كتاب الجنايات الموجبة للعقوبات
وهي سبع:
الجناية الأولى: البغي
قوله: عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - قال: بايعنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على السمع والطاعة في المنشط والمكره وأن لا ننازع الأمر أهله 1.
وما روي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه" 2.
وأنه قال: "من حمل علينا السلاح فليس منا" 3 وأنه قال: "من خرج عن الطاعة فميتته جاهلية" 4.
محمولة على من خالف بلا عذر.
انتهى.
أما المَنْشَط: فهو بميم مفتوحة بعدها نون ساكنة ثم شين معجمة مفتوحة.
قال ابن الأثير 5: هو مفعل من النشاط؛ وهو الأمر الذى ينشط له ويخف إليه ويؤثر فعله.
وأما المكره: فهو على وزن مفعل أيضًا.
وأما قيد شبر بكسر القاف فمعناه: قدر شبر.
الجزء: 8 - الصفحة: 282
وأما ربقة: فهو براء مهملة مكسورة ثم باء موحدة ساكنة بعدها قاف؛ وهي العروة التي في الحبل؛ وذلك أن صغار الغنم إذا أرادوا ربطها أخذوا حبلًا فجعلوا فيه عري ثم أدخلوا رأس كل واحدة في عروة، وتسمى كل واحدة من تلك العري ربقة، ويسمى الحبل نفسه ربقًا أي: بغير تاء التأنيث.
وأما الميتة بكسر الميم وهي هيئة الموت وحالته.
قوله: [ويشترط] أن يكون الإمام شجاعًا ليحمي البيضة، ذا رأي؛ فالرأي قبل شجاعة الشجعان.
ثم قال: فلا يصلح الناس فوضي.
انتهى.
قال ابن الأثير 6: بيضة الإسلام: مستقر دعوته وموضع سلطانه ومكان اجتماعه، ويقال لها: الحوزة، أيضًا يقال فلان مانع لحوزته أي: لما في حيزه، والحوزة فعلة منه.
وأشار بقوله: فالرأي قبل شجاعة الشجعان إلى قول المتنبي:
الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أول وهي المحل الثاني
وأشار بقوله: فلا يصلح الناس فوضي إلى قول [الأفوه] الأودي:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا
والبيت لا يبني إلا له عمد ... ولا عماد إذا لم ترس أوتاد
وفوضى: بفاء مفتوحة وواو ساكنة وضاد معجمة بعدها ألف.
قال الجوهري: تقول: قوم فوضي، إذا كانوا متساويين لا رئيس لهم، ثم أنشد بيت الأفوه السابق ذكره.
قوله: وفي عدد الذين تنعقد الإمامة ببيعتهم وجوه: أحدها: أربعون.
الجزء: 8 - الصفحة: 283
والثاني: أربعة.
والثالث: ثلاثة؛ لأنها مطلق الجمع.
والرابع: اثنان؛ لأن أقل الجمع اثنان.
والخامس: واحد.
والسادس -وهو الأصح- أن المعتبر بيعة أهل الحل والعقد ولو كان واحدًا.
انتهى.
وما ذكره في تعليله هذا الوجه من أن أقل الجمع اثنان ذكره كذلك القاضي الحسين في "تعليقته" ثم البغوي في "تهذيبه" فقلده فيه الرافعي وهو خلاف المشهور من مذهب الشافعي ومخالف لما جزم به أيضًا في مواضع منها الوقف على الفقراء غير المحصورين أو الوصية لهم وقسم الصدقات.
قوله: وهل يشترط في البيعة حضور شاهدين؟ فيه وجهان حكاهما في "البيان".
قال في "الروضة" من زوائده: الأصح أنه لا يشترط إن كان العاقدون جميعًا، وإن كان واحدًا اشترط ذلك، والمراد بالواحد أي: المطاع كما سبق.
وقوله: ويشترط في انعقاد الإمامة أن يجيب الذى يبايعوه، فإن امتنع لم تنعقد إمامته ولم يجبر عليها.
انتهى.
ومحل ما ذكره فيما إذا كان هناك غيره، فإن لم يكن من يصلح إلا واحد أجبر، وقد ذكر الرافعي في نظير هذه الصورة من القضاء خلافًا، وحكى عن الأكثرين أنه يجوز ثم استشكله، وسوف أذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
وادعى في "الروضة" هنا من زوائده أنه يجبر بلا خلاف، والقياس
الجزء: 8 - الصفحة: 284
تخريجه على الخلاف في القضاء إلا أن يفرق بأن أمر الإمامة أهم.
قوله: وتنعقد الإمامة أيضًا باستخلاف الإمام من قبل وعهده إليه كما عهد أبو بكر إلى عمر -رضي الله عنهما-، وانعقد الإجماع على جوازه.
انتهى.
وما نقله من الإجماع مردود؛ فإن فيه وجهين حكاهما الهروي في "الإشراف" فقال: ومن أصحابنا من قال: إنه لا يجوز إلا أن الناس؛ لأن أبا بكر استرضي الناس فرضوا وسكتوا، ولأن معاوية لما استخلف ولده قيل له: قد جعلت الخلافة إمارة كسروية يرد الأب على الابن.
هذا كلام الهروي.
وحكى الماوردي والروياني كلاهما في كتاب الوصاية عن بعضهم: أنه لا يصح إلا بالرضا، ورضاهم أن يعلموا به فلا ينكروا، كما وقع في استخلاف أبي بكر لعمر، وحكاه أيضًا الماوردي في "الأحكام السلطانية"، والإمام في "العتابي" وهو قريب من الأول.
قوله: قال صاحب "التهذيب": والاستخلاف أن يجعله خليفة في حياته ثم يخلفه بعد موته، ولو أوصى له بالإمامة من بعده ففيه وجهان لأنه بالموت يخرج عن الولاية فلا يصح منه توليه للغير.
ولك أن تقول أولا هذا التوجيه مشكل بكل وصاية، ثم ما ذكره من جعله خليفة في حياته إما أن يريد به استنابته فلا يكون هذا عهدًا إليه بالإمامة، أو يريد به جعله إمامًا في الحال فهذا إما خلع النفس أو فيه اجتماع إمامين في وقت واحد، أو يريد به أن يقول جعلته خليفة أو إمامًا بعد موتي، فهذا هو معني لفظ الوصية ولا فرق بينهما.
انتهى كلامه.
ولم يذكر -رحمه الله- في كيفية الاستخلاف غير هذه المقالة التي للبغوي،
الجزء: 8 - الصفحة: 285
وقد ظهر لك من كلامه -أي: كلام الرافعي- أنه لا فرق بين الوصية وبين أن يقول جعلته خليفة أو إمامًا بعد موتي، وقد اختصره في "الروضة" على غير وجهه، فإن مقالة البغوي المذكورة أولا لم يحكها بالكلية بل حكي شيئًا آخر، وذكر أيضًا ما يقتضي أن الرافعي يغاير بين الوصية بها وبين العقد بها له بعد موته فقال: والاستخلاف أن يعقد له في حياته الخلافة بعده، فإن أوصي له بالإمامة فوجهان حكاهما البغوي.
هذا لفظه من غير زيادة عليه.
واعلم أن ما ذكره البغوي قد أخذه من "تعليقه" شيخه القاضي الحسين؛ فإنه قال: وإذا استخلف الإمام واحدًا في مرضه خلفه بعد وفاته فيما كان يتولاه؛ لأنه لما خلفه في العجز الأوهى فلأن يخلفه في حال العجز الأقوي أولي.
وإذا أوصي إلى واحد بالإمامة بعده فوجهان: أحدهما: يجوز كما إذا استخلف في حياته.
والثاني: لا لأنه بالموت خرج عن أن يكون صالحًا للإمامة، ولم ينعقد الاستخلاف قبله.
هذا كلامه.
وقد علمنا به مراد البغوي وإن كان كلام "الروضة" غير مطابق له بالكلية؛ فتفطن لذلك كله.
وليس فيه ما يدل على أن الخليفة ينوب عن المستخلف في حال الحياة حتى يخرج ثبوت ولايته بعد الموت على انعزال ثواب الإمام بموته، بل معناه أنه صار في حياته خليفة بعد موته، والمحذور من اجتماع خليفتين ما يترتب على ذلك من اختلاف الكلمة، وليس ذلك في مسألتنا لأن أحدهما فرع عن الآخر وتصرفه موقوف على موته، وإنما جوزنا ذلك لاتفاق الصحابة عليه ومسيس الحاجة إليه جمعًا للكلمة ومنعًا للطالبين.
قوله: نقلًا عن الماوردي من غير اعتراض عليه: وإنه إذا خلع الخليفة نفسه كان كما لو مات فتنتقل الخلافة إلى ولي العهد، ويجوز أن
الجزء: 8 - الصفحة: 286
يفرق بين أن يقول: الخلافة بعد موتي لفلان أو بعد خلافتي.
انتهى كلامه.
زاد النووي فقال: قلت: توقف إمام الحرمين في كتابه "الإرشاد" في انعزال الإمام بعزل نفسه، والله أعلم.
والذي ذكره النووي أصلًا وزيادة يقتضي أن ما ذكره الماوردي هو المعروف وأنه لم يظفر بما يخالفه إلا هذا التوقف المذكور عن الإمام، وهو غريب؛ فقد ذكر المسألة بعد هذا بنحو ورقة من "الروضة" فقال: ولو خلع الإمام نفسه نظر إن خلع لعجزه عن القيام بأمور المسلمين لهرم أو مرض أو نحوهما انعزل، ثم إن ولي غيره قبل عزل نفسه انعقدت ولايته وإالا فيبايع الناس غيره.
وإن عزل نفسه بلا عذر ففيه أوجه: أصحها: لا ينعزل، وبه قطع صاحب "البيان" وغيره.
والثاني: ينعزل لأن إلزامه الاستمرار قد يضره في آخرته ودنياه.
والثالث: وبه قطع البغوي-: إن لم يظهر عذرًا بعزل نفسه ولم يول غيره أو ولي من هو دونه لم ينعزل، وإن ولي مثله أو أفضل ففي الانعزال وجهان.
هذا لفظ "الروضة".
ولم يطلق الرافعي التصحيح وإنما حكى ما صححه النووي عن صاحب "البيان" وغيره.
قوله أيضًا نقلًا عنه: وإنه إذا عهد إلى اثنين أو أكثر على الترتيب فقال الخليفة بعد موتي فلان وبعد موته فلان جاز وانتقلت الولاية إليهم على ما رتب كما رتب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمراء جيش مؤتة.
انتهى.
وترتيب الأمراء المذكورين اختلف فيه كلام الرافعي فذكر في الباب الرابع من أبواب الوصية خلاف ما ذكره في الباب الأول من أبواب الوكالة، وقد سبق ذكر لفظ البابين في موضعهما وبينا وجه الصواب فيه.
الجزء: 8 - الصفحة: 287
ومؤتة: بميم مضمومة ثم همزة ساكنة ثم تاء بنقطتين من فوق: موضع بالشام قريب من الكرك وفيه مشهد عظيم في موضع الوقعة.
فيه قبور الأمراء المذكورين -رضي الله عنهم-.
قوله: ولو سبق أحدهما وتعين واشتبه وقف الأمر حتى يظهر، فإن طالت المدة ولم يمكن الانتظار فقد ذكر الماوردي أنه تبطل البيعتان وتستأنف بيعة لأحدهما، وفي جواز العدول إلى غيرهما خلاف.
انتهى.
والأصح كما قاله في "زوائد الروضة": المنع.
قوله: وهل للإمام عزل ولي العهد؟
قال المتولي: نعم، والماوردي: لا، لأنه ليس ثابتًا له بل المسلمين.
انتهى.
والأصح هو الثاني.
كذا صححه للإمام في "العتابي" والنووي في "زوائده".
قوله: ثم إن صرحوا بسب الإمام أو غيره من أهل العدل عزروا، وإن عرّضوا ففي تعزيرهم وجهان.
انتهى.
لم يصحح شيئًا في "الشرح الصغير" أيضًا، والأصح عدم التعزير.
كذا جزم به المحاملي في "المقنع" والبغوي في "التهذيب" والشيخ أبو إسحاق في "التنبيه"، وصححه الجرجاني في "التحرير"، وكلام "الروضة" يشعر به؛ فإنه قال: الأصح أنهم لا يعزرون قاله الجرجاني وقطع به في "التنبيه".
ويقتضي أنه لم يقف على ترجيح لغير هذين، ولا شك أن الأكثرين ساكتون عن الترجيح.
ممن سكت عنه القاضي أبو الطيب في "تعليقه" والماوردي في "الحاوي"
الجزء: 8 - الصفحة: 288
وسليم الرازي في "المجرد" والإمام في "النهاية" والشاشي في "الحلية" والجرجاني في "الشافي" والروياني في "البحر" والعمراني في "البيان"، واستدل الإمام على التعزير بأن التعريض حرام، وشذ أبو نصر البندنيجي فجزم في كتابه العمد بالتعزير، وصححه ابن عضرون في "الانتصار".
قوله: ولو بعث إليهم واليًا فقتلوه فعليهم القصاص.
وهل يتحتم قتل قاتله كقاطع الطريق لأنه شهر السلاح؟ أم لا.
لأنه لم يقصد إخافة الطريق؟ وجهان.
انتهى.
والأصح في "زوائد الروضة": إنه لا يتجه.
قوله: وإن كان لهم قاض قال المعتبرون من الأصحاب: ينظر إن كان يستحل دماء أهل العدل لم ينفذ حكمه لأنه ليس بعدل ومن شرط القضاء العدالة، ومنهم من يطلق نفوذ قضائهم رعاية لمصلحة الرعايا، وصرح مصرحون أن من ولاه صاحب الشوكة نفذ قضاؤه وإن كان جاهلًا أو فاسقًا كقضاء أهل البغي، وإن لم يكن قاضيهم يستحل الدماء والأموال نفذ حكمه.
ثم قال: وعندنا ليس البغي بفسق على ما قدمناه، ومن الأصحاب من قسم البغي إلى ما هو فسق وإلي ما ليس بفسق، ويرد قضاء الباغي الذي بغيه فسق.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره أولًا صريح في أن الباغي الفاسق ببغيه لا ينفذ قضاؤه، وهو مخالف لكلامه في كتاب القضاء فإنه حكى هذا وجهًا وأبداه في صورة المستغرب ومثل بأهل الهروان وهم ممن يستحل الدماء والأموال، وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى.
الثاني: أن ما ذكره آخرًا يقتضي تصحيح انتفاء الفسق بالكلية عن البغي
الجزء: 8 - الصفحة: 289
وجزم في كتاب القضاء بانقسامه إلى فسق وغيره، ولكن حكي الخلاف في صحة قضائه وسنذكره أيضًا.
وقد ذكر في كتاب الشهادات وكذلك النووي ما حاصله أنه لا فرق بين من يستحل الأموال والدماء في تنفيذ قضائه أم لا ونقله عن نص الشافعي فإنه نص على قبول شهادته وإن اتصف هذا الوصف، وذلك كله على خلاف المذكور هنا وهو الصواب أيضًا لموافقة النص.
قوله: وإن كتب قاضيهم بسماع البينة دون الحكم المبرم فهل يحكم قاضينا به؟ ، فيه قولان: أحدهما: لا لما فيه من معاونة أهل البغي وإقامة مناصبهم، وأصحهما: نعم.
انتهى كلامه.
وما ذكره من حكاية الخلاف قولين ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا وخالف في "المحرر" فحكاه وجهين فقال: ويحكم بكتاب سماع البينة في أصح الوجهين.
هذا لفظه.
وتبعه النووي في "الروضة" و"المنهاج" على هذا الاختلاف.
قوله: ولو أتلف البغاة أو من لهم شوكة شيئًا في حال القتال فلا ضمان عليهم في أصح القولين ترغيبًا في تسكين الفتنة.
ولو ارتدت طائفة لهم شوكة وأتلفوا مالًا أو نفسًا في القتال ثم تابوا وأسلموا ففي ضمانهم القولان: أشهرهما -عن بعضهم- لا ضمان، وخالفه البغوي.
انتهى.
وما ذكره في المرتدين قد ذكر نحوه في كتاب الردة، ولم يصرح في البابين بتصحيح، والصحيح وجوب الضمان كما أوضحته هناك فراجعه.
قوله: ولا يقتل أسيرهم، فلو قتله عادل ففي وجوب القصاص عليه وجهان لشبهة خلاف أبي حنيفة.
انتهى.
الجزء: 8 - الصفحة: 290
والأصح أنه لا قصاص؛ فقد نقله في "البحر" عن نص الشافعي في "البويطي" وصرح بتصحيحه النووي من "زوائده" غير مطلع على هذا النص، ونقل أيضًا في "البحر" قبل ذلك بأوراق أن الشافعي نص فيه على أنه لا قصاص أيضًا على قاتل المدبر ولا على المذفف على الجريح لشبهة أبي حنيفة؛ فإنه جوز ذلك فيهما أيضًا، ولم يتعرض الرافعي لذلك إلا أن المسائل الثلاث متقاربة في المعنى.
قوله في أصل "الروضة": ولو انقضت الحرب وجمعوهم باقية لم يطلق الأسير إلا أن يبايع، وإن بذل الطاعة أو تفرقت جموعهم أطلق.
ثم قال: هذا في أسير هو أهل للقتال، فأما إذا أسُر نساؤهم وأطفالهم فيحبسون إلى انقضاء القتال ثم يطلقون هذا هو الأصح.
انتهى.
وما ذكره في النساء والصبيان قد جزم في "المنهاج" بعكسه فقال: ولا يطلق وإن كان صبيًا أو امرأة حتى تنقضي الحرب ويتفرق جمعهم.
هذا لفظه.
والرافعي سالم من هذا الاختلاف؛ فإنه جزم في "المحرر" بمثل ما جزم به في هذا الكتاب -أعني: الشرح- فقال: ولا يطلق الأسير قبل انقضاء الحرب ولا بعد الانقضاء إذا كانت جموعهم باقية إلا أن يرجع إلى الطاعة باختياره، وإذا وقع نساؤهم وصبيانهم في الأسر حبسوا إلى انقضاء القتال ثم يخلون.
هذا لفظه فاختصره في "المنهاج" على غير ما هو عليه؛ فتحرر أن الصواب هو المذكور في غير "المنهاج".
قوله: حتى إنه -يعني: عليا- - رضي الله عنه - قتل بنفسه ليلة الهرير ألفًا وخمسمائة.
انتهى.
الجزء: 8 - الصفحة: 291
والهرير: بهاء مفتوحة ثم راء مكسورة ثم ياء بنقطتين من تحت بعدها راء مهملة هي والتي قبلها؛ وهي حرب وقعت بينه وبين الخوارج، وكان بعضهم يهر على بعض فسميت بذلك، وقيل: هي ليلة صفين بين على - رضي الله عنه - ومعاوية.
وصفين: بصاد مهملة مكسورة بعدها فاء مشددة ثم ياء ثم نون؛ وهي اسم لمكان الوقعة.
وقد ذكر هنا ألفاظا أخرى.
منها: ابن ملجم قاتل على - رضي الله عنه -، اسمه عبد الرحمن، وملجم: بضم الميم وفتح الجيم، هو من بني مراد وكان من الخوارج.
ومنها: الاصطلام: ومدلوة الاستئصال وهو افتعال من الصلم وهو استئصال الأذنين؛ يقال: صلمت أذنه أصلمتها صلما على وزن ضربت أضرب ضربا إذا استأصلها فهو أصلم.
قوله في أصل "الروضة": السادسة: لو استعان البغاة علينا بأهل الحرب وعقدوا لهم ذمة ليقاتلوا معهم لم ينفذ أمانهم علينا فلنا أن نقتلهم مدبرين.
ثم قال: فلو قالوا: ظننا أنه يجوز لنا أن نعين بعض المسلمين على بعض، أو ظننا أنهم المحقون، أو ظننا أنهم استعانوا بنا في قتال الكفار، فوجهان: أصحهما أنا نبلغهم المأمن.
انتهى.
وهذا الذي ذكره فيما إذا قالوا ظنناهم محقين له شرط آخر وهو أن يقولوا: ظننا أيضًا أن لنا إعانة المحق؛ كذا صرح به الرافعي في الشرحين "الكبير" والصغير ولكن أهمله من "الروضة" ولم يتعرض له أيضًا في "المحرر".
الجزء: 8 - الصفحة: 292
الجناية الثانية: الردة
قال: الجناية الثانية: الردة.
قوله: وأما التفصيل فقال المتولي: من اعتقد قدم العالم أو حدوث الصانع أو نفي ما هو ثابت للقديم بالإجماع ككونه عالمًا وقادرًا أو أثبت ما هو منفي عنه بالإجماع كالألوان، أو أثبت له الانفصال والاتصال، أو استحل محرمًا بالإجماع أو حرم حلالًا بالإجماع، أو نفي وجوب شيء مجمع على وجوبه أو اعتقد وجوب ما ليس بواجب بالإجماع كفر.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن المجسمة ملتزمون بالألوان والاتصال والانفصال مع أننا لا نكفرهم على المشهور كما دل عليه كلام الرافعي في الشهادات ووافقه عليه في "الروضة" لكن جزم النووي في باب صفة الأئمة من "شرح المهذب" بتكفيرهم؛ ذكر ذلك قبيل الكلام على منع اقتداء الرجل بالمرأة.
الأمر الثاني: أن جحد المجمع عليه ليس بكفر على الإطلاق بل فيه تفصيل سبق في باب تارك الصلاة.
قوله: وفي كتب أصحاب أبي حنيفة اعتناء تام بتفصيل الأقوال والأفعال المقتضية للكفر وأكثرها مما يقتضي إطلاق أصحابنا الموافقة عليه.
فمنها: إذا قال: لو أعطاني الله تعالى الجنة ما دخلتها.
كفر.
وكذا إذا قرأ القرآن على ضرب الدّف أو القضيب.
أو قيل له: تَعلمِ الغيب؟ فقال: نعم.
الجزء: 8 - الصفحة: 293
واختلفوا فيمن خرج لسفر فصاح العقعق فرجع.
ولو حضر جماعة وجلس أحدهم على مكان رفيع تشبهًا بالمذكرين -أي: الوعاظ- فسألوه المسائل وهم يضحكون منه ثم يضربونه بالمخراق، أو تشبه بالمعلمين فأخذ خشبة وجلس القوم حوله كالصبيان وضحكوا أو استهزءوا كفر.
وكذا لو قال النصرانية خير من المجوسية، أو عطس السلطان فقال له رجل: يرحمك الله.
فقال آخر: لا تقل [للسلطان] هذا، أو يسقي فاسق ولده الخمر فينثر أقرباؤه الدراهم والسكر.
وكذا إذا تمني ما لم يحل في زمن كتحريم الظلم والزنا أو شد الزنار على وسطه، واختلفوا فيمن وضع قلنسوة المجوس على رأسه والصحيح أنه يكفر.
ولو شد على وسطه [حبلا فسأل عنه فقال هذا زنار فالأكثرون على أنه يكفر.
أو شد على وسطه] 7 زنارًا ودخل دار الحرب للتجارة كفر.
انتهى.
والحق ما قاله في "الروضة" أن الصواب في جميع هذه المسائل أنه لا يكفر بشيء منها إذا لم تكن له نية.
واعلم أن الرافعي قد ذكر في أوائل الجنايات في الطرف الرابع ما حاصله أن لبس زي الكفار لا يكون ردة، ونقل عن صاحب التهذيب أن تعظيم آلهتهم كذلك أيضًا وأقره ولم يبين النوع الذى حصل به التعظيم بل أطلق اللفظ وقد سبق هناك ذكره مع ما ذكره هنا مما ظاهره المعارضة.
واعلم أن هذه المسائل إنما جمعت بعضها إلى بعض وإن كان في خلالها مسائل أخرى فيها كلام لاشتراكها في ظهور عدم التكفير وتصويب النووي
الجزء: 8 - الصفحة: 294
لذلك في جميعها كما ذكره على خلاف ما أشعر به إيراد الرافعي حيث ارتضاه ولم يرده، وقد ذكر الرافعي مسائل بالفارسية فحذفها النووي.
واعلم أن المخراق بميم مسكورة ثم خاء معجمة وبالراء المهملة وبالقاف هو المنديل يلف ويضرب به.
قاله الجوهري.
قوله في الروضة: ولو قال: لو كان فلان نبيًا آمنت به كفر.
انتهى.
كذا شاهدته بخط المصنف آمنت بدون ما النافية قبلها، وهو كذلك في بعض نسخ الرافعي، وفي بعضها: ما آمنت بإثبات ما وهو الصواب.
قوله: ولو قيل له: قَلّم أظفارك فإنه سنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: لا أفعله وإن كان سنة.
كفر.
قال في "الروضة": المختار أنه لا يكفر بهذا إلا أن يقصد الاستهزاء.
قوله: واختلفوا فيمن صلى بغير وضوء متعمدًا أو مع ثوب نجس أو إلى غير القبلة؛ قال في الروضة: مذهبنا ومذهب الجمهور أنه لا يكفر إن لم يستحله.
انتهى.
وهذا الذي يقتضيه كلامه من الكفر إذا استحل الصلاة مع الثوب النجس ممنوع فإنه ليس مجمعًا على المنع منه، بل قد ذهب جماعة من العلماء إلى الجواز وأن إزالتها سنة.
منهم ابن عباس وسعيد بن جبير وهي إحدى الروايات عن مالك -رحمه الله-، وقد ذكر النووي في كتاب الصلاة من "شرح المهذب" ذلك.
قوله: ولو قيل له: يا يهودي يا مجوسي فقال: لبيك؛ كفر، ولو أسلم كافر فأعطاه الناس أموالا فقال مسلم: ليتني كنت كافرًا، فأسلم حتى أعطي، قال بعض المشايخ: يكفر.
قال في "الروضة": في الحكم بالكفر في المسألتين نظر.
الجزء: 8 - الصفحة: 295
قال: وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة في قصة أسامة - رضي الله عنه - حين قتل من نطق بالشهادة فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "كيف صنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ " قال: حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل يومئذ" 8. ويمكن الفرق بينهما، والله أعلم.
الطرف الثاني: فيمن تصح ردته.
قوله: ولا تصح ردة صبي ولا مجنون ومن ارتد ثم جن لا يقتل في جنونه، وكذا من أقر بالزنا ثم جن لا يقام عليه الحد لأنه قد يرجع عن الإقرار، بخلاف ما لو أقر بقصاص أو حد قذف ثم جن فإنه يستوفي في جنونه لأنه لا يسقط برجوعه، وبخلاف ما لو قامت بينة بزناه ثم جن.
قال البغوي: هذا كله على سبيل الاحتياط، فلو قتل في حال الجنون أو أقيم عليه الحد فمات لم يجب بشيء.
انتهى.
وما نقله عن البغوي وسكت عليه قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" 9 وظاهره الاستحباب، وهو غير مستقيم بالنسبة إلى المرتد؛ فإنه تصحيح وجوب الاستتابة ينفيه.
قوله: وتصح ردة السكران على المذهب كما سبق في طلاقه، فإن صححناها فارتد في سكره أو أقر بالردة وجب القتل، لكن لا يقتل حتى يفيق فيعرض عليه الإسلام.
وفي صحة الإستتابة في السكر وجهان حكاهما البغوي: أحدهما: نعم؛ لكن يستحب أن تؤخر إلى الإفاقة.
والثاني: المنع، وهو المذكور في "الشامل" لأن الشبهة لا تزول في ذلك الحال، ولو عاد إلى الإسلام في السكر صح إسلامه وارتفع حكم الردة.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
الجزء: 8 - الصفحة: 296
أحدهما: أن الفتوي على صحة الإستتابة في حال السكر؛ فقد قال الماوردي: إنه ظاهر مذهب الشافعي.
وقال الروياني في "البحر": إنه أصح الوجهين.
الأمر الثاني: أنه سيأتي أن توبة المرتد لا تحصل إلا بما يحصل به إسلام سائر الكفار وهو التلفظ بالشهادتين وحينئذ فجزمه بصحة إسلامه في حال سكره بعد حكاية الوجهين جزم منه بصحة توبته وذلك عين المسألة الأولى على خلاف ما اقتضاه كلامه من التغاير، ولا يصح أن يريد بالمسألة الأولى حكاية الخلاف في صحة امتناعه حتى يرتب عليه جواز القتل لأنه علل عدم الصحة بأن الشبهة لا تزول، وهذا إنما يستقيم أن يكون تعليلًا لعدم صحة الإسلام المانع من القتل لا لعدم صحة الامتناع، والظاهر أن قوله ولو عاد محله بعد الوجه الأول على أنه تفريع عليه ويكون بالفاء لا بالواو، وكأنه كان ملحقًا بالحاشية فأخره الناقل لما بعده.
قوله: ولو ارتد صاحيًا ثم سكر فأسلم في سكره حكي ابن كج القطع بأنه لا يكون إسلامًا، والقياس جعله على الخلاف.
انتهى كلامه.
وهذا الذى ذكر الرافعي أنه القياس واقتضي كلامه عدم الوقوف على نقله قد صرح بمقتضاه القاضي أبو الطيب في آخر باب الردة من "تعليقته" فقال: فصل: إذا ارتد وهو صاح ثم سكر فأسلم حال سكره صح إسلامه.
هذه عبارته.
ثم نقل بعد ذلك ما يدل على أن الشافعي نص عليه.
قوله: وهل تقبل الشهادة على الردة مطلقًا أم لابد من التفصيل؟ نقل الإمام تخريجه على الخلاف في أن الشهادة على البيع وسائر العقود هل يجب فيها التفصيل والتعرض للشرائط أم تسمع مطلقة؟ ؛ فعلى قول لابد من التفصيل لأن مذاهب العلماء فيما يوجب التكفير مختلفة
الجزء: 8 - الصفحة: 297
والحكم بالردة عظيم الوقع فيحتاط له، والظاهر قبولها مطلقة.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الشرح الصغير"، وتعبيره بالظاهر هو من تتمة كلام الإمام، وقد رأيته في "النهاية" كذلك.
إذا علمت ما ذكرناه فاعلم أن ما نقله عن الإمام بحثًا من الاكتفاء بالإطلاف وأقره عليه، واقتضي كلامه عدم وقوفه على ما يخالفه حتى اغتر به هو فأطلق تصحيحه في "المحرر" وكذلك النووي في أصل "الروضة" عجيب مردود عقلًا ونقلًا.
أما النقل فلأن المعروف وجوب التفصيل على خلاف ما قاله فقد صرح به القفال في "الفتاوي" وكذلك الماوردي في "الحاوي" والغزالي في "الوسيط" في هذا الباب وصرح به في كتاب الشهادات جماعة منهم الشيخ في "المهذب" والشاشي في "المعتمد" وابن عصرون في كتابه المسمى "بالانتصار" والعمراني في "البيان" وهو مقتضي كلام القاضي أبي الطيب في "تعليقته" قبل كتاب القاضي إلى القاضي بأوراق، وأجاب الرافعي في أوائل الطرف الثالث من الباب الخامس المعقود لتعارض البيتين بنحوه، وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى.
وأما المعقول فلأن الإقرار بكفر مورثه المانع له من الإرث لم ينقله الرافعي في هذا الباب إلا مفصلًا كما ستعرفه مع أن الإقرار أسهل من الشهادة ولهذا لو قال الشخص هذه أختي من الرضاع قال الرافعي ففي "البحر" وغيره أنه لا يفتقر إلى ذكر الشروط إن كان فقيها وإلا فوجهان.
قال: وفرقوا بينه وبين الشهادة بأن المقر يحتاط لنفسه فلا يقر إلا عن تحقيق، وأيضًا فإن الرافعي والنووي قد صححا أن الشهادة على الجرح لا تقبل إلا مفسرة لاحتمال اعتقاد ما ليس بجرح جرحًا فإن الناس مختلفون
الجزء: 8 - الصفحة: 298
في أسباب الجرح، وما قالاه فيها مع ما قالاه هنا من قبول الشهادة المطلقة على الردة في غاية التباين فإن الاختلاف فيها أكثر وأمرها أغلظ ولا ينفع في هذا إمكان تلفظ الشهادتين فإنه قد يكون ميتًا فتترتب عليه أحكام المرتدين ويفسخ عليه نكاح زوجاته اللاتي لم يدخل بهن بتقدير حياته.
ثم إن إخبار العدل بتنجيس الماء قد فصلوا فيه بين أن يكون موافقا للمخبر له في اعتقاده أم لا؛ فإن كان موافقا فيقبل من غير بيان السبب، وإن كان مخالفًا فإن بين السبب قبل وإلا فلا، وهذا التفصيل لم يذكره في شئ مما تقدم، ولو قيل به هاهنا لم يكن بعيدًا؛ فإن المدرك في الكلام واحد.
وأيضًا فقد قالوا في الشهادة بالرضاع: إن تعرض للشرائط قبلت وإلا فوجهان، قال الرافعي: والأكثرون على أنها لا تقبل لاختلاف المذاهب.
قال: ويحسن أن يتوسط، فيقال: إن أطلق فقيه يوثق بمعرفته قبل وإلا فلا.
واعلم أن القولين في مسألتنا مخرجان وحينئذ فلا اعتراض على النووي حيث جعله في "الروضة" قولين وفي "المنهاج" وجهين.
قوله: وعلى هذا -أي: قبول الشهادة المطلقة- لو شهد شاهدان عليه ردته فقال: كذبا أو ما ارتددت قبلت شهادتهما ولم يعينه التكذيب بل عليه أن يأتي بما يصير به الكافر مسلمًا، ولا ينفعه ذلك في بينونة زوجته، وكذا الحكم لو اشترطنا التفصيل ففصلا وكذبهما المشهود عليه، وليس ذلك كما لو شهد شهود على إقراره بالزنا وأنكر لا يحد لأن الإقرار بالزنا يقبل الرجوع فيجعل إنكاره رجوعًا، ولا يسقط القتل عن المرتد بقوله رجعت فلا يفيد الإنكار والتكذيب.
انتهى كلامه.
ومقتضاه أنه لا يحد إذا قال كذبا وقال لم أزن لكنه قد نص على الأولى
الجزء: 8 - الصفحة: 299
في باب حد الزنا، وحكى فيها وجهين وصحح أنه يحد فاعلمه ولم يتعرض له في "الروضة" هنا.
قوله: ولو مات رجل معروف بالإسلام عن ابنين مسلمين فقال أحدهما إنه مات مسلمًا، وقال آخر: كفر بعد إسلامه ومات كافرًا، فإن بين سببه بأن قال سجد للصنم فنصيبه فيء لبيت المال، وإن أطلق فثلاثة أقوال:
أحدها: يرثه لأنه قد يتوهم ما ليس بكفر كفرًا.
والثاني: يجعل فيئًا لإقراره بكفره وأظهرها: إنه يستفصل؛ فإن ذكر ما هو كفر كان فيئًا وإلا صرف إليه.
هكذا نقل صاحب الكتاب.
انتهى ملخصًا.
وقد اختلف كلام الرافعي في الأصح من هذه الأقوال؛ فصحح في "الشرح الصغير" القول الثالث الذى صححه الغزالي وهو الاستفصال وعبر بالأظهر كما عبر به أيضًا، وصحح في "المحرر" الثاني فقال: فإن بين سبب كفره لم يرثه وإن أطلق فكذلك في أظهر القولين.
هذا لفظه.
وقد اختلف كلام النووي أيضًا؛ فإنه صحح في أصل "الروضة" ما صححه الغزالي ثم وافق في "المنهاج" على ما في "المحرر".
قوله: ولو ارتد الأسير مختارًا ثم رأيناه يصلي صلاة المسلمين؛ فإن كان في دار الحرب كان إسلامًا وإن كان في دار الإسلام فلا؛ لأنها قد تكون تقية، وأما الكافر الأصلي فلا يكون إسلامًا مطلقًا، وسوى صاحب البيان بينهما في التفصيل.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن اقتصار الرافعي على نقل التسوية عن البيان فقط قد تابعه عليه أيضًا في الروضة وهو مشعر بأنهما لم يستحضرا ذلك عن غيره، وهو
الجزء: 8 - الصفحة: 300
غريب؛ فإن القاضي أبا الطيب قد صرح بذلك في كتاب صلاة الجماعة، وحكاه المتولي هناك عن نص الشافعي، وقال المحاملي: يحكم به في الظاهر فإن ادعى خلافه رجعنا فيه إليه، وقد نقل ذلك جميعه النووي في "شرح المهذب" في ذلك الباب، إلا أنه صحح الأول وهو لا يكون إسلامًا مطلقًا.
الأمر الثاني: أن النووي قد استدرك عليه هناك في "شرح المهذب" وقال: هذا إذا لم نسمع منه صيغة الشهادة، إن سمعناها كان إسلامًا مطلقًا حيث ما كان من أي كافر كان إلا على وجه ضعيف سبق في باب الأذان هذا كلامه.
لكن الذي سبق في باب الأذان من كلامه وكلام الرافعي أنه إن كان عيسويًا لم نحكم بإسلامه وإلا فهو محل الخلاف والصحيح أَنّا نحكم به.
الجزء: 8 - الصفحة: 301
الفصل الثاني في أحكام الردة
قوله: وكذا الكافر الأصلي إذا أسلم وتاب هل يفترق الحال بين أن يكون ظاهر الكفر وبين أن يكون زنديقًا يظهر الإسلام ويبطن الكفر.
انتهى كلامه.
وتفسير الزنديق بما ذكره سبق منه أيضًا في صلاة الجماعة وفي كتاب الفرائض، وقال في كتاب اللعان في الكلام علي التغليظ: إن الزنديق هو الذي لا يتنحل دينًا، وكلامه في نكاح المشركات قريب منه أيضًا، وهذا التفسير هو الأقرب؛ فإن الأول هو المنافق وقد غايروا بينه وبين الزنديق.
وفي "الصحاح" للجوهري الزنديق من الثَنويّة وهو مُعرَّب، والجمع: الزنادقة.
وقال الرافعي في الديات فيما لو جاء المرتد أو الزنديق أو الوثني رسولًا فقتل: إن المرتد لا شيء فيه، وفي الوثني دية المجوس، وفي الزنديق تردد والأصح إلحاقه بالوثني لأنه لم يسبق منه التزام الإسلام وإن كان إلحاقه بالمرتدين من جهة أنه يظهر الإسلام ويتستر بالكفر فإظهاره الإسلام يجعل كإسلام المرتد.
قوله: وتجب الاستتابة، وفي قول: تستحب، وهي على الفور، وفي قول: تمتد إلى ثلاثة أيام؛ لما روي أن رجلًا وفد على عمر - رضي الله عنه - من قبل أبي موسي الأشعري فقال له عمر - رضي الله عنه -: هل من مغربة خبر؟ فأخبره أن رجلًا كفر بعد إسلامه.
فقال: ما فعلتم به؟ قال: قربناه فضربنا عنقه فقال: هلا حبستموه ثلاثًا وأطعمتموه كل يوم رغيفًا واستتبتموه لعله يتوب؟ اللهم إني لم أحضر ولم آمر ولم أرض
الجزء: 8 - الصفحة: 302
إذ بلغني 10. انتهى.
المغربة: بفتح الراء وكسرها على ما دل عليه كلام الجوهري وصرح به غيره قال: وهو الخبر الذي طرأ عليهم من بلاد سوى بلادهم، وقد تقدم في تارك الصلاة كلام في الفرق بينه وبين المرتد، فليراجع.
قوله في "الروضة": فرع: إذا وجب قتل المرتد إما في الحال وإما بعد الإستتابة فقال: عرضت لى شبهة فأزيلوها لأعود إلى ما كنت عليه فهل نناظره لإزالتها؟ وجهان: أحدهما: نعم؛ لأن [الحجة] مقدمة على السيف.
والثاني: لا؛ لأن الشبهة لا تنحصر فيورد بعضها بإثر بعض فتطول المدة فحقه أن يسلم ثم يستكشفها من العلماء.
والأول أصح عند الغزالي، وحكي الثاني الروياني عن النص واستبعد الخلاف.
انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره -رحمه الله- من حكاية المناظرة عن الغزالي وعدمها عن النص غلط، بل النص على المناظرة والغزالى ذهب إلى عدمها؛ كذا ذكره الرافعي فقال فيه وجهان:
أحدهما: نعم لأن الحجة مقدمة على السيف.
والثاني: لا.
ثم قال: وهذا أصح عند صاحب "الكتاب".
وحكى القاضي الروياني الأول عن النص فاستبعد الخلاف] 11 فيه.
هذا لفظ الرافعي.
فانعكس علي النووي حالة الاختصار، وكذلك
الجزء: 8 - الصفحة: 303
أيضًا الموجود في كلام هذين هو ما ذكره الرافعي كالروياني إنما نقل عن النص المناظرة؛ كذا رأيته في "البحر" وجزم به في "الحلية" والغزالي إنما صحح خلافها فقال في "الوجيز": لم يناظره في أصح الوجهين، ولم يصحح [شيئا] 12 في "البسيط" و"الوسيط".
قوله: وفي معني توبة المرتد إسلام الكافر الأصلي، وقد وصف الشافعي - رضي الله عنه - توبته فقال: أن يأتي بالشهادتين ويبرأ من كل دين خالف الإسلام، وذكر في موضع آخر أنه إذا أتي بالشهادتين حكم بإسلامه، وليس ذلك باختلاف قول عند الجمهور بل يختلف باختلاف الكفار.
قال في "التهذيب" إن كان الكافر وثنيًا أو ثنويًا لا يقر بالوحدانية، فإذا قال: لا إله إلا الله، حكم بإسلامه ثم يجبر على قبول سائر الأحكام وإن كان مقرًا بالوحدانية غير أنه ينكر رسالة محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلا نحكم بإسلامه بمجرد كلمة التوحيد حتي يقول: محمد رسول الله، وإن كان من الذين يقولون: إن محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مبعوث إلى العرب خاصة أو يقول إن النبي محمدًا سيبعث من بعد لم نحكم بإسلامه حتي يقول محمد رسول الله إلي جميع الخلق ويبرأ من كل دين خالف الإسلام.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن هذا الذي قاله البغوي طريقة نسبها الإمام في الظهار إلى المحققين، والظاهر المشهور أن الكلمتين لابد منهما في هذه الحالة، وقد نبه عليه الرافعي بعد هذا بأسطر؛ فتفطن له.
الأمر الثاني: أنا إذا اكتفينا في إسلام الوثني ونحوه بالإقرار بالوحدانية على هذه الطريقة فلابد من عرض الشهادة بالرسالة عليه أيضًا، فإن أنكر
الجزء: 8 - الصفحة: 304
كان مرتدًا.
كذا قاله الرافعي أيضًا في الظهار، وكلامه هنا يشعر بأن العرض لا يجب.
الأمر الثالث: أن هذا الكلام يقتضي بظاهره أن المقر بالوحدانية المنكر للرسالة لا يحكم بإسلامه حتي يقر بهما معًا، وقد صرح في "الروضة" بذلك فقال: حتي يقول مع ذلك: محمد رسول الله.
وهو غلط؛ فإن أصحاب هذه الطريقة قائلون بالاكتفاء بالإقرار بالرسالة كذا صرح الرافعي في كتاب الظهار.
الأمر الرابع: أن الطائفة التي تقول أن النبي محمدًا سيبعث من بعد.
ذكرها الرافعي أيضًا في الظهار وحكم عليها بمثل ما حكم به هاهنا وحذف النووي ذلك في الموضعين.
قوله: ولو قال الكافر: أنا ولي محمد، لم يصح إسلامه؛ لأنه قد يحبه بخصالة المحمودة، وكذا لو قال: أنا مثلكم أو مسلم أو آمنت أو أسلمت.
انتهى.
وهذا الذي قاله فيما إذا قال أسلمت أو أنا مسلم قد ذكر فيه بعد ذلك تفصيلا فقال قبيل الكلام علي ولد المرتد نقلًا عن "المنهاج" للحليمي ما نصه: وإنه إذا قال لملي -أي لصاحب ملة-: أسلم: فقال: أسلمت أو أنا مسلم، لم يكن مُقرًّا بالإسلام، ولو قيل لمعطل: أسلم.
فقال: أنا مسلم أو من المسلمين، كان مقرًا بالإسلام؛ لأنه لا دين له حتي يسميه إسلامًا، وقد يتوقف في هذا.
انتهى كلامه.
وقد خالف في الموضعين جميعًا في آخر الباب الثاني من كتاب اللعان فجزم بأنه قد يكون إسلامًا، وقد سبق ذكر لفظه هناك فراجعه.
فتحصلنا على ثلاثة مواضع متخالفة، ولا ذكر للمسألة في "الشرح الصغير" ولا في "المحرر".
الجزء: 8 - الصفحة: 305
قوله: وإن حدث الولد من مرتدين ففيه ثلاثة أقوال: أصحهما -على ما أورده في "التهذيب"- أنه محكوم له بالإسلام والثاني أنه مرتد.
والثالث: أنه كافر أصلي.
انتهى.
ذكر نحوه في "الشرح الصغير" أيضًا وصحح في "المحرر" الأول وعَبّر: بالأصح، وصحح النووي في "المنهاج": أنه مرتد.
واعلم أن النووي صحح في أصل "الروضة" أنه مسلم، ولم ينقله عن صاحب "التهذيب" كما نقله عنه الرافعي، ثم استدرك عليه فقال: كذا صححه البغوي وتابعه الرافعي.
هذه عبارته، ونسبة ذلك إلي الرافعي مردودة لما عرفته؛ وسببه أنه يختصر ويتصرف ثم ينسى فيستدرك بعد مدة عليه بناء على أنه من كلام الرافعي.
قوله: فإن قلنا: إنه مرتد؛ فلا يجوز استرقاقه، وإن قلنا: كافر أصلي، جاز استرقاقه.
قال الإمام: ويجوز عقد الجزية معه إذا بلغ، وهو كالكافر الأصلي في كل معنى.
والذي قطع به البغوي وغيره وحكاه الروياني عن المجموع أنه لا يجوز عقد جزية له لأنه ليس كتابيًا.
انتهى كلامه.
وهذا الذي جزم به الإمام هنا قد حكاه في باب عقد الذمة وجهًا وقال: إنه لا أصل له، وأن المذهب أنها لا تعقد له، وإنا إذا قلنا بعقدها ففي حل المناكحة والذبيحة تردد، وإن الوجه: القطع بالتحريم.
قوله: وهل يزول ملك المرتد عن أمواله بالردة؟ فيه ثلاثة أقوال.
ثم قال: وأصحها -على ما ذكر صاحب "التهذيب"- التوقف.
فإن هلك على الردة بان زوال ملكه بالردة وإن عاد إلى الإسلام بان أنه
الجزء: 8 - الصفحة: 306
لم يزل.
انتهى.
صحح في "المحرر" ما صححه البغوي، وكذلك النووي في أصل "الروضة"، ولم يصحح شيئًا في "الشرح الصغير" هنا أيضًا.
نعم ذكر في كتاب الكتابة ما حاصله ترجيح القول بزوال الملك بنفس الردة؛ فإنه قال ما نصه: وإذا وقفنا ملكه فالكتابة موقوفة أيضًا.
وقيل: لا يجيء في الكتابة الوقف؛ لأن العقد لا يوقف على أصل الشافعي.
وأجيب عنه بأنه وقف تبين.
ثم قال: والأشبه من حيث الجملة بطلانها.
هذا لفظه.
فترجيحه للبطلان مع القول بصحتها على قول الوقف يلزم منه ترجيح زوال الملك بنفس الردة.
قوله: والخلاف في زوال الملك يجري في ابتداء التملك إذا اصطاد أو احتطب، فإن قلنا: يزول، قال الإمام: ظاهر القياس أنه يثبت الملك لأهل الفيء فيما اصطاد أو احتطب كما يتحصل ملك السيد فيما احتطب، وليكن شراؤه واتهابه كشراء العبد واتهابه بغير إذن السيد حتي يجيء فيه الخلاف، والذي ذكره المتولي أنه يبقي على الإباحة، وإن قلنا إن ملك المرتد باق فيملك وإن قلنا: إنه موقوف، فموقوف، فإن عاد إلى الإسلام بان أنه ملكه من يوم الأخذ وإن مات مرتدًا قال المتولي يكون المأخوذ باقيًا على الإباحة وعلى قياس ما ذكره الإمام يتيقن أنه لأهل الفيء.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" وفيه أمران:
الجزء: 8 - الصفحة: 307
أحدهما: أن ما قاله الإمام من كونه لا يبقي على الإباحة بل يملكه أهل الفيء قد تابعه عليه الغزالي، والمعروف ما قاله في "التتمة" من بقائه على الإباحة.
قد جزم به الماوردي في "الحاوي"، وقال ابن الرفعة في "الكفاية": إنه متعين.
الأمر الثاني: أن ما ذكره الإمام أيضًا في الشراء والاتهاب مردود؛ فإن الإمام قد ذكر في باب العبد المأذون أن شراء العبد إذا صح وقع للعبد ويكون السيد بالخيار بين أن يقره عليه وبين أن ينزعه من يده.
وقضية هذا التخريج أن يقع المرتد ثم ينتقل إلى الفيء وذلك ممتنع؛ فتعين ما قاله المتولي.
قوله: إذا قلنا: يزول ملكه.
لا يصح تصرفه ببيع وشراء وإعتاق ووصية وغيرها لأنه لا مال له، وفي الشراء ما سبق عن الإمام.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة"، فأما ما ذكره في البيع فهو صحيح وإن ورد على عين، وأما إذا ورد على الذمة فإنه يخرج على الخلاف السابق بين الإمام والمتولي، فإن قلنا بما قاله المتولي من امتناع تجدد الملك له فلا يصح إلا ثبوت مقابلة له، والتفريع على أنه لا يثبت، وإن قلنا بمقالة الإمام صح وانتقل عوضه إلى أهل الفيء.
وأما ما ذكره في الشراء فهو أيضًا على هذا التفصيل، وكذلك القول في الإجارة وغيرها من هذه التصرفات.
وأما الوصية: فإن أوصي بشيء غير معين [كالوصية بعبد ودرهم وثلث ماله صح لأن العبرة بحال الموت، وإن وصي بشيء معين] 13 كهذه الدار فالمتجه الصحة؛ وذلك لأنه إذا أوصي بعين هي ملك لغيره حالة
الجزء: 8 - الصفحة: 308
الوصية ففي الرافعي وجهان من غير تصحيح رجح النووي الصحة، ثم إن اتفق أنها في ملكه عند الموت [أخذها] الموصي له وإلا فلا.
ومسألتنا أولى بالصحة؛ لأن المرتد قادر على تملكها بالإسلام بخلاف ملك الغير فإنه لا يستقل بتملكه.
قوله: وإن قلنا بالوقف فكل تصرف يحتمل الوقف كالعتق والتدبير والوصية فهو موقوف ثم قال: وأما البيع والكتابة والهبة ونحوها فهو على قولي وقف العقود؛ فعلي الجديد: هي باطلة، وعلى القديم: توقف إن أسلم حكم بصحتها وإلا فلا.
انتهى كلامه.
وما ذكره في كتابة المرتد من بطلانها على الجديد تفريعًا على قول الوقف قد خالفه في كتاب الكتابة؛ فإنه نقل بطلانها عن القاضي أبي حامد فقط ونقل صحتها عن ابن القطان وابن الوكيل وأبي إسحاق المروزي والشيخ أبي حامد، ورد مقالة الأول بأن هذا وقف تبين لا وقف صحة، وهو صحيح على الجديد.
ووقع هذا التناقض أيضًا في "الشرح الصغير" فإنه صرح هنا ببطلانها وصرح في كتاب الكتابة بالصحة، وقد تقدم ذكر عبارته فيه في المسألة السابقة وجزم في "المحرر" هنا في باب الكتابة بأنها مخرجة على القولين في وقف العقود على عكس ما قاله في الشرحين هناك.
قوله في أصل "الروضة": ولا يصح نكاح المرتد ولا إنكاحه لسقوط ولايته، وحكي البغوي على قولنا: لا يزول ملكه، وجهًا أنه يجوز تزويج أمته إذا لم يحجر القاضي عليه كسائر تصرفاته المالية.
قال: وهذا غير قوي وقطع المتولي وغيره بهذا.
انتهى كلامه.
وهذا الذي نقله في آخر كلامه عن المتولي ومن وافقه كلام ناقص غير متضح، وقد بينه الرافعي فقال: وهذا ما أورده صاحب "التتمة" وغيره وقالوا: إنه كسائر التصرفات التي لا تقبل الوقف.
هذه عبارته.
الجزء: 8 - الصفحة: 309
فعلمنا: أن الصحيح عندهم البطلان أيضًا وإنما حاولوا تخريج وجه ضعيف.
قوله: وإذا أتلف المرتد شيئًا في حال الحرب هل يضمن؟ فيه خلاف سبق في قتال البغاة.
انتهى.
لم يصرح هو ولا النووي في شيء من كتبهما بتصحيح في هذه المسألة لا في هذا الباب ولا في قتال البغاة إلا أن الشيخ في "التنبيه" قد قال: في الضمان قولين كأهل البغي، وأقره النووي عليه في تصحيحه، والأصح في أهل البغي عدم الضمان؛ فأشعر ذلك برجحان عدم الضمان في المرتد أيضًا.
وليس كذلك بل الصحيح وجوبه فإن الذي نص عليه الشافعي في أكثر كتبه كما قاله الماوردي في باب قتال أهل الردة وصححه الشيخ أبو حامد والبندنيجي والقاضي أبو الطيب والماوردي وابن الصباغ والبغوي ونقله ابن الرفعة عن الجمهور وقطع به القاضي أبو حامد وأبو القاسم الصميري وأكثر البصريين.
قال -رحمه الله-:
الجناية الثالثة: الزنا
.
قوله: ويروي أن عليًا - رضي الله عنه - جلد شراحة الهمدانية ثم رجمها 14.
ومنها: فدك التي غرب ابن عمر أمة إليها.
هي بفاء ودال مهملة مفتوحتين بعدهما كاف؛ وهي قرية [بخيبر] بينها وبين مدينة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مرحلتان، وقيل ثلاث.
ومنها: أنه ورد في الخبر نفي المخنثين؛ هو جمع مخنث بكسر النون وفتحها والكسر أفصح كما سبق إيضاحه في أوائل النكاح.
قوله في "الروضة": وهل يغرب العبد نصف سنة أم سنة أم لا
الجزء: 8 - الصفحة: 310
يغرب؟ فيه أقوال: أظهرها الأول.
انتهى كلامه.
أهمل من كلام الرافعي طريقة قاطعة بتغريب النصف فقال: وعن أبي إسحاق القطع بالنصف.
هذا لفظه.
قوله: ولا تغرب المرأة وحدها في أصح الوجهين، هكذا أطلق مطلقون الوجهين وخصصهما الإمام وصاحب "الكتاب" بما إذا كان الطريق آمنا.
ثم قال ما نصه: وفيه قول بشرعية التغريب من غير أمن الطريق، وفي البيان وغيره ما يشعر بخلافه.
انتهى.
ومعني كلامه أنه يؤخذ مما ذكرناه القول والحكم بأن أصل التغريب لا يتوقف على الأمن فإن تخصيص المرأة المنفردة به يدل عليه.
ثم نقل بعده من كلام العمراني وغيره ما يدفعه حتى لا يغرب أيضًا الرجل ولا المرأة المستصحبة للزوج أو المحرم في حالة الخوف، وقد حذف في "الروضة" هذا الكلام الذي يؤخذ منه ما ذكرناه، واقتصر على الأول وهو غريب.
قوله: وإن لم يخرج الزوج أو المحرم إلا بأجرة فهل هي في مالها أم في بيت المال؟ وجهان كأجرة الجلاد: أصحهما الأول.
انتهى ملخصًا.
واعلم أن أجرة الجلاد في بيت المال، فإن تعذر فقيل: لا تجب على المحدود أصلًا بل بفرض الإمام.
قال الروياني: أو يستأجر بأجرة مؤجلة أو يستأجر من يقوم به، وقيل: يجب عليه وهو الصحيح، وقيل: إن كان موسرًا وجب وإلا فلا.
هكذا في الرافعي و"الروضة" في باب استيفاء القصاص؛ وحينئذ فتكون أجرة المحرم هنا في بيت المال، فإن تعذر جاء فيه الخلاف، فتفطن له، وكلامه هنا يوهم أو يقتضي خلافه.
الجزء: 8 - الصفحة: 311
قوله: فإن امتنع مع الأجرة لم يجبر، وقال ابن سريج: يجبر؛ فعلى هذا إذا اجتمع محرمان أو محرم وزوج فأيهما يقدم؟ ولم يتعرض له الأصحاب.
انتهى.
قال في "الروضة": يحتمل وجهين كنظائره:
أحدهما: الإقراع.
والثاني: يقدم الإمام باجتهاده من يراه، وهذا أرجح، والله أعلم.
قوله: ولو عين الإمام جهة للتغريب وطلب الزاني أن يغرب إلى جهة أخرى فهل يجاب الزاني؟ فيه وجهان حكاهما الإمام ورأى الأظهر إجابته وهو ما أورده في الكتاب، والمذكور في غيره أنه لا يجاب ويوافقه ما في التهذيب أن الإمام لا يرسله إرسالًا بل يغربه إلى بلد معين.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما نقله الرافعي هنا عن "التهذيب" فليس مما نحن فيه بل أن دل فإنما يدل على المسألة الآتية من بعد هذه.
الثاني: أن الراجح عدم إجابته؛ فقد قال في "الشرح الصغير" إنه الأشبه، وذكر نحوه في "المحرر" وصححه النووي في أصل "الروضة".
قوله: وإذا غرب إلى موضع معين فهل يمنع من الانتقال إلى بلد آخر؟ الذي أورده المتولي واختاره الإمام أنه لا يمنع، ومنهم من قال: يمنع.
انتهى.
لم يصحح شيئًا في "الشرح الصغير" أيضًا وصحح في أصل "الروضة" الأول.
واعلم أن الرافعي قد ذكر بعد هذا بدون الصفحة كلامًا قد يعارض هذا أو يخصصه فينبغي معرفته فقال: وفي الحلية للقاضي الروياني أنه يلزم
الجزء: 8 - الصفحة: 312
المغرب أن يقيم في القرية حتى تكون كالحبس له في أصح الوجهين ولا يمكن من السير والضرب في الأرض فتكون كالنزهة.
قوله: فإن لاط ففيه أقوال: أصحها: أن حده حد الزنا، والثاني: يجب التعزير، والثالث: يجب القتل.
وفي كيفيته وجوه:
أحدها: يقتل بالسيف.
والثاني: يرجم.
والثالث: يهدم عليه جدار أو يرمي من شاهق.
انتهى.
أسقط من "الروضة" القول الموجب للتعزير فلم يذكره بالكلية ولم يصحح في "الشرح الصغير" أيضًا شيئًا من هذه الأوجه المفرعة على القتل، وأصحها في "زوائد الروضة" هو الأول.
قوله: ولو وطئ زوجته أو أم ولده في دبرها فالمذهب أن واجبة التعزير، وقيل في وجوب الحد قولان كوطء الأخت المملوكة.
انتهى.
وهذه المسألة فيها كلام سبق إيضاحه في أواخر أبواب النكاح في الباب المترجم له في "الروضة" بالباب التاسع فراجعه.
قوله: ولو وجدنا بامرأة خلية حملًا أو ولدت فأنكرت الزنا فلا حد.
انتهى.
وهذه العبارة ناقصة؛ فإنها لو سكتت لم تُحد أيضًا وقد نَبّه عليه في "الروضة".
قوله: إحداهما: إذا أولج في فرج ميتة ففيه وجهان: أحدهما: يجب الحد؛ لأنه حصل إيلاج فرج في فرج محرم لا شبهة فيه.
وأصحهما: لا يجب؛ لأنه مما ينفر الطبع عنه فلم يحتج إلى زجر
الجزء: 8 - الصفحة: 313
عنه كشرب البول.
انتهى.
تابعه النووي في "الروضة" وفي "فتاويه" على تصحيح عدم وجوب الحد؛ ومقتضاه أنه لا فرق بين أن تكون الميتة مباحة له في حال الحياة أم لا، وبه صرح في باب الغسل من "شرح المهذب"؛ فإنه حكى فيها ثلاثة أوجه، ثم قال: أصحها: لا حد مطلقا، والثاني: يجب، والثالث: إن كانت مباحة له في حياتها بزوجية أو ملك فلا حد وإلا فيجب.
وهذا الثالث قيل: إنه منصوص عليه.
انتهى.
ثم صحح -أعني النووي- في باب الغسل أيضًا من "النكت" التي صنعها على "الوسيط" الوجه الثالث وعبر بالأصح، ومن خطه نقلته.
قوله في إتيان البهيمة: وهل تقتل؟ نظر إن كانت مأكولة قتلت عند الشيخ أبي حامد وجماعة، ومنهم من قال: فيه وجهان، وإن لم تكن مأكولة فوجهان.
انتهى ملخصًا.
وحاصله: رجحان القتل في المأكولة وعدم الترجيح في غيرها، والأصح فيها -أعني غير المأكولة- عدم القتل.
كذا صححه النووي في "الروضة" و"تصحيح التنبيه" ولم ينبه في "الروضة" على أنه من "زياداته" بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.
ولم يصحح شيئًا في "الشرح الصغير" أيضا ولا تعرض للمسألة في "المحرر".
قوله: وهل يحل أكلها إذا كانت مأكولة وذبحت؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، وهو ما أورده الإمام وصاحب "التهذيب".
وأصحهما عند الشيخ أبي حامد: المنع.
انتهى.
والراجح على ما دل عليه كلام الرافعي في "الشرح الصغير" وهو الحل وقد صرح بتصحيحه صاحب "التنبيه" والنووي في أصل "الروضة".
الجزء: 8 - الصفحة: 314
قوله: القسم الأول: الشبهة في المحل بأن يكون مملوكًا له كما لو وطئ جاريته المحرمة عليه بمحرمية رضاع أو نسب بأن كانت أخته من الرضاع أو النسب أو كانت بنته أو أمه من الرضاع ففي وجوب الحد قولان: أصحهما: لا يجب.
ويجري الخلاف فيما إذا كانت موطوءة ابنه أو أبيه.
ولو كانت جارية مشتركة بينه وبين غيره أو جاريته المزوجة أو المعتدة عن زوجها ففيه طريقان: أحدهما طرد القولين، وأقواهما: القطع بالمنع؛ لأن تحريمهن لا يتأكد؛ فأشبه وطء الحائض والمحرمة ومن في معناهما، ولا الجارية المجوسية والوثنية.
وكذا إذا أسلمت جارية ذمي فوطئها قبل أن تباع عليه.
ويدخل في هذا القسم وطء الأب جارية الابن لشبهة حقه في مال الابن ويجوز أن يعد منه وطء الحائض والمحرمة ومن في معناهما.
انتهى كلامه.
واعلم أن بعض ما يزيد التنبيه عليه موقوف على ذكر عبارة "الروضة" فنقول: قال في اختصاره لكلام الرافعي ما نصه: أما الشبهة في المحل فوطئ زوجته الحائض والصائمة والمحرمة وأمته قبل الاستبراء أو جارية ولده لا حد فيه، ولو وطء أمته المحرمة عليه بمحرمية رضاع أو نسب أو مصاهرة كأخته منهما وأمه وبنته من رضاع وموطوءة ابنه وأبيه لم يجب الحد على الأظهر.
ولو وطئ جارية له فيها شرك أو أمته المزوجة أو المعتدة من غيره أو المجوسية أو الوثنية أو أسلمت أمة ذمي فوطئها قبل أن تباع فلا حد على المذهب، وقيل: فيه القولان.
فإن قلنا: لا حد، ثبت النسب والمصاهرة، وإلا فلا، وقيل: يثبت
الجزء: 8 - الصفحة: 315
النسب وتصير الجارية أم ولد بلا خلاف.
انتهى كلام "الروضة" 15، وحينئذ فنعود إلى ما أردناه من التنبيه على كلام الرافعي وهو أمور:
الأول: أن ما صححه من عدم ثبوت النسب إذا قلنا بوجوب الحد فتدخل فيه مما تقدم مسائل فيها كلام: أحدها: وطئ جاريته المحرمة عليه برضاع أو غيره، وقد اختلف كلامه فيها فصحح في أواخر النكاح في الفصل المعقود لوطء جارية الابن المترجم له في "الروضة" بالباب العاشر ما اقتضاه كلامه هنا من نفي النسب، وقد سبق ذكر لفظه هناك ثم خالف الموضعين جميعا في كتاب أمهات الأولاد فجزم بثبوته مع القول بوجوب الحد وسوف أذكره هناك إن شاء الله تعالى فراجعه.
المسألة الثانية: أن يطأ الجارية المشتركة وما دل عليه كلامه هنا قد خالفه في الكلام على وطء جارية الابن فجزم بثبوت الاستيلاد، وإن قلنا بثبوت الحد، وقد سبق ذكر لفظه هناك فراجعه، وجزم أيضًا في باب الكتابة، وإذا قلنا بثبوت نسبه من الجارية المشتركة كان مبعضًا، وقيل: يكون كله حرًا، وهل الخلاف وجهان أو قولان؟ وقع فيه اختلاف في كلام الرافعي بين كتاب السير وكتاب الكتابة سوف أبينه في موضعه إن شاء الله تعالى.
الأمر الثاني: في الكلام على قول الرافعي وتصير الجارية مستولدة بلا خلاف، وهو من وجهين: الأول: أن ظاهره أنه حكم مستأنف ثابت على [كل] قول وليس تفريعًا على القول بثبوت النسب فإنه لو نفاه أولًا تفريعًا على ما قبله لكان إثباته بعد ذلك يكون تفريعًا على ما بعده لكنه لم يفعله فاقتضى القول تأمنة الولد على كل قول، وليس كذلك، أما إذا قلنا بعدم ثبوت النسب فلا يمكن المصير إليه، وأما إذا قلنا بثبوته فقد ذكر الرافعي تفريعًا عليه في وطء جارية الولد التي ليست مستولدة له ثلاثة
الجزء: 8 - الصفحة: 316
أقوال: أصحها: أنها تفسير أم ولد، وثانيها: لا، وثالثها: إن كان موسرًا فنعم وإلا فلا.
وأما الثاني من الوجهين المشار إليهما أولًا فهو أن الجارية المشتركة إنما تفسير كلها أم ولد إذا كان الواطيء موسرًا.
كذا نبه عليه الرافعي في كتاب الكتابة.
الأمر الثالث: في الكلام علي قوله: ويجوز أن نعد منه وطء الحائض والمحرمة ومن في معناهما والكلام عليه من وجهين: أحدهما: أن المعنى والتقسيم من أوله إلى آخره يقتضي تصوير ذلك في الإماء أو أنهن داخلات إن لم يرد تخصيصهن.
الوجه الثاني: أن تعبيره بقوله: ومن في معناهما يدخل فيه المرهونة والمكاتبة والصائمة والمعتكفة اعتكافًا واجبًا وغير ذلك، وإن أدرجنا فيه الزوجة دخل فيه أيضا الرجعية والمظاهر عنها.
وإذا علمت ذلك فقد اختصره في "الروضة" اختصارًا عجيبًا؛ فإنه خصص الكلام بالزوجة وحصر الذي في معناهما بالصائمة فراجعه في أول كلامه فإنه قدمه إليه.
ثم إنه -أعني النووي- جعل الأمة قبل الاستبراء وجارية الولد من القسم المتفق عليه ولم يلحقه بما بعده مما فيه القولان ولا مما فيه الطريقان.
فأما المشتراه فلم يذكرها الرافعي، والقياس فيما إذا كانت موطوءة البائع أن تكون كالأمة المعتدة عن غيره لاسيما إذا لم يستبرئها البائع، وقد حكى فيها طريقين -أعني المعتدة- وأما جارية الابن ففيها قولان مذكوران في النكاح، وكلام الرافعي ظاهر في إلحاق ذلك بالمختلف فيه فتأمله.
قوله: ولو ظنها جارية له فيها شرك وكانت غيرها وقلنا لا يجب الحد بوطء المشتركة قال الإمام: فيه تردد، ويجوز أن يقال: لا حد؛ لأنه
الجزء: 8 - الصفحة: 317
ظن ما يسقط الحد، ويجوز أن يقال: يحد؛ لأنه علم التحريم وإنما جهل وجوب الحد، وكان من حقه أن يمتنع.
انتهى.
والصحيح عدم الوجوب؛ فقد صحح الرافعي والنووي ذلك فيما إذا سرق مال غيره على ظن أنه لأبيه أو ابنه وأن الحرز ملكه، وهو نظير مسألتنا إن لم يكن إياها.
والفرق بين هذه المسائل وبين ما إذا علم التحريم ولكن اعتقد عدم الحد أو سرق دنانير يظنها فلوسًا أنه هنا قد اعتقد أمرًا نعتقده نحن مسقطًا وأما هناك فإنا نعتقده موجبًا، وقد ذهل النووي عن المنقول في باب السرقة وعن التفرقة بين المعينين المذكورين ورجح هنا من "زوائده" الوجوب فقال: إنه الظاهر الجاري على القواعد في نظائره، وقال ابن الرفعة في أوائل الجنايات من المطلب أيضًا إنه الظاهر.
وما قالاه هو السابق إلى الوهم في بادي الرأي؛ فمن حقق المعنى وتأمله ووقف على المنقول هناك ظهر له بطلانه.
قوله: ولو علم التحريم ولم يعلم تعلق الحد به فقد جعله الإمام على التردد الذي ذكره فيمن وطء من يظنها مشتركة فبانت غيرها.
انتهى.
والصحيح في هذه المسألة وجوب الحد؛ كذا جزم به الرافعي في شارب الخمر فقال: وإن قال: علمت التحريم ولم أعلم أن فيه حدًا أقيم عليه الحد؛ لأنه إذا علم التحريم فحقه أن يمتنع.
هذا لفظه.
وهو نظير المسألة إن لم تكن إياها، ولم يستحضر النووي ما ذكره الرافعي هناك إلا أنه صحح من "زوائده" الوجوب فقال: الصحيح الجزم به.
قال: وهو المعروف في المذهب والجاري على القواعد.
قوله: وهل يستحب للشهود كتمان الشهادة في حدود الله تعالى؟
الجزء: 8 - الصفحة: 318
فيه وجهان: أصحهما: لا؛ لئلا تتعطل.
انتهى.
وما ذكره هنا من تصحيح عدم الكتمان قد جزم بخلافه في الباب الأول من كتاب الشهادات في أثناء السبب السادس في الكلام على شهادة الحسبة، وقد اختلف كلام "الروضة" أيضًا في المسألة فإنه جزم باستحباب الستر في كتاب الشهادات متابعة للرافعي وفي آخر الباب الثاني من أبواب القضاء من "زوائده" ثم ذكر هنا من "زوائده" تفصيلًا فقال: الأصح التفصيل؛ وهو أنه إن رأى المصلحة في الشهادة شهد وإن رآها في الستر ستر، وذكر الرافعي المسألة في "الشرح الصغير" في هذا الباب فقط كما ذكرها في الكبير ولم يتعرض لها في "المحرر" ولا في "مختصره".
قوله: وإذا أقر بالزنا ثم رجع سقط الحد.
وهل يستحب له الرجوع؟ فيه وجهان يقاس أحدهما باستحباب الستر في الابتداء، ويفرق في الثاني بأن الهتك قد حصل.
انتهى كلامه.
والراجح على ما تلخص من كلام الرافعي في الشهادات بعد الكلام على شهادة الحسبة الوجه الثاني؛ فإنه جزم بأن من ظهر عليه الحد يستحب له أن يأتي الإمام ليقيمه عليه.
قال: لأن الستر قد فات، وإذا جزم بالإتيان إليه عند الظهور لفوات الستر كان الجزم بعدم الرجوع عن الإقرار أولى وقد وافق النووي في "الروضة" على المذكور هناك ولم يستحضره هنا فرجح من زوائده بحثًا الأول فقال: مقتضى الحديث الصحيح في قصة ماعز - رضي الله عنه - أنه يستحب؛ فهو الراجح والله أعلم.
قوله: ولو قتله رجل بعد الرجوع ففي وجوب القصاص وجهان نقلهما ابن كج ورأي الأصح أنه لا يجب، ونسبه إلى أبي إسحاق لاختلاف العلماء في سقوط الحد بالرجوع.
انتهى.
ومقتضى هذا الكلام رجحان السقوط بعد الرجوع والجزم بذلك قبله،
الجزء: 8 - الصفحة: 319
وقد وافق في الروضة عليه.
وإذا علمت ذلك ففيه أمران:
أحدهما: أن النووي قد ناقض ذلك في "تصحيح التنبيه" فصحح وجوب القصاص على من قتل زانيا محصنا ثبت زناه بالإقرار من غير تفصيل بين ما قبل الرجوع وما بعده، وهو تناقض عجيب.
الأمر الثاني: أن مقتضى كلامه في كتاب الجنايات في الركن الثاني المعقود للقتل الجزم بالوجوب إذا كان بعد الرجوع، وقد تقدم هناك إيضاح المسألة.
وما يفتي به منها فراجعها.
قوله: وهل يشترط في الإقرار بالزنا التفسير كما في الشهادة أو لا يشترط كما في القذف؟ فيه وجهان.
انتهى كلامه.
والراجح اشتراط ذلك؛ كذا رجحه الرافعي في كتاب السرقة في أواخر النظر الثاني المعقود لإثبات السرقة فقال بعد حكاية الوجهين ما نصه: أولاهما أنه يجب التفصيل احتياطًا للحد وسعيًا في ستر الفاحشة بما أمكن.
هذا كلامه.
وعبر عنه في "الروضة": بالأصح، ورجحه أيضًا في "الروضة" هنا من "زوائده" غير مستحضر لكلام الرافعي في ذلك الموضع فقال: الاشتراط أقوي، ويستأنس فيه بقصة ماعز.
قوله: وإن كان المرض مما لا يرجى زواله كالشل والزمانة، أو كان مخدجًا ضعيف الخلقة لا يحتمل السياط فلا يؤخر الحد؛ إذ لا غاية تنتظر.
انتهى.
قال الجوهري: المخدج: بميم مضمومة وخاء معجمة ساكنة ودال مهملة مفتوحة بعدها جيم، وهو ناقص الخلقة، ومنه قول على في ذي الندية مخدج اليد؛ أي: ناقص اليد، وفي الحديث: "كل صلاة لا يقرأ فيها
الجزء: 8 - الصفحة: 320
بأم القرآن فهي خداج" 16؛ أي: نقصان، بمعنى ناقصة.
قوله: وإذا وجب حد القذف على مريض قال القاضي ابن كج يقال للمستحق: إما أن تصبر إلى البرء أو تقتصر على الضرب بالعتكال، وفي "التهذيب": أنه يجلد بالسياط سواء كان المرض مما لا يجري زواله أو مما يرجي لأن حقوق العباد مبينة على التضييق.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على حكاية الوجهين من غير ترجيح، والصحيح ما قاله في "التهذيب"؛ فقد جزم به الرافعي في كتاب الجنايات في باب استيفاء القصاص في الكلام على وقت القصاص ونقله عن البغوي والغزالي وغيرهما.
قوله: وفرق صاحب "التهذيب" بأن الرجوع على الإقرار مستحب وإن كان صادقًا.
انتهى.
وما ذكره من استحباب الرجوع فيه كلام سبق ذكره فراجعه.
قوله في "الروضة": فرع: لو جلد الإمام في مرض أو حر شديد أو برد شديد فهلك المجلود بالسراية فالنص أنه لا يضمن ونص أنه لو ختن أقلف في شدة حر أو برد فهلك أنه يضمن؛ فقيل في وجوب الضمان: فيهما قولان، وقيل: بظاهر النصين وهو الأصح لأن الجلد ثبت بالنص والختان بالاجتهاد.
فإن أوجبنا الضمان فهل يضمن جميعه أو نصفه؟ فيه وجهان.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن مقتضاه تصحيح طريقة التقرير والرافعي لم يصححها ولا نقل أيضًا تصحيحها عن أحد.
الجزء: 8 - الصفحة: 321
الثاني: أنه لم يصحح في الختان هنا شيئًا وإنما قال والظاهر في الجلد أنه لا يضمن وإن أثبتنا الخلاف.
نعم صححه في باب ضمان إتلاف البهائم.
الثالث: أن الأصح من الوجهين الأخيرين ضمان النصف.
كذا صححه الرافعي في الباب المذكور.
لكن في الختان خاصة إلا أن الجلد أولى بذلك منه لأنه أخف؛ ولهذا كان الصحيح فيه عدم الضمان بخلاف الختان.
قوله في المسألة: قال الإمام: فإن لم نوجب الضمان فالتأخير مستحب لا محالة وإلا فوجهان، وفي "المهذب" وغيره إطلاق القول بأنه لا يجوز، ويجوز أن يقال بوجوب التأخير مع الاختلاف في الضمان.
انتهى ملخصًا.
ذكر مثله في "الشرح الصغير"، وجزم في "المحرر" بأن التأخير مستحب إذا فرعنا على الأصح وهو عدم وجوب الضمان، ولم يصحح شيئا على القول الآخر، ووافق النووي في "المنهاج" على ما في "المحرر" وخالف في "الروضة" فصحح من "زوائده" وجوب التأخير سواء قلنا بالضمان أم لا.
فقال: المذهب وجوب التأخير مطلقًا هذا لفظه.
قوله في الحديث: "إذا زنت أمة أحدكم وتبين له زناها فليجلدها ولا يثرب عليها.
. . ." 17 إلى آخره.
قيل: معناه لا يوبخها ولا يعيرها، وقيل: لا يبالغ في جلدها بحيث يدميها.
انتهى.
الجزء: 8 - الصفحة: 322
التثريب: بالثاء المثلثة، ومنه قوله تعالى: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ 18؛ أي: لا توبيخ ولا لوم.
والتفسير الثاني الذي ذكره الرافعي مأخوذ من الثرب بفتح الثاء المثلثة وهو شحم يغشي الكبد؛ أي: لا يبالغ في الضرب بحيث ينتهي إلى الثرب.
قوله: وهل الأولي للسيد إقامته بنفسه ليكون أستر أم الأولى أن يفوضه إلى الإمام ليخرج من خلاف أبي حنيفة في إلحاقه بالحر؟ فيه وجهان نقلهما الشيخ أبو خلف الطبري.
انتهى.
قال في "الروضة": الأصح الأول لثبوت الحديث.
قال: ولا يراعي الخروج من خلاف بخلاف السنة.
قوله في "الروضة": ومن بعضه حر لا يحده إلا الإمام.
انتهى.
ذكر الرافعي عن الإمام أنه رأى عن الصيدلاني أنه كالمدبر وأنه غلط، ولم يذكر هذا الوجه في "الروضة".
قوله: ثم ما سبيل إقامة السيد الحد على مملوكه؟ فيه وجهان.
تتخرج عليهما أكثر صور الفصل: أحدهما: أنه يقيمه بالولاية كما يلي أمر تزويج المملوكة، وأصحهما بالملك.
انتهى.
وقياسه على النكاح عجيب؛ فإن الخلاف في النكاح والحد واحد وكذلك الراجح فيهما أيضًا.
قوله: وفي المرأة وجهان أصحهما أن لها إقامة الحد على رقيقها بناء على أن سبيلها سبيل الإصلاح.
ثم قال: والوجهان في المرأة يجريان في الفاسق والكافر والمكاتب، والأظهر أنهم يقيمون، ويقال: إنه منصوص عليه في القديم في حق الفاسق.
انتهى.
الجزء: 8 - الصفحة: 323
وما ذكره في المكاتب مردود فإنه مصادم لنص الشافعي في "الأم" فإنه قال في الكتابة في أوائل [باب] 19 الجناية على المكاتب ورقيقه ما نصه: قال الشافعي: وليس لسيد المكاتب إن زنا أن يحده ولا إن أذنب أن يجلده، وللمكاتب أن يؤدب عبده وليس له أن يحده لأن الحد لا يكون إلى غير حر.
هذا لفظه بحروفه ومن الأم نقلته، وهو ظاهر مقيس.
وإذا منع الشافعي العبد فالكافر أولى.
قوله في أصل "الروضة": وهل يقيم الأب والجد والوصي والقيم [الحد] 20 على رقيق الطفل؟ وجهان، وقيل: لا يجوز لغير الأب والجد وفيهما الوجهان، ويشبه أن يقال: إن قلنا: الحد إصلاح، فلهم إقامته، وإن قلنا: ولاية، ففيه الخلاف.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن حكايته للطريقة الثانية غلط على العكس مما قاله الرافعي؛ فإن الرافعي قد قال ما نصه: ورقيق المجنون والصبي ذكر فيه طريقان إحداهما: أن أباه وجده يقيمان الحد عليه، وفي الوصي والقيم وجهان.
والثاني: أن في الكل وجهين.
هذا لفظه فانعكس عليه حالة الاختصار.
الأمر الثاني: أن تصحيحه لطريقة الوجهين لم يذكره الرافعي كما عرفت.
قوله: ولو شاهده السيد فهل يقيم الحد عليه؟ فيه وجهان بناء على أن القاضي هل يقضي بعلمه في الحدود؛ والأظهر نعم.
انتهى كلامه
الجزء: 8 - الصفحة: 324
بحروفه.
وهو عجيب؛ فإن المشهور أن القاضي لا يقضي في الحدود بعلمه؛ كذا ذكره في كتاب القضاء، وبالغ فرجح طريقة القطع به، وصحح في "الروضة" هنا أن السيد يقيمه ولم يتعرض للبناء المذكور، وقد ظهر لك أن مدرك الوجهين هو التخريج على هذا الأصل فيكون المذكور في هذا الموضع سهوًا فاجتنبه.
قوله: فروع عن "التهذيب": لو قذف المملوك زوجته المملوكة فهل يلاعن السيد بينهما كما يقيم الحد؟ فيه وجهان.
انتهى.
هذه المسألة نقلها الرافعي في اللعان عن المتولي وبين للوجهين مدركًا يقتضي تصحيح اللعان فقال: فيه خلاف بناء على إقامته الحد على عبده وسماع البينة؛ فعلمنا أن مدرك الخلاف مع تجويز إقامة الحد إنما هو سماع البينة والمرجح سماعه إياها.
قال:
الجناية الرابعة: القذف
قوله: ولا يحد الأب والجد بقذف الولد وولد الولد، وقال ابن المنذر: يحد.
انتهي.
والأم والجدات كالأب؛ نص عليه الشافعي في "الأم" ونبه في "الروضة" من "زوائده" على الحكم، إلا أنه لم ينقله عن أحد.
قوله: فرع: لو عفي عن الحد على مال فأحد الوجهين أنه يجوز كما تفتدي المرأة بالمال في الخلع، والثاني: المنع، ونظيره العفو عن الشفعة على مال.
انتهى.
والصحيح عدم الجواز، وقد جزم به الرافعي في أول باب العفو عن القصاص، وصححه في "الروضة" هنا من "زوائده" غير مستحضر للمذكور هناك.
الجزء: 8 - الصفحة: 325
قوله: وعن الشيخ إبراهيم المروروزي أنه حكي عن أستاذه النيهي .. إلى آخره.
النيهي: بنون مكسورة، وقد تقدم الكلام عليه في أول الكتاب.
قوله: فرع: لو تقاذف شخصان لم يتقاصا لأن التقاص إنما يكون عند اتفاق الجنس والصفة، والحدان لا يتفقان في الصفة أو لا يعلم التساوي لاختلاف القاذف والمقذوف في الخلقة وفي القوة والضعف غالبًا.
كذا ذكره إبراهيم المروروزي.
انتهى.
واعلم أن الرافعي والنووي قد صححا في الكلام على التقاص -وهو في باب الكتابة- أن التقاص مختص بالنقدين وحينئذ فتعليله ونقله عن المذكور خاصة لا حاجة إليها، بل مضران موهمان.
الجزء: 8 - الصفحة: 326
قال -رحمه الله-:
الجناية الخامسة: السرقة
والنظر في أطراف:
النظر الأول: في الأركان
قوله: ولو سرق ربعًا من الذهب الخالص كالسبيكة والحلي وهو لا يبلغ ربعًا مضروبًا بالقيمة ففي وجوب القطع وجهان: أحدهما: يجب؛ لبلوغ عين الذهب قدر النصاب، وإلى ترجيحه ميل كلام جماعة منهم البغوي، وقال في البيان إنه المذهب.
والثاني: المنع، ويحكى عن الإصطخري وابن أبي هريرة وأبي على الطبري وأبي الحسين العبادي، وهو أظهر عند الإمام وغيره، ووجه بأن لفظ الخبر هو الدينار وهو إنما يقع على المضروب، ويؤيده أن التقويم إنما هو بالمضروب دون غيره.
ولو سرق خاتمًا وزنه دون الربع وقيمته يبلغ بالصنعة ربعًا ففي القطع الوجهان؛ إن اعتبرنا القيمة وجب، وإن اعتبرنا العين فلا.
انتهى كلامه.
وحاصله أن المسألتين تشتركان في التخريج على الوجهين، إلا أن المسألة الثانية يثبت لها من الحكم عكس ما يثبت للأولى؛ لأنها عكسها في التصوير؛ وحينئذ فإن اعتبرنا الوزن: أوجبنا في الأولى دون الثانية، وإن اعتبرنا القيمة أوجبنا: في الثانية دون الأولى.
إذا علمت ذلك ففيه أمران:
أحدهما: أن الرافعي في "المحرر" قد صحح اعتبار القيمة؛ فإنه اقتصر على المسألة الأولى وصحح عدم وجوب القطع، وفي كلام "الشرح" إشعار به، وصرح النووي بتصحيحه في "أصل الروضة" ولم ينبه على أنه من "زوائده" بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.
الجزء: 8 - الصفحة: 327
الأمر الثاني: أن النووي قد حصل له في "الروضة" غلط فاحش وذهول عجيب فإنه سوي بين المسألتين وصحح فيهما معًا عدم الوجوب ثم عقب ذلك بقوله: والخلاف في المسألتين راجع إلى أن الاعتبار بالوزن أم بالقيمة؟ هذه عبارته.
ولو اقتصر على التصحيح فيها ولم يعقبه بما عقب لكان أستر له، بل أقام دليلًا قطعيًا على غلطه.
وأعجب من ذلك أنه لما صحح في الأولى عدم الوجوب عبر بالأصح ولما صحح في الثانية عبر بالصحيح فاقتضى أن الذي من حقه أن يصححه في الثانية -وهو الوجوب- ضعيف بالنسبة إلى تصحيحه في الأولى، وذلك كله عجيب وأوقع النووي في الغلط تعبير الرافعي بقوله: ففي القطع وجهان.
قوله: وإذا ادعى السارق الملك لنفسه لم يقطع على المنصوص الذي قال به أكثر الأصحاب، فإن قلنا به فسرق اثنان وادعى أحدهما أن المسروق لنفسه أو لهما وأنكره الآخر واعترف بالسرقة فلا قطع على المدعي، وفي المنكر وجهان: أظهرهما عند الإمام والغزالي أنه يجب، وبه قال ابن القاص واختاره ابن الصباغ لأنه مقر بأنه سرق نصابًا فلا شبهة.
ولو قال أحدهما: هذا ملك شريكي وأخذت معه بإذنه وأنكر الآخر فالذي نقلوه أنه كالصورة المتقدمة لا قطع على من يدعي أنه ملك صاحبه، وفي المنكر وجهان:
قال في "التهذيب" والأولى أن يقال: يجب القطع على المنكر؛ لأنه لا يدعي شبهة، وفي المدعي وجهان.
ثم قال ما نصه: ولو سرق عبد وادعى أن المسروق ملك سيده فإن صدقة السيد سقط القطع تفريعًا على النص وإن كذبه فوجهان:
الجزء: 8 - الصفحة: 328
أحدهما: لا يسقط لأنه يدعي الملك لسيده وهو منكر كما ذكرنا في الشريك، والثاني: يسقط كالحر [يدعي الملك لنفسه] 21 وهذا ما أورده في "الكتاب" مع حكاية الوجهين فيما إذا ادعي الملك للشريك، وإليه ذهب صاحب "التلخيص"، وقد يفرق بأن يد العبد كيد السيد فجعلت دعوي ملك السيد كدعوى الحر ملك نفسه بخلاف الشريك.
انتهى كلامه.
وفيه ذهول من وجوه:
أحدها: في قياس القطع على ما سبق في الشريك.
والثاني: ما دل عليه كلامه من التعجب من طريقة الغزالي حيث جزم بعدم القطع في العبد وحكى الوجهين فيمن ادعى أنه لشريكه.
والثالث: في الفرق على طريقة الغزالي وبيان الوهم أن العبد هو نظير الشريك المدعي الملك لنفسه، وقد جزم الغزالي فيه بالقبول كما جزم في العبد، وإنما حكى الوجهين في الشريك الذي هو معترف بأن الملك لغيره ونظيره في مسألة العبد إنما هو السيد لكن السيد لم يسرق حتى يأتي فيه الوجهان.
فإذا استحضرت ما ذكرناه وتأملته ظهر لك الأوهام التي حصلت وكأن الرافعي وقع في ذهنه أن العبد كالشريك المكذب فبني عليه، وقد تبعه في "الروضة" على الوهم أيضا وصحح في أصل "الروضة" في مسألة العبد سقوط القطع.
قوله: الثانية: إذا سرق شيئًا من الملاهي كالطنبور والمزمار وفي معناهما الأصنام، فإن لم يبلغ بعد الكسر نصابًا فلا قطع، وإن بلغ فوجهان: أظهرهما عند الأكثرين: أنه يقطع.
انتهى ملخصًا.
الجزء: 8 - الصفحة: 329
ذكر في "الشرح الصغير" نحوه أيضا، وخالف في "المحرر" فصحح عدم القطع عند بلوغه النصاب وعبر بالأصح، واستدرك عليه في "المنهاج" فصحح الوجوب.
قوله: أما إذا سرق ذمي مال المصالح فالصحيح أنه يقطع لأنه مخصوص بالمسلمين، ولا ينظر إلى إنفاق المال عليهم عند الحاجة لأنه للضرورة ومشروط بالضمان، وفي وجه: لا قطع واختاره البغوي وقال: لا ينبغي أن يكون إنفاق الإمام عليهم مشروطًا بالضمان.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وفيه أمران:
أحدهما: أن البغوي لم يختر عدم القطع بل ذكره احتمالًا بعد أن جزم بالقطع.
الثاني: أن الرافعي قد أطلق في كتاب اللقيط أنه إذا لم يكن له مال أنفق عليه من بيت المال من غير رجوع على الصحيح.
ثم حكى بعد ذلك في الحكم بإسلامه أو كفره وجهين في اللقيط الكافر وقال: أصحهما أنه كالمسلم في الإنفاق عليه من بيت المال.
قوله: ولو سرق المكاتب من سيده فوجهان، وبالمنع قال صاحب "التلخيص" وهو الذي أورده الروياني.
انتهى.
والراجح عدم القطع؛ كذا صححه النووي في أصل "الروضة".
تنبيه: قد ذكر الرافعي هنا ألفاظًا منها الكثير الوقاع في قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا قطع في أكثر ولا تمر" 22.
قال: والكثر: جمار النخل؛ وهو شحمه.
انتهى.
الجزء: 8 - الصفحة: 330
الكثر: بكاف ثم ثاء مثلثة مفتوحتين بعدها راء مهملة.
كذا قاله ابن الأثير وغيره، وضبطه الجوهري، وأورده الحديث المذكور وفسروه بما فسر به الرافعي وهو الجمار -بضم الجيم وتشديد الميم-: اسم لقلب النخلة الذي يقطع ويؤكل عند قطع النخلة أو سقوطها.
قال الجوهري: ويقال إن الكثر هو الطلع.
ومنها: المجن: بكسر الميم، اسم للترس الذي يتقى به في الحرب مأخوذ من الجنة بالضم وهو السترة.
ومنها العيبة: بعين مهملة مفتوحة ثم ياء ساكنة بنقطتين من تحت بعدها باء موحدة، وهي وعاء تجعل فيه الثياب.
جمعها عياب.
ومنها الصيادلة: بصاد وقال مهملتين بينهما ياء بنقطتين من تحت، اسم، للعطارين، واحده صيدلاني، ويقال أيضًا بالنون من الصندل وهو شجر طيب الرائحة.
ومنها الفامي: بالفاء والميم، وهو بائع الفوم؛ وهو الخمس بلغة الشام كما قال الجوهري لكنهم غيروه في النسب، ويطلق الفوم أيضًا في لغة العرب على الثوم وقرئ قوله تعالى: ﴿وَفُومِهَا﴾ 23 بالفاء والثاء أيضًا 24.
ومنها: الشرائج: بالشين المعجمة والجيم: اسم لما ينصب على الحوانيت التي تباع فيها أواني الخزف لتكون عوضًا عن الأبواب، واحده شريجة قال الجوهري: هو شيء ينسج من سعف النخل يحمل فيه البطيخ ونحوه.
الجزء: 8 - الصفحة: 331
ومنها المسوح: بميم مضمومة وسين وحاء مهملتين، وجمعه مسح بكسر الميم وهو ثوب من شعر أسود يسمى بالثلاثين تتخذ منه الغرائر ليحمل فيه التبن.
ومنها الكدس: بضم الكاف وسكون الدال والسين المهملتين هو الصبرة من الحب، جمعه أكداس.
ومنها التنضيد بالضاد المعجمة وهو جعل بعض الأمتعة فوق بعض، يقال نضده تنضيدًا ونضده بالتخفيف نضًا.
ومنها الردء: براء مكسورة ودال مهملة ساكنة بعدها همزة هو العون، قال تعالى حكاية عن موسى في طلبه لهارون -عليهما الصلاة والسلام-: ﴿رِدْءًا يصَدّقنِي﴾ 25 وتقول: أردأه.
أي: أعينه.
ومنها الجوالق: بجيم مضمومة وقاف، اسم الوعاء، وجمعه جوالق أيضًا لكن بفتح الجيم، وجواليق بزيادة الياء؛ قال الراجز:
ياحبذا ما في الجواليق السود ... من حسكيان وسويق وقيود
أي: جعل فيه القيد بالقاف وهو المطبوخ من قصب السكر.
قوله: ولا يشترط أن يكون المسروق في يد المالك بل المسروق من المودع والمرتهن والوكيل وعامل القراض والمستعير والمستأجر يوجب القطع، والخصم فيها المالك.
انتهى.
وما ذكره في المودع من أنه لا مخاصمة له بل المخاصمة للمالك قد اختلف فيه كلامه وكلام "الروضة"، وقد بسطت ذلك في كتاب الإجارة فليراجع منه.
قوله: إن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة
الجزء: 8 - الصفحة: 332
جبل، فإذا أواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن 26.
وحريس وخريب الجبل ما سرق من الجبل من المواشي، ويقال إن سارقها يسمى خاربًا.
انتهى كلامه.
الخريبة: بخاء معجمة مفتوحة وراء مهملة مكسورة بعدها ياء بنقطتين من تحت ثم باء موحدة، هي المسروقة فالخريبة بمعنى المخروبة؛ يقول: خرب فلان إبل فلان يخرب خرابة فهو خارب على وزن كتب يكتب كتابة فهو كاتب.
قال الشاعر:
والخارب اللص يحب الخاربا
ونقل الجوهري عن الأصمعي أن هذا اللفظ لا يطلق إلا على سرقة الإبل خاصة وأقره عليه.
ومعنى الحديث: أنه لا قطع في الثمار المعلقة على النخيل ولا في الإبل المسروقة من الجبال لعدم الحرز.
قوله: والمتبن حرز للتبن.
انتهى.
فصل بعد هذا بدون ورقتين فقال: إن كان في العمران فذاك، وإن كان في الصحراء فلابد من حارس.
قوله: ولو نام في صحراء أو مسجد أو شارع فسرق سارق المنديل من رأسه أو المداس من رجله قطع؛ لأنه محرز به.
انتهى.
المراد بالمنديل هو العمامة، وهو اصطلاح كثير من المشارقة.
والمداس: بفتح الميم وحكي كسرها، وهو مشتق من الدوس بالفتح
الجزء: 8 - الصفحة: 333
على المحل والكسر على الآلة.
قوله: والدار إن كانت منفصلة عن العمارة فليست بحرز إن لم يكن فيها أحد، فإن كان فيها نائم وبابها مغلق ففيه وجهان؛ الذي أجاب به الشيخ أبو حامد ومن تابعه أنها تكون حرزًا، والموافق لما أطلقه الإمام وصاحب التهذيب خلافه.
انتهى.
وقد اختلف كلام الرافعي في الراجح من هذين الوجهين، وكذلك النووي؛ فأما الرافعي فقال في "الشرح الصغير": أقربهما أنها حرز ولم يذكر ترجيحًا غيره، وخالف في "المحرر" فقال ما نصه: والدار المنفصلة عن العمارات ليست بحرز إن لم يكن فيها أحد، وكذا لو كان من فيها نائمًا، فإن كان مستيقظًا فما فيها محرز سواء أكان الباب مفتوحًا أم مغلقًا.
هذا لفظه بحروفه.
وهو عكس ما تقدم.
وأما النووي فقال في "الروضة" من "زوائده": الذي قاله الشيخ أبو حامد أقوى، وجزم الرافعي في "المحرر" بأنه غير محرز.
هذا كلامه.
ثم إنه في "المنهاج" وافق الرافعي على ما قاله في "المحرر".
قوله: ولو فتح صاحب الدار بابها وأذن للناس في الدخول عليه لشراء متاعه كما يفعله الذي يتجر في داره فوجهان لأن الزحمة تشغل الحس على ما سبق.
انتهى.
قد ذكر الرافعي بعد هذا بنحو كراس قبيل الركن الثالث ما يوجه منه تفصيل لما أطلقه هاهنا وتصحيح للخلاف الذي أرسله فقال: وإذا أذن صاحب الدكان في دخول الناس للشراء فمن دخل مستترًا وسرق لم يقطع، ومن دخل سارقًا قطع.
هذا لفظه.
وحينئذ ففي مسألتنا من دخل للشراء لم يقطع، ويؤيده ما قالوه في سرقة ثياب الحمام، ومن دخل لسرقة ففيه الوجهان، واستفدنا من جزمه هناك أن الراجح منهما هو القطع.
قوله: وهل يشترط إسبال باب الخيمة إذا كان من فيها نائمًا حكى
الجزء: 8 - الصفحة: 334
ابن كج فيه وجهين ورأي أن الأظهر أنه لا يشترط.
انتهى.
لم يصحح شيئًا في "الشرح الصغير" أيضًا وصحح في أصل "الروضة" ما صححه ابن كج.
قوله: وإن لم تكن الإبل مقطرة بل كانت تقاد أو تساق فمنهم من أطلق القول بأنها غير محرزة لأن الإبل لا تسير هكذا في الغالب وعلى هذا جري صاحي "التهذيب"، وعن "الإفصاح": أنه لا فرق، وبهذا أخذ القاضي الروياني وقال: المعتبر أن يقرب منها ويقع نظره عليها.
انتهى.
لم يصحح شيئا في "الروضة" أيضًا، وقد اختلف كلام الرافعي في المسألة فرجح الأول في "المحرر" فقال: وغير المقطرة منها غير محرزة على الأشبه.
هذا لفظه.
ورجح الثاني في "الشرح الصغير" فقال: إنه أولي الوجهين، والفتوي على الأولى فقد نص عليه الشافعي -رحمه الله- في الأم فقال في كتاب القطع في السرقة المذكورة بعد كتاب صفة النفي في باب ما يكون حرزًا: وأي إبل كانت لرجل تسير وهو يقودها فيقطر بعضها إلى بعض فسرق منها أو مما عليها شيء قطع فيه.
ثم قال بعد ذلك فلو اضطجع مضطجع في صحراء ووضع ثوبه بين يديه أو أرسل رجل إبله ترعي أو تمضي على الطريق وليست مقطرة فسرق من هذا شيء لم يقطع لأن العامة لا ترى هذا حرزًا هذا كلامه.
قوله: وإذا اعتبرنا بالتقطير فينبغي ألا يزيد القطار الواحد على تسعة للعادة الغالبة، فإن زادت فهي كغير المقطرة.
ومنهم من أطلق ذكر التقطير ولم يقيد بعدد، والأحسن توسط أورده السرخسي فقال: في الصحراء لا يتقيد وفي العمراني يعتبر بما جرت العادة بأن نجعلها قطارًا وهو ما بين سبعة إلى عشرة.
انتهى كلامه.
صرح -رحمه الله- في "الشرح الصغير" بتصحيح الأول ولم يذكر ما
الجزء: 8 - الصفحة: 335
ذكره هنا من استحسان الثالث.
ولم يصرح في "المحرر" بشئ بل قال: وينبغي ألا يزيد على تسعة، وصحح في "الروضة" الثالث فقال: فإن اعتبرناه -يعني التقطير- فيشترط ألا يزيد القطار الواحد على تسعة للعادة الغالبة فإن زاد فهي كغير المقطورة، ومنهم من أطلق ذكر القطر ولم يقيده بعدد والأصح توسطه.
ذكره السرخسي فقال: في الصحراء لا يتقيد القطار بعدد وفي العمران يعتبر بما جرت العادة بأن يجعل قطارًا وهو ما بين سبعة إلى عشرة.
هذا لفظه.
وهو تركيب عجيب آخره يدفع أوله.
ثم إنه صحح في "المنهاج" عكسه فقال: ويشترط التفات قائدها إليها كل ساعة بحيث يراها وألا يزيد قطار على تسعة.
هذه عبارته.
قوله: فإذا كفن من تركته فالكفن ملك للورثة، وقيل: للميت، وقيل: لله تعالى.
ثم قال: فإن كفنه أجنبي أو كفن من بيت المال فلمن الملك؟ فيه طريقان: أحدهما: على الأوجه.
والثاني: يبقى للأجنبي أو على حكم بيت المال ويكون كالعارية.
انتهى.
والأصح على ما قاله في "زوائد الروضة" هو الطريق الثاني.
قوله: فروع: إذا كفن السيد عبده فالملك في الكفن للسيد أو لا ملك لأحد؟ فيه وجهان.
انتهى.
والصحيح أنه باق على ملك السيد.
كذا صححه النووي في "الروضة" ولم ينبه على أنه من "زوائده" بل أدخله في كلام الرافعي؛ فتفطن له فإنه غريب.
قوله: وإن سرق أجنبي المال المغصوب أو المسروق فوجهان:
أحدهما: يقطع، وإلى ترجيحه مال صاحب الشامل.
والثاني: لا؛ لأن المالك لم يرض بإحرازه في ذلك المكان.
الجزء: 8 - الصفحة: 336
قال في "البيان" وهذا هو الصحيح، ويؤيده ما أشار إليه في "النهاية" و"الوسيط" وهو بناء الوجهين على الخلاف في أنه هل يجوز للأجنبي أخذ المغصوب حسبة ليرده إلى مالكه ثم قال: وهذا البناء هو الوجه.
أي: المتجه.
انتهى كلامه.
واعلم أن أخذ الأجنبي للمغصوب قد ذكره الرافعي في أوائل كتاب اللقطة فقال: فليس لآحاد الناس أخذ المغصوب إذا لم يكن معرضًا للضياع ولا الغاصب بحيث تفوت مطالبته ظاهرا وإن كان كذلك فوجهان: أصحهما المنع؛ لأن القاضي هو النائب عن الناس ولأنه قد يؤدي إلى الفتنة.
والثاني: الجواز احتسابًا ونهيًا عن المنكر.
انتهي.
وإذا علمت ما قاله هناك توجه على كلامه هنا أمران:
أحدهما: أنه أطلق محل الخلاف مع أنه يستثنى ما إذا لم تكن معرضة للضياع فإن سارقها يقطع جزمًا على مقتضي البناء الذي ذكره وهو جواز الأخذ فإن الأخذ في هذه الحالة ممتنع اتفاقًا.
الثاني: أن ما ذكره هنا من تأييد تصحيح "البيان" بالبناء المذكور ومن دعواه أن هذا البناء هو الوجه وغير ذلك مقتضاه تصحيح عدم القطع وأن المستند في ذلك تصحيح جواز الأخذ للآحاد وهو مناقض لما ذكره هنا من تصحيح منع الأخذ، وقد اغتر في "الروضة" بهذا الكلام فصحح في الأصل مقالة صاحب "البيان" ولم يتعرض للبناء، ولاشك أن هذا الكلام من الرافعي يقتضي أن الذي كان في ذهنه مقررًا هو تجويز الأخذ لغير الحاكم.
قوله: إحداها: إذا نقب ثم عاد أخرج النصاب في ليلة أخرى، حكى ابن كج عن النص: أنه إن علم صاحب الحرز بالنقب أو كان ظاهر إيراده الطارقون وبقي كذلك فلا قطع لانتهاك الحرز، وإلا فعن ابن سريج وغيره: أنه يقطع، كما لو نقب في أول الليل وأخرج المال في آخره وعن غيره أنه يحتمل أن لا يقطع لآخذه بعد انتهاك الحرز فحصل
الجزء: 8 - الصفحة: 337
وجهان، والخلاف شبيه بالخلاف فيما إذا أخرج نصابا بدفعات.
انتهى كلامه.
واعلم أن المشابهة بين المسألتين ظاهرة وقد ذكر الرافعي الإخراج بدفعات في أول الباب فقال فيه أوجه: أظهرها: يجب القطع، والثاني: لا، والثالث: إن عاد.
بعد ما اشتهر هتك الحرز وعلم الناس به أو المالك لم يقطع وإلا قطع.
قال صاحب "التهذيب": ولا فرق بين أن يعود في تلك الليلة أو في ليلة أخرى.
وفيه وجه أنه إن عاد في ليلة أخرى لم يقطع قولًا واحدًا.
انتهى كلامه.
وهو مخالف لتلك المسألة من وجهين:
أحدهما: أنه جزم هناك عند الاشتهار بعدم القطع وصحح هنا وجوبه.
الثاني: أن كلامه يقتضي الاتفاق على أنه يقطع إذا نقب في أول الليل وسرق في آخره؛ لأنه جعله أصلًا مقيسًا عليه، وحكي فيه الخلاف في مسألتنا.
قوله: وإذا نقب الحرز وأخرج غيره المال لم يقطع.
انتهى.
تابعه عليه في "الروضة"، وقد اختلف كلامه في "المنهاج" فقال: ولو نقب وأخرج غيره فلا قطع.
ثم قال ما نصه: ولو تعاونا في النقب وانفرد أحدهما بالإخراج، أو وضعه ناقب بقرب النقب فأخرجه آخر قطع المخرج.
هذا لفظه.
فجزم بأنه إذا نقب واحد ووضعه قريبا من النقب ثم جاء آخر فأخرجه أنه يقطع المخرج.
وهذا مع ما تقدم في غاية التباين؛ فإن غير الناقب إذا لم يقطع فيما إذا كان هو الداخل والسارق فبطريق الأولى ألا يقطع مع عدم الدخول وتقريب الناقب له من النقب، وبالجملة فهذا الغلط حصل من اختصاره لكلام الرافعي؛ فإن الرافعي قال في "المحرر"
الجزء: 8 - الصفحة: 338
ما نصه: ولو تعاونا على النقب وانفرد أحدهما بالإخراج فالقطع على المخرج، وكذا لو دخل أحدهما ووضع المتاع قريبًا من النقب فأدخل الآخر يده وأخرج.
انتهى.
فعلمنا أن صورة المسألة في الناقبين فتوهم النووي خلاف ذلك فوقع فيما وقع فيه.
قوله: ولو ابتلع في الحرز جوهرة أو دينارًا فأطلق مطلقون أن في القطع وجهين، وعن الشيخ أبي حامد وابن الصباغ وغيرهما أنه إن لم تخرج فلا قطع وإن خرجت فوجهان: أصحهما فيما ذكر المحاملي وطائفة: أنه لا يجب، وأصحهما عند الإمام والروياني: وجوبه.
انتهى.
لم يصحح شيئا في "الشرح الصغير" وصحح النووي في "الروضة" التفصيل بين أن تخرج فيجب أو لا فلا، ولم ينبه على أنه من زوائده بل أدخله في كلام الرافعي وهو غريب فتفطن له.
قوله: ولو أكره عبدًا صغيرًا بالسيف حتى خرج من الحرز فقد حكى الإمام وصاحب الكتاب فيه وجهين: أحدهما: لا يجب القطع لأنه فارق الحرز بفعله.
والثاني: يجب كما لو سارت البهيمة بالضرب والتعنيف، وهذا ما أورده صاحب "التهذيب".
انتهى كلامه.
والصحيح: وجوب القطع.
كذا صححه في "الروضة" ولم ينبه على أنه من زوائده فتفطن له، بل في بعض نسخ الرافعي تصحيح عكسه.
قوله: الثالثة: من دخل الحمام مستحمًا فسرق لم يقطع، وإن دخل سارقًا وهناك حافظ من الحمامي أو غيره قطع إذا لم يكن نائمًا أو معرضًا.
قال في "التهذيب" وغيره: ولابد من الاستحفاظ، فإن لم
الجزء: 8 - الصفحة: 339
يستحفظه فلا ضمان على الحمامي بترك الحفظ، ولا [قطع] 27 على من سرقه.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أنه قد أهمل شرطًا آخرًا نقله في آخر الباب عن "فتاوي الغزالي" وهو أن يخرج السارق الثياب من الحمام.
الثاني: وينبغي أن يستحضر قبل الخوض فيه كون البغوي هو جامع فتاوي شيخه القاضي الحسين أن البغوي في الفتاوي المذكورة عقب [نقله] 28 عن الأصحاب اشتراط الاستحفاظ في الضمان خالفهم فقال الأصح تضمينه وإن لم يستحفظ للعادة؛ فعلمنا بذلك أن المذكور في التهذيب إنما هو حكاية المذهب المعروف وأن اختيار البغوي خلافه.
قوله: وأما المعاهد ومن دخل بأمان ففي قطعه أقوال: أحدها: نعم كالذمي، والثاني: لا وهو المنصوص في أكثر كتبه، وثالثها: إن شرط عليه القطع قطع وإلا فلا.
ولم يذكر كثير من الأصحاب الثالث، ورجحوا الثاني، والتفصيل حسن.
انتهى ملخصًا.
وحاصله رجحان عدم القطع ولهذا صرح بتصحيحه في "أصل الروضة" فقال: أظهرهما عند الأصحاب.
إذا علمت ذلك فقد اقتصر في "الشرح الصغير" على ترجيح الثالث فقال: وأقر بها كذا وكذا، ولم يذكر ترجيحًا غيره بالكلية ولا نقله عن أحد، وذكر مثله في "المحرر" ولكن عبر: بالأحسن، وقد استدرك النووي عليه في "المنهاج" فصحح القطع كما دل عليه كلامه في "الكبير".
الجزء: 8 - الصفحة: 340
قال:
النظر الثاني: في إثبات السرقة
قوله: فإذا ادعي على إنسان سرقة نصاب يوجب القطع فأنكر ونكل فحلف المدعي ثبت المال، وأما القطع فنقل الإمام عن الأصحاب: أنه يثبت أيضًا، وكذلك ذكره الغزالي وإبراهيم المروروزي لأن اليمين المردودة كالإقرار أو كالبينة، والذي أورده ابن الصباغ وصاحب "البيان" وغيرهما: أنه لا يثبت، لأنه حد الله تعالى، وقد يؤيد بظاهر لفظه في "المختصر".
انتهى ملخصًا.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، وليس فيه تصريح بتصحيح وقد اختلف في ذلك كلام الرافعي والنووي؛ فأما الرافعي فصحح في "المحرر" هنا ثبوته وعبر بالأظهر وجزم في الشرحين "الكبير" و"الصغير" في كتاب الدعاوي بعدم ثبوته وعلله بقوله: لأن حدود الله تعالى لا تثبت باليمين المردودة؛ ذكر ذلك في الباب الثالث المعقود لليمين في الطرف الثالث منه، وأما النووي فتابع الرافعي على هذا الاختلاف الواقع بين الشرحين و"المحرر"، وزاد فصحح هنا في "أصل الروضة" في أواخر الشرط الثاني أنه يثبت، والرافعي في الموضع المذكور حكى خلافًا من غير ترجيح.
قوله في الروضة: فلو أقر ثم رجع فالمذهب أنه لا يقبل في المال وأنه يقبل في سقوط القطع.
انتهى.
وما قاله -رحمه الله- لا يعلم منه أن المسألتين مستويتان أم مختلفتان ولا أن الأصح طريقة القطع أم طريقة الخلاف ولا أن الخلاف قولان أو وجهان؟ ، وقد بين الرافعي كل ذلك وحاصله: أنه لا يقيد في المال، وقيل: وجهان.
أما القطع ففيه وجهان: أصحهما أنه يقيد فيه، وقيل قطعا.
الجزء: 8 - الصفحة: 341
قوله: ولو أقر بإكراه جارية غائب على الزنا فوجهان: أصحهما: يحد للزنا ولا يؤخر لأنه لا يتوقف على طلبه ولو حضر وقال كنت أتحتها له لم يسقط الحد، وقال ابن سريج: يؤخر لاحتمال أنه يقر بأنه وقف عليه تلك الجارية قال الإمام: وعلى الأول لو قال المالك: كنت بعتها أو وهبتها له فأنكر المقر بالزنا ينبغي ألا يسقط الحد، وعلى قياسه ينبغي ألا يسقط الحد إذا أقر بوقف الجارية وكذبه المقر المذكور.
انتهى.
قال في "الروضة": ليس الوقف كالبيع لأنه يصح بلا قبول على المختار والله أعلم.
وفيما ذكر من زوائده أمران:
أحدهما: أن الفرق الذي ذكره ردًا به على قياس الإمام لا يستقيم لأن الإمام يرى أن الصحيح افتقار الوقف إلى القبول فلذلك صح منه التسوية بين البيع والوقف فلا يقدح في قياس الإمام اختيار غيره.
الثاني: أن ترجيحه لعدم اشتراط القبول قد خالفه في باب الوقف من "المنهاج" فصحح اشتراطه، وقد تقدم بسطه هناك فراجعه.
قوله: وفرق بينهما بأن الحاكم لا مطالبة له بمال الغائب.
انتهى.
وهذه المسألة ذكرها الرافعي [في مواضع] 29 فيها كلامه وكلام "الروضة"، وقد سبق مبسوطًا في أول التفليس فراجعه.
قوله: ومن رفع إلى مجلس القاضي واتهم بما يوجب عقوبة فللقاضي أن يعرض له بالإنكار ويحمله عليه.
ولو أقر بذلك ابتداء أو بعد تقدم دعوى فكذلك على الصحيح.
انتهى.
وهو صريح في سماع الدعوى في حدود الله تعالى، والمسألة قد اضطرب فيها كلامه وكلام "الروضة" كما سأوضحه لك في الشهادات.
الجزء: 8 - الصفحة: 342
قوله: وهذا -أي: جواز التعريض بالرجوع للمقر- محله إذا كان المقر جاهلًا بالحد إما لقرب عهده بالإسلام، أو لأنه نشأ في بادية بعيدة عن أهل العلم.
انتهى.
وهذا الكلام قد أسقطه من "الروضة" وإسقاطه غريب.
قوله: وهل للحاكم أن يعرض الشهود بالتوقف في حدود الله تعالى؟ وجهان.
انتهى.
والأصح على ما قاله في "الروضة" أنه إن رأى المصلحة في الستر فعله وإلا فلا.
قوله: ألا تري أن ماعزًا لما ذكر لهزال أنه زنا وقال له بادر إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[قبل أن ينزل الله فيك قرآنًا.
فذكر ذلك للنبي] 30 فقال: هلا سترته بثوبك يا هزال 31؟ انتهى.
هزال: بهاء مفتوحة ثم زاي معجمة مشددة في آخره لام.
قوله: فرع: قال الإمام في قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "من أتي شيئًا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله" 32 فيه دليل على أنه لا يجب من قارف موجب حد إظهاره.
قال: وكان شيخي يقطع به.
وفيه احتمال إذا قلنا: الحد لا يسقط بالتوبة.
انتهى.
وهذا الاحتمال عجيب ومستنده أعجب؛ فإن الإجماع قائم كما ذكره
الجزء: 8 - الصفحة: 343
في الشهادات على أن التوبة مسقطة وقد رده في "الروضة" أيضًا هنا فقال: الصواب الجزم بأنه لا يجب الإظهار لقصة ماعز وإنما لا يسقط الحد بالتوبة على قول في ظاهر الحكم، وأما فيما بينه وبين الله تعالى فالتوبة تسقط أثر المعصية.
والقاذورات: بالذال المعجمة، والمراد به هاهنا ما يوجب العقوبة، وتطلق القاذورة أيضًا على الذي يمتنع من تعاطي المستقذر، وعلى الرجل الذى لا يبالي بما قال ومما صنع.
قاله ابن الأثير.
قوله: ولو سرق من حرز هو بما فيه في يد إنسان ولم تقم بينة مفصلة فقال السارق هو ملكي، فعلى قولنا يسقط القطع بدعوى الملك كما هو المنصوص المعروف ويبقي النزاع بينهما في المال والمصدق فيه المأخوذ منه مع [يمينه]، وإن قلنا: لا يسقط القطع بالدعوى، فإن حلف المسروق منه ثبت القطع مع المال.
ويرجع الخلاف في أنه هل يثبت القطع باليمين المردودة؟ انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" عليه، ونقل المسألة من هنا إلي ما قبله وهذه اليمين ليست هي اليمين المردودة بل هذه يمين المدعى عليه، وكيف يحسن أيضًا التردد في وجوب القطع والتفريع على أنه لا يسقط القطع بهذه الدعوي.
قوله: فرع: إذا قلنا يسقط القطع بدعوى الملك فهل يستفصله القاضي سعيًا في سقوط الحد؟ فيه تردد للإمام.
انتهى.
والأصح على ما قال في "الروضة": أنه لا يستفصله لأنه إغراء بادعاء الباطل.
الجزء: 8 - الصفحة: 344
قال:
النظر الثالث: في الواجب
قوله: فتقطع يمين السارق والسارقة قال الله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ 33، وقرأ ابن مسعود - رضي الله عنه -: "أيمانهما" والقراءة الشاذة تتنزل منزلة أخبار الآحاد.
انتهى كلامه.
وما ذكره من تنزيلها منزلة الآحاد صحيح؛ فقد جزم به أيضًا جماعات منهم الشيخ أبو حامد في الصيام وفي الرضاع، والماوردي في الموضعين أيضًا، والقاضي أبو الطيب في موضعين من "تعليقه": أحدهما: الصيام، والثاني: في باب وجوب العمرة، والقاضي الحسين في الصيام، والمحاملي في الأيمان من كتابه المسمي "عدة المسافر وكفاية الحاضر"، وابن يونس شارح "التنبيه" في كتاب الفرائض في الكلام على ميراث الأخ للأم، ونص عليه الشافعي في موضعين من "مختصر البويطي" في باب الرضاع وفي باب تحريم الجمع، وذكر إمام الحرمين في "البرهان": أن الظاهر من مذهب الشافعي أنه لا يحتج بها، فقلده فيه النووي فجزم به في "شرح مسلم" 34 في الكلام على قوله -عليه الصلاة والسلام-: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر" 35، وفي غيره أيضًا فاحذر ذلك.
قوله: ولو كانت اليمين شلاء فيراجع أهل الخبرة فإن قالوا لو قطعت لم يرقأ الدم قطعت الرجل، وإن قالوا يرقأ قطعت يمينه.
انتهى كلامه.
اعلم أن يرقأ المذكور هنا معناه ينقطع وهو مهموز الأخير؛ تقول: منه رقأ الدم والدمع يرقأ بالفتح فيهما رقاء بالسكون ورقوء على وزن فعول.
وأما يرقا بلا همز فمعناه صعد؛ يقول منه رقيت في السلم بالكسر أرقي
الجزء: 8 - الصفحة: 345
رقيًا بالسكون ورقيا ورقي الدم يرقا.
قوله: ولو قطع يسار السارق جان أو قطعها الجلاد عمدا لم يسقط عنه القطع في اليمين.
ولو قال الجلاد له: أخرج يمينك، فأخرج يساره فقطعها ففيه طريقان: أحدهما قاله القاضي أبو الطيب وآخرون: إن قال المخرج: ظننت المخرج يمينا أو أن اليسار تجزئ عن اليمين؛ ففي قيامها مقامها قولان: أحدهما: المنع كالقصاص ويروى هذا عن رواية الحارث بن سريج النقال، وعلى هذا فيراجع القاطع.
فإن قطع عالمًا عامدًا فعليه القصاص وإلا فالدية، وأصحهما القسوط لأنه حد لله تعالى.
والطريق الثاني قاله الشيخ أبو حامد: يراجع القاطع أولًا فإن قال علمت أنها اليسار وأن اليسار لا تجزئ عن اليمين فعليه القصاص وبقي القطع في اليمين، وإن ظنها اليمين أو أن اليسار تجزئ عنها فعليه الدية وفي سقوط القطع في اليمين القولان، وإيراد الإمام وغيره يوافق هذه الطريقة إلا أن القصاص على القاطع وإن كان عالمًا بالحال إنما يجب إذا لم يوجد من المخرج قصد بدل وإباحة.
انتهى.
لم يصحح في "الروضة" أيضًا شيئًا من هذا الخلاف، والصحيح هو الطريق الأول؛ وهو النظر أولا إلى المخرج، كذا صححه الرافعي في آخر باب استيفاء القصاص وبالغ في تصحيحه، وقد سبق ذكر لفظه، وصححه أيضًا في "تصحيح التنبيه" فقال: وإنه إذا وجب قطع يمينه فقطع الجلاد يساره عمدًا أو سهوًا أجزأت عن اليمين ولا قصاص على القاطع ولا دية.
هذا لفظه.
وهو يقتضي بعمومه تصحيح الإجزاء في صورتين: إحداهما: إذا قطع الجلاد من غير إخراج السارق وليس كذلك اتفاقًا.
الثانية: إذا قال المخرج علمت أنها اليمين وأنها لا تجزئ مع أنه ليس الآمر أيضًا كذلك، وكلام الرافعي في القصاص يقتضي أنه لا فرق في
الجزء: 8 - الصفحة: 346
الصورة الثانية بين أن يكون الإخراج على قصد حسابها عن اليمين أم لا، وهو واضح لأن القصد المذكور مع علمه بأنه لا يقع لا أثر له فلذلك ألحقه بالمبيح؛ فتفطن له.
والنقال: المنقول عنه هو بالنون كما تقدم إيضاحه في "الطبقات" وفي الجنايات أيضًا.
قوله: ولو كان بمعصمه كفان نقل الإمام عن الأصحاب أنهما تقطعان سواء تميزت الأصلية أم لا، وفي "التهذيب" أنه إن تميزت الأصلية قطعت وإلا فإحداهما، وهو أحسن.
انتهى.
والصحيح المنصوص كما قاله في صفة الوضوء من "شرح المهذب" وفي "زوائده" هنا: أنه لا تقطع إلا إحداهما.
قوله: وفي "فتاوي الحسين الفراء": أنه لو وضع الميت على وجه الأرض ونضدت الحجارة عليه كان ذلك كالدفن حتى يجب القطع بسرقة الكفن خصوصًا إذا كان ذلك [حيث] 36 لا يمكن الحفر، وأنهم لو كانوا في البحر وطرح الميت فيه وغيبه الماء فغاص سارق وأخذ الكفن لم يقطع أيضًا لأن طرحه لا يعد إحرازًا فهو كما لو وضعه على الأرض فغيبته الريح بالتراب، وقد يتوقف في هذا.
انتهى.
واعلم أن الأقرب في التوقف الذي ذكره الرافعي عوده إلى مسألة تغييب التراب فإنها أقرب لفظًا وأولى بذلك معنى من تغييب البحر لأنها بالقبر الأصلى أشبه من التغييب في البحر، وقد حذف النووي التغييب في التراب فلم يذكره بالكلية وجعل الوقفة راجعة إلى الماء، وقد بحث النووي في المسألة الأولى وهي تنضيد الحجارة فقال: ينبغي ألا يقطع إلا أن يتعذر الحفر لأنه ليس بدفن والبحث الذي ذكره يتقوى بالمنقول في تغييب التراب.
والتنضيد: هو أن يجعل الشيء بعضه فوق بعض.
الجزء: 8 - الصفحة: 347
قال:
الجناية السادسة: قطع الطريق
قوله: ولابد في قاطع الطريق مع الشوكة والبعد عن العون من الإسلام؛ فالكفار ليس لهم حكم القطاع وإن حافوا السبيل وتعرضوا للأنفس والأموال، ومن التكليف .. إلى آخر كلامه.
وما ذكره -رحمه الله- من اشتراط الإسلام قد تابعه عليه في "الروضة" أيضًا، ومقتضاه أن أهل الذمة لا يكونون قطاعًا وكذلك لو كان في القوم ذمي لا يثبت له حكمهم، ولا وجه له؛ فإن زعم انتقاض عهدهم بذلك وأننا نقتلهم كما نقتل الحربيين فليس كذلك أيضًا لأن الصحيح أن العهد لا ينتقض به إلا إذا شرط عليهم تركه وشرط عليهم الانتقاض به أيضًا لو فعلوه، وبتقدير القول بالانتقاض فسيأتي أن من انتقض عهده به أو بغيره يقام عليه ما يقتضيه ذلك الشيء ثم يفعل فيه بعد ذلك من القتل أو غيره مما ذكروه فالصواب الإلتزام للأحكام بدلًا عن الإسلام ويكون احترازًا عن الحربيين فإنهم لا يضمنون نفسًا ولا مالًا.
تنبيه: ذكر الرافعي هنا في الباب ألفاظًا منها: جمع الكف: هو بضم الجيم وسكون الميم، وهو اسم للكف المقبوضة، يقال: ضربته بجمع كفي أي: بكفي وهي مقبوضة وهو المسمى باللكم.
ومنها قولهم: الحرب سجال: هو بسين مهملة مسكورة بعدها جيم قال الجوهري: وهو مأخوذ من المساجلة وهو المفاخرة بأن يصنع] 37 مثل صنعه في جري أو سقى قال: وأصله من السجل بفتح السين وسكون الجيم، وهو الدلو الذى فيه ماء قليلًا كان أو كثيرًا، ولا يقال له وهو فارغ سجل ولا ذنوب، وجمعه سجال.
الجزء: 8 - الصفحة: 348
ومنها: الدعارون: بالدال المهملة، وهم [المفسدون]، يقال: هو داعر من الدعر بالفتح والدعارة، وامرأة داعرة بالتاء، وهو مأخوذ من قولهم: دعر العود بالكسر يدعر داعر بالفتح فيها فهو داعر إذا كان رديئا كثير الدخان.
ومنها: الردء: براء مسكورة هو المعين، وقد سبق ضبطه في السرقة.
قوله: أما إذا لم يأخذ مالًا ولا قتل ولكن كثر جمع القاطعين وكان ردأهم فوجهان: أصحهما: يعزره الإمام بما يراه والثاني: ينفيه، وإذا عين صوبًا منعه من العدول إلى غيره.
وعلى هذا هل يعزر في البلد المنفي إليه بضرب وحبس وغيرهما أم يكفي النفي؟ وجهان.
انتهى.
الأصح على ما قاله في "الروضة": أنه إلى رأي الإمام.
قوله: فرع: إذا اجتمع عليه القتل والصلب لو مات قبل أن يقتل هل يجب صلبه؟ فيه وجهان.
قال القاضي أبو الطيب: نعم؛ لأنهما مشروعان وقد فات أحدهما فيستوفى الآخر.
وقال الشيخ أبو حامد: لا؛ لأن الصلب صفة تابعه للقتل وقد سقط المتبوع فيسقط التابع، وهذا ما نسب إلى رواية الحارث بن سريج النقال.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذا النص الذي نقله الرافعي عن النقال قد نقله عنه الشيخ أبو على في كتاب الجنائز من "شرح التلخيص" في مسألة أخرى قريبة من هذه فقال: وإذا قلنا: إنه يصلب بعد القتل، فإلى متى يصلب؟ قولان:
أحدهما: إلى ثلاثة أيام.
حكاه الحارث بن سريج النقال عن
الجزء: 8 - الصفحة: 349
الشافعي؛ لأن الثلاث في حد القليل.
هذا كلامه.
الأمر الثاني: لقائل أن يقول: لا يخلو إما أن يريد بهذه التبعية أن مشروعية الصلب تابعه لوجود القتل، أو أن مشروعيته تابعه لمشروعيته؛ فإن أراد الأول فهو محل النزاع لأن معناه أنه لا يشرع الصلب إلا إذا وجد القتل قبله، وإن أراد الثاني فمسلم ولا يلزم سقوط الصلب لأن معني ذلك أنه لا يشرع الصلب إلا إذا شرع القتل وقد وجدت مشروعية القتل في مسألتنا فيلزم وجود مشروعية الصلب.
فإن قلت: فقد زالت مشروعية القتل بالموت فتسقط مشروعية الصلب على هذا التقدير.
قلنا: بتقدير سقوطها تكون تابعه لوجود القتل لا لمشروعيته، وقد تقدم إبطاله وليس الكلام فيه؛ فثبت أن المراد على الاحتمال الثاني إنما هو بتبعتها لأصل المشروعية لا لبقائها ودوامها، وأصل المشروعية قد وجد.
واعلم أن النقال الراوي لهذا النص هو بنون بعدها قاف، وقد تقدم الكلام عليه في مقدمة الكتاب، وسبق أيضًا التعرض له في أواخر الجناية الخامسة.
قوله: وهل تؤثر التوبة في إسقاط حد الزنا والسرقة والشرب قبل القدرة وبعدها؟ فيه قولان: أصحهما -على ما ذكره الإمام وصاحب "التهذيب" وغيرهما وينسب إلى الجديد- أنها لا تؤثر.
والثاني -ورجحه جماعة من العراقيين- أنها تؤثر.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الأصح من هذين القولين هو الأول كذا صححه الرافعي في باب حد الزنا وصرح بأنه الجديد فقال: وأصحهما -وهو الجديد وبه قال أبو حنيفة- أنه لا يسقط هذا لفظه.
الجزء: 8 - الصفحة: 350
وأشار إلى ترجيحه في "المحرر" فقال: رجح منهما منع السقوط وهذا الكلام لا يؤخذ منه تصحيح للرافعي لأنه بناه للمفعول فكأنه قال رجحه بعضهم، ولم يستحضر النووي هنا ما صححه هو والرافعي في حد الزنا بل اقتصر على ما نقل في "المحرر" نقلًا غير مطابق أيضًا فقال: قلت: رجح الرافعي في "المحرر" منع السقوط وهو أقوى، والله أعلم.
الأمر الثاني: ما نبه عليه النووي من "زوائده" في كتاب السرقة فقال محل الخلاف في عدم السقوط إنما هو في ظاهر الحكم، وأما فيما بينه وبين الله تعالى فيسقط بلا خلاف لأن التوبة تسقط أثر المعصية.
والذي قاله صحيح لا شك فيه وقد صرحوا به في الشهادات في الكلام على أركان التوبة وغيرها لكنه ذكر هنا بعد هذا ما ظاهره يخالف ما ذكره هناك.
قوله: ثم ما يسقط بالتوبة في حق قاطع الطريق قبل القدرة يسقط بنفس التوبة، وأما توبته بعد القدرة وتوبة الزانى والسارق والشارب فوجهان: أحدهما: كذلك.
والثاني: يشترط مع التوبة إصلاح العمل، ونسب الإمام هذا الوجه إلى القاضي الحسين والأول إلى سائر الأصحاب، والذى أورده جماعة من العراقيين وتابعهم صاحب "التهذيب" والروياني هو ما نسبه إلى القاضي.
انتهى.
لم يصرح في "الروضة" أيضًا بتصحيح، والأصح الاشتراط.
كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير" وعبر: بالأظهر.
قوله: وإذا اجتمع عليه حدود قذف جماعة حد لكل واحد ولا يوالي بل يمهل بعد كل حد حتى يبرأ.
هكذا ذكره البغوي وغيره، لكن سبق في القصاص أنه يوالي بين قطع الأطراف قصاصًا وقياسه أن يوالي
الجزء: 8 - الصفحة: 351
بين الحدود.
انتهى.
وما ذكره من استشكال القصاص على مسألتنا قد تابعه عليه في "الروضة" وهو غريب فإن قطع الأطراف على قسمين:
أحدهما: أن يكون لواحد كما لو قطع يديه.
[فاندمل ثم قطع رجليه فيجوز للمقطوع أن يوالي بين قطع يديه] 38 ورجليه على المذهب وإن كان فيه مزيد خطر.
كذا ذكره الرافعي في الفصل الثاني المعقود لكون القصاص على الفور، وليس هذا نظير مسألتنا.
والقسم الثاني وهو نظيرها أن يكون لجماعة، وقد صرح به الرافعي في الكلام على ما إذا قال أخرج يمينك فأخرج يساره وقال: إنه لا يوالي وذكر معها أيضًا المسألة الأولى وذلك قبيل باب العفو عن القصاص بأسطر فقال: وإذا قطع طرفي اللسان معًا فيقتص منهما معا ولا يفرق على الصحيح المنصوص بخلاف ما إذا قطع يمين واحد ويسار آخر حيث لا يوالي بين القصاص لأنه لم يجتمع خطر القطعين على واحد حتى يقابل بمثله.
هذا كلامه.
وبه يظهر أنه اشتبهت عليه مسألة بمسألة، وتعبيره أيضًا بقوله معًا قد علم مما سبق أنه ليس بشرط وقد حذف في "الروضة" ما إذا كان القصاص لمتعدد ومشى على ما ذكره الرافعي في هذا الباب فتفطن له فإن خطأ محض.
قوله: من زنا مرارًا وهو بكر حد للجميع حدًا واحدًا، وكذا لو سرق أو شرب مرارًا.
وهل يقال: تجب حدود ثم يعود إلى حد واحد أم لا يجب إلا واحد وتجعل الزنيات كالحركات في زنية واحدة، ذكروا فيه احتمالين.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" أيضًا وفيه أمران:
الجزء: 8 - الصفحة: 352
أحدهما: أن اقتصار الرافعي والنووي على نقل احتمالين عجيب مؤذن بأنهما لم يقفا على خلاف صريح للأصحاب، وقد صرح الإمام بنقله في آخر هذا الباب فقال: وقد تردد العلماء على وجه آخر فقال قائلون: تجب حدود على أعداد الزنيات ثم تتداخل، وقال آخرون: الزنيات إذا لم يتخللها الحد كالحركات في زنية واحدة، وهذا أقرب.
هذه عبارة الإمام، وكأن الرافعي استحضر لفظ التردد الواقع أولًا في كلام الإمام وغفل عما بعده أو لم يقف على كلام النهاية.
الأمر الثاني: أنا قد استفدنا أيضًا من كلام الإمام أن الراجح هو الاحتمال الثاني وهو ظاهر.
قوله: ولو زنا وهو بكر ثم زنا قبل إقامة الحد عليه وهو قد أحصن فوجهان: أصحهما -عند الإمام وصاحب الكتاب- أنه يكتفي بالرجم ويدخل الجلد فيه، وأصحهما -عند صاحب التهذيب وغيره- أنه يجمع بينهما.
انتهى.
لم يصحح شيئا في "الشرح الصغير" أيضًا ولا في "الروضة" هنا، والصحيح وجوب الحدين؛ فقد قال الشيخ أبو على السنجي: إنه ظاهر المذهب.
قال: وعلى هذا لو زنا العبد ثم عتق فزنا قبل الإحصان فقيل: عليه خمسون جلدة لزناه في الرق، ومائة لزناه في الحرية، لاختلاف الحدين، والأصح أنه يجلد مائة فقط ويدخل الأقل في الأكثر لاتحاد الجنس.
كذا نقله عنه الرافعي في الباب الثاني من أبواب اللعان وجزم به أيضا في مسألتنا الشيخ أبو إسحاق في "التنبيه" وأبدي الاقتصار على الرجم احتمالًا له فقط فقال: جلد ورجم، ويحتمل أن يقتصر على رجمه.
هذا لفظه.
وهو يدل على أنه لا يعرف في المذهب غيره، وصححه النووي في "أصل
الجزء: 8 - الصفحة: 353
الروضة" في اللعان في الموضع المشار إليه وعبر بالأصح إلا أنه في الباب الثالث لا الثاني كما في الرافعي ولا ذكر للمسألة في "المحرر" ولا في "المنهاج".
قوله: قال الماسرجسي وغيره: لو شهد رجلان بوصية لهما فيها نصيب أو إشراف لم تقبل في شيء، وإن قالا نشهد بها سوي ما يتعلق بنا من الأموال والإشراف قبلت شهادتهما.
انتهى.
وقياس ما ذكره في الشهادات في نظائر هذه المسألة أن تبطل فيما يتعلق بهما ويصح في الباقي لأنه إذا جمع في الشهادة بين المقتول وغيره قبلت فيما يقبل.
الجزء: 8 - الصفحة: 354
قال -رحمه الله-:
الجناية السابعة: شرب الخمر
قوله: والفرق بفتح الراء: مكيال يسع ستة عشر رطلًا.
انتهى.
هو بفاء وراء مهملة مفتوحتين بعدهما قاف، وإنما ضبطه الرافعي بفتح الراء للاحتراز عن ساكنها فإنه مائة وعشرون رطلًا كما قاله ابن الأثير في الغريب.
قال: وأما العرق بالعين المهملة فهو المنسوخ من ظفائر الخوص.
ثم قال: -أعني الرافعي-: وهذا كالنهي عن الانتباذ في الأوعية التي كانوا ينتبذون فيها كالدباء -وهو القرع- والحنتم -وهي جرار خضر- والنقير -وهو جذع ينقر ويتخذ منه إناء- والمزفت -وهو المطلي بالزفت، وهو القار ويقال له المقير-؛ لأن هذه الأوعية ينتبذ فيها ولا يعلم به بخلاف الأسقية من الأدم.
انتهى.
فأما الدباء فهو بدال مهملة مضمومة في آخره همزة، مفرده: دباءة، ووزن الدباء فعال ولامه همزة لازمة لأنه لم يعرف هل انقلبت همزته عن واو أو ياء.
كذا قاله الزمخشري.
وأخرجه الجوهري في المعتل فإنه جعله من مادة دبا فيكون وزنه فعالا أيضًا إلا أن همزته منقلبة.
وقال الهروي: همزته زائدة ووزنه فعلا.
قال ابن الأثير: بعد حكاية هذا كله إن ما قاله [الجوهري] 39 أشبه، وأما الخنتم: فهو بخاء معجمة مفتوحة ثم نون ساكنة ثم تاء مثناه من فوق.
وأما النقير فبالنون.
والأدم: بفتح الهمزة والدال جمع أديم وهو الجلد والأدمة بالفتح باطن
الجزء: 8 - الصفحة: 355
الجلد الذي يلي اللحم والبشرة ظاهره.
واعلم أن النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية منسوخ كما ثبت في "صحيح مسلم" 40، وقد نَبّه عليه في "الروضة".
قوله في "أصل الروضة": والمذهب جواز إساغة اللقمة بالخمر إذا لم يجد غيرها بل تجب الإساغة بها.
ثم قال: وأما شربها للتداوي والعطش والجوع إذا لم يجد أيضًا غيرها ففيه أوجه: أصحهما -وهو المنصوص وقول الأكثرين- لا يجوز.
انتهى كلامه.
وما ذكره من كون المنع منصوصًا للشافعي في جميع ما ذكره غير مطابق لكلام الرافعي فإنه إنما حكاه في العطش خاصة، وقد ذهل النووي في "شرح المهذب" عن هذا الخلاف المذكور في الإساغة فقال: يجوز بلا خلاف.
ذكر ذلك في باب الأطعمة.
قوله: ولو [احتيج] في قطع اليد المتآكلة -نعوذ بالله منه- إلى ما يزيل عقله من غير الأشربه كالبنج خرج ذلك على الخلاف في التداوي بالخمر.
انتهى.
واعلم أن الفتوي في هذه المسألة على خلاف ما ذكره الرافعي، وقد تقدم ذلك مبسوطًا في الباب الثاني من أبواب الطلاق.
قوله في "الروضة": ومن تبخر بالند 41 المعجون بالخمر هل ينجس؟ فيه وجهان كدخان النجاسة.
انتهى.
ومقتضاه تصحيح نجاسته حتى لا يجوز الصلاة معه ولا التبخر به؛ لأن استعمال الأشياء النجسة ممتنع في الثوب والبدن على المشهور كما سبق في
الجزء: 8 - الصفحة: 356
صلاة الخوف، وصرح في "التحقيق" و"شرح المهذب" بأن دخان المتنجس كدخان النجس وما اقتضاه كلامه هنا من المنع سيأتي من "زوائده" في كتاب الأطعمة ما يخالفه فراجعه.
قوله: روي الشافعي - رضي الله عنه - بإسناده أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أتى له بشارب فقال: اضربوه فضربوه بالأيدي والنعال وأطراف الثياب وحثوا عليه التراب ثم قال بكتوه فبكتوه ثم أرسله 42.
فلما كان أبو بكر - رضي الله عنه - سأل من حضر ذلك المضرب فقومه أربعين.
ويروي فقدره فضرب أبو بكر - رضي الله عنه - أربعين ثم عمر - رضي الله عنه -، ثم تبايع الناس في الخمر فاستشار فضرب ثمانين.
انتهى.
وأما بَكَّتُوه فهو بباء موحدة وكاف مشددة بعدها تاء مثناة بنقطتين من فوق.
قال ابن الأثير في هذا الحديث: التبكيت هو التقريع والتوبيخ بأن يقال له [يا] فاسق أما اتقيت الله تعالى أما استحييت منه.
قال الهروي: ويكون أيضًا باليد والعصا ونحوهما.
وقد جزم الماوردي في "الإقناع" بحث التراب والتبكيت كما ورد في الحديث، واقتضى كلامه وجوبه.
وأما تبايع المذكور في آخر الحديث فهو بياء بنقطتين من تحت قبل العين، وهو عبارة عن أن يفعل من أفعال القبيح مثل ما فعل غيره من غير فكرة ولا
الجزء: 8 - الصفحة: 357
روية.
قوله: فرع آخر: لا تقام الحدود في المساجد ويسقط الفرض لو أقيمت كما لو صلي في مكان مغصوب.
انتهى.
وهذا الكلام قد تبعه عليه في "الروضة" وهو مشعر بأن فعل ذلك في المسجد حرام، وليس كذلك؛ فقد ذكر في كتاب الأقضية في الأدب الثالث من أدب القضاء بأنه لا يحرم بل يكره، ونص عليه الشافعي في "الأم" فقال في أول باب ما يستحب للقاضي ما نصه: وإذا كرهت له أن يقضي في المسجد كنت لأن يقيم الحد في المسجد أو يعزر أكره.
هذا لفظه بحروفه، ومن الأم نقلته.
ونقل ابن الرفعة عن الرافعي الموضع المذكور في هذا الباب فقط ولم يطلع على الثاني، وقد اختلف كلام ابن الصباغ في المسألة فأجاب في الأقضية بما دل عليه كلام الرافعي في هذا الباب من التحريم وأجاب في الحدود بالكراهة.
الجزء: 8 - الصفحة: 358
القول في التعزير
قوله: وهو مشروع في كل معصية ليس فيها حد ولا كفارة.
انتهى.
يستثنى من كلامه أمور:
أحدها: إذا صدرت الصغيرة من بعض أولياء الله تعالى قال الشيخ عز الدين في "القواعد الكبري" فلا يجوز للأئمة والحكام تعزيرهم عليها بل تقال عثرتهم وتستر زلتهم، وقد جهل أكثر الناس فزعموا أن الولاية تسقط بالصغيرة ذكر ذلك في أوائل الفصل المعقود لبيان التسميع بالعبادات وهو نحو ثلث الكتاب.
الثاني: إذا جامع زوجته في نهار رمضان فإنه يجب فيه التعزير بالإجماع.
كذا رأيته في "شرح السنة" للبغوي في حديث الأعرابي الذي جامع زوجته في نهار رمضان، وعبر بقوله: أجمعت عليه الأمة، وجزم به أيضًا ابن يونس صاحب "التعجيز" في شرحه له، ورأيت للرافعي في "شرح مسند الإمام الشافعي" ما يقتضيه أيضًا ذكر ذلك في الحديث المذكور.
فعلى هذا تستثني هذه المسألة مما فيه الكفارة وذهل في "الكفاية" عن هذه النقول فذكر ما حاصله الجزم بعدم الوجوب وقد نبهت عليه في "الهداية".
الثالث: جماع المرأة حائضًا إذا قلنا بوجوب الكفارة فإنه [يوجب] 43 التعزير بلا خلاف كما صرح به بعض الأصحاب ولا يحضرني الآن قائله.
الجزء: 8 - الصفحة: 359
الرابع: إذا قتل من لا يقاد به كما لو قتل ابنه أو عبده أو قتل المسلم الكافر أو غير ذلك فإن الكفارة تجب ومع هذا يجب التعزير كما نص عليه الشافعي في "الأم" ونقله عنه جماعة منهم صاحب "الشامل"، وسوف أذكر لفظه في الكافر لغرض تعلق به.
نعم يجاب عن هذا بأن إيجاب كفارة القتل ليس هو لما صدر عنه من المعضية بل لأجل إعدام النفس بدليل إيجابها في قتل الخطأ؛ وحينئذ فيبقي التعمد خاليًا عن الزاجر فأوجبنا فيه التعزير زاجرًا، وهذا المعنى الذى قلناه بعينه يقتضي إيجاب التعزير في محرمات الإحرام إن كانت إتلافات كقتل الصيد والحلق ونحوهما دون الاستمتاعات كاللبس والطيب، ولأجل ما ذكرناه من المعنى اتضح ما ذكره الأصحاب من الجمع بين الكفارة والتعزير في يمين الغموس، فإن التعزير لأجل الكذب والكفارة لانتهاك الاسم المعظم حيث أكد الكذب به.
وقد أجاب بما ذكرناه الشيخ عز الدين في [القواعد الصغري] [والشيخ تقي الدين بن الصلاح في "فتاويه" ومثله ما ذكر الشيخ عز الدين في [القواعد الصغرى] 44 أنه لو زنا بأمه في جوف الكعبة في رمضان وهو صائم معتكف محرم لزمه العتق والبدنة ويحد للزنا ويعزر لقطع رحمه وانتهاك حرمة الكعبة، ومثله الظهار فإن الصحيح على ما قاله بعض الأصحاب أنه يعزر مع إيجاب الكفارة لأن سبب التعزير هو الكذب والكفارة وجبت بالعود.
الخامس: إذا نظر شخص إلى بيت غيره وجوزنا رمي عينه فلم يرتدع ضربه بالسلاح ونال منه بما يردعه.
قال الرافعي هناك: ولو لم ينل منه صاحب الدار عاقبه السلطان.
الجزء: 8 - الصفحة: 360
هذا لفظه.
ومقتضاه عدم التعزير إذا نال منه وكأن ذلك بمثابة الحد على هذه المعصية، وهو واضح.
السادس: إذا ارتد ثم أسلم فإنه لا يعزر إلا إذا تكرر منه كما ذكره الشيخ في "التنبيه" 45 وغيره، وكذلك من وطيء زوجته في دبرها كما ذكره البغوي في "التهذيب" والروياني في "الحلية".
السابع: إذا دخل واحد من أهل القوة إلى الحمي الذي حماه الإمام للضعفة ونحوهم فرعي منه قال القاضي أبو حامد: لا تعزير عليه ولا غرم وإن كان عاصيًا.
الثامن: إذا رأي من يزني بزوجته وهو محصن فقتله في تلك الحالة فلا تعزير عليه وإن افتات على الإمام ويعذر لأجل الحمية والغيظ.
كذا نقله ابن الرفعة عن ابن داود شارح "المختصر" وقد أعلمتك أنه الصيدلاني، ونقل الماوردي وغيره وكذلك الخطابي في "معالم السنن" عن الشافعي: أنه يحل له قتله في ما بينه وبين الله تعالى إذا لم يكن له بينة وإن كان يقاد في الظاهر.
التاسع: إذا كتب بعض المسلمين إلى المشركين بأخبار الإمام فقال الشافعي إن كان من ذوي الهيئات لم يعزر؛ لحديث حاطب بن أبي بلتعة، وإن لم يكن عزر؛ كذا نقله في كتاب السير من "الشامل" في باب جامع السير.
قوله: ثم جنس التعزير من الجبس أو الضرب جلدًا أو صفعًا إلى رأي الإمام وله الجمع والاقتصار على أحدهما أو علي التوبيخ بالكلام.
انتهى.
سكت عن التعزير بالنفي وقد ذكره في باب حد الزنا فقال إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
الجزء: 8 - الصفحة: 361
نفي المخنثين قال: وهو تعزير، وكذلك في قاطع الطريق فقال في أوائله وفيما يعاقب به المعين لهم وجهان: أصحهما: يعزره الإمام باجتهاده بالحبس أو التغريب أو سائر وجوه التأديب كسائر المعاصي.
انتهى.
ونقل في "الكفاية" عن الماوردي وغيره: أن النفي يجوز التعزير به.
قوله: وأما قدره فيتعلق باجتهاده أيضًا إن خالف جنسه جنس الحد كالحبس وإن رأى الجلد فلابد وأن ينقص عن الحد.
انتهى كلامه.
تابعه عليه في "الروضة" وهو صريح في أن مدة الحبس لا تتقدر بوقت، وليس كذلك بل شرطها أن تكون ناقصة عن سنة فإن الشارع قد جعل تغريب السنة واجبًا في حد الزنا والحبس في معناه بل أشد منه فيجب أن يكون التعزير به ناقصًا عنه على قياس سائر التعازير، وقد نص عليه الشافعي في "الأم" في باب من لا قصاص عليه لاختلاف الدين ما نصه: قال الشافعي: فإذا قتل المؤمن الكافر عزر ولا يبلغ في تعزيره في قتل ولا غيره حدًا ولا يبلغ بحبسه سنة ولكن حبس يبتلى به وهو ضرب من التعزير.
هذا لفظه بحروفه ومن الأم نقلته، وهي مسألة مهمة جليلة وحكمها متجه مقاس، والعذر في عدم وقوف الأصحاب على هذا النص كونه مذكورًا في غير مظنته فلله الحمد على تيسير مثل هذه الأمور التي غفل عن مثلها فحول المتقدمين وتسهيل الاطلاع عليها لتسليم الحاكم والمفتي بخلافها عن الخطأ.
وقد ذهل إمام الحرمين في كتابه المسمي "بالعتابي" عن نص إمام المذهب على المسألة فنقل التقدير المذكور عن بعضهم ثم خطأه فيه فقال: ولست أرى للسلطان إيساع التعزير إلا في إطالة الحبس وليس الحبس ثابتًا في حد حتى يحط التعزير عنه.
ويشرع للقاضي أن يحبس في درهم أمدًا بعيدًا إلى إتقان القضاء أو
الجزء: 8 - الصفحة: 362
الإبراء، وقد منع بعض الفقهاء تبليغ مدة الحبس في التعزير سنة نظرًا إلى مدة الحبس في التعزير في حد الزنا، وهذا عندي فاسد كما قدمت ذكره.
وليس التغريب حدًا كاملًا وإنما هو جزء من حد.
هذا كلامه، ذكر ذلك قبيل نصف الكتاب بقليل.
نعم المثال الذي مثل به وهو الحبس في وفاء الحق متجه مسلم لأجل استمرار المنع على التلبس بالمعصية وقد صرح الرافعي في مواضع بذلك وبما هو أبلغ منه؛ منها في باب تارك الصلاة تعليلًا لوجه فقال: وعن صاحب "التخليص" أن الممتنع من الصلاة.
ينخس بحديدة ويقال له: قم صل، حتى يصلي أو يموت؛ لأن المقصود حمله على الصلاة فإن فعل فذاك وإلا عوقب كما يعاقب الممتنع من سائر الحقوق ويقاتل.
هذه عبارته.
وذكر النووي في باب طهارة البدن والثوب من "شرح المهذب" نحوه فقال في تعليل إكراه من جبر عظمه بعظم نجس بلا ضرورة ما نصه: لأنه حصل بفعله وعدوانه فانتزع منه وإن خيف عليه التلف كما لو غصب مالًا ولا يمكن انتزاعه منه إلا بضرب يخاف منه التلف.
هذه عبارته.
وذكر ابن الرفعة عن الزبيري أنه قدر ذلك بستة أشهر قال: وغيره لم يقدرها.
والتقدير بما قاله الزبيري هو على طريقة من يقول: لابد أن ينقص التعزير عن أدني الحدود مطلقًا والعبد يغرب نصف عام فلذلك وجب النقصان عنه، وأما المنصوص عليه في "الأم" فإنه مفرع على الصحيح؛ وهو أن العبرة بأدني حدود المعزر؛ وحينئذ فكلام الشافعي محمول على الحر فأما العبد فيتعين النقصان عن ستة أشهر؛ وبهذا يظهر أن في نقل الأشهر الستة عن الزبيري خللًا، وأن الصواب التقييد: لما دونها لا بالستة نفسها.
الجزء: 8 - الصفحة: 363
قوله: وقيل: لا يزاد على عشر جلدات لما روي عن أبي بردة بن نيار أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لا يجلد فوق العشر إلا في حد" 46. انتهى.
واعلم أن اللفظ المذكور في الصحيحين عن الراوي المذكور وهو أبو بردة لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد أعني بتقييد النهي عن الزيادة بالأسواط لا بإطلاق النهي عن الزيادة مطلقًا كما قاله الرافعى وهو ظاهر من جهة المعني، وقد صرح الإصطخري بذلك في تصنيفه في أدب القضاء في الكلام على تعزير من أساء أدبه فقال: أحب أن يضرب بالدرة فإن ضرب بالسوط فأحب أن لا يزاد على العشرة وإن ضرب بالدرة فلا يزاد على تسعة وثلاثين.
قوله: وقول الغزالي في الكتاب: فيوجب الحد أي: يقتضيه ويثبته، ولا ينبغي أن يحمل على الوجوب بمعني اللزوم؛ ففي ترك أصل التعزير كلام سيأتي.
انتهى.
وما ذكره عجيب فإن مرتكب ما يوجب التعزير لو لم يجب عليه بمعني يلزمه لكان له الامتناع وعدم التمكن من الاستيفاء.
نعم جوزنا للمستوفي تركه لأن ذلك مفوض إليه وهو نائب عن الله تعالى كغيره ممن له حق إذا فوض الأمر فيه لشخص وجوز له قبضه وتركه فتركه لا ينافي وجوبه.
قوله: والزوج يعزر زوجته في النشوز وما يتعلق به ولا يعزرها فيما يتعلق بحق الله تعالى والسيد يعزر في حق نفسه وكذا في حق الله تعالى على الأصح.
انتهى ملخصًا.
واللفظ "للروضة"، وتنويعه هذه المسائل إلى مجزوم بها ومختلف فيها يوهم أن تعزير الزوج فيما يتعلق به كالضرب والشتم من المتفق عليه، وليس كذلك فإنه قد ذكر فيها وجهين في الكلام على النشوز حتى إنه لم
الجزء: 8 - الصفحة: 364
يرجح منهما شيئًا، وتعبير "الروضة" بالأصح، يقتضي قوة الخلاف مع أنه ضعيف.
كذا صرح هو به في الباب الثاني من كتاب حد الزنا فقال: وهو ضعيف.
هذه عبارته.
قوله: وحكي الإمام عن المحققين أن المعزر إذا علم أن التأديب لا يحصل إلا بالضرب المبرح لم يكن له أن يضرب مبرحًا ولا غيره، أما المبرح فلأنه مهلك وأما غيره فلا فائدة فيه ويشبه ضربه ضربًا لا يبرح إقامة لصورة الواجب.
انتهى.
أهمل في "الروضة" ما رجحه الرافعي من جهته وهو ظاهر ويقوي ما قاله المحققون أنه لو قتل نحيفًا بضربات تقتل مثله غالبًا وتيقنا أو ظننا ظنًا مؤكدًا أن الجاني لا يموت بتلك الضربات فلا تراعي المماثلة بل يقتل بالسيف كذا نقله الرافعي عن الإمام.
ومثله إذا لاط بصبي فمات.
وقلنا: يدس في دبره خشبة قريبة من السّه ليموت بها، فإن ذلك لا يفعل إذا لم يتوقع موته بتلك الخشبة بل يقتل بالسيف.
كذا نقله الرافعي عن "التتمة".
قوله في الاستدلال على ترك التعزير بأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعرض عن جماعة استحقوا التعزير كالذي غل في الغنيمة والذي لوي شدقه حين حكم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للزبير في سراج الحرة.
وأساء الأدب.
انتهى.
الغلول: بالغين المعجمة هو السرقة.
والشدق: بالشين المعجمة وسكون الدال المهملة وبالقاف.
وليه هو فعل المستهزئ بالناس.
وسراج الحرة تقدم إيضاحه في إحياء الموات.
قوله: ولو عفي مستحق التعزير عن القصاص أو الحد أو التعزير
الجزء: 8 - الصفحة: 365
فهل للإمام التعزير؟ فيه وجوه: أشبهها: الفرق بين أن يكون العفو عن الحد فلا [يعزر]، وبين أن يكون عن التعزير فيعزر لأن الحد لازم مقدر ولا يتعلق بنظر الإمام بخلاف التعزير.
انتهى.
واعلم أن الرافعي قد ذكر في أوائل الفصل الثالث من الباب الثاني من أبواب اللعان ما يتبادر إلى الفهم منه مخالفته لهذا، وليس كذلك بل يستفاد منه حكم آخر فحصل الغلط هاهنا من عدم استحضاره فقال: والتعزير على نوعين.
تعزير تكذيب: وهو الذي شرع في حق الزاني الكاذب ظاهرًا فإنه يكذب بما يجري عليه وذلك كما إذا قذف زوجته الذمية أو الصغيرة التي يوطأ مثلها.
وتعزير تأديب: وهو أن يكون كذبه معلومًا أو صدقة ظاهرا فيعزر لا تكذيبا له ولكن تأديبًا.
فأما النوع الأول فالتعزير فيه يستوفي بطلبها.
وأما الثاني فظاهر كلام الشافعي أنه إنما يستوفي أيضا بطلبها، وحكي الإمام وجهًا أنه يستوفيه السلطان ولا يتوقف على طلبها كما يؤدب من يقول الناس زناة.
والمذهب الأول لأنها المقصودة بالإبداء والمتضررة بإشاعة الفاحشة انتهى ملخصًا.
فاستفدنا بما قاله هناك أن التعزير يتوقف على الطلب على الصحيح، وهذا الحكم لم يذكره هنا بل قد ربما.
يتوهم خلافه فيقال إذا جاز بعد الإسقاط جاز قبل الطلب بطريق الأولى، وليس كذلك بل الفرق أنه إذا عفى فقد أسقط حقه فيبقي حق الإصلاح إلى الإمام، وإذا لم يطالب فالإصلاح منتظر بطلبها فلم يؤنس منه، وأيضا فلو أقيم قبل الطلب لفوت عليه هذا الحق وهو حق الطلب وحصول التشفي.
الجزء: 8 - الصفحة: 366