المهمات في شرح الروضة والرافعيكتاب التفليس
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قوله: أما في الشرع، فقد قال الأئمة -رحمهم الله-: المفلس من عليه ديون لا تفي بماله.
انتهى كلامه.
وهذا التفسير تبعه عليه في "الروضة"، وهو غير مستقيم لأمرين: أحدهما: أن أهل الشرع متى أطلقوا المفلس، فقالوا: هل يصح بيعه أم لا؟ فيه خلاف.
وهل يصح شراؤه؟ أيضًا فيه خلاف، إلى غير ذلك من المسائل، لا يريدون به ما قاله الرافعي قطعًا، فإنه لا خلاف في صحة بيعه وشرائه، بل إنما يريدون المحجور عليه بسبب الديون المذكورة، فالصواب تفسيره بذلك.
وقد فسره به الماوردي والبندنيجي والمحاملي وغيرهم.
الأمر الثاني: أنه لابد من تقييد الديون، بأن تكون لآدميين فلو كان عليه دين لله تعالى ودين لآدمي والمجموع ناقص عن ماله، ودين الآدمي على حدته لا ينقص، فإنه لا [يحجر] 1 لأجله.
فإن الرافعي قال في الباب الثاني من كتاب الأيمان بعد ذكره الأقوال الثلاثة في اجتماع حقوق الله تعالى [وحقوق الآدمين ما نصه: ولا تجري هذه الأقوال الثلاثة في المحجور عليه الفلس إذا اجتمعت حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين بل تقدم حقوق الآدميين وتؤخر حقوق الله تعالى] 2 ما دام حيًا.
هذا لفظه.
وهي مسألة نفيسة استفدنا منها: تخصيص قولهم هنا أن ماله يقسم

الجزء: 5 - الصفحة: 382

على نسبة ديونه.
ويلزم من ذلك أن لا يعتبر دخول هذه الديون في الحساب كما ذكرناه، لأنا إذا قدمنا ديون الآدميين وكان مال المفلس وافيًا بها، فكيف يحجر مع إمكان وفائهم؟

قوله: الذي يدل عليه كلام الأصحاب تعريضًا، وتصريحًا.
. . . إلى آخره.
قد تقدم الكلام عليه في الكلام على القبض.

قوله في الضابط المتقدم: وأما الثاني وهو أن يكون ماله قاصرًا عن الوفاء بالديون، فيجوز أن يقال: إنه لا حاجة إليه، بل مجرد الدين يكفي لجواز الحجر منعًا له من التصرف فيما عساه يحدث له باصطياد واتهاب، والظفر بركاز وغيرها.
فإن كان كذلك فليفسر المفلس بالذي ليس له مال يفي بديونه لينتظم من لا مال له أصلًا، ومن له مال قاصر.
انتهى كلامه.
وحاصله أن الرافعي متوقف في هذه المسألة، ولا نقل عنده فيها، ولم يذكر النووي في "الروضة" شيئًا من هذا الكلام، وهو غريب.

قوله: لا يجوز الحجر لدين الغائبين، لأنه لا يستوفي ما لهم في الذمم، إنما يحفظ أعيان أموالهم.
انتهى.
اعلم أن قبض الحاكم أموال الغائبين أعيانًا كانت أو ديونًا، قد ذكرها الرافعي في مواضع متفرقة، وبعض المواضع يخالف بعضًا، أو يزيد عليه، فلنذكر تلك المواضع لعموم الحاجة إلى هذه المسألة، فنقول: قد ذكر ما يوافق المذكور هنا في أوائل استيفاء القصاص، فقال: وذكر ابن الصباغ أن الحاكم ليس له أخذ مال الغائب المغصوب.

الجزء: 5 - الصفحة: 383

وفي كلام الإمام وغيره ما ينازع فيه، ويشعر بأنه يأخذه له ويحفظه.
انتهى.
وقال أيضًا في كتاب الوديعة: إن المودع إذا حمل الوديعة إلى القاضي عند تعذر الإعطاء إلى المالك، يجب عليه الأخذ على الأصح.
ثم قال: ولو حمل الغاصب المغصوب إلى القاضي، ففي وجوب القبول الوجهان، لكن هذا أولى بالمنع ليبقى مضمونًا للمالك.
انتهى.
وهذا الكلام مقتضاه الوجوب، لأن قوله: وهذا أولى، لا يقتضي تصحيح العكس، بل يقتضي الأولوية فقط مع الاشتراك في التصحيح.
وقد نبه عليه [ابن الرفعة] 3 في كتاب التيمم.
إذا علمت ذلك كله، فقد قال في أوائل الباب الثاني من أبواب السرقة: ولو أقر بغصب مال غائب لم يحبس، لأن الحاكم لا يطالب بمال الغائبين، هذا كلامه.
وقال في باب اللقطة في التقاط العبد: لو أخذ [القاضي] 4 المغصوب من الغاصب ليحفظه للمالك، هل يبرأ الغاصب من الضمان؟ فيه وجهان، ظاهر القياس فيهما البراءة، لأن يد القاضي نائبة عن يد المالك.
فإن قلنا: لا يبرأ، فللقاضي أخذها.
وإن قلنا: يبرأ، فإن كان المالك عرضه للضياع والغاصب، بحيث لا يبعد أن يفلس إن تغيب وجهه فكذلك، وإلا فوجهان.
وليس لآحاد الناس أخذ المغصوب، إذا لم يكن في معرض الضياع،

الجزء: 5 - الصفحة: 384

ولا الغاصب، بحيث تفوت مطالبته ظاهرًا، وإن كان كذلك فوجهان: أظهرهما: المنع، لأن القاضي نائب عن الغائبين.
انتهى.
واعلم أن العين إذا مات صاحبها ووارثه غائب، فإن القاضي يأخذها نظرًا إلى حق الميت، هكذا نبه عليه الرافعي في استيفاء القصاص، وجعل محل الخلاف فيما عدا ذلك، لكنه ذكرها في أثناء الباب الرابع المعقود للشاهد واليمين.
ثم قال: وينبغي أن يجري فيها الخلاف في العين المغصوبة، وهو ذهول عما قرره هناك.
واعلم أيضًا أن الرافعي صحح في الباب [الرابع المعقود للشاهد واليمين] 5: أن القاضي لا يجب عليه قبول دين الغائب.
قال: سواء كان مخلفًا عن ميت أم لا.
وصححه أيضًا في كتاب الوديعة، وهو يوهم جواز قبضه، وليس كذلك، فاعلمه لما سبق في هذا الباب، ولما ذكره في الكتابة عقب الكلام على الإيتاء، فإنه قال: ولو أتى بالنجم قبل المحل والسيد غائب قبضه الحاكم إذا علم أن السيد لا ضرر عليه في أخذه.
قال الصيدلاني: ومثله لو كان للغائب دين على حر، فأتي به الحاكم، فالأصح منع قبضه منه لأنه ليس للمؤدي غرض إلا سقوط الدين والحظ للغائب في أن يبقي المال في ذمة الملى فإنه خير من أن يصير أمانة عند الحاكم.
انتهى.
وقد صرح الشافعي في "الأم" أيضًا بمنع ذلك، فقال في أواخر الكتابة في باب ميراث سيد المكاتب ما نصه: فإذا كان الورثة كبارًا فسأل المكاتب أن يدفع الكتابة -يعني النجوم- إلى عدل يقبضه لهم إن لم يكن

الجزء: 5 - الصفحة: 385

لهم وكيل كان ذلك له.
فإذا دفعه عتق المكاتب، وليس هذا الدين لهم على رجل، ثم غابوا عنه فجاء به إلى الحاكم ليدفعه هذا لا يدفعه إلا إليهم، أو وكيل، فإن لم يكن لهم وكيل تركه الحاكم فلم يأمر بقبضه من صاحبه الذي هو عليه، لأن في الكتابة عتقًا للعبد فلا يحبس بالعتق، وليس في الدين شيء يحبس عنه صاحب الدين.
هذا لفظ الشافعي.
بحروفه.
وهو يدل على أن الدين إذا كان به رهن يقبضه الحاكم فاعلمه.
وقال الفارقي: محل الخلاف إذا كان المديون ثقة مليًا، فإن لم يكن كذلك وجب على الحاكم قبضه بلا خلاف.

قوله: ولا تحل ديونه بالإفلاس في أصح القولين، وعن الشيخ أبى محمد ترتيب هذين القولين على القولين في أن من عليه الدين المؤجل لو جن، هل يحل الأجل؟ ، وأن الحلول في صورة الجنون أولى، لأن المجنون لا استقلال له كالميت.
ورأى الإمام الترتيب بالعكس أولى، لأن قيم المجنون له أن يبتاع له بثمن مؤجل عند ظهور المصلحة.
فإذا لم يمنع الجنون الأجل ابتداء فلأن لا يقطع الأجل دوامًا كان أولى.
انتهى كلامه.
وحاصله أنه لم يصحح في مسألة الجنون شيئًا أصلًا، وقد صحح النووي في أصل "الروضة" الحلول، وجعل مقابله ضعيفًا فقال: ولو جن وعليه دين مؤجل حل على المشهور.
هذا لفظه، ومن خطه نقلت.
وهو بعيد في المعنى، مخالف لكلام الرافعي، إلا أن خطه الذي نقلت منه وقع فيه كشط قبيل التعبير بالمشهور.

الجزء: 5 - الصفحة: 386

قوله: وإذا اشترى أعيانًا بثمن مؤجل، ثم حجر عليه دخلت الأعيان في البيع.
ثم قال: وعلى هذا فإن لم يتفق بيعها وقسمتها حتى حل الأجل ففي جواز الفسخ الآن وجهان.
انتهي كلامه.
والصحيح منهما هو جواز الفسخ، كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير" في أوائل الكلام على الرجوع وعبر بالأصح، ولم يصحح في "الروضة" أيضًا شيئًا غير أنه نقل من "زياداته" أن الصحيح في "الوجيز" الجواز.
وهذا التصحيح الذي نقله عن "الوجيز" هو مذكور فيه في الكلام على الرجوع على ما نقله [عنه الرافعي هناك فافهمه، فإنه قد يعترض على النووي بعدم وجدانه] 6 في موضعه.
ولم يذكر المسألة في "المحرر".
ومن نظائر المسألة: ما إذا باع بثمن مؤجل وحل الأجل قبل التسليم، ففي الشرح و"الروضة" قبيل الكلام على التولية الجزم بأنه لا حبس.
وجزم به الرافعي هنا أيضًا.
ومن نظائرها أيضًا ما إذا وقع ذلك في الصداق، فهل للمرأة أن تمنع من تسليم نفسها؟ فيه اضطراب في الترجيح، ستعرفه في موضعه إن شاء الله تعالى.

قوله في أصل "الروضة": وإذا حجر عليه في صورة المساواة، فهل لمن وجد عين ماله الرجوع؟ فيه وجهان.
انتهى.
والأصح منهما أن له ذلك، كذا صححه الرافعي في "الشرح الكبير" وعبر بالأصح، هذا هو الموجود في النسخ الصحيحة، ويوجد في بعضها بلا تصحيح، ولعلها التى وقعت للنووي.

الجزء: 5 - الصفحة: 387

قال -رحمه الله-: للحجر أربعة أحكام:

الحكم الأول: منع التصرف

قوله: فلو تصرف في عين من أعيان أمواله، ففيه قولان: أصحهما: أنه لا يصح التصرف في شيء منها.
والثاني: أنه موقوف.
ثم قال: واختلفوا في محل القولين، فمن قاصرين لهما على ما إذا اقتصر الحاكم على الحجر، ولم يجعل ماله لغرمائه حيث وجدوه، فإن فعل ذلك، لم ينفذ تصرفه قولًا واحدًا.
واحتجوا بأن الشافعي - رضي الله عنه - قال: إذا جعل ماله لغرمائه فلا زكاة عليه؛ ومن طاردين لهما في الحالتين، وهو الأشهر.
قال هو: لا، وتجب الزكاة عليه في أظهر القولين ما دام ملكه باقيًا، والنص محمول على ما إذا باعه منهم.
انتهى كلامه.
وما ذكره هاهنا من تصحيح وجوب الزكاة في هذه الحالة وأنه هو الأشهر على ما اقتضاه كلامه أيضًا، قد ناقضه مناقضة عجيبة في الكلام على شروط الزكاة، وسبق هناك ذكر لفظه فراجعه.

قوله: فإن نفذنا تصرفات المحجور عليه، واحتجنا إلى النقض لقضاء الدين نقضنا الأضعف فالأضعف، ثم قال: والأضعف الرهن والهبة ثم البيع ثم الكتابة ثم العتق.
انتهى كلامه.
لم يبين حكم الرهن مع الهبة ولا حكم الوقف، وقد بينه في "الروضة"، فقال في الرهن مع الهبة: إن الرهن أضعف، لأنه لا تملك به العين.

الجزء: 5 - الصفحة: 388

وقال في العتق: إن صاحب "الشامل" جعله أضعف من الكتابة، وأن صاحب "البيان" قال: ينبغي أن يكون الأمر بالعكس، ثم قال -أعنى النووي-: إنه أصح.

قوله: وإن أقر بدين، فإن أسنده إلى ما قبل الحجر، لزم في حق الغرماء في أصح القولين.
وإن أسنده إلى ما بعد الحجر فإن قال: عند معاملة لم يقبل في حقهم.
وإن قال: عن إتلاف أو جناية، قبل في أصح الطريقين.
ثم قال: وإن أقر بدين ولم يسنده، فقياس المذهب التنزيل على الأقل، وجعله كما لو أسند لزومه إلى ما بعد الحجر.
انتهى كلامه.
ومعناه أن قياس المذهب هو تنزيل الإقرار على أقل المراتب وهو ما بعد الحجر، لأنه المحقق لا على أعلاها، وهو ما قبله.
فعلى هذا إذا أضافه لمعاملة لم يقبل، وإن أضافه لجناية قبل في الأصح.
إذا علمت ذلك ففيه أمور: أحدها: أن النووي في "الروضة" قد انعكس عليه هذا الكلام، فجعل مكان (قبل الحجر)، كذا رأيته بخطه كما هو في النسخ أيضًا.
ويلزم منه أن يقبل مطلقًا سواء أضافه لمعاملة أم [لا] 7، وهو عكس الحكم.
الثاني: وقد نبه عليه في "الروضة" فقال: هذا ظاهر إن تعذرت مراجعة المقر، فإن أمكنت فينبغي أن يراجع لأنه يقبل إقراره، وهذا الذي قاله صحيح لاشك فيه.

الجزء: 5 - الصفحة: 389

الثالث: أن الرافعي قد ذكر في كتاب الإقرار أن العبد إذا أقر بدين [من إتلاف وكذبه السيد لا يقبل وإن أقر بدين من معاملة وكان مأذونًا له في التجارة قبل، ثم قال: إن المأذون له إذا أقر بدين] 8، ولم يبين جهته، بل أطلق أنه لا ينزل على دين المعاملة في أظهر الوجهين لاحتمال أن يكون عن إتلاف.
وهذه المسألة ونحوها هي المقتضية لقول الرافعي: أن قياس المذهب هو التنزيل على الأقل، لأن أقل المراتب هنا هو الإتلاف، لكن قياس المذهب أيضًا إجراء الوجهين.

قوله: فرع: لو ادعي مدعي على المفلس مالًا لزمه قبل الحجر، وأنكر المفلس ولم يحلف، فحلف المدعي إن قلنا النكول ورد اليمين كالبينة، فيزاحم الحالف الغرماء، وإن قلنا، كالإقرار فعلى القولين.
انتهى كلامه.
وما قاله من المزاحمة تفريعًا على جعله كالبينة، تبعه عليه في "الروضة" أيضًا، وليس كذلك فاعلمه، فإن الصحيح المذكور في الدعاوى أن الحكم لا يتعدى إلى ثالث إذا جعلناه كالبينة، بل يكون قاصرًا عليهما.
وما قاله هنا هو الوجه المرجوح في موضعه، حتى قال الرافعي في آخر الشركة: إن الأئمة اتفقوا على ضعفه.

قوله في أصل "الروضة": ولو اشترى شيئًا في الذمة ففي ثبوت الخيار للبائع أوجه: أصحها: التفصيل بين العلم والجهل.
ثم قال: فإن لم نثبته فهل يزاحم الغرماء بالثمن؟ فيه وجهان:

الجزء: 5 - الصفحة: 390

أصحهما: [لا] 9، لأنه حادث برضى مستحقه.
انتهى.
وإذا قلنا بالمزاحمة فإنا نزاحمهم في المنع خاصة، كذا صرح به الإمام والغزالي في "البسيط"، وكلام الرافعي تبعًا "للوسيط" و"الوجيز" يوهم أنه يزاحم على هذا الوجه في جميع أموال المفلس، ولم يتعرض في "الروضة" لذلك كما تراه.

قوله: وفيه مسألتان: إحداهما: لو اشترى قبل الحجر شيئًا فوجده بعد الحجر معيبًا فله رده، إذا كانت الغبطة في الرد.
فيه أمران: أحدهما: أن كلامه يشعر بعدم وجوب الرد، فإنه عبر بقوله: (فله رده)، لكن سيأتي بعد هذه المسألة نص للشافعي في مسألة تدل على وجوب الرد هنا، كما ستعرفه، وأيضًا فإنه بعد هذا في الكلام على اشتراط الخيار حكى أن في الفسخ والإجارة ثلاثة طرق: أصحها: الجواز مطلقًا.
ثم قال: والطريق الثاني: أن تجويز كل منهما تنفيذ بشرط الغبطة كما في الرد بالعيب.
هذا لفظه.
فاقتضى أن الرد بالعيب لا تجوز فيه الإجارة، ولا الفسخ إلا على وفق الغبطة.
لكن صرح القاضي حسين بعدم وجوب الرد، فيحتمل أن يقال بتسليمه وامتناع الإجازة غير أن النص لا يساعده.
الأمر الثاني: أن تقييد الجواز بما إذا كان فيه غبطة، يقتضي أنه لا يجوز إذا لم يكن غبطة أصلًا لا في الرد ولا في الإمساك، لكن

الجزء: 5 - الصفحة: 391

المنقول في نظير المسألة أنه يجوز، وذلك لأن الفسخ والإجازة بالخيار فيهما ثلاثة طرق، وقد سبق ذكر طريقين منها، والثالث: أنا لا ننفذ على خلاف الغبطة إخراج شيء عن الملك، ولا يكلف رد شيء إلى الملك.
فإن أجاز المشتري على خلاف الغبطة جاز، إن قلنا: الملك في المبيع له.
وإن قلنا: للبائع، فلا.
وإن فسخ على خلاف الغبطة فلا يجوز إن جعلنا الملك له، وإن جعلناه للبائع جاز، وقس على هذا إجازة البائع وفسخه.
إذا علمت ذلك فقد قال الإمام بعد حكاية ذلك ما نصه: والذي دل عليه كلام المشايخ في هذه الطريقة، أنه ينفذ الفسخ والإجازة إذا استوى وجه الغبطة، ولم يترجح وجه على وجه.
هذا لفظه فيتجه جريان مثل ذلك في الرد بالعيب، إلا أن يفرق بين ملك المشتري على ما فيه العيب تام ثابت، فيتعلق حق الغرماء به.
وحينئذ فلا يجوز للمفلس قطع حقهم إلا عند ظهور الغبطة، بخلاف الملك في زمن الخيار.

قوله: فإن كانت الغبطة في إبقائه، بأن كان معيبًا أكثر قيمة من الثمن، لم يكن له الرد لما فيه من تفويت المال لغير عرض، ولهذا نص الشافعي - رضي الله عنه - على أنه إذا اشترى في صحته شيئًا ثم مرض ووجده معيبًا فأمسكه؛ والغبطة في رده كان المقدار الذي ينقصه العيب معتبرًا من الثلث، وكذا ولى الطفل إذا وجد ما اشتراه للطفل معيبًا، لا يرده إذا كانت الغبطة في إبقائه.
انتهى كلامه.
وهذا النص مشهور في كتب المذهب نقله الإمام وغيره، لكن الاستشهاد به على امتناع الرد حيث كانت الغبطة في الإبقاء سهو، فإنه

الجزء: 5 - الصفحة: 392

إنما يدل على عكسه وهو الامتناع حيث كانت الغبطة في الرد، وكأنه -والله أعلم- أراد أن يستدل به على القسم الأول فاستدل على الثاني سهوًا.
وهذا هو النص الذي تقدم أنه يدل على وجوب الرد، ووجه دلالته عليه إن تركه لما حسب على المريض من الثلث لزم أن يمنع المفلس منه، لأنه تفويت، وهذه القاعدة صرح بها جماعة منهم الغزالي في "بسيطه".
واعلم أن الرافعي قد ذكر في الوصية مسألة قريبة من مسألة النص في المعنى، ومخالفة لها في الحكم فقال: لو اشترى شيئا محاباة ثم مرض ثم علم عيبه فلم يرد مع إمكانه لا تحسب محاباة من الثلث.

قوله: وفرق بينه وبين مسألة المريض بأن حجر المريض أقوى.
ألا ترى أن إمضاء الورثة تصرف المريض قبل الموت لا يفيد شيئًا، وإمضاء الغرماء وإذنهم في ما يفعله المفلس يقيده الصحة والاعتبار.
انتهي كلامه.
وما ادعاه من صحة تصرفه عند إذن الغرماء وعند إمضائهم ما يفعله ليس كذلك كما ذكره في موضعه وهو في الكلام على ما إذا لم يبق له مال فقال: ولو باع من أجنبي بإذن الغرماء لم يصح أيضًا، وقال الإمام: يحتمل أن يصح.
هذا لفظه.

قوله: من مات وعليه دين فادعى وارثه دينًا على رجل، وأقام شاهدًا ولم يحلف، لم يرد اليمين على الغرماء في الجديد.
انتهى.
قال الفوراني: محل هذين القولين إذا لم يكن في التركة وفاء من غير هذا الدين، فإن كان لم يحلف قطعًا.

قوله: وفرع ابن كج على قول أن غرماء المفلس يحلفون فرعين:

الجزء: 5 - الصفحة: 393

أحدهما: أنه لو حلف بعضهم استحق الحالفون بالقسط.
والثاني: لو حلفوا ثم أبرئوا من ديونهم فهل يكون المحلوف عليه لهم، ويبطل الإبراء؟ أم يكون للمفلس أم يبقى على المدعى عليه ولا يستوفى أصلًا؟ فيه ثلاثة أوجه.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران: أحدهما: أن النووي في "الروضة" قد انعكس عليه الوجه الثالث فعبر بقوله: أم يسقط عن المدعى عليه؟ . الأمر الثاني: أن الراجح على ما أشار إليه النووي هو الوجه الثاني فقال: ينبغي أن يكون الأصح كونه للمفلس.
قال: ويجيء مثله في غرماء الميت، قال: وأما الفرع الأول فقاله آخرون، منهم صاحب "الحاوي".

قوله: من عليه الدين إن أراد أن يسافر، نظر إن كان حالًا فلصاحبه منعه حتى يقضي حقه، وإن كان مؤجلًا.
. . . إلى آخره.
هذا الكلام تبعه عليه في "الروضة"، وهو يوهم أن صاحب الدين الحال إذا لم يؤخذ منه منع ولا إذن، وذلك بألا يعلمه أو أعلمه فسكت يجوز للمديون السفر، وليس كذلك، فقد قال في أوائل السير: فمن عليه دين حال لمسلم أو ذمي، ليس له أن يخرج في سفر جهاد أو غيره إلا بإذنه، وله أن يمنعه من السفر، هذا كلامه.

الجزء: 5 - الصفحة: 394

قال -رحمه الله-:

الحكم الثاني: في بيع ماله وقسمته

قوله في أصل "الروضة": أما الذي له مال وعليه دين، فيجب أداؤه إذا طلب.
انتهى.
هذه العبارة لم يصرح بها الرافعي، وهى تقتضي أن الدين لا يجب أداؤه قبل طلبه.
والمسألة فيها وجهان، نقلهما الشيخ تقي الدين في "شرح العمدة" في الكلام على قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "مطل الغني ظلم" 10، وجزم شيخه الشيخ عز الدين في "القواعد الكبرى" بعدم الوجوب، ذكر ذلك في آخر الفصل المعقود لتنويع العبادات البدنية، وهو نحو نصف الكتاب.
قال: فإن ظهرت قرائن خالية تشعر بالطلب، ففي وجوبه احتمال، وتردد، وجزم به أيضًا -أعنى بعدم الوجوب- الإمام أبو المظفر السمعاني في كتاب "القواطع في أصول الفقه"، ذكر ذلك في فصل معقود لبيان ما أسقط من الحقوق بعذر الصبي، وهذا هو المفهوم من كلام الأكثرين أيضًا.
إذا علمت ذلك، فقد ذكر -أعني النووي- في أواخر كتاب الحجر كلامًا حاصله الوجوب، وذكر معه صورة لا يجب فيها ذلك، وستعرف لفظه هناك فراجعه.
وأطال ابن الرفعة الكلام فيها، فقال في كتاب الرهن من "الكفاية": قال صاحب "البحر" في كتاب الغصب: يحتمل أن يقال: إن كان

الجزء: 5 - الصفحة: 395

وجوبه يرضي المالك فهو على التراخي، ويتعين أداؤه بالمطالبة أو الخوف منه على ماله أن يفوت.
وإن كان وجوبه بغير رضى المالك فالقضاء على الفور، لأن صاحبه لم يرض بوجوبه في ذمته، وهذا لأنه إن كان برضى المالك فصاحب الدين مندوب إلى ألا يطالب بالدين، ولو كان وجوب القضاء على الفور لكان مندوبًا إلى المطالبة ليخرج من عليه الدين من العصيان بتأخر القضاء.
ويحتمل أن يقال: إن كان الوجوب بغير رضاه، نظر إن كان صاحب الحق لا يعلم به فيكون على الفور، وإن كان عالمًا به فإن وجب بتعدٍ منه كان على الفور، وإن كان بغير تعدٍ كان على التراخي.
وقال الإمام في كتاب الوكالة: إنه لا يتعين أداؤه إلا بالمطالبة.
وقال في كتاب القاضي إلى القاضي، بعد قوله: إن الأداء لا يلزم إلا مع طلبه، وقد يقول [الفقيه] 11: من عليه دين حال يلزم أداؤه، وإن لم يطالبه صاحبه.
انتهى ما نقله ابن الرفعة.
وقال الماوردي في آواخر الوصية: إذا كان على المحجور دين فيجب على الولى قضاؤه إن ثبت وطالب به صاحبه.
فإن أمسك عن المطالبة نظر، فإن كان مال المحجور ناضًا ألزمهم الولى قبض ديونهم، أو الإبراء منها خوفًا من أن يتلف المال.
وإن كان أرضًا أو عقارًا تركهم على خيارهم في المطالبة إذا شاؤوا.
انتهى.
وقد سكت عما إذا كان ماله من المنقولات، ويتجه إلحاقه بالناض.

الجزء: 5 - الصفحة: 396

ثم إن ما قاله -أعني الماوردي- إنما يأتي إذا كان صاحب الدين رشيدًا، فإن كان أيضًا محجورًا عليه حرم التأخير، لأن [إثم ولى] 12 المستحق بالتأخير لا يكون عذرًا لمن يجب عليه الوفاء سواء كان هو المديون أو وليه.
واعلم أن الأصحاب قد قالوا في كتاب الجنائز: أنه تجب المبادرة إلى وفاء دين الميت تبرئة لذمته، وخوفًا من تلف ماله.
ويتجه تخصيص ذلك بما إذا كان الميت مكلفًا، فإن لم يكن كان على مالكه.
ولقائل أن يقول: يعدى ذلك إلى المكلف أيضًا.
وإذا علمت جميع ما تقدم فيتلخص منه أن الدين على أقسام: أحدها: أن يكون محجورًا على مثله.
الثاني: عكسه.
الثالث: لرشيد على محجور.
الرابع: بالعكس.
وإذا كان على مكلف فقد يكون حيًا، وقد يكون ميتًا كما تقدم.
وأيضًا فقد يكون المستحق عالمًا به، وقد لا يكون، والذي لا يعلم به مستحقه يكون الإعلام فيه كالأداء في الجواز وأيضًا فالواجب قد يكون رضي صاحبه بتأخيره بمثابة الأداء أيضًا.
وينشأ مما ذكرناه أقسام كثيرة لا يخفى حكمها مما سبق.

قوله: وغير المفلس من المديونين إذا امتنع من قضاء الدين وبيع المال فيه يبيع الحاكم ماله ويقسمه بين الغرماء، وعند أبى حنيفة لا يبيعه بل يحبه.
انتهى كلامه.

الجزء: 5 - الصفحة: 397

وهو يوهم تعين البيع عندنا، والذي قاله الأصحاب كما نقله النووي، أنه مخير بين هذا وبين إكراهه على البيع وتعزيره عليه بالحبس وغيره.

قوله "من زياداته": وفي "فتاوى" صاحب "الشامل": أن المحبوس يمنع من الاستمتاع بالزوجة.
قال: وفي "فتاوى الغزالي" أن الرأي فيه إلى القاضي.
انتهى ملخصًا.
وهذه المسألة قد أعادها في الباب الثاني في "جامع آداب القضاء" في آخر الطرف الأول منه، وجزم بالمنع، وهو مخالف لكل من هذين النقلين المذكورين هنا، وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى.

قوله: ثم خالف الحاكم وسلم المبيع قبل قبض الثمن ضمن، وكيف يضمن؟ سنذكره إن شاء الله تعالى.
انتهى كلامه.
والموضع الذي وعد بذكره هو الوكالة، وقد وقع كذلك في بعض نسخ الرافعي.

قوله: وتقدم بيع المرهون والجاني ليتعجل حق مستحقهما.
انتهى.
ويلحق أيضًا بهما في التقديم المال الذي تعلق به عامل القراض، ويقدم بالربح المشروط.

قوله: وذكر صاحب "التقريب": أنه لا يكلف الغرماء عند القسمة، أو أنه ينبه على أنه لا غريم سواهم، وقال الإمام: يكلفون إن كلفنا الورثة, ويفارق إن تفرق فإن الورثة على كل حال أضبط من الغرماء.
انتهى ملخصًا.
قال في "الروضة": الأصح قول صاحب "التقريب"، وهو ظاهر

الجزء: 5 - الصفحة: 398

كلام الجمهور.
قال: ويفرق أيضًا بأن الغريم الموجود تيقنا استحقاقه لما يخصه، وشككنا في مزاحم، ثم لو قدر مزاحم لم يخرج هذا عن كونه يستحق هذا القدر في الذمة، وليست مزاحمة الغرم متجهة، فإنه لو أبرأ أو عوض سلمنا الجميع إلى الآخر، والوارث يخالفه في جميع ذلك.

قوله: هذا كله إذا كان الغريم الذي ظهر قديمًا، فإن كان حادثًا بعد الحجر، فلا يشارك الأولين في المال القديم.
انتهى كلامه.
وما قاله من عدم المشاركة بسبب الدين الحادث ليس على إطلاقه، فقد تقدم أنه لو كان بجناية شارك.
وذكر بعد ذلك: أنه لو تقدم سببه لشارك أيضًا، كما إذا انهدمت الدار التى أجرها وقبض أجرتها وتلفت.

قوله: وإن ظهر مال قديم وحدث مال باحتطاب وغيره، فالقديم للقدماء خاصة، والحادث للكل.
انتهى كلامه.
وما ادعاه أن الحادث للجميع، تبعه عليه في "الروضة"، ولا يخلو إما أن يكون حدوثه قبل فك الحجر أو بعده، فإن حدث قبله اختص به أصحاب الديون المتقدمة على حدوثه، لأن [الرافعي] 13 قد ذكر أنه لو اشترى سلعة تعدى إليها الحجر ولا يضارب البائع بثمنها على الصحيح.
فإذا لم يضارب هذا، فأولى ألا يضارب غيره ممن لم يأخذ الغرماء في مقابلته شيئًا.
وإن حدث بعد فك الحجر، فلا يتعلق به حق أحد من الغرماء لا من

الجزء: 5 - الصفحة: 399

الأولين ولا من غيرهم، بل يتصرف فيه المديون كيف شاء.
وقد ذكر ابن الرفعة الشطر الأول من هذا الاعتراض، وسكت عن الثاني.
ونقل عن الشافعي: أنه فرض المسألة بعد فك الحجر، وكذلك الماوردي والروياني.
واستشعر الروياني هذا الاعتراض، وصور المسألة بما إذا أعاد القاضي الحجر.
فإن قيل: كيف يتأتى الفرق بين المال القديم والحادث لأن القاضي إذا فك فلا فرق أيضًا؟ . قلنا: قد صرح الماوردي بأنه إذا ظهر له مال، يكون الحجر باقيًا فيما ظهر، واقتضى كلامه اختصاص الحجر به.

قوله: ولو نصب الحاكم أمينًا حتى باعه، ففي كونه طريقًا في الضمان إذا خرج مستحقًا وجهان كما ذكرنا في نظيره من الرهن.
انتهى.
والأصح هناك كما قاله الرافعي: أنه لا يضمن، لأنه ثابت الحكم، والحاكم لا يضمن.
وذكر في "الروضة" هنا: أن صاحب "التهذيب" صحح عدم الضمان واقتصر عليه.

قوله: ينفق الحاكم على المفلس إلى فراغه من بيع ماله وقسمته، وكذا ينفق على من عليه مؤنته من الزوجات والأقارب، لأنه موسر ما لم يزل ملكه.
انتهى.
تابعه على هذا الاطلاق في "الروضة"، وينبغي استثناء من تزوج بها في حال الحجر، فإنها لا تستحق شيئًا من ذلك المال.

الجزء: 5 - الصفحة: 400

وقد صرح -أعني الرافعي- بذلك في كتاب النكاح، وكذلك الجرجاني في "المعاياة" هنا، وفرق بينها وبين تجدد الولد، بأن الزوجة تجددت باختياره بخلاف الولد.
فإن قيل: إن الرافعي قد قال في باب الحجر: إن السفيه إذا أقر بنسب، فإنه يثبت وينفق على الولد المستلحق من بيت المال، فهل يستثني أيضًا ذلك من هذا الباب؟ قلنا: لا، بل الأمر علي ما أطلقوه، ويستحق المذكور النفقة، فإن إقرار السفيه بالمال وبما يقتضيه لا يقبل بخلاف إقرار المفلس، فإنه مقبول على الصحيح فغايته هاهنا أن يكون قد أقر بدين، وإقراره به مقبول، ويجب أداؤه فبطريق الأولى وجوب الإنفاق لأنه وقع بطريق البيع، ويغتفر في الأمور التابعة ما لا يغتفر بطريق الأصالة، لثبوت النسب بشهادة النسوة بالولادة.

قوله: وأما قدر نفقة الزوجات، فقال الإمام: لا شك أن نفقته نفقة المعسرين.
وقال الروياني: نفقة الموسرين، وهذا قياس الباب إذ لو كان ينفق نفقة المعسر لما أنفق على القريب.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: ذكر الشافعي في "المختصر" ما يوافق كلام الإمام فقال: أنفق عليه وعلى أهله كل يوم أقل ما يكفيهم من نفقة، وكسوة، هذا كلامه.
ونقله عنه في "الروضة" وقال: إنه يرجح كلام الإمام.
الثاني: أن استدلال الرافعي بما قاله استدلال عجيب، لأن اليسار المشروط في نفقة الزوجة غير اليسار المشروط في نفقة القريب، كما ذكره

الجزء: 5 - الصفحة: 401

هو وغيره في موضعه، فلا يلزم من انتفاء الأول انتفاء الثاني.

قوله: الرابعة: يترك له قوت يوم القسمة.
انتهى.
والمراد اليوم بليلته، كذا صرح به البغوي في "التهذيب"، ونقله عنه النووي في تعليقه على "المهذب" وارتضاه.

قوله: وذكر الغزالى أنه يترك له سكني ذلك اليوم أيضًا، فاستمر على قياس النفقة، لكن لم يتعرض له غيره.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" أيضًا، وما نقله عن الغزالي ولم يذكر معه ما يقتضي موافقة ولا مخالفة، قد جزم به في أوائل العتق في الكلام على السراية.

قوله من "زياداته": قال في "البيان": وتسلم النفقة إليه -أى إلى المفلس- يومًا بيوم.
انتهى.
ذكر مثله أيضًا صاحب "التتمة".

قوله: وليس على المفلس أن يكتسب.
. . . إلى آخره.
هذا إذا لم يلزمه الدين بسبب هو عاص به، فإن كان كذلك وجب عليه الاكتساب لوفائه، كذا ذكره ابن الصلاح فيما جمعه من الفوائد في رحلته إلى بلاد الشرق عن الإمام أبي عبد الله محمد بن الفضل الفزاري من أصحابنا، وهو واضح، لأن التوبة مما فعله واجبة، وهي متوقفه في حقوق الآدميين على الرد.

قوله: وهل تؤجر عليه أم ولده وضيعته الموقوفة عليه؟ فيه وجهان، مال الإمام إلى المنع؛ لكن في تعاليق العراقيين: أن الإيجار أظهر.
انتهى.
زاد في "الروضة" على هذا فقال: قلت: الإيجار أصح، وصححه في "المحرر".

الجزء: 5 - الصفحة: 402

وما نقله عن "المحرر" ليس مطابقًا له، فإنه عبر بقوله: فيه وجهان، رجح منهما الإجارة.
هذا لفظه.
[بصيغة البناء للمفعول، ومدلوله أن بعضهم رجحه هذا الترجيح دون الترجيح المذكور في "الروضة"] 14.

الجزء: 5 - الصفحة: 403

قال -رحمه الله-:

الحكم الثالث: حبسه

قوله: روي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ليّ الواجد يحل، عقوبته وعرضه.
انتهى.
اللي بفتح اللام وبالياء المشددة هو المطل.
والواجد بالجيم هو القادر.
ويحل بضم الياء.
ومعناه أن المطل من القادر يبيح العرض كقوله: يا ظالم يا مماطل.
وكذلك العقوبة وهي الحبس وغيره من التعزيرات.
واعلم أن الذي وقعت الإجارة على عينه لا يحبس في الديون، بل يقدم حق المستأجر كما تقدم حق المرتهن، لاسيما والعمل مستحق في الإجارة بعينه، والحبس ليس مستحقًا في نفسه، وإنما هو وسيلة إلى الحق، كذا قاله الغزالي في "فتاويه".
وقياسه ألا يحضر أيضًا مجلس القاضي إذا طلب.
وحكى شريح الروياني في إذن القضاء وجهين في تقييد المحبوس إذا كان لجوجًا صبورًا على الحبس.

قوله: وإن ادعى المديون أنه معسر لا شيء له، أو قسم مال المحجور على الغرماء ونفي بعض الديون فزعم، أنه لا يملك شيئًا آخر، وكان الدين قد لزم لا في معاملة، قال فثلاثة أوجه: أصحها: أنه يقبل قوله.
والثاني: يحتاج إلى التنبيه، لأن الظاهر من حال الحر أنه يملك شيئًا قل

الجزء: 5 - الصفحة: 404

أو كثر.
. . . إلى آخره.
وهذا التعليل المذكور للمسألتين لا يستقيم بالنسبة إلى المسألة الثانية، لأنه قد وجد له مال وقسم وقبضه الظاهر الذي قاله قد علمنا به.
وهذا الاعتراض حكى، وقد نبه عليه ابن الرفعة في "الكفاية".

قوله في شهود الإعسار: ويعتبر مع ذلك كونهم من أهل الخبرة الباطنة، ثم إن عرف القاضي أنهم بهذه الصفة فذاك، وإلا فله اعتماد قولهم أنا بهذه الصفة، ذكره في "النهاية".
انتهى.
ذكر مثله في "الشرح الصغير"، وتابعه عليه في "الروضة" وفيه أمران: أحدهما: أن الإمام قد صرح بنقل ذلك عن الأئمة، فقال: إن علم أن المشهور من أهل الخبرة الباطنة في الإعسار ونظائره .. إلى آخر ما قاله الرافعي.
ثم قال في آخره: وإن أطلق الشهادة على الإعسار، ولم يتبين القاضي من جهة بحثه ولا من جهة ذكر الشاهد أنه من أهل الخبرة، فيتوقف لا محالة.
هكذا ذكر الأئمة.
هذا لفظ الإمام.
الأمر الثاني: أن كلام "النهاية" مستفاد منه جريان هذا التفصيل بعينه في شهود التزكية.
ولما تكلم الرافعي على المسألة في كتاب القضاء في فصل القضاء على الغائب، لم يذكر هذا التفصيل المذكور هنا، بل نقل عن "الوسيط" أن للقاضي يجب أن يعرف ذلك، ولم يزد عليه.
ثم قال: وإذا علم من عدالته أنه لا يزكى إلا بعد الخبرة فيعتمده، هذا كلامه هناك.
وينبغي جريان هذا التفصيل الأخير في المفلس.

الجزء: 5 - الصفحة: 405

قوله: وأما الصيغة فهى أن يقولوا: هو معسر لا يملك إلا قوت يومه، وثوب بدنه.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أنه ينبغي أن يضيف إلى هذا ما يصرفه لسكنى اليوم، فإنه يستثنى أيضًا كما نقلناه قبل هذا الموضع بنحو ورقة عن الرافعي.
الأمر الثاني: أنه إذا كان مالكًا لما لا يتأتى مصرفه إلى الدين كالمغصوب والغائب، فإن وجوده كعدمه، ولهذا جوزوا له أخذ الزكاة.
وحينئذ فيسمع منه إقامة البينة على الإعسار، فلا تتأتى إقامتها بالصيغة المذكورة هنا لأنه مالك، بل يتعين التعبير بالقدرة والوصول ونحوهما، فالغالب أن الشخص لا يعيش طول عمره من غير ظلامة تتعلق به، فينبغي التعبير بما قلناه.

قوله: وحيث قبلنا قوله بيمينه فيقبل في الحال، كما لو أقام البينة تسمع في الحال.
قال الإمام: ويحتمل أن يقال: يتأني القاضي ويبحث عن باطن حاله، ولا يقنع بقوله بخلاف ما إذا أقام البينة.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على نقل ذلك احتمالًا له فقط، وهو يوهم أن الراجح عنده خلافه، أو أنه لم يرجح شيئًا، وليس كذلك، فقد قال الإمام: لست أرى قبول ذلك ويظهر عندي تأني القاضي في إطلاقه مع البحث الممكن من أحواله.
[قوله: وفي حبس الوالد بدين الولد وجهان، أصحهما عند الغزالي: بحبس] 15 وأصحهما في "التهذيب" وغيره: لا يحبس، ولا فرق بين

الجزء: 5 - الصفحة: 406

دين النفقة وغيرهما.
انتهى ملخصًا.
تابعه عليه في "الروضة"، وهو يشعر برجحان عدم الحبس، والأمر كذلك فاعلمه، فقد صححه الرافعي في كتاب الشهادات [وعبر بالأصح، وتابعه على تصحيحه في "الروضة"، وحكى هناك] 16 وجهًا ثالثًا أنه يحبس في دين النفقة دون غيرها.
واختار صاحب "الحاوي الصغير" أنه يحبس.

الجزء: 5 - الصفحة: 407

قال -رحمه الله-:

الحكم الرابع: الرجوع إلى عين المبيع

قوله: ولو صرح الحديث، ذهب الإصطخري إلى أنه لو حكم بالمنع من الفسخ حاكم نقض حكمه.
انتهى.
وهذا الذي قاله الإصطخري قد صحح في "الروضة" خلافه، فقال: الأصح أنه لا ينقض حكم من حكم بمنع الفسخ لاختلاف فيه.
هذا كلامه.
والعلة التي قالها باطلة، فإن الذي يمنع النقض إنما هو كون المسألة اجتهادية.
وأما الاختلاف فيها فلا، قالا: لكن يؤدي إلى ألا ينقض حكم في مسألة مختلف فيها، بل إن كان الخلاف معارضًا للنص أو القياس الجلي فلا أثر له وينقض حكم من حكم به، وإلا فلا كما أوضحوه في بابه.
واعلم أن هذه المسألة ذكرها في "التهذيب"، ونقل عن الاصطخري ما نقله هاهنا، ثم قال: ويحتمل ألا ينقض.
قال النووي في الكلام عليه في "تعليقه": صحح ابن عصرون هذا الاحتمال، وحكى صاحب "البيان" و"التهذيب" فيه وجهين، قال: وكأنهما نظرا إلى هذا الاحتمال، فإن صح ما قاله ظهرت المناقشة على إثبات الخلاف، فضلًا عن تصحيحه وتعبيره بالأصح.

قوله: ولو كان قد ضمن بالثمن ضامن، فإن ضمن بإذن المشتري فله الرجوع على المشتري، لأنه ليس بمتبرع والوصول من يده كالوصول من يد المشتري.

الجزء: 5 - الصفحة: 408

وإن ضمن بغير إذنه فوجهان: في أحدهما: يرجع كما لو تبرع متبرع بالثمن، وفي الثاني: لا، لأن الحق قد تقرر في ذمته وتوجهت المطالبة عليه بخلاف المتبرع.
ولو أعير من المشتري ما يرهنه بالثمن، فرهنه فعلى هذا الخلاف.
انتهى كلامه.
وما ذكره في العارية من تخريجه على الضمان بغير الإذن، كيف يستقيم مع انتفاء الإذن هناك، ووجوده هنا، بل الصواب إلحاق هذه بالضمان بالإذن، وأن يكون الرهن ابتداءً كالضمان بغير الإذن.
وقد ذكر صاحب "التتمة" ذلك على الصواب فقال: الرابعة: إذا أفلس المشتري وبالثمن ضامن هل للبائع الفسخ والرجوع في عين ماله؟ نظر، فإن كان الضامن قد ضمن بإذن المشتري فليس له الفسخ، لأن الضامن ليس بمتبرع، ووصوله إلى الثمن من جهته كوصوله إليه من جهة المشتري.
وإن كان قد ضمن بغير إذنه فوجهان: أحدهما: له الرجوع، لأن الضامن متبرع، ولا يلزمه قبول التبرع.
والثاني: لا يجوز له [الرجوع، لأن الحق قد ثبت في ذمته، ولهذا يجوز له مطالبته بخلاف المتبرع، فإنه لا يجوز له] 17 مطالبته.
وهذا الحكم فيما لو كان قد رهن بعض الناس ماله بالثمن، ثم أفلس المشتري.
هذا لفظه.
وهو كلام صحيح، ولا شك أن الرافعي لما نقل عنه تحرف عليه آخر الكلام.
ويؤيده مع كثرة نقل الرافعي عنه أنه نقل عنه في المسألة التي قبل هذه، ثم نقل هذه بالترجيح كما في "التتمة"، وبالتعليل الذي ذكره بعينه.

الجزء: 5 - الصفحة: 409

واعلم أن النووي في "الروضة" لما ذكر المسألة ذكر أحد سببيها خاصة، وهو الضمان بغير الإذن ونسي ذكر الآخر.

قوله: ولو انقطع حبس الثمن، فإن جوزنا الاعتياض عنه انتفى التعذر، وإن منعنا كان كانقطاع المسلم فيه.
وحينئذ فيثبت له الفسخ.
انتهى.
وذكره أيضًا كذلك في "الشرح الصغير" وتابعه في "الروضة"، وصرح بامتناع الفسخ إذا جوزنا الاعتياض كما هو مدلول كلام الرافعي، ومنع الفسخ مشكل لا يوافق القواعد، فإن المعقود عليه إذا فات خيار الفسخ لفوات المفقود منه.
وقد جزم به الرافعي في فوات المبيع، وذكر أيضًا أن إتلاف الثمن المعين كإتلاف المبيع حتى يقتضي التخيير.
وإذا ثبت جواز الفسخ فيه لفوات عينه مع إمكان الرجوع إلى جنسه ونوعه، فبطريق الأولى عند فوات الجنس.
ومنقول الأصحاب في هذه المسألة لا يوافق المذكور في الرافعي، فقد قال القاضي الحسين في أواخر باب الربا من "تعليقه" قبل باب اللحم باللحم بنحو ورقة: لا يجوز الاستبدال عنه، ولا يفسد العقد، وإن قلنا: إنه لا يجوز الاستبدال عنه، ففيه قولان: أحدهما: ينفسخ العقد.
والثاني: يثبت له حق الفسخ.
هذا لفظه.
ففرع على عدم الاستبدال عدم الفساد، وهو صحيح لا عدم الفسخ.
وقال الإمام في أوائل الكتابة: ولهذا ذهب معظم الأصحاب إلى

الجزء: 5 - الصفحة: 410

انقطاع حبس الملتزم هنا لا يوجب انفساخ العقد، وفي انقطاع المسلم فيه قولان، وذهب المحققون إلى التسوية.
هذا لفظه.
وحاصله أنه هل يجيء القولان أو يقطع بأحدهما وهو عدم الانفساخ، والقائل هناك بهذا القول يجوز الفسخ.
وذكر في "التتمة" في الباب السابع من أبواب البيع في أواخر الفصل الثالث منه نحوه فقال: والثمن مما يستقر في الذمة من غير قبض، بدليل أنه جنس الثمن إذا انقطع عند أيدي الناس لا ينفسغ العقد.
هذا كلامه.
واعلم أن الإمام قال في أوائل الفلس: فإن ألحقنا الثمن بالمسلم فيه مع منع الاستبدال عنه، فلو انقطع جنس الثمن كان كما لو انقطع المسلم فيه.
هذا لفظه.
ولم يتعرض للتفريع على جواز الاستبدال، وذكر مثله الغزالي في "البسيط"، ثم إنه في "الوسيط" ذكره ظانًا أن التقسيم يقتضي عدم الفسخ، وصرح به مع عدم الانفساخ كما ذكره إمامه في الكتابة، وذكره غير إمامه أيضًا، فتابعه عليه الرافعي.
وذكر ابن الرفعة في "المطلب" في الكلام على قول الغزالي في البيع: وإن غلب في العروض حبس، وأخذ ما ذكره الإمام ناقلًا له عنه، واقتصر عليه، وذكر هنا ما ذكره الغزالي، ونقله عنه فقط، واستشكله وأشار إلي أنه من تفرداته.

قوله: فإذا أجر أرضًا أو دابة، وأفلس المستأجر قبل تسليم الأجرة، ومضي المدة فللمؤجر فسخ الإجارة.
. . . إلي آخره.
اعلم أن الإجارات المعتادة الآن، وهي التي تستحق فيها أجرة كل شهر عند انقضائه، لا فسخ فيها، لأن الفسخ من شرطه أن يكون العوض

الجزء: 5 - الصفحة: 411

حالًا والمعوض باقيًا، فلا يتأتى الفسخ قبل الشهر، لعدم المطالبة بالأجرة، ولا بعده، لأن منفعته قد فاتت، فهى كالمبيع يتلف، وهكذا العمل في كل شهر.
وحينئذ فلا يتصور فيها الفسخ، وإنما يتصور إذا كانت الأجرة كلها حالة فاعلمه، وتفطن له.
وقد نبه عليه مع وضوحه ابن الصلاح في "فتاويه".

قوله: باع مالًا واستوفى ثمنه وامتنع من تسليم المبيع أو هرب، فهل للمشتري الفسخ كما لو أنفق المبيع أم لا لأنه لا نقص في نفس المبيع؟ فيه وجهان.
منقولان في "التتمة".
انتهى.
لم يصح في "الروضة" شيئًا منهما، والأصح، امتناع الفسخ، كذا صححه الرافعي والمصنف في نظير المسألة، وهو امتناع المشتري وهربه.

قوله: ولو استولدها ثم حجر عليه بالفلس، لم يكن للبائع الرجوع.
انتهى ملخصًا.
وامتناع الفسخ هو الصواب المذكور في أكثر كتب النووي.
وادعي في "تصحيح التنبيه" أنه لا خلاف، فإنه عبر بالصواب، ووقع في "فتاوى النووي" أنه يرجع، وهو غلط فاعلمه.

قوله: وإن أجره فلا رجوع إن لم نجوز بيع المستأجر، وإن جوزناه فإن شاء أخذه مسلوب المنفعة لحق المستأجر، وإلا ضارب بالثمن.
انتهى كلامه.
وما ذكره هنا من التخريج على البيع، قياسه أن يأتي أيضًا في رجوع الواهب، لكنه لم يرتضه، فقال ما حاصله: إن المذهب الذي قطع به

الجزء: 5 - الصفحة: 412

الأكثرون هو الجواز.
وقال الإمام: إن جوزنا بيع المستأجر رجع، وإلا فوجهان.

قوله: ولو حجر عليه بعد ما زال ملكه، ثم عاد، نظر: إن عاد بلا عوض كالهبة والإرث ففي الرجوع وجهان.
ثم قال: وهذا الخلاف كما ذكرنا في مثله من الرد بالعيب.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن مقتضى هذا الكلام تصحيح جواز الرجوع، لأنه الصحيح في الرد بالعيب على ما اقتضاه كلامه في هذا الكتاب، وصرح به في "المحرر"، ولا جزم، وصرح به هنا في "الشرح الصغير" -أعني بجواز الرجوع- وعبر بالأظهر.
الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" لما اختصر هذا الكلام حكى وجهين، ولم يزد عليهما، ثم ذكر من "زياداته" أن الصحيح عدم الرجوع على العكس هنا، صرح به في "الشرح الصغير"، واقتضاه كلامه هنا.

قوله من "زوائده": قلت: لو كن المبيع شقصًا مشفوعًا ولم يعلم الشفيع حتى حجر على المشتري، وأفلس بالثمن، فأوجه: أحدها: يأخذه الشفيع، ويؤخذ منه الثمن، فيخص به البائع جمعًا بين الحقين.
والثاني: يأخذه البائع.
وأصحها عند الشيخ أبي حامد والقاضي أبي الطيب وآخرين: يأخذه الشفيع، ويكون الثمن بين الغرماء، والله أعلم.
وهذه المسألة قد ذكرها الرافعي في كتاب الشفعة في الكلام على الركن الثالث، وصرح بتصحيح الوجه الثالث، وزاد وجهًا رابعًا: وهو أن

الجزء: 5 - الصفحة: 413

البائع إن كان قد سلم الشقص قبل فلس المشتري لم يكن أولي بالثمن لرضاه بذمته، وإن لم يسلمه فهو أولى بالثمن، ثم إن مقتضى ما ذكره هناك: أنه لا فرق بين أن يعلم الشفيع قبل الحجر أو بعده.
نعم إن علم وأخذ قبل الحجر فلا رجوع للبائع جزمًا، وسوف أذكر صور هذه المسألة إن شاء الله تعالي في كتاب الشفعة للتنبيه على غلط وقع في الرافعي و"الروضة".

قوله في أصل "الروضة": وإن كان التغييب بجناية المشتري فطريقان: أصحهما عند الإمام: أنه كالأجنبي، لأن جناية المشتري قبض واستيفاء، وكأنه صرف جزءًا من المبيع إلى غرضه.
والثاني وبه قطع صاحب "التهذيب" وغيره: أنه كجناية البائع على المبيع قبل القبض، ففي قول كالأجنبي، وعلى الأظهر كالآفة السماوية.
قلت: المذهب أنه كالآفة، وبه قطع جماعات، والله أعلم.
انتهى كلامه.
وما نقله في الأصل عن "التهذيب" من إلحاقه بجناية البائع حتي يجيء فيه القولان غلط، بل صاحب "التهذيب" من الجماعات الذين نقل عنهم من "زياداته" القطع بإلحاقه بالآفة، فإنه قال: ولو جنى عليه المشتري، فهو كما لو حصل النقصان بآفة سماوية، فالبائع إن شاء أخذ المبيع ولا شيء عليه، وإن شاء ترك وضارب الغرماء بالثمن.
هذا لفظه.
وقد ذكره الرافعي في الشرحين على الصواب، وإنما فهمه على غير وجهه، فإنه لما ذكر القول الثاني من الطريقة الثانية عبر بقوله: وهذا ما أورده صاحب "التهذيب" وغيره، مشيرًا به إلى القول، فظن النووي أنه أشار إلى الطريقة فصرح به فغلط.

قوله: أما إذا باع عبدين متساويي القيمة بمائة، وقبض خمسين فتلف

الجزء: 5 - الصفحة: 414

أحدهما في يد المشتري، ثم أفلس فالجديد أنه يرجع، وعلى هذا فإن لم يرجع، نص أنه يرجع في جميع العبد الباقي بما بقي من الثمن.
وله فيما إذا أصدقها أربعين شاة وحال عليها الحول فأخرجت شاة، ثم طلقها قبل الدخول، قولان: أحدهما: يرجع بعشرين شاة، وهو قياس نصه هاهنا.
والثاني: أنه يأخذ نصف الموجود ونصف قيمة الشاة المخرجة.
واختلفوا هاهنا، وعلى هذا فأظهرهما: المنصوص، والطريق الثاني: القطع بالمنصوص.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران: أحدهما: أن الراجح طريقة القولين، فقد جزم بها الرافعي في "المحرر"، وتبعه عليه النووي في "المنهاج"، ولا يؤخذ من كلام "الشرح الصغير" أيضًا تصحيح واحدة من الطريقين.
الأمر الثاني: أن النووي صحح في أصل "الروضة" طريقة القطع، فقال ما نصه: هذا هو المذهب والمنصوص، وقيل: فيه قول مخرج.
هذا لفظه.
فانظر كيف ضعف إثباته فقال: وقيل فيه قولان، ولم يقل: وفيه قول.
وهذا واضح، وقد صرح به في أول الإشارات التي جمعها على "الروضة"، "كالدقائق" على "المنهاج" فقال: وقولي: وقيل: تخريجه على القديم، إشارة إلي طريقين: أصحهما: القطع بالثانية إثبات قولين، وقد ذكرت لفظه هناك.
وإذا علمت ما قاله في "الروضة"، ظهر لك عليه استدراكان: أحدهما: مخالفته لما في "المنهاج".

الجزء: 5 - الصفحة: 415

والثاني: إدخال تصحيح في كلام الرافعي لما يذكره.

قوله: فرعان: أحدهما: إذا غلى الزيت حتى ذهب بعضه، ثم أفلس فوجهان: أحدهما: أنه كما لو تعيب المبيع، وكان الزائل صفة النقل.
وأصحهما: أنه بمثابة تلف المبيع.
وينبغي أن يطرد الوجه الأول في إغلاء الغاصب الزيت المغصوب، وليس له ذكر هناك، ولم يتعرض له المعظم هاهنا.
انتهى كلامه.
وما ذكره -رحمه الله- من أن الوجه لم يذكروه هناك غريب، فقد ذكره جماعة، وممن ذكره الغزالي في "الوسيط" ناقلًا له عن ابن سريج، وكذلك ذكره هو -أعني الرافعي- ونقله عن صاحب "التلخيص"، وكأن الرافعي -رحمه الله- اغتر بكلام المشروح وهو "الوجيز"، فإنه حكى الوجهين هنا، وجزم هناك.
واعلم أن في هذه المسألة ومسألة العصير كلامًا آخر يتعين الوقوف عليه أذكره إن شاء الله تعالى في باب الغصب فراجعه.

قوله ولصاحب "التلخيص" في المسألة كلام غلطوه فيه.
انتهى.
والذي قاله في "التلخيص" أنه نقصان عين أو صفة فيرجع في الذاهب، ويضارب بأرش نقصان الباقي، ثم خطأه الإمام في تغريمه أرش نقصان الباقي، قال: لأن الغليان كالتلف.
والذي قاله الإمام غير ظاهر، بل الغليان كإتلاف المشتري، وفيه خلاف مشهور، حتى اختار الإمام أنه كتعييب الأجنبي، وحينئذ فلا يقال في هذا: إنه غلط، بل هو الحق.
ونقل الغزالي في "الوسيط" و"البسيط" كلام "التلخيص" على

الجزء: 5 - الصفحة: 416

غير وجهه، ثم نقل في "البسيط" عن الإمام تخطئته فيه، فاعلم ذلك واجتنبه.

قوله: إحداها: المتصلة من كل وجه كالسمن وتعلم الحرفة، فلا عبرة بها، وللبائع الرجوع من غير أن يلتزم للزيادة شيئًا.
انتهى كلامه.
وما ذكره في الحرفة من أن البائع يفوز بها ليس كذلك، بل أصح القولين أن المشتري يكون شريكا بنسبة الزيادة، كذا ذكره الرافعي بعد ذلك في الكلام على القصارة، فقال: وإذا اشتري حنطة يطحنها، أو ثوبًا يقصره وزادت القيمة فأصح القولين أنها تجري مجرى الأعيان، ويصير المفلس شريكًا.
ثم قال: وعن أبي إسحاق، أن تعلم العبد القرآن والحرفة والكتابة والشعر المباح ورياضة الدابة لا يلحق بها، ولا يجري مجرى الأعيان قطعًا لأنه ليس بيد المعلم والرائض إلا التعليم، وقد يجتهد فيه ولا يحصل الغرض، فكان كالسمن ونحوه، ويحكى هذا عن ابن أبي هريرة وابن القطان أيضًا.
والأصح، أنها من صور القولين، لأنها أعمال يجوز الاستئجار عليها، وضبط صور القولين أن يصنع بالمبيع ما يجوز الاستئجار عليه، وظهر به أثر فيه دائمًا، وإنما اعتبرنا ظهور الأثر، لأن حفظ الدابة وسياستها على عمل يجوز الاستئجار عليه، ولا تثبت به الشركة، لأنه لا يظهر بسببه أثر على الدابة.
هذا كلام الرافعى.
والعمدة على الموضع الثاني، لأنه موضع الإمعان في المسألة، وذكر مقالة الناس فيها، ووقع الموضعان كذلك في "الروضة"، والموضع الأول في "المحرر" و"المنهاج" و"الشرح الصغير" فاعلمه واجتنبه.

الجزء: 5 - الصفحة: 417

قوله في الكلام على ما إذا ولدت الجارية عند المفلس: وهاهنا مباحثة وهي أنهم لم يذكروا هنا احتمال التفريق، وإنما احتالوا في دفعه فيجوز أن يقال به، كما قيل به في الرد بالعيب، ويجوز أن يفرق بأن مال المفلس مبيع كله.
انتهي ملخصًا.
وليس الأمر كما قال الرافعي من عدم ذكره هنا، بل قد ذكره جماعة، والغريب أن صاحب "التتمة" منهم، وقد علمت استمداد الرافعي منها.
وذكره أيضًا الماوردي في "الحاوي"، والشاشي في "الحلية"، وجزم به الإمام في كتاب السير، فقال: جوزوا الرجوع في الأم للضرورة، فتعليله بالضرورة صريح في جواز التفريق.
نعم أكثر من نقل هذا الوجه ضعفه، وفرق بما ذكره الرافعي، وقال في "الروضة": الفرق هو الصواب الذي قطع به الجمهور، ثم نقل بعض ما [نقلناه] 18.

قوله: ولو كان المبيع بذرًا فذرعه، أو بيضة ففرخت ففيه وجهان: الأصح عند أصحابنا العراقيين، وصاحب "التهذيب": الوجه الثاني، وسترى في كتاب الغصب ما يؤيده، واختار صاحب "الكتاب" والقاضيان أبو الطيب وابن كج: أنه لا رجوع.
انتهى.
والضابط المذكور في المسألة السابقة يقتضي أن البائع لا يفوز بالزيادة فاعلمه.

قوله: وإن كانت حاملًا عند الشراء، حائلًا عند الرجوع، أو بالعكس ففي تعدي الرجوع إلى الولد قولان.
. . . إلى آخره.
هذا سبق الكلام عليه في الرد [بالعيب] 19 والرهن فراجعه.

الجزء: 5 - الصفحة: 418

قوله: ذنابة البطن في انفصال الجنين.
. . . إلى آخره.
هذه اللفظة قد ذكرها أيضًا في أوائل النفقات، في الكلام على نفقة الزوجات في أواخر كتاب القضاء قبيل الكلام على القضاء على الغائب، وهى بضم الذال المعجمة وكسرها، وبعدها نون ثم باء موحدة بينهما ألفًا ومعهما هاء طرف الشيء ومنتهاه.
ولو عبر بقوله: تذنبت لكان أظهر، وجعله في "الروضة" فرعًا.

قوله: ولو رجع في الأرض المبيعة وهى مزروعة، ترك زرع المشتري إلى الحصاد.
. . . إلى آخره.
ثم قال: وعن صاحب "التقريب": أن ابن سريج خرج قولًا: أن للبائع طلب أجرة المثل لمدة بقاء الزرع، كما لو بنى المشتري أو غرس كان للبائع الإبقاء بالأجرة على ما سيأتي.
انتهى.
وما ذكره في استحقاق الأجرة في البناء والغراس، قد تابعه عليه في "الروضة" أيضًا وهو غريب، فإن الرافعي لم يوجبها، بل ولا أثبت إيجابها قولًا ولا وجهًا، فإن الإمام حكى قولًا بإيجابها، فأنكر الرافعي عليه ذلك، وتبعه عليه في "الروضة"، وسأذكر ذلك قريبًا إن شاء الله تعالى.

قوله: واعلم أن استتار الثمرة بالأكمة وظهورها بالتأبير قريبان من استتار الجنين وظهوره بالانفصال، وفيها الأحوال الأربعة المذكورة في الجنين: أولها: أن يشتري نخيلًا وعليها ثمرة مؤبرة، وكانت عند الرجوع غير مؤبرة أيضًا [فهى للبائع] 20. وثانيها: أن يشتريها ولا ثمرة عليها، ثم كانت لها ثمار عند الرجوع،

الجزء: 5 - الصفحة: 419

فعلى الخلاف في الحمل.
ثالثها: إذا كانت ثمرتها عند الشراء غير مؤبرة وعند الرجوع مؤبرة، فقيل: على القولين في الحمل، وقيل: يرجع قطعًا.
رابعها: أن تكون فارغة عند الشراء فأطلعت عند المشتري، ثم جاء وقت الرجوع وهي غير مؤبرة فقولان.
إذا علمت هذه الصور فقد قال بعد ذلك: الثانية: إذا ثبت الرجوع في الثمار، إما بالتصريح ببيعها مع الأشجار وهي مؤبرة، أو على أحد القولين في الحالة الثالثة والرابعة ثم تلفت الثمار بجائحة أو بأكل المشتري, ثم فلس فللبائع يأخذ الأشجار بحصتها من الثمن، ويضارب مع الغرماء بحصة الثمار، وسبيل التوزيع، أن تقوم الأشجار وعليها الثمار، فيقال مثلًا: قيمتها مائة، وتقوم وحدها فيقال: قيمتها تسعون، فيضارب بعشر الثمن.
انتهى كلامه.
وما ذكره من [أن] القولين فيما إذا كانت الثمرة معدومة عند البيع، موجودة بعد ذلك من تخريجه على الحالة الرابعة في الحمل, قد تبعه عليه أيضًا في "الروضة" وهو غلط لأن الكلام فيما إذا تفلت الثمار قبل الفلس، ونظيرها من الحمل أن تكون خلية عند البيع والرجوع حاملًا بينهما، ولا خلاف في أن الولد يفوز به المشتري وهكذا الثمرة، فلا يصح ما قالاه من مجيء القولين في غرم قيمتها بناء على القولين في أخذها عند وجودها فالصواب أن يقول: على أحد القولين في الأولي والثالثة، أما الثالثة فواضح، وأما في الأولي وهي ما إذا كانت حاملًا عند البيع والرجوع، فهو وإن كان يرجع فيها جزمًا، لكن إنما يقابله قسط من الثمن إذا قلنا: له حكم.

قوله: قال الأصحاب: إذا اختار البائع الرجوع في الأرض بعد أن بني

الجزء: 5 - الصفحة: 420

أو غرس، نظر إن اتفق الغرماء والمفلس على القلع كان لهم ذلك -رضى البائع أم لا-، فإن حدث في الأرض نقص بالقلع وجب أرش النقص في ماله يقدم به على الغرماء على ما قاله في "المهذب" و"التهذيب"، وذكر الشيخ أبو حامد أنه يضارب مع الغرماء.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على نقل المضاربة عن الشيخ أبي حامد، والمذكور في "تعليقه" إنما هو التقديم على الغرماء.
قال ابن الرفعة: وكذلك نقله راوياه البندنيجي والمحاملي، وكذلك الماوردي.
نعم لو قلع المشتري قبل الرجوع، ففي وجوب الأرش وجهان نقلهما الماوردي.
فإن قيل: فهل يمكن حمل كلام الرافعي عليه؟ قلنا: لا يمكن إذا قلنا بالوجوب في صورة الماوردي، فيضارب به البائع بلا نزاع على قاعدة التعييب بفعل المشتري.
وقد صرح به الماوردي أيضًا، وقد علمت مما تقدم أن الرافعي حكى الخلاف في أنه أيضارب أو يقدم بالأرش؟ . لا جرم أن ما ذكره أبو حامد إنما هو في القلع قبل الرجوع.

قوله: وإن أراد الرجوع في الأرض وحدها وإبقاء البناء والغراس للمفلس لم يجب إليه في أصح القولين لما فيه من الضرر، وعلى هذا فالبائع يترك الرجوع ويضارب مع الغرماء أو يعود إلي بدل قيمتهما أو قلعهما وغرامة أرش النقص؟ . انتهى كلامه.
والتعبير بقوله: (يعود) يدل أنه لا يضر عوده إليه بعد أن نازعه، بل يمكن من ذلك، وقد نبه عليه النووي على حاشية "الروضة" بخطه قلت: قوله: (يعود) إشارة إلي أنه لو امتنع من ذلك، ثم عاد إليه

الجزء: 5 - الصفحة: 421

يمكن، هذا لفظه، ومن خطه نقلت، ولم يصرح ابن الرفعة في "الكفاية" فيها بشيء، وتعرض لها في "المطلب"، ولم ينقل فيها شيئًا، وقال من عنده: يشبه أن يبني على الخلاف في أن حق الرجوع على الفور أم لا.

قوله: وأما الإمام فإن محصول ما نقله في المسألة -أي من أصلها- أربعة أقوال: أحدها: أنه فاقد عين ما له ولا رجوع.
والثاني: أن الأرض والبناء يباعان معًا كالثوب المصبوغ.
والثالث: يرجع في الأرض، ويتخير بين ثلاث خصال في البناء والغراس.
والرابع: إن كانت قيمة البناء أكثر فالبائع فاقد عين ماله، وإن كانت قيمة الأرض أكثر فواحدة، ثم قال: وأنت إذا تأملت هذا الكلام بعد وقوفك على المذهب المعتمد وتصفحت عن كتب علمائنا، ورأيت ما بينهما من المخالفة الصريحة قضيت العجب منه، وقلت: ليت شعري من أين أخذت هذه الأقوال، ثم حفظت لسانك استعمالًا للآداب.
انتهى كلامه.
تابعه النووي في "الروضة" على إنكار ذلك أيضًا، ونقله أيضًا ابن الرفعة في "الكفاية" ساكتًا عليه، وليس الإنكار صحيحًا، بل الأقوال ثابتة، وقد تفطن -أعني ابن الرفعة- في "شرح الوسيط" إلى الصواب فقال: أما القول الثالث والرابع فلا إشكال فيهما، وقد حكاهما [ابن الرفعة] 21 قال: وأما الأول فقد نقله القاضي حسين في "تعليقه"، فإنه نقل قولًا في منع رجوع الواهب بعد الغرس أو البناء.

الجزء: 5 - الصفحة: 422

فقال -أي القاضي-: إنه مثل قول في الفلس إذا غرس وبنى، لا يرجع بائع الأرض فيها، فثبت القول بمنع الرجوع على الإطلاق، ثم إن ابن الرفعة أيده وقواه بأن المشتري بنى في ملكه الذي لا خيار فيه، بخلاف الموهوب له، والمستعير ومشتري الشقص، قال أيضًا في "الكفاية": ثم سلك ابن الرفعة أيضًا في "المطلب" مسلكًا آخر في الجواب عن الإمام فقال: إذا امتنع المفلس والغرماء من القلع والبائع من بذل القيمة وأرش النقصان جاءت الأقوال وكلام الرافعي مشتمل عليها فتأمله، وحينئذ فلا اعتراض على الإمام إلا من جهة الإطلاق، فإذا حملنا كلامه على هذا اندفع ذلك عنه.

قوله: وهل للقصار والطحان الحبس لاستيفاء الأجرة؟ إن قلنا: إنها عين فنعم، وبه قال الأكثرون.
. . . إلى آخره.
نبه في "الروضة" على فائدة حسنة فقال: نص الشافعي في "الأم"، والشيخ أبو حامد والماوردي وغيرهم: على أنه ليس للأجير حبسه، ولا لصاحب الثوب أخذه، بل يوضع عند عدل حتى يوفيه الأجرة، أو يباع لها.
قال: وهذا الذى قالوه ليس مخالفًا لما سبق، فإن جعله عند العدل حبس.
انتهى.

قوله: اشتري ثوبًا واستأجر قصارًا فقصره ولم يوفه أجرته حتى أفلس.
فإن قلنا.
القصارة أثر، فليس للأجير إلا المضاربة بالأجرة.
وإن قلنا: عين، فله أحوال.
فلو كانت قيمة الثوب عشرة والأجرة خمسة والثوب عند القصارة يساوي أحد عشر، فإن فسخ الأجير الإجارة فعشرة للبائع ودرهم [للمفلس ويضارب الأجير بالخمسة، وحكى في "الوسيط" فيها أنه ليس] 22 للأجير

الجزء: 5 - الصفحة: 423

إلا القصارة الناقصة أو المضاربة، كما هو قياس الأعيان، ولم أرَ هذا النقل لغيره فالمعتمد ما سبق.
انتهى كلامه.
وما حكاه هنا عن "الوسيط" واستغربه وجعل المعتمد على خلافه تابعه عليه في "الروضة" وهو غريب، فقد سبق منه قبل هذا بقليل تصحيحه في نظير المسألة، وحكايته عن الأكثرين فقال: ولو اشترى صبغًا وصبغ به ثوبًا، فللبائع الرجوع إن زادت قيمته مصبوغًا على ما كانت قبل الصبغ، وإلا فهو فاقد.
زاد في "الروضة" على هذا فقال: وإذا شارك ونقصت حصته عن ثمن الصبغ، فوجهان: أصحهما: وهو قول [الأصحاب] 23 على ما حكاه صاحب "البيان": اْنه إن شاء قنع به، ولا شيء له غيره، وإن شاء ضارب بالجميع.
والثاني: له أخذه والمضاربة، وبهذا قطع في "المهذب" و"الشامل" وغيرهما، هذا كلامه في "الروضة".

قوله: ولو كانت قيمة الثوب عشرة واستأجر على قصارته بدرهم، وصارت قيمته مقصورًا خمسة عشر درهم فبيع بثلاثين، قال الشيخان أبو محمد والصيدلاني وغيرهما تفريعًا على العين: أنه يتضاعف حق كل منهم، كما قاله ابن الحداد في الصبغ.
قال الإمام: ينبغي أن يكون للبائع عشرون وللمفلس سبعة وللقصار درهم، كما كان ولا تزيد حصته، لأن القصارة غير مستحقة للقصار، وإنما هى مرهونة بحقه، وهذا استدراك حسن.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على لزوم هذا الاستدراك وهو غريب، فقد تقدم في أوائل الفرع أَنَّا إذا فرعنا على أن القصارة عين، وزادت قيمة الثوب أن لكل واحد من البائع والأجير الرجوع إلى عين ماله، فجعلاه مستحقًا له، فكيف يجئ هذا الاستدراك.

الجزء: 5 - الصفحة: 424

قوله في "الروضة": فرع: لو قال الغرماء للقصار: خذ أجرتك ودعنا نكون شركاء صاحب الثوب، أجبر على الأصح كالبائع إذا قدمه الغرماء بالثمن، وكأن هذا القائل يعطي القصارة حكم العين من كل وجه.
انتهى كلامه.
وما جزم به هاهنا من لزوم الإجابة عند تقديم الغرماء بثمنه غريب، وجعله هذا الحكم أصلًا لمسألة صحح فيها أنه يجبر أغرب، فقد تقدم في الكلام على الرجوع ترجيح جواز الفسخ عند تقديم الغرماء بالثمن، وعبر بالصحيح، واصطلاحه في التعبير به أن يكون مقابله ضعيفًا، وهو تباين فاحش.
والرافعي قد ذكر مسألة القصارة على الصواب، ولكن اشتبه كلامه على النووي فأداه ذلك إلى الوقوع في هذا الاختلاف الفاحش، وذلك أن الرافعي قدر أن القصارة مملوكة للمفلس، مرهونة لحق الأجير.
ثم قال ما نصه: ذكر القاضي ابن كج أن أبا الحسين -يعني ابن القطان- خرج وجهين في أنه لو قال الغرماء للقصار: خذ أجرتك ودعنا نكون شركاء صاحب الثوب، هل يجبر عليه؟ وأن الأصح الإجبار.
وهذا الأصح ينطبق على قول أن القصارة مرهونة بحقه، إذ ليس للمرتهن التمسك بعين المرهون إذا أدى حقه.
ووجه الثاني: القياس على [البائع] 24 إذا قدمه الغرماء بالثمن هذا كلام الرافعي.
فقوله: ووجه الثاني -يعني عدم الإجبار- فإنه ذكر أولًا تصحيح الإجبار، وعلله، ثم ذكر الثاني وهو مقابله، وكأن النووي والله أعلم أراد أن يقول: والثاني: لا كالبائع إذا قدمه الغرماء بالثمن فنسي، فذكر التعليل دون الوجه فصار تعليلًا للأصح، فلزم الخلل المذكور.

الجزء: 5 - الصفحة: 425

فصول الكتاب · 72 فصل
فصول المهمات في شرح الروضة والرافعي
المقدمةالمقدمةمقدمة المحققمقدمة المؤلفكتاب الطهارةكتاب التيممكتاب الحيضكتاب الصلاةكتاب الصلاةكتاب الصلاة بالجماعةكتاب صلاة المسافرينكتاب الجمعةكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الحجكتاب البيعكتاب الرهنكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب العاريةكتاب الغصبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب الجعالةكتاب الوقفكتاب الهبةكتاب اللقطةكتاب اللقيطكتاب الفرائضكتاب الوصاياكتاب الوديعةكتاب قسم الفيء والغنيمةكتاب قسم الصدقاتكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب القسم والنشوزكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفاراتكتاب "العدد"كتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجراحكتاب الدياتكتاب دعوى الدمكتاب الجنايات الموجبة للعقوباتكتاب موجبات الضمانكتاب السيركتاب [عقد] (1) الجزية والمهادنةكتاب الصيد والذبائحكتاب الضحايا والعقيقةكتاب الأطعمةكتاب السبق والرميكتاب الأيمانكتاب [النذر]كتاب القضاءكتاب الشهاداتكتاب الدعاوى والبيناتكتاب التدبيركتاب الكتابةكتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل