المهمات في شرح الروضة والرافعيكتاب النفقات
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وأسبابها ثلاثة: النكاح، والقرابة، والملك.

السبب الأول: النكاح

: وفيه ثلاثة أبواب:

الباب الأول: في قدر النفقة وكيفيتها

قوله: لوجوب النفقة أسباب ثلاثة: ملك النكاح، وملك اليمين، وقرابة البعضية.
فالأول والثاني يوجبان النفقة [للمملوك] على المالك دون العكس، والثالث يوجبها لكل من القريبين على الآخر.
انتهى.
وهذا الحصر يرد عليه أمور: منها: إذا نذر هديًا أو أضحية تجب نفقتها عليه مع انتقال الملك إلى الفقراء.
ومنها نصيب الفقراء من الماشية بعد الحول وقبل إمكان الإخراج تجب نفقته على المالك على ما يقتضيه كلامهم.
ولا يحضرني الآن نقله.
ومنها نفقة خادم الزوجة، على ما بينوه بعد ذلك؛ فإن الأسباب الثلاثة منتفية عنه مع وجوب نفقته.
وكذلك استعارة الحيوان؛ فإنها توجب نفقته علي المستعير كما قاله القاضي حسين، وقال الماوردي في "الإقناع" والعمراني في "البيان": تجب علي المالك وهو القياس، وبه جزم ابن الرفعة في "الكفاية" في الكلام علي نفقة خادم المرأة.

قوله: واستخرج الأصحاب من خبر هند -وهو قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "خذي

الجزء: 8 - الصفحة: 62

من النفقة ما يكفيك ويكفي ولدك" 1 فوائد منها: أنه يجوز للقاضي أن يقضى بعلمه على الغائب.
وأجيب عنهما بأنه أفتى ولم يقض.
انتهى كلامه.
وما ذكره هاهنا من أنه أفتى أو حكم على غائب ذكره في ثلاثة مواضع من كتابه: أولها ما ذكرناه، وثانيها: في باب نفقة الأقارب، وثالثها: في أول القضاء على الغائب، واختلف فيها كلامه؛ فرجح في الموضع الثاني أنه إفتاء وبه يشعر كلامه هنا، وجزم في الثالث بأنه حكم علي غائب، وسوف أذكر لفظ كل موضع في بابه إن شاء الله تعالى.

قوله: وفي قدر الواجب ثلاثة أقوال: أصحها أنه يجب على الموسر مدان؛ لأنه أكثر ما وجب للمحتاج الواحد؛ وذلك في كفارة الحلق ونحوه.
وعلى المعسر مد؛ لأنه أقل ما وجب؛ وذلك في كفارة الجماع في رمضان ونحوه؛ لأنه يكتفي به الزهيد ويتبلغ به الرغيب.
وعلى المتوسط نصف هذا ونصف هذا؛ وهو مد ونصف.
والثاني: أنها معتبرة بالكفاية كما في نفقة القريب.
والثالث: عن رواية صاحب "التقريب" أن الاعتماد فيها على فرض القاضي، وعليه أن يجتهد ويقدر، وقيل: المعتبر عرف الناس في البلد.
انتهى ملخصًا.
وما نقله عن صاحب "التقريب" من عدم التقدير مطلقًا غلط فإن أصل معرض حكايته عنه هو الإمام في "النهاية" فقال ما نصه: حكى صاحب "التقريب" والشيخ أبو عليّ في نفقة التوسط والزيادة على المد في نفقة الخادمة في حق الموسر أنه لا تقدير في الزيادة وإنما النظر إلى اجتهاد القاضي

الجزء: 8 - الصفحة: 63

هذه عبارته.
وحاصله أنه إنما يرجع إلى اجتهاد القاضي في نفقة المتوسط خاصة؛ فظاهره أيضًا أنه لا يرجع إليه في [المد، بل في] 2 الزيادة عليه.
ثم إن الغزالي في "الوسيط" نقل كلام الإمام بعبارة موهمة فقال: ونقل صاحب "التقريب" قولًا أن الزيادة على المد لا مرد لها، وهو إلى فرض القاضي.
هذا لفظه، وهو موافق لنقل الإمام في أنه لا مدخل لاجتهاد القاضي في نفقة المعسر ولا في المد بالنسبة إلي الموسر والمتوسط لكنه مخالفة له في أنه يرجع فيما زاد علي المد في حقهما معا.
ثم إن الرافعي نقل كلام "الوسيط" علي أزيد مما فيه من الخلل فانتهى إلي ما قد علمت.
وقد تقدم الكلام علي الزهيد في الشركة وغيرها.

قوله: وفيما يضبط به اليسار والإعسار والتوسط أوجه.
ثم قال: والرابع -وهو أحسنها، وهو الذي ذكره الإمام والغزالي- أن من لا يملك شيئًا يخرجه عن استحقاق سهم المساكين فهو معسر، ومن يملكه ولا يتأثر بتكليف المدين موسر، والذي يملكه ويتأثر بتكليف المدين ويرجع إلي حد المسكنة متوسط.
ولابد في ذلك من النظر إلى الرخص والغلاء.
انتهى.
وهذا الذي نقله عن الإمام ليس وافيًا بما قاله؛ فإن في كلامه زيادات شارحة لما ذكره الرافعي ومقيدة له؛ فإنه قال -أعني الإمام-: المعسر هو الذي يستحق سهم المساكين، ولذلك من لا يستحق سهم المساكين لقدرته على الكسب ولا يملك مال فهو معسر أيضًا وإن كان يحصل له من كسبه

الجزء: 8 - الصفحة: 64

أضعاف ما يحتاج إليه، والمتوسط هو الذي يملك من المال ما يخرجه عن استحقاق سهم المساكين لكنه لو كلف مدين لأوشك أن ينحط للإعسار، والموسر هو الذي يملك من المال ما يخرجه عن استحقاق سهم المساكين ولو كلف المدين لم ينحط بذلك إلى المتوسط فضلًا عن الإعسار هذا كلامه.
إذا علمت ذلك فقول الرافعي في الموسر (ولا يتأثر بتكليف المدين)، لم يبين المراد بالتأثر صريحًا، وقد فسره الإمام بأنه لا ينحط بذلك إلى التوسط فضلًا عن الإعسار، وأيضًا لم يبين حقيقة المعسر علي التمام؛ بل كلامه يوهم أن من خرج عن استحقاق سهم المساكين لا يكون معسرًا، وقد بينه الإمام كما تقدم.
وأيضًا فإنه قال في المتوسط: بل يرجع إلى حد المسكنة، وليس ذلك شرطًا عند الإمام؛ بل الشرط عنده أن يرجع بذلك إلى حد الإعسار، وهو أعم من حد المسكنة؛ فإن كل مسكين معسر وليس كل معسر مسكينا؛ فإن من خرج عن استحقاق سهم المساكين بالكسب الواسع معسر عند الإمام وليس مسكينًا كما صرح هو به -أعني: الإمام-.

قوله: وفي من بعضه حر وبعضه رقيق وجهان: أصحهما: أنه ليست عليه إلا نفقة المعسرين؛ لنقصان حاله وإن كثر ماله ببعضه الحر.
والثاني: نفقة الموسر.
انتهى.
تابعه في "الروضة" علي إلحاقه بالمعسرين، لكنهما في الكفارات ألحقاه بالموسرين وأوجبوا عليه التكفير بما عدا العتق من المال كما أوضحوه في كتاب الظهار وكتاب الأيمان، وذكرا في نفقة الأقارب نحوه أيضًا؛ فإنهما نقلا عن "البسيط" أن الظاهر وجوبها عليه، وأقراه كما سيأتي ذكره في موضعه إن شاء الله تعالي.

قوله: وليس من المعاشرة بالمعروف تكليفها الصبر علي الخبز

الجزء: 8 - الصفحة: 65

البحت.
انتهى.
البحت: بباء موحدة مفتوحة ثم حاء مهملة ساكنة ثم تاء بنقطتين: هو الصرف الخالص، والمراد به هاهنا: الخالي من الأدم.

قوله: ولا يجوز أن يكون الخادم إلا امرأة أو صبيًا أو محرمًا لها.
وفي مملوكها والشيخ الهم اختلاف، وفي الذمية وجهان؛ لأن النفس تعاف استخدامها.
انتهى.
تابعه في "الروضة" عليه وفيه أمور تعرف مما سبق في أوائل النكاح في الكلام علي النظر.
الأول: أن هذا الحصر يرد عليه الممسوخ -وهو مقطوع الذكر والأنثيين معًا-؛ فإن الأصح أن نظره كنظر المحارم، بخلاف مقطوع أحدهما.
الثاني: أن الصبي المراهق حكمه حكم البالغ علي الأصح؛ فلابد من استثنائه.
الثالث: أن المرجح في مملوكها الجواز، بخلاف الشيخ الهم والذمية.
الأمر الرابع: أن تعليل المنع في الذمية بأن النفس تعاف استخدامها تعليل مناف لتصوير المسألة فإنه ينتظم في عدم الجواز، وهذا التعليل إنما يصلح لعدم إجبار المرأة عليه، ولا شك أنهما خلافان: أحدهما: ما ذكره الرافعي هنا أعني الخلاف في الجواز وهو الخلاف المذكور في النكاح في جواز نظر الذمية إلى المسلمة لكون الخدمة لا تنفك عن النظر؛ ولأجل ذلك أجروا الخلاف في عبدها والشيخ الهرم لما ذكرناه من ملازمة الخدمة للنظر، والأصح من ذلك الخلاف هو التحريم.
وأما الخلاف الثاني فهو إجبار المرأة عليه، إذا قلنا بجوازه وفيه وجهان حكاهما صاحب البيان ولم يذكر الخلاف في الجواز بالكلية وعلل عدم

الجزء: 8 - الصفحة: 66

الإجبار بما ذكره الرافعي وهو عفافة النفس، وعبر باللفظ الذي ذكره فاختلط علي الرافعي الخلاف الأول بالخلاف الثاني؛ فأخذ تعليل الثاني وعلل به الأول، أو سقط الخلاف الثاني من نسخ الرافعي وبقي تعليله فقط.

قوله: الثالثة: لو قالت: أنا أخدم نفسي، وطلبت الأجرة أو نفقة الخادمة لم يلزمه ذلك؛ لأنها أسقطت مرتبتها وله أن لا يرضى بذلك لأنها تصير مبتذلة، وأشار في "البسيط" و"الوسيط" إلى خلاف فيه.
انتهى كلامه.
واعلم أن كلام الإمام في "النهاية" يقتضي أنه لم يقف في المسألة على نقل؛ فإنه قال: ولو قالت له: أنا أخدم نفسى فسلم إليّ نفقة الخادم فلست أري لها ذلك فإنها أسقطت مرتبة نفسها، وذكر الغزالي في "البسيط" نحوه فقال: فيه: نظر، والظاهر أنه لا يجب.
هذا لفظه.
ثم اختصر في "الوسيط" فعبر بقوله: فالظاهر أنه لا يلزمه، ولم يزد عليه.
وإذا نظرت إلى جميع ما ذكرناه قطعت بأن الغزالي لم يقصد إثبات خلاف في المسألة على خلاف ما فهمه الرافعي، وتبعه عليه في "الروضة".

قوله: وهاهنا كلامان: أحدهما ذكره أبو الفرج الزاز أن الذي يجب على الزوج كفايته في حق المخدومة الشريفة الطبخ والغسل ونحوهما دون حمل الماء إليها للشرب وحمله إلى المستحم؛ لأن الترفع عن ذلك رعونة لا عبرة بها.
والثاني: قال البغوى يعني بالخدمة: ما هو حاجتها كحمل الماء إلى المستحم وصبه علي يدها وغسل خرق الحيض ونحوها، فأما الطبخ والكنس والغسل فلا يجب شيء منها على المرأة ولا على خادمها بل هو

الجزء: 8 - الصفحة: 67

على الزوج إن شاء فعله بنفسه وإن شاء بغيره.
فالكلامان متفقان علي أنه لا يتوظف النوعان على خادم المرأة والاعتماد من الكلام على ما ذكره البغوي.
انتهى.
قال في "الروضة" الذي أثبته الزاز من الطبخ والغسل ونحوهما هو في ما يختص بالمخدومة، والذي نفاه البغوي منهما هو فيما يختص بالزوج كغسل ثيابه والطبخ لأكله ونحوه.
والطرفان متفق عليهما؛ فلا خلاف بين الجميع في ذلك، والله أعلم.

قوله: فإن جرت عادة أهل البلد بالكتان أو الخز أو الحرير فوجهان: أحدهما: لا يلزم ذلك، بل له الاقتصار على القطن.
وأصحهما اللزوم على عادة البلد وتفاوت بين الموسر والمعسر في مراتب ذلك الجنس.
انتهى كلامه.
وما ذكره من إطلاق عادة البلد تبعه عليه في "الروضة"، وقيده في "المحرر" بما إذا جرت لمثله فقال: فإن جرت عادة البلد بالكتان والحرير لمثله فأظهر [الوجهين] لزومه، هذا لفظه.
وذكر في "المنهاج" مثله أيضًا.

قوله: ففي الشتاء على الموسر نهارًا طنفسة، وعلى المتوسط زلية، ولليل مصرية وثيرة أو قطيفة ولحاف، وأوجب الغزالي مع ذلك الشعار.
ثم قال: الأكثرون سكتوا عنه، ويمكن تخصيص الشعار بالصيف كما يخصص اللحاف بالشتاء، ويمكن أن يقال في الشتاء يجب الشعار مع اللحاف ويجب القميص مع الجبة، والحكم في جميع ذلك مبني على العادة.
انتهى كلامه.
وما ذكره بحثا واقتضى كلامه عدم الوقوف عليه قد نص عليه الشافعي

الجزء: 8 - الصفحة: 68

في "الأم" وأجاب بالاحتمال الأول وصرح به أيضًا بعض الأصحاب.
كذا نقله في المطلب.
واعلم أن الطنفسة بساط صغير ثخين له وبرة كثيرة.
والزلية: بكسر الزاي وتشديد اللام شيء مضروب صغير.
والوثيرة: بالثاء المثلثة هي الوطيئة من كثرة حشوها، وكذلك الوثر بالكسر، والوثار، وامرأة وثيرة كثيرة اللحم، ووثر الشيء بالضم وثارة فهو أوثر أي: أوطأ وألين.
والشعار بالكسر هو الثوب الذي يلي الجسد؛ سمي بذلك لأنه يلاصق الشعر.
واعلم أن إطلاق الشعار علي الملحفة صحيح لمن ينام عاريًا علي عادة العرب.

قوله: وأنه لا اختصاص لهذا النوع [بفضل] 3 الكسوة، والأولي أن يجعل ذنان للطعام .. إلى آخره.
الذنان: بضم الذال المعجمة، سبق الكلام عليه في آخر الفلس.

قوله: وأما ما يفرش وينام عليه -يعني الخادم- فقد قال المتولي: لابد من شيء يجلس عليه كبارية في الصيف وقطيفة لبد في الشتاء، ولابد من مخدة وشيء يتغطي به بالليل من كساء ونحوه.
قال في "البحر" ولا يجب لها الفراش بل يكتفي بالوسادة والكسي.
انتهى.
[البارية] بتشديد الياء ويجوز تخفيفها في لغة وهي نوع من أنواع الحصير، وسبق في الوقف إيضاحه.

الجزء: 8 - الصفحة: 69

قوله: وقياس مسائل الباب أن تجب الزيادة على الجبة الواحدة حيث يشتد البرد ولا تكفي الواحدة.
انتهى.
وما ذكره بحثا واقتضى كلامه عدم الوقوف عليه وتابعه عليه في "الروضة" قد صرح به الخوارزمي في "الكافي".

قوله: ويجب من الدهن ما يعتاد استعماله غالبًا كالزيت والسيرج وغيرهما، وإذا كانوا يعتادون المطيب بالورد والبنفسج وجب المطيب.
انتهى كلامه.
المطيب في الموضعين بالميم؛ أي: إذا اعتادوا الدهن المطيب وجب علي الزوج إعطاؤه.
ووقع في "الروضة": التطيب، بالتاء مصدرًا وهو غير مستقيم.

قوله: ولا يجب إلا ما يقصد به قطع السهوكة.
انتهى.
والسهوكة: بسين مهملة مضمومة وبالكاف؛ قال الجوهري: السهك بفتح الهاء: ريح السمك وصدأ الحديد؛ يقال: يدي من السمك ومن صدأ الحديد سهكة؛ كما يقال: يدي من اللبن والزبد وصرة، ومن اللحم عمرة.
هذا كلامه.
فكأنهم توسعوا فيه فأطلقوه على الرائحة الكريهة أو على التغيير مطلقًا.
وقد ذكر في الزهومة نحو هذا فقال: الزهمة نحو هذا فقال: الزهمة بضم الزاي وإسكان الهاء هي الريح المنتنة؛ تقول: زهمت يدي بالكسر زهمًا بالفتح فهي زهمة.

قوله في أصل "الروضة" فرع: إذا احتاجت إلى شراء الماء للغسل إن كانت تغتسل من الاحتلام لم يلزم الزوج قطعًا.
وكذا إن اغتسلت عن الحيض على الأصح.
انتهى كلامه.

الجزء: 8 - الصفحة: 70

والذي ادعاه من القطع بعدم الوجوب ليس كذلك؛ فقد حكى هو في "المنهاج" فيه وجهين فقال: والأصح وجوب أجرة حمام بحسب العادة، وعن ماء غسل جماع ونفاس لا حيض واحتلام في الأصح.
هذا لفظه، وهو غريب جدًا حيث نفي الخلاف في الكتاب المبسوط وأثبته في "المختصر".
وأغرب من ذلك كونه جعله عمومًا؛ فإنه عبر بالأصح، وقد اصطلح علي أن هذه الصيغة للخلاف القوي، والرافعي -رحمه الله- سالم من ذلك؛ فإنه لما جزم في الشرحين بعدم الوجوب لم ينف الخلاف، فغايته أنه حكي في "المحرر" خلافًا لم يحكه في الشرحين.
واعلم أن هذا الوجه الغريب مستنده صحيح؛ فقد رأيته مجزومًا به في "فتاوي القفال" فقال: مسألة: إذا احتلمت المرأة فثمن الماء علي الزوج؛ لأنه لحاجتها بخلاف ما لو زنت أو وطئت بالشبهة.
هذه عبارته من غير زيادة عليها.
وحكاه أيضًا صاحب "البحر" في باب الغسل؛ فإنه حكي في الجنابة والحيض والنفاس طريقين حاصلهما ثلاثة أوجه: أحدها: علي الزوج في الجميع.
وثانيها: علي المرأة.
وثالثها: يجب عليها من الحيض والنفاس لأن التسليم واجب عليها فلزمها ثبوته بخلاف الجنابة.
وهو تعليل قوي.
ويستفاد من كلام "الروضة" الذي ذكرناه من كلامه عقب هذا الذي سنذكره أيضًا.
وجهًا رابعًا: أنه إن كان سببه كالجماع] 4 والنفاس لزمه، وإن لم يكن بسببه كالحيض والاحتلام فلا.

الجزء: 8 - الصفحة: 71

وخامسها: أنها إن اغتسلت من الاحتلام لم يجب، وإلا فيجب.
وسادسها: أنه يجب في الاحتلام والحيض دون الجماع والنفاس.

قوله: وإن اغتسلت عن الجماع أو النفاس لزمه علي الأصح لأنه بسببه، وينظر علي هذا القياس في ماء الوضوء إلي أن السبب منه كاللمس أم لا.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة".
وهذا التعليل المذكور للجماع والنفاس يقتضي تخصيص المسألة بوطء الزوج وقد تقدم التصريح به من جملة ما نقلناه عن "فتاوى القفال" في المسألة السابقة.
نعم.
هل يجب على الواطئ؟ يتجه أن يقال: إن مكنت المرأة مختارة لم يجب عليه لرضاها بذلك وإلا وجب، ويحتمل ألا يجب وإن كانت غير مختارة؛ لأنها أخذت المهر في مقابلة هذا الوطء، ويحتمل عدم الوجوب في النفاس من الزنا؛ لأن الولد ليس منسوبا إليه بخلاف الواطئ بالشبهة.
وقد ذكر الرافعي في الرهن هذا التفصيل في ضمان الأجنبية إذا حملت منه وماتت من الطلق.

قوله: ولو كانت تأكل معه على العادة وهي بالغة أو صغيرة بإذن وليها ففي سقوط نفقتها وجهان: أقيسهما: لا تسقط، وأحسنهما -كما قال الغزالي- أنها تسقط .. انتهى ملخصًا.
فيه أمور: أحدها: أنه لم يصرح بتصحيح في "الشرح الصغير" أيضًا بل ذكر أن الأول أقيس والثاني أحسن من غير إعزائه إلي الغزالي، والراجح هو السقوط؛ فقد قال في "المحرر" إنه أولى الوجهين وصححه النووي في "الروضة" و"المنهاج" و"التصحيح"؛ قال: وعليه جرى الناس في زمن

الجزء: 8 - الصفحة: 72

رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وبعده من غير نزاع ولا إنكار، ولم ينقل أن امرأة طالبت بنفقة بعده، ولو كانت لا تسقط مع علم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بإطباقهم عليه لأعلمهم بذلك ولقضاه من تركة من مات ولم يؤقته، وهذا مما لا شك فيه.
الأمر الثاني: أن تصوير المسألة بالأكل معه علي العادة يشعر بأنها إذا أتلفت ذلك المقدار أو أعطته لغيرها أن النفقة لا تسقط، وبأنها إذا أكلت معه دون الكفاية لا تسقط، وبه صرح في "النهاية".
وعلي هذا فهل لها المطالبة بالجميع أو بالتفاوت؟ فيه نظر.
الأمر الثالث: أن التعبير بالبالغة تعبير ناقص؛ فإنها قد تكون سفيهة أو مجنونة وحينئذ فتكون كالصغيرة؛ فالصواب التعبير بالرشيدة.
قال الإمام: وإذا قلنا بالسقوط فكأن نفقتها مترددة بين الكفاية إن أرادت وبين التملك علي قياس الأعواض إن طلبت.
قال: وهذا حسن غامض.

قوله: ولو تراضيا باعتياضها عن النفقة دراهم أو دنانير أو ثيابًا ونحوها جاز على الأصح لأنه مستقر في الذمة كمعين.
والثاني: لا؛ لأنه طعام يثبت في الذمة عوضًا فصار كالمسلم فيه، وأيضًا فهو بيع طعام في الذمة فأشبه بيع طعام الكفارة.
ولو اعتاضت خبزًا أو دقيقًا أو سويقًا فالأكثرون علي المنع؛ لما سبق، ولأنه ربا.
انتهى.
والتعليل بكونه ربا قد اقتصر عليه في "الروضة"؛ وحينئذ فيتعين تصوير المسألة بما إذا كان العوض من جنس المعوض كما إذا اعتاض عن الحنطة مثلًا بدقيقها أو خبزها أو سويقها، وكذا في الشعير ونحوه.
فإن اعتاضت عن الحنطة دقيق الشعير ونحوه جاز لأن بيعه به جائز؛ إذ المحذور -وهو التفاضل- جائز هنا لاختلاف الجنس.

الجزء: 8 - الصفحة: 73

والتعليل الأول الذي حذفه في "الروضة" وإن كان يقتضي المنع فإنه تعليل ضعيف؛ بدليل وجوده في الدراهم مع أن الصحيح فيها الجواز.

قوله: والنفقة تستحق يومًا فيومًا، ولها المطالبة بها إذا طلع الفجر، وقال في المهذب: إذا طلعت الشمس.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" فيه أمران: أحدهما: أن ما صححه من الإيجاب بطلوع الفجر قد ناقضه في الباب الأول من كتاب الضمان فجزم بطلوع الشمس، وقد تقدم ذكر لفظه هناك، والمعروف هو المذكور في هذا الباب.
لا جرم أن النووي في "الروضة" هناك قد عبر بالفجر فسلم من التناقض إلا أنه أدخله في كلام الرافعي ولم ينبه على أنه من زوائده.
الأمر الثاني: أن الإمام في "النهاية" قد نبه علي أمر مهم كلام الرافعي يوهم خلافه فقال في باب الرجل لا يجد نفقة: قدمنا أن للمرأة أن تطلب النفقة وقت طلوع الفجر، فإذا طلبت فقال الزوج: إذا أصبحنا حصلت النفقة، فسألت المرأة القاضي أن يوكل به من يدور معه فليس لها ذلك، ولا يجوز أن تعتقد فيه خلاف لأن شطر البرية -أي: الخلق- يصحون ويأخذون في التمحل إما من رؤوس الأموال وإما من الحرف والصنائع.
ثم قال: ومما يتعلق بتمام الكلام أن المرأة إذا كانت لا تملك إزهاق الزوج عند طلوع الفجر ولا تملك أن تستدعي التوكيل به فليس يتحقق الوجوب على التضييق.
ولست أشبه ذلك إلا بقولنا تجب الصلاة بأول الوقت وجوبًا موسعًا، والذي أراه أن الزوج إن قدر على إجابتها فهو حتم لا يجوز تأخيره وإن كان لا يحبس ولا يوكل به ولكنه يقتضي بمنعه وإن لم يكن في يده أو كان يلقي

الجزء: 8 - الصفحة: 74

عسرًا فله أن يتوسع على الاعتياد.
هذا كلام الإمام، وهو نفيس مهم.
وذكر مثله الغزالي في "البسيط" بعبارة حسنة فقال: فإن قيل: ما معني قول الأصحاب: إن النفقة تجب بطلوع الفجر؟ . قلنا: معناه: أنه يجب وجوبًا موسعًا كما في الصلاة، أو معناه أنه إن قدر وجب عليه التسليم وإن ترك عصي ربه، ولكن لا يحبس ولا يخاصم.
هذه عبارته.
وذكر الماوردي ما يوافقه فقال: والوقت الذي تستحق فيه نفقة يومها هو أول أوقات التصرف فيه، لأنها إن طالبته مع طلوع فجره خرجت عن العرف، وإن أخرها إلى غروب الشمس أضر بها.

قوله: ولو قبضت نفقة يوم ثم ماتت أو أبانها في أثناء النهار لم يكن له الاسترداد [وفي كتاب ابن كج: أن له ذلك، ولو نشزت في النهار فله الاسترداد] 5. انتهى.
لم يبين القدر المسترد حيث أثبتناه هل هو الجميع أو البعض؟ ، ولا شك أن الرافعي قد ذكر بعد ذلك بدون ورقتين وجهين فيما لو نشزت بعض النهار: أحدهما: لا شيء لها، والثاني: تقسطه زمن الطاعة إلا أن تسلم ليلًا وتنشز نهارًا أو بالعكس فلها نصف النفقة، ولم يصرح بترجيح إلا أنه مال إلى أنها لا تستحق شيئًا.
ولا شك في جريانهما في النشوز وكذلك في الموت والإبانة علي القول بالاسترداد.
وظاهر كلام [المصنف] هو استرداد الجميع.

الجزء: 8 - الصفحة: 75

وإذا علمت ذلك توجه على "الروضة" اعتراض ظاهر؛ فإنه ادعى عدم الخلاف في مسألة النشوز فقال: ولو نشزت في النهار فله الاسترداد قطعًا هذه عبارته.
والتقييد بالنهار لا معنى له لما ذكرته لك قريبًا.

قوله: وفي وجوب تمليك الكسوة وجهان: أحدهما -وبه قال ابن الحداد واختاره القفال وهو قضية نصه في "الإملاء"- أنه لا يجب كالمسكن.
وأصحهما -على ما ذكر صاحب "المهذب" و"التهذيب" والروياني وينسب إلى النص- أنه يجب كالنفقة.
انتهى ملخصًا.
والصحيح وجوب التمليك؛ فقد قال الرافعي في "المحرر" و"الشرح الصغير" والنووي في أصل "الروضة" إنه الأصح.

قوله: وهذا الخلاف طرده صاحب "التهذيب" في كل ما ينتفع به مع بقاء عينه كالفرش وظروف الطعام والمشط، وألحق صاحب "الكتاب" في البسيط الفرش والظروف بالمسكن وأخرجها عن حيز الخلاف.
انتهى كلامه.
لم يصحح في "الصغير" أيضًا شيئًا من هاتين المقالتين، بل فيه وفي "الروضة" مثل ما هاهنا، والصحيح في "المحرر": أنه من باب التمليكات؛ فإنه قال: وما يدفع إليها وتنتفع به مع بقاء عينه كالكسوة يجب فيها التمليك أو الامتناع؟ فيه وجهان: أصحهما الأول.
ثم قال: وفي معناه الفرش وظروف الطعام.
هذا لفظه، وتبعه عليه في "المنهاج"، وذكر في "الحاوي الصغير" عكسه.

الجزء: 8 - الصفحة: 76

الباب الثاني: في مسقطات النفقة

قوله: ولا خلاف في أن وقت وجوب التسليم في النفقة صبيحة كل يوم، والكسوة أول كل فصل وذلك بعد حصول التمكين، فأما وقت ثبوتها في الذمة فقولان: القديم: يجب بالعقد كالمهر ولا تتوقف علي التمكين لكن لو نشزت سقطت؛ فالعقد موجب والنشوز مسقط، وإذا حصل التمكين استقر الواجب يومًا فيومًا والجديد: أنها لا تجب بالعقد بل التمكين يومًا فيومًا.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره في آخر كلامه حاصله أن النفقة لا تستقر علي القديم إلا بالتمكين، وهو مناقض لما جزم به بعد هذا من أنها تستقر وإن انتفي التمكين، إلا أنها تسقط بالنشوز فقال: ولو لم يطالبها الزوج بالزفاف ولم تمتنع هي منه ولا عرضت نفسها عليه ومضت علي ذلك مدة؛ فإن قلنا بالقديم: وجبت نفقة تلك المدة، وإن قلنا بالجديد: فلا.
هذا كلامه.
ونقل في "النهاية" عن العراقيين أنهم قطعوا بأن النفقة لا تثبت في زمن السكوت، ثم ضعف مقالتهم.
واعلم أن العراقيين قالوا: إن النفقة تجب بالعقد ولا يجب التسليم إلا بالتمكين يومًا فيومًا، وبه جزم الشيخ في "التنبيه".
ولأجل ذلك قطع العراقيون بأن النفقة لا تجب في زمان السكوت، والمراوزة قالوا: إن القديم وجوبه بالعقد ولا يتوقف علي التمكين إلا أن شرطه عدم النشوز، فلها المطالبة عندهم حال السكوت.
ويتلخص من ذلك ثلاثة أقوال:

الجزء: 8 - الصفحة: 77

أحدها: العقد وحده إلا أنه لا يستقر إلا بعدم النشوز.
الثاني: العقد بشرط التمكين.
الثالث: التمكين.
وفائدة الخلاف في الضمان وفيما لو حلف ما له مال.
ولا شك أن الرافعي فرع تارة علي قاعدة العراقيين وتارة علي قاعدة المراوزة فوقع في الخلل.
الأمر الثاني: أنه لو حصل العقد والتمكين وقت الغروب فالقياس الوجوب بالغروب لأن النفقة كما سيأتي في كلام الرافعي في مقابلة اليوم والليلة.

قوله: وهذا الخلاف قيل: منصوص عليه، وقيل: مستنبط؛ ويدل عليه شيئان، فذكر الأول ثم قال: الثاني: أنه قد نقل عن صاحب "الحاوي" اختلاف الأصحاب في تحرير سبب النفقة؛ فالبغداديون علقوها بالتمكين وجعلوا سبق العقد شرطًا فقالوا: يجب بالتمكين المستند إلى العقد، والبصريون قالوا: يجب بالعقد بشرط التمكين.
انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدها: أن هذا الخلاف المحكي في "الحاوي" غير المحكي في الرافعي؛ فإن الماوردي قال ما نصه: وأما النفقة فلا تجب بمجرد العقد.
ثم قال: واختلف أصحابنا في تحرير العبارة؛ فجعل البغداديون الوجوب معلقًا بالتمكين وتقدم العقد شرط، وجعله البصريون معلقًا بالعقد وحدوث التمكين شرط.
قال: وفائدة الخلاف في الاستحقاق في زمن التأهب للتمكين فلا يستحق على الأول ويستحق علي الثاني.
الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" قد أسقط هذا الخلاف بالكلية ظنًا منه أنه الخلاف السابق كما ظنه الرافعي.

الجزء: 8 - الصفحة: 78

الأمر الثالث: أن فائدة الخلاف قد ظهرت من كلام الماوردي.

قوله: ثم ذكر في "الكتاب" من فوائد القولين صورتين: إحداهما: لو اختلفا في التمكين فقالت المرأة مكنت وأنكر الزوج، فإن قلنا: النفقة تجب بالتمكين، فالقول قول الزوج؛ لأن الأصل عدم التمكين، وإن قلنا تجب بالعقد، فالقول قولها؛ لأن الأصل عدم النشوز.
ثم قال: وقوله في "الكتاب": فعلي هذا لو تنازعا [في النشوز كذا ذكره هاهنا، وفي "الوسيط" ولفظ الأكثرين: لو تنازعا] في التمكين كما ذكرناه، وكذلك هو في "البسيط" وسببه أن يكون الذي ذكره هاهنا محمولا عليه، فأما إذا توافقا علي حصول التمكين ثم اختلفا على النشوز بعده فينبغي أن يقطع بصدقها لأن الأصل استمرار الواجب، وهكذا صرح به ابن كج وحكي معه وجهًا ضعيفًا أن القول قوله؛ لأن الأصل براءة الذمة.
انتهى كلامه.
وما ذكره في حمل النشوز في كلام "الوجيز" على التمكين ذهول عجيب؛ فإن القديم لا يوجب النفقة بالتمكين بل بالعقد بشرط عدم النشوز كما تقرر لك في هذا الباب؛ وحينئذ فيتعين تصوير النزاع في النشوز.
وأما النزاع في أصل التمكين أو في [النشوز] الواقع بعد التمكين فغير ما نحن فيه.
واعلم أن دعوى المرأة وقوع العقد مع التمكين أو مع عدم النشوز مسموعة إن انضم إلى ذلك طلب حق من حقوق الزوجية، فإن لم ينضم إليه ذلك فتكون كدعوى الزوجية المجردة، والأصح فيه القبول لأنه ينفع في الحق.

قوله: فلو نشزت بعض النهار فوجهان: أحدهما: لا شيء لها.
والثاني: لها يقسط زمن الطاعة.

الجزء: 8 - الصفحة: 79

قال: وبالوجه الثاني أجاب السرخسي، ومنهم من رجح الأول وهو أوفق لما سبق في مسألة الأمة.
انتهى.
تابعه النووي في "الروضة" هنا علي حكاية الوجهين وترجيح عدم الوجوب، ورجح -أعني النووي- في آخر كتاب النكاح القطع بعدم الوجوب إذا امتنعت في بعض الزمان فقال في أول الباب الحادي عشر: قلت: الصحيح الجزم في الحرة بأنه لا يجب شيء في هذا الحال.

قوله: وامتناعها عن التسليم إلي قبض المهر الحال ليس بنشوز.
ثم قال: ولو حل المؤجل فهل هو كالمؤجل أم كالحال؟ وجهان؛ وأجاب البغوي بالأول.
انتهى.
والصحيح جواز الحبس، وقد تقدم إيضاحه في البيع.

قوله: وتعذر المرأة في الامتناع من الوطء إذا كان الرجل عبلًا لا تحتمله.
انتهى.
العبل بعين مهملة وباء ساكنة هو كبير الذكر، وقد فسره به في أصل "الروضة".

قوله: والسفر بغير إذنه نشوز أيضًا، ولو سافرت بإذنه فإن كان الزوج معها أو لم يكن وكان السفر لحاجته بأن بعثها لتقضي أشغاله وجبت النفقة، وإن كان في حاجتها فقولان: أشهرهما: المنع.
انتهى.
تابعه عليه في "الروضة" وهو كالصريح في أنها إذا سافرت بغير إذنه فلا نفقة لها وإن كانت معه، وليس كذلك بل هي واجبة في هذه الحالة.
كذا صرح به في أوائل كتاب قسم الصدقات ولم يحك فيه خلافًا؛ فإنه ذكر أن المرأة إذا سافرت مع الزوج فلا تعطى من سهم ابن السبيل، ثم علله بقوله: لأنها إن سافرت بإذنه فهي مكفية المؤنة، وإن سافرت بغير إذنه فالنفقة عليه لأنها معه.
هكذا ذكروه.
ولا تعطي مؤنة السفر لأنها عاصية بالخروج.
هذا لفظه.
فينبغي أن يتفطن له، ولم يصرح بها في الكلام على

الجزء: 8 - الصفحة: 80

القسم بين الزوجات.

قوله من "زياداته": ولو حبست ظلما أو بحق فلا نفقة لها كما لو وطئت بشبهة فاعتدت.
انتهى كلامه.
ومقتضاه أنه لا فرق فيما إذا حبست بين أن تكون قد توجه الحبس عليها بإقرارها أم بالبينة، وهو كذلك؛ فقد صرح هو به في كتاب الفلس من زوائده أيضًا، وكذلك في "فتاويه"، وعبارته فيها: أنه المختار.

قوله: الثالثة: لو نشزت المرأة وغاب الزوج ثم عادت للطاعة في غيبته لم يعد استحقاق النفقة في أظهر الوجهين؛ فعلي هذا يفعل ما ذكرناه في ابتداء التسليم من رفعها الأمر إلي القاضي ليقضي بطاعتها وبحق الزوج بذلك.
ثم قال: ولو ارتدت المرأة وسقطت نفقتها علي ما بينا في آخر نكاح المشركات فغاب الزوج وعادت في العدة إلى الإسلام وهو غائب فيبقي عود النفقة بمجرد الإسلام وإن فرض فيه خلاف.
والفرق أن نفقة المرأة قد سقطت بردتها، فإذا عادت إلى الإسلام ارتفع المسقط فعمل الموجب عمله، والناشزة سقطت نفقتها بخروجها عن يد الزوج وطاعته وإنما تعود إذا عادت إلي قبضته، وذلك لا يحصل في غيبته.
انتهى كلامه.
وما ذكره في المرتدة من وجوب نفقتها إذا أسلمت في غيبة الزوج مسألة نفيسة وقد أسقطها النووي من "الروضة" فلم يتعرض لها في هذا الموضع كما ذكره الرافعي ولا قدمها إلي نكاح المشركات بل كلامه يوهم التسوية بينها وبين الخارجة من المنزل ونحوها؛ لأن الردة نشوز كما صرح [به الأصحاب كلهم، وذكره هو في آخر نكاح المشركات من "الروضة"] 6 وكأنه توهم ذكرها في ذلك الموضع فأسقطها من هاهنا.

قوله: المانع الثاني: الصغر: فإذا كانت المرأة صغيرة فسلمت إلى الزوج البالغ أو عرضت [عليه] 7 فقولان: أحدهما: أنها تستحق

الجزء: 8 - الصفحة: 81

النفقة لأنها معذورة ومحبوسة عليه.
وأصحهما: المنع؛ لتعذر الاستمتاع بها لمعنى فيها؛ فأشبهت الناشزة.
وقد يبنى القولان على أن النفقة تجب بالعقد أو بالتمكين، فإن لم يوجد تسليم ولا عرض كان الحكم كما في حق الكبيرة.
وفي "الوسيط" و"البسيط" ما يقتضي خلافه.
والظاهر الأول.
انتهى ملخصًا.
وما ذكره من اختصاص قول الوجوب بما إذا سلمت تابعه عليه في "الروضة"، وهو غير مستقيم؛ فإن القديم يقول: إن النفقة تجب بمجرد العقد وإن لم يحصل تمكين إذا لم يحصل نشوز، وقد صرح الرافعي نفسه بذلك في أوائل الباب أيضًا كما سبق ذكره؛ فصار أول كلامه مخالفًا لآخره.
وما اقتضاه كلامه من عدم الوقوف علي التصريح بعدم اشتراط التسليم فقد صرح به جماعات منهم الماوردي في "الحاوي" وإمام الحرمين في "النهاية" والغزالي في كتابيه والروياني في "البحر"، وزاد الماوردي فصرح بأن أولياءها لهم منع تسليمها وإن أوجبنا النفقة؛ وعلله بقوله: لأنه ربما أنكاها إن تسلمها.
نعم في تعليقة القاضي الحسين و"المهذب" و"التهذيب" تصوير محل القولين بما إذا سلمت إلي الزوج.

قوله في أصل "الروضة": المانع الثالث: العبادة فإذا أحرمت بحج أو عمرة فلها حالان أحدهما: أن تحرم بإذن الزوج، فإذا خرجت فقد سافرت في غرض نفسها، فإن كان الزوج معها لم تسقط النفقة على المذهب، وإلا فتسقط علي الأظهر.
أما قبل الخروج فوجهان: أصحهما وجوبها لأنها في قبضته وتفويت الاستمتاع لسبب أذن فيه.
انتهى كلامه.
فيه أمران:

الجزء: 8 - الصفحة: 82

أحدهما: أن الرافعي قد حكي في المسألة الأخيرة طريقة قاطعة فقال: وقطع به قاطعون.
ونقل الإمام هاتين الطريقتين وقال: إن طريقة القطع أشهر في الحكاية وإليها ذهب الأكثرون، فإن طريقة الخلاف أقيس.
الأمر الثاني: أن الغزالي في "الوسيط" قد تبعه علي أن هذين الوجهين فيما إذا [لم] 8 تخرج مفرعان علي قولنا أنها إذا خرجت لا تستحق، والذي قاله لابد منه وهو مدرك حكاية الطريقين، وإلا فكيف تستقيم التسوية بين حالتي الخروج وعدمه حتي يكون في الأولي قولان وفي الثانية وجهان.

قوله: الحال الثاني: أن يكون إحرامها بغير إذنه فإذا أحرمت بفرض وقلنا بالصحيح وهو جواز تحليلها فلها النفقة ما لم تخرج في ظاهر الوجهين، لأنها في قبضته والزوج يقدر على تحليلها وأما بعد خروجها فقد يكون بغير الإذن وقد يكون بالإذن؛ فإن خرجت بغير الإذن نظر إن لم يخرج الزوج معها فلا نفقة.
وإن خرج معها فعلى ما تقدم [انتهى كلامه.
وتعبيره في آخر كلامه بقوله: فعلى ما تقدم، ذكر مثله] 9 في "الروضة" وليس فيه بيان المتقدم المحال عليه.
فإن أراد به ما نقلناه عنه قبل ذلك وهو ما إذا سافرت بغير إذن فليس فيه أن الزوج خرج معها بل أطلق كما سبق.
وأيضًا فلو أراد ذلك لأحال عليه القسمين معا وهما خروج الزوج وعدم خروجه لأنهما معًا داخلان بطريق الإطلاق، والظاهر أنه أراد ما قبل خروجها لأنهما قد اشتركا في الإحرام بغير الإذن وفي صحبة الزوج لها وحينئذ فيكون الصحيح هو الاستحقاق.

الجزء: 8 - الصفحة: 83

قوله: أما صوم رمضان فلا منع منه ولا تسقط النفقة لوجوبه على الفور، وأما قضاء رمضان فإن كان واجبًا على الفور فلا تمنع منه، وفي النفقة وجهان المذكور منهما في "التهذيب" ورجحه غيره أنها لا تسقط، وفي التتمة أنها تسقط.
انتهى.
وما ذكره الرافعي من التعليل بالفور يقتضي أنهما لو كانا مسافرين سفرًا يباح فيه الفطر كان للزوج منعها، وفي كلام الماوردي إشعار به؛ فإنه قال: فإذا تعين عليها كان مستثنى.
واعلم أن النووي قد صحح في أصل "الروضة" من الوجهين المذكورين عدم السقوط ولم يصحح شيئًا في "الشرح الصغير" أيضًا.

قوله: وإذا فات رمضان بعذر وكان الوقت واسعًا فله منعها من المبادرة إلى قضائه، فلو شرعت فيه ففي جواز إلزامها الإفطار وجهان مخرجان من القولين في التحليل في الحج؛ فإن قلنا: لا يجوز، ففي سقوط النفقة وجهان: أحدهما: تسقط كالحج.
والثاني: لا لقصر الزمان وقدرته على الاستمتاع ليلًا.
انتهى.
والأصح -على ما قاله في "الروضة" من زوائده- هو السقوط.

قوله: ولا ينبغي أن تستقبل صوم التطوع بغير إذن الزوج انتهى.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا وقد عبر في "الروضة" بقوله: ولا تشرع فيه بغير إذن.
وليس في ذلك كله تصريح بأنه يحرم أو يكره، وقد صرح بتحريمه في "الروضة" في آخر باب صوم التطوع فقال من زوائده: قال أصحابنا: لا يجوز، وحكى في "شرح المهذب" هناك وجهين: أصحهما هذا، والثاني: أنه مكروه.
قال: فلو صامت فمقتضى المذهب في نظائره الجزم بعدم الثواب وإن كان صحيحًا كما سبق في الصلاة في الدار المغصوبة.
هذا كلامه.
وقال في "شرح مسلم" في كتاب الزكاة في باب أجر الخازن الأمين بعد ذكره للتحريم: فإن قيل: ينبغي أن يجوز لها الصوم بغير إذنه، فإن

الجزء: 8 - الصفحة: 84

أراد الاستمتاع بها كان له ذلك ويفسد صومها.
فالجواب: أن صومها يمنعه من الاستمتاع في العادة لأنه يهاب انتهاك الصوم بالإفساد.
انتهى.
ويؤخذ من هذا التعليل أنها لا توصف بفعل محرم بالنية من الليل بل بطلوع الفجر، وصرح النووي في الموضع المذكور من "شرح مسلم" بأن المراد بالحضور أن يكون في البلد.
نعم لو كان الزوج حاضرًا ولكن حرم عليه الجماع لتلبسه بواجب من صوم أو إحرام أو اعتكاف ففي التحريم نظر، والمتجه الإباحة.

قوله: فإن شرعت فيه -أي: في صوم التطوع- فله قطعه وأمرها بالإفطار، فإن أبت سقطت النفقة في أصح الوجهين لامتناعها من التمكين بما ليس بواجب.
والثاني: لا تسقط لأنها في داره وقبضته ولها الخروج عما شرعت فيه متى شاءت.
وفي العدة وجه فارق بين أن يدعوها إلى الأكل أو إلى الوطء.
وإذا قلنا بالسقوط فعن "الحاوي" أن ذلك فيما إذا أمرها بالإفطار في صدر النهار، فإن أنفق في آخره فلا تسقط؛ لقرب الزمان، واستحسنه الروياني وسكت الأكثرون عنه.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره هاهنا من حكاية الخلاف وجهين ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، وخالف في "المحرر" فحكاهما قولين، وتبعه النووي في "الروضة" و"المنهاج" على هذا الاختلاف.
الأمر الثاني: أن الماوردي لما جزم بهذا التفصيل جزم أيضًا فيه بما نقله الرافعي عن العدة فنقل الرافعي بعضه عنه وبعضه عن غيره لكونه لم يقف على كلامه.

الجزء: 8 - الصفحة: 85

قوله: وأما صوم النذر فإن كان نذرًا مطلقا فللزوج منعها منه فإنه لم يتضيق وقته، فإن نذرت صوم أيام معينة فينظر إن نذرت قبل النكاح لم يكن له المنع لتعين الوقت وتقدم وجوبه على حق الزوج، وإن نذرت بعده فإن أذن الزوج لم يكن له المنع، وإن لم يأذن فله ذلك لأنها بالنذر منعت حقه السابق، وحيث قلنا له المنع فلو شرعت فيه وأبت أن تقطعه فعلى ما ذكرناه في صوم التطوع.
ثم قال: وقوله -يعني "الوجيز"-: وله منعها عن صوم نذرته بعد النكاح.
التقييد بما بعد النكاح يبين أنه لا يمنع مما نذرته قبل النكاح وهذا الفرق فيما إذا نذرت أيامًا معينة على ما بيناه.
فأما عند الإطلاق فله المنع في الحالتين، هذا هو الظاهر المشهور، ونقل إبراهيم المروذي فيه وجهين سواء نذرت قبل النكاح أو بعده.
انتهى كلامه.
وتعبيره بقوله: فيه وجهين [سواء نذرت قبل النكاح أو بعده، وتعبيره بقوله: فيه] 10 الضمير فيه عائد على صوم النذر المعين الذي بدأته أولًا فيكون على هذا في النذر المعين الذي نذرته قبل النكاح وجهان وكذا بعده.
كذا بينه في "الشرح الصغير" فقال: وإذا نذرت صوم يوم أو أيام ولم تعين فله منعها من الاشتغال به، وإن عينت أيامًا نظر إن نذرته قبل النكاح فليس له منعها، وإن نذرته بعده فإن أذن فيه لم تمنع منه، وإن لم يأذن فيه فله المنع، ومنهم من حكى فيه وجهين سواء نذرت قبل النكاح أو بعده، والظاهر الأول.
هذا كلامه.
وتوهم النووي أن الضمير راجع إلى صوم النذر المطلق فقط حتى لا يكون في النذر المعين خلاف ويكون في المطلق المنذور قبل النكاح وبعده وجهان؛ فإنه قال في "الروضة": فإن كان نذرًا مطلقًا فللزوج منعها منه على الصحيح وإن كانت أيامًا معينة [نظر: إن نذرتها قبل النكاح أو بعده

الجزء: 8 - الصفحة: 86

بإذنه فليس له منعها] 11، وإلا فله ذلك.
هذا كلامه.
ووقع هذا الموضع في "الكفاية" على الصواب، وألحق الماوردي النذر المطلق بصوم الكفارة حتى يأتي فيه الخلاف.

قوله: فإن كان نذرًا مطلقًا فللزوج منعها منه علي الصحيح لأنه موسع انتهى.
واعلم أنها إذا نذرت الاعتكاف بغير إذنه ودخلت فيه بإذنه وكان متتابعا فقد جزم الرافعي في كتاب الاعتكاف بأنه ليس له منعها، وعلله في "شرح المهذب" بأنه يتضمن إبطال العبادة الواجبة بعد الدخول، وهذا بعينه موجود في نذر الصوم المتتابع فينبغي استثناؤه هنا.

قوله: وأما صوم الكفارة فهو على التراخي فللزوج منعها منه انتهى.
وما اقتضاه كلامه من أنه لا فرق في كونها على التراخي بين أن يكون سببها معصية أم لا، تابعه عليه في "الروضة" أيضًا.
والمسألة قد اختلف فيها كلامهما معًا وقد أوضحت ذلك في كفارة الظهار فراجعه.

قوله: وحيث قلنا: تسقط النفقة بالصوم فهل تسقط جميعها أم نصفها للتمكين من الاستمتاع ليلًا؟ وجهان في "التهذيب" انتهى.
والمرجح في منع بعض الزمان أنها لا تستحق شيئًا بالكلية، وقد سبق ذلك في أوائل الباب مع اعتراض آخر خاص بالروضة في حكايته للوجهين.

قوله: ولو قال الزوج: طلقتك بعد الولادة فأنت في العدة ولي الرجعة، وقالت: بل قبلها وقد انقضت عدتي، فالقول قول الزوج ولكن لا نفقة لها لزعمها.
انتهى.
وهذه المسألة فيها تفصيل مذكور في آخر الباب الأول من أبواب العدة.

قوله: المسألة الثانية: إذا كانت المرأة خلية فحملت من وطء الشبهة،

الجزء: 8 - الصفحة: 87

فإن قلنا نفقة البائن الحامل إنما هي للحامل لم تجب وإن قلنا للحمل وجبت كما تجب عليه نفقته بعد الوضع.
ثم قال: فإن كانت الحامل من الشبهة منكوحة فإن أوجبنا النفقة على الواطيء بالشبهة سقطت عن الزوج، ولم تجمع بين نفقتين، وإن لم نوجبها على الواطئ ففي سقوطها عن الزوج وجهان: أفقههما السقوط؛ لفوات الاستمتاع عليه.
والثاني: لا تسقط؛ لأنها معذورة فيه، وهذا ما أورده في "البسيط"، واستحسن في "الوسيط" توسطًا وهو أنها إن كانت نائمة أو مكرهة فلها النفقة، وإن مكنت على ظن أنه زوجها فلا نفقة لأن الظن لا يؤثر في الغرامات.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن هذا التوسط الذي نقله عن "الوسيط" هو للإمام فإنه ذكره في "النهاية" فقال: والأولى عندنا: التفصيل، فإن وطئت في حالة نوم أو وطئت وهي [مضبوطة] 12 فالوجه القطع بثبوت نفقتها على الزوج إلحاقا للمنع الطارئ بالمرض، وإن مكنت على ظن أن الواطيء زوجها فهذا فيه التردد الذي حكاه الأصحاب.
هذا كلام "النهاية".
وذكر الغزالي في "البسيط" مثله وهو مثل ما في "الوسيط" إلا أنهما لم يرجحا شيئًا في القسم الثاني وهو ما إذا مكنت على ظن الإباحة.
الأمر الثاني: أن ما نقله الرافعي من "البسيط" من جزمه بالوجه الثاني غلط عجيب بل المذكور فيه ما تقدم نقله عنه.

قوله: الخامسة: إذا مات الزوج قبل أن تضع البائن حملها، فإن قلنا: النفقة للحمل سقطت، لأن نفقة القريب تسقط بالموت، وإن قلنا: للحامل، فوجهان؛ قال ابن الحداد: تسقط أيضًا لأنها كالحاضنة للولد وصححه

الجزء: 8 - الصفحة: 88

الإمام، وقال الشيخ أبو على: لا تسقط لأنها باقية على عدة الطلاق والطلاق كأنه يوجبها دفعة واحدة فيكون لبس عليه؛ ولهذا يبقى لها حق السكني، ولا يجيء فيه القولان في أن المتوفى عنها زوجها هل تستحق السكنى، وهذا أقيس عند الغزالي.
انتهى ملخصًا.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، والأصح في هذه المسألة هو عدم السقوط فقد جزم به الرافعي في الشرحين "الكبير" و"الصغير" في كتاب العدد في أول باب عدة الوفاة، وكذلك النووي في "الروضة" إلا أنه قد يؤخذ من كلامه هنا -أعني كلام النووي- رجحان السقوط؛ فإنه نقل تصحيحه عن الإمام ولم ينقل ترجيح مقابله عن أحد وكما تستحق البائن الحامل النفقة تستحق الأدم والكسوة سواء قلنا النفقة للحامل أو للحمل.
كذا نقله في "الروضة" من زوائده عن صاحب "التتمة" وأقره.
واعلم أن ما اقتضاه كلامه من وجوب السكنى للمعتدة دفعة واحدة قد خالفه في آخر أبواب العدة قبيل الاستبراء فقال من جملة مسائل قد نقلها عن "فتاوى القفال": وأن المعتدة لو أسقطت مؤنة السكنى عن الزوج لم يصح الإسقاط؛ لأن السكنى تجب يومًا فيومًا.
هذا لفظه.

قوله: ومن فوائده القولين في أن نفقة البائن الحامل لها أو للحمل ما ذكره المتولي وهو أنها لو أبرأت الزوج من النفقة فإن قلنا: إنه للحامل سقطت وإن قلنا: إنه للحمل لم تسقط ولها المطالبة بعد الإبراء.
ولك أن تقول: إن كان الإبراء عن نفقة الزمان المستقبل فقد مر حكمه وإن كان عن ما مضى فالنفقة مصروفة إليها على القولين فينبغي أن يصح إبراؤها على القولين.
انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره بحثا من الصحة على كلا القولين واقتضى كلامه عدم الوقوف على نقله وتابعه عليه في "الروضة" أيضًا قد صرح به القاضي الحسين في "تعليقته" جازمًا به ونقله عنه أيضًا في "المطلب".

الجزء: 8 - الصفحة: 89

الباب الثالث: في الإعسار بالنفقة

قوله: وسئل سعيد بن المسيب عن الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته فقال: يفرق بينهما.
فقيل له: سنّة؟ فقال: نعم 13. قال الشافعي - رضي الله عنه -: الذي يشبه قول ابن المسيب أنه سنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. انتهى.
وما نقل عن الشافعي من كون لفظ السنة مرفوعًا قد نقل عنه الداودي وهو الصيدلاني في "شرح المختصر" نحوه أيضًا ولكن في القديم خاصة فقال في باب أسنان إبل القتل الخطأ: إن الشافعي في القديم كان يرى أن ذلك مرفوع إذا صدر من الصحابي أو التابعي ثم رجع عنه لأنهم قد يطلقونه ويريدون سنة البلد.
هذا لفظه.
ورأيت في "الأم" ما يوافق الأول فقال في باب عدد كفن الميت بعد ذكر ابن عباس والضحاك ما نصه: قال الشافعي وابن عباس والضحاك بن قيس رجلان من أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يقولان السنة إلا لسنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. هذا لفظه بحروفه، وذكر بعده بقليل مثله، وظاهره يقتضي أن التابعي ليس كذلك.
وحينئذ فيتلخص في المسألة ثلاثة أقوال: وأن الرفع بالنسبة إلى الصحابي منصوص عليه في القديم والجديد معًا فيكون أرجح من عكسه.

قوله في "الروضة": فإذا امتنع من دفع النفقة مع قدرته فوجهان: أحدهما: لها الفسخ لتضررها، وأصحهما: لا فسخ لتمكنها من تحصيل

الجزء: 8 - الصفحة: 90

حقها بالسلطان وكذا لو قدرت على شيء من ماله أو غاب وهو موسر في غيبته ولا يوفيها حقها ففيه الوجهان: أصحهما: لا فسخ، واختار القاضي الطبري الجواز وإليه مال ابن الصباغ، وذكر الروياني وابن أخته صاحب "العدة" أن المصلحة الفتوى به.
انتهى كلامه.
وفيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره في القدرة على شئ من ماله من كونه على الخلاف قد شاهدته بخط المصنف كما هو مذكور في النسخ أيضًا وهو غلط مخالف لكلام الرافعي؛ فإن فيه التصريح بنفي الخلاف فإنه ذكر ما ذكره المصنف من أنه لا فسخ؛ للامتناع مع القدرة على الأصح.
ثم قال عقبه ما نصه: وإن كان له مال ظاهر أنفق السلطان منه، وليس ذلك موضع الخلاف.
وكذا لو قدرت على شيء من ماله.
ولو غاب وهو موسر في غيبته ولا يوفيها حقها جرى الوجهان؛ فعلى الأظهر: لا فسخ، وكان المؤثر تعنته بخراب ذمته.
هذا لفظ الرافعي، وهو كما ذكرته لك صريح في عدم الخلاف.
وكيف يمكن خلاف ذلك مع وصولها إلى حقها؟ وقوله: تعنته، هو مصدر بمعنى التعنت على وزن التعجب؛ يعني أن المؤثر ما حصل فيه من العنت لسبب خراب الذمة.
الأمر الثاني: أن لفظة أخته هنا هي بالتاء بنقطتين من فوق بعد الخاء لا بنقطتين من تحت فإنه ابن أخت لا ابن أخ، وقد صرح به الرافعي في القضاء في الكلام على أن التحكيم هل يشترط فيه فقدان القاضي فقال: حكى صاحب "العدة" القاضي أبو المكارم الطبري ابن أخت القاضي الروياني وجهين في اشتراطه.
هذا كلامه.

قوله: ولو تبرع رجل بأداء النفقة عن المعسر لم يلزمها القبول ولها

الجزء: 8 - الصفحة: 91

الفسخ كما لو كان له دين على إنسان فيتبرع غيره بقضائه لما في التبرع من المنانة، وقيل: لا فسخ لها.
انتهى.
وما ذكره من عدم القبول في المسألتين قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" ويستثنى من المسألة الأولى ما إذا كان المتبرع أبا أو جدًا للزوج، والزوج تحت حجره فإنه يجب القبول؛ لأن المدفوع يدخل في ملك المؤدى عنه في هذه الحالة ويكون الولي كأنه وهب له وقبل له كما ذكروه في مواضع.
وأما أداء الدين عن الغير فيستثنى منه ما إذا كان المديون ميتًا والمؤدى وراثًا فإنه يجب القبول وإن كان الميت معسرًا لأنه خليفة الميت وقائم مقامه بخلاف الأجنبي.
كذا نقله الرافعي في آواخر باب القسامة عن الإمام.
ثم قال -أعني: الإمام-: غالب ظني أنني رأيت فيه -أي: في الوارث- خلافًا.

قوله: ولو كان يجد بالغداة ما يغديها وبالعشي ما يعشيها فوجهان: أحدهما: أن لها الخيار؛ لأن نفقة اليوم لا تتبعض.
وأصحهما -على ما قال في "التهذيب"-: لا خيار لها لوصول وظيفة اليوم إليها.
انتهى كلامه.
لم يصحح شيئًا في "الشرح الصغير"، وصحح في أصل "الروضة" ما قاله في "التهذيب".

قوله: وهل يثبت الخيار بالإعسار بالأدم؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لعسر الصبر على الخبز البحت 14 دائمًا، وبه قال الداركي ورجحه الروياني.
والثاني: لا لأنه تابع والنفس تقوم بدونه.

الجزء: 8 - الصفحة: 92

وهذا أصح عند الإمامين أبي حامد والقفال وغيرهما، وتابعهم الإمام والغزالي والفراء.
انتهى كلامه.
ومقتضاه أن الأكثرين على عدم الفسخ؛ ولهذا صرح به النووي في أصل "الروضة"، وقد صرح بتصحيحه في "الشرح الصغير" فقال: والأصح المنع، وصحح عكسه في "المحرر" فقال: والإعسار بالكسوة كهو بالنفقة، وكذا الإعسار بالأدم والمسكن في أصح الوجهين.
هذا لفظه.
وهو غريب حيث عبر بلفظ الأصح في الموضعين، وسلم النووي من هذا الاختلاف فإنه استدرك على "المحرر" وصحح المنع.
واعلم أن المراد بالفراء هو البغوي.

قوله في "الروضة" يثبت الخيار بالإعسار بالكسوة على المذهب.
انتهى.
وهذا الكلام لا يعلم منه أن الخلاف وجهان أو قولان ولا أن الصحيح طريقة الخلاف أو طريقة القطع فإنه لا اصطلاح له في ذلك، وقد بين الرافعي ذلك فحكى الخلاف وجهين وضعف الطريقة القاطعة.

قوله: الرابعة في الإعسار بالمهر طرق: أحدها: وبه قال أبو على بن أبي هريرة وأبو على الطبري وأبو حفص بن الوكيل والقاضي أبو حامد -أنه إن كان بعد الدخول فلا فسخ وإن كان قبله فقولان.
والثاني: وهو أظهر عند الشيخ أبي حامد والإمام وغيرهما -أنه إن كان قبله ثبت الفسخ وإلا فقولان.
وقد أشير إلى بناء القولين في الفسخ بعد الدخول على تردد في أن المقابل بالمهر الوطء الأول فيكون المعوض تالفًا ويمتنع الفسخ، أو في مقابلة الوطئات فيكون بعض المعوض باقيا فيشبه بقاء بعض المبيع في يد

الجزء: 8 - الصفحة: 93

المفلس.
والثالث: طرد القولين في الحالين.
والرابع: القطع بثبوته قبل الدخول وبالنفي بعده وبه قال أبو إسحاق.
والخامس: القطع بأنه لا يثبت في الحالين وهو الأصح عن الإمام وصاحب "الكتاب".
وحاصل الطرق ثلاثة أقوال ذكرها في "التهذيب": أحدها: ثبوت الخيار في الحالين.
والثاني: منعه فيهما.
والثالث: [يثبت قبله لا بعده.
والأصح منها الأول عند صاحب "التهذيب" وغيره.
والثالث: ] 15 أصح عند أكثرهم.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور: أحدها: أنه لم يصحح شيئًا من الطرق هاهنا، وقد صحح في "الشرح الصغير" الثاني فقال: وأظهرها أنه يثبت الخيار قبل الدخول بلا خلاف، وفيما بعده قولان، والئبوت مبني على أن المهر في مقابلة جميع الوطئات.
هذا لفظه.
ثم ذكر بعده أيضًا في آخر المسألة أنه الأصح عند الأكثرين.
الأمر الثاني: أن ما توقف فيه من بناء القولين على أن المهر هل يقابل جميع الوطئات أم لا؟ قد ارتضاه في "الشرح الصغير"، وقد تقدم ذكر عبارته.

الجزء: 8 - الصفحة: 94

الثالث: إن هذا البناء يقتضي تصحيح مقابلة المهر لوطئة واحدة؛ لأن الصحيح امتناع الفسخ.
لكن الصحيح أنه مقابل للجميع فقد جزم به الرافعي في كتاب الصيام في الكلام على ما إذا طلع عليه الفجر وهو مجامع فيلزم إما إفساد التخريج أو ضعف ما جزم به.
الرابع: حيث جوزنا الفسخ فشرطه ألا تكون المرأة قبضت شيئًا من المهر، فإن قبضت شيئًا منه كما هو معتاد فيمتنع عليها الفسخ بخلاف البائع إذا قبض بعض الثمن فإنه يجوز له الفسخ بإفلاس المشتري عن باقيه، والفرق بينهما أن الزوج بإقباض بعض المهر قد استقر له من البضع بقسطه؛ فلو جاز للمرأة الفسخ لعاد إليها البضع بكماله لأنه لا يمكن فيه التشريك فيؤدي إلى الفسخ فيما استقر للزوج، بخلاف المبيع فإنه وإن استقر بعضه بقبض بعض الثمن لكن الشركة فيه ممكنة فجوزنا الفسخ ولكن في الباقي خاصة.
كذا ذكره ابن الصلاح في "فتاويه" وادعي أنه حكي، وأن بعض قضاة الشام توقف فيه وأرسل يستدعي ما عنده فيه فبعث له به.
وتعرض ابن الرفعة في باب الفلس من المطلب للمسألة وتوقف فيها.
الخامس: أن النووي قد اختصر كلام الرافعي هنا اختصارًا فاسدًا غير مطابق فقال: الإعسار بالمهر فيه طرق منتشرة: المذهب منها عند الجمهور يثبت الفسخ إن كان قبل الدخول [ولا يثبت بعده وقيل: يثبت فيها قطعًا، ورجحه البغوي] 16 وغيره، وقيل بالمنع قطعا، وقيل قولان، وقيل: يثبت قبله وبعده قولان، وقيل: لا يثبت بعده وقبله قولان.

الجزء: 8 - الصفحة: 95

هذا لفظه.
فصحح طريقة القطع بثبوته قبل الدخول وبمنعه بعده، وزاد فعزاه إلى الجمهور مع أن هذا كله إنما حكاه الرافعي في القول الثالث من الأقوال الثلاثة المستفادة من الطرق لا في شيء من هذه الطرق، بل لم ينقل الرافعي هذه الطريقة إلا عن أبي إسحاق، وأيضا فإنه نقل عن البغوي أنه رجح طريقة القطع بالثبوت فيهما، وإنما نقل الرافعي عنه ترجيح قول الثبوت فيهما لا ترجيح طريقة القطع بالثبوت فيهما فإن البغوي قد قال ما نصه: وإذا أعسر الزوج بالصداق هل يثبت لها الفسخ؟ فيه أقوال: أصحها: يثبت سواء كان قبل الدخول أو بعده.
هذا لفظه.
ولم يذكر مع ذلك طريقة أخرى بالكلية.

قوله: فإن علمت قبل العقد بعجزه ففي تمكينها من الفسخ وجهان: أشبههما المنع.
انتهى.
والمذهب خلاف ما رجحه الرافعي هنا فقد حكي العمراني في "الزوائد" في المسألة قولين: الجديد: ثبوت الفسخ، والقديم: عدم ثبوته.
كذا ذكره في باب ما يحرم من النكاح، وهذا الترجيح الضعيف الذي ذكره الرافعي من عنده لما لم يقف في المسألة على غيره وقد اغتر به في "الروضة" فتابعه عليه وزاد فعبر بالأصح.

قوله: ثم نفقة الزمان الماضي لا تسقط بل تصير دينًا، بخلاف مؤنة السكنى، وخرج من النفقة في مؤنة السكنى وجه أنها تثبت أيضًا.
انتهى ملخصًا.
تابعه عليه أيضًا في "الروضة" وهو يوهم أن النفقة تستقر بلا خلاف؛ فإن التخريج لا يأتي فيها، وليس كذلك بل هو ثابت فيها أيضًا وقد صرح هو به قبيل باب الاستبراء.

قوله: والصحيح المشهور أن المرأة لا تستقل بالفسخ بل لابد من الرفع إلي القاضي كما في العنة.
وقيل: إن المرأة تتولى الفسخ بنفسها كالرد بالعيب.
فعلى الأول إذا

الجزء: 8 - الصفحة: 96

ثبت عنده الإعسار تولى الفسخ بنفسه أو أذن لها فيه، وقيل إنها تستقل بالفسخ بعد ثبوت الإعسار عنده.
انتهى كلامه.
وفيه كلام يتعين الوقوف عليه سبق ذكره في النكاح في الكلام على العنة، فراجعه.

قوله: وإذا قلنا لابد من الرفع إلى القاضي فلم ترفع وفسخت بنفسها لعلمها بعجزه لم ينفذ في الظاهر.
وهل ينفذ باطنًا حتى إذا ثبت إعساره متقدمًا على الفسخ إما باعتراف الزوج أو بالبينة يكتفي به وتحسب العدة منه؟ فيه تردد وجه قال في "البسيط": ولعل هذا فيما إذا قدرت على الرفع إلي القاضي.
فإن لم يكن في الصقيع حاكم ولا محكم فالوجه إثبات الاستقلال بالفسخ.
انتهى.
ذكر نحوه في "الروضة" والكلام جميعه ذكره في "النهاية" والغزالي في "البسيط"، وفيه أمور: أحدها: أن الراجح من التردد المذكور أنه لا ينفذ باطنًا فقد قال في "النهاية": إنه الذي يقتضيه كلام الأئمة.
الثاني: أن ما نقله عن الغزالي في "البسيط" احتمالًا قد جزم به في "الوسيط"، وادعى عدم الخلاف فيه، وزاد على ذلك صورة أخري فقال: ولا خلاف في أنه ينفذ ظاهرًا إذا لم يكن في الناحية حاكم أو عجزت عن الرفع.
الثالث: أنا إذا قلنا بالنفوذ باطنًا إذا استقلت بالفسخ لعلمها بعجزه فلا شك في ترتب جميع أحكام الفسخ عليه في نفس الأمر حتى يحل للمرأة فيما بينها وبين الله تعالى أن تتزوج ولا تستحق نفقة ولا إرثًا في حالة البينونة وغير ذلك.

الجزء: 8 - الصفحة: 97

وأما قول الرافعي: حتى إذا ثبت إعساره .. إلى آخره.
فمراده بذلك أن أثر الفسخ النافذ في الباطن لا يظهر إلا في هذه الحالة.

قوله: فإنما يتولى القاضي الفسخ أو يأذن لها فيه بعد إمهاله ثلاثة أيام من إعساره في أصح القولين.
والقولان كالقولين في أن المولى والمرتد هل يمهلان هذه المدة.
انتهى.
وكلام الرافعي يوهم أن المولى والمرتد يمهلان ثلاثة أيام، والصحيح فيهما خلافه، فاعلمه.

قوله: التفريع إن قلنا: لا يمهل ثلاثا فمتى يفسخ؟ وجهان: أحدهما: أن لها المبادرة إليه في أول النهار لعجزه وقت الوجوب.
وأقربهما: المنع ليرتفع البأس فيتردد ويكتسب.
وعلى هذا فقد ذكرت احتمالات: أحدها: يؤخر الفسخ إلى نصف النهار لأن الأكل لا يؤخر عنه غالبًا.
والثاني: إلى آخره وهو وقت إفطار الصائمين.
والثالث: إلى انقضاء اليوم والليلة بعده لأن النفقة لهما وبمضيهما تستقر والعجز عن الحق يتحقق بعد استقراره، وهذا أوجه عند الغزالي، وذكر في "الوسيط" أن حاصله الإمهال يوم وليلة، وفي هذا الوجه توقف لأن الاستمرار غير متوقف على قبضهما؛ ألا ترى أنه لو سلم النفقة فماتت في أثناء النهار لا تسترد.
واعلم أنه قد نقل عن الإملاء أن المعسر يمهل عن النفقة يومًا، وأثبته السرخسي قولًا ثالثًا.
انتهى.
تابعه عليه في "الروضة"، وفيه أمور: أحدها: أن هذه الاحتمالات قد ذكرها الإمام ورجح أيضًا الذي رجحه

الجزء: 8 - الصفحة: 98

الغزالي فقال: فإن لم ير الإمهال فلا يتجه الإعسار انقضاء اليوم والليلة.
هذه عبارته، ومنه أخذ الغزالي، ولا شك أن الرافعي لم يطلع على ذلك.
ومنها: أن التوقف الذي ذكره ضعيف؛ فإن الكلام في مطالبة المرأة وما دامت حية مطالبة لا تستقر النفقة إلا بمضي اليوم والليلة فإنها لو نشزت سقطت.
ومنها: أن حقيقة القول المنقول عن "الإملاء" هو حقيقة الاحتمال الثاني من الاحتمالات المفسرة للقول الأول وهو القائل بالمبادرة، وقول المبادرة ثابت بلا محالة والأخذ بظاهره متروك على الراجح، والاحتمالات المذكورة في تفسيره متجهة وثالثها مرجوح على ما اقتضاه كلام الرافعي؛ فيكون المراد من ذلك القول إما الاحتمال الأول أو الثاني، وقد نقل الثاني عن النص فلا يستنكر أن يكون تفسيرًا له وحينئذ فيكون قولًا ثالثًا على أن المحاملي في كتاب "التهذيب" قد حكى وجهين تفريعًا على هذا القول في أنها تفسخ في أول النهار أو آخره.

قوله: وإذا فرعنا على الأصح -وهو الإمهال ثلاثًا- فإذا مضت الثلاثة فلها الفسخ صبيحة اليوم الرابع إن لم يسلم نفقته ثم قال ما نصه: وإن سلمها لم يجز الفسخ للماضي وليس لها أن تقول: آخذه عن نفقة بعض الأيام الثلاثة وأفسخ لعجزه اليوم؛ لأن الاعتبار في الأداء بقصد المؤدي.
انتهى كلامه بحروفه.
وما ذكره في تصوير المسألة وتعليلها قد تبعه عليه في "الروضة" أيضًا وهو غلط عجيب؛ وذلك لأنها إذا قالت آخذه عن بعض الأيام الثلاثة لم يكن لها الفسخ في اليوم المذكور -وهو الرابع- وإن قبلنا قولها لأن المدة حينئذ لم تكمل بل يبقى منها على هذا التقدير يوم آخر وهو اليوم الذي

الجزء: 8 - الصفحة: 99

قبضت فيه فإذا جاء الغد منه يكون هو الرابع حقيقة فتطالب بنفقته، فإن عجز فسخت بتعذر النفقة عنه -أي: عن الغد الذي جعلناه رابعًا-، وهذا واضح، والصواب في تصوير المسألة أن تحاول المرأة قبضه عن بعض الأيام الماضية، وقد صورها في "النهاية" بذلك فقال: وليس للمرأة أن تقول أقبض ما جئت به عن نفقة ما مضى وأطالب بنفقة اليوم فإن الرجوع فيما يؤديه من عليه الحق إلى قصده لا إلى قصد القابض.
هذا لفظه.
وهو صحيح.
وذكر في "الوسيط" مثله فتصرف الرافعي فيه فوقع في الغلط.

قوله: الثانية: يجوز لها في مدة الإمهال أن تخرج لتحصيل النفقة فإن التمكين والطاعة في مقابلة النفقة.
قال في "البحر": وعليها أن ترجع بالليل إلى منزله، ولو أراد الاستمتاع بها لم يمنع وقضية التوجيه المذكور أن لها المنع، وكذلك ذكر صاحب "التهذيب"، ولا كلام في أنها إذا منعت نفسها منه لم تستحق النفقة لمدة الامتناع.
انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدها: أن ما نقله عن الروياني من كونه لا يمنع من الاستمتاع بها محله في الليل كما أشعر به سياق كلام الرافعي، وقد رأيته مصرحًا به كذلك في "البحر".
الأمر الثاني: أن ما نقله عن الروياني فيه وفي ملازمة المنزل ليلًا قد صرح به أيضًا الماوردي في "الحاوي".
وأما ما نقله عن صاحب "التهذيب" فمردود؛ فإنه أطلق أن الملازمة والتمكين لا يجبان ولم ينص على الليل بخصوصه؛ وحينئذ فلا منافاة بين الكلامين؛ وحينئذ يترجح كلام الماوردي والروياني.

الجزء: 8 - الصفحة: 100

الأمر الثالث: أن الماوردي والروياني قد صرحا بأنه لا فرق في هذين الحكمين وفي غيرهما مما ذكر في هذه المسألة بين مدة الإمهال وما بعدها إذا رضيت بالمقام معه على إعساره.
وقد فرق الرافعي المسألة وأوهم كلامه تغايرهما في الحكم؛ فإنه قال بعد هذا بأسطر: وإذا اختارت المقام مع المعسر لم يلزمها التمكين من الاستمتاع وكان لها الخروج من المنزل.
ذكره صاحب "التهذيب" وغيره.
وإذا لم تمنع نفسها منه ثبت في ذمته ما يجب على المعسر، وخروجها بالنهار للاكتساب لا يوجب نقصًا من حقها.
هذا كلامه.
والأمر كما نقله عن صاحب "التهذيب" إلا أنه مطلق فيحمل على تقييد الماوردي والروياني كما أشرنا إليه؛ ويدل عليه تقييده بقوله: وخروجها بالنهار.
فتامل ذلك فإنه مناف أيضًا لما أطلقه الآن عن صاحب "التهذيب".
الأمر الرابع: أنه قد علم بآخر كلامه أن دعواه أنه لا كلام .. إلى آخره محمول على ما إذا كان المنع بالليل خاصة فاعلمه.
ولا شك أن السبب في وقوع مثل هذه المواضع المتفرقة إلحاق ما يظفر به المصنف بعد تقدم بعضه وذهوله عنه.

قوله: فإذا عجز عن نفقة أمّ ولده فعن الشيخ أبي زيد أنه يجبر على عتقها أو تزويجها إن وجد راغب فيها.
وقال غيره: لا يجبر عليه بل يخليها لتتكسب وتنفق على نفسها.
انتهى.
والأصح الثاني.
كذا صححه في "الروضة" من زوائده.

الجزء: 8 - الصفحة: 101

قال -رحمه الله-:

السبب الثاني للنفقة: القرابة

وفيه ثلاثة أبواب

الباب الأول: في أصل النفقة

قوله في أصل "الروضة": وهل يكلف الكسب لنفقة القريب؟ فيه أوجه: الصحيح أنه يكلف، وثانيها: لا.
ثم قال ما نصه: والثالث: يكلف الولد دون الوالد.
انتهى كلامه.
وقد اختلفت النسخ في التعبير عن الولد؛ ففي بعضها مجرور بلام؛ أي: يكلف الوالد ليكتسب لأجل ولده بخلاف العكس.
وفي بعضها وهو المتبادر إلى الفهم محذوف اللام مرفوع أي: يكلف الولد أن يكتسب لنفقة والده دون عكسه.
والأول هو الصواب الذي شاهدته بخط المصنف، وصرح به الرافعي نقلًا عن "التتمة" وفرق بأن نفقة الوالد سبيلها سبيل المواساة ولا يكلف أن يكتسب ليصير من أهل المواساة، وأما الولد فبسبب حصوله للاستمتاع فألحقت نفقته بالنفقة الواجبة للاستمتاع وهي نفقة الزوجة.

قوله: فإن كان القريب يقدر على كسب لائق فإن كان فرعًا فقيل لا تجب نفقته قطعًا، وقيل: قولان أصحهما عند الأصحاب عدم الوجوب.
قال في "العدة": لكن الفتوى اليوم على الوجوب وإن كان أصلًا ففيه القولان، ومال جماعة هنا إلى ترجيح الوجوب.
انتهى ملخصًا.
فأما ما دَلّ عليه كلامه في الأصل من ترجيح الوجوب فَمُسَلّم، وحكى الرافعي في زكاة الفطر طريقة قاطعة به.
وأما الذى قاله في الفرع من عدم الوجوب فقد صرح به أيضًا في "الشرح الصغير" ولم يذكر ترجيحًا غيره، ولكنه رجح الوجوب في "المحرر" فإنه جمع بينه وبين الأصل فقال ما نصه: وإلا فثلاثة أقوال أحسنها: الوجوب، والثالث: تجب نفقة الأصل

الجزء: 8 - الصفحة: 102

على الفرع دون العكس.
واستدرك النووي عليه في "المنهاج" وصحح التفصيل.

قوله: ولا تتقدر نفقة القريب لأنها تجب على سبيل المواساة لتزجية الوقت بل يعتبر حاله في سنه وزهادته ورغبته ويعطيه ما يستقل به ويتمكن معه من التردد والتصرف.
وعن ابن خيران: أنها تتقدر بقدر نفقة الزوجة ويجب له أيضًا الأدم والكسوة والسكنى، والإخدام.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور: أحدها: أن الغزالي قد صرح في "الوجيز" بأنه لا يجب إشباع القريب، ولم يصرح به الرافعي هنا، وفي أخذه من كلامه وقفة.
وحكى الرافعي في نفقة المملوك ثلاثة أوجه: أحدها هذا وكلامه يقتضي ترجيحه.
الثاني: يجب ما يكفي مثله غالبًا ولا تعتبر كفايته في نفسه.
والثالث: إن أثر فقد الزيادة في قوته وبدنه لزمت وإلا فلا.
ثم قال: وينبغي أن تجيء هذه الوجوه في نفقة القريب.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد حكى في باب نفقة الزوجات عن ابن خيران أن نفقة الزوجة ليست مقدرة بل المعتبر عرف الناس في البلد فينبغي استحضاره، وتأويل أحد النقلين عنه موهم.
الأمر الثالث: أنه يجب للقريب أجرة الطبيب وثمن الأدوية.
كذا صرح به الرافعي في كتاب قسم الصدقات.
وأما التزجية بزاي معجمة ثم جيم فمعناه التكفية قال الشاعر: تزج من ديناك بالبلاغ

الجزء: 8 - الصفحة: 103

أي: اكتف.
والزهادة: قلة الأكل عكس الرغبة.

قوله: ولو سلم نفقة القريب إليه فتلفت في يده فعليه الإبدال، وكذا لو أتلفها بنفسه لكن يؤخذ منه الضمان إذا أيسر.
انتهى.
ووجوب الضمان مختص بالمسألة الثانية فاعلمه فإنه وإن كان مشكلًا لكونه قبض العين لمحض غرض نفسه إلا أنه المنقول فقد صرح به هكذا البغوي في "التهذيب" والنووي في أصل "الروضة" وابن الرفعة في "الكفاية".

قوله: وتسقط نفقة القريب بمضي الزمان ولا تصير دينًا في الذمة وإن تعدى بالامتناع من الإنفاق.
ثم قال ما نصه: ويستثني ما إذا فرضها القاضي أو أذن في الاستقراض لغيبة أو امتناع فيصير ذلك دينًا في الذمة.
انتهى كلامه بحروفه.
وما ذكره من أن نفقة القريب لا تسقط بمرور الزمان إذا فرضها القاضي ذكره الغزالي في "الوسيط" و"الوجيز" فتابعه الإمام الرافعي عليه، ثم إن الشيخ محيي الدين تبع الرافعي على ذلك، وهو لبعضه بعض الفضلاء.
أما بطلانه من جهة النقل فإني مردود فعلًا وبحثًا سبق إلى التفطن قد تتبعت كتب الأصحاب وكشفت ما عددته لك في مقدمة الكتاب من التصانيف على كثرتها مشهورها ومهجورها فلم أر أحدًا استثنى ذلك، بل الذى رأيته التصريح بأنها لا تستقر في هذه الحالة -أي: حالة الفرض- وممن صرح بذلك الإمام أبو العباس أحمد بن القاص والإمام أبو علي الطبري صاحب "الإفصاح"، وناهيك بهما.
كذا نقله عنهما في "شرح المهذب" المسمى "بالاستقصاء" ورأيته أيضًا للمحاملي في كتابه المسمى "عدة المسافر وكفاية الحاضر" في الاستدلال على أبي حنيفة على أن نفقة الزوجات تسقط بمضي الزمان فقال: فإن قيل: كل نفقة تجب يومًا بيوم تسقط بمضي الأيام قياسًا على نفقة الأقارب.

الجزء: 8 - الصفحة: 104

قيل: نفقة الأقارب لو فرضها الحاكم لم تستقر في الذمة وهذه النفقة لو فرضها الحاكم استقرت في الذمة فافترقا.
هذا لفظه، ورأيته أيضًا في كتاب "الحيل" لأبي حاتم القزويني 17 شيخ صاحب "التنبيه" فقال: نفقة الأقارب لا تثبت في الذمة وإن حكم الحاكم بها.
هذه عبارته بحروفه.
ذكر ذلك في أثناء الكلام على الحيل المباحة قريبًا من نصف الكتاب، وكذلك في كتاب "تذكرة المسئولين" للشيخ أبي إسحاق الشيرازي وهو كتاب كبير معقود للخلاف بيننا وبين الحنفية فقال في المسألة السابق ذكرها ما نصه: ولأنه لو حكم الحاكم في نفقة الأقارب لم تستقر في الذمة هذا لفظه.
وكذلك الغزالي في كتابه المسمى "تحصين المأخذ" في علم الخلاف في المسألة المذكورة، ونصر المقدسي في "التهذيب"، ومحمد بن يحيى في "التمهيد"، ونقل أيضًا عن البندنيجي في "المعتمد"، وجزم به الجيلي في "شرح التنبيه"، ولم يحك استقرارها بفرض القاضي إلا عن الغزالي، ولم يحكه ابن الرفعة مع اطلاعه إلا عن الرافعي، وكان من جملة ما راجعته شرح الوجيز لأبي المعالي محمد بن يونس الموصلي فرأيته لما وصل إلي قوله: إلا بفرض القاضي لم يشرحه وترك بياضًا وشرح ما بعده، وكأنه توقف فيه ليحترر هل هو بالقاف أو بالفاء فلم يتفق.
وبالجملة فقد صرح الرافعي في باب زكاة الفطر بما حاصله الجزم بعدم الاستقرار فقال: الثانية: إذا وجبت نفقة الابن على أبيه فملك الابن قوت ليلة العيد ويومه فإن كان كبيرًا لم تجب فطرته على الأب لسقوط نفقته.
ثم قال ما نصه: وإن كان صغيرًا فوجهان: قال الصيدلاني: لا تسقط

الجزء: 8 - الصفحة: 105

والفرق أن نفقة الكبير لا تثبت في الذمة بحال وإنما هي للكفاية ونفقة الصغير قد تثبت؛ ألا ترى أن الأم لها أن تستقرض على الأب الغائب لنفقة الصغير فكانت نفقته آكد.
وقال الشيخ أبو محمد: تسقط كما تسقط النفقة، وتردد فيما ذكره من جواز الاستقراض على الأب الغائب لنفقة الصغير وقال الأظهر منعه إلا بإذن السلطان، ومثله يفرض في حق الكبير أيضًا، وما ذكره الشيخ أظهر عند الإمام وغيره.
هذا كلامه.
هذا ما تحرر في دفعة من جهة المنقول، وأما من جهة المعني فلأنهم عللوا عدم الاستقرار بأنها تجب علي سبيل المواساة لإحياء النفس، فإذا كان كذلك فالزمن الماضي قد حيت نفسه فيه فلا معني لإيجاب النفقة وأيضًا فإن نفقة القريب إمتاع لا تمليك كما جزم به الرافعي ونقله عن الأئمة.
وقد قال الإمام: وما لا تمليك فيه وانتهى إلى الكفاية استحال مصيره دينًا في الذمة، وأيضًا فكيف يتصور تأثير القاضي في الفرض لأنه إن عنى به الإيجاب كان تحصيلا للحاصل ويلزم عليه بقاء الأمر على ما كان عليه من السقوط، وإن عنى به التقدير لزم ألا يؤثر إلا في قدر ما كان يجوز أن يزيد أو ينقص حتى إنه يمتنع طلب الزيادة على من يأخذ والنقص على من يعطي، وأما صفة الوجوب من السقوط فباقية على ما كانت عليه لأن الحكم إنما يوجه على هذا التقدير إلى التقدير مع أنا نمنع جواز التقدير للقاضي لأن الواجب هو الكفاية بالمعروف كما هو منصوص عليه في حديث هند، والتقدير مناف لها، وإذا كان الواجب هو الكفاية [فكيف] يجوز له أن يحكم بالتقدير الذى هو خلاف معتقده؟ واعلم أن لفظ الرافعي قريب من التصحيف فإنه عبر بقوله ويستثنى ما إذا فرض القاضي أو أذن في الاستقراض كما تقدم النقل عنه وكأن مراده إذا

الجزء: 8 - الصفحة: 106

اقترض بالقاف -ويدل على التصحيف فيه أمران: أحدهما: وجدانها في بعض النسخ كذلك -أعنى بالقاف-.
والثاني: أن البغوي والمتولي صرحا باستثنائها وأنه لا يستثنى غيرها، وقد علمت كثرة نقل الرافعي عنهما فيبعد عادة تركه لذلك، واستثناها أيضًا في "البحر" مع أن الاستثناء لا حاجة إليه لأن القرض يدخل في ملك المقترض عليه أولًا ثم يأخذه من يجب له.

قوله في الروضة: إذا كان الابن في نفقة أبيه وله زوجة فوجهان حكاهما أبو حامد وغيره.
أحدهما: يلزم الأب نفقتها ونفقة زوجة كل قريب وجبت نفقته لأنه من تمام الكفاية، وبهذا قطع صاحب "المهذب".
وأصحهما: لا يلزمه.
انتهى كلامه.
وما ذكره هنا من حكاية الوجهين هو الصواب، وقد ادعى في باب زكاة الفطر من "شرح المهذب" عدم الخلاف فقال: وأما زوجة الابن المعسر فلا تجب نفقتها ولا فطرتها بلا خلاف.
هذا لفظه.

قوله: وإذا امتنع الأب من الإنفاق على الولد الصغير أو كان غائبًا فهل تستقل الأم بالأخذ من ماله؟ فيه وجهان: أظهرهما عند صاحب الكتاب وغيره: نعم كقضية هند.
والثاني: لا؛ لأنها لا تلي التصرف في ماله فلا تلى التصرف في مال ابنه، ومن قال به حمل ما ذكره النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لهند على أنه كان قضاء أو إذنًا لها لا إفتاء وحكمًا عامًا.
انتهى كلامه.
وقد استفدنا منه أن المرجح أنه إفتاء وحكم عام؛ لأن المرجح جواز الأخذ، وقد تعرض الرافعي لذلك في مواضع؛ واختلف فيه كلامه فراجعه في أول النفقات.

الجزء: 8 - الصفحة: 107

قوله: وفي استقلالها بالاستقراض عليه إذا لم تجد له مالًا وجهان بالترتيب؛ أي: على الأخذ عند الوجدان، والاقتراض أولى بالمنع لخروجه عن صورة الحديث ومخالفة القياس.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" أيضًا، ولا يؤخذ منه تصحيح لأن معنى الترتيب الذى ذكره أنه إن امتنع هناك امتنع أيضًا هنا، وإن جاز هناك فهاهنا وجهان، والراجح في هذه المسألة هو المنع؛ فقد سبق من كلام الرافعي في باب زكاة الفطر ما يدل عليه.

قوله: يجب على الأم أن ترضع ولدها [اللبن] لأن الولد لا يعيش إلا به غالبًا.
ثم إن لها أن تأخذ الأجرة عليه إن كان لمثله أجرة، وفيه وجه منقول عن الحاوي أنه لا أجرة لها لأنه حق تعين عليها والأب عاجز عنه كما إذا أيسرت بالنفقة والأب معسر.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على نقل هذا الوجه عن "الحاوي"، وليس كذلك، إنما ذكره احتمالًا فقط فقال: ولو قيل لا أجرة لها لأنه حق واجب قد تعين عليها وعجز الأب عنه فجرى مجرى نفقته لكان له وجه.
هذا كلامه.

قوله: وهل للزوج منع زوجته من إرضاع ولدها منه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا وهو اختيار القاضي أبي الطيب لأنها أشفق على الولد من الأجنبية ولبنها له أصلح وأرفق.
وأقواهما -وهو اختيار الشيخ أبي حامد-: أن له المنع؛ لأنه يستحق الاستمتاع بها في الأوقات المصروفة إلى الإرضاع، وهذا ما أورده الغزالي في "الوجيز" والشيخ في "المهذب" قال: لكنه يكره له ذلك.
انتهى.
وقد ذكر الرافعي -رحمه الله- بعد هذا قبيل الجنايات بنحو ورقة في الكلام على ولده من أمته ما يشكل على هذا فقال: وهل للسيد تسليمه إلى

الجزء: 8 - الصفحة: 108

مرضعة غيرها؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأنها ملكه وقد يريد استخدامها والاستمتاع بها.
وأظهرهما -وهو المذكور في "الوجيز"- لا؛ لما فيه من التفريق بين الوالدة وولدها.
انتهى.
والمتجه التسوية بين المسألتين، وتعليل الرافعي المنع في الموضع الثاني بالتفريق عجيب؛ فقد جزم الرافعي في كتاب السير بأن أحدهما لو كان حرًا جاز بيع الآخر، فإذا جاز التفريق بالبيع فبالرضاع أولى، وقد استدرك في "الروضة" هنا على الرافعي غير مستحضر للمذكور هناك فقال: قلت الأول أصح وصححه البغوي والروياني في "الحلية" وقطع به الدارمي والقاضي أبو الطيب في "المجرد" والمحاملي والفوراني وصاحب "التنبيه" والجرجاني، والله أعلم.
واعلم أن صاحب "التنبيه" قد عبر فيه بقوله: لم يمنعها الزوج، وهذه العبارة تحتمل التحريم والكراهة؛ فلا يستدل بها على التحريم بل حملها على الكراهة أولى لتصريحه به في "المهذب" كما تقدم نقله عنه.

قوله: وهل للزوج أن يستأجر زوجته لإرضاع ولده؟ فيه وجهان: قال العراقيون: لا يجوز، وربما طردوه في الخدمة لأنه يستحق الاستمتاع بها في تلك المدة فلا يجوز أن يعقد عليها عقدًا آخر يمنع استيفاء المستحق، والأصح: الجواز، ويكون الاستئجار رضا بترك الاستمتاع واحتج له بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6]، ولو لم يجز استئجارها لم تكن لها أجرة.
انتهى كلامه.
وفيه أمران: أحدهما: أن الاستدلال بالآية سهو فإن أول الآيات وهو قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4].
. إلى آخرها إنما هو

الجزء: 8 - الصفحة: 109

مذكور في المطلقات، وهذه المسألة قد ذكرها الرافعي في كتاب الإجارة أيضًا، واقتضى كلامه أن العراقيين سلموا أن الاستئجار لغير الرضاع يصح، ونقل عنهم أنهم احتجوا للمنع بأنها أخذت منه عوضًا للاستمتاع وعوضًا للحبس فلا تستحق شيئًا آخر.
الأمر الثاني: أن الرافعي في الإجارة قيد الخلاف بما إذا كان ولده منها، وقد تقدم ذكر لفظه هناك لأمر آخر فراجعه.

قوله: فإذا فرعنا على أن الزوج ليس له منع زوجته من إرضاع الولد أو قلنا إن له ذلك فاتفقا على الإرضاع فطلبت الأجرة وقلنا بالأصح أنه يجوز له استئجار زوجته لإرضاع ولده كانت كالثانية إذا طلبت الأجرة.
انتهى ملخصًا.
وحكم الثانية أنه يجب لها أجرة المثل، فإن وجد الأب متبرعة أو من ترضى بدون المثل ففي الانتزاع وجهان: الأصح أن له ذلك.
إذا علمت ذلك فما ذكره الرافعي من التحاقها في ذلك بالثانية صحيح في الحالة الأولى وهو ما إذا قلنا: ليس له المنع، وأما ذكره ذلك في الحالة الثانية أيضًا وهو ما إذا قلنا: بالصحيح أن له المنع فتوافقا، فقد تابعه عليه في "الروضة" وهو عجيب لا يعقل، بل إذا قال الزوج: لا أرضى بتسليمه لك إلا إذا كنت متبرعة أو راضية بدون أجرة المثل، فإنه يجاب بلا خلاف؛ لأن التفريع على أنه لا يجب عليه تمكينها من ذلك.

قوله أيضًا في المسألة: وإذا أرضعت بالأجرة فإن كان الإرضاع لا يمنع من الاستمتاع ولا ينقصه فلها مع الأجرة النفقة، وإن كان يمنع أو ينقص فلا نفقة لها.
كذا ذكره صاحب "التهذيب" وغيره، ويشبه أن يجيء فيه الخلاف [فيما إذا سافرت لغرض نفسها بإذنه.
انتهى.
وهذا البحث الذي ذكره قد تابعه عليه في "الروضة" وهو صحيح فيما إذا قلنا: له المنع فتوافقا بالأجرة، وقد نقل في كتاب العدد ما يؤخذ منه

الجزء: 8 - الصفحة: 110

الخلاف] 18 بطريق الأولى فقال في باب عدة الوفاة في الكلام على المفقود: وحيث قلنا الولد للثاني وحكمنا ببقاء نكاح المفقود فله منعها من إرضاع الولد إلا [اللبن] الذي لا يعيش إلا به، وإذا لم يكن بد من الإرضاع ولم يوجد غيرها، ثم إن لم تخرج من بيت الزوج وأرضعته فيه ولم يقع خلل من التمكين فعلى الزوج نفقتها.
قال في "الشامل": سواء وجب عليها الإرضاع أو لم يجب.
وإن خرجت للإرضاع بغير إذنه سقطت نفقتها، فإن خرجت بإذنه فوجهان كما لو سافرت في حاجتها بإذنه.
هذا كلامه.
فإذا جرى الخلاف في الرضاع مع الخروج بالكلية فجريانه مع بقائها في المنزل بطريق الأولى.
وأما حكايته لهذا البحث أيضًا على الوجه الآخر الذى صححه النووي؛ وهو أنه لا منع له فلا يستقيم لأن إذنه مفقود بالكلية أو غير معين لأنه يجبر على التسليم، فإذا كان يجبر على ذلك ومع الإجبار تعطى الأجرة ولم يحصل له استمتاع بالكلية أو الاستمتاع التام كيف يأتي إيجاب النفقة؟ واعلم أن ما نقلناه عنه في العدد يقتضي الجزم بأنها لا تستحق النفقة عند الخلل من التمكين وإن لم تخرج من المنزل وأن ذلك لا يخرج على الخلاف في السفر، فإذا كان لا يخرج عليه مع وجوب الإرضاع عليها فكيف يتخرج مع عدم الوجوب؟

الجزء: 8 - الصفحة: 111

الباب الثاني: في ترتيب الأقارب

قوله: وإذا اجتمع اثنان منهم -أي من المنفقين- نظر: إن استويا في القرب والوراثة أو عدمها والذكورة والأنوثة كابنين أو ابنتين فالنفقة بينهما بالتسوية.
ثم قال ما نصه: فإن اختلفا في شيء من ذلك ففيه طريقان: أحدهما: النظر إلى القرب؛ فإن كان أحدهما أقرب فالنفقة عليه لأنه أولى بالاعتبار.
ولا فرق بين أن يكون الأقرب وارثًا أو غير وارث ولا بين أن يكون ذكرًا أو أنثى، فإن استويا في القرب ففي التقديم بالإرث وجهان: أحدهما: أن النفقة على الوارث لقوة قرابته، والثاني: أنه لا أثر للوراثة لأن القرابة المجردة عن الإرث موجبة للنفقة، فالإرث غير مرعي في الباب.
فإن قدمنا بالإرث، فلو استويا في أصل الإرث فيستويان أو تكون النفقة بحسب الإرث؟ فيه وجهان: وجه الثاني: إشعار زيادة الإرث، [بزيادة قوة القرابة، والطريقة أن النظر أولًا إلى الإرث] 19 فإن كان أحدهما وارثًا دون الآخر فالنفقة على الوارث، فإن كان غير الوارث أقرب، فإن تساويا في الإرث وأحدهما أقرب فالنفقة على الأقرب، فإن تساويا في القرب أيضًا فالنفقة عليهما، ثم يسوي أو يراعي قدر الإرث؟ فيه الوجهان: وإذا استويا في المنظور إليه على اختلاف الطريقتين وأحدهما ذكر والآخر أنثى فهل يختص الذكر بوجوب النفقة عليه؟ فيه وجهان؛ وجه الاختصاص أنه أقوى وأقدر على الكسب.
وأيضًا فإنه لو اجتمع الأب والأم تكون النفقة على الأب دون الأم.
هكذا قيد في "الوسيط" وجه اعتبار الذكورة فيما إذا استويا في سائر الأسباب عن رواية الشيخ أبي عليّ؛ وكأنه لذلك لم يجعله هاهنا طريقة

الجزء: 8 - الصفحة: 112

تقابل الطريقتين السابقتين بل جعله وجهًا بين الطريقتين، ومنهم من حكاه طريقة برأسها فقال: إن كان أحدهما ذكرًا فالنفقة عليه قريبًا كان أو بعيدًا وارثًا كان أو غير وارث.
وإن كانا ذكرين أو أنثتين فالنفقة على المدلي بالذكر، فإن استويا في الإدلاء فهي على الأقرب.
والأظهر عند صاحب "الكتاب" والإمام وصاحب "التهذيب" وغيرهم: الطريقة الأولى دون اعتبار الإرث والذكورة؛ واحتجوا بأن الإرث والذكورة لا يشترطان في وجوب النفقة والمنفرد منهم تلزمه النفقة وإن لم يكن جائزًا ولا وارثًا.
ويدل على قوة القرب أن من اعتبر الإرث أو الذكورة قطع عند استوائهما في الإرث أو الذكورة بالاعتماد على القرب، والمعتبرون للقرب ترددوا عند استوائهما في الدرجة في أنه هل يعتبر الإرث والذكورة؟ . واختيار العراقيين يخالف اختيارهم أولًا في بعض المنازل كما نبينه في الأمثلة.
أمثلته: ابن وبنت النفقة عليهما بالسوية إن اعتبرنا بالقرب، وبه قال أبو حنيفة.
وكذا في اعتبار الإرث أن اكتفينا بأصله، وإن اعتبرنا مقدار الإرث فيكون عليهما أثلاثًا وبه قال أحمد: وهي على الابن إن اعتبرنا الذكورة، وهو ما اختاره العراقيون، وربما لم يوردوا غيره.

قوله: بنت وابن ابن هى على البنت إن اعتبرنا القرب، وبه قال أبو حنيفة، وعليهما بالسوية إن اعتبرنا الإرث، وعلى ابن الابن إن اعتبرنا الذكورة وهذا ما اختاره العراقيون.
انتهى كلامه بحروفه.

الجزء: 8 - الصفحة: 113

فيه أمور: أحدها: أن الصحيح إنما هو اعتبار الإرث على خلاف ما أشعر به كلامه هنا من رجحان القرب، وستعرف ذلك بعد هذا الموضع بنحو ورقتين.
الأمر الثاني: أن المثال الأول من المثالين المذكورين في آخر كلامه صحيح، وأما الثاني -وهو البنت مع ابن الابن- فحكمه فيه بأن النفقة على البنت إن اعتبرنا القرب وعلى ابن الابن إن اعتبرنا الذكورة صحيح، وأما حكمه بأنها عليهما بالسوية إن اعتبرنا الإرث فقد تبعه عليه في "الروضة" أيضًا، وهو غلط محض لا قائل به، بل تجب على البنت على الطريقين معًا، أما على الطريقة الأولى فواضح، وأما على الطريقة الثانية فلأن الذى يعتبر الإرث يقول فيما إذا كانا معا وارثين بتقديم الأقرب، فإن استويا في القرب أيضًا كانت عليهما.
وفي مثالنا لم يتساويا؛ فراجع ذلك، مع ما ذكره في كل من الطريقين يظهر لك بطلانه ولا تجد له شيئًا يتفرع عليه، ولا شك أن الرافعي بقي في ذهنه أصل الخلاف ففرع عليه ذاهلًا عن شرطه فوقع في الغلط في أمثلة هذا منها، وباقيها ستعرفه.
الأمر الثالث: أن الرافعي قد حكى خلافًا عند القائلين باعتبار الذكورة في أنها هل تعتبر مطلقا أو عند استوائهما في المنظور إليه، ثم فرع عليهما في أمثله كما تقدم فأسقط النووي القائل باعتبارها بلا شرط لكونها قد وقعت في أثناء تعديل وكلام يظن معه الفراغ من نقل الحكم كما تقدم ذكره ثم تابع الرافعي في التفريع عليها فلزم منه أنه فرع على شيء غير مذكور بحيث لا ينطبق ما ذكره في تلك الأمثلة على الخلاف المتقدم منها مثالنا هذا بعينه وهو البنت مع ابن الابن فإن جميع ما ذكره لا يؤخذ منه أن قائلًا يقول بتقديم ابن الابن على البنت فإنهما لم يتساويا في المنظور إليه فتأمله

الجزء: 8 - الصفحة: 114

فإنه واضح.
الأمر الرابع: ذكر الرافعي بعد هذا أنه إذا احتاج البالغ وله أب وأم وفَرّعْنَا على أن النفقة عليهما لا على الأب فهل يسوى بينهما أو يجعل أثلاثًا بحسب الإرث؟ فيه وجهان رجح منهما الثاني.
هذا كلامه.
وفي "الشرح الصغير" و"الروضة" مثله أيضًا، وقياسه أن يكون الراجح في هذه المسألة وهي اجتماع الفروع كذلك.

قوله: بنت وبنت ابن هي على البنت إن اعتبرنا القرب، وعليهما إن اعتبرنا الإرث.
انتهى كلامه.
وما ذكره من كونها عليهما إن فَرَّعْنَا على الإرث تابعه عليه أيضًا في "الروضة" وهو غلط، بل يجب على البنت بلا خلاف لما عرف من أن الذى يعتبر الإرث يقول فيما إذا كانا معًا وارثين أنه يقدم الأقرب قطعًا، وقد ذكر في "النهاية" هذا المثال بعينه وقال: إن النفقة على البنت على جميع الطرق.

قوله: بنت وابن بنت هي على البنت إن اعتبرنا القرب أو الإرث، وعلى ابن البنت إن اعتبرنا الذكور.
انتهى.
وحكمه كله صحيح إلا إيجابه على ابن البنت فإنه لا يصح على ما في "الروضة"؛ إذ ليس فيها طريقة اعتبار الذكورة مطلقًا بل عند التساوي في المنظور إليه كما تقدم إيضاحه.

قوله: ابن وولد خنثى إن قلنا في اجتماع الابن والبنت تكون عليهما فكذا هاهنا، وإن قلنا تكون على الابن فهاهنا وجهان: أحدهما: على الابن نصفها لأنه المستيقن والنصف الآخر يفرضه الحاكم، فإن بان ذكرًا فالرجوع عليه وإلا فعلى الابن وأظهرهما: يؤخذ الجميع من الابن، فإن بان الخنثى ذكرًا رجع عليه بالنصف.
انتهى كلامه.

الجزء: 8 - الصفحة: 115

ذكر في "الروضة" نحوه.
وفيه أمران: أحدهما: أنه سكت عما إذا لم يوجد من يقرض، والحكم أنه يجب على الخنثى.
قاله القاضي الحسين في "تعليقه" في نظير المسألة، وكذلك ابن الصباغ في "الشامل".
الأمر الثاني: أن كلامه يقتضي فيما إذا استمر الإشكال إلى الموت أن الرجوع على الابن، فتفطن له.
وخالف ابن الرفعة في "الكفاية" فقال: لا يرجع عليه، وما قاله الرافعي أصوب لأنه لا يمكن تفويت ذلك على من اقترض منه وقد تيقنا أهلية الذكر للوجوب وسلكنا في المشارك له والأصل عدمه وحكى الماوردي وجهًا ثالثًا أن النفقة عليهما نصفين.

قوله: بنت وولد خنثي إن قلنا في اجتماع الابن والبنت النفقة عليهما فكذا هاهنا، وإن قلنا: على الابن فوجهان: أحدهما: على الخنثى، فإن بانت أنوثته رجعت على أختها بالنصف.
والثاني: لا يؤخذ منه إلا النصف لأنه اليقين ويؤخذ النصف الآخر من البنت، فإن بانت ذكورته رجعت عليه.
انتهى كلامه.
لم يصحح شيئًا منهما في "الروضة" أيضًا وإنما زاد فقال: كان ينبغي أن يجيء وجه الاقتراض ولا يؤخذ من البنت شيء، والذى قاله صحيح، والراجح من الوجهين هو الثاني؛ كذا رجحه ابن الصباغ فقال: إنه القياس.
والأمر كما قال؛ فإن الأصل عدم المرجح.

قوله: تقدم نفقة الزوجة على نفقة الأقارب.
هكذا أطبق عليه الأصحاب لأن نفقتها آكد لأنها وجبت عوضًا،

الجزء: 8 - الصفحة: 116

واعترض الإمام بأن نفقتها إذا كانت كذلك كانت كالديون ونفقة القريب في مال المفلس تقدم على الديون، وخرج لذلك احتمالًا في تقديم القريب وأيده بالحديث أن رجلًا قال للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: معي دينار فقال: "أنفقه على نفسك" فقال: معي آخر فقال: "أنفقه على ولدك" فقال معى آخر.
فقال: أنفقه على أهلك 20. فقدم [نفقة الولد على الأهل.
انتهى كلامه.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود بإسناده عن سفيان عن محمد بن عجلان عن سعيد بن الفضل بن أبي سعيد المقري عن] 21 أبي هريرة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأخرجه النسائى 22 بإسناده عن إسحاق بن سعيد القطان عن محمد بن عجلان .. إلى آخر السند المذكور في أبي داود وفيه تقديم الزوجة على الولد؛ فتعارضت الروايتان.

قوله: وذكر أنه لو اجتمع جدان في درجة واحدة وأحدهما عصبة كأبى الأب مع أبي الأم فالعصبة أولى، وأنه لو اختلفت الدرجة واستويا في العصوبة أو عدمها فالأقرب متقدم وإن كان الأبعد غيره تعارض القرب والعصوبة فيستويان.
انتهى كلامه.
وما ذكره في آخره من استواء القرب والعصوبة خلاف الصحيح، فاعلمه؛ فقد ذكر في النكاح في إعفاف الجد أنه دائر مع النفقة وأنه لو كان الأبعد عصبة قدم في الأصح.
ومما ذكره هناك يعلم أن الصحيح عند اجتماع المنفقين هو التقديم بالإرث أيضًا على خلاف ما أشعر به كلامه عند ذكره لهذه المسألة، وهو قبيل هذا الموضع بنحو ورقتين، وقد تقدم هناك الوعد بذكره.

الجزء: 8 - الصفحة: 117

واعلم أنه ليس في كلام الرافعي ولا في كلام "الروضة" تصريح بتعيين ذاكر هذه الفروع؛ فإن قبله ذكر الروياني وذكر البغوي وكل منهما يحتمل عود الضمير إليه والبغوي أقرب في اللفظ وهو القائل فاعلمه.

قوله: أب وابن إن كان الابن صغيرًا قدم وإلا فهل يقدم الابن أم الأب أم يستويان؟ فيه ثلاثة أوجه: ثالثها اختيار القفال.
انتهى.
لم يصحح في "الروضة" أيضًا شيئًا من هذا الخلاف والصحيح تقديم الأب.
كذا صححاه في باب زكاة الفطر.

قوله: أب وأم، تُقدم الأم على الأصح، وقيل: الأب، وقيل: يستويان.
انتهى.
وما صححه هنا من تقديم الأم تبعه عليه أيضًا في "الروضة" وهو مخالف لما سبق منهما في زكاة الفطر؛ فإنهما صححا هناك تقديم نفقة الأب، وقد تقدم ذكر لفظه هناك فراجعه.
واعلم أن الرافعي قد أهمل صورا من اجتماع الآخذين منها: الأم والبنت، وهو قياس الأب مع الابن.
ومنها: الجد مع الجدة، فإن كانت مساوية له في الدرجة فهي قياس الأم مع الأب، فإن كان هو أعلى منها فهو قياس اجتماع الجد مع الأم، وإن كانت هي أعلى فكالجدة مع الأب.

قوله: وفي "البحر" أنه لو كان له ولدان ولم يقدر إلا على نفقة أحدهما وله أب موسر وجب على الأب نفقة الآخر، فإن اتفقا على الإنفاق بالشركة أو على أن يختص كل واحد بواحد فذاك، وإن اختلفا عمل بقول من يدعو إلى الاشتراك.
وذكر أنه لو كان للأبوين المحتاجين ابن لا يقدر إلا على نفقة أحدهما وللابن ابن موسر فعلى ابن الابن باقي نفقتهما، فإن اتفقا على أن ينفقا عليهما بالشركة أو على أن يختص كل واحد منهما بواحد فذاك، وإن اختلفا رجعنا إلى اختيار الأبوين إن استوت نفقتهما، وإن

الجزء: 8 - الصفحة: 118

اختلفت اختص أكثرهما نفقة بمن هو أكثر يسارًا.
وجوابا الصورتين متقاربان كما ترى والقياس أن يسوي بينهما بل ينبغي في الصورة الثانية أن يقال: تختص الأم بالابن تفريعًا على الأصح وهو تقديم الأب على الأم، وإذا اختصت به تعين الأب لإنفاق ابن الابن.
انتهى كلامه.
وما بحثه في الصورة الثانية تابعه عليه في "الروضة" أيضًا، وهو غير متجه لأن تصحيحهم تقديم نفقة الأم إنما ذكروه حيث لم يكن بعد الابن من تجب عليه نفقة الأم، وتعليلهم بعجز النسوة يدل عليه، وإذا كان كذلك امتنع ما قاله من تقديمها على الأب، ولابد من نقل صريح في هذه المسألة على ما قاله سَلّمْنا لكن إنما يتم هذا أن لو سَلّم عن ورود مثله في حق ابن الابن لكنه غير سالم؛ وذلك لأن الأم والأب على حد واحد في حق ابن الابن فكما تتقدم الأم على الأب في حق الابن فتتقدم الجدة على الجد في حق ولد الولد لأنه لا فرق بينهما؛ فيندفع ما قاله من تعين الأب لإنفاق ابن الابن.
وما ذكره الروياني أيضًا في الصورة الثانية من اختصاص أكثرهما نفقة بالأكثر يسارًا لا يستقيم على إطلاقه بل الذى ينبغي أن يختص به إنما هو القدر الزائد الذى هو موسر به وما عداه هو محل التراحم.

قوله: ولا تجب على العبد نفقة ولده ولكن إن كانت الأم حرة فالولد حر وعليها نفقته.
انتهى.
وما ذكره ليس بلازم فقد تعتق الأم ويبقى الولد على رقه.

قوله: ولو استولد المكاتب جارية نفسه وإن كنا لا نُجوز له ذلك فيتكاتب الولد عليه.
انتهى كلامه.
وما ذكره من منع التسرى تابعه عليه في "الروضة" ومقتضاه امتناعه وإن كان بإذن السيد، وفيه اضطراب وقع في كلامه وكلام "الروضة" أيضًا تقدم التنبيه عليه في معاملات العبيد وغيرها.

الجزء: 8 - الصفحة: 119

قوله: وهل تجب نفقة المكاتب على ولده الحر؟ عن "الحاوي" أنه يحتمل وجهين: أحدهما: لا؛ لبقاء أحكام الرق.
والثاني: نعم؛ لانقطاع النفقة عن سيده.
انتهى.
وهذا الكلام يقتضي أن الرافعي -رحمه الله- لم يقف في هذه المسألة على نقل، وقد تابعه عليه في "الروضة" أيضًا، وزاد فقال: الأول أصح لأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم فلينفق من كسبه، فإن تعذر عجز نفسه والنفقة على سيده.
هذا كلامه.
وما قالاه غريب جدًا؛ فإن المسألة منقولة موجودة في كلامهما مجزوم بها على العكس من هذا التصحيح المذكور هنا، ذكرا ذلك في أول كتاب قسم الصدقات، وقد ذكرت لفظه هناك فراجعه.

قوله: من نصفه حر ونصفه رقيق قال في "البسيط": الظاهر أنه تلزمه نفقة القريب لأنها كالغرامات.
وهل تلزمه نفقة تامة أم نصفها؟ وجهان حكاهما ابن كج.
انتهى.
وما نقله عن "البسيط" من ترجيح الوجوب وأقره عليه قد تبعه عليه في "الروضة"، وزاد فصحح وجوب نفقة كاملة قال: لأنه كالحر بدليل الكفارة، وما ذكراه من إيجابها عليه يقتضى إلحاقه بالموسرين، وفيه كلام سبق في أوائل النفقات فراجعه.

قوله: ولو كان من نصفه حر ونصفه رقيق محتاجًا هل يلزم قريبه الحر نفقته بقدر ما فيه من الحرية؟ وجهان حكاهما ابن كج.
والراجح على ما قاله في "الروضة" هو الوجوب قال: ويمكن بناؤهما على أنه هل يورث، وهذا الذى قاله من البناء عجيب؛ فإن النفقة ليست دائرة مع الإرث؛ ألا ترى أنا نوجب نفقة أولاد البنات والجد للأم والمخالف في الدين.

الجزء: 8 - الصفحة: 120

الباب الثالث: الحضانة

قوله في "الروضة": لكن لاستحقاق الأم شروط: أحدها: كونها مسلمة إن كان الطفل مسلمًا بإسلام أبيه.
. . . إلى آخره.
والتقييد بإسلام الأب ذكر الرافعي نحوه أيضًا والصواب حذفه لأنه لو كان مسلمًا بإسلام بعض أجداده أو جداته أو بالسبى كان كذلك أيضًا، وكلامهم بعد هذا يؤخذ منه.
ولم يذكر من الشروط كونها بصيرة، وهو يقتضي أن العمياء تثبت لها الحضانة، وهو كذلك؛ فإن الحضانة عبارة عن القيام بحفظ الطفل ومصالحه في نفسه، والحاضنة لا يجب عليها تعاطيه بنفسها بل لها أن تستنيب فيه.
وقد صرحوا في باب الإجارة أنه يجوز استئجار الأعمى في الحفظ إجارة ذمه لا إجارة عين.

قوله: ولو وصف صبى منهم الإسلام -أي: من أهل الذمة- نزع من أهل الذمة ولم يمكنوا من كفالته صححنا إسلامه أو لم نصححه احتياطًا للإسلام.
انتهى كلامه.
ذكر في "الروضة" نحوه أيضًا وهو يوهم أو يدل بظاهره على أنه لا يجوز تركه في أيديهم، وليس كذلك بل الصحيح الجواز.
كذا ذكره الرافعي في كتاب اللقيط وتبعه عليه في "الروضة" لكن ذكر أيضًا في باب الهدنة كما ذكر هاهنا بل عبر بعبارة هي أصرح من هذا في الإيجاب.

الجزء: 8 - الصفحة: 121

قوله: والطفل الكافر هل يثبت لقريبه المسلم حق حضانته؟ قال في "التتمة": الصحيح من المذهب ثبوته.
قال: ويجرى هذا الخلاف فيما إذا جُنّ الذمى وله قريب مسلم هل يثبت له حق الحضانة؟ انتهى.
صحح في "الروضة" ما قاله في "التتمة" فقال: والطفل الكافر والمجنون الكافر تثبت لقريبه المسلم حضانته وكفالته على الصحيح.
هذا لفظه.
ومقتضاه أن الحكم جار في الأصول وغيرهم على الإطلاق، وقد ذكر في كتاب اللقيط من أصل "الروضة" كلامًا يخصص هذا فقال: فرع: المحكوم بكفره إذا بلغ مجنونًا حكمه حكم الصغير حتى إذا أسلم أحد والديه تبعه، وإن بلغ عاقلًا ثم جن فكذلك على الأصح.
هذا كلامه.
ومقتضاه أن لا فرق في ذلك بين ابتداء الإسلام ودوامه حتى إذا جن البالغ الذى أبوه مسلم كان كذلك.

قوله: ولا حضانة لرقيقه، ثم إن كان الولد رقيقًا فحضانته على السيد.
وهل له نزعه من الأب وتسليمه إلى غيره؟ وجهان بناء على القولين في جواز التفريق.
ولو كانت الأم حرة والولد رقيقا بأن سُبى طفلا ثم أسلمت أمه أو قتلت الذمية فحضانته للسيد وفي الانتزاع منها الوجهان: انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة"، فيه أمور: أحدها: أن أمّ ولد الكافر إذا أسملت فإن ولدها يتبعها في الإسلام وحضانته لها وإن كانت رقيقة.
كذا نقله الرافعي في كتاب أمهات الأولاد عن أبي إسحاق المروزي وأقره ونقل معه عنه حكمًا آخر فاعترض عليه في

الجزء: 8 - الصفحة: 122

"الروضة" في ذلك وارتضى هذا وكأن المعنى فيه فراغها لمنع السيد من قربانها مع [وجوب نفقتها] 23. الأمر الثاني: أن تصوير حرية الأم ورق الولد بالتصوير النادر الذي ذكره -وهو السبي والذمية- عجيب؛ فإن أسهل من ذلك كله أن يصور بما إذا اشتراها ثم أعتق الأم، ولا شك أنه لم يستحضر هذا التصوير ثم إن النووي في "الروضة" قد عبر بقوله بأن أعنى بباء الجر الداخلة على أن التفسيرية المقتضية للحصر في هذا التصوير فليته مع ذلك عبر بكاف التشبيه كما عبر به الرافعي.
الأمر الثالث: أنه أراد بقبول الذمية دخولها بأمان؛ فاعلمه.

قوله: ويشترط كونها أمينة فلا حضانة لفاسقة.
انتهى.
سكت -رحمه الله- عن مستورة الحال فلم يصرح بحكمها، وقد ذكر النووي في "فتاويه" أنه لابد من ثبوت أهلية الأم للحضانة عند القاضي إذا نازعها الأب أو غيرها من المستحقين، لكن جزم الماوردي في "الحاوي" والروياني في "البحر" بالاكتفاء بالستر وأنه لا ينزع منها الولد إلا إذا ثبت فسقها.
وهذا واضح.
وذكر النووي في باب الحجر ما يوافقه، وقال من زوائده: وهل يحتاج الحاكم إلى ثبوت عدالة الأب والجد لثبوت ولايتهما وجهان حكاهما القاضي أبو الطيب والشاشي وآخرون، وينبغي أن يكون الراجح الاكتفاء بالعدالة الظاهرة، والله أعلم.
فإذا كان الراجح عنده هو الاكتفاء بذلك في التصرف في المال فبطريق الأولى في الحضانة لأن احتراز الآباء على ذات الطفل أشد من احترازهم على ماله بالاستقراء؛ فلزم من ذلك كله بطلان ما قاله النووي في "فتاويه" هنا.

الجزء: 8 - الصفحة: 123

وقد سبق الكلام في باب الحجر على طرف من هذه المسألة فراجعه.

قوله: فلو نكحت أجنبيًا سقطت حضانتها لما سبق من الخبر، وروي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "الأيم أحق بولدها مما لم تتزوج" 24. انتهى.
وأشار بالخبر السابق لقوله -عليه السلام-: "أنت أحق به ما لم تنكحي" 25. إذا علمت ذلك ففيه أمران: أحدهما: أن الحديثين لا دلالة فيهما على سقوط حضانتها؛ إنما يدلان على عدم تقديمها؛ وحينئذ فيحتمل السقوط كما قالوه ويحتمل التساوي حتى لا يقدم أحدهما إلا بقرعة أو تخيير من الطفل أو اجتهاد من الحاكم أو غير ذلك.
الأمر الثاني: أن ما أطلقه من سقوط حضانتها بالتزويج تستثنى منه مسألة ذكرها في آخر كتاب الخلع نقلًا عن فتاوى القاضي الحسين فقال: لو خالع زوجته بألف وحضانة الصغير سنة فتزوجت في أثناء السنة لم يكن له انتزاع الولد منها بتزوجها لأن الإجارة عقد لازم.

قوله: ونَصّ الشافعي - رضي الله عنه - على أن الجدة إذا تزوجت جد الطفل لا يبطل حقها من الحضانة؛ وعلل بأنه ولى تام الشفقة قائم مقام الأب.
انتهى.
وهذا التعليل يؤخذ منه تصوير ذلك بالجد أب الأب خاصة حتى لو

الجزء: 8 - الصفحة: 124

تزوجت بأبي الأم بطل حقها وهو كذلك على ما صرح به النووي في "فتاويه" وفي "لغات التنبيه" وفي الجد أبي الأم وجه أن الحضانة لا تبطل أيضًا لأن له الحضانة في وجه، وقد قال الرافعي: إن الأم متى تزوجت ممن له حق في الحضانة لا تسقط.

قوله: الثانية: إذا امتنعت الأم من الحضانة أو غابت انتقلت الحضانة إلى الجدة في أصح الوجهين كما لو ماتت أو جنت.
والثاني: لا لولاية النكاح، وذكروا على هذا أن الحضانة تكون للأب ونزلوه منزلة السلطان، وهو بعيد، وحق التشبيه أن تكون للسلطان، وبه قال ابن الحداد: والفرق على الأول أن التزويج ممكن من الغائب بخلاف الحضانة.
انتهى ملخصًا.
وهذا الفرق إنما يستقيم في مسألة الغيبة، والكلام في شيئين في الغيبة والامتناع وجزم في "النهاية" بأن الغيبة تنقل إلى الأبعد، وحكى الوجهين في الامتناع وقاس وجه الانتقال في الامتناع على الغيبة، وكلام الوسيط مشعر به أيضًا، وكأن الفرق تعذر حضانتها مع الغيبة دون الامتناع، فلما كانت حضانتها ممكنة في صورة الامتناع أمكن القول بالنيابة عنها بخلاف الغيبة، وقد ذكر في "الروضة" في آخر المسألة كلامًا هو بعض ما سبق في أولها؛ فاعلمه، وفي الرافعي قريب منه أيضًا.

قوله: ولو نكحت عم الطفل فوجهان: أصحهما لا تبطل حضانتها لأن العم صاحب حق في الحضانة وشفقته تحمله على رعاية الطفل فيتعاونان على كفالته.
ثم قال بعد ذلك: وهذان الوجهان يطردان في كل من لها حضانة نكحت قريبًا للطفل له حق في الحضانة.
بأن نكحت أمه ابن عم الطفل أو عم أبيه، أو نكحت خالته عم

الجزء: 8 - الصفحة: 125

الطفل، أو نكحت عمته خاله.
هكذا ذكره الشيخ أبو علىّ وغيره.
انتهى كلامه.
وما ذكره في آخر كلامه من أن الخال له حق في الحضانة تبعه عليه في الروضة، والصحيح أن الخال وكل محرم ذكر غير وارث كالجد للأم لا حق له فيها كما ذكره بعد ذلك في الكلام على ترتيب المستحقين.

قوله: وإذا بلغت البكر فتقيم عند أبويها، فإن افترقا فعند أحدهما.
وهل تجبر على ذلك؟ فيه خلاف؛ ذهب العراقيون إلى أنها لا تجبر، وقال الإمام والغزالي: الأظهر أنها تجبر، وقال ابن كج: إنه ظاهر المذهب.
ثم صرح الغزالي باختصاص هذه الولاية بالأب والجد كولاية الإجبار في النكاح، وذكر البغوي في ثبوتها أيضًا للأخ والعم وجهين.
انتهى.
أما الخلاف الأول فالفتوى منه على ما قاله العراقيون فقد نقله الماوردي عن نص الشافعي فقال: وأكره للجارية أن تعتزل أبويها حتى تتزوج؛ لأن لا يسبق إليها ظن ولا تتوجه إليها تهمة إن لم تجبر على المقام معهما.
وأما الخلاف الثاني فالأرجح منه كما قاله النووي: هو الثبوت.

قوله: وهذا إذا لم تكن تهمة ولم تزن بريبة، فإن كان فللأب والجد ومن يلي تزويجها من العصبات منعها من الانفراد.
انتهى.
تزن: بتاء مضمومة ثم زاي مفتوحة ثم نون مشددة، ومعناه: تذكر، ومنه قول حسان مدح عائشة -رضى الله عنها- عقب قصة أهل الإفك من جملة قصيدة 26: حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل

الجزء: 8 - الصفحة: 126

والحصان في البنت معناه: العفيفة؛ يقال: حصنت المرأة حصنًا بالضم فيهما فهي حصان بالفتح حاصن وحصنًا.
والرزان بالفتح أيضًا هو الوقور بمعنى العقل والسكينة.
والغرثى: بالغين المعجمة هي الجائعة كناية عن عدم الغيبة إذ يعبر عنها بأكل اللحم.

قوله: ونقل في العدة عن الأصحاب أن الأمرد إذا خيف من انفراده فتنة وانقدحت تهمة منع من مفارقة الأبوين.
انتهى.
قال في "الروضة": الجد كالأبوين في حق الأمرد.
قال: وكذا ينبغي أن يكون الأخ والعم ونحوهما؛ لاشتراك الجميع في المعنى.

قوله في أصل "الروضة": فأما إذا صار الصبي مميزًا فيخير بين الأبوين إذا افترقا سواء كان ابنًا أو بنتًا.
ثم قال: ويجرى التخيير بين الأم والجد عند عدم الأب، ويجري أيضًا بينهما وبين من على حاشية النسب كالأخ والعم على الأصح، وقيل: تختص به الأم، وفي ابن العم مع الأم هذان الوجهان إن كان الولد ذكرًا، فإن كان أنثى فالأم أحق بها قطعًا.
انتهى كلامه.
وما ادعاه في آخر كلامه من عدم الخلاف ليس كذلك، ولم يذكره الرافعي بل إنما نقله عن البغوي فاغتر النووي بنقله وسكوته؛ فقد حكى جماعة الوجهين من غير تفصيل بين الذكر والأنثى، واقتضى كلامهم التعميم وبه صرح الروياني في "البحر" فقال: وإذا لم يكن أب ولا جد فهل يخير الولد بين الأم وسائر العصبات؟ فيه وجهان: ثم قال ما نصه: وقيل: إن كان ابن عم لا تخير الجارية بينه وبين الأم، إذ لا يحل له الخلوة بها.

الجزء: 8 - الصفحة: 127

قال القفال: إلا أن تكون صغيرة لا يشتهى مثلها فحينئذ هي كالغلام، وهذا غريب؛ هذا لفظه، وجزم ابن الصباغ في "الشامل" بنحوه وقال: إنه إذا [كانت] 27 بنت سلمت إليها، وهو حاصل كلام الشيخ في "التنبيه" أيضًا؛ فإنه قال: فإن لم يكن له أب ولا جد وله عصبة غيرهما خير بين الأم وبينهم على ظاهر المذهب، فإن كان العصبة ابن عم لم تسلم البنت إليه.
هذا كلامه.
ثم إن النووي أقره عليه في تصحيحه وزاد عليه ما يؤكده فقال: الصواب أن ابن العم تسلم إليه البنت الصغيرة التى لا تشتهى وإنه تسلم إليه المشتهاة أيضًا إذا كانت له بنت مميزة.

قوله نقلًا عن الروياني: ولو تدافع الأبوان كفالته وامتنعا منه فإن كان بعدهما من يستحق الحضانة كالجد والجدة خير بينهما، وإلا فوجهان: أحدهما: يخير الولد ويجبر من اختاره على كفالته؛ فعلى هذا لو امتنعا من الحضانة قبل سن التمييز يقرع بينهما ويجبر من خرجت قرعته على حضانته.
والثاني: يجبر عليها من تلزمه نفقته.
انتهى.
والأصح هو الثاني.
كذا صححه الرافعي بعد هذا بنحو ورقة في أول الفصل الثاني وبالغ الترجيح فعبر بقوله: ولا شك أنه الأصح، وصححه أيضًا النووي من "زوائده" غير مستحضر لما ذكرناه من تصحيح الرافعي له هناك.

قوله: وأما الأنثى فلا تسلم إلى غير المحرم عند إرادة السفر.
قال في "التتمة": إلا إذا لم تبلغ حدًا تشتهى مثلها.
وفي الشامل أنه لو كانت له بنت ترافقه فتسلم إلى بنته.
انتهى.

الجزء: 8 - الصفحة: 128

واعلم أن الرافعي قد ذكر بعد هذا بنحو ثلاثة أوراق أن غير المحارم من العصبات الذكور كابن العم يستحق حضانة الأنثى على الصحيح.
ثم جزم بتسليم المشتهاة إذا كان له بنت، وهو نظير مسألتنا؛ فيكون الحكم فيها هو ما قاله في "الشامل" ولا يكون حكاية لوجه ضعيف.
نعم فيه كلام آخر.

قوله: الفرع الثاني: المنصوص أنه لا حضانة لكل جدة تسقط في الميراث وهي من تدلي بذكر بين [أنثيين] كأم أبي الأم وفي معني الجدة الساقطة كل محرم يدلي بذكر لا يرث كبنت ابن البنت وبنت العم.
ثم قال عقبه: الثالث الأنثى التي ليست بمحرم كبنتي الخال والخالة وبنتي العم والعمة في [استحقاقهن] الحضانة وجهان: أظهرهم عند الغزالي أنها لا تستحق لأن الحضانة تحوج إلى معرفة بواطن الأمور فالأولى تخصيصها بالمحارم.
والثاني: وهو الأشبه بكلام غيره، وهو الذي أورده الفوراني وصاحب "التهذيب" والروياني: نعم؛ لشفقتهن وهدايتهن بالأنوثة.
انتهى.
وما أشعر به كلامه من ترجيح الاستحقاق قد تبعه عليه في "الروضة" وعبر بالأصح، وهو مستقيم إلا في بنت الخال فإنها تدلي بذكر غير وارث وقد تقدم أن من كانت بهذه الصفة لا حضانة لها وإذا لم نثبتها لأم أبي الأم لهذا المعني مع وجود الولادة فيها فبطريق الأولى بنت الخال بخلاف بنت الخالة والعمة فإنها تدلي بأنثي وبخلاف بنت العم فإنها تدلي بذكر وارث.

قوله: فرع: لبنت المجنون حضانته إذا لم يكن له أبوان؛ ذكره ابن كج.
قال الروياني: ولو كان للمحضون زوجة كبيرة وكان له بها استمتاع

الجزء: 8 - الصفحة: 129

أو لها به استمتاع فهي أولى بكفالته من جميع الأقارب.
وكذا لو كان للمحضونة زوج كبير وهناك استمتاع وإلا فالأقارب أولى، فإن كانت قرابة له فهل ترجح تلك القرابة بالزوجية؟ على وجهين: انتهى.
ذكر مثله في "الروضة".
وما نقلاه عن الروياني قد سبقه إليه الماوردي والراجح من الخلاف عدم الرجحان فسيأتي في نظيره ترجيحه من كلام "الروضة" وهو مقتضي القواعد أيضًا.

قوله: ولو كان القريب وارثًا غير محرم كابن العم فله الحضانة على الصحيح.
ثم إن كان الولد ذكرًا أو أنثى لا تشتهي سلمت إليه، وإن بلغت حدا تشتهي لم تسلم إليه لكن له أن يطلب تسليمها إلى امرأة ثقة وتعطى أجرتها، فإن كانت له بنت سلمت إليه.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة".
وعبارة "المحرر": ولا تسلم إليه مشتهاة بل إلى ثقة بعينها.
انتهى.
وكلام "الشرح" و"الروضة" ليس فيه تقييد البنت بكونها ثقة ولابد منه كما شرطاه في الأجنبية وهو مقتضي كلام "المحرر" و"المنهاج".
ثم إن عبارتهما مختلفة في أن الثقة هي التى تتسلم أو هو الذى يتسلم، والأصوب الأول ولكن بإذنه لأن الحضانة له، فإن كانت مميزة غير بالغة فهو الذى يتسلم.

قوله: وفي ثبوت الحضانة للمعتق وجهان: أظهرهما: المنع لعدم القرابة التى هي مظنة الشفقة فعلى هذا لو كانت له قرابة وهناك من هو أقرب منه فهل يترجح لانضمام عصوبة القرابة إلى عصوبة الولاء؟ وجهان حكاهما الروياني؛ مثاله عم وعم أب معتق.
انتهى.

الجزء: 8 - الصفحة: 130

والأصح كما قاله في "الروضة" من زوائده عدم الترجيح.

قوله: وهل يقدم بنو الأعمام على أعمام الأب والجد؟ قال في "التتمة": نعم، ومنهم من يقتضي كلامه تأخرهم.
انتهى.
والصحيح هو الأول، وقد صححه النووي في أصل "الروضة" ولم ينبه على أنه من "زوائده" بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.

قوله في أصل الروضة: وإذا لم يوجد مستحق للحضانة من الأجداد والجدات فثلاثة أوجه: أحدها: تقدم النساء.
والثاني: العصبات.
ثم قال: والثالث -وهو الأصح-: لا يرجح واحد من الفريقين بل يقدم الأقرب فالأقرب، فإن استوى اثنان قدم الأنوثة.
ثم قال ما نصه: فعلى هذا يقدم بعد الآباء والأمهات الأخوة والأخوات، وتقدم الأخوات على الأخوة ثم بعد الإخوة بنات الأخوات ثم بنو الأخوة، وتقدم بنت الأخ على ابن الأخت اعتبارًا بمن تحضن، فإن فقدوا كلهم فالحضانة للخولة ثم العمومة، وتقدم الخالات على الأخوال والعمات على الأعمام.
انتهى موضع الحاجة من كلامه.
وهذا الذي ذكره من تقديم بنات الأخوة وبنات الأخوات على الخولة قد خالفه قبل ذلك في أوائل الضرب الأول فجزم بعكسه وهو تقديم الخالات على بنات الأخوات وبنات الأخوة وهو المذكور في "المحرر" و"المنهاج" و"الحاوي الصغير" وغيرهم، والرافعي سالم من صريح التناقض؛ فإنه في الشرحين نقل التصحيح المذكور في الموضع الثاني عن الروياني فقط لكنه أقره فاغتر النووي بذلك؛ فاعلمه.
واعتمد على الموضع الأول.

قوله: ولو كان من أهل الحضانة خنثي فهل يقدم على الذكر في

الجزء: 8 - الصفحة: 131

موضع لو كان أنثى لتقدم لاحتمال الأنوثة أم لا لعدم الحكم بها؟ وجهان انتهى.
والأصح كما قاله في "الروضة" من "زوائده" هو الثاني.

قوله؛ وإذا أخبر -أي؛ الخنثى- عن ذكورته أو أنوثته عمل بقوله في سقوط الحضانة، وهل يعمل به في استحقاقها؟ فيه وجهان حكاهما الروياني.
انتهى.
هذه المسألة مذكورة في مواضع من هذا الكتاب واختلفت فيها كلام النووي خاصة، وقد أوضحت ذلك في باب نواقض الوضوء فراجعه، والذى صححه هنا من "زوائده" أنه يعمل به.
قال: وهو الجاري على قواعد المذهب.

الجزء: 8 - الصفحة: 132

قال -رحمه الله

-: السبب الثالث للنفقة: ملك اليمين

قوله: وإذا كان له عبيد فالأولى التسوية بينهم في الإطعام والكسوة، وفيه وجه أنه يفضل [النفيس] على الخسيس.
وفي الجواري وجهان: أحدهما: التسوية كالعبيد، وأظهرهما تفضيل ذوات الجمال والفراهة للعادة.
ثم قال في كلامه على لفظ "الوجيز": وقوله في الكتاب: ولا يجب تفضيل النفيس في جنس الكسوة لفظ الوجوب لم يستعمله أكثر الأئمة.
ثم إن التفضيل لا يختص بالكسوة بل الطعام كالكسوة، ولفظه يشعر بتخصيص التفضيل بالسرية لكن لفظ الشافعي وعامة الأصحاب أن ذات الجمال والفراهة تفضل، ولم يفرقوا بين السرية وغيرها، بل صرح صاحب "التهذيب" بنفي الفرق.
انتهى.
فيه أمور: أحدها: أن الفراهة بالفاء هي الحذق والمعرفة، قال الجوهري: الفاره: الحاذق بالشيء، وقد فره بالفم يفره فهو فاره.
الأمر الثاني: أن كلامه يقتضي الإنكار على الغزالي في التعبير بالوجوب وفي تخصيصه بالكسوة وبالسرية وإنكار الثلاثة عجيب؛ أما الوجوب فقد صرح به إمام الحرمين فقال: ومنهم من فرق بين الجواري والعبيد.
وقال: العبيد يجوز التسوية بينهم، وأما الجواري اللواتي تكن بمحل التسرى فيجب التفاوت بينهن.
هذا كلام الأصحاب.
هذه عبارة الإمام بحروفه.
وأما التخصيص بالكسوة فقد صرح به [إمام] الحرمين أيضًا والشيخ في

الجزء: 8 - الصفحة: 133

"المهذب" والعمراني في "البيان" وزاد العمراني فقال: كما لا يستحب تفضيلها بالطعام.
وأما التفرقة بين السرية وغيرها فقد وقع أيضًا في "المهذب" و"التنبيه" و"البيان" وغيرها؛ فإنهم عبروا بالسرية كما عبر به في "الوجيز"، وقد اغتر في "الروضة" بما ذكره الرافعي فحذى في جميعه على ما قاله.

قوله: في الحديث: "إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم" 28. انتهى.
الخول بالخاء المعجمة وواو مفتوحتين وهو مفرد يقع على العبد والأمة.
وقال الفَرَّاء: إنه جمع خاول وهو الراعي، وقال غيره: هو مأخوذ من التخويل وهو التمليك حكاه الجوهري.

قوله: وروي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إذا جاء أحدكم خادمه بطعامه قد كفاه حريمه وعميله فليقعده فليأكل معه وإلا فليناوله أكلة من الطعام" 29، ويروى: "أنه إذا كفى أحدكم خادمه طعامه حره ودخانه فليجلسه معه فإن أبي فلينزع له لقمة" 30. والأكلة بالضم اللقمة، وروعها إذا رواها دسمًا، وأشار الشافعى في ذلك إلى ثلاثة احتمالات: أحدها: أنه يجب الترويغ والمناولة، فإن أجلسه معه فهو أفضل.
وثانيها: أن [الواجب] أحدهما لا بعينه وأصحها: أنه لا يجب واحد منهما.

الجزء: 8 - الصفحة: 134

ومنهم من نفي الخلاف في الوجوب وذكر قولين في أن الإجلاس أفضل أو هما متساويان، والظاهر الأول؛ ليتناول القدر الذى يشتهيه.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على نقل الثلاثة هكذا صرح بأنها أقوال، وقد يتوفق الناظر في تغايرها لأن حقيقة الأول التخيير، والثاني كذلك، والذي تحرر في المغايرة بعد اتحادهما في وجوب أحدهما أن الأول يقول بأفضلية الإجلاس والثاني يسوى بينهما، وفي أول كلام الرافعي وآخره إشعار به، ولما ذكر الغزالي في "الوسيط" هذه الثلاثة ذكر بدل الأول أنه يجب الترتيب، والذي ذكره جيد يدفع الاعتراض.
الأمر الثاني: أن الشافعي لما ذكر هذه الثلاث ذكر ما حاصله أن الأول واجب؛ فإنه قال في "المختصر" بعد ذكر الحديث: هذا عندنا -والله أعلم- على وجهين: أولاهما بمعناه أن إجلاسه معه أفضل، فإن لم يفعل فليس بواجب أو يكون بالخيار بين أن يناوله أو يجلسه، وقد يكون أمره إجباريًا عَبّر بالجيم.
هذه عبارته.
فقد رجح الاحتمال الأول فقال: إنه أولى لمعنى الحديث، ومعنى الاحتمال الأول أن إجلاسه معه ليس بواجب ولكنه أفضل، فإن لم يفعل فيجب أن يطعمه منه؛ إذ لو حمل ذلك على أنهما معًا غير واجبين لاتحد مع الاحتمال الثاني فظهر أن الراجح عند الشافعي هو الأول على خلاف ما رجحه الرافعي، والحديث المذكور روي مسلم في صحيحه معناه.

قوله: ولو لم يكن ولد الأمة من السيد بل مملوكا له من زوج أو زنا فهو كولده، وإن كان الولد حرا فله طلب الأجرة على الإرضاع ولا يلزمه التبرع به.
انتهى.

الجزء: 8 - الصفحة: 135

ذكر مثله في "الروضة" وهو يوهم عدم منعها من رضاعه أو سكت عنه، وصرح الماوردي بأن له المنع لأن إرضاعه على والده، قال: وكذلك لو كان مملوكًا لغيره.

قوله في المسألة: ولو رضي بأن ترضعه مجانًا لم يكن له الامتناع.
انتهى.
وتعبيره بقوله (رضي) وبلفظ (له) قد عبر به الرافعي أيضًا، وليس فيه بيان من يعود الضميران عليه.

قوله في "الروضة": لا يجوز للسيد أن يكلف رقيقة من العمل إلا ما يطيق الدوام عليه؛ فلا يجوز أن يكلفه عملًا يقدر عليه يومًا ويومين ثم يعجز عنه.
انتهى.
وهذا الذي ذكره عجيب غير مطابق لكلام الرافعي؛ فإن مقتضاه أنه إذا عجز عن حمل الشيء في يوم مثلًا لا يجوز تكليفه إياه ساعة، وأنه إذا أطاق الحمل في يومين فقط مثلا لا يجوز تكليفه الحمل فيهما، وليس كذلك، والذي قاله الرافعي ما نصه: ولا يجوز للسيد أن يكلف رقيقه من العمل إلا ما يطيقه ولا يكلفه الأعمال الشاقة إلا في بعض الأوقات ولا ما إذا قام به يومًا أو يومين عجز وضعف شهرًا أو شهرين.
هذا لفظ الرافعي، وهو صحيح واضح، ثم إن النووي ذكر بعد ذلك في العبد مثل ما ذكره هنا في البهيمة فقال من "زوائده": يحرم تحميلها ما لا تطيق الدوام عليه وإن كانت تطيقه يومًا ونحوه كما سبق في الرقيق.
هذه عبارته.

قوله: الثانية: إذا امتنع من الإنفاق على مملوكه باع الحاكم ماله في نفقته؛ وهل يبيع شيئا فشيئا أم يستدين عليه فإذا اجتمع عليه شيء صالح باع؟ فيه وجهان.
انتهى.

الجزء: 8 - الصفحة: 136

والأصح كما قاله في "الروضة" من "زوائده" هو الثاني.

قوله: ويبقي للنحل شيئا من العسل في الكوارة، فإن كان الإشبار في الشتاء وتعذر الخروج فينبغي أن يكون المتبقي أكثر.
انتهى.
واعلم أن الكواري بلا ألف ولا تاء موضع الزنابير التي يخرج منها العسل، والكوارة بضم الكاف وبالألف وبالتاء أيضًا في آخره هو العسل في الشمع؛ كذا قاله الجوهري؛ وحينئذ فالتعبير بالكور أقرب من التعبير بالكوارة.
وأما الإشبار فهو بالشين المعجمة، وقد سبق الكلام عليه في طلاق المكره.

قوله: لكن يكره ترك سقي الزرع والأشجار عند الإمكان لما فيه من إضاعه المال.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على هذا الحكم والتعليل، وما جزما به من أن إضاعة المال مكروهة قد خالفاها في مواضع صرحا فيها بأنها محرمة؛ منها في الجنايات في الكلام على إلقاء المتاع في البحر لإشراف السفينة على الغرق؛ وحينئذ فلا يجتمع ما ذكره من الحكم والتعليل بل إن ثبتت الإضاعة بطل القول بالكراهة، وإن ثبتت الكراهة بطل القول بكونه إضاعة.
والصواب أن يقال: إن كان سبب الإضاعة ترك أعمال كمسألتنا فلا حرمة لأن الأعمال قد تشق عليه، وإن كان عكسه كإلقاء المال في البحر حرمت.
ويشهد له أيضًا بيع نصف معين من ثوب ينقص بالقطع فقد قالوا بتحريمه وبطلانه وعللوه بالإضاعة، وقد ذهب الروياني في مسألتنا إلى التحريم ونقله عنه الرافعي في الباب الأول من كتاب الرهن في الكلام على ما إذا اتفق الراهن والمرتهن على ترك السقي إلا أنه صحح خلاف ما قاله.

الجزء: 8 - الصفحة: 137

فصول الكتاب · 72 فصل
فصول المهمات في شرح الروضة والرافعي
المقدمةالمقدمةمقدمة المحققمقدمة المؤلفكتاب الطهارةكتاب التيممكتاب الحيضكتاب الصلاةكتاب الصلاةكتاب الصلاة بالجماعةكتاب صلاة المسافرينكتاب الجمعةكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الحجكتاب البيعكتاب الرهنكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب العاريةكتاب الغصبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب الجعالةكتاب الوقفكتاب الهبةكتاب اللقطةكتاب اللقيطكتاب الفرائضكتاب الوصاياكتاب الوديعةكتاب قسم الفيء والغنيمةكتاب قسم الصدقاتكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب القسم والنشوزكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفاراتكتاب "العدد"كتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجراحكتاب الدياتكتاب دعوى الدمكتاب الجنايات الموجبة للعقوباتكتاب موجبات الضمانكتاب السيركتاب [عقد] (1) الجزية والمهادنةكتاب الصيد والذبائحكتاب الضحايا والعقيقةكتاب الأطعمةكتاب السبق والرميكتاب الأيمانكتاب [النذر]كتاب القضاءكتاب الشهاداتكتاب الدعاوى والبيناتكتاب التدبيركتاب الكتابةكتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل