجد لنعمة أصابته أو بلية اندفعت عنه، ولا تعلق لها بالغير أظهر السجود، وإن كان ليلًا في غير نظر إن لم يكن ذلك الغير معذورًا فيه كالفاسق فيظهر السجود بين يديه تعييرًا له فربما ينزجر ويتوب.
وإن كان معذورًا كمن به زمانة ونحوها فيخفي كيلا يتأذى، وكيلا يتخاصما.
انتهى.
فيه أمور: أحدهما: قال ابن يونس في "شرح التعجيز": عندي أنه لا يظهر

الجزء: 3 - الصفحة: 250

السجود لتجدد الثروة بحضرة الفقير لما فيه من الانكسار، والذي قاله حسن.
الثاني: أن تقييده بقوله: "ولا تعلق لها بالغير" صريح في أنه لا يظهر لمن لم يندفع عنه ممن شاركه، وهو ظاهر مؤيد لما سبق عن ابن يونس.
الثالث: أن إظهاره للفاسق مشروط بأن لا يخاف ضرورة، فإن خاف أخفاه، قاله في "شرح المهذب".
الرابع: ذكر القاضي الحسين في "تعليقه" والفوراني في "العمد" وابن يونس شارح "التعجيز" أنه يظهره للمبتلى إذا كان غير معذور كالمقطوع في السرقة ليتوب.
ولقائل أن يقول: إن تاب المقطوع فالسجود على البلية خاصة، فلا يظهره، وإن لم يتب سجد وأظهر.
وقد يقال: صورته إذا جهلنا هل تاب أم لا؟

قوله من "زياداته": قال أصحابنا: لو سجد في الصلاة للشكر بطلت صلاته، فلو قرأ آية سجدة ليسجد بها للشكر ففي جواز السجود وجهان في "الشامل"، "والبيان": أصحهما: يحرم وتبطل صلاته.
وهما كالوجهين في من دخل المسجد في وقت النهي ليصلى التحية انتهى.
وهذا الذي نقله عن هذين قد ذكر نحوه في "شرح المهذب" أيضًا، وهو كلام مظلم حكمًا وتنظيرًا، وغلط عجيب حصل من فهم الكلام على غير وجهه، فإن الذي ذكره صاحب "الشامل" ما نصه: إلا أنه إذا تجددت عليه نعمة وهو في الصلاة فإنه لا يسجد فيها، لأن سبب السجدة ليس منها.

الجزء: 3 - الصفحة: 251

فإن قرأ سورة "ص" فإن سجدتها عندنا سجدة شكر، فهل يسجد في الصلاة؟ وجهان: أحدهما: يسجد، أن سببها وجد في الصلاة.
والثاني: لا يسجد، لأنها سجدة شكر وليست متعلقة بالتلاوة، وإنما يوجد سببها عند التلاوة، فلم يسجدها في الصلاة كسائر سجود الشكر.
هذا لفظه بحروفه.
وحاصل الخلاف الذي فيه هو الخلاف المعروف في أنه هل يسجد في الصلاة لقراءة "ص"، وأن في قوله: "فإنَّ سجدتها عندنا سجدة شكر" هي "إنَّ" الناصبة للاسم الرافعة للخبر، واعترض بهذه الجملة بين الشروط وهو قوله: "فإن قرأ سورة ص"، وبين الجزاء وهو قوله: "فهل يسجد.
. . ." إلى آخره.
واقتضى كلام النووي أنه خلاف غير ذلك الخلاف [ولهذا ذكره] 337 من "زوائده" بعد ذكره له في الأصل، وليس كذلك، وأن ذلك يطرد في آيات السجود جميعها وهو غير معقول، وأن محله في ما إذا قرأ بقصد السجود.
وقد تقدم من كلامه هو أنه لا نقل في مثل ذلك.
نعم إن كان مراده، فلو قرأ آية سجدة للشكر ليسجد بها -أى: وتلك الآية هي ص- خاصة فأخر لفظ الشكر، فإنه محتمل على بُعْدهِ لفظًا ومعنى، ولكنه فاسد من جهة أن ذلك الخلاف ليس خاصًا بما إذا قرأ بقصد السجود.
وسبب هذا الغلط الذي وقع للنووي هو نقله من "البيان" فإنه قال: وإن كان في الصلاة لم يسجد لأن سبب السجدة ليس منها، فإن قرأ فيها

الجزء: 3 - الصفحة: 252

سورة فهل يسجد بها للشكر؟ فيه وجهان حكاهما ابن الصباغ.
أحدهما: يسجد، لأن سببها وجد في الصلاة، وهو التلاوة ثم ذكر الئاني بتعليل صاحب "الشامل" وكأنه -والله أعلم- سقط لفظة "ص" بعد التعبير بقوله: "سورة".

قوله في أصل "الروضة" فرع في جواز سجود الشكر على الراحلة بالإيماء وجهان كالتنفل مضطجعًا مع القدرة على القيام.
. . . إلى آخره.
وما جزم به من حكاية الوجهين قد خالفه في آخر هذا الباب من "شرح المهذب" فقال: جاز على المذهب، وبه قطع الجمهور، وفيه وجه شاذ أنه لا يسجد.
هذه عبارته.

قوله من "زوائده": قال في "التهذيب": لو تصدق صاحب هذه النعمة وصلى شكرًا فحسن انتهى.
لم يبين -رحمه الله- أن صورة المسألة أن يفعل ذلك مع السجود أو بدلًا عنه، ومراده هو الأول وقد صرح به في "شرح المهذب"، ولكن الخوارزمي -تلميذ البغوي- قد فهم من كلام شيخه خلافه، فقال في كتابه "الكافي": لو أقام التصدق أو صلاة ركعتين مقام سجود الشكر كان حسنًا.

قوله: لو خضع الرجل لله تعالى فتقرب إليه بسجدة ابتداء من غير سبب فهل يجوز ذلك؟ فيه وجهان عن صاحب "التقريب" أنه يجوز، وعن الشيخ أبي محمد أنه لا يجوز، كما لا يجوز التقرب بركوع مفرد، ونحوه، وهذا هو الصحيح عند الإمام والمصنف وغيرهما.
انتهى.
وما نقله عن الشيخ أبي محمد والإمام وغيرهما من التحريم قد تابعه عليه في "الروضة" وليس كذلك، فإن الذي اختاره في "النهاية" ونقله عن شيخه إنما هو الكراهة فقال: فرع: ذكر صاحب "التقريب" عن

الجزء: 3 - الصفحة: 253

الأصحاب أن الرجل لو خضع لله تعالى فسجد من غير سبب فله ذلك، ولا بأس؛ وهذا لم أره إلا له.
وكان شيخي يكره ذلك، ويشتد نكيره على من يفعل ذلك، وهو الظاهر عندي.
هذا كلام "النهاية" ذكره قُبَيْل سجود السهو.
والإنكار لا يستلزم التحريم خصوصًا مع التصريح بالكراهة، فقد نصوا على جواز الإنكار في المكروهات للإرشاد والتعليم.
وكان الموقع للرافعي فيما وقع فيه إنما هو إيهام وقع في كلام "الوسيط"، فإنه قال: ولو ترك سجود التلاوة حتى طال الفصل ففي قضائها قولان كما في النوافل ذكرهما صاحب "التقريب" وقال: ما لا يتقرب به أيضًا لا يقضي كصلاة الخسوف والاستسقاء، وهذا إشارة إلى أن التقرب بسجدة من غير سبب جائز.
وكان الشيخ أبو محمد يشدد النكير على فاعل ذلك، وهو الصحيح.
هذه عبارته ولا شك أنه توهم.

الجزء: 3 - الصفحة: 254

الباب السابع في

صلاة التطوع

قوله: والنفل يطلق على ما عدا الفرائض، واختلفوا في التطوع فقيل: إنه كالنافلة، وقيل: إنه خاص ما لم يرد فيه بخصوصه نقل، وهؤلاء قالوا: ما عدا الفرائض ثلاثة أقسام: سنن: وهي التي واظب عليها [رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. ومستحبات: وهي التي فعلها أحيانًا ولم يواظب عليها] 338. وتطوعات: وهي ما لم يرد فيه بخصوصه نقل.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على هذا التقسيم، وهو تقسيم غير شامل لأن ما أمر به ولم يفعله لا يدخل فيه ولا يعلم أيضًا دخوله في أيِّ الأقسام.
وقد صرح به الخوارزمي في "الكافي" وقال: إنه داخل في قسم المستحب.

قوله: واختلفوا في الرواتب أيضًا فمنهم من قال: هي النوافل المؤقتة بوقت مخصوص، ومنهم من قال: هي السنن التابعة للفرائض.
انتهى كلامه.
لم يصحح في "الروضة" أيضًا شيئًا منهما.
والأصح هو الثاني، كذا ذكره الرافعي في باب صفة الصلاة في الكلام على النية فقال: إنه المشهور، ولم يذكره في "الروضة" هناك.
نعم جزم الرافعي بالوجه الثاني في باب صلاة التطوع في باب صلاة العيد في الكلام على التكبير عقب الصلوات.
وفائدة الخلاف في النذر، فإذا قال مثلًا: لله تعالى علىّ أن أصلي

الجزء: 3 - الصفحة: 255

رواتب الغد أو هذا اليوم أو الليلة، ففي لزوم العيد والضحى والوتر هذا الخلاف.

قوله: وذهب الأكثرون إلى أن الرواتب عشر ركعات، وهي ركعتان قبل الصبح، وركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، ومنهم من زاد على العشر ركعتين أخرتين قبل الظهر لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "من ثابر على اثنتى عشر ركعة من السنَّة بنى الله له بيتًا في الجنة" 339، ثم ذكر ما ذكرناه.
انتهى.
وثابر بثاء مثلثة وباء موحدة أى واظب.

قوله: وفي استحباب ركعتين قبل المغرب وجهان، منهم من قال باستحبابهما، وإن لم يكونا من الرواتب المؤكدة لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "صلوا قبل المغرب ركعتين" ثم قال في الثالثة "لمن شاء" 340 كراهة أن يتخذها الناس سنة.
ومنهم من قال: لا تستحبان، لما روى عن ابن عمر أنه سُئِلَ عنهما فقال: ما رأيت أحدًا علي عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصليها 341. انتهى.
فيه أمور: أحدها: أنه لم يصحح شيئًا في "الشرح الصغير" أيضًا، وكلام "المحرر" يقتضي تصحيح عدم الاستحباب، فإنه عبر بقوله: "واستحب بعضهم" ولهذا صرح به النووي في اختصاره له في كتابه "المنهاج" ثم خالفه فيه وفي باقي كتبه فصحح الاستحباب، وهو الصواب لأحاديث

الجزء: 3 - الصفحة: 256

كثيرة صحيحة.
وقال في "الروضة": الصحيح استحبابهما ففي مواضع من "صحيح البخاري" عن ابن مغفل عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: "صلوا قبل صلاة المغرب.
. . ." قال في الثالثة: "لمن شاء" 342 والله أعلم.
والحديث الذي عزاه إلى البخاري هو فيه كذلك أعني من غير تقييد الصلاة بركعتين والتقييد [الواقع في الرافعي رواه أبو داود.
ومغفل بميم مضمومة وغين معجمة] 343 مفتوحة ثم فاء مشددة.
الأمر الثاني: إنما ذكره الرافعي من كونهما ليسا من الرواتب المؤكدة على القول بالاستحباب قد أهمله النووي فلم يذكره في "الروضة" ولا في غيرها.
الأمر الثالث: إذا قلنا باستحبابها فيستحب أن تكونا خفيفتين كذا قاله الرافعي في "المحرر".
وفي باب المواقيت من "الشرح الصغير" ولم يتعرض له في "الكبير" ولا في "الروضة" "وشرح المهذب" "والكفاية" بخلاف الركعتين بعدها فإنه يستحب تطويلهما كا قاله في "الكفاية" مستدلًا بحديث في أبي داود؛ لكن في زوائد "الروضة": أنه يستحب في الأولى من سنة المغرب ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثانية ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ولم يقيده بالمتقدمة ولا بالمتأخرة [والظاهر إرادة المتأخرة] 344 ويدل على استحباب الخفة في الركعتين المتقدمتين ما رواه مسلم كانوا يصلونها عند أذان المغرب وفي ابن حبان: ولم يكن بين الأذان والإقامة شئ 345. الأمر الرابع: قال في "شرح المهذب": إن هذه الاستحباب إنما هو

الجزء: 3 - الصفحة: 257

بعد دخول وقت المغرب، وقبل شروع المؤذن في إقامة الصلاة، فإن شرع فيها كرهت النافلة في المغرب وفي غيرها.
وهذا الكلام مع ما استدللنا به على التحفة يشعر أن يتقدم هذه الصلاة على إجابة المؤذن، والمتجه خلافه.
ويدل عليه ما رواه الشيخان 346: "بين كل أذانين صلاة" والمراد بالأذانين الأذان والإقامة ولهذا الحديث قال المحاملي في "اللباب" والنووي في "شرح المهذب": يستحب قبل العشاء ركعتان.
ونقله الماوردي عن "البويطي".
نعم إن كان بحيث لو اشتغل بالركعتين عقب الأذان فاتت فضيلة التحرم فقد دار الأمر بين فوات أحد ثلاثة أشياء مطلوبة وهي: إجابة المؤذن، وصلاة الركعتين، وإدراك فضيلة التحرم.
وفيما يفعله إذا نظر، والأولى تأخيرهما إلى ما بعد المغرب، لأن السنة المتقدمة لا تفوت بالتأخير.
واعلم أن الحديث المذكور أولًا أخرجه البخاري في "صحيحه" بالمعنى لا باللفظ، والمراد بالسنة المذكورة فيه هو الطريقة اللازمة لا المعنى المصطلح عليه.
وأما الحديث الثاني فرواه أبو داود بإسناد حسن وأجاب البيهقي وغيره عنه بأنه ناف وغيره مثبت خصوصًا أن من أثبت أكثر عددًا ممن نفى.

قوله: والمذكور في "الكتاب" أن غاية الوتر إحدى عشر وهو الذي ذكره الشيخ أبو حامد وابن كج ومن تابعهما، وقال صاحب "التهذيب" وآخرون: الغاية ثلاثة عشر.
انتهى.
وقد اختلف تصحيح الرافعي في هذه المسألة فصحح في "شرح مسند الإمام الشافعي" أن أكثره ثلاثة عشر.

الجزء: 3 - الصفحة: 258

وصحح في "المحرر" أنه إحدى عشر، وقال في "الشرح الصغير": إنه قول طائفة كثيرة، ولم يذكر ترجيحًا غيره، وصححه النووي في كتبه كلها ولم ينبه في "الروضة" على أنه من "زياداته" بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.

قوله: وهل تجوز الزيادة على الغاية المنقولة؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، لأن اختلاف فعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في هذه السُّنة يشعر بتفويض الأمر إلى خبرة المصلي.
وأظهرهما: أنه لا تجوز الزيادة، ولو فعل لم يصح وتره كسائر الرواتب.
انتهى كلامه.
واعلم أنَّا إذا لم نصحح وتره فهل تبطل الصلاة من أصلها أم لا؟ لم يصرح به الرافعي ولا النووي، والقياس أنه إن علم المنع وتعمد الفعل بطلت وإلا انعقدت نافلة نظرًا إلى عموم الصلاة كما قلنا في الإحرام بالظهر قبل الزوال، ونحو ذلك.
ولا شك أن التحريم يأتي فيما ذكرناه أيضًا.
وحينئذ فكان الصواب التعبير بقوله: "لم تصح صلاته".

قوله: وقول الغزالي: وعدده من الواحد إلى إحدى عشرة، عليه استدراك لفظي من جهة الحساب، وهو أنه جعل الواحد من العدد والحُسَّاب يمتنعون عن ذلك، ويجعلون الواحد أم العدد.
ويقولون: العدد نصف حاشيتيه اللتين بعدهما منه سواء، وليس للواحد حاشيتان.
انتهى كلامه.
هذا الاستدراك ذكره أيضًا في الكفن، ولم يذكر الضابط المذكور هنا، ومثاله: الاثنان له حاشيتان وهي الواحد والثلاثة ومجموعهما أربعة، والاثنان نصفها.

الجزء: 3 - الصفحة: 259

وهكذا الثلاثة لها حاشيتان متصلتان بها وهي الاثنان قبلها والأربعة بعدها، ومجموع الحاشيتين ستة؛ والثلاثة نصفها.
فإن لم نأخذ في مثالنا وهو [الثلاثة] 347 من الحاشية الأولى ما هو متصل بها وهو الاثنان، بل ما قبل المتصل بها بمرتبة وهو واحد فلا نأخذ في الحاشية الثانية ما هو متصل بها وهو الأربعة بل ما بعد المتصل بها برتبة وهو الخمسة، ومجموع الحاشيتين المذكورتين، وهي الواحد والخمسة ستة والثلاثة نصفها، وإلى هذا أشار بقوله بعدهما: منه على السواء، وهو بضم الباء الموحدة وعلى هذا فقس حتى إذا نزلت عن العشرة إلى الخمسة، فقد نزلت بخمس مراتب فاصعد عنها بخمس مراتب فتكون خمسة عشر، ومجموع الخمسة والخمسة عشر: عشرون، والعشرة نصفها.

قوله: وإذا زاد على ركعة أوتر بثلاث فصاعدًا موصولة فله أن يتشهد في الأخيرة لا غير، وله أن يتشهد في الأخيرتين، وقيل: لا يجوز الاقتصار على تشهد واحد.
وقيل: لا يجوز لمن أوتر بثلاث أن يأتي بتشهدين في تسليمه والظاهر التخيير، ويرد الخلاف إلى الأولوية، ففي وجه أن التشهد الواحد أولى.
واختاره في "الحلية"، وفي وجه أن التشهدين أولى.
والثالث: التسوية، وهو مقتضى كلام كثيرين.
انتهى ملخصًا.
ومقتضاه رجحان الثالث، واقتصر في "الروضة" على نقل ترجيح الروياني ذهولًا منه، واقتصر عليه في "شرح المهذب" أيضًا لأجل اقتصاره عليه في "الروضة"، وصرح بتصحيحه في "التحقيق" ولم يصرح في "الشرح الصغير" بترجيح بالكلية.

قوله: وإذا أوتر بالثلاث فالأفضل الفصل لزيادة العبادة، وقيل: الوصل

الجزء: 3 - الصفحة: 260

للاتفاق على صحته، وقيل: إن كان إمامًا فالوصل، لأن الجماعة تنظم أصحاب المذاهب، وإلا فالفصل.
وعكس الروياني فقال: أصِلُ منفردًا وأفصل في جماعة كيلا يتوهم [خلل] 348 فيما صار إليه الشافعي وهو صحيح ثابت بلا شك.
انتهى.
وما ذكره من فرض الخلاف في الثلاث قد تابعه عليه في "الروضة" وهو يشعر بأن ما زاد عليها مخالف لها، وهو كذلك، فإن الأفضل فيه الفصل بلا خلاف كما نقله في "شرح المهذب" عن الإمام، وأقره عليه، وجزم به في "التحقيق" وحكى في "البيان" وجهًا خامسًا: أن الأفضل الوصل إلا أن يكون ركعتان لصلاة وركعة للوتر فالأفضل الفصل، وهو غريب، يستفاد منه جواز الجمع بين الوتر وغيره.

قوله: والثلاث الموصولة أفضل من ركعة فردة لا شئ قبلها في أصح الأوجه لزيادة العبادة.
والثاني: أن الركعة الفردة أفضل لمواظبة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على الإيتار بواحدة.
قال في "النهاية": وغلا هذا القائل فجعل الركعة الفردة أفضل من إحدى عشرة موصولة.
والثالث: الفرق بين المنفرد والإمام كما سبق.
انتهى كلامه بحروفه.
تابعه عليه في "الروضة" أيضًا، وهو يوهم أن الركعة التي لا تتصل بنافلة قبلها بالكلية هو محل الخلاف، وليس كذلك، فإن المنقول يخالفه، فقد حكى المتولي عن القفال أنه قال: كل أحد يعلم أن الثلاثة من الجنس أفضل من واحدة منه.
زاد الروياني: ولكن صورة المسألة في رجل صلى ركعتين بنية النفل وأوتر بعدها بركعة، وآخر صلى إحدى عشرة ركعة بنية الوتر، وقال البغوي: ليس المراد من قولنا: إن الوتر بواحدة أفضل، أن يقتصر على

الجزء: 3 - الصفحة: 261

ركعة واحدة، بل المراد أن إفرادها عما قبلها أفضل من وصلها بما قبلها.

قوله: ويستحب أن يكون الوتر آخر الصلاة بالليل، فإن كان رجل ممن لا تهجد له فينبغي أن يوتر بعد فريضة العشاء وراتبتها وإلا أخره إلى بعد التهجد.
انتهى.
وما ذكره من فعل الوتر عقب العشاء ممن لا تهجد له تابعه على إطلاقه في "الروضة"، وقال في "شرح المهذب": هذا إذا لم يثق باستيقاظه في أواخر الليل، فإن وثق فيستحب له تأخير الوتر ليفعله في أواخر الليل لأحاديث كثيرة صحيحة.

قوله: وقول الغزالي في "الوجيز": ويشبه أن يكون الوتر هو التهجد معناه أن الله تعالى أمر نبيه بالتهجد وأوجبه عليه فقال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ 349 الآية.
ويشبه أن يكون المراد من هذا التهجد الأمور به هو الوتر لأنه -عليه السلام- كان يحيي الليل بوتره وكان واجبًا عليه، وقد ذكر الشافعي في "الأم" و"المختصر" نحو ذلك أيضًا، ويجوز أن يعلم كلام الغزالي بالواو؛ ولأن الروياني حكى أن بعضهم قال: إن الوتر غير التهجد.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران: أحدهما: أَنَّ ما دَلَّ عليه كلامه هنا من تصحيح الاتحاد قد ذكر ما يخالفه في كتاب النكاح في الكلام على الخصائص فإنه ذكر الخلاف وقد تقدم في هذا الباب، ثم قال: والأرجح أنه غيره، وهو مقتضى كلام "الشرح الصغير" هناك أيضًا، وصرح به هنا في كتابه المسمى "بالتذنيب" فقال: إنه الأظهر.
ووقع هذا الاختلاف بلفظ هو أصرح من لفظ الرافعي.

الجزء: 3 - الصفحة: 262

الأمر الثاني: أن الغزالي قد صرح بالمغايرة في كتاب النكاح من "الوسيط" فقال: إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اختص بواجبات كالضحى والأضحى والوتر والتهجد.
وكان الصواب الإعلام به، فمن العجب أن يجعل كلام غيره سببًا لإعلام كلامه مع وجود ذلك بعينه في كلامه.

قوله: ويستحب القنوت في الوتر في النصف الأخير من رمضان، وفي باقي السنة وجهان: أظهرهما -وبه قال الجمهور-: لا يستحب.
وذكر الروياني أن كلام الشافعي يدل على كراهته أيضًا، ثم حكى عن بعضهم وجهًا متوسطا: أنه يجوز من غير كراهة.
انتهى.
وهذا الكلام ظاهر في رجحان الكراهة، لكن قال في "الشرح الصغير": أشبه الوجهين أنه لا يكره، ونقل النووي في "شرح المهذب" عن الرافعي أن ظاهر النص أنه مكروه، ولم يذكر غير ذلك.
واختار في "التحقيق" أنه يستحب في جميع السنة.

قوله في "أصل الروضة": ولنا وجه أنه يقنت في جميع شهر رمضان.
انتهى.
وهذا الوجه لم يذكره الرافعي في شئ من كتبه ولم يحكه غيره من المطولين كابن الرفعة، ولا من المختصرين.
نعم حكاه الرافعي في "الشرحين" رواية عن مالك من جملة ثلاث روايات فتوهم النووي أنه عائد لبعض الأصحاب، فصرح به، وقد وقع في ذلك في "شرح المهذب" أيضًا لأن عادته أن يضع فيه ما لخصه في "الروضة"، ويزيد على ذلك فيعزوه إلى الرافعي مع ما اشتمل عليه من التعبيرات العجيبة والمخالفات الصريحة كما تقدم لك في مواضع كثيرة،

الجزء: 3 - الصفحة: 263

وستعرف أيضًا كثيرًا منها.

قوله: وفي موضع القنوت في الوتر وجهان: أصحهما: بعد الركوع فإنَّ ما قبله محل للقراءة والقنوت دعاء فهو موضع الدعاء حيث يقول: سمع الله لمن حمده.
والثاني: قبله.
وفي "البيان" عن بعض المتأخرين: إنه يتخير.
انتهى.
وتعبيره بقوله: "سمع الله لمن حمده" سهو، فإن هذا يبتدئ به عند ابتداء رفع الرأس من الركوع وينهيه عند الانتصاب.
والصواب أن يقول: ربنا لك الحمد، فإنه الذي يأتي به بعد الرفع.

قوله: وإذا قدمه ففي "البيان" عن بعض متأخري الأصحاب: أنه يكبر بعد القراءة ثم يقنت، وفي "التتمة": أنه لا يكبر.
انتهى.
لم يصحح في "الشرح الصغير" أيضًا، وصحح النووي في كتبه الثاني، ولم ينبه في "الروضة" على أنه من زوائده، بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.

قوله: والقنوت هو الذي تقدم في صلاة الصبح، واستحب الأئمة أن يضيف إليه ما روى عن عمر أنه قنت وهو: اللهم إنا نستعينك إلى آخره.
فيه أمور: أحدهما: أن كلامه كالصريح في أن عمر كان يقنت في الوتر بقوله: اللهم إنا [نستعينك] 350 وهو الذي رواه البيهقي وغيره 351، ثم قالوا: إن ذلك قد صح عنه إنما هو القنوت في صلاة الصبح، واختلفت الرواية في لفظه.

الجزء: 3 - الصفحة: 264

والرواية التي أشار البيهقي إلى اختيارها أنه يقنت فقال: اللهم اغفر لنا وللمؤمنين [والمؤمنات] 352 والمسلمين والمسلمات وألف بين قلوبهم وأصلح ذات بينهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم، اللهم العن كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسلك، ويقاتلون أوليائك، اللهم خالف بين كلمتهم، وزلزل أقدامهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا ترده عن القوم المجرمين، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اللهم لك نعبد ولك نصلى ونسجد، وإليك نسعى ونحفد نخشى عذابك الجد ونرجو رحمتك، إن عذابك بالكفار ملحق 353. هذا لفظ رواية البيهقي.
الأمر الثاني: أن شرط استحباب الجمع بينهما أن يكون منفردًا أو إمام محصورين يرضون بالتطويل فإن لم يكن، اقتصر [على واحد منهما.
وحيث اقتصر] 354 أتى بقنوت الصبح، قاله في باب صفة الصلاة من "شرح المهذب".
الأمر الثالث: في الكلام على ألفاظ واقعة في القنوت المذكور فنقول: اعلم أن معنى نستعين ونستغفر ونستهدي: نطلب العون والمغفرة والهداية، لأن السين للطلب، ونؤمن: أى نصدق، والتوكل: الاعتماد، وإظهار العجز، والثناء: المدح.
وأما النثاء: بتقديم النون فإنه يطلق على الذم.
والشكر: يطلق على العبادة سواء كانت بالقول أم بغيره.
والكفر: ستر النعمة والعبادة والطاعة والخضوع.
ونحفد: بفتح النون وبالدال المهملة معناه: نسرع، تقول: حفد البعير

الجزء: 3 - الصفحة: 265

حفدًا وحفدانًا كما قاله الجوهري، وأحفُد لغة فيه، فعلى هذا يضم مضارعه.
والجد: بكسر الجيم معناه الحق؛ قال ابن مالك: في مثلثة الجد بالفتح من النسب، معروف وهو أيضًا العظمة، والجد بالكسر نقيض الهزل، وبالضم الرجل العظيم.
وملحق: هو بكسر الحاء على المشهور أى لاحق بهم، ويجوز فتحها، والفتح لأَن الله تعالى ألحقه بهم.
والكسر على معنى لحق كما يقال: أنبت الزرع، بمعنى نبت.
وأهل الكتاب: هم اليهود والنصارى.
قال في "الروضة": وينبغي أن يقول: اللهم عذب الكفرة، ولا يقيده بأهل الكتاب للحاجة إلى التعميم في أزماننا.
وأشار بذلك إلى إدخال التتار فإنهم كانوا في زمانه قد استولوا على أكثر أقاليم المسلمين المشرقية، وكانوا إذ ذاك كفارًا لا كتاب لهم.
وأما الآن فقد زال هذا المعنى، فينبغي أن يأتي بما ورد في الحديث.
والصد: المنع.
والأولياء: الأنصار.
ومعنى أصلح ذات بينهم أى أمورهم، ومواصلاتهم، وألف أى: اجمع على الخير، والحكمة: كل ما منع القبيح وأصله وضع الشئ في محله.
وأوزعهم: أي ألهمهم، والعهد: هو ما ألزم الله تعالى به خلقه من القيام بأوامره واجتناب نواهيه.

قوله: وذكر القاضي الروياني أنه يقدم قنوت عمر على قنوت الصبح، وعليه العمل.
ونقل في "البيان" عن القاضي أبي الطيب أنه قال: كان شيوخنا

الجزء: 3 - الصفحة: 266

يعكسون.
انتهى ملخصًا.
والصحيح ما قاله الروياني من تقديم قنوت عمر، كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير"، وجزم به في "المحرر"، وصحح النووي تقديم قنوت الصبح قال: لأنه ثابت عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الوتر.

قوله: وأما القسم الثاني وهو ما لا تشرع فيه الجماعة فينقسم إلى ما يتعلق بوقت أو فعل، وإلى التطوع [المطلق] 355. والأول أنواع منها الرواتب.
. . . إلى آخره.
أراد بالأول المتعلق بالوقت، والمتعلق بالفعل وإن كان خلاف المتبادر فافهمه.
وأهمل التصريح بأمور كان من حقه أن ينبه عليها في هذا الباب ويذكرها في هذا القسم، وقد نبه على بعضها في "الروضة" فقال: ومنها ركعتان عقب الوضوء ينوي بها سنة الوضوء قلت: وقياس الغسل كذلك إن قلنا: يندرج فيه الأصغر.
ومنها: ركعتا الاستخارة ثبت حديثهما في "صحيح البخاري" 356، ومنها سنة الجمعة على ما هو مشروح في موضعه، ومنها ركعتا صلاة الحاجة.
انتهى.
وأهمل -أعني النووي- هنا أمرين ذكرهما في "شرح المهذب": أحدهما: ركعتان قبل القتل لمن أمكنه، وقد ثبت حديثهما في "صحيح البخاري" 357 في قضية خُبيب -بضم الخاء المعجمة- حين أخرجه الكفار ليقتلوه في زمن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. والثاني: وقد ذكره في "الروضة" في آخر الباب: ركعتان في المسجد

الجزء: 3 - الصفحة: 267

لمن قدم من السفر لحديث كعب بن مالك -رضي الله عنه- قال: "كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين" 358 رواه البخاري ومسلم.
قال في "الأذكار": وكذا يستحب أيضًا الركعتان عند خروجه من منزله للسفر لحديث ورد فيه أخرجه الطبراني، ثم حكى خلافًا لأصحابنا هل يقرأ فيِ هذه الصلاة في الأولى ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، أو يقرأ في الأولى المعوذة الأولى، وفي الثانية الثانية.
ومنها: صلاة التسبيح على ما تقدم إيضاحها في باب سجود السهو.
ومنها صلاة الغفلة عشرون ركعة بين المغرب والعشاء، قاله الماوردي، وأورد فيه حديثًا فقال: إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يصليها ويقول: "هذه صلاة الأوابين" 359. وذكر الروياني مثله.
وفي كتاب المحاملي استحباب صلاة التوبة وهي ركعتان لمن أذنب يستغفر الله عقبهما من ذنبه، فإنه إذا فعل ذلك غفر ذنبه، وأورد فيه حديثًا وذكر في "الإحياء" أنه يستحب ركعتان عند دخول الشخص منزله، وعند خروجه منه، وفيه أيضًا أنه يستحب ركعتان بعد طلوع الشمس عند خروج وقت الكراهة قال: وهي صلاة الإشراق المذكورة في قوله تعالى: "يسبحن بالعشي والإشراق" 360 أى: يصلين، وجعلها غير صلاة الضحى، لكن ذكر الحاكم في "مستدركه" 361 عن ابن عباس أن صلاة الإشراق هي

الجزء: 3 - الصفحة: 268

صلاة الأوابين [وهي صلاة الضحى] 362، وسميت بذلك لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا يحافظ على صلاة الضحى إلا أواب، وهي صلاة الأوابين" 363، رواه الحاكم من حديث أبي هريرة، وقال: صحيح على شرط مسلم.
وفي "الكفاية" استحباب ركعتين عقب الأذان.
واعلم أن النووي في "شرح المهذب" لم يصرح في صلاة الحاجة باستحباب ولا بعدمه، بل اقتصر على ذكر حديثها وضعفه، وقال في "التحقيق": إنها لا تكره، وإن كان حديثها ضعيفًا إذا لا تعب فيها.
وحديثها هو ما رواه الترمذي بإسناد ضعيف عن ابن أبي أوفي -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "من كانت له حاجة إلى الله تعالى أو إلى أحد من بني آدم فليتوضأ وليحسن الوضوء ثم يصلي ركعتين ثم ليثن على الله تعالى، وليصل على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم ليقل: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم الحمد لله رب العالمين أسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر والسلامة من كل إثم لا تدع لي ذنبًا إلا غفرته، ولا همًا إلا فرجته، ولا حاجة لك فيها رضا إلا قضيتها يا أرحم الراحمين" 364.

قوله: وأكثر الضحى ثنتا عشرة ركعة ذكره القاضي الروياني، وورد في

الجزء: 3 - الصفحة: 269

الأخبار.
انتهى.
والذي قاله الروياني قد جزم به الرافعي في "المحرر"، "والشرح الصغير"، وجزم به أيضًا النووي في "المنهاج" و"الروضة"، ولم ينقله في "الروضة" عن الروياني كما نقله عنه الرافعي، ثم خالف ذلك في "شرح المهذب" و"التحقيق" فقال في "الشرح" المذكور ما نصه: أكثرها ثمان كذا قاله المصنف والأكثرون، ورواه الشيخان من حديث أم هانئ.
وقال الرافعي والروياني وغيرهما: أكثره ثنتا عشرة ركعة لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأبي ذر "إن صليت الضحى ثنتي عشرة ركعة بنى الله لك بيتًا في الجنة" 365 رواه البيهقي وضعفه.
وذكره في "التحقيق" كما ذكره في "شرح المهذب"، وقد ظهر بما تقدم أن المذكور في "الروضة" و"المنهاج" ضعيف مخالف لما عليه الأكثرون.
وحاصله أن الرافعي لما ظفر بها للروياني فقط حالة تصنيف الشرح جزم به في التصانيف المتأخرة عنه المأخوذة منه، ثم قلده أيضًا فيه النووي غير باحث عن المسألة، وحذف المنقول عنه على عادته فاعلمه.

قوله: وروى عن أم هانئ أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى يوم الفتح سبحة الضحى ثمان ركعات يسلم من كل ركعتين 366. انتهى.
والسبحة -بضم السين- هي: الصلاة.
والحديث في "الصحيحين"، وإن كان بغير هذا اللفظ.

قوله؛ ووقتها من حين ترتفع الشمس إلى الاستواء.
انتهى.
والذي قاله من أن وقتها من حين الارتفاع قد جزم به أيضًا النووي في

الجزء: 3 - الصفحة: 270

"شرح المهذب" و"التحقيق"، وابن الرفعة في "الكفاية"، ثم خالف في "الروضة" فقال: إن الذي قاله الأصحاب: إن وقتها يدخل بطلوع الشمس، ولكن يستحب تأخيرها إلى الارتفاع.
قال: وقال الماوردي: إن وقتها المختار إذا مضى ربع النهار، والذي قاله الماوردي قد جزم به في "التحقيق"، والمعنى في ذلك على ما قاله في "الإحياء" أن لا يخلو كل ربع من النهار عن عبادة.

قوله: ومنها: تحية المسجد، روى أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلى ركعتين" 367. انتهى.
فيه أمور: أحدها: أنه ليس في كلامه ولا في كلام "الروضة" ما يؤخذ منه الحكم في الزيادة على الركعتين هل هو ممتنع أم لا؟ وكلام "المنهاج" و"المحرر" ظاهر في المنع فإنه قال: "وتحية المسجد ركعتان" وليس كذلك، بل [تجوز] 368 الزيادة إذا أتى بسلام واحد كما صرح به في "شرح المهذب"، فإن فصل فمقتضى كلامه المنع، والجواز محتمل.
الأمر الثاني: أن مقتضى إطلاق المصنف وغيره أن كل داخل مأمور بهما سواء أراد الجلوس أم لا، وهو مخالف لما دل عليه الحديث.
ورأيت في "المقصود" للشيخ نصر تقييد الاستحباب بمريد الجلوس.
الثالث: أن التعبير "بالمسجد" يخرج ما ليس بمسجد كالرباط والمدارس ومصلى العيد، وما بنى في الأراضي المستأجرة على صورة المسجد، وأذن بانيه في الصلاة فيه، فكذلك ما بعضه ليس بمسجد بأن وقف حصة مشاعة مسجدًا، وقد تقدم حكم ذلك كله في باب الغسل فراجعه.

الجزء: 3 - الصفحة: 271

الرابع: يكره أن يدخل المسجد على غير وضوء، فإن فعل فليقل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، كذا قاله في "الإحياء".
وحكى النووي استحباب ذلك عن بعض السلف، ثم قال: لا بأس به، وجزم به ابن يونس في "شرح التنبيه"، وكذلك ابن الرفعة في "الكفاية" وزاد: ولا حول ولا قوة إلا بالله.
قال النووي: وكذلك لو كان له شغل يشغله عن الصلاة.
والحديث المذكور في الرافعي ثابت في الصحيحين وقد نبه في الروضة على كراهية التحية إذا دخل والإمام يصلي، أو دخل المسجد الحرام، وكل هذا مبسوط في موضعه.

قوله: ولو صلى الداخل فريضة أو سنة ونوى التحية أيضًا حصلا، ولو لم ينو التحية حصلت أيضًا.
كذلك ذكره صاحب "التهذيب" وغيره، ويجوز أن يطرد فيه الخلاف المذكور فيما إذا نوى غسل الجنابة هل يجزئه عن العيد والجمعة إذا لم ينوهما؟ انتهى كلامه.
وهذه المشابهة التي ذكرها الرافعي إن كانت صحيحة فلا اختصاص لها بالصورة الثانية، وحينئذ فيطرد التخريج في الأولى أيضًا وهي ما [إذا] 369 نواهما معًا، لأن الخلاف ثابت في الصورتين كما سبق من كلامه في موضعه، وقد نبه ابن الصلاح على ذلك، قال في "شرح المهذب": وليس الأمر كما قالا، بل الأصحاب كلهم مصرحون بأنه لا خلاف في حصول التحية في الصورتين؛ وفَرَّق بأن غسل الجمعة سنة مقصودة، وأما التحية فالمقصود منها شغل المكان.

الجزء: 3 - الصفحة: 272

والفرق الذي قاله غير واضح، ولو قيل بسقوط الأمر لا بحصول التحية لاتجه.

قوله: وإذا صلى الداخل على جنازة أو سجد لتلاوة أو شكر لم تحصل التحية.
قاله في "التهذيب"، وقضية الجبران لا تحصل التحية بركعة واحدة أيضًا، وفيهما جميعًا وجه.
انتهى.
والصحيح عدم الحصول في المسألتين، كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير"، وصححه أيضًا في "المحرر" ولكن في المسألة الثانية خاصة، ولم يذكر الأولى، وصححه النووي في كتبه، ولم ينبه في "الروضة" على أنه من زياداته، بل أدخله في كلام الرافعي فاعلمه.

قوله من "زوائده": قال المحاملي: وتكره التحية في حالين: أحدهما: إذا دخل والإمام في المكتوبة.
والثاني: إذا دخل المسجد الحرام فلا يشتغل بها عن الطواف.
انتهى.
فيه أمور: أحدها: أن ما ذكره عن المحاملي في الحالة الأولى وافقه عليه، وقد جزم [به] 370 في غير هذا الكتاب، وفيه قصور وإيهام عجيب، فإنه لو دخل في حال إقامة الصلاة كان الحكم كذلك أيضًا كما صرحوا به في صلاة الجماعة، وصرح به في "شرح المهذب" هنا بل ذكره الرافعي في آخر الباب الأول من أبواب الجمعة أنه إذا دخل والإمام في آخر الخطبة وكان بحيث لو اشتغل بالتحية فاته إدراك فضيلة التحرم لم يشتغل بها، فهذا يتعدى إلى سائر الصلوات.
وأما داخل المسجد الحرام ففيه كلام نوضحه في كتاب الحج إن شاء الله تعالى.

الجزء: 3 - الصفحة: 273

الأمر الثاني: أن أبا حامد قد ذكر في "رونقه" مثل ما ذكره المحاملي، وزاد: أنها تكره أيضًا عند خوف فوات السنة الراتبة.
والمراد كراهة اقتصاره على نية التحية، فأما إذا نواهما أو أطلق فإنهما يحصلان.
والذي ذكره صحيح، وقد ذكر في "الروضة" في الحج أنه يؤخر طواف القدوم لأجل ذلك.
الأمر الثالث: أن ما قالوه في المكتوبة يظهر اختصاصه بما إذا لم يكن الداخل قد صلى، فإن صلى جماعة لم تكره التحية، أو فرادى فالمتجه الكراهة.
ورأيت في كتاب "الوسائل" لأبي الخير سلامة بن إسماعيل بن جماعة المقدسي أنه إذا دخل المسجد والإمام يصلي جماعة في نافلة كالعيد ففي استحباب ركعتي التحية وجهان.
قال: والفرق أن فعل الفريضة في الجماعة أفضل من صلاة النافلة.

قوله من "زوائده" أيضًا: ومما نحتاج إلى معرفته أنه لو جلس في المسجد قبل التحية وطال الفصل لم يأت بها كما سيأتي أنه لا يشرع قضاؤها، وإن لم يطل فالذي قاله الأصحاب: إنها تفوت بالجلوس فلا يفعلها.
وذكر الإمام أبو الفضل بن عبدان في كتابه المصنف في العبادات أنه لو نسى التحية وجلس فذكر بعد ساعة صلاها، وهذا غريب، ففي الصحيحين في حديث الداخل يوم الجمعة 371 ما يؤيده، والله أعلم.
وهذا الذي نقله عن ابن عبدان واستغربه قد جزم به في "التحقيق" فقال: وتفوت إذا قعد وطال الفصل أو تعمد تركها.
هذه عبارته.
وذكر في "شرح المهذب" و"شرح مسلم" أن كلام الأصحاب

الجزء: 3 - الصفحة: 274

محمول على هذا.
قلت: ويؤيده أيضًا ما رواه ابن حبان في "صحيحه" عن أبي ذر قال: دخلت المسجد فإذا برسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جالس وحده، فقال: "يا أبا ذر إن للمسجد لتحية، وإن تحيته ركعتان، قم فاركعهما، قال: فقمت فركعتهما ثم عدت.
. . ." 372 إلى آخر الحديث.

قوله أيضًا من "زوائده": ومنه سنة الجمعة قبلها أربع وبعدها أربع كذا قاله ابن القاص وآخرون وتحصل أيضًا بركعتين قبلها وركعتين بعدها، والعمدة فيما بعدها حديث صحيح "إذا صليتم الجمعة فصلوا بعدها أربعًا" 373. وفي الصحيحين أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يصلي بعدها ركعتين 374. وأما قبلها فالعمدة فيه القياس على الظهر، ونستأنس فيه بحديث سنن ابن ماجة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يصلي قبلها أربعًا 375. وإسناده ضعيف جدًا.
انتهى.
فيه أمور: أحدها: أن الشافعي -رحمه الله- قد نص على أنه يصلي بعد الجمعة أربع ركعات، ذكر هذا النص في "الأم" في باب صلاة الجمعة والعيدين من كتاب اختلاف علىِّ وابن مسعود، وهو من أواخر كتب "الأم" قبل

الجزء: 3 - الصفحة: 275

كتاب سنن الواقدي، ونقل أبو عيسى الترمذي في كتابه 376 عن الشافعي أنه يصلي بعدها ركعتين.
وإذا علمت ذلك علمت أن اقتصار النووي على نقلها عن بعض الأصحاب مع وجود النصوص الصريحة غريب.
الأمر الثاني: أن الظاهر [أن] 377 النصين محمولان على الأدنى والأكمل كما في سنة الظهر، وقد صرح به في ["المهذب"] 378 وكذلك النووي في "التحقيق" فقال: والجمعة كالظهر.
هذه عبارته.
وذكر في "شرح المهذب" نحوه أيضًا، وكلام "الروضة" لا ينافيه.
وإذا علمت ذلك فاعلم أن النووي في "المنهاج" لما عدد السنن المتأكدة عَدّ منها أربعًا بعد الجمعة فقال: وبعد الجمعة أربع، وقبلها ما قبل الظهر.
هذه عبارته.
والذي ذكره مخالف لما في هذه الكتب.
والصواب هو المذكور فيها.
الأمر الثالث: أن دعواه أن العمدة فيما قبلها القياس على الظهر، غريب فقد جاءت فيه أحاديث: أحدها: ما رواه أبو هريرة قال: جاء سليك الغطفاني ورسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخطب فقال له رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أصليت قبل أن تجئ؟ قال: لا، قال: فصل ركعتين وتجوز فيهما" 379 رواه ابن ماجة في "سننه" عن داود بن رشيد عن حفص بن غياث عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة.
وهذا الإسناد قد احتج الشيخان في صحيحيهما بجميع رواته، فقال

الجزء: 3 - الصفحة: 276

ابن تيمية في "الإحكام": رجال إسناده ثقات.
الحديث الثاني: عن نافع قال: كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة ويصلي بعدها ركعتين في بيته ويحدث أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يفعل ذلك 380 رواه أبو داود بإسناد على شرط الصحيح، وصححه ابن حبان.
الحديث الثالث: "بين كل أذانين صلاة" رواه الشيخان كما تقدم، والمراد بالأذانين: الأذان والإقامة.
الحديث الرابع: "ما من صلاة مفروضة إلا وبين يديها ركعتان" 381 رواه الدارقطني وصححه ابن حبان.

قوله: وأفضل الرواتب الوتر وركعتا الفجر، وأيهما أفضل؟ قولان: القديم: أن ركعتي الفجر أفضل لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها" 382 وقول عائشة: لم يكن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على شئ من النوافل أشد تعاهدًا منه على ركعتي الفجر 383. والجديد الأصح: أن الوتر أفضل لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "من لم يوتر فليس منا" 384، ولأن الوتر مختلف في وجوبه، ولا خلاف في أن

الجزء: 3 - الصفحة: 277

ركعتي الفجر سنة، وقيل: هما سواء.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ادعاه من نفي الخلاف في سنة الفجر ليس كذلك، فقد ذهب الحسن البصري إلى وجوبهما، كذا نقله في "شرح المهذب" عن حكاية القاضي عياض.
الأمر الثاني: في تصوير محل الخلاف، وقد تعرض لذلك في "الكفاية" فقال: واعلم أن الأصحاب أطلقوا الخلاف ولم يبينوا ما أرادوه من الوتر، هل هو أقله أو أكمله أو أدني الكمال منه، والذي يظهر من كلامهم أنهم أرادوا مقابلة الجنس بالجنس، وقد كان يقع لي أنه يختص بأدنى الكمال لأنهم جعلوا علة ترجيح الوتر أنه مما اختلف في وجوبه، والذي اختلف في وجوبه ليس هو الأقل ولا الأكثر، فإن أبا حنيفة هو القائل بوجوبه، وهو عنده ثلاث ركعات لا يجوز الزيادة عليها، ولا النقص منها، فتعين أن يكون ذلك محل الاختلاف، ثم وقع لي أنه لو كان الأمر كذلك لاختص محلة بالثلاثة الموصولة كما صار إليه أبو حنيفة وهو لا يختص.
فظهر من ذلك أن المراد من ذلك مقابلة الجنس بالجنس، ولا يبعد أن يجعل الشرع العدد القليل أفضل من العدد الكثير مع اتحاد النوع، دليله القصر في السفر فمع [اختلافه] 385 أولى.
انتهى كلام "الكفاية".
والحديث الأول رواه مسلم.
والثاني متفق عليه، والثالث بعض حديث رواه أبو داود.

قوله: ثم بعد السنن الراتبة أفضل الصلوات المذكورة صلاة الضحى، ثم ما يتعلق بفعل كركعتي الطواف، والإحرام والتحية.
انتهى كلامه.

الجزء: 3 - الصفحة: 278

ذكر مثله في "الروضة" وفيه أمران: أحدهما: أنه لم يصرح بدرجة صلاة التراويح، وقد صرح بها في "شرح المهذب" فجعلها بين الرواتب والضحى، وفي كلام الرافعي إشعار به، حيث حكى الخلاف في أن التراويح أفضل لمشروعية الجماعة فيها، أم الرواتب لمواظبة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عليها؟ وصحح الثاني.
ووجه الإشعار حكاية الخلاف في تفضيلها على الرواتب التي هي أفضل من الضحى فما بعدها.
الأمر الثاني: أن من جملة السنن المتعلقة بالفعل: سنة الوضوء، وصلاة الاستخارة، وصلاة الحاجة.
وحينئذ فتكون هذه الثلاثة مع الثلاثة التي مَثَّل بها الرافعي، وهي ركعتا الطواف والإحرام والتحية أفضل من النوافل المطلقة، وحينئذ يبقى النظر في الأفضل منهما.
وقد صرح في "شرح المهذب" بسنة الوضوء خاصة وجعلها بعد الثلاثة السابقة فقال: ثم ما يتعلق بفعل كركعتي الطواف وركعتي الإحرام وتحية المسجد ثم سنة الوضوء.
هذه عبارته.
وفيه نظر وكأنه توهم أن سنة الوضوء مما لا يتعلق بفعل، والمتجه تقديم ركعتي الطواف للاختلاف في وجوبها عندنا، ثم ركعتا التحية ثم الإحرام.
لأن سبب التحية قد وقع بخلاف الإحرام، فإنه مستقل قد يقع وقد لا يقع.
ولهذا صححوا كراهة ركعتي الإحرام في الوقت المكروه دون التحية والباقية في المعنى متقاربة.

قوله: صلاة التراويح عشرون ركعة بعشر تسليمات.
انتهى كلامه.
وفيه إشعار بأنه لو صلى أربعًا بتسليمة لم يصح، والأمر كذلك، فقد

الجزء: 3 - الصفحة: 279

صرح به القاضي الحسين في "فتاويه" ونقله عنه النووي، وعلله بأنه خلاف المشروع وذكر النووي في "فتاويه" أنه إذا صلى سنة الظهر أو العصر أربعًا بتسليمة واحدة جاز سواء كانت السنة متقدمة أو متأخرة.
والفرف بينهما أن [التراويح] 386 بمشروعية الجماعة فيها أشبهت الفرائض فلا تغير عما وردت.

قوله: واعلم أن تجويز التشهد في كل ركعة لم نر له ذكرًا إلا في "النهاية"، وفي كتب المصنف، ثم ذكر الرافعي في آخر الفصل أن قول الغزالي: أو في كل ركعة يعلم بالواو، قال: لأن كثيرًا من الأصحاب قالوا: إنه بالخيار بين أن يصلي بتشهد واحد، وبين أن يتشهد بين كل ركعتين، والتخيير بين الشيئين ينفي التمكن من شئ ثالث.
انتهى كلامه.
وذكر في "الشرح الصغير" نحوه أيضًا، ومقتضى ذلك ترجيح المنع من جهة النفل لكنه -أعني: الرافعي- قد جزم [في "المحرر"] 387 بالجواز، واستدرك عليه النووي فصحح المنع، وصححه أيضًا في "شرح المهذب" وغيره، قال: لأنه اختراع صورة في الصلاة لا عهد بها.
ورأيت في "الكافي" للخوارزمي أن في المسألة وجهين.

قوله: ولو نوى صلاة تطوع، ولم ينو واحدة ولا عدد فهل يجواز الاقتصار على واحدة؟ حكى في "التتمة" فيه وجهين مبنيين على ما لو نذر صلاة مطلقة، هل يخرج عن العهدة بركعة أم لابد من ركعتين؟ وينبغي أن يقطع بجواز الاقتصار على واحدة، فعند الإطلاق أولى أن نجوزه.
انتهى كلامه.

الجزء: 3 - الصفحة: 280

فيه أمران: أحدهما: أن هذا الذي نقله الرافعي عن "التتمة" غلط منه -أي: من الرافعي- فإن المذكور فيها هو الجزم بالجواز، وإنما حكى الوجهين في الكراهة فقال ما نصه: فإن أراد أن يسلم عن ركعة فهل يكره أم لا؟ فيه وجهان بناء على أصله، وهو أن الرجل إذا نذر أن يصلى [مطلقًا هل يخرج عن نذره] 388 بركعة أم لا؟ . وفيه خلاف سنذكره.
فإن قلنا: يخرج عن نذره بركعة، لم يكره أن يسلم عن ركعة.
وإن قلنا لا يخرج عن نذره إلا بركعتين، فيكره أن يسلم عن ركعة، فيحمل إطلاق اسم الصلاة على ركعتين، هذا كلام المتولي بحروفه ومن "التتمة" نقلته.
وذكر مثله في "البحر" أيضًا، وهذا الاعتراض ذكره في "الروضة" أيضًا.
الأمر الثاني: أن هذا البحث الذي ذكره عجيب أيضًا فإن من نوى ركعتين إنما يجوز له الاقتصار على واحدة بشرط تغيير النية، وكلامنا فيما تقتضيه نية الصلاة عند الإطلاق، حتى يجوز له الاقتصار عليه.

قوله: المسألة الثانية: النوافل تنقسم إلى ما لا يتأقت وإنما يفعل بسبب عارض، وإلى ما يتأقت.
فالأول لا مدخل للقضاء فيه، وهو كصلاتي الخسوف والاستسقاء وتحية المسجد.
انتهى.
وما ذكره في الاستسقاء مشكل لأن القضاء فرع الفوات، وقد ذكر في باب الاستسقاء أنهم إذا سُقوا قبل الصلاة صلوا على المشهور، حتى [قال] 389:

الجزء: 3 - الصفحة: 281

إن الخلاف يجري فيما لو لم ينقطع الغيث، وأراد الصلاة للاستزادة.

قوله من "زوائده": ويكره قيام الليل كله دائمًا.
انتهى كلامه.
وتقييده بكل الليل ظاهره انتفاء الكراهة بترك ما بين المغرب والعشاء، وفيه نظر.
والمتجه إسقاط هذا التقييد، وتكون الكراهة متعلقة بالمقدار الذي يضر سواء كان هو الجميع أو البعض فقد قال في "شرح المهذب": صلاة الليل كله دائمًا تضر العين وسائر البدن كما جاء في الحديث الصحيح، وهذا بخلاف صيام الدهر غير أيام النهي، فإنه لا يكره عندنا.
والفرق أنه يمكنه في الصوم أن يستوفي ليلًا ما فاته من الأكل بالنهار، ولا يمكنه نوم النهار، إذا صلى بالليل لما فيه من تفويت مصالح دينه ودنياه.
فأما بعض الليالي فلا يكره إحياؤها، فقد ثبت في "الصحيحين" عن عائشة -رضي الله عنها-: "أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا الليل" 390. واتفق أصحابنا على استحباب إحياء ليلتي العيد.
هذا كلامه في "شرح المهذب".
وإذا علمت ذلك اتجه ما قلناه من تعليقه بالمقدار الذي يضره، وقد ذكر الطبري -شارح "التنبيه"- قريبًا من ذلك في كل الليل فقال: إن لم يجد بذلك مشقة استحب لاسيما المتلذذ بمناجاة الله تعالى وإن وجد نظر: إن خشى منها محذورًا كره، وإلا لم يكره، ورفقه بنفسه أولى.

قوله من "زياداته" أيضًا: وفعل النافلة في البيت أفضل من فعلها في المسجد.
انتهى.
ذكره الرافعي أيضًا كذلك في غير هذا الموضع.

الجزء: 3 - الصفحة: 282

وتستثني منه أمور مذكورة في مواضعها، منها ما هو مشهور كالعيد وغيره، ومنها ركعتا الإحرام، فإنه إذا كان في الميقات مسجد كان فعلهما فيه أفضل، كذا نقله من "زياداته" في الحج عن الأصحاب، وإن كان القياس يقتضي استحبابهما في البيوت والأخبية، ومنها ركعتا الطواف فيستحب فعلهما في المسجد كما هو معروف أيضًا هناك.
ومنها النافلة يوم الجمعة، كما نقله الجرجاني في "الشافي" عن الأصحاب فقال: في هذا الباب؛ وقد ذكر بعد صلاة الخوف ما نصه: قال أصحابنا إلا النافلة يوم الجمعة ففعلها في الجامع أفضل لفضيلة البكور.
انتهى.

الجزء: 3 - الصفحة: 283

فصول الكتاب · 72 فصل
فصول المهمات في شرح الروضة والرافعي
المقدمةالمقدمةمقدمة المحققمقدمة المؤلفكتاب الطهارةكتاب التيممكتاب الحيضكتاب الصلاةكتاب الصلاةكتاب الصلاة بالجماعةكتاب صلاة المسافرينكتاب الجمعةكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الحجكتاب البيعكتاب الرهنكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب العاريةكتاب الغصبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب الجعالةكتاب الوقفكتاب الهبةكتاب اللقطةكتاب اللقيطكتاب الفرائضكتاب الوصاياكتاب الوديعةكتاب قسم الفيء والغنيمةكتاب قسم الصدقاتكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب القسم والنشوزكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفاراتكتاب "العدد"كتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجراحكتاب الدياتكتاب دعوى الدمكتاب الجنايات الموجبة للعقوباتكتاب موجبات الضمانكتاب السيركتاب [عقد] (1) الجزية والمهادنةكتاب الصيد والذبائحكتاب الضحايا والعقيقةكتاب الأطعمةكتاب السبق والرميكتاب الأيمانكتاب [النذر]كتاب القضاءكتاب الشهاداتكتاب الدعاوى والبيناتكتاب التدبيركتاب الكتابةكتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل