كتاب الصلاة
باب
المواقيت
وفيه [ثلاثة] (1) فصول:
الفصل الأول: في وقت الرفاهية
قوله: والأصل فيه ما رُوى عن ابن عباس - رضي الله عنه - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "أمني جبريل عند باب البيت مرتين فصلى بي الظهر حين زالت الشمس"، ويروى "حين كان الفئ مثل الشراك" 2 إلى آخر الحديث المعروف.
والشراك: بكسر الشين المعجمة هو أحد سيور النعل التي يكون على وجهها.
إذا علمت ذلك فقد اختلف كلام النووي في "شرح المهذب" في أن الصبر إلى مصير الفئ مثل الشراك هل هو شرط لصحة الظهر أم لا؟ فقال هنا ما نصه: وليس الشراك هنا للتحديد والاشتراط بل؛ لأن الزوال لا يتبين بأقل منه انتهى.
ومقتضى [هذا] 3 أنه لابد من الصبر إلى هذا المقدار، وإن كان الزوال حقيقة لا يتوقف عليه ثم أعاد المسألة في الشرح المذكور بعد ذلك بنحو1
الجزء: 2 - الصفحة: 405
ورقة وجزم بأنه لا يجب الصير إليه، والحديث المذكور رواه أبو داود وحسنه الترمذي وصححه ابن خزيمة والحاكم، ولكن بعض ألفاظهم مخالفة للمذكور هنا، وروى الترمذي معناه عن جابر أيضًا ثم نقل عن البخاري أنه أصح شئ في المواقيت.
قوله: فأما إذا لم يبق للشاخص عند الاستواء ظل فالزوال بظهور الظل، ولا معنى للزيادة لكنه نادر لا يكون إلا في يوم واحد وهو أطول أيام السنة في بعض البلاد كمكة وصنعاء.
انتهى.
وذكر جماعة منهم ابن الصباغ وابن الصلاح نقلًا عن أبي جعفر الراسبي صاحب "كتاب المواقيت" أن ذلك يكون يومين قيل: أطول يوم لستة وعشرين وبعده كذلك، وتوهم النووي في "شرح المهذب" أن المراد بالستة والعشرين المتقدمة وكذلك بالمتأخرة إنما هو نفي الظل عن جميعها فاعلم ذلك واجتنب ما وقع له.
قوله: فإذا صار ظل الشاخص مثله وجاوز ذلك بأقل زيادة فقد دخل وقت العصر، ولا خلاف في دخول وقت العصر حين يخرج وقت الظهر عندنا لكن خروج وقت الظهر لا يكاد يعرف إلا بتلك الزيادة.
انتهى ملخصًا.
تابعه النووي في "الروضة" على دعوى نفي الخلاف وليس كذلك فإن في الزيادة المذكورة ثلاثة أوجه حكاها صاحب "الذخائر" والنووي فى "شرح المهذب" وابن الرفعة في "الكفاية".
أحدها: هذا.
والثاني: أنها من وقت الظهر.
والثالث: أنها فاصلة بينهما.
قوله: وللعصر أربعة أوقات: وقت فضيلة: وهو أوله، ووقت اختيار: وهو إلي مصير الظل مثليه، ووقت جواز بلا كراهة: وهو من مصير الظل مثليه إلى الأصفر، ووقت كراهة: أى يكره التأخير إليه وهو من الاصفرار
الجزء: 2 - الصفحة: 406
إلى الغروب.
انتهى.
أهمل خامسًا وهو وقت تحريم، أى يحرم التأخير إليه وهو أن يبقى ما لا يسع الصلاة، فإن الصحيح تحريمه، وإن جعلنا الصلاة فيه أداء وهو يطرد في سائر الأوقات.
قوله: لا خلاف في أن وقت المغرب يدخل بغروب الشمس.
انتهى.
وما ادعاه من عدم الخلاف قد تابعه عليه في "الروضة"، وليس كذلك فقد جزم الماوردي في "الحاوى" بأنه لابد من غيوب الضوء المستعلى فقال ما نصه: أول وقت المغرب غروب الشمس وهو أن يسقط القرص ويغيب حاجب الشمس وهو الضوء المستعلي عليها كالمتصل بها هذا لفظه،
ويشهد له وما رواه أبو داود عن سلمة بن الأكوع قال: كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلي المغرب ساعة تغرب الشمس إذا غاب حاجبها 4. وفي الصحيحين 5 أيضًا نحوه.
قوله: وهو ظاهر في الصحاري وأما غيرها فالاعتبار بألا يري شئ من شعاع الشمس على أطراف الجدران وقلل الجبال انتهى.
قال الجوهري: القلة أعلى الجبل وقلة كل شئ أعلاه ورأس الإنسان قلته، وأنشد سيبويه عجائب تبدي الشيب في قلة الطفل.
قوله: وإلى متى يمتد وقت المغرب؟ فيه قولان: القديم أنه يمتد إلى غيبوبة الشفق لما روى عن بريدة أن رجلًا سأل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن وقت الصلاة فقال: صلى معنا هذين يعني اليومين إلى أن قال: وصلى المغرب في اليوم الثاني قبل أن يغيب الشفق 6.
الجزء: 2 - الصفحة: 407
وفي الصحيح: وقت صلاة المغرب ما لم يسقط الشفق 7.
وفي الجديد: إذا مضى قدر وضوء وستر عورة وأذان وإقامة وخمس ركعات فقد انقضى الوقت لأن جبريل -عليه السلام- صلاها في اليومين في وقت واحد، ولو كان لها وقتان لبين كما في سائر الصلوات.
ثم معلوم: أن ما لابد منه من شرائط الصلاة لا يجب تقديمه على الوقت فيحتمل التأخير بعد الغروب قدر ما يشتغل بها.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أنا كما اعتبرنا زمنًا يسع الطهارة الصغرى لعدم وجوبها قبل الوقت فكذلك الطهارة الكبرى لابد من اعتبار زمن يسعها سواء كان جنبًا أم لا، فينبغي أن نقول: إذا مضى قدر وضوء وغسل ولا يقتصر علي الوضوء ولا على الغسل أيضًا، وإن كان يتدرج فيه الوضوء لأنه يستحب له أن يأتي به مع الغسل مطلقًا وفي اعتبار زمن للطهارة عن النجس يجب, فإنه لا يجب إزالته قبل الوقت إذا لم يعص بإصابته بأن تلطخ به لكنه لا ينضبط مقداره, وقد عبر في النهاية بقوله: ويعتبر زمن الطهارة وكذلك في "شرح المهذب" أيضًا وهي شاملة لجميع ما ذكرته، وللتيمم أيضًا فإن الزمن المصروف له مع الطلب أكثر وبتقدير اعتبار الطهارة عنها أعني النجاسة فالقياس اعتبار الزمن المصروف للنجاسة المغلطة لأنها قد تصيبه، وتعليل الرافعي بدل للجميع.
الأمر الثاني: أن تعبيره بستر العورة قد ذكره في بقية كتبه وتابعه عليه أيضًا النووي وهو تعبير مردود مخالف لما ذكروه من استحباب التعميم والتقمص والارتداء ونحوها، وقد رأيت في "الإقناع" للماوردي و"المجرد" لسليم الرازي و"المقصود" لنصر المقدسي اعتبار مقدار لبس الثياب ولم يخصوه بستر العورة وهو حسن.
الجزء: 2 - الصفحة: 408
الأمر الثالث: أن مقتضى إطلاقه أنه لا فرق في اعتبار الأذان والإقامة بين الرجل والخنثى والمرأة وهو ظاهر فإنا إذا لم تستحب للمرأة والخنثى الأذان فإنا نستحب لها الإجابة.
الأمر الرابع: وهو مبني على مقدمة، وهي: أن الركعات الخمس المعتبرة في وقت المغرب منها ثلاث للفرض، قال الإمام في "النهاية" والغزالي في "عقود المختصر": تعتبر فيها الفاتحة وقصار المفصل، وعبارة القاضي حسين: وسور قصار، وأما الركعتان الباقيتان، فهل هما سنة المغرب التي بعدها أو الركعتان المستحبتان قبلها عند بعضهم؟ فيه خلاف.
جزم الإمام في "النهاية" بالثاني وتبعه صاحب "التعجيز" في شرحه له، وجزم النووي في "شرح الوسيط" المسمى "بالتنقيح" "وشرح المهذب" بالأول ذكر ذلك في أثناء الاستدلال علي اتساع، وقتها جزم به أيضًا الرافعي في "الشرح الصغير" فقال بعد اعتبار الخمس ما نصه: وللأصحاب وجه أنه تستحب ركعتان خفيفتان قبل المغرب فقياسه اعتبار سبع هذا لفظه وهو صريح فيما قلناه.
وقد صرح به أيضًا البغوي في "التهذيب" فقال: وهو أن يتطهر ويستر عورته ويؤذن ويقيم ويصلي خمس ركعات، وقيل: وقدر ركعتين بين الأذان والإقامة هذه عبارته.
إذا علمت هذا فقد جزم النووي في كتبه كلها باعتبار الخمس ولم يتعرض للسبع ثم صحح في كتبه أيضًا استحباب الركعتين قبلها استحبابها مع تصحيح الخمس لا يجتمعان.
الأمر الخامس: أن الاستدلال بحديث جبريل على تضييق وقت المغرب
الجزء: 2 - الصفحة: 409
مذكور في أكثر كتب الشافعية وهو عمدتهم فيما ذهبوا إليه، والاستدلال به غريب، فإنه ليس فيه دلالة البتة، بل وليس على محل النزاع، فإن النزاع إنما هو في الوقت الجائز لا في الوقت المختار، وجبريل -عليه السلام- إنما بين الوقت المختار ولم يبين الوقت الجائز، ولذلك قالوا: إن الصبح يشتمل على وقت اختيار وهو ما بينه جبريل ووقت جواز وهو ما عدا ذلك إلى الإسفار.
وذكروا أيضًا مثله فى "العصر وكذلك في العشاء وقالوا: إن وقت الظهر جميعه وقت اختيار؛ لأنه ليس فيه وقت خارج عما بينه، وإذا تقرر أن جبريل إنما بين الوقت المختار وسكت عن الوقت الجائز فيكون الوقت المختار للمغرب لا يمتد إلى غروب الشفق بل مضيقًا وهو المسمى بوقت الفضيلة ونحن نسلم ذلك، وأما الوقت الجائز وهو محل النزاع فليس فيه تعرض له.
وما ذكرناه من أن وقت الفضيلة هو وقت الاختيار في المغرب هو الصواب وحكى في "شرح المهذب" وجهًا أن وقت الاختيار يمتد إلى نصف الوقت، وجزم به ابن الرفعة في "الكفاية" ونقله عن الأصحاب ويدفعه ما نقله الترمذي عن العلماء كافةً من الصحابة فمن بعدهم من كراهة تأخير المغرب.
الأمر السادس: أن حديث بريدة الدال على اتساع وقت المغرب قد رواه مسلم في صحيحه، والحديث الذي بعده قد صرح الرافعي بأنه في الصحيح، وهو كذلك، فإن مسلمًا رواه أيضًا بألفاظ مختلفة، وأما حديث بيان جبريل فقد سبق.
الجزء: 2 - الصفحة: 410
قوله: والاعتبار في جميع ذلك بالوسط المعتدل.
انتهى.
قال القفال: ويعتبر في حق كل إنسان الوسط من فعل نفسه لأنهم يختلفون في ذلك، فبعضهم خفيف الحركات والجسم والقراءة، وبعضهم عكسه والذي ذكره القفال حسن يصلح أن يكون شرحًا لكلام الرافعي فليحمل عليه واعلم أن المتجه اعتبار زمن الاجتهاد في القبلة، لأنها شرط من شروط الصلاة كالطهارة والستر وهل يعتبر مع ذلك مدة المعنى إلى الجماعة؟ فيه نظر.
وحكي النووي في "شرح المهذب" وجهًا ادعى أنه قوى وهو تقدير وقت المعرف بالعرق فمتى أخر عن المتعارف في العادة خرج الوقت.
قوله: ويحتمل أيضًا أكل لقم يكسر بها سؤرة الجوع.
انتهى كلامه.
وذكر النووي أيضًا مثله في "الروضة" و"التحقيق" وقال في "شرح الوسيط" المسمى "بالتنقيح": الصحيح الصواب أن من حضره الطعام يأكل إلى أن يشبع لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "ولا يعجل حتى يفرغ" 8 رواه الشيخان من رواية ابن عمر، وذكر في "شرح المهذب" مثله واستدل بما أخرجه الشيخان عن أنس أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إذا قدم العشاء فابدؤوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب ولا تعجلوا عن عشائكم" 9.
قوله: واختار طائفة من الأصحاب القديم ورجحوه وعندهم أن المسألة مما يفتي فيها على القديم.
انتهى.
واعلم أن الشافعي في "الإملاء" قد علق القول بالإتساع على صحة
الجزء: 2 - الصفحة: 411
الحديث كذا نقله عنه ابن الصلاح في "مشكل الوسيط" قال: وقد ثبت الحديث بل أحاديث فيكون قول الإتساع جديدًا، وذكر مثله النووي وصححه في أكثر كتبه فقال في "الروضة": إنه الصواب، وقال في "المنهاج" إنه الأظهر وقال في موضعين من "شرح المهذب": إنه الصحيح وعبر في "التصحيح" و"التحقيق" بالمختار.
قوله: وعلى هذا القول يعني الجديد لو شرع في المغرب في الوقت المضبوط فهل يجوز أن يستديم صلاته إلى أن ينقضي هذا الوقت، إن قلنا إن الصلاة التي وقع بعضها في الوقت وبعضها بعده أداء، وإنه يجوز تأخيرها إلى أن يخرج عن الوقت بعضها فله ذلك لا محالة.
وإن قلنا: لا يجوز ذلك في سائر الصلوات ففي المغرب وجهان أحدهما: المنع، وأصحهما أنه يجوز مدها إلى غروب الشفق لما روي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قرأ سورة الأعراف في المغرب 10. انتهى كلامه.
وحاصله أنه إذا مد غير المغرب من الصلوات حتى خرج الوقت فينبغي على أن الصلاة إذا وقع بعضها في الوقت وبعضها بعده هل هي أداء أو قضاء؟
فإن قلنا: إنها قضاء أو بعضها فلا يجوز، وإن قلنا إنها أداء فينبني على أنه هل يجوز التأخير إلى ذلك الوقت أم لا؟ فإن جوزنا التأخير جوزنا المد وإلا فلا.
والصحيح عند الرافعي أن التأخير إلى إخراج بعضها لا يجوز.
وإن قلنا إنها أداء فيكون الصحيح المنع من مد الصلوات إلى خروج الوقت إلا المغرب فإنه يجوز مدها إلى مغيب الشفق.
إذا علمت حاصل ما ذكره هنا فقد ذكر بعد هذا في الباب أيضًا أنه إذا
الجزء: 2 - الصفحة: 412
شرع في الصلاة وقد بقى من الوقت ما يسعها فمدها بتطويل القراءة حتى خرج الوقت، فإنه لا يأثم ثم قال: وفي كراهته وجهان: أصحهما: أنه لا يكره أيضًا وسأذكر لفظه بعد هذا إن شاء الله تعالى مع أمور تتعلق، وأنه هل يشترط في جواز ذلك فعل ركعةٍ أم لا؟ والذي قاله هنا مع ذلك متباينان تباينًا فاحشًا فإنه قطع ثانيًا بجواز مد غير المغرب، وحاصل المذكور هنا منعه وقطع في المغرب بمنع مدها إلى ما بعد مغيب الشفق وتردد فيما قبل مغيبه مع أن مد المغرب إلى ما بعد الشفق هو نظير مد سائر الصلوات، فكيف يقطع بمنعه ويتردد فيما قبله؟ بل قد ذكر هنا أن المغرب أولى بالمد من سائر الصلوات، فإنه جوز مدها مع المنع في غيرها، وقد وقع الموضعان كذلك في "الروضة" و"شرح المهذب" و"التحقيق"، وذكر في الشرح الصغير الموضع الأول وهو المذكور في المغرب ولم يذكر الثاني وكذلك في المختصرات.
وحديث قراءة الأعراف في المغرب رواه البخاري عن زيد بن ثابت ولفظه قال: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقرأ فيها بطولى الطوليين قال ابن أبي مليكة طولى الطوليين الأعراف والمائدة، ورواه عنه أيضًا الحاكم في "المستدرك" 11 ولفظه "كان يقرأ في المغرب سورة الأعراف في الركعتين كلتيهما" ثم قال: إنه صحيح على شرط الشيخين.
قوله: وإلى متى يمتد وقت الاختيار في العشاء؟ فيه قولان:
أصحهما: إلى ثلث الليل لبيان جبريل -عليه السلام-، والثاني: إلى ما نصفه لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ولأخرت العشاء إلى نصف الليل" 12 انتهى كلامه.
وما ذكره من تصحيح القول الذاهب إلى الثلث قد صححه أيضًا النووي
الجزء: 2 - الصفحة: 413
في "الروضة" و"التحقيق" و"تصحيح التنبيه" وغيرها، وخالف في "شرح مسلم" فقال: الأصح أنه يبقى إلى نصف الليل ذكر ذلك في آخر باب أوقات الصلاة وهو بعد كتاب الصلاة بكراريس كثيرة.
ونقل في "شرح المهذب" تصحيح كل قول عن طائفة وطائفة النصف أكثر، نقل ذلك عن الشيخ أبي حامد والمحاملي وسليم الرازي والجرحاني والشيخ نصر المقدسي والروياني والزبيري ثم قال: المختار الثلث ثم صرح بتصحيحه فيه بعد ذلك أيضًا، وحديث جبريل سبق بيانه.
وأما الثاني فقال في "شرح المهذب": إنه بهذا اللفظ حديث منكر لا يعرف.
نعم: في الحديث "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه" 13 رواه الترمذي من حديث أبي هريرة ثم قال: إنه حسن صحيح، ويغني عن هذا كله ما رواه مسلم 14 عن عبد الله بن عمرو بن العاص من جملة حديث: "ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط".
قوله: وفيه وجه ذهب إليه الإصطخري، وأبو بكر الفارسي أنه إذا ذهب وقت الاختيار فقد ذهب وقت الجواز لظاهر حديث جبريل ولقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "وقت العشاء ما بينك وبين نصف الليل".
انتهى.
وهذا الذي حكاه وجهًا قد نقله سليم الرازي قولًا للشافعي وأغرب من ذلك أنه جعله القول الجديد، وجعل القديم امتداده إلى طلوع الفجر كذا
الجزء: 2 - الصفحة: 414
رأيته في كتابيه "التقريب" و"المجرد"، وذكر الماوردي في "الحاوى" أيضًا أن الشافعي أشار إليه في موضع من "الأم"، وأما الفارسي فلم يجزم بل له في المسألة احتمالان كذا رأيته في شرح التلخيص للقفال، والحديثان سبق الكلام عليهما قبل هذه المسألة.
واعلم أنه قد ثبت في "صحيح مسلم" 15 عن النواس بن سمعان قال: ذكر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الدجال قلنا: يا رسول الله، ما لبثه في الأرض؟ قال: "أربعون يومًا، يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم" قلنا يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم قال: "لا اقدروا له قدره" انتهى.
وحينئذ فيستثني هذا اليوم مما ذكر في المواقيت جميعها فإنه سيحتاج إليه.
قوله: ثم في الوقت الذي يجوز فيه تقديم أذان الصبح عليه وجوه أظهرها: أنه يقدم في الشتاء لسبع بقى من الليل وفي الصيف لنصف سبع بقى من الليل، روى عن سعد القرظي قال: كان الأذان على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الشتاء لسبع بقى من الليل وفي الصيف لنصف سبع 16.
والثاني: أنه يدخل بالنصف الثاني.
والثالث: بخروج وقت الاختيار.
والرابع: إذا بقى السبع صيفًا كان أو شتاء.
والخامس: أن جميع الليل وقت له كما أنه وقت لنية صوم الغد.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن الرافعي قد ذكره في صلاة العيد ما يخالف المذكور هنا فذكر
الجزء: 2 - الصفحة: 415
ما حاصله أنه يدخل بنصف الليل، وسأذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى وصححه أيضًا النووي في كتبه كلها قال في "الروضة": واعتمد من رجح الأول حديثًا باطلًا محرفًا.
وذكر في أصل "المنهاج" ما يوافق هذا أيضًا فقال: وشرطه الوقت إلا الصبح فمن نصف الليل، وعبارة الرافعي في المحرر يجوز في آخر الليل وليس صريحًا في شيء إلا أن الصحيح في كتاب الطلاق من "المحرر" و"الروضة" وغيرها أن آخر الشهر واليوم عبارة عن الجزء الأخير منه على الصحيح، وقيل يدخل بأول النصف الثاني.
وما رجحوه هناك يشعر بعدم مطابقة المنهاج والمحرر.
الأمر الثاني: أن الموجود في نسخ الرافعي تبعًا "للوسيط" سعد القرظي على نسبته إلى بني قريظة قال النووي في "تهذيب الأسماء واللغات" وفي غيره: إنه خطأ فاحش بلا شك قال: وإنما هو سعد القرظي بإضافته إلى القرظ وهو الذي يدبغ به، وأضيف إليه لأنه كان ملازمًا للتجارة فيه وهو من موالي عمار بن ياسر كان مؤذنًا للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في قباء، فلما ولى أبو بكر - رضي الله عنه - الخلاقة وترك بلال الأذان نقله أبو بكر إلى مسجد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليؤذن فيه، فلم يزل يؤذن حتى مات في أيام الحجاج وتوارثت بنوه الأذان.
وقيل: الذي نقله عمر بن الخطاب، وهذا الحديث المروي عنه رواه الشافعي في القديم بإسناد ضعيف كما قاله في "شرح المهذب"، وإنما ادعى في "الروضة" تحريفه، لأن فيه في الشتاء السبع ونصف يبقى وفي الصيف لسبع وليس مطابقًا لما قالوه.
الجزء: 2 - الصفحة: 416
ونقل صاحب "التعجيز" في شرحه عن الماوردي القول بمقتضاه في الشتاء وهو غلط فإن الذي فيه الجزم بما صححه النووي.
واعلم أن هذا الفرع قد نقله النووي في الروضة من هذا الباب إلى الأذان واعتذر عن نقله بكونه مناسبًا.
قوله من "زياداته": ويكره أن يقال للعشاء عتمة.
انتهى.
وما جزم به من الكراهة هنا قد جزم به أيضًا في "المنهاج" من "زوائده" وكذلك في "التحقيق" و"مهمات الأحكام" ثم ذكر عكس ذلك في "شرح المهذب" فقال نص الشافعي في "الأم": على أنه يستحب ألا تسمى بذلك وذهب إليه المحققون من أصحابنا، وقالت طائفة قليلة يكره هذا كلامه وقد ظهر لك منه أن الفتوى على عدم الكراهة.
قوله أيضًا من "زياداته": ويكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها لغير عذرٍ إلا في خير.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن هذه الكراهة تعم سائر الأوقات ولا تخض العشاء كذا قاله ابن الصلاح وهو متجه.
الثاني: أن سيأتي كلامهم يشعر بتصوير المسألة بما بعد دخول الوقت ولكن يحتمل القول بالكراهة قبل دخول وقت العشاء، وإن كان بعد فعل المغرب لخوف فوات الوقت وإن كان غير مخاطب بها.
الأمر الثالث: اختلفوا في كراهة الحديث بعدها فعلله في "شرح المهذب" بأن نومه يتأخر فيخاف مع ذلك أن يفوته الصبح عن وقتها أو عن أوله أو يفوته صلاة الليل إن كان ممن يعتادها، وعلله غيره بوقوع الصلاة التي هي أفضل الأعمال خاتمة عمله وربما في مات نومه، وعلله القرطبي في
الجزء: 2 - الصفحة: 417
"شرح مسلم" بأن الله تعالى قد جعل الليل سكنًا وهذا تخريجه عن ذلك.
الأمر الرابع: أن إطلاق الرافعي كراهة الحديث بعدها يدخل فيه ما إذا قدم المسافر العشاء وجمعها في وقت المغرب والمتجه خلافه، وقد يبني على المعاني السابقة، فإن قلنا بعدم الكراهة فهل يكره بدخول الوقت أو بمضى وقت الفراغ منها غالبًا؟ فيه نظر يأتي مثله في الأوقات المكروهة.
الأمر الخامس: أن إطلاقه أيضًا يقتضي الكراهة سواء صلى السنة أم لا وقد يبني أيضًا على المعاني المذكورة، فإن قيل: التعليل بخشية التفويت يقتضي كراهة الحديث قبل فعلها أيضًا فالجواب: أن إباحة الكلام قبل الصلاة تنتهي بالأمر بإيقاع الصلاة في وقت الاختيار وأما بعد الصلاة فلا ضابط له فيكون خشية التفويت فيه أكثر.
قوله في "الزيادات" أيضًا: واختلف العلماء في الصلاة الوسطى فنص الشافعي والأصحاب إنها الصبح، وقال الماوردي: صحت الأحاديث أنها العصر ومذهبه اتباع الحديث.
ذكر مثله في "التحقيق" و"شرح المهذب" أيضًا وقال في "شرح مسلم": الأصح: أنها العصر كما قاله الماوردي.
قوله: قاعدة الصلاة تجب بأول الوقت وجوبًا موسعًا فلو أخر من غير عذر ومات في أثناء الوقت قبل الفعل لم يعص في أصح الوجهين بخلاف الحج، لأن آخر وقته غير معلوم فأبيح له التأخير بشرط أن يبادر الموت وإذا مات قبل الفعل أشعر الحال بتقصيره، وفي الصلاة آخر الوقت معلوم.
انتهى كلامه.
ذكر نحوه النووي في كتبه وهذا الفرق هو معنى قول الأصحاب يجوز التأخير بشرط سلامة العاقبة.
الجزء: 2 - الصفحة: 418
ففيه أمور:
أحدها: أن التأخير في هذا وفي كل واجب موسع إنما يجوز بشرط العزم على الفعل كذا صححه النووي في التحقيق و"شرح المهذب" الثانى: أن هذا الخلاف لا يتصور [جريانه في المواضع التي يستحب فيها التأخير كالإبراد ونحوه [كالجمع] 17 للمسافر في وقت الأولى سواء مات في وقتها أو وقت الثانية وسيأتي في الحج كلام آخر متعلق بمسألتنا.
الثالث: أن ما جزم به ههنا من كون الجواز مشروطا بسلامة العاقبة قد أنكره في آخر كتاب الوديعة إنكارًا شديدًا وسأذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى فراجعه.
قوله: وهل يجوز تأخير الصلاة إلى حين يخرج بعضها عن الوقت؟ إن قلنا: إنها أو بعضها قضاء فلا.
وإن قلنا: إنها مؤداة فقد حكى إمام الحرمين عن أبيه ترديد الجواب في ذلك، ومال إلى أنه لا يجوز وهذا هو الذي أورده في "التهذيب" من غير تردد وبناءٍ على خلاف.
انتهى كلامه.
وهذه المسألة لم يمعن الرافعي النظر فيها فإنه لم ينقلها إلا عن الإمام البغوي، والمسألة مشهورة في المذهب قديمًا والجواز فيها أشهر فقد رأيت في "الغنية" لابن سريج أنه يجوز ورأيت في شرحها لبعض تلامذة القفال نقلًا عن شيخه ذلك من غير مخالفة له، ونقله الماوردي عن ابن سريج وابن خيران، ونقله في "شرح المهذب" عن البندنيجي ونقله ابن الرفعة عن الماوردي والعراقيين ورأيت في "الإفصاح" لأبي علي الطبري أنه ظاهر نص الشافعى، قال: وهو الأشبه، وصحح الرافعي في "الشرح الصغير"
الجزء: 2 - الصفحة: 419
والنووي في "أصل الروضة" المنع استنادًا لما في "الكبير" من النقل عن هذين، وقد ذكر الرافعي فرعين يشكلان على المنع ويوافقان الذاهب إلى الجواز: أحدهما: في أخر صفة الصلاة، والثاني: في صلاة المسافر في الكلام على جمع التأخير، وستعرفهما في موضعهما إن شاء الله تعالى.
قوله: ولو شرع فيها وبقى من الوقت ما يسع الجميع لكن مدها بطول القراءة حتى خرج الوقت لم يأثم ولا يكره له أيضًا في أظهر الوجهين.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن الرافعي قد ذكر في الكلام على المغرب ما يخالفه المذكور هنا، وقد سبق إيضاحه فراجعه.
الثاني: أن الرافعي وغيره قد أطلقوا هذه المسألة ولم يقيدوها بما إذا صلى ركعة في الوقت، فهل الإطلاق محمول على هذا التقييد لأنهم قد قرروا أن الصلاة لا تكون أداءًا إلا بفعل ركعة في الوقت أو الحكم كما أطلقوه؛ لأن الحمل الذي جعلوها فيه قضاء بفعل ما دون الركعة إنما هو عند ضيق الوقت، وأما مسألتنا فالوقت يسعها فقد يقال بجوازه كما جوزنا إخراج بعضها ههنا لأجل عدم التقصير وإن لم نجوز التأخير حتى يضيق الوقت والمتجه الأول وهو اشتراط الركعة.
الثالث: أنا وإن قلنا: إن التطويل إلى خروج الوقت لا يكره فهو خلاف الأولى كذا قاله في "شرح المهذب" وغيره.
الجزء: 2 - الصفحة: 420
الرابع: أن بعض الأصحاب قد ذهب إلى تحريم ذلك وقد ذكره النووي في "الروضة" مستدركًا به على الرافعي في زعمه بأنه لما اختصر كلام الرافعي لم يطلع على الخلاف فتوهم إن المسألة مقطوع بها فصرح بذلك فقال: لم يأثم قطعا هذا لفظه ثم ظفر بعد ذلك بالخلاف فالحقه مستدركًا به عليه من "زياداته" فتفطن لذلك واعلم بأنه من سوء تصرفه.
قال القاضي حسين: وهذا الخلاف مبني على أن هذه الأوقات وقت للدخول والخروج أو للدخول فقط، ورأيت في "المتعمد" شيئًا غريبًا وهو حكاية الخلاف في المد في استحبابه لا في جوازه ولا في كراهته.
ورأيت في "الإحياء" للغزالي طريقة غريبة عكس ذلك هي الجزم بأن مد الصلاة إلى ما بعد أول الوقت وهو وقت الفضيلة خلاف الأفضل.
قوله: والصلاة أول الوقت أفضل لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أفضل الأعمال الصلاة لأول وقتها" 18 وبم تحصل فضيلة الأولوية؟ حكى الإمام فيه ثلاثة أوجه أقربها عنده أنها تحصل بأن يشتغل بأسباب الصلاة كالطهارة والأذان كما دخل الوقت فإنه لا يعد حينئذ متوانيًا ولا مقصرًا.
والثاني: يبقى وقت الفضيلة إلى نصف الوقت لأن معظم الوقت باق ما لم يحضر النصف وإلى هذا مال الشيخ أبو حامد واعتبر نصف وقت الاختيار.
والثالث: لا تحصل الفضيلة إلا إذا قدم ما يمكن تقديمه من الأسباب لتنطبق الصلاة على أول الوقت وعلى هذا قيل: لا ينال المتيمم فضيلة الأولية، وقال الشيخ أبو محمد: لابد من تقديم ستر العورة لأنه لا يختص بالصلاة.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
الجزء: 2 - الصفحة: 421
أحدهما: أن ما ذكره -رحمه الله- في المتيمم تفريعًا على الثالث غير منتظم؛ لأن الشرط في هذا الوجه على ما ذكره إنما هو تقديم ما يمكن تقديمه والتيمم لا يمكن تقديمه على الوقت فكيف يصح نفي الفضيلة معه تفريعًا على الوجه المذكور.
واعلم أن هذا الخلل إنما وقع من تعبير الرافعي فتابعه عليه في "الروضة" لا من الإمام، فإن الإمام إنما فرعه على اشتراط انطباق الصلاة بأول الوقت ولم يشترط فيه عدم إمكان التقديم فقال: واعلم أن قول هذا القائل لتنطبق الصلاة يظهر أن يكون المراد به الصلاة المأمور بها في ذلك الوقت فرضًا كانت أو سنة حتى لا يصير الاشتغال بالسنة الراتبة المتقدمة.
الثاني: أن المتيمم قد ينال الفضيلة وذلك إذا جوزنا صلاة الوقت بالتيمم للفائتة.
الثالث: أن ما ذكره الشيخ أبو محمد في تعليل ستر العورة لا يأتي في الحرة إلا فيما بين السرة والركبة خاصة؛ لأنه الذي يجب سترة منها في الخلوة كما سنوضحه في موضعه.
الرابع: أن هذا الوجه الذي رجحه الإمام قد رجحه الرافعي في الشرح الصغير وعبر بالأقرب كما عبر الإمام، وصححه النووي في "شرح المهذب" والتحقيق وفي أصل الروضة أيضًا.
الخامس: أن ما ذكره الرافعي من جواز تأخير الصلاة عن أول الوقت ليس على إطلاقه بل الأصح على ما قاله في "شرح المهذب": أنه يشترط فيه وفي كل واجب موسع أن يعزم على الفعل في أثناء الوقت.
السادس: أن الكاف في قول الرافعي: كما دخل الوقت بمعنى عند وهي عجمية، والحديث المذكور رواه [الدارقطني وابن خزيمة وابن حبان
الجزء: 2 - الصفحة: 422
في صحيحهما وقال الحاكم] 19 والبيهقي في "الخلافيات": إنه على شرط الشيخين، ولفظ الصحيحين: الصلاة لوقتها.
قوله: أما الظهر فظاهر المذهب أنه يستحب فيها الإبراد، فإن شدة الحر من فيح جهنم، ومن الأصحاب من قال الإبراد رخصة فلو تحمل المشقة وصلى في أول الوقت فهو أفضل.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على حكاية الذهاب إلى الرخصة وجهًا وزاد عليه فقال: إنه شاذ، وليس كذلك فقد نص عليه الشافعي في "البويطي"، ونقل ابن الصلاح في "مشكل الوسيط" أن الشيخ أبا علي السنجي قال: إنه الصحيح، والحديث المذكور رواه الشيخان من رواية أبي هريرة.
وفيح بفاء مفتوحة وياء ساكنة بنقطتين من تحت وبالحاء المهملة والمراد به هنا غليان جهنم وانتشار لهبها ووهجها نعوذ بالله تعالى منها.
ويفهم من كلام الرافعي أنه لا يستحب الإبراد بالأذان وقد نقله في المطلب عن بعضهم وأنه حمل حديث أبي ذر في تأخير الأذان على الإقامة، وسيأتي [ذكره] 20.
قوله: والإبراد المحبوب أن يؤخر إقامة الجماعة عن أول الوقت في المسجد الذي يأتيه الناس من بعد ما يقع للحيطان ظل يمشي فيه الساعون إلى الجماعة فلو قربت منازلهم أو حضر جمع في مسجد لا يأتيهم غيرهم فلا إبراد أيضًا وفيه قول، ولو كان يمشي في ظل أو يصلي منفردًا في بيته فلا إبراد أيضًا وفيه وجه.
انتهى.
ذكر في "الروضة" أيضًا وفيه أمور:
الجزء: 2 - الصفحة: 423
أحدها: أن تعبيره بالمسجد جرى فيه على الغالب وإلا فالأوجه إلحاق المدارس والربط وسائر أمكنة الجماعة بذلك، ويدل عليه ما رواه البخارى عن أبي ذر أن مؤذن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أراد أن يؤذن وكان في سفر فقال له: أبرد قال: حتى ساوى الظل التلول 21.
وفي "صحيح أبي عوانة": أن بلالًا أراد أن يؤذن.
وفي آخر الحديث: ثم أمره وأقام، ونقل البيهقي عن رواية غندر أنه أمره بذلك بعد التأذين.
الأمر الثاني: إنه وقع في "المنهاج" حكاية الخلاف فيمن قربت منازلهم وفي جمع لا يأتيهم غيرهم وجهين والمعروف أنه قولان كما وقع هنا.
الثالث: إن تقييده بقوله لا يأتيهم غيرهم.
يقتضي أن المقيمين في المسجد كالمقيمين الآن في المسجد الحرام بمكة والحاضرين فيه في أول الوقت اتفاقًا يستحب لهم الإبراد تبعًا لغيرهم وهو واضح لا شك فيه، وكلام الشافعي أيضًا يدل عليه، ويؤيده أن بيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان في المسجد وكان يبرد بالناس وفيهم أهل الصفة المقيمون في المسجد.
نعم: سبق في التيمم أن المنفرد الراجي للجماعة في أثناء الوقت يستحب أن يصلي أيضًا منفردًا ثم يأتي بها مع الجماعة، وقياسه هنا كذلك إلا أن ذلك لم ينقل عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
الأمر الرابع: لم يستثن المصنف من استحباب تعجيل الصلاة إلا ما تقدم مع أنه يستثني أيضًا المسافر فإنه يستحب له إذا كان سائرًا في وقت الأولى أن يؤخرها إلى وقت الثانية، وكذلك الواقف بعرفة فإنه يستحب له تأخير المغرب ليجمعها مع العشاء بمزدلفة وإن كان وقت وجوبها نازلًا, وكذلك المقيم بمنى للرمي يستحب له تأخير الظهر عنه كما تعرفه في الحج ومن يدافعه الحدث أو يحضره طعام يتوقف إليه وغيره مما يأتي في
الجزء: 2 - الصفحة: 424
الجماعة أو غيرها والمنفرد إذا تحقق الجماعة أو رجاها على ما سبق في التيمم.
[قوله: في "الروضة" ويختص استحباب الإبراد بالبلاد الحارة على الأصح المنصوص.
انتهى.
واعلم أن مقابل الأصح أنه يتعدى إلى المعتدلة خاصة لا إليها وإلى الباردة هذا هو الذي اقتضاه كلام الرافعي فاعلمه] 22.
قوله: وأما الصبح فيستحب فيها التعجيل أيضًا لما روى عن عائشة قالت: كان النساء ينصرفن من صلاة الصبح مع رسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهن متعلقات بمروطهن ما يعرفن من الغلس 23. انتهى.
يقال: لفع رأسه تلفيعًا أى غطاه وتلفعت المرأة بمرطها أى تلفحت به، واللفاع: ما يتلفع به، قاله الجوهري.
قال: والمرط بكسر الميم واحد المروط وهي أكسية من صوف أو خز والحديث المذكور رواه الشيخان.
قوله: ولو أخبر عدل عن دخول الوقت بالمشاهدة اعتمد البصير والأعمى، فإن أخبر عن اجتهاد لم يقلده البصير والقادر على الاجتهاد، ويجوز للأعمى تقليده في أصح الوجهين وحينئذ فيخير بينه وبين الاجتهاد.
والمؤذن العالم بالمواقيت في الصحو كالمخبر عن مشاهدة وفي القيم كالمجتهد فلا يقلده البصير وفي الأعمى الوجهان، وحكى في "التهذيب" وجهين في تقليد المؤذن من غير فرق بين الأعمى والبصير وقال: الأصح الجواز واحتج عليه بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "المؤذنون أمناء الناس على صلواتهم"؛ ويحكى أن ابن سريج ذهب إليه، والتفضيل المتقدم أقرب وهو اختيار
الجزء: 2 - الصفحة: 425
الروياني وغيره.
انتهى ملخصًا.
واعلم أن الشافعي -رحمه الله- قد نص على المسألة وأجاب بالجواز مطلقًا والغريب أن صاحب "التهذيب" قد ذكره من جملة ما ذكر ونقله عنه النووي في "الروضة" وغيره فقال: قلت: الأصح ما صححه صاحب التهذيب، وقد نقله عن نص الشافعي - رضي الله عنه - وبه قال الشيخ أبو حامد وصححه البندنيجي وصاحب "العدة" وغيرهم والله أعلم.
والحديث المذكور رواه أبو داود والترمذي بإسناد ضعيف.
قوله: وإذا لزم الاجتهاد وصلى من غير اجتهاد لزمه الإعادة وإن وقعت صلاته في الوقت.
انتهى كلامه.
ومقتضاه أنه لا فرق في وجوب الإعادة بين أن يظن دخول الوقت أم لا وهو كذلك كما نقله النووي في "شرح المهذب" عن "التتمة" وأقره وما جزم به الرافعي من وجوب الإعادة قد ادعى في "شرح المهذب" أنه لا خلاف فيه وليس كذلك فقد حكي العبادي في "الطبقات" عن أبي سهل الصعلوكي أنه لا تجب.
قوله من "زياداته": ولو علم المنجم دخول الوقت بالحساب، حكى صاحب "البيان" أن المذهب: أنه يعمل به بنفسه ولا يعمل به غيره.
انتهى.
ذكر مثله أيضًا في "شرح المهذب" وفيه أمران:
أحدهما: أن الصحيح ما قاله صاحب "البيان" كذا صححه في التحقيق أعني النووي وعبر بالمذهب أيضًا.
الأمر الثاني: إذا علم المنجم أو الحاسب دخول رمضان فالصحيح أنه يجوز له العمل به دون غيره ولكن لا يجب عليه أيضًا، كذا صححه
الجزء: 2 - الصفحة: 426
النووي في "شرح المهذب" ولم يصحح الرافعي شيئًا، وحينئذ فالقياس أن يكون هذا التفضيل المذكور هنا إنما هو أيضًا في الجواز فقط لا في الوجوب حتى لو فرضنا ذلك في المغرب مثلا لم يلزمه المبادرة، ولو فرضناه في الصبح جاز له أن يصليها ولا يمتنع عليه الطعام لو كان صائما؛ لأنه لا يلزمه الأخذ فاعلم ذلك على ما فيه من الإشكال وستكون لنا عودة في الصوم إلى المسألة.
إن شاء الله تعالى.
الجزء: 2 - الصفحة: 427
الفصل الثاني: في وقت المعذورين
ونعني بالعذر ما يسقط القضاء كالجنون والصبي والحيض والكفر ولها ثلاثة أحوال.
الأول: أن تكون موجودة في أول الوقت ولكن -تزول في آخره فإذا زال ذلك وقد بقى من الوقت مقدار ركعة وكذا دونها على أصح القولين لزمه فرض الوقت ثم قال: والمعتبر في الركعة أخف ما يقدر عليه أحد وإنما يلزم فرض بإدراك قدر الركعة بشرط وهو أن تمتد السلامة عن الموانع قدر إمكان فعل الطهارة وتلك الصلاة، أما لو عاد مانع قبل ذلك فلا.
مثال: إذا بلغ الصبي في آخر وقت العصر ثم جن أو أفاق المجنون ثم عاد جنونه، فإن مضى في حال السلامة قدر ما يسع أربع ركعات بعد الطهارة لزمته العصر وإلا فلا.
انتهى.
تابعه عليه في "الروضة" وفيه أمور:
أحدها: أن ما ذكره من الرجوع في هذه الركعة إلى أخف ما يقدر عليه [أحد مشكل خارج عن القواعد بل القواعد تقتضي الرجوع إلى أخف ما يقدر عليه] 24 الغالب أو صاحب الواقعة أو إلى الوسط بين ذلك كما سبق في المغرب.
الثاني: أنه ساكت عن السترة، والقياس اعتبارها أيضًا بل لو قيل باعتبار من الاجتهاد في القبلة لكان متجها لأنها أيضًا من جمله شروط الصلاة وإلا فما الفرق؟
الأمر الثالث: أن التعبير بالطهارة يدخل فيه طهارة الخبث والحدث
الجزء: 2 - الصفحة: 428
أصغر كان أو أكبر وهو متجه أيضًا، وقد تقدم في الكلام على وقت المغرب نحوه.
الرابع: أن الحكم الذي ذكره في المثال المذكور وهو لزوم العصر بخلو المانع عن مقدار ما يسعها هي والطهارة خاصة عجيب، فإن المغرب لا سبيل إلى عدم إيجابها مع كونه قد أدرك من وقتها ما يسعها، وإذا أوجبنا تعين أى يصرف إليها من الوقت الخالي عن الموانع ما يكفيها لأنها صاحبة الوقت، وما فضل يجعل للعصر ويلزم من ذلك حينئذ عدم وجوبها في مثالنا، لأن الفاضل لا يكفيها؛ فاعلم ذلك فإنه منهم مطرد في سائر الصلوات ولهذا صرح الرافعي في آخر الحال فيما إذا زال العذر في أثناء وقت الثانية وعاد بأنه لابد في وجوب [الصلاتين] 25 من زوال المانع مدة تسعهما،
ومسألتنا أولى وقد صرح بها البغوي في "التهذيب" يدل عليه أن المريض إذا مات بعد التمكن من صوم البعض لا يلزمه الفدية عن الباقي؛ لأن الأمر بالقضاء شرطه التمكن من القضاء.
قوله: في المسألة فإن كانت الصلاة مما تجمع مع قبلها كالعصر والعشاء لزم أيضًا الظهر والمغرب؛ لأن وقت العصر وقت الظهر في حالة العذر ففي حالة الضرورة وهي فوق العذر أولى.
انتهى.
تابعه عليه في "الروضة" أيضًا وفيه أمران:
أحدهما: أنه لابد من زوال المانع في زمن يسع الصلاتين لأجل ما تقدم نقله قريبًا عن الرافعي، بل مسألتنا هذه أولى من تلك بالاشتراط؛ لأن الإدراك في الوقت أقوى منه خارج الوقت.
الأمر الثاني: أن هذا التعليل يقتضي أن الظهر إذا أدركها في وقت الثانية
الجزء: 2 - الصفحة: 429
تكون أداء لا قضاء كما قالوا به في المسافر وهو محتمل والمتجه خلافه.
قوله: وهل تعتبر مع الركعة أو دونها أن يدرك من الوقت ما يسع الطهارة؟ فيه قولان:
أحدهما: نعم لأن الصلاة إنما تمكن بعد تقديم الطهارة.
وأصحهما: لا؛ لأن الطهارة لا تختص بالوقت ولا تشترط في الإلزام، وإنما تشترط في الصحة، ألا ترى أن الصلاة تجب على المحدث ويعاقب على تركها.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذا الخلاف قد حكاه الرافعي في الشرح الصغير وجهين على خلاف ما حكاه ههنا وكلاهما صحيح؛ لأن الإمام في النهاية حكاهما قولين ثم قال: وأرى أنهما مخرجان وإذا كانا مخرجين صح التعبير بالوجهن أيضًا؛ لأن القول المخرج في الحقيقة وجه وكذلك صححوا أنه لا ينسب إلى الشافعي.
الأمر الثاني: أن هذا التعليل الذي علل به عدم اشتراط إدراك ما يسع الطهارة في الوقت يقتضي أيضًا عدم اشتراطه خارجه وقد تقدم تصحيح خلافه.
قوله: الحالة الثانية أن يخلو أول الوقت عن العذر ويوجد في أثنائه كما لو طرأ الحيض أو النفاس أو الجنون أو الإغماء فينظر إن كان الوقت الماضي قدر ما يسع الصلاة استقرت الصلاة وجب القضاء وإلا فلا، والمعتبر أخف ما يمكن الركعتين في ظهر المسافر ثم قال: ولا يعتبر مع إمكان فعل الصلاة زمان إمكان الطهارة من الوقت؛ لأن الطهارة يمكن تقديمها على الوقت، فإن
الجزء: 2 - الصفحة: 430
لم يجز تقديمها كالتيمم وطهارة المستحاضة فلابد من زمن لها أيضًا ولإخلاء وسط الوقت عن العذر ثم عاد كان كأوله.
انتهى كلامه.
والتمثيل في آخر كلامه بالتيمم وطهارة المستحاضة قد يوهم اختصاص ذلك بمن فيه مانع من رفع الحدث، ولا شك أن الحيض والنفاس والإغماء ونحوهما لا يمكن معها فعل الطهارة، وحينئذ فإذا طهرت الحائض مثلًا في أخر الوقت ثم جنب بعد إدراك [فعل] 26 الصلاة خاصة فينبغي عدم الوجوب؛ لأن الزمن المتقدم على المقدار الذي أدركته وهو زمن الحيض لا يمكن فيه فعل الطهارة.
قوله: وقال البلخي: حكم أول الوقت حكم آخره فيجب القضاء بإدراك ركعة أو تكبيره، ثم قال بعد ذلك بقليل: والعصر لا يلزم بإدراك وقت الظهر ولا العشاء بإدراك وقت المغرب خلافا للبلخي حيث قال: إذا أدرك من وقت الظهر ثماني ركعات ثم طرأ العذر لزمه الظهر والعصر جميعًا كما تلزمه الأولى بإدراك الثانية.
انتهي.
تابعه في "الروضة" على هذا النقل عن البلخي مع أن اشتراط الثمانية في إيجاب الصلاتين لا يستقيم مع ما تقدم عنه من إيجاب الصلاة بإدراك بعضها لأنه إذا اكتفي بالبعض فلا يشترط أربع في مقابلة الظهر، وقد ذكره على الصواب جماعة منهم الماوردي فقال ما حاصله: إن البلخي يجعل إدراك الركعة في أول وقت الظهر كإدراكها في آخر وقت العصر حتى يجب عليه بسببها الظهر وفي العصر القولان، وذكر الإمام نحوه أيضًا فقال قبيل باب صفة الأذان: وذهب أبو يحيى البلخي من أئمتنا إلى أن القول في إدراك أول الوقت في رعاية التكبير على قول الركعة على آخر، والنظر في
الجزء: 2 - الصفحة: 431
إدراك صلاة العصر بإدراك وقت الظهر كالقول في إدراك الظهر في آخر العصر هذا كلام الإمام على أن جماعة قد ذكروا ما ذكروا الرافعي ثانيًا تجمع الرافعي بين المقالتين وهو لا فوقع فيما وقع.
قوله: ويؤمر الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين ويضرب على تركها إذا بلغ عشرًا لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع" 27، قال الأئمة: فيجب على الأباء والأمهات تعليم الأولاد الطهارة والصلاة والشرائع بعد السبع والضرب على تركها بعد العشر، وذكروا في اختصاص الضرب العشر معنيين:
أحدهما: أنه زمان احتمال البلوغ بالإحتلام فربما بلغ.
والثاني: أنه حينئذ يقوى ويحتمل الضرب.
وأجره تعليم الفرائض في مال الطفل، فإن لم يكن له مال فعلى الأب فإن لم يكن فعلى الأم، وهل يجوز أن يعطي الأجرة من مال الطفل على تعليم سورة الفاتحة والفرائض من القرآن والأدب؟ فيه وجهان.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أنه ليس في كلامه بيان لمن يتعاطى ذلك فنبينه إن شاء الله تعالى فنقول: إن لم يحتج ذلك إلى بذل مال فالمتجه وجوبه على من هو في حضانته إن كان الولد أنثى، فإن كان ذكرًا والأب موجود فيجب
الجزء: 2 - الصفحة: 432
عليه؛ لأن الولد يقيم عنده نهارًا بخلاف البنت وإن احتاج إلى بذل مال فالولي يتعاطاه مطلقًا إن وجب في مال الولد، فإن وجب في مال الأب ولم يكن وليًا فالمتجه عدم صحة الاستئجار منه، وإن وجب في مال الأم ولم تكن وصية فالمتجه صحة الاستئجار منها.
وفي وجوبه نظر.
ويحتمل أن يقال: إن كان الأب موجودًا بصفة الولاية لمحهو الذي يتعاطاه.
الأمر الثاني: أن الوجوب ليس قاصرًا على الآباء والأمهات، بل يجب كما قاله في "شرح المهذب" على الولي سواء كان أبًا أو جدًا أو وصيًا أو قيمًا من جهة الحاكم.
قلت: والملتقط ومالك الرقيق في معنى الأب وكذلك المودع والمستعير ونحوهما فيما يظهر.
قال الطبري في شرح التنبيه: ولا يقتصر في الأمر على مجرد صيغته، بل لابد معه من التهديد.
الأمر الثالث: المراد بالشرائع ما كان في معنى الطهارة والصلاة وذلك كالصوم ونحوه؛ لأنه المضروب على تركه.
الأمر الرابع: أن تعبيره ظاهر في اشتراط كمال السبع والعشر، وقد صرح به الشيخ نصر في المقصود وصرح به غيره أيضًا ولكن قياس المعنى الأول من معنى الضرب أن يكون دائرًا مع إمكان البلوغ، وقد صرح به الماوردي، وحينئذ فيضرب باستكمال تسع إذا قلنا أن إمكان البلوغ يدخل به، وهو الصحيح فتفطن لذلك واعلمه.
ولهذا قال الطبري في "شرح التنبيه": هل يعتبر في أمره وضربه استكمال السابعة والعاشرة؟ فيه وجهان.
الجزء: 2 - الصفحة: 433
ففي "شرح الكفاية" للصيمري أنه لو ضربه قبل العشر المرة المرتين ليعتاد كان أحوط.
الأمر الخامس: لا شك أن التمييز لابد منه فى الأمر والضرب، وتركه الرافعي لوضوحه لكن مقتضى عبارته أن السبع لابد منها وإن وجد التمييز قبلها، وقد صرح في "شرح المهذب" بما يدل عليه، وادعى في الكفاية أنه المشهور، وحكى معه وجهًا أنه يكفي التمييز وحده كما في المختصر الأبوين وبه جزم في "الإقليد".
الأمر السادس: أن الشافعي -رحمه الله- قد نص في المختصر على أن التعليم والضرب عليه يشرعان بمجرد التمييز كما هو المعهود والآن من المعلمين للأطفال فقال: وعلى الأباء والأمهات أن يؤدبوا أولادهم ويعلموهم الطهارة والصلاة ويضربوهم على ذلك إذا عقلوا هذه عبارته فاعلم ذلك.
وحينئذ فيكون الضمير في قول الرافعي والضرب على تركها يعود إلى الشرائع خاصة، وهو ظاهر عند التأمل.
الأمر السابع: اختلف عبارات الأصحاب في ضبط التمييز وأحسن ما قيل فيه أن يصير الطفل بحيث يأكل وحده ويشرب وحده ويستنجي وحده، وروى أبو داود أنه -عليه الصلاة والسلام- سئل متى يؤمر الصبي بالصلاة فقال: إذا عرف يمينه من شماله 28 ثم قال: إنه عن رجل غير معين عن
الجزء: 2 - الصفحة: 434
رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
الأمر الثامن: أن عبارة الرافعي تقتضي أنه لا فرق في أمر الصبي بالصلاة بين أن يكون أداء أو قضاء، وهو كذلك صرح به الشيخ عز الدين في باب اللعان من "مختصر النهاية" قال: إلا أنه إذا بلغ لم يؤمر بها.
التاسع: أن الأصح من الوجهين في إعطاء الأجرة على ما زاد على الفرائض هو الجواز كذا صححه النووي في التحقيق "وشرح المهذب" و"زيادات الروضة".
العاشر: الحديث المذكور رواه بهذا اللفظ أبو داود بإسناد حسن، وروى نحوه الترمذي وقال: إنه حسن صحيح، وصححه أيضًا ابن خزيمة وكذا الحاكم والبيهقي وقالا: إنه على شرط مسلم.
قوله: فرعان:
أحدهما: لو ارتد ثم جن قضى أيام الجنون وما قبلها إذا أفاق وأسلم تغليظًا على المرتد ولو سكر ثم جن قضى بعد الإفاقة صلوات المدة التى ينتهي إليها السكر لا محالة، وهل يقضي صلوات أيام الجنون؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأن السكران يغلظ عليه أمر الصلاة كما يغلظ على المرتد وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب أنه لا يقضي صلوات أيام الجنون، والفرق أن من جن في ردته في جنونه حكمًا، ومن جن في سكره ليس بسكران في دوام جنونه قطعًا.
انتهى كلامه.
وقد استفدنا مما قاله في السكران أنه لا خلاف في وجوب قضاء مدة السكر المقارنة للجنون وغيرها وأن الخلاف في مدة الجنون التي لم تقارن السكر، واستفدنا من كلامه أيضًا أن الوجوب على المرتد المجنون أولى من السكران المجنون وهو أصح.
الجزء: 2 - الصفحة: 435
وحينئذ فيلزم من دعواه عدم الخلاف في مدة الجنون المقارنة للسكر عدم الخلاف ليس كذلك، بل اختلف الأصحاب في زمن الردة المقارنة للجنون هل يجب قضاء ما فات فيها أم لا؟ على وجهين: وحينئذ فليزم جريان عدم الوجوب مدة السكر المقارنة للجنون بطريق الأولى.
وهذا الخلاف قد صرح به الإمام في آخر سجود السهو، وذكره الرافعي في نظير المسألة من الصوم وهو ما إذا ارتدت ثم حاضت.
الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" و"التحقيق" وغيرهما قد وافق الرافعي على وجوب قضاء زمن الجنون المقارن للسكر، وصرح في "شرح المهذب" بما يخالفه فقال: فرع: لو سكر ثم جن ثم أفاق وجب قضاء المدة التي قبل الجنون، وفي مدة الجنون وجهان مشهوران الأصح لا يجب؛ لأنه ليس بسكران في مدة الجنون بخلاف الردة هذه عبارته، وهي تدل على ما قلناه، وإن كان التعليل قاصرًا موهمًا لخلافه والمذكور في "الكفاية" كما في الرافعي، وهو الصواب المعروف، ولا يلتفت لما وقع في "شرح المهذب" فإنه سهو أو تحريف في التعبير أو مؤول ويدل عليه التعليل وقد صرح أيضًا في الشرح المذكور بالاتفاق على أن الفائت في زمن جنون المرتد يجب قضاؤه، وكلاهما مردود أما الأول قلما عرفت، وأما الثاني ففيه وجهان أيضًا رأيتهما في كتاب "الاستذكار" للدارمى، فقال: وإن حاضت في ردتها فوجهان، هذه عبارته.
الجزء: 2 - الصفحة: 436
الفصل الثالث: في الأوقات المكروهة
قوله: الأوقات المكروهة خمسة، وقتان يتعلق النهي فيهما بالفعل وهما: بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر، وثلاثة بالزمان وهي: عند طلوع الشمس حتى ترتفع قيد رمح، وعند الاستواء حتى يزول الاصفرار حتى يتم غروبها.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن المراد بحصر الكراهة في الخمس إنما هو بالنسبة إلى الأوقات الأصلية فستأتي كراهة التنفل وقت إقامة الصلاة، ووقت صعود الإمام لخطبة الجمعة، واعلم أن الرافعي في "المحرر" قد عد أيضًا أوقات الكراهة خمسة، وأهمل في "المنهاج" تبعًا لبعضهم وقتين وهما حالة الطلوع والغروب لتوهمهم اندراجهم تحت قولهم بعد الصبح حتى ترتفع الشمس كرمح وبعض العصر حتى تغرب، وليس كذلك فإنه إنما يتناول من صلى الصبح والعصر والكراهة في ذينك الوقتين وهما حالة الطلوع والغروب يعم من صلى ومن لم يصلى عاصيًا بالترك كان أو غير عاصٍ، حتى إذا تنفل الصبى والتارك بلا عذر في هذين الوقتين لم تنعقد صلاتهما، وكذلك من زال عذره عند طلوع الشمس مثلًا كحائض طهرت وناسٍ تذكر، وحينئذ فالكراهة لها سببان في حق من صلى وسبب واحد في حق من لم يصل.
الأمر الثاني: أن ما ذكره بعد الصبح والعصر متعلقه بالفعل ليس كذلك بل به وبالوقت معًا؛ لأنه لو صلاهما قضاء في وقت آخر لم يكره النفل بعدهما وإنما يكره ذلك إذا أوقعهما في وقتهما.
الجزء: 2 - الصفحة: 437
الثالث: أن عبارة الرافعي تدخل فيها ما إذا جمع بين الظهر والعصر جمع تقديم لغرض ما من سفرًا ومطرًا ومرض حتى يكره له التنفل في وقت الظهر؛ لأنه يصح أن يقال: تنفل بعد صلاة العصر أداء والأمر كذلك وقد صرح البندنيجي في باب صلاة المسافر من تعليقه نقلًا عن الشافعي والأصحاب، ونقله عنه ابن الرفعة في الباب المذكور أيضًا في الكلام على شروط الجمع وهي مسألة حسنة غريبة وحكمها متجه ورأيت في فتاوي العماد بن يونس الموصلي أنه لا يكره قال: لأنه لو نسى الصبح أو العصر وصلاه لا يكره وإن كان وقتها، والذي قاله مردود بما ذكرناه مجموع بنص الشافعي والاستشهاد الذي استدل به ليس نظير ما نحن فيه على أنه قد تابعه بعض المتأخرين ممن شرح الوسيط ذهولًا عما تقدم وهذا القائل هل يقول بالكراهة بمجرد دخول وقت العصر أم لابد من مضى زمان يسع فعلها؟ فيه نظر، وقوله: قيد رمح هو بكسر القاف أي قدر وقاد لغة فيه، وقاس وقيس بالسين مثله أيضًا.
قوله: ولا يكره في هذه الأوقات صلاة لها سبب متقدم أو مقارن فمنها صلاة التحية فإنها لا تكره خلافًا لأبي عبد الله الزبيرى، ثم قال فلو دخل في هذه الأوقات لا لحاجة بل ليصلي التحية فوجهان أقيسهما أنها تكره كما لو أخر الفائتة ليقضيها في هذه الأوقات.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن المكروه في حق مؤخر الفائتة الذي قاس عليه هذه المسألة إنما هو التأخير ولا يصح القول بكراهة الفعل فإنه إما واجب أو مستحب وحينئذ فيكون المكروه في حق الداخل إنما هو الدخول لذلك الغرض، وأما الصلاة نفسها فلا تكره بعد الدخول وهو متجه على أن الإمام قد جزم في تأخير الفائتة بعكس ما ذكره الرافعي.
الجزء: 2 - الصفحة: 438
الأمر الثاني: من جملة الأسباب المقتضية لعدم الكراهة إعادة الصلاة حيث شرعت بصلاة المنفرد والمتيمم ونحوها ولم يدخل في التعبير بالقضاء فتفطن له.
قوله: ومنها صلاة الاستسقاء وفيها وجهان:
أحدهما: تكره وهو الذي ذكره صاحب "التهذيب" وآخرون.
وأظهرهما: أنها لا تكره.
انتهى ملخصًا.
وما ذكره من تصحيح عدم الكراهة قد تابعه عليه النووي في هذا الباب من الروضة و"شرح المهذب" وغيرهما من كتبه ثم صحح في "شرح المهذب" أيضًا في باب الاستسقاء أنها تكره، ولما صححه هناك ذكر أن هذا التصحيح قد تقدم في موضعه وهو غريب فإنه إنما قدم العكس كما ذكرته لك وهو يشعر بأنه إنما حصل عن سهو، ولهذا نقل الإمام والغزالي في البسيط عن الأكثرين عدم الكراهة فتكون الفتوى عليه.
قوله: وروى أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رأى قيس بن قهد يصلي ركعتين بعد الصبح فقال: "ما هاتان الركعتان" فقال: إنى لم أكن صليت ركعتي الفجر فسكت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. ولم ينكر عليه 29. انتهى.
الجزء: 2 - الصفحة: 439
قهد بالقاف وسكون الهاء وبالدال المهملة، وهو في اللغة الأبيض الأكدر قاله الجوهري.
وهذا الحديث رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم وإسناده ضعيف، قال الترمذي: الأصح أنه مرسل، وروى عن قيس بن قهد كما ذكره في الكتاب والأكثرون قيس بن عمرو وهو الصحيح عند جمهور أئمة الحديث كما قاله في "شرح المهذب".
قوله: ولا تكره الصلاة يوم الجمعة في وقت الاستواء وقيل في جميع اليوم وقد روى: إن جهنم لا تسجر يوم الجمعة 30 انتهى.
هو بالسين المهملة والجيم ومعناه توقد، قال الجوهري: سجرِت التنور أسجره سجرًا إذا حميته ومنه قوله تعالى ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ 31 والحديث المشار إليه رواه أبو داود عن أبي الخليل صالح بن أبي مريم عن أبي قتادة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة، وقال: "إن جهنم لا تسجر يوم الجمعة"، قال أبو داود وهو مرسل فإن أبا الخليل لم يسمع من أبي قتادة والمرسل عندنا حجة إذا اعتضد بأحد أمور وقد وجد ههنا كثير منها.
قوله: ولا تكره أيضًا في حرم مكة، وقيل في المسجد الحرام خاصة، وقيل تكره مطلقًا ويدل على الاستثناء قوله -عليه الصلاة والسلام-: "يا بني عبد مناف من ولي منكم من أمور الناس شيئًا فلا يمنعن أحدًا طاف بهذا البيت أو صلى أية ساعة شاء من ليل أو نهارٍ" 32 انتهى.
الجزء: 2 - الصفحة: 440
فيه أمران.
أحدهما: أن الصلاة وإن كانت لا تكره في الأوقات المكروهة في مكة إلا أن الأولى ألا تفعل، قاله المحاملي في "المقنع".
الثاني: أن الحديث لا دلالة فيه أصلًا؛ لأنه ليس فيه تعرض لشرائط الصلاة ولا لبيان أوقاتها ولا لتجويز الصلاة لكل أحد في كل وقت فعدم التعرض إلى وقت الكراهة نظير عدم التعرض إلى الوقت الممتنع في الفرائض والنوافل وإلى الأحوال الممتنعة فيها كالحدث والنجس وغير ذلك وكما لا يدل الحديث على جواز هذه الأمور كذلك لا يدل على جواز فعلها في هذا الوقت والحاصل أن الحديث يدل على نهي بني عبد مناف وعن منع المصلي والطائف ونحن -نعلم ضرورة أن شرط هذا أن تكون الصلاة والطواف جامعين للشرائط المعتبرة- التي قامت الأدلة من خارج على إعتبارها وهذه الأوقات قد تحصل الصلاة فيها لأسباب -والحديث المذكور رواه أبو داود والترمذي وصححه هو وابن حبان وكذا الحاكم -وقال إنه على شرط مسلم إلا أن روايتهم مخالفة للمذكور هنا في بعض اللفظ-
قوله: ومتى ثبتت الكراهة فلا تصح على أظهر الوجهين نذر أن يصلى في هذه -الأوقات، فإن قلنا بإنعقادها صح نذره وإلا فلا، وإذا صح نذره = (16782) والدارمي (1926) وابن حبان (1553) والحاكم (1643) والشافعي (805) والدارقطني (2/ 266) والطبراني في "الكبير" (1600) وأبو يعلى (7396) من حديث جبير بن مطعم.
قال الترمذي: حسن صحيح.
وقال الحاكم: صحيح.
وقال الألباني: صحيح.
الجزء: 2 - الصفحة: 441
فالأولى أن يصلي- في وقت آخر كمن نذر أن يضحي بشاة فذبحها بسكين مغصوبة يصح نذره ويذبحها بغير مغصوب.
انتهى كلامه ملخصًا.
تابعه عليه في الروضة والكلام عليه موقوف على تقديم شيئين.
أحدهما: أن تصحيحه هنا عدم الانعقاد موافق لما سيأتي من كون الكراهة كراهة تحريم على الصحيح، وحينئذ فيكون الخلاف في الصحة مفرعًا على الخلاف في التحريم ولا يمكن أن يكون تفريعًا على القول بالتحريم فقط؛ لأنه لو كان كذلك لوجوب فعله في وقت آخر على القول بالصحة، وقد سبق أنه لا يجب وإنما هو أولى، ولا تفريعًا على القول بكراهة التنزيه لاستحالة البطلان مع ذلك الإبطال يقتضي تحريم الإقدام عليه كما سنوضحه في المسألة الآتية إن شاء الله تعالى.
الثاني: ستعرف إن شاء الله تعالى في كتاب النذر أنه إذا نذر صلاة في وقت معين وجب فعلها فيه على الصحيح.
إذا تقرر ذلك فنعود إلى مسألتنا فنقول: إذا صح النذر تفريعًا على كونه لا تحريم فلم لا يجب فعله في ذلك الوقت وفاء بالقاعدة، ولم جوزنا العدول عنه حتى جعلناه أولى، وقياس ذلك السكين المغصوب لا يصح لاتفاقهم على عدم تعيين الآلة؛ لأنها لو كانت ملكًا لم يجب الذبح بها، فإن قيل إنما ألغينا التقييد بذلك الوقت لكونه مكروهًا قلنا: الكراهة لا تنفي الصحة، وأيضًا فكان يلزم القول بالإلغاء أيضًا على القول بتحريمه وعدم صحته، بل المتجه القول بصحة النذور وإيجاب الفعل في ذلك الوقت؛ لأنه إذا فعله في الوقت المكروه مع تقدم النذر يكون قد صلى صلاة لها سبب متقدم، وهو النذر وما كان كذلك لا كراهة فيه حتى يقال: هل هي كراهة تنزيه أم تحريم.
ونظير هذه المسألة ما إذا نذر صوم يوم الشك وسيأتيك إن شاء الله تعالى
الجزء: 2 - الصفحة: 442
في الصيام على نوع آخر من الإشكال، وما ذكرناه جميعه محله ما إذا كان الجار والمجرور في كلام الرافعي أعني في هذه الأوقات متعلقًا بـ "يصلى" كما هو مقتضى تعبيره، أما إذا تعلق بنذر أى نذر في هذه الأوقات أن يصلي فلا إشكال في الصحة وفي جواز تأخيره إلى أى وقت أراد؛ لأنه لم يعلقه بوقت معين.
قوله في "زياداته": وكراهة الصلاة في هذه الأوقات حيث أثبتناه كراهة تحريم على الأصح.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أنه قد صحح أيضًا التحريم في هذا الباب من "شرح المهذب" و"شرح الوسيط" المسمى "بالتنقيح" ثم صحح في هذا الباب من التحقيق أنها مكروهة كراهة تنزيه فقال ما نصه: كراهة تنزيه، وقيل: تحريم.
انتهى.
وبه جزم في أوائل "شرح المهذب" في الكلام على الماء المشمس، وجزم به أيضًا هناك في كتابه المسمى بالاشارات الذي هو على "الروضة" "كالدقائق" على "المنهاج" وهو مقتضى كلامه في المنهاج و"مهمات الأحكام" فإنه حكم فيهما بكراهتها، واقتصر عليه ولفظ الكراهة متى أطلق كان المراد به كراهة التنزيه.
والذي عليه الفتوى هو: التحريم، فقد نص عليه الشافعي في "الرسالة" في باب اليمين عن معنى يشبه الذي قبله، ورأيت في شرح رسالة الشافعي لأبي الوليد النيسابوري أحد أصحاب ابن سريج إطلاق نقل ذلك عن الأصحاب فقال: قال أصحابنا: إذا صلى في الأوقات المنهي عنها عزر.
الأمر الثاني: أن الشيخ محى الدين لما ذكر في "شرح المهذب" والإشارات والتحقيق أنها مكروهة كراهة تنزيه صرح مع ذلك في هذه
الجزء: 2 - الصفحة: 443
المواضع من هذه الكتب بأن الأصح عدم انعقادها، وصرح به أيضًا في شرح "الوسيط" فقال: الأصح عدم انعقادها.
وإن قلنا إنها مكروهة كراهة تنزيه، وهذا عجيب، فكيف يقال: بأن العبادة لا تنعقد ويقال مع ذلك إن فعلها جائز مع أن الإقدام على العبادة التي لا تنعقد حرام اتفاقًا لكونه تلاعبًا.
والذي أوقع النووي في هذا هو الشيخ تقي الدين ابن الصلاح فإني رأيت في "فوائد المهذب" له هذا الكلام بعينه في هذا الموضع بعينه وهو الماء المشمس فقال: والكراهة مانعة من الصحة سواء أكانت تحريمًا أم تنزيهًا؛ لأنها تضاد الأمر كيف ما كانت؛ لأنها للترك والأمر طلب الفعل، هذا لفظه، وهذه النكت قد وصل فيها إلى أواخر الإحداث متصلًا، وعلق على مواضع أخرى مفرقة وفيه فوائد كثيرة وقد أخذ النووي أكثرها بلفظها ووضعها في "شرح المهذب" فقلده في هذا الموضع العجيب، ومما يدل على تقليده إما فيه النسخة التي نقلت منها ذلك في مجموع كان له أعني للشيخ محى الدين فإنه كتب عليه اسمه وقابله وحشاه بخطه في مواضع كثيرة، وذكر أيضًا ابن الصلاح في "مشكل الوسيط" [هنا نحوه أيضًا، وقلده فيه أيضًا العماد بن السكري في "حواشي الوسيط"] 33.
الأمر الثالث: إذا قلنا إنها تكره وتنعقد فينبغي ألا يحصل فيها ثواب كما قال القاضي أبو الطيب إن من صام بعد نصف شعبان وغيره من الوقت المنهي عنه وصححناه فإنه لا ثواب فيه كذا نقله ابن الرفعة هناك عنه.
وقد نص جماعة على أن الصلاة في الدار المغصوبة تصح ولا ثواب فيها، وقد تكلم فيه الشيخ محى الدين في "شرح المهذب" فقال في باب طهارة البدن والثوب: قال القاضي أبو منصور أحمد بن محمد بن عبد الواحد في "الفتاوى" التي نقلها عن عمه ابن الصباغ صاحب "الشامل":
الجزء: 2 - الصفحة: 444
المحفوظ من كلام أصحابنا بالعراق أن الصلاة في الدار المغصوبة صحيحة ولا ثواب فيها، قال القاضي أبو منصور: ورأيت أصحابنا بخراسان اختلفوا فمنهم من أبطل صلاته قال: وذكر شيخنا يعني ابن الصباغ في كتاب "الكامل" أنه ينبغي حصول الثواب عند من صححها.
قال القاضي: وهو القياس.
انتهى ما قاله ملخصًا.
ومن نظائر المسألة: ما إذا استأجر المغصوب في التطوع، وقلنا: لا يجوز، إن الحج يقع للثابت ولا ثواب له هكذا جزم به الشيخ في "المهذب" والمتولي في "التتمة" والعمراني في "البيان"، وحكاه النووي في "شرح المهذب" عنهم قال: وقال به أيضًا جماعة آخرون ثم قال: والمختار حصوله.
ورأيت في [الألغاز] 34 للجرجاني في باب الأواني أنه إذا صلى في ثوب حرير أو صلى عليه يسقط به فرضه ولا ثواب.
الجزء: 2 - الصفحة: 445
الباب الثاني في
الأذان
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: في بيان الصلاة التي هي محل الأذان
قوله: والأذان والإقامة سنتان لأنهما للإعلام والدعاء للصلاة فصار كقوله في العيد: الصلاة جامعة، وقيل إنهما فرضا كفاية لقوله -عليه الصلاة والسلام- "فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم ثم ليؤمكم أكبركم" 35، وقيل فرضا كفاية في الجمعة دون غيرها، فإن قلنا إنهما فرضان فإنما يسقط الحرج بإظهمارهما في البلد والقرية بحيث يعلم جميع أهلها أنه قد أذن فيها لو أصغوا.
انتهى.
وليس في كلامه تصريح بأن القائل بفرض الكفاية هل يوجبه لكل صلاة من الخمس أم لا؟ وقد نص الفوراني على المسألة فقال: يسقط فرض الكفاية بالأذان لصلاة واحدة في كل يوم وليلة ولا يجب لكل صلاة، وحكى إمام الحرمين هذا عنه ولم يحك غيره، وقال لم أر لأصحابنا إيجابه لكل صلاة قال: ودليله أنه إذا حصل مرة في كل يوم وليلة [لم] 36 يندرس الشعار، واقتصر الغزالي في "البسيط" على ما ذكره الفوراني.
قال في "شرح المهذب": والصواب وهو ظاهر كلام الجمهور إيجابه لكل صلاة.
واعلم أن التعليل الذي ذكره الرافعي لكونه رواه الشيخان من رواية مالك بن الحويرث.
الجزء: 2 - الصفحة: 446
قوله: فإذا قلنا: الأذان فرض كفاية في الجمعة فقيل: الواجب هو الذي بين يدي الخطيب وقيل: يسقط الوجوب بالأذان المأتي به لصلاة الجمعة، وإن لم يكن بين يدي الخطيب.
انتهى كلامه.
لم يصح في الروضة ولا في "شرح المهذب" أيضًا شيئًا منهما، وقد نص في "البويطى" في باب الأذان على المسألة فقال ما نصه: قال -يعنى: الشافعي- والنداء الواجب يوم الجمعة وهو يجزئ عن غيره هو النداء الذي يكون والإمام على المنبر يكون المؤذنون يستفتحون الأذان فوق المنارة جملة حتى يجلس الإمام على المنبر.
انتهى لفظه، وحاصله أن الشرط فيه كونه بعد خروج الإمام سواء كان بين يديه أم لا.
قوله: فالمنفرد في الصحراء أو في المصر هل يؤذن أم لا؟ الجديد أنه يؤذن لما روى أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لأبي سعيد الخدري: "إنك رجل تحب البادية والغنم فإذا دخل عليك وقت الصلاة فأذن وارفع صوتك، فإنه لا يسمع صوتك حجر ولا مدر ولا شجر إلا شهد لك يوم القيامة" 37.
الجزء: 2 - الصفحة: 447
وحكى عن القديم أنه لا يؤذن، وقال بعضهم: إن كان يرجوا حضور جمع أذن وإلا فلا.
والجمهور اقتصروا على ذكر المنسوب إلى الجديد ولم يتعرضوا للخلاف.
نعم حكى القول القديم في "التتمة" ولكن إذا كان المنفرد يصلي في المصر خاصة ولم يطرده في المنفرد في الصحراء.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور
أحدها: أن ما ذكره من أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد قال ذلك لأبي سعيد قلد فيه الغزالي، والغزالي قلد فيه الإمام وهو غلط، كما قاله جماعة منهم النووي في تهذيب الأسماء واللغات وفي غيره أيضًا قال: والصواب ما ثبت في صحيح البخاري وغيره عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة قال: قال لي أبو سعيد! إنى أراك تحب الغنم والبادية فإذا كنت في غنمك وباديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء، لا يسمع صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شئ إلا شهد له يوم القيامة قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
الأمر الثاني: أن النووي -رحمه الله- في "الروضة" قد حكى في المسألة طريقتين.
إحداهما: حاكية للخلاف.
والثانية وصححها: قاطعة بالجديد.
= المنفرد وهو خلاف ما فهمه النسائي والبيهقي فإنهما ترجما عليه الثواب على رفع الصوت كذا قيل وفيه نظر؛ لأنه لا يلزم من الترجمة على بعض مدلولات الحديث أن لا يكون فيه شئ آخر وقد روى النسائي من حديث عقبة بن عامر مرفوعا: "يعجب ربك من راعي غنم في رأس شظية يؤذن بالصلاة ويصلي فيقول الله انظروا إلي عبدي".
الحديث.
الجزء: 2 - الصفحة: 448
وليس في كلام الرافعي شئ من ذلك وكأنه أخذه من قول الرافعي أن الجمهور لم يذكروا خلافه وهو عجيب، فإنه لا يلزم من عدم ذكرهم إياه نفيهم له، وقد صرح الرافعي في "الشرح الصغير" بخلاف ما توهمه النووي فقال: الأول الجماعة ففي المنفرد قولان، هذا لفظه.
فلم يذكر هذه الطريقة بالكلية فضلا عن أن تكون هي الصحيحة، ولو كان كذلك لكان قد ناقص كلامه مناقضة فظيعة فدل على عدم إرادة ذلك، وجزم بالقولين في المحرر والمنهاج وقد أخذ النووي ما تصرف فيه من الروضة فنقله إلى "شرح المهذب".
الأمر الثالث: أن إثبات القديم هنا كيف يستقيم مع قول الرافعي بعد هذا، إن الفائتة يؤذن لها في القديم سواء أكان منفردًا أم في جماعة.
ثم فرع عليه فقال: إن الأذان على القديم حق الفريضة.
ووجه الإشكال أن المنفرد إذا لم يؤذن للحاضرة فكيف يستقيم أن يقال يؤذن للفائتة، والروضة سالمة من هذا الاعتراض إلا أن جزمه في "المنهاج" بذلك مناقض ومعترض عليه بما عليه بما ذكرناه.
الرابع: أن ما نقله الرافعي عن "التتمة" من التفصيل بين الصحراء أو غيرها لم يذكره في "الروضة".
قوله في المسألة: وهذا إذا لم يبلغ المنفرد أذان المؤذن فأما إذا بلغه فالخلاف مرتب على الخلاف أولى بألا يؤذن كآحاد الجمع، وإن قلنا يؤذن فهل يرفع صوته: نظر إن صلى في مسجد أقيمت فيه جماعة وانصرفوا لم يرفع لئلا يتوهم دخول وقت صلاة أخرى وإلا فوجهان:
الأصح: يرفع، والثاني: إن رجا جماعة رفع وإلا فلا.
انتهى.
الجزء: 2 - الصفحة: 449
فيه أمور:
أحدها: أن تعبيره في المنفرد لا يؤخذ منه تصحيح في أنه يؤذن أم لا، وقد تابعه عليه أيضًا النووي فلم يصرح بتصحيح لا في "الروضة" ولا في "شرح المهذب" بل ذكر ما ذكره الرافعي من كونه أولى والأولوية لا تستلزم تصحيح العكس كما تقدم في الخطبة وغيرها نقله عن الرافعي، وقد صحح -أعني النووي- في "شرح مسلم" أنه لا يؤذن في هذه الصورة فقال في باب الندب إلى وضع الأيدي على الركبة ما نصه ومذهبنا الصحيح أنه يشرع له الأذان إن لم يكن سمع أذان الجماعة وإلا فلا يشرع له.
انتهى لفظه بحروفه.
ثم عكس ذلك في "شرح الوسيط" المسمى "بالتنقيح" فقال: الأصح استحبابه وصحح أيضًا مثله في "التحقيق" وهو مقتضى كلام الرافعي في "الشرح الصغير" و"المحرر" فإنه صحح فيها أن المنفرد يؤذن ولم يفصل بين أن يسمع أو لا يسمع فلتكن الفتوى عليه.
الأمر الثاني: في الكلام على القيود المذكورة لعدم الدفع فأما تقييده بالمسجد فهو يقتضي أنه يرفع في غيره، وكان سببه شدة الاعتبار في المساجد بأمر الأذان، فيكون الاحتياط في دفع الإبهام فيها أكثر، وبهذا يظهر إلحاق المدارس والربط ونحوها بها.
وأما تقييده بوقوع الجماعة فلأنها إذا لم تقم لا يستحب له الأذان بالكلية؛ لأنه مدعو بالأول كما سبق إيضاحه.
وأما تقييده بما إذا انصرفوا فيقتضي استحباب الرفع قبله لعدم خفاء الحال عليهم وفيه نظر؛ لأنه يوهم غيرهم من أهل البلد.
قوله: وإن كان للمسجد إمام راتب فيكره إقامة الجماعة الثانية فيه على
الجزء: 2 - الصفحة: 450
أصح الوجهين ثم قال: وإذا أقاموا الجماعة الثانية مكروهة كانت أو مكروهة فهل يستحب لهم الأذان؟ فيه قولان: حكاهما الإمام عن "التقريب":
أحدهما: لا، لأن كل واحد منهم مدعو بالأذان الأول، وقد أجاب بالحضور فصاروا كالحاضرين في الجماعة الأولى بعد الأذان.
وأظهرهما: نعم؛ لأن الأذان الأول قد انتهى حكمه بإقامته الجماعة الأولى لكن لا يرفع فيه الصوت لئلا يلتبس الأمر على الناس، وأما ذكر المصنف في الوجيز المطروق في صورة المسألة فليس للتقييد؛ لأن رواية صاحب "التقريب" مطلقة ولعله إنما ذكره؛ لأنه إمامه جماعة إنما يتفق غالبًا في المساجد المطروفة.
انتهى كلامه.
فيه أمور تتوجه أيضًا على كلام "الروضة":
أحدها: أن الذي قاله من الكراهة ليس على إطلاقه بل محله ما إذا كان المسجد غير مطروق، وإن كان مطروقًا كأكثر المساجد أو كثير منها فلا كراهة كما يأتيك في موضعه.
الثاني: أنه يقتضي ترتيب قولين على أحد الوجهين والقولان للشافعى، فكيف يتفرعان على وجه للأصحاب، وقد حكى البغوي الخلاف قولين لا وجهين وذلك حينئذ واضح.
الثالث: أن الذي قاله من استحباب الأذان للجماعة مع قولنا إنها مكروهة خارج عن القواعد ولابد فيه من نقل صريح، فإن الرسائل لها حكم المقاصد، وكيف تكون الجماعة مكروهة والدعاء إليها مستحبًا، ويؤيد ما ذكرناه تقييد "الوجيز" الذي توهم الرافعي أنه لا فائدة له فتفطن له.
قوله: فإن قلنا تؤذن المرأة للنساء فلا ترفع صوتها بحال فوق ما يسمع صواحبها ويحرم عليها الزيادة على ذلك.
انتهى.
الجزء: 2 - الصفحة: 451
وما ذكره من تحريم الرفع ذكر مثله في "الشرح الصغير"، وجزم به أيضًا النووي في "الروضة" وصححه في "شرح المهذب"، واستدل عليه بقوله كما يحرم كشفها بحضرة الرجال؛ لأنه يفتتن بصوتها كما يفتتن بوجهها هذه عبارته.
والذي ذكراه من التحريم مخالف لما ذكره في الغناء فإنهما قالا في كتاب "الشهادات": إن المذهب المشهور جواز غناء المرأة وأنه يجوز للرجل سماعه منها وإن كانت أجنبية حرة كانت أو أمة قالا: والخلاف هو الخلاف في أن صوتها عورة أم لا؟ وأنت [إذا] 38 تأملت هاتين المقاتلين قضيت عجبًا من تجويزهما إسماع الرجل الغناء وتحريمهما إسماعه الأذان لخوف الفتنة، وما أشبه هذه المقالة بقول الحسن البصري لأهل العراق: تستحلون دم الحسين وتسألون عن دم البراغيث.
نعم: تعليله في "شرح المهذب" يقتضي جواز الرفع [بحضرة المحارم، وبالجملة فقد نص الشافعي على المسألة وصرح بجواز الرفع] 39 فقال في "البويطى" في باب إمامة النساء ما نصه: غير إني لا أحب لهن أن يرفعن أصواتهن بالأذان.
هذا لفظ الشافعي بحروفه، ومن البويطي نقلته.
فثبت إن الصواب هو الجواز فلتكن الفتوى عليه.
ويؤيده أيضًا جواز رفع الصوت بالتلبية على كلام فيه ستعرفه إن شاء الله تعالى في بابه مع أنها قد تلبي بحضرة الرجال ومع سكون الأصوات لأمر ما: إما لتقديم إحرامها أو لغير ذلك.
قوله: قال في "النهاية": وإذا قلنا المنفرد لا يرفع صوته فلا يعني به أن الأولى ألا يرفع فإن الرفع أولى في حقه ولكن نعني به أنا نعتد بأذانه دون الرفع.
انتهى.
الجزء: 2 - الصفحة: 452
وما نقله هنا عن الإمام قد خالفه فيه بعد هذا مخالفة عجيبة فقال في الكلام على رفع الصوت ما نصه: أما الأول أى الأذان لنفسه فيكفي فيه أن يسمع نفسه على المشهور؛ لأن الغرض منه الذكر دون الإعلام، وقال الإمام الاقتصار على إسماع النفس يمنع كون المأتي به أذانًا وإقامة فليزد عليه قدر ما يسمع من عنده لو حضر.
ثم تقرر أن الخلاف الذي قدمناه في أن المنفرد إذا أذن هل يرفع صوته مفروض على المشهور في أنه هل يستحب الرفع؟ وعلى ما ذكره الإمام هل يعتد به دون الرفع؟ هذا كلامه، وقد تبعه على الموضعين في الروضة والذي نقله هنا عن المشهور مخالف للمجزوم به أولًا ثم إن الذي جزم به أولًا وهو استحباب الجهر للمنفرد لا يستقيم قطعًا فإنه قد سبق أن المنفرد إذا أذن في مسجد أقيمت فيه الجماعة فإنه لا يرفع لئلا يوهم الناس وقوع صلاتهم خارج الوقت وهذا الذي ذكروه لا يستقيم إلا يكون الرفع محرمًا أو خلاف الأولى وعلى كل حال فهو كلام عجيب.
قوله: وهل يستحب أن يقال في الجنازة الصلاة جامعة؟ فيه وجهان إلى.
. . . آخره.
والصحيح منهما: عدم الاستحباب، فقد نص عليه الشافعي في أول كتاب الأذان من "الأم" فقال: والصلاة على الجنازة وكل نافلة غير العيد والكسوف فلا أذان فيها ولا أقول الصلاة جامعة هذا نصه بحروفه، وصححه أيضًا [الرافعي] 40 في "الشرح الصغير" وعلله فيه أعني في "الشرح الصغير" بقوله: وكان سببه أن المشيعين للجنازة حاضرون بلا حاجة إلى الإعلام، ولم يذكر في الكبير تعليل واحد من الوجهين.
الجزء: 2 - الصفحة: 453
قوله: ففي الفائتة ثلاثة أقوال.
الجديد أنه لا يؤذن لها لما روى عن أبي سعيد الخدري قال: حبسنا عن الصلاة يوم الخندق حتى كان بعد المغرب هوى من الليل فدعا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بلالًا فأقام للظهر فصلاها ثم أقام للعصر فصلاها ثم أقام للمغرب فصلاها ثم أقام للعشاء فصلاها 41.
والقديم: أنه يؤذن لها لما روى أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان في سفرٍ فقال: احفظوا علينا صلاتنا يعني الفجر فضرب على أذانهم فما أيقظهم إلا حر الشمس فقاموا فساروا هنيهة ثم نزلوا فتوضؤا، وأذن بلال فصلوا ركعتي الفجر وركبوا 42، وقال في "الإملاء": إن أمل اجتماع قوم يصلون معه أذن وإلا فلا.
انتهى.
والهوى بهاء مفتوحة يجوز ضمها على قلة ثم واو مكسورة بعدها ياء مشدودة ومعناه طائفة من الليل، والحديث المذكور رواه الشافعي وأحمد في "مسنديهما" بإسناد صحيح، ورواه أيضًا ابن حبان في صحيحه وغيرهم على اختلاف في ألفاظ روياتهم، وأما الحديث الثاني فرواه مسلم من رواية أبي قتادة بمعناه.
قوله: ولو والى بين فريضة الوقت ومقضية فإن قدم الحاضرة أذن لها وأقام للمقضية، وإن قدم المقضية أمام لها وفي الأذان لها الأقوال.
وأما فريضة الوقت فلا يؤذن لها إن قلنا: يؤذن للمقضية لئلا يتوالى الأذانان، وإن قلنا: لا يؤذن للمقضية فلا يؤذن أيضًا للحاضرة في الأظهر لحديث أبي سعيد السابق.
انتهى.
واحترز الرافعي بالمولاة عما إذا طال الفصل بينهما فإنه يؤذن للحاضرة
الجزء: 2 - الصفحة: 454
قطعًا كما قاله الأصحاب، وقد استدركه في "الروضة" على كلام الرافعي واستدركه عجيب مع تصريحه بهذا القياس.
قوله: وإن جمع بين صلاتي جمع بالتأخير كتأخير الظهر إلى العصر وقدم الظهر أقام لكل واحدة منهما ولم يؤذن للعصر محافظًا على الموالاة، وأما الظهر فيجري فيها أقوال الفائتة لأنها شبهتها من جهة أنها خارجة عن وقتها الأصلي، والأصح أنه لا يؤذن لها أيضًا؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة في وقت العشاء بإقامتين من غير أذان، قال الإمام: وينقدح أن يقول يؤذن وإن قلنا الفائتة لا يؤذن لها، لأنها مؤداة ووقت الثانية وقت للأولى عند العذر، وإما لأن إخلاء صلاة العصر عن الأذان فهى واقعة في وقتها بعيد فيقدر الأذان الواقع قبل صلاة الظهر للعصر وقد يؤذن الإنسان لصلاة ويأتي بعده بتطوع وغيره إلى أن تتفق الإقامة.
انتهى كلامه.
تابعه في الروضة على نقل التأذين على قولنا: لا يؤذن للفائتة احتمالًا عن الإمام فقط مع أنه وجه ثابت، صرح بنقله القاضي الحسين في "تعليقه" والمتولي في "التتمة" وابن يونس، والحديث الذي ذكره الرافعي ثابت في "الصحيحين" لكنه معارض بما رواه مسلم عن جابر أنه بأذان وإقامتين 43. وزيادة الثقة مقبولة.
الجزء: 2 - الصفحة: 455
الفصل الثاني: في صفة الأذان
قوله: والإقامة فرادى إلا أنه يثني التكبير في الأول والأخير ويثني الإقامة أيضًا فتكون ألفاظها أحد عشر، والقديم يفرد الجميع وفي آخر قديم أيضًا يفرد كلمة الإقامة دون التكبير ثم قال: وذهب محمد بن خزيمة إلى أنه إن رجع في الأذان ثني الإقامة وإلا أفردها جمعًا بين الأخبار، وحكاه البغوي قولًا.
انتهى كلامه.
وعبارته في هذا القولان يقتضي أنه إن رجع ثني الجميع وإلا أفرد الجميع هذا هو مقتضى تعبير "الروضة" أيضًا فإنه قال: وللشافعي قول: أنه إن رجع في الأذان ثني جميع كلمات الإقامة وإلا أفردها، واختاره ابن خزيمة هذه عبارته، وليس الأمر كما دل عليه لفظهما بل المنقول في هذا القول أنه لم يرجع أفردها ما عدا التكبير في الأول والأخير، وما عدا لفظ الإقامة كذا ذكره في "شرح المهذب" فقال: وإن لم يرجع أفرد الإقامة فجعلها إحدى عشرة كلمة هذه عبارته، وإنما سمى ذلك إفرادًا باعتبار الغالب كما ورد في الحديث: أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة 44، وقد حكى الإمام في المسألة قولًا آخر أنه يفرد لفظ الإقامة والتكبير الأخير خاصة أما الإقامة فللحديث، وأما التكبير فليكون قد رد الإقامة إلى شطر الأذان.
قوله: ويستحب أن يرتل الأذان ويدرج الإقامة لما روى جابر أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فاحدر" 45 والترسل والترتيل أن
الجزء: 2 - الصفحة: 456
يأتي بكلماته مبينة من غير تمطيط يجاوز الحد، والإدراج أن يأتي بالكلمات حدرًا من غير فصل.
انتهى.
تقول حدر يحدر بضم الدال المهملة.
نعم: ذكر في "الروضة" أنه يستحب في الأذان أن يجمع كل تكبيرتين في نفس وعلله بأن لفظ التكبير خفيف.
والحديث المذكور رواه الحاكم في "مستدركه".
قوله: الثالثة ينبغي أن يرجع في أذانه، والترجيع هو أن يأتي بالشهادتين مرتين مرتين بصوت خفض ثم يمد صوته فيأتي بكل واحد منهما مرتين أخرتين بالصوت الذي افتتح الأذان به؛ لأن أبا محذورة قال: ألقى على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التأذين بنفسه قال: "قل: الله أكبر الله أكبر" 46، وروى فيه الترجيع.
واعلم أن كلام الشيخ محى الدين وغيره قد اختلف في أن الترجيع اسم لماذا؟ فقال في "شرح المهذب": وقول الشيخ: يرجع هو بفتح الياء وإسكان الراء وتخفيف الجيم، وقد رأيت من يضم الياء ويشدد الجيم وهو تصحيف؛ لأن الترجيع هو الذي يأتي به سرًا.
انتهى.
وذكر نحوه في "لغات التنبيه" و"الدقائق والتحقيق" وخالف في "شرح مسلم" فقال: إنه العود إلى الشهادتين مرتين يرفع الصوت بعد قولهما = السهمي في "تاريخ جرجان" (ص/ 154) وابن الجوزي في "التحقيق" (386) من حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنه -. قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث عبد المنعم وهو إسناد مجهول.
قلت: وفيه عمرو بن فائد وهو متروك.
قال الشيخ الألباني: ضعيف جدًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 457
مرتين يخفضه وكلام الرافعي و"الروضة" يحتمل أنه اسم للأول خاصة وإنه اسم للمجموع وحديث أبي محذورة المذكور صحيح رواه مسلم.
قوله: ثم ظاهر إطلاق الغزالي أن التثويب يشمل الأذان الذي قبل الفجر الذي بعده وصرح في "التهذيب" بأنه إذا ثوب في الأذان الأول لا يثوب في الثاني في أصح الوجهين.
انتهى.
لم ينقل في "الشرح الصغير" إلا كلام "التهذيب" خاصة، وقال في "شرح المهذب" ظاهر إطلاق الأصحاب أنه لا فرق، وعبر في أصل "الروضة" بقوله ظاهر إطلاق الغزالي وغيره.
قوله: والموالاة بين كلمات الأذان مأمور بها فإن سكت بينهما يسيرًا لم يضر، وإن طال ففي بطلان أذانه قولان، وإن تكلم طويلًا فقولان مرتبان على السكوت الطويل وأولى بالبطلان، ولو خرج في أثناء الأذان عن أهليته بإغماء أو نوم طويلين فعلى القولين، واعلم أن العراقيين جوزوا البناء في جميع هذه الصور مع طول الفصل وحكوه عن نص الشافعي - رضي الله عنه - لكن الأشبه وجوب الاستئناف وحمل النص على الفصل اليسير.
انتهى ملخصًا.
تابعه في "الروضة" على إطلاق الخلاف ومحله إذا لم يفحش الطول، فإن فحش بحيث لا يسمى مع الأول أذانًا واحدًا استأنف جزمًا قاله في "شرح المهذب".
قوله: ولو ارتد في خلال الأذان فعاد إلى الإسلام ففي البناء عليه وجهان عند الأكثرين وقولان مخرجان عند بعضهم أصحهما: الجواز وبه قطع بعضهم عند قصر الزمان وحمل المنع على ما إذا طال زمن الردة.
انتهى
الجزء: 2 - الصفحة: 458
ملخصًا.
وقد اختصر النووي في "الروضة" هذا الكلام اختصارًا فاسدًا من أوجه فإنه قال ما نصه: فإن أسلم وبنى فالمذهب أنه إن لم يطل الفصل جاز البناء وإلا فقولان، وقيل: قولان مطلقًا، وقيل: وجهان هذا لفظه.
فانظر كيف صحح الرافعي طريقة الخلاف مطلقًا لا طريقة التفصيل، وانعكست على النووي وصحح أن الخلاف وجهان لا قولان وانعكس أيضًا عليه وصحح أيضًا البناء عند الطول ولم يذكره بالكلية، وكان الصواب أن ذكر أولًا ما ذكره آخرًا.
ثم يذكر ما قبله ثم يختم بما بدأ به فيقول فوجهان مطلقًا، وقيل قولان، وقيل: إن لم يطل الفصل إلى آخره، وما ذكره في الروضة نقله أيضًا إلى "شرح المهذب" على عادته في ذلك كما بيناه مرارًا، وقد ذكر الرافعي في كتاب الحج إن في بطلانه بالردة وجهين أعني الحج ثم قال: ولا فرق على الوجهين بين طول الزمان وقصره إلا أنه صحح البطلان مطلقًا على خلاف المذكور في الأذان وتابعه في "الروضة" على كل ذلك وجزم في الصوم بالبطلان مطلقًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 459
الفصل الثالث: في صفة المؤذن
قوله: وشرط المؤذن أن يكون مسلمًا وإذا نطق الكافر بالشهادتين في الأذان، إن كان عيسويًا لم يحكم بإسلامه، وإن كان غيره حكم به لنطقه بكلمتي الشهادة على أصح الوجهين، والعيسوية فرقة من اليهود يقولون محمد رسول الله إلى العرب خاصة.
انتهى.
ولقبوا بذلك لأنهم منسوبون إلى أبي عيسى إسحاق بن يعقوب الأصبهاني كان موجودًا في خلافه المنصور، وخالف اليهود في أشياء منها أنه حرم الذبائح.
قوله: ولا يصح أذان المرأة والخنثى المشكل للرجال كما في الاقتداء بهما وقيل: يصح.
انتهى.
وهذا التعليل لم يذكره في "الروضة" ويستفاد منه مسألة حسنة فيها وقفة أنه لا فرق في الرجال بين المحارم وغيرهم، وقد تقدم في أذان المرأة للنساء ما يقوى الجواز هنا بحضرة المحارم.
قوله: ويستحب أن يكون المؤذن صيتًا لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في قصة عبد الله بن زيد: "ألقه على بلال فإنه أندى منك صوتًا" 47 والمعني به زيادة الإبلاغ والإسماع.
انتهى.
وهذا التفسير الذي ذكره -رحمه الله- للأندى صحيح مشهور فقد
الجزء: 2 - الصفحة: 460
صرح به الأزهري والهروي في الغريبين وابن فورك في "المطالع" والمطرزي في "المغرب"، والراغب في "المفردات" وابن الأثير في "النهاية"، وحكى معه قولًا آخر ضعيفًا أن الأندى هو الأحسن والأعذب.
قال الأزهري: وهو مأخوذ من الندى وهو الرطوبة؛ لأن الحلق إذا جف لم يمتد الصوت، والحديث المذكور صحيح أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان وفي ألفاظهما بعض مخالفة لما ذكره الرافعي وفي رواية للترمذي وصححها ابن خزيمة: فإنه أندى أو أمد صوتًا منك.
قوله: وأما قول الغزالي وليكن المؤذن عدلًا ثقة فقد جمع الشافعي بينهما أيضًا فمنهم من قال: أراد عدلًا إن كان عبدًا؛ لأن العبد لا يوصف بالعدالة لكن يوصف بالثقة والأمانة.
انتهى كلامه.
والذي ادعاه من كون العدالة لا يوصف بها العبد ممنوع بل إنما يمتنع وصفه بقبول الشهادة فإن العدالة اجتناب الكبائر وعدم الإصرار على الصغائر وهذا المعنى يحصل في العبد، وقد صرح الرافعي بذلك في أوائل باب الاجتهاد في المياه، فقال ما نصه: فكل من تقبل روايته من ذكر وأنثى وعبد وحر يقبل قوله في ذلك بشرط العدالة هذا لفظه، ولهذا اغتر في "الروضة" هنا بقوله: وأن يكون عدلًا وهو الثقة.
قوله من "زياداته": والأصح ترجيح الأذان وهو قول أكثر أصحابنا وقد نص الشافعي في الأم على كراهة الإمامة فقال: أحب الأذان لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "غفر الله للمؤذنين" 48 وأكره الإمامة للضمان وما على الإمام فيها
الجزء: 2 - الصفحة: 461
هذا نصه والله أعلم.
انتهى كلامه.
وهذا النص الذي نقله -رحمه الله- له تتمة دالة على عكس ما يقوله لم يذكرها، فإن الشافعي قد قال عقب ما نقله عنه [ههنا من غير مفصل ما نصه: وإذا أم رجل ابتغى أن يتقى الله ويؤدي ما عليه] 49 في الإمامة فإن فعل رجوت أن يكون أحسن حالًا من غيره هذا لفظه، وهو يدل على عدم كراهة الإمامة في هذه الحالة بل على استحبابها، وقد نقل هذا النص على وجهه جماعة منهم صاحب "الشامل" ثم قال بعد نقله: وهذا يدل على إنه إذا كان يقوم بحقوق الإمامة وما يجب فيها كان أفضل، ونقله أيضًا كذلك صاحب "البحر" في آخر المسألة ثم قال: وفيما ذكروه من لفظه في كتاب الإمامة خلل يعني اللفظ العاري عن هذه الزيادة ثم قال: ولم يذكروا تمام الكلام على هذا الوجه وهذا يزيل الإشكال هذا لفظه.
قوله: واعتذر الصائرون إلى تفضيل الأذان عن ترك الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الأذان بوجوه.
أحدها: إذا قال حي على الصلاة لزم أن يتحتم حضور الجماعة إلى آخره، وما ذكره من أنه -عليه الصلاة والسلام- لم يؤذن ليس كذلك، فقد ثبت أنه أذن في بعض أسفاره وقد ذكره النووي في "شرح المهذب" في الكلام على استحباب الأذان قائمًا فقال: وما يستدل به أي لترك القيام حديث يعلى بن مرة الصحابي أنهم كانوا مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في مسير، فانتهوا إلى مضيق وحضرت الصلاة فنظروا السماء من فوقهم والبلة من أسفل منهم، فأذن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو على راحلته وأقام فتقدم على راحلته فصلى بهم يومئ إيماء يجعل السجود أخفض من الركوع 50. رواه الترمذي
الجزء: 2 - الصفحة: 462
بإسناد جيد.
وهذه الصلاة كانت فريضة، ولهذا أذن لها وصلاها على الدابة للعذر، ويجب إعادتها، هذا كلامه في "شرح المهذب".
وقال في "الخلاصة": إنه حديث صحيح، والبلة في الحديث بكسر الباء وهي النداوة قاله الجوهري، قوله: وأما الجمع بين الإمامة والأذان فلا يستحب ثم قال وأغرب ابن كج، فقال: الأفضل لمن صلح لهما أن يجمع بينهما ولعله أراد الآذان لقوم والإمامة لآخرين.
انتهى -واستغرابه لمقالة ابن كج مشعر بإنفراده بها وليس كذلك، وقد صرح أيضًا- باستحباب الجمع بينهما أبو علي الطبري والماوردي والقاضي أبو الطيب ادعى الإجماع - عليه، ونقله النووي عنه في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة" وصححه قوله: ولو وجد أمينًا يتطوع وأمنينًا أحسن منه صوتا لا يتطوع فقال ابن سريج: يجوز للإمام إرزاقه، وقال القفال: لا يجوز.
انتهى.
وقد منعه أيضًا الشيخ أبو محمد وهو مقتضى كلام القاضي الحسين والمتولي.
فإنهما خرجا المسألة على القولين فيما إذا طلبت الأم أجرة الرضاع ووجد الأب متبرعة والأصح فيه انتزاع الولد من الأم، وصحح النووي في مسألتنا الجواز إذا رآه الإمام مصلحة كذا صححه في "التحقيق" و"شرح المهذب" و"زيادات الروضة".
قوله: وإن كان في البلد مساجد، فإن لم يمكن جمع الناس في مسجد واحد رزق عددًا من المؤذنين تحصل بهم الكفاية ويتأدى بهم الشعار وإن = "الكبير" (22/ 256) حديث (663) والبيهقي في "الكبرى" (2056) وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (2749) والخطيب في "تاريخ بغداد" (11/ 182).
قال الترمذي: هذا حديث غريب تفرد به عمر بن الرماح البلخي لا يعرف إلا من حديثه.
وقال البيهقي: فيه ضعف.
وقال الألباني: ضعيف.
الجزء: 2 - الصفحة: 463
أمكن فوجهان:
أحدهما: يجمعهم ويرزق واحدًا.
والثاني: يرزق الجميع لئلا تتعطل المساجد.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: إن الأصح هو الوجه الثاني كذا صححه النووي في "التحقيق" وزيادات الروضة و"شرح المهذب".
الأمر الثاني: إن هذا الكلام مع تقدم لا ينتظم، فإنه كيف يعقل الجزم بأنه إذا -لم يمكن الجمع أن الإمام لا يرزق الكسل بل يرزق عددًا منهم وإن أمكن جمعهم رزق الكل على وجه لاسيما إنه الصحيح.
قوله في "الروضة": وأما الإستئجار على الأذان ففيه أوجه:
أصحها: يجوز مطلقًا أى من كل أحد.
والثاني: لا يصح مطلقًا.
والثالث: يجوز للإمام ومن أذن له ولا يجوز لآحاد الناس.
انتهى.
وإذا قلنا بهذا الوجه فشرطه أن يكون من بيت المال.
كذا قاله الرافعي وأسقطه من "الروضة" وحيث جوزنا الاستئجار فعلى أي شيء يأخذ الأجرة فيه وجوه محلها كتاب الإجارة.
قوله: قال في "التهذيب" وإذا استأجر الإمام من بيت المال لم يفتقر إلى بيان المدة بل يكفي أن يقول: إستأجرتك لتؤذن في هذا المسجد في أوقات الصلاة كل شهر بكذا، ولو استأجر من مال نفسه أو استأجر وأخذ من عرض الناس وفي إشراط بيان المدة وجهان.
انتهى.
والأصح اشتراطه كذا صححه النووي في "التحقيق" "وشرح المهذب" وزيادات الروضة وعرض الناس بعين مضمومة وراء ساكنة -مهملتين بعدها ضاد معجمة أي عامتهم، كذا ضبطه الجوهري وفسره فقال: وفلان من عرض الناس أي هو من العامة هذه عبارته.
الجزء: 2 - الصفحة: 464
قوله: في أصل "الروضة": وأما الإقامة فإن أذنوا على الترتيب فالأول أولى بها إن كان هو المؤذن الراتب أو لم يكن هناك مؤذن راتب، فإن كان الأول غير- الراتب، فالأصح أن الراتب أولى والثاني الأول أولى، ولو أقام في هذه الصور غير من له ولاية الإقامة اعتد به على الصحيح المعروف، وعلى الشاذ لا يعتد بالإقامة من غير السابق بالأذان تخريجًا من قول الشافعي -رحمه الله- لا يجوز أن يخطب واحد ويصلي آخر.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: إن تصحيحه أولوية الراتب لم يذكره الرافعي وإنما صحح أن السابق لا يقدم.
كما سأذكر لك من عبارته ولا يلزم من عدم تقديمه تقديم الراتب، فقد يتساويان لما في كل واحد من المعنى.
الثاني: أن هذا الخلاف الذي ذكره غير مستقيم لأن تخريجه من خطبة واحد وصلاة آخر يقتضي أن محله ما إذا أقام من لم يؤذن وكلامه فيما أذن الجميع ثم إن حاصل كلامه أن إذا جعلنا الولاية للأول فأذن غيره لا يصح على وجه، وإن قلنا بالصحيح وهو أن الولاية للثاني فأذن الأول صح جزمًا وهو عجيب فإنهما مستويان في صدور الأذان منهما وفي التفريع على أنه أولى أيضًا.
واعلم أن الرافعي عبر بقوله وإذا انتهى الأمر إلى الإقامة فإن أذنوا على الترتيب فالأول [أولى] 51 بالإقامة لما روى عن زياد بن الحارث الصدائي قال: أمرني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن أؤذن في صلاة الفجر فأذنت فأراد بلال أن
الجزء: 2 - الصفحة: 465
يقيم فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إن أخا صداء قد أذن ومن أذن فهو يقيم" 52.
وهذا إذا لم يكن مؤذن أو كان السابق هو المؤذن الراتب، فأما إذا سبق غير المؤذن الراتب وأذن فهل يستحق ولاية الإقامة؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم لإطلاق الخبر.
وأظهرهما: لا؛ لأنه مشى بالتقدم، وفي القصة المروية كان بلال غائبا وزياد أذن بإذن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وإذا قلنا: ولاية الإقامة لمن أذن فليس ذلك على سبيل الاستحقاق بل لو أذن غيره اعتد به، روى أن عبد الله بن زيد لما ألقى الأذان على بلال فأذن قال عبد الله: أنا رأيته وأنا كنت أريده يا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "فأقم أنت" 53.
وحكى صاحب "التتمة" وغيره وجهًا إنه لا يعتد به تخريجًا من قول الشافعى: إنه لا يجوز أن يخطب واحد ويصلي آخر.
انتهى كلامه بحروفه.
الجزء: 2 - الصفحة: 466
وهو صحيح فإن قوله: أولى هو من الأولوية لا من التقدم ومراده تقديم المؤذن على غير المؤذن فتوهم النووي إنه من الأولية فصرح به وجعله عائدًا إلى الصور المتقدمة، فلزم الخلل ثم إنني راجعت الأصل الذي نقل الرافعي عنه هذا التخريج وهو "التتمة" وغيرها أيضًا فلم أجد فيها حكاية ذلك إلا فيما إذا أقام من لم يؤذن بالكلية فتعين غلط ما وقع في الروضة.
الثالث: أن الرافعي والنووي قد أهملا ما إذا كانا معًا راتبين ولا شك إن حكمهما كحكم غير الراتبين، وكلام ابن الرفعة في الكفاية شامل لهذه الصورة، والصدائي منسوب إلى صداء بضم الصاد وتخفيف الدال المهملتين وبالمد يصرف ولا يصرف وهو أبو هذه القبيلة واسمه يزيد بن حرب، قال البخاري في "تاريخه": صداي من اليمن، وكان أذان زياد الصدائي في صلاة الصبح في السفر ولم يكن بلال حاضرًا، وحديثه هذا رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة وفي إسناده ضعيف وحديث عبد الله بن زيد هذا رواه أبو داود وغيره وهو أيضًا ضعيف وحديث الصدائي أقوم إسنادًا منه قاله في "شرح المهذب".
قوله: هذا إذا أذنوا على الترتيب أما إذا أذنوا معًا، فإن اتفقوا على إقامة واحد فذاك وإلا أقرع بينهم ولا يقيم في المسجد الواحد إلا واحد؛ لأنها لاستنهاض الحاضرين إلا إذا لم تحصل الكفاية بواحد، وقيل: لا بأس أن يقيموا معًا إذا لم يؤد إلى التشويش.
انتهى.
ولقائل أن يقول: لم لا يقدم الإمام واحدًا باجتهاده فيما يشتمل عليه من المحاسن كرفع الصوت أو حسنه أو غير ذلك، ولم لا يفصل أيضًا بين الراتب وغيره، وقد عبر في "الروضة" عن التشويش بالتشويش بالهاء قال الجوهري: والتشويش التخليط وقال: إن الهوشة بالهاء هي العسة والهيج والاضطراب، وقال في باب السين المهملة: إن الهوس طرف من الجنون، وإذا علمت ذلك ظهر لك إن تعبير الرافعي صحيح بل أقرب إلى المعنى
الجزء: 2 - الصفحة: 467
المراد.
قوله: ويستحب أن يجعل أصبعيه في صماخي أذنيه.
انتهى.
هذا خاص بالأذان أما الإقامة فلا يستحب لها ذلك كما نقله في "شرح المهذب" عن الروياني وغيره.
قوله: ويستحب لمن سمع المؤذن أن يجيب فيقول مثل ما يقول، وإن كان السامع جنبًا أو محدثًا إلا في الحيعلة فإنه يقول لا حول ولا قوة إلا بالله وإلا في كلمة الإقامة فإنه يقول: أقامها الله وأدامها وجعلني من صالحي أهلها وإلا في التثويب فإنه يقول: صدقت وبررت.
انتهى.
وينبغي أيضًا أن يستثني قول المؤذن ألا صلوا في رحالكم، فإنه وإن كان يستحب ذكره في أثناء الأذان كما سيأتي بسطه، لكن لا يتأتي القول باستحباب الإجابة بمثله؛ لأنه ليس بذكر، نعم يبقى النظر في أنه هل يجب فيه بشئ أم لا، وإذا قلنا يجيب فما الذي يجيب به والقياس إنه يجيب بما يجيب به والقياس إنه يجيب بما يجيب به الحيعلتين.
قوله: وإن كان في قراءة أو ذكرٍ فيستحب له قطعها ويجيب فإنه لا يفوت وإن كان في صلاة لم يجب حتى يفرغ فإن أجاب كره في أظهر القولين، لكن لا تبطل الصلاة إن أجاب بما استحببناه؛ لأنها أذكار فلو قال: حى على الصلاة أو الصلاة خير من النوم بطلت صلاته؛ لأنه كلام.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أنه أهمل من أقسام المسألة الطائف والمجامع وقاضي الحاجة فأما الطائف فيجيب في طوافه كما قاله الماوردي، وأما المجامع وقاضي الحاجه فبعد الفراغ كما قاله في "شرح المهذب".
الثاني: أن كلامه صريح في أن صدقت وبررت لا يكون مبطلًا، وليس كذلك، فإنه أولى بالإبطال مما ذكره لما فيه من الخطاب وقد استدركه في "الروضة".
الجزء: 2 - الصفحة: 468
الثالث: أن ما قاله الرافعي من الإبطال في الحيعلة والتثويب قد فصل فيه الصيمري في "شرح الكفاية" فقال: فإن قاله في الصلاة مريدًا به الأذان بطلت صلاته، وإن أراد به الذكر لله لم تبطل هذا لفظه ولابد من هذا التفصيل وستعرف نظيره في الرد على المصلى ونحوه.
قوله من "زوائده": ويستحب للمجيب أن يجيب في كل كلمة عقبها والله أعلم.
وهذا الكلام ليس فيه بيان للوقت المعتد به، والمسألة لها أحوال يعرف جواب بعضها من مسائل ذكرها في "شرح المهذب" تفقهًا وفي بعضها كلام فنذكر تلك المسائل مع ما [أبديه] 54 فيها وهي أربع.
إحداها: لو علم أنه يؤذن ولكن لم يسمعه فالظاهر أنه لا يشرع له الإجابة.
الثانية: إذا ترك الإجابة حتى فرغ المؤذن فالظاهر أنه يتداركه قبل طول الفصل لا بعده انتهى.
ولك أن تقول: تكبير العيد المشروع عقب الصلاة يتداركه الناسي وإن طال الفصل في أصح الوجهين فما الفرق؟
الثالثة: إذا لم يسمع الترجيع فالظاهر إنه يجيب فيه لقوله: "فقولوا مثل ما يقول" ولم يقل ما تسمعون والترجيع مما يقول.
الرابعة: إذا سمع مؤذنًا بعد مؤذن فالمختار أن الاستحباب شامل الجميع إلا أن الأول متأكد يكره تركه.
انتهى.
وفي "الفتاوى الموصلية" للشيخ عز الدين نحوه قال: إلا أن الواقع في
الجزء: 2 - الصفحة: 469
الصحيح قبل الوقت مساوٍ في ذلك لما بعده؛ لأن الأول فضل بالتقدم والثاني بوقوعه في الوقت.
وبالاتفاق عليه فإن الأول يختلف فيه.
قال: وكذلك الأذان الأول يوم الجمعة مساوٍ للثاني؛ لأن الأول فضل بما ذكرناه من التقدم والثاني بكونه المشروع في زمن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وذكر بعض الثقات من فضلاء المعجم إن الرافعي صنف في سفره إلى الحجاز كتابًا سماه "الإيجار في أخطار الحجاز" وإنه رأى فيه هذه المسألة فقال أعني الرافعي خطر لي أنه إذا سمع المؤذن وأجابه وصلى في جماعة فلا يجيب الثاني لأنه غير مدعو بهذا الأذان، والذي قاله حسن، إلا أن استحباب الجماعة لمن صلى في جماعة أيضًا يخدشه.
إذا علمت ذلك فنرجع إلى أحوال المسألة فنقول: إن المجيب قبل ابتدأ المؤذن بالأذان فواضح، وأن ابتدأ مع ابتدائه أو بعده ولكن أتى ببعض الألفاظ قبل ابتداء المؤذن بها فيتجه ألا يعتد به، وما ذكره النووي في الترجيح قد يؤخذ منه الاعتداء وإن حصل ذلك أي المقارنة أو الابتداء بعد الابتداء في كلمة، ولكن حصل الفراغ منها قبل فراغ المؤذن فالمتجة الاعتداء وإن قارن في اللفظ بكماله اعتد به، وإن تأخر فيفصل بين طول الزمان وقصره كما سبق عن "شرح المهذب" وفيه النظر السابق، وقد يحصل مما نقلناه عن "شرح المهذب" في الترجيح إنه لا يشترط في مشروعية الإجابة سماع جميع اللفظ فراجعه وتفطن له.
واعلم أن النووي في "الروضة" قد غير هنا ترتيب الرافعي.
قوله: أيضًا من "زوائده": قال في "التهذيب": لو زاد في الأذان ذكرًا أو زاد في عدده لم يفسد أذانه.
انتهى.
وهذا الذي نقله عن البغوي وأثره عليه محمول على ما إذا لم يؤد إلى
الجزء: 2 - الصفحة: 470
اشتباهه على السامعين بغير الأذان كذا نبه عليه في "شرح المهذب" ولابد منه.
قوله فإذا من "زياداته" أيضًا ما إذا كان ليلة مطيرة أو ذات ريح وظلمة فيستحب أن يقول إذا فرغ من أذانه: ألا صلوا في رحالكم فإن قاله في أثناء الأذان بعد الحيعلة فلا بأس، وكذا قاله الصيدلاني والبندنيجي والشاشي وغيرهم واستبعد إمام الحرمين ذكره في أثناء الأذان وليس ببعيد بل هو الحق والسنة، فقد نص عليه الشافعي في الأم وثبت في الصحيحين عن ابن عباس أنه قال لمؤذنه في يوم مطير إذا قلت: أشهد أن محمدًا رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم، ثم قال: قد فعل ذا من هو خير مني يعني النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. انتهى.
واعلم أن الحديث الذي استدل به يدل على إنه يقول عوضًا عن الحيعلة وهو خلاف ما نقله من كونه يقولها بعدها.
قوله: أيضًا من "زوائده" ولو أذن بالعجمية.
وهناك من يحسن بالعربية لم يصح، وإلا فيصح.
انتهى.
وما ذكره من عدم الصحة فيما إذا كان هناك من يحسن محله فيما إذا أذن لغيره، فإن أذن لنفسه وكان لا يحسن العربية صح سواء كأن هناك من يحسن أم لا، كذا ذكره الماوردي ونقله عنه في "شرح المهذب"، فاقتصر عليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 471
الباب الثالث في
استقبال القبلة
قوله: روي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دخل البيت ودعا في نواصيه ثم خرج وركع في قبل الكعبة، وقال: "هذه القبلة" 55 انتهى.
وقيل: بضم القاف والباء، ويجوز إسكانها، قال بعضهم، معناه مقابلها، وقال بعضهم: ما استقبلك.
أي وجهها، ويؤيده رواية ابن عمر في الصحيحين.
في هذا الحديث: وصلى ركعتين في وجه الكعبة 56.
والحديث المذكور رواه الشيخان من رواية أسامة.
واعلم أن الإمام أحمد قد روى في "مسنده"، وكذلك ابن حبان في "صحيحه" أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دخل البيت في اليوم الأول ولم يصل، ثم دخل اليوم الثاني 57 وصلى.
وفي هذا جواب عن نفي أسامة للصلاة.
والأصحاب، ومنهم النووي في "شرح المهذب" قد أجابوا باحتمال الدخول مرتين، وقد تبين ذلك بالنقل لا بالاحتمال.
قوله: ألا ترى أن المريض الذي لا يجد من يوجهه إلى القبلة، ولا يطيق التوجه معذور، كذلك المربوط على خشبة.
انتهى.
واعلم أن القضاء يجب أيضًا في هذه الحالة، وكذلك في جميع أحوال
الجزء: 2 - الصفحة: 472
العجز عن الاستقبال كما نبه عليه آخر كتاب التيمم، وحذفه من "الروضة" ثم ذكر بعده بقليل من "زوائده".
قوله: وهذا أيضًا إذا لم يلحقه خوف فأما إذا خاف الانقطاع عن الرفعة لو نزل لأداء الفريضة أو خاف على نفسه أو ماله من وجه آخر، فله أن يصلي على الدابة، لكنه يعيد إذا نزل.
انتهى كلامه.
ومقتضاه ومقتضى ما في "الروضة" و"شرح المهذب" و"الكفاية" أن خوف الانقطاع يكون منه ضررًا أم لا، لما فيه من الوحشة، وهذا الذي اقتضاه كلامهم هنا، قد صرحوا بتصحيحه في نظيره من التيمم، وقد تقدم ذكره هناك مع ما يشكل عليه.
قوله: وأما صلاة الجنازة ففي جواز فعلها على الراحلة ثلاث طرق بيناها في التيمم والظاهر المنع، لأن الركن الأظهر فيها القيام وفعلها على الراحلة يمحو صورته، وذكر بعضهم للمنع معنى آخر يذكر من بعده، انتهى.
والمعنى الذي أشار إليه هو ندور هذه الصلاة، بخلاف الرواتب هكذا ذكره بعد هذا بنحو ورقتين، ثم قال: وهذه العلة والتي قدمناها من محو سورة القيام ينبغي أن يختلفا في التفريع وإذا صلاها على الراحلة قائمًا، فقضية هذه العلة المنع وقضية تلك العلة الجواز وبه أجاب إمام الحرمين هذه عبارته، والراجح على ما دل عليه كلامه هو العلة الأولى فيكون الراجح الجواز قائمًا ويدل عليه تصريح الإمام، وقياسه جواز أدائها ماشيًا فاعلم ذلك، لكن صحح في "شرح المهذب" امتناع المشي، وأردفه بقوله كما تقدم في "التتمة"، وفي ثبوت ما قاله نظر، لاسيما أنه لم يتقدم له ذكر في التيمم، وقد حذف النووي من الروضة الإختلاف في التعليل، وما
الجزء: 2 - الصفحة: 473
ترتب عليه، وأعاد الرافعي أيضًا المسألة قبيل صلاة التطوع وعلل [بالندرة] 58، وبإحترام الميت أيضًا، ولا يجوز من كلامه تصريح بشئ إلا أنه إلى جواز أقرب لمن تأمل آخر كلامه.
قوله في "الروضة": وأصح الأوجه صحة الفريضة على الدابة الواقفة دون السائرة، وتصح أيضًا في السرير الذي يحمله رجال، والزورق الجاري للمقيم ببغداد، ونحوه في الأصح.
انتهى ملخصًا.
والكلام معه في مسألتين:
الأولى: السرير،
والكلام فيه في أمرين:
أحدهما: أن إطلاقه يقتضي أنه لا فرق فيه بين أن يسير به الرجال أم لا، وقد أصرح به في "شرح المهذب" فقال: الأصح الصحة كالسفينة وبه قطع القاضي أبو الطيب، فقال في باب موقف الإمام والمأموم: قال أصحابنا: لو كان على سرير يحمله رجال وساروا به صحت صلاته، هذه عبارته، وسنذكر أيضًا ما يدل له، وعلى هذا فيحتاج إلى الفرق بين السرير، وبين الدابة.
الأمر الثاني: أن الرافعي -رحمه الله- لم يصحح في المسألة شيئًا، بل نقل عن بعضهم أنه يصح عند السير به، واستدل بذلك على الصحة في الدابة السائرة، ونقل عن الإمام أنه كالصلاة على ظهر الدابة ولم ينقل شيئًا آخر بالكلية، وذكر البغوي أنه على الوجهين في الدابة السائرة والقاضي أبو الطيب جزم بالصحة في الدابة الواقفة وقاسها على سرير يحمله أربعة، وهذا القياس إنما يصح عند مكث العاملين، والصواب عدم الصحة
الجزء: 2 - الصفحة: 474
كالدابة، والفرق بينه وبين السفينة واضح.
المسألة الثانية: الزورق ولم يصحح الرافعي فيه أيضًا شيئا بالكلية، بل ولا حكى وجهين، فإنه قال: وتصح الصلاة في السفينة، وإن كانت تتحرك لمسيس الحاجة إلى ركوبها فجعل كالأرض، وجعلت السفينة كالصفائح المبطوحة على الأرض، ثم قال: وأما الزورق الجاري، فهل للمقيم ببغداد وغيره إقامة الفريضة فيه مع تمام الأركان والأفعال؟
قال إمام الحرمين: فيه احتمال وتردد ظاهر، فإن الأفعال تكثر بجريان الزوارق فهو قادر على دخول الشرط، هذه عبارته، وذكر مثله في الشرح الصغير وجهين وزاد فصحح الصحة، ولم ينبه عليه وذكر مثله في "التحقيق" و"شرح المهذب"، نعم: في كلام الرافعي بعد هذا رمز إليه بعيد.
واعلم أن الصفائح جمع صفيحة، هي ألواح الباب، قال الجوهري.
قوله: لأن سير الدابة منسوب إليه، ولهذا يجوز الطواف عليها وسير السفينة بخلاف، فإنها بمثابة الدار في البر.
انتهى.
وهذا الكلام مقتضاه أنه لو فرض سيل حول الكعبة فطاف فيه على سفينة أو لوح لم يصح، والمتجه صحته.
قوله: ويجوز فعل النوافل راكبًا وماشيًا ثم قال: وهل يختص ذلك بالسفر الطويل؟
فيه قولان:
وأصحهما: لا، وبه قطع بعضهم.
انتهى ملخصًا.
وذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضا، وقد اختصره النووي في "الروضة" بقوله في السفر الطويل، وكذا القصير على المذهب هذا لفظه من
الجزء: 2 - الصفحة: 475
غير زيادة عليه، وهو يقتضي تصحيح طريقة القطع، ولا يؤخذ منه تصحيح لواحدة من الطريقين، وكلاهما مخالف لما في الرافعي، وعبر في "التحقيق" بعبارة "الروضة"، وعبارة "شرح المهذب" صريحة أو كالصريحة في تصحيح طريقة القطع، وقال في شرح الوسيط: إنها المذهب.
قوله: أما راكب السفينة فلا يجوز تنفله فيها إلى غير القبلة لتمكنه، نص عليه الشافعي ثم قال: واستثنى صاحب العدة الملاح الذي يسير بها، ويجوز تنفله حيث توجه لحاجته.
انتهى كلامه.
وهذا الإستثناء يحتمل أن يكون حكاية وجه ضعيف، ويحتمل أن يكون استدراكًا لما قاله الأصحاب، ويكون إطلاقهم محمولًا عليه والأول هو المراد ففد صرح الرافعي في الشرح الصغير، بأن الأصح أنه لا فرق بين الملاح وغيره، وحكى هذا وجهًا ضعيفًا لكن الذي فهمه النووي هو الثاني، فقال في "الروضة" من زيادته: قد استثناه أيضا صاحب الحاوي وغيره، ولابد منه.
انتهى كلامه.
واستثناه أيضًا في شرح المهذب والتحقيق وجزم به الروياني في "البحر".
قوله: أما الراكب على سرج ونحوه، ففي وجوب الإستقبال عليه عند التحرم وجوه أرجحها عند المعظم إن سهل بأن كانت الدابة واقفة وأمكنه إدارتها أو الانحراف عليها أو كانت سائرة والزمام بيده ولا حران بها وجب عليه ذلك، لما روى عن أنس أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا سافر وأراد أن يتطوع استقبل القبلة بناقته، كبر ثم صلى حيث وجه ركابه 59. وإن عسر بأن كانت مقطرة أو صعبة الإدارة لحرانها فلا، لما فيه من المشقة وإختلال أمر
الجزء: 2 - الصفحة: 476
السير عليه، انتهى.
ومقتضاه أن الواقفة إذا سهل عليه إدارتها أو إنحرافه عليها إنما يجب على راكبها الاستقبال حال التحرم خاصة، وهو بعيد.
قال ابن الصباغ: والقياس أنه مهما دام واقفًا فلا يصلي إلا إلى القبلة، فإذا أراد السير انحرف إلى طريقه، والذي قال متعين، وقد نقل في الكفاية عن الأصحاب نحوه، فقال: وقال الأصحاب: لو وقف في أثناء الطريق للإستراحة أو لانتظاره رفقة لزمه الاستقبال ما دام واقفًا، فإن سار بعد ذلك، نظرت فإن سيره لأجل سير الرفقة أتم صلاته إلى جهة سفره، وإن كان هو المختار لذلك من غير ضرورة لم يجز أن يسير حتى تنتهي صلاته، لأنه بالوقوف قد لزمه فرض التوجه، وهذا كلامه، وذكر في "شرح المهذب" من "الحاوي" نحوه، ولم يخالفه.
والحديث المذكور رواه أبو داود بإسناد حسن كما قاله في "شرح المهذب".
قوله: وإن انحرف عن صوب الطريق أو حرف الدابة عمدًا فقد قال في "الوجيز": إن صلاته تبطل، وهذا مُجْرَىً على إطلاقه تبطل وقد رجع إلى الأصل فإذا المراد ما إذا حرفها إلى غير القبلة، أو انحرف عليها يمينه، وهكذا قيده سائر الأئمة.
انتهى.
وما اقتضاه كلامه من عدم الخلاف، وقد صرح به في شرح المهذب وهو غريب، فقد حكى في "التتمة" وجهًا أن الصلاة تبطل إذا انحرف على الدابة بأن جعل وجهه إلى عجزها ونقله أيضًا في "شرح المهذب" في آخر الباب، وأبدى القاضي الحسن في "فتاويه" في ذلك احتمالين.
قوله: إن حرف الدابة ناسيًا أو غالطًا بأن ظن أنها طريق، فإن عاد على قرب لم تبطل وإن طال بطلت على أصح الوجهين، وإن انحرف بجماح الدابة فطال الزمان بطلت على الصحيح كالإمالة قهرًا، وإن قصر لم تبطل
الجزء: 2 - الصفحة: 477
وفيه وجه.
انتهى ملخصًا.
أهمل -رحمه الله- من أقسام المسألة ما إذا انحرفت الدابة بنفسها من غير جماح، وهو غافل منها ذاكر للصلاة، وقد ذكره الغزالي في الوسيط فقال: إن قصر الزمان لم تبطل وإن طال فوجهان.
قوله: وإذا اشترطنا استقبال الراكب عند الإحرام لم يشترط عند السلام في أصح الوجهين، ولا يشترط بما سواهما من أركان الصلاة.
انتهى.
واعلم أن النووي قد ادعى في "تصحيح التنبيه" أن ذلك لا خلاف فيه بالنسبة إلى الركوع والسجود، فإنه قال: الصواب أن ذلك لا يشترط فيهما، وهذا هو اصطلاحه في التعبير بالصواب، وقال في شرح المهذب: إن فيه وجهين ثم إن الخلاف مشهور فإن القاضي أبا الطيب قد حكاه في تعليقته، وجزم البندنيجي بالوجوب، وصححه الروياني وقد حكى ذلك كله ابن الرفعة.
قوله: ثم الطريق في الغالب لا تستد بل تشتمل على معاطف.
انتهى.
تستد: . بسين مهملة ثم تاء بنقطتين من فوق ثم دال مهملة أى: تستقيم.
ومنه قول الشاعر 60:
أعلمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد ساعده رماني
أى: استقام رميه وصار صوابًا مأخوذ من السداد بالفتح، وهو الاستقامة والصواب ومنه قولهم: سددك الله، وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ 61، وأما السداد [بالكسر فهو ما يسديه الشئ تقول: هذا سداد] 62. القارورة الثغر.
الجزء: 2 - الصفحة: 478
نعم: يجوز الكسر والفتح في قولهم: فيه سداد من عور، وأصبت به سدادًا من عيش أى ما يسدد به الخلة وإن كان الكسر أفصح، قاله جميعه الجوهري.
قوله: ليس لراكب اليعاسيف ترك الاستقبال في شئ من نافلته، وهو الهائم الذي يستقبل تارة ويستدبر أخرى، إذ ليس له مقصدًا معلوم، وقول الغزالي، ولا يصلي راكب اليعاسيف معناه: أنه لا يتنفل متوجهًا إلى حيث تسير دابته كما يفعله غيره، لا أنه لا يتنفل أصلًا، فإن هذا الرجل لو تنفل مسقبلًا في جميع صلاته.
انتهى كلامه.
ومقتضاه أنه يجوز لراكب اليعاسيف أن يتنفل على الدابة مستقبلًا للقبلة، وهو مقتضى ما في الروضة أيضًا، وهذا غير مستقيم، فإن هذا السفر حكمه حكم الإقامة إذ لا يستبيح به شيئًا من الرخص، والمذهب في المقيم أنه لا يجوز له التنفل على الراحلة إلى القبلة، ولا إلى صوب مقصده، بل لو صلى على الأرض مضطجعًا وجوزناه كما هو الصحيح، فلابد من الجلوس لفعل الركوع والسجود ولا يكفي الإيماء بهما، بل لا يجئ في مسألتنا الخلاف في المقيم، فإن علة التجويز للمقيم كونه محتاجًا إلى التردد لحاجته كما يحتاج المسافر، وهذه العلة مفقودة هاهنا، لأن هذا التردد عبث لا حاجة إليه، وقد تفطن في "شرح المهذب" للصواب، فقال: الرابعة: إذا كان المسافر راكب يعاسيف، وهو الهائم الذي يستقبل تارة، ويستدبر أخرى، وليس له مقصد معلوم، فليس له الترخيص بشئ من رخص السفر هذا كلامه، والذي وقع للرافعي قلد فيه الإمام، وقد نقله عن ابن الصلاح في "مشكل الوسيط"، ثم اعترض عليه بما ذكرته، فقال: وقوله: يعني الغزالي، ولا يتنفل أصلًا، أطلقه وقد قيده شيخه
الجزء: 2 - الصفحة: 479
في "النهاية"، فقال: لا يتنفل أصلًا إذا لم يكن مستقبلًا في جميع صلاته.
فأقول: التنفل على الراحلة رخصة من رخص السفر على ما تقرر وراكب اليعاسيف لا يترخص بترخص السفر، فهو إذًا كالمقيم هذه عبارته، ثم ذكر بعد ما يقتضي جريان الخلاف الذي في المقيم، واعترضه صحيح وصريان الخلاف غير صحيح، نعم! إن كان هذا المذكور.
له مقصد صحيح في هذا الفعل كالذي يطلب ضالة أو آبقًا ونحوهما، فلا شك أنه على الخلاف في المقيم، واليعاسيف مأخوذ من العسف، وهو ركوب الأمر بغير روية وركوب الفلاة وقطعها على غير صوب، قاله الأزهري.
قوله في المسألة: ولو كان له مقصد معلوم لكن لم يسر في طريق معين فله التنفل مستقبلًا جهة مقصده على الأظهر، وعلى الثاني لا لأنه لم يسلك طريقًا مضبوطًا، فقد لا يؤدي سيره إلى مقصد.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على حكاية الخلاف قولين، وحكاه في "التحقيق" وجهين، والصواب الأول والمقصد بكسر الصاد كما ضبطه ابن الصلاح والنووي.
قوله: الثانية لو انحرف المتنفل عن صوب الطريق أو حرف الدابة عنه ناسيًا، وعاد على العرف لم تبطل صلاته، ثم قال: هل يسجد للسهو، ذكر الصيدلاني والإمام والغزالي وصاحب "التهذيب" أنه يسجد، لأن عمده مبطل، وحكى الشيخ أبو حامد في طائفة عن نص الشافعي أنه لا يسجد.
انتهى ملخصًا.
وقد صحح في "الشرح الصغير" الأول أعني السجود وهو المذكور في
الجزء: 2 - الصفحة: 480
"الحاوي الصغير" أيضًا، ونقله الخوارزمي في "الكافي" عن نص الشافعي، ومقتضى كلام "الروضة" و"التحقيق" و"شرح المهذب"، ترجيح عدم السجود، فإنه قال: فيه وجهان: المنصوص لا يسجد، وهذه العبارة أظهر في الترجيح من كلام الرافعي في "الشرح الكبير"، لكن هذا التصحيح خارج عن القاعدة لكون عمله مبطلًا كما تقدم ذكره، ومعارض أيضًا بما نقله الخوارزمي عن الشافعي، ومشكل بما إذا جمحت الدابة وعادت على الفور، فإن الأصح في "الروضة" وغيرها أنه يسجد.
فإذا علمت هذه الأمور كلها تعين أن تكون الفتوى على السجود على خلاف ما اقتضاه كلام الروضة وغيرها من كتب النووي فاعلمه.
وكأن النووي لم يطلع إلا على النص الذي نقله الرافعي.
قوله في أصل "الروضة": أما الراكب في مرقد ونحوه مما يسهل فيه الاستقبال وإتمام الأركان، فعليه الإستقبال في جميع الصلاة وإتمام الأركان على الأصح كراكب السفينة والثاني لا يشترط وهو منصوص.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما جزم به في حكاية الوجهين قد ضعفه في شرح المهذب، فإنه حكى في المسألة طريقين:
إحداهما: هذه.
والثانية: القطع بالوجوب، قال؛ وهي المذهب وقطع بها الجمهور.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد ذكر وجهًا أنه يجب الاستقبال دون إتمام الأركان كما قيل بمثله في المتنفل على الأرض مضطجعًا ولم يذكره في "الروضة".
الجزء: 2 - الصفحة: 481
قوله: أما الماشي فيتم ركوعه وسجوده ويستقبل فيهما وفي إحرامه، ولا يمشي إلا في قيامه، وكذا في تشهده على ظاهر المذهب.
انتهى ملخصًا.
وما ذكره من حصر المشي إلا في قيامه تابعه عليه في "الروضة"، وهو يقتضي أنه يمشي في حال الاعتدال دون الجلوس بين السجدتين، وقد صرح به في "الكفاية" نقلًا عن البغوي وغيره، وفرق بأن مشي القائم يسهل، فسقط عنه التوجه فيه ليمشي فيه شيئًا من سفره قدر ما يأتي بالذكر المسنون، ومشى الحالتين لا يمكن إلا بالقيام وقيامه غير جائز، فكان عليه التوجه فيه.
قوله: ولا كلام في أن الماشي لو مشى على نجاسة قصدًا فسدت صلاته، ولكن لا يجب عليه التحفظ لأنه يشق ولو انتهى إلى نجاسة ولم يجد معدلًا عنها، فقد قال الإمام: هذا فيه احتمال، قال: ولو شك في البطلان في الرطبة، وإن كانت عن غير قصد، لأنه يصير حاملًا للنجاسة، انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما نقله عن الإمام من التوقف في اليابسة، تبعه عليه في "الروضة" وغيرها، ولم يزد عليه، وذكر في التحقيق ما حاصله أن المعروف البطلان فاعلمه.
الأمر الثاني: أن ما قاله الإمام في الرطبة قد تبعه عليه في "الروضة" وجزم به مع أن شرطه أن يحصل تلوث كبير لا يقع في حد العفو، كذا صرح به الرافعي في هذه المسألة بخصوصها ذكر ذلك في باب شروط الصلاة.
قوله: ويشترط دوام السفر فلو مر ببلدة له بها أهل وعشيرة فهل يصير مقيمًا بدخولها؟ فيه قولان.
انتهى.
والأصح منهما أنه لا يصير، كذا صححه الرافعي في صلاة المسافر.
الجزء: 2 - الصفحة: 482
اعلم أنه لو إبتدأ النافلة على الأرض ثم أراد السفر، ففي شرح المهذب أنه يلزمه الاستئناف بلا خلاف، وجزم به في التحقيق، وكان ينبغي أن يفصِّل، فيقال: إن اضطر إلى ذلك بأن رحلت الرفقة وتضرر بتخلفهم بنى وإلا استأنف كما قالوا في صلاة الخوف فيمن افتتح الفرض على الأرض ثم ركب.
قوله من "زوائده": قال أصحابنا: والنفل في الكعبة أفضل منه خارجها وكذا الفرض إن لم يرج جماعة، فإن رجاها فخارجها أفضل، انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن التنفل في البيت أفضل من التنفل في المساجد، حتى مسجد المدينة كذا ذكره في "شرح المهذب" في هذا الباب، وقد ذكر الماوردي أن حرم مكة مساوٍ لمسجدها في المضاعفة، ونقله عن النووي في مناسكه، وأقره بخلاف حرم المدينة، وحينئذ فإذا ثبت تفصيل التنفل في البيت على فعله في مسجد المدينة كما تقدم نقله عن شرح المهذب لزم ذلك في مسجد مكة بطريق الأولى، وإطلاقهم في باب صلاة التطوع يدل عليه، وهذا كله يعارض ظاهر ما نقلناه الآن من "الروضة"، وحينئذ فينبغي تأويله على أن يكون المراد بقوله خارجها أي من المسجد ويكون ساكتًا عن التفصيل بين المسجد والبيت، وقد تقرر في موضعه أن التنفل في البيت أفضل من المسجد بخلاف الفرض.
الأمر الثاني: أن تعبير "الروضة" قد سقط منه شئ يعرف من "شرح المهذب"، فإنه قال: أصحابنا: والتنفل في الكعبة أفضل منه خارجها، وكذا الفرض إذا لم يمكن فخارجها أفضل هذه عبارته، فسقط من الروضة تفضيل الفرض في الكعبة عند إمكان فعل الجماعة في الكعبة وفي خارج
الجزء: 2 - الصفحة: 483
الكعبة معا وعبارة المهذب قد تنازع في هذه الصورة، فإن قال: والأفضل أن يصلي الفرض خارج البيت، لأنه يكثر للجمع، مكان أعظم للأجر، هذا كلامه.
قوله: ولو صلى في الكعبة أو على سطحها فينظر إن كان بين يديه شاخص قدر مؤخرة الرجل صحت صلاته ومؤخرة الرجل ثلثا ذراع إلى ذراع تقريبًا، وإن لم يكن بين يديه شيء شاخص من نفس الكعبة، ففيه وجهان.
الأصح: المنع، لما روى أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن الصلاة على ظهر الكعبة 63،
والثاني: وبه قال أبو حنيفة وابن سريح، يجوز كما لو وقف خارج العرصة،
ثم قال ما نصه: رخص بعضهم نقل الجواز عن ابن سريج بصورة العرصة دون السطح لكن قال إمام الحرمين: لا شك أنه يجزئه في ظهر الكعبة، وصرح في التهذيب بنفي الجواز عنه في الواقف على ظهر الكعبة، فلا فرق.
انتهى كلامه.
وتعبيره بقوله: بنفي الجواز وقع كذلك في عدة من نسخ الرافعي، واعتمد عليها ابن الرافعي في "الكفاية"، فنقل هذا الكلام بعينه عن التهذيب وهو غلط، فإن المذكور في التهذيب عن ابن سريج إنما هو الجواز في السطح ولم ينقل عنه شيئًا في العرصة، ووقع في بعض نسخ الرافعي التعبير بنقل الجواز عوضًا عن نفي الجواز، وهذه النسخة هي الصواب، والحديث المذكور رواه الترمذي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم، قال الترمذي:
الجزء: 2 - الصفحة: 484
ليس إسناده بذاك القوي، ولفظ الحديث عن [ابن] 64 عمر أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "سبعة مواطن لا يجوز فيها الصلاة المجزرة والمزبلة والمقبرة ومعاطن الإبل والحمام وقارعة الطريق وفوق بيت الله العتيق.
. . .".
واعلم أن ابن الصلاح قد قال في "مشكل الوسيط": الصحيح أن مؤخرة الرحل بميم مضمومة ثم همزة ساكنة ثم خاء معجمة مكسورة بعدها راء وهاء، وهي عبارة عما يستند إليه راكب الرجل من خلاف ظهره والرحل منزلته من ظهر الجمل منزلة البرذعة من ظهر الحمار، قال في "غريب المهذب" المسمى "بالمغنى": المؤخرة بفتح الهمزة وتشديد الخاء.
قال ابن الأثير: المؤخرة بالسكون لغة قليلة في الآخرة على وزن الضاربة وقد منع منها بعضهم.
قوله: وقبلة الكوفة نصبها علىّ، وقبلة البصرة نصبها عتبة بن غزوان -رضي الله عنهما- انتهى.
وغزوان بغين معجمة مفتوحة ثم زاى معجمة ساكنة، توفي عتبة بطريق البصرة سنة سبع عشرة من الهجرة.
قوله: فإن قدر على القبلة يقينًا لم يجز له الاجتهاد كالقادر على العمل بالنص لا يجوز له الإجتهاد، وحكى الروياني وجهين فيما إذا استقبل الحجر بكسر الحاء بناء على هذا الأصل، قال: الأصح المنع، لأن كونه في البيت غير مقطوع به.
انتهى.
واعلم أنه يجوز الأخذ برواية الصحابي واجتهاده بحضرة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كما ذكره في "شرح المهذب" في الكلام على الاجتهاد في الأوقات، فترد
الجزء: 2 - الصفحة: 485
هذه الصورة على المصنف، وأما الذي صححه الروياني، فقد صححه النووي في أصل "الروضة" وغيرها من كتبه وسبب كونه غير مقطوع به أنه في أخبار الآحاد، وصورة مسألة الكتاب أن يكون في الحرم وهو أعمى أو في ظلمة.
قوله: وإن لم يقدر على درك اليقين نظر إن وجد من يخبره عن القبلة عن علم رجع إليه ولم يجتهد أيضًا كما في الوقت إذا أخبره عدل عن طلوع الفجر يأخذ بقوله ولا يجتهد، وكذا في الحوادث إذا روى العدل خبرًا.
انتهى.
واعلم أن ما ذكره في وجدان الخبر إن أراد به أنه إذا أخبره وجب العمل بقوله وامتنع الاجتهاد فواضح، ويدل عليه تعبيره بقوله كما في الوقت إذا أخبره فإن أراد أن يلزمه سؤاله، فيشكل على ما ذكره في المكر من أنه يجوز له إذا صلى في بيته أن يجتهد، وإن أمكنه الرقى على السطح، وقياسه من هنا ألا يجب السؤال بل أولى لأن الرقى يحصل العلم بخلاف السؤال، وقد استفدنا من كلام الرافعي أن إخبار العدل عن مشاهدة ليس بيقين، وأنه لا يجوز الأخذ به إلا إذا تعذر عليه القطع، وسأذكر في الكلام على ظهور الخطأ كلامًا يتعلق به.
قوله في أصل "الروضة": ولا يقبل في القبلة خبر كافر قطعًا ولا فاسق ولا صبي غير مميز على الصحيح فيهما.
انتهى.
وما جزم في الفاسق من طريقة الوجهين قد ضعفها في "شرح المهذب" فقال: وأما الفاسق ففيه طريقان: المشهور وبه قطع الأكثرون أنه لا يقبل خبره هنا كسائر أخباره، والثاني في قبوله وجهان، وما أطلقه في الكافر، قد ذكر الماوردي ما يقتضي تخصيصه فقال: فأما إذا استدل مسلم من كافر
الجزء: 2 - الصفحة: 486
دلائل القبلة كأن سأله عن أحوال الرياح ومطالع النجوم فأخبره ووقع في نفسه صدفة ثم اجتهد لنفسه من خبر المشرك في جهات القبلة جاز، لأن المسلم عمل في القبلة على اجتهاد نفسه، وإنما قبل خبر المشرك في غيرها مما يستوي في الإخبار به من وقع في النفس صدقة من مسلم وكافر، هذه عبارته.
قوله: حتى أن الأعمى يعتمد المحراب إذا عرفه بالمس حيث يعتمده البصير بالرؤيه، ثم قال: ولو اشتبهت عليه طيقان لمسها فلا شك في أنه يصير حتى يخبره غيره صريحًا، انتهى كلامه.
والطيقان جمع طاق كنار ونيران، وجار وجيران، قال صاحب المطالع: طاق البناء هو الفارغ ما تحته وهي الحنية وتسمى الأزح، وقال الجوهري: الطاق ما عطف من الأبنيه والجمع طاقات وطيقان فارسي معرب، ولهذا يعبر بعض الفقهاء عن المحراب بطاق القبلة وسنعيد هذه اللفظة إن شاء الله تعالى في كتاب الإيمان بزيادة على المذكور هنا.
قوله: ولو غرز عصًا أو خشبة فوجهان أحدهما يكفي بحصول الاصال بالمغروز، ولذلك تعد الأوتاد المغروزة من الدار، وتدخل في البيع، وأصحهما: لأ كما لو وضع الغروز من البناء والأوتاد جرت العادة بغرزها لما فيها من الصالح فقد تعد من البناء لذلك.
انتهى كلامه.
وحاصله حكمًا وتعليلًا أن هذا الخلاف لا يجري في البيع وهو غريب، فقد حكاه الرافعي هناك، وجعله مفرعًا على الخلاف، ونقل أن الخلاف المذكور هنا أصل لذلك، فقال في [الفصل] 65: الدار ما نصه.
الجزء: 2 - الصفحة: 487
الثالث: ما أثبت على غير هذا الوجه [كالدقوق] 66 والدنان والإجانات المثبتة والسلالم المسمرة والأوتاد المثبتة في الأرض والجدران والتحتاني من حجري الرحى وخشب القصار، ومعجن الخباز، ففي جميع ذلك وجهان:
أصحهما أنه يدخل ثم قال: وفي "التتمة" أن أصل الخلاف في هذه المسائل الخلاف في تجويز الصلاة إلى العصا المغروزة في سطح الكعبة إن جوزناه، فقد عددناها من البناء فتدخل وإلا فلا.
انتهى كلامه.
فحكى الخلاف فيه كما ذكرناه مع كونه مثبتًا ومسمرًا وجعل هذا أصلًا له.
قوله: والوجهان في الغرز المجرد أما لو كانت مثبته أو مسمرة كفت للاستقبال.
نعم: قال إمام الحرمين: الخشبة وإن كانت مثبتة، فبدن الواقف خارج عن محاذاتها من الطرفين فيكون على الخلاف الذي يأتي ذكره فيمن وقف على طرف، وبعض يديه في محاذاة ركن من الكعبة.
انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدها أن ما ذكره من تخصيص الوجهين بمجرد الغرز لا بالمثبت والمسمر قد صرح به في أصل "الروضة" كما ستعرفه، والكلام المذكور في البيع يقتضي أنه لا فرق هنا بينهما فتأمله.
الأمر الثاني: هو موقوف على عبارة الإمام فنقول: قال: ولو وقفه على حرف ركن من البيت وكان يحاذي ببعض بدنه الركن وبعضه خارج عن مسامته الكعبة، ففي صحة الصلاة وجهان، ثم قال بعد صفحة: ثم لو فرض شخوص خشبة من البناء فمعلوم أنه في حجمها قد لا يكون على قدر الواقف، وقد ذكرنا خلافًا فيمن وقف على طرف ركن من أركان
الجزء: 2 - الصفحة: 488
الكعبة، وخرج بعض بدنه عن؟ وهذه الخشبة الشاخصة، وإن اتصلت اتصال البناء، فبدن الواقف خارج عن محاذاتها في الطرفين، فهذا فيه تردد عندي، كما ذكرته، هذه عبارته، وقول الإمام: فهذا فيه تردد ظاهر عندي جزم منه بحكاية التردد، وذلك التردد ظاهر مما سبق، وليس بخفي، ولهذا قال كما ذكرته أى كما ذكرت التردد هنا هذا مدلول كلام الإمام لا غير، وهو مطابق لكلام الرافعي، وتوهم النووي أن الإمام متردد في جريان ذلك الخلاف هنا، فاعترض به على الرافعي فقال: وإن كانت العصا خشبة أو مسمرة كفت قطعًا، لكن قال الإمام: إن خرج بعض بدنه عن محاذاتها كان على الخلاف الآتي ممن خرج بعض بدنه محاذاة الكعبة.
قلت: لم يجزم الإمام بأنه يكون على ذلك الخلاف، بل قال في هذا التردد ظاهر عندي، وظاهر كلام الأصحاب القطع بالصحة في مسألة العصا، لأنه يعد مستقبلًا بخلاف مسألة طرف الركن فالله أعلم.
هذا كلامه وهو مردود من وجهين:
أحدهما: أن الفهم الذي فهمه غير صحيح لما ذكرته ولأن إجراء الخلاف من هنا لم يتقدم له ذكر حتى يجعل التردد عائدًا إليه.
الوجه الثاني: أن ما دعاه ونسبه إلى ظاهر كلام الأصحاب من القطع غريب، فما بالعهد من قدم فقد سبق قبل هذا بنحو خمسة أسطر حكاية هذا الخلاف بعينه في الشاخص فقال: إنه إذا استقبل العتبة وهي قدر ثلثي ذراع جاز ثم قال: ولنا وجه أنه يشترط في العتبة أن تكون بقدر قامة المصلي طولًا وعرضًا ووجه أنه يكفي شخوصها بأي قدر كان، ثم قال عقبه: إن الكعبة لو هدمت والعياذ بالله تعالى يوقف في عرصتها أو وقف على سطحها واستقبل شاخصًا من نفس الكعبة، فله حكم العتبة إن كان
الجزء: 2 - الصفحة: 489
ثلثي ذراع جاز وإلا فلا على الصحيح وفيه الوجهان الآخران، هذه عبارته.
فإذا جرى الخلاف المذكور في شاخص من نفس الكعبة فالعصا أولى، وهذا الاعتراض وارد على الرافعي أيضًا، فإن قوة كلامه مشعرة بأن لم يقف عليه صريحًا وإنما أخذه مما أبداه الإمام.
قوله: ولو وقف على طرف من أطراف البيت وبعض بدنه في محاذاة الركن، والثاني خارج ففي صحة صلاته وجهان أحدهما يصح، لأنه توجه إلى الكعبة بوجهه وحصل أصل الإستقبال وأصحهما لا يصح، لأنه يصدق أن يقال: ما استقبل الكعبة إنما استقبلها بعضه.
انتهى كلامه.
وهذا الاستدلال الذي ذكره للوجه الأول صريح في أن العبرة في الإستقبال بالوجه، وذكر في كتاب الحج في كلام على أركان الطواف ما حاصله أنه لابد منه ومن الصدر فقال: قال الإمام: الأصح المنع كما أن المصلي لما أمر بأن يولي الكعبة صدره ووجهه لم يجز أن يوليها شقه، هذه عبارته.
والصواب: أن الإعتبار بالصدر خاصة كما جزم في شرح المهذب في الكلام على الالتفات في الصلاة.
قوله: ولو حال بين المكي وبين الكعبة حائل فاجتهد فلا إعادة إن كان الحائل خلقيًا، وكذا إن كان حادثًا في أصح الوجهين انتهى.
تابعه في "الروضة" على الصحيح عدم الوجوب.
وهو مخالف لنص الشافعي، فإنه قد نص في البويطي على وجوب الإعادة عليه، ولم يفصل، فأقبل مراتبه أن يحمل على الحادث، ونقله البندنيجي عن نصه في "الأم"، وذهب إليه الشيخ أبو حامد والبندنيجي والقاضي أبو الطيب
الجزء: 2 - الصفحة: 490
والماوردي والمحاملي والجرجاني، وقد ادعى النووي في "شرح المهذب" أنه يجتهد في الخلقي بلا خلاف، وليس كذلك، فقد حكى ابن الرفعة عن القاضي أبي الطيب أنه لا يجتهد.
واعلم أنه لو بنى حائلًا من غير ضرورة ولا حاجة ومنعه المشاهدة لم تصح صلاته أى بالاجتهاد لتفريطه، كذا نقله في "النهاية" عن العراقيين وهي مسألة حسنة.
قوله: ومحراب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نازل منزلة الكعبة، فمن يعاينه يستقبله، ويسرى محرابه عليه بناءً على العيان والإستدلال كما ذكرنا في الكعبة، ولا يجوز العدول عنه بالإجتهاد وكذا المحاريب المنصوبة في بلاد المسلمين، هذا كلامه في الجهة، وهل يجوز الإجتهاد فيها بالتيامن والتياسر إن كان محراب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يجز بحال، ولو تخيل حاذق في معرفة القبلة فيه تيامنًا أو تياسرًا، فليس له ذلك وخياله باطل، وأما سائر البلاد فيجوز على الأصح.
انتهى ملخصًا.
واعلم أن الشيخ محب الدين الطبري قد أثار في شرحه "للتنبيه" بحثًا ينبغي أن يعلم، فقال: فإن قيل: محرابه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على عين الكعبة، إذ لا يجوز فيه الخطأ، فيلزم بما قلتم ألا تصح صلاة من بينه وبينه من أحد جانبيه أكثر من سمت الكعبة إلا مع الانحراف، قلنا: من أين لكم أنه على عين الكعبة، فيجوز ألا يكون على عين الكعبة، فيجوز ألا يكون كذلك، ولا خطأ بناء على أن الفرض الجهة.
نعم: إن ورد في الصحيح أنه نصب على العين فيكون مقتضى الدليل ما ذكرتموه على القولين.
الجزء: 2 - الصفحة: 491
على القولين أما على العين فظاهر، وأما على الجهة فهذا المحراب كالكعبة [فمشاهده كمشاهدها] 67 إلا أن إجماع الصحابة على بناء مسجد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - واسعًا، وصلاتهم في أقطاره من غير أن ينقل الانحراف عنهم دليلًا على طرد حكم البعد في كل مكان سواء تحقق صوب عين الكعبة أم لا تحقيقًا للقول بأن فرض التعبد هو الجهة مطلقًا، ولا أعلم أحدًا تكلم في هذه المسألة والظاهر فيها ما ذكرته.
انتهى كلامه ملخصًا.
وللبحث فيه مجال.
واعلم أن المراد بمحراب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هو موقفه وإلا فالمحاريب محدثه والمحراب في اللغة هو صدر المجلس.
قوله: قال الإمام: والخلاف في أن المجتهد إذا تخير هل يقلد أم لا محله إذا ضاق الوقت أما قبله فيمتنع التقليد جزمًا قال: وفيه احتمال من التيمم في أول الوقت.
انتهى.
وهذا التقييد الذي ذكره الإمام جزم به الماوردي في "الحاوى" والطبري في "شرح التنبيه"، ووافق الرافعي عليه في آخر المسألة في الكلام على لفظ الوجيز فقال: ومسألة التخير قد أطلق الخلاف فيها، وهو محمول على ما إذا ضاق الوقت كما حكمنا من قبل هذه عبارته.
وقت غفل في الروضة عن هذا الكلام واقتصر على نقل كلام الإمام ساكتًا عليه ثم اغتر به في غيرها فقال في "شرح المهذب": إن المذهب الذي صرح به الجمهور تعميم الخلاف وقال في "شرح الوسيط": إن ما قاله الإمام شاذ والمشهور التعميم، وذكر في "الشرح الصغير" كما ذكر في "الروضة".
الجزء: 2 - الصفحة: 492
قوله: ولو اختلف عليه [اختلاف] 68 اجتهاد مجتهدين قلد من شاء منهما والأولى تقليد الأوثق والأعلم عنده، وقيل يجب ذلك فإن تساوى قول اثنين عنده يخير وقيل: يصلي مرتين إلى الجهتين.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن النووي في "الروضة" قد اختصر ذلك اختصارًا فاسدًا فإنه جمع المسألتين فقال: ولو اختلف عليه اجتهاد مجتهدين قلد من شاء منهما على الصحيح، والأولى تقليد الأوثق والأعلم وقيل يجب ذلك، وقيل: يصلي مرتين إلى الجهتين، هذه عبارته فاقتضى كلامه حكاية وجه أنه يجب عليه الصلاة مرتين مع كونه أحدهما أرجح عنده ولم يذكره الرافعي إلا عند التساوي ولا يصح القول به أيضًا إلا في هذه الحالة.
الأمر الثاني: أن الرافعي في "الشرح الصغير" قد رجح الثاني فقال: إنه الأشبه وذكر في "الكفاية" أن القاضي أبا الطيب نقله عن نص الشافعي في "الأم" ثم قال أي -ابن الرفعة-: إن الأكثرين على التخيير بينهما وسأذكر بعد هذا كلامًا آخر متعلقًا بهذه المسألة.
قوله: ومن صلى بالاجتهاد ثم ظهر له الخطأ نظر إن كان بالاجتهاد أيضًا لم يؤثر فيما مضى، وإن كان باليقين وجب القضاء في أصح القولين؛ لأنه تيقن الخطأ فيما يأمن مثله في القضاء فلا يعتد بما مضى كالحاكم إذا حكم ثم وجد النص بخلافه واحترزوا بقولهم فيما يأمن مثله في القضاء عن الخطأ في الوقوف بعرفة فإن القضاء لا يجب؛ لأن مثله غير مأمون في القضاء ويمكن أن يقال: لا حاجة إلى هذا المجتهد؛ لأن الأمر هناك مبني على رؤية الهلال ولا يعين بكون الرائين مصيبين.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن تعبيره بالقضاء الذي هو حقيقة في المفعول خارج الوقت يشعر بأن صورة المسألة أن يكون التبين بعد الوقت حتى إذا تبين الحال
الجزء: 2 - الصفحة: 493
والوقت باق وجت الإعادة قولًا واحدًا كما في نظيره من الاجتهاد في وقت الصلاة ووقت الصوم، وفي كلام الرافعي في الباب ما يدل عليه وإن كان الرافعي في أثناء المسألة في الكلام على التيامن والتياسر قد عبر أيضًا بلفظ الإعادة، وكرر هذه اللفظة.
لكن رأيت في "دلائل القبلة" لابن القاص ما حاصله أن القولين جاريان مطلقًا فإنه قال: إذا أخطأ في الجهة فقال مالك بن أنس: إن كان وقت الصلاة قائمًا فعليه الإعادة، وإن كان قد فات الوقت فلا إعادة.
وقال الأوزاعي وأحمد وإسحاق بن راهويه: عليه الإعادة.
وقال النووي والكوفي وصاحباه: لا إعادة عليه.
قال الشافعي: فيها قولان، هذه عبارته ثم استدل على كل من القولين.
الأمر الثاني: أن ما ذكره في أخر كلامه يقتضي أن إخبار العدل بالخطأ عن مشاهدة لا يوجب القضاء لانتفاء التعين، وقد سبق عند الكلام على القدرة على اليقين ما يدل له، والجاري على القواعد أن حكمه هنا كحكم مشاهدته حتى يجب عليه القضاء ولهذا قاسوه على الحاكم إذا ظهر له النص وليس المراد به إلا الخبر الصحيح الذي يرويه العدل ونحوه سواء كان متواترًا أم لا.
قوله، في "الروضة": -وأما المتمكن من تعلم أدلة القبلة فيبني على أن تعلمها فرض عين أم كفاية؟ والأصح فرض عين.
قلت: المختار ما قاله غيره أنه إذا أراد سفرًا ففرض عين لعموم حاجة المسافر إليها وكثرة الاشتباه عليه، وإلا ففرض كفاية إذ لم ينقل أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم السلف ألزموا آحاد الناس بذلك بخلاف أركان الصلاة وشروطها.
انتهى
الجزء: 2 - الصفحة: 494
كلامه.
وهذا الوجه الذي رجحه قد قال في "شرح المهذب" أيضًا: إنه الأصح وخالف في المنهاج فصحح أنه فرض مطلقًا ولم يذكر الثالث بالكلية تبعًا لما في "المحرر".
قوله: في "أصل الروضة" ولو ظهر له الخطأ بالظن في أثناء الصلاة مقترنًا بظهور الصواب فوجهان.
الأصح: أنه ينحرف ويبني حتى لو صلى أربع ركعات إلى أربع جهات باجتهادات فلا إعادة.
والثاني: يستأنف وخص صاحب التهذيب الوجهين بما إذا كان الدليل الثاني أوضح من الأول قال: فإن استويا تمم صلاته إلى الجهة الأولى ولا إعادة.
انتهى.
وهذا الكلام يشعر بأن المعروف إطلاق الوجهين وبه صرح في "شرح المهذب" فقال: والمشهور إطلاق الوجهين، هذه عبارته.
وحينئذ فيكون الأصح على الانحراف أيضًا، وهو عجيب فكيف يتصور أن يقال بلزوم الانتقال مع التساوي ثم إنه مخالف لكلام الرافعي، فإن الرافعي عقب نقله عن "التهذيب" ما نقل لم يرتض كلامه ولا ذكر ما ذكره، فقال: وإن كانا مثلين فقضيته التوقف والتخير، وحينئذ فلا يكون الصواب ظاهرًا له وحينئذ فيكون حكمه حكم من ظهر له الخطأ ولم يظهر له الصواب، وحكمه أنه إن عجز عن درك الصواب بالاجتهاد على العرف وطلب صلاته إذا لا سبيل إلى الاستمرار على الخطأ ولم يقف على جهة الصواب حتى ينحرف، فإن قدر على العرف هل يبني وينحرف أو يستأنف؟ يعود فيه الخلاف السابق وأولى بالاستئناف؛ لأنه هناك قد تمكن من الانحراف إلى
الجزء: 2 - الصفحة: 495
الصواب كما ظهر الخطأ، وهاهنا بخلافه فإنه يتخير في الحال ثم قال: ولا فرق في هذا بين أن يظهر الخطأ بالقطع أو الظن.
انتهى ملخصًا.
قال في "الروضة": والصواب من هذا الخلاف وجوب الاستئناف وإذا علمت بما تقدم تلخص لك من كلام الرافعي أنه إذا لم يكن الثاني أوضح لا يتنفل بالكلية كما يقوله النووي، بل إن لم يترجح المحال من قرب بطلت صلاته وإن ترجح عن قرب ففيه الخلاف، والصوأب وجوب الاستئناف والقائل هنا بوجوب الانحراف قد يكون إلى الأول وقد يكون للثاني، وظهر بطلان ما قاله النووي على كل تقدير ولا شك أنه لما حذف ما ذكره الرافعي ظنًا منه أنه مناقشة في لفظ اغتر به في "شرح المهذب" فنقله على عادته وصرح بما اقتضاه فلزم الخلل.
نعم: قد سبق لنا أنه إذا اختلف على المقلد اجتهاد مجتهدين متساويين قلد من شاء منهما وقيل: يصلي مرتين وقياسه أن يتخير أيضًا في مسألتنا تعليل أنه إذا تغير اجتهاده قبل الدخول في الصلاة وظن أن الصواب جهة أخرى اعتمد الأوضح منهما، فإن تساويا يخبر وقيل يصلي إلى الجهتين مرتين وهذا نظير ما سبق أيضًا.
نعم: لو دخل في الصلاة باجتهاد ثم شذ عنه ولم يترجح له شئ من الجهات أتم صلاته إلى جهته ولا إعادة عليه كما نص عليه في "الأم"، واتفقوا عليه كذا قاله في "شرح المهذب".
وقياسه أن يستمر في مسألتنا على الجهة الأولى؛ لأن الشك يحصل عنده بتعارض الدليلين وقد سبق ظن فيتمسك به فتلخص أن الصواب ما قاله البغوي، وما قاله الرافعي والنووي لا يستقيم وكلام النووي أبعد عن
الجزء: 2 - الصفحة: 496
الصواب من كلام الرافعي ثم بعد ذلك رأيت الطبري في شرح التنبيه قد نص على ما ذكرته بعينه، فقال: ولا يتجه غير ما قاله البغوي وذكر نحو ما ذكرته، وذكر فيه أيضًا أنه لو وقع ذلك أثناء التكبير كان كما لو وقع قبله، والذي ذكره صحيح وقد سبق إيضاحه في الكلام على رؤية المتيمم للماء.
قال ابن الصلاح: والمرجح في الطول والقصر إلى العرف لا إلى مضى الركن وعدمه فقد يمضي مع القصر ركن وقد لا يمضى، قال: وفيما علقته في الدرس بخراسان عما علق عن الغزالي تحديده بالركن، قال: وهذا غير مرضِ.
قوله: والخطأ في التيامن والتياسر إذا ظهر بالاجتهاد وكان ذلك بعد الفراغ من الصلاة فلا يقتضي وجوب الإعادة؛ لأن الخطأ في الجهة والحالة هذه لا يؤثر ففي التيامن والتياسر أولى، وإن كان في أثناء الصلاة فينحرف ويبني ولا يعود فيه الخلاف المذكور في نظيره من الخطأ في الجهة لأنا استبعدنا الصلاة الواحدة إلى جهتين مختلفتين، وأما الالتفات اليسير فإنه لا يبطل الصلاة، وإن كان عمدًا وإذا ظهر الخطأ في التيامن والتياسر يقينًا فإن قلنا الفرض إصابة العين ففي وجوب الإعادة إن وقع بعد الصلاة، والاستئناف إن وقع في أثنائها القولان في الجهة.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما جزم به من وجوب الانحراف إذا ظهر في الأثناء قد تابعه عليه في "الروضة" وادعى عدم الخلاف، فقال: وإن كان في أثنائها انحرف وأتمها قطعًا.
انتهى.
والقياس يقتضي تخريجه على أن الفرض في حق البعيد هل هو الجهة
الجزء: 2 - الصفحة: 497
أو العين؟ فإن قلنا العين وجب الانحراف، وإن قلنا الجهة فلا، وقد أشار الرافعي بعد هذا بدون ورقتين إلى هذا الخلاف فقال: ولو اختلف اجتهاد رجلين في التيامن والتياسر والجهة واحدة، فإن أوجبنا على المجتهد رعاية ذلك فهو كالاختلاف في الجهة فلا يقتدي أحدهما بالآخر وإلا فلا بأس.
هذا كلامه.
الأمر الثاني: أن ما ذكره في الاستدلال على اعتقاد الانحراف بأن الالتفات اليسير عمدًا لا يبطل، كيف يصح مع التفاريع التي ذكرها قبل وبعد من وجوب الانحراف عند الظن والاستئناف والإعادة عند التحقق، فإن لم تكن المسألة من أقسام الانحراف لم يصح الاستدلال بها.
قوله: ولو تغير اجتهاد المأموم لزمته المفارقة وهل هي مفارقة بعذر أم بغير عذر لكونه مقصرًا بترك الإمعان في النظر والبحث فيه وجهان.
انتهى.
والأصح هو الزول كذا صححه النووي في "زيادات الروضة" و"شرح المهذب" وابن الرفعة في "الكفاية".
قوله: [إحداها] 69 إذا صلى إلى جهة بالاجتهاد ثم دخل عليه وقت صلاة أخرى أو أراد قضاء فائتة فهل يحتاج إلى تجديد الاجتهاد؟ فيه وجهان: أظهرهما: نعم، فإن قلت فهل يختص الوجهان بما إذا لم يبرح من مكانه كالتيمم؟ قلنا: في كلام بعض الأصحاب ما يقتضي ذلك لكن الفرق ظاهر؛ لأن أكثر أدلة القبلة لا تختلف بالمسافات القريبة لأنها سماوية.
انتهى ملخصًا.
ذكر نحوه في "الروضة" أيضا وكذلك في "شرح المهذب" نقلا له عن
الجزء: 2 - الصفحة: 498
الرافعي وليس ذلك صريحًا في رد هذه المقالة ولا في قبولها، وقد ارتضاها النووي في "التحقيق" وجزم بأن محل القولين إذا لم ينتقل فإن انتقل جدد الاجتهاد جزمًا، وهو حاصل ما في "الكفاية" لابن الرفعة أيضًا.
قوله: ولو اجتهد عدل فقال لمن هو يصلى بالتقليد أخطأ بك فلان، فإن كان قول الأول أرجح عنده أو مثله أو لم يعرف هل هو مثله أو لا لم يجب العمل بقول الثاني، وهل يجوز العمل به؟ يبني على أن المقلد إذا وجد مجتهدين هل يجب الأخذ بأعلمهما أم يتخير؟ فإن قلنا بالأول لم يجز وإلا ففيه خلاف؛ لأنه إن بنى كان مصليًا للصلاة الواحدة إلى جهتين، وإن استأنف كان مبطلًا للفرض بغير عذر وفي كل منهما خلاف، وإن كان الثاني أرجح فهو كتغير اجتهاد البصير فينحرف.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن الأصح في الصلاة الواحدة إلى جهتين هو الجواز كما صرح به الرافعي والنووي في مواضع من هذا الباب، والأصح في الخروج من الفرض بغير عذر هو المنع كما سبق في التيمم، وحينئذ فيكون الأصح من هذا الخلاف هو الجواز إن أراد البناء والمنع إن أراد الخروج، وعبر في الروضة بقوله خلاف ولم يذكر مدرك الخلاف الذي يعلم منه الصحيح في حالة دون حالة ثم إنه صحيح من زوائده المنع ولم يذكر تفصيلا بالكلية.
وذكر مثله في "شرح المهذب" والتحقيق وغيرهما فحصل الغلط من وجهين.
الأمر الثاني: أن ما ذكره فيما إذا كان الثاني أعلم قد ذكر في كتاب القضاء في الكلام على الاستفتاء ما يخالفه فقال القياس في هذه المسألة: أن
الجزء: 2 - الصفحة: 499
تخرج على الخلاف السابق فإن أوجبنا الأخذ بقول الأعلم فهو كما قالوه من تعين.
فهو كما قالوه من تعين الاجتهاد، وإلا فلا أثر لقوله.
واعلم أن ما قالوه في هذه المسألة والمسألة السابقة صريح في أن الخلاف في تقليد الأعلم جارٍ مع العلم به، لكن الرافعي في القضاء لما تكلم على الاستفتاء وحكى الخلاف في وجوب استفتاء الأعلم جعل محله في البحث عنه، ثم حكى عن الرافعي أنه ذكر في علم الأصول أنه إذا اعتقد أن أحدهم أعلم، لم يجز أن يقلد غيره، وإن كان لا يلزمه البحث عنه إذا لم يعلمه، وأقره الرافعي فلم ينكره، وزاد النووي على ذلك فقال من "زوائده" المختار ما ذكره الغزالي، قال: فعلى هذا يلزمه تقليد أورع العالمين وأعلم الورعين، فإن تعارضا قدم الأعلم على الأصح.
وهذا الذي قاله النووي هناك واقتضاه كلام الرافعي أيضًا مناف للمذكور هنا، وذكر أيضًا ابن الصلاح في "أدب المفتي والمستفتي" أنه إذا علمه وجب عليه تقليده على الأظهر.
وهذا التعبير يشعر بثبوت الخلاف فيه.
الجزء: 2 - الصفحة: 500
المُهِمَّات فِي شَرْحِ الرَّوْضَةِ والرَّافِعِيِّ
تَصْنيف الشَّيْخ الإِمَام العَلامَة جمال الدّين عبد الرَّحِيم الأسنوي رَحِمَه الله الْمُتَوفَّى 772 هـ
اعتَنى بِهِ أَبُو الْفضل الدّمياطِي أَحَمَدْ بنْ عَلي عَفَا الله عَنْهُ
الْجُزْء الثَّالث
مَرْكَز التراث الثقافي المغربي - دَار ابْن حزم
الجزء: 3 - الصفحة: 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الجزء: 3 - الصفحة: 2
المُهِمَّات فِي شَرْحِ الرَّوْضَةِ والرَّافِعِيِّ (3)
الجزء: 3 - الصفحة: 3
جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة الطبعة الأولى 1430 هـ - 2009 م
ISBN: 978 - 9953 - 81 - 740 - 8
الْكتب والدراسات الَّتِي تصدرها الدَّار تعبر عَن آراء واجتهادات أَصْحَابهَا
مَرْكَز التراث الثقافي المغربي الدَّار الْبَيْضَاء - 52 شَارِع الْقُسْطَلَانِيّ - الأحباس هَاتِف: 442931 - 022 _ فاكس: 442935 - 022 المملكة المغربية
دَار ابْن حزم للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان - ص. ب: 6366/ 14 هَاتِف وفاكس: 701974 - 300227 (009611) بريد إلكتروني: ibnhazim@cyberia.net.lb
الجزء: 3 - الصفحة: 4