كتاب الحج
قوله: فمن حج ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام لم يلزمه الحج خلافًا لأبي حنيفه.
ومأخذ الخلاف أن الردة عنده تحبط العمل، وعندنا إنما تحبط بشرط أن يموت عليها قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ 1.
انتهى ما قاله -رحمه الله-، والكلام معه متوقف على إيضاح ما ذكره فلنوضحه فنقول: كلامه فيه أمران:
أحدهما: أن أبا حنيفة قد استدل على الإحباط بمجرد الردة لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ 2، ونحو ذلك كقوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ 3 وأجاب الأصحاب بما ذكره الرافعي؛ وهو أنه قد ورد تقييد ذلك في الآية المتقدمة بالموت على الكفر حيث قال تعالى: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ 4، والمطلق محمول على المقيد.
إذا تقرر ذلك فلك أن تقول: كيف يصح حمل المطلق على المقيد هنا مع اختلاف المحكوم به؛ لأن المحكوم به في تلك الآية من جملته الخلود في النار وذلك خاص بمن مات على الكفر -والعياذ بالله تعالى- بخلاف
الجزء: 4 - الصفحة: 202
الآيات المُطْلقة؛ فإن الخلود لم يرد فيها وحينئذ فتكون تلك الآيات دالة على أن الردة وحدها مقتضية للإحباط فقط وتكون الآية الأولى دالة على الردة مع الموت عليها يقتضيان الإحباط والخلود وهو ما تقوله الحنفية، وقد يجيب الأصحاب بأن الخسران من جملة المحكوم به في الآيات المطلقة فقد ورد بعد ذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ 5، ولا شك أن ذلك خاص بمن مات على الكفر فلزم التقييد به كما سبق، إلا أن يقال: لما كان ذلك أسوأ الخاسرين حصر الخسران فيه مبالغة كقوله -عليه الصلاة والسلام-: " أتدرون من المفلس؟ . . . ." 6 الحديث، وبالجملة فهذا كله ذهول عن مذهب الشافعي -رحمه الله-؛ فقد نص على حبوط ثواب الأعمال بمجرد الردة كذا نص عليه في "الأم".
وهي مسألة نفيسة مهمة غفل عنها الأصحاب.
قوله: أما الصحة المطلقة فلها شرط واحد وهو الإسلام.
انتهى.
وهذا الكلام يؤخذ منه أن ولد المسلم يصح حجه مع اعتقاده الكفر، لأنه محكوم ببقائه على الإسلام، وقد سبق الكلام على المسألة في أوائل الوضوء.
قوله: ويجوز للولي أن يحرم عن الصبي الذي لا يميز وعن المجنون.
. . . إلى آخره.
وسكت -رحمه الله- عن العبد وقد تعرض له الإمام فقال: إن كان بالغًا فليس للسيد أن يحرم عنه.
ومفهوم كلامه يقتضي الجواز في الصغير.
قال ابن الرفعة: والقياس أن يكون كتزويجه.
الجزء: 4 - الصفحة: 203
قلت: وقد رأيت في "الأم" الجزم بالصحة من غير تقييد بالكبير فقال في أول كتاب الحج: وإذا أذن للمملوك بالحج أو أحجه سيده كان حجه تطوعًا.
هذا لفظه.
وأحجه بالهمز معناه: صيره حاجًا، والتخريج على التزويج كما قاله ابن الرفعة مردود؛ فإن الوصي والقاضي يحرمان عن الصبي وإن لم يزوجاه؛ وذلك لما فيه من حصول الثواب والتمرين له من غير لزوم مال.
قوله: وأما وجوب حجة الإسلام فتعتبر فيه هذه الشرائط؛ فلا يخاطب بالحج كافر أصلي في كفره ولا عبد ولا صبي ولا مجنون.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن إطلاق هذه العبارة بالنسبة إلى الكافر ليس بجيد فقد ذكر في الصلاة أن الكفار مأمورون بالصلاة وغيرها، وعبر باللفظ الذي نفاه هاهنا وهو لفظ الخطاب، والمذكور هناك هو الموافق لقواعد الشافعي -رحمه الله-.
نعم: لا يلزم في كفره بإيقاع الفعل، وهو المراد.
الأمر الثاني: أن الرافعي -رحمه الله- قد احترز بالأصلي عن المرتد فإنه مخاطب بالحج كما صرح به الشيخ في "التنبيه" فقال: إنه يجب عليه ولا يصح منه، بعد أن ذكر أن الكافر الأصلي لا يجب عليه.
فإن قيل: فما فائدة تكليف المرتد بذلك؟ لأنه إن قتل أو مات على الردة فلا يمكن القول بالقضاء عنه لاستحالة وقوع الحج لكافر.
وأما النائم فلا فرق فيه عندنا بين المرتد والكافر الأصلي كما تقدم.
وإن عاد إلى الإسلام نظر إن لم يكن ماله باقيًا فلا سبيل أيضًا إلى تكليفه بإيقاعه لعدم قدرته عليه، وإن كان باقيًا لم يكن الوجوب عليه بعد
الجزء: 4 - الصفحة: 204
الإسلام من خواصه، بل الكافر الأصلي إذا أسلم كذلك أيضًا.
والجواب: أن نقول فائدته فيما إذا استمر بقاء ملكه في حال الردة مدة لو كان مسلمًا لاستقر عليه الفرض ثم أسلم ومات قبل أن يتمكن بعد إسلامه من الحج زمان الردة، والردة لا تسقط الواجبات كما تقدم في الصلاة والزكاة والصوم.
وكذلك إذا حصل استمراره في المدة المذكورة ولكن تلف في الردة أو بعد إسلامه وقبل التمكن ثم استفاد مالًا آخر ومات بعد استفادته لكن قبل أن يتمكن.
وقد اقتصر النووي في "شرح المهذب" وابن الرفعة في "الكفاية" على الجواب الثاني، واقتضى كلام النووي أنه لا فائدة له إلا ذلك، وصرح به ابن الرفعة أيضًا.
واعلم أن شرط الوجوب ملك المال، وفي ملك المرتد أقوال، ولابد من تخريج هذه المسألة عليها، وقد صرح بذلك الروياني في "البحر".
الأمر الثالث: أن النووي قد حذف من "الروضة" التقييد بالأصلي وأطلق عدم الوجوب على الكافر، وهو غفلة بلا شك مخالف لما قاله في "شرح المهذب".
قوله: لكن القادر على المشي يستحب له أن لا يترك الحج.
فيه أمران:
أحدهما: أن شرط الاستحباب والحالة هذه أن يكون واجدًا للزاد ويكون كسوبا.
كذا نص عليه الشافعي في "الأم" و"الإملاء"، ونقله عنه الشيخ أبو حامد، وأصحابه ومنهم المحاملي فقال: قال الشافعي: فإذا لم يجد الزاد ولا كان كسوبًا وإن أراد أن يخرج ويسأل الناس في طريقه فأحب أن لا يفعل؛ لأن كراهة المسألة أبلغ من كراهة ترك الحج.
الجزء: 4 - الصفحة: 205
هذا لفظ الشافعي.
. وذكر الشيخ في "المهذب" نحوه.
وقال النووي في شرحه له: إنه متفق عليه.
الأمر الثاني: أن يقتضي إطلاقه أنه لا فرق في استحباب المشي من الرجل والمرأة، وهو كذلك فقد صرح به جماعة منهم سليم في "المجرد" قال: إلا أن الاستحباب للرجل آكد.
نعم رأيت في "التقريب" أن للولي في هذه الحالة منعها، والذي قاله من المنع متجه لا ينافي ما سبق، والظاهر أن الولي في كلامه هو العصبة، ويتجه إلحاق الوحي والحاكم به أيضًا.
قوله: ولو لحقه مشقة شديدة في ركوب الراحلة فلابد من وجود المحمل.
انتهى:
والضابط في ذلك كما نقله في "الكفاية" عن الشيخ أبي محمد أن يلحقه من المشقة بين المحمل والراحلة ما يلحقه بين المشي والركوب.
قوله: قال في "الشامل" وعلى هذا لو كان تلحقه مشقة شديدة في ركوب المحمل اعتبر في حقه الكنيسة.
انتهى.
والكنيسة: بكاف مفتوحة ونون مكسورة ثم ياء بنقطتين من تحت بعدها سين مهملة، وهى مأخوذة من الكنس وهو السير، ومنه قوله تعالى: ﴿الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ 7 أي: المحجوبات.
وأما المحمل فهو: الخشبة التي يكون الركوب عليها.
قوله: ويشترط شريك يجلس في الشق الآخر وإن قدر على مؤنة المحمل بتمامه؛ وعلله في "الوسيط" بأنه بذل الزيادة وخسران لا مقابل له -أي: فتعسر إحمالها- انتهى.
الجزء: 4 - الصفحة: 206
وهذا التعليل مقتضاه أن ما يحتاج إليه في سفره من الزاد وغيره يقوم مقام الشريك، وكذا الأمتعة المستأجر على حملها .. فتفطن لذلك فإن كلام كثير من المختصرات يقتضي تعين الشريك وليس توجيهه ببعيد.
وقد حذف من "الروضة" هذا التعليل ففاتته هذه المسألة وأوقع في الإلباس.
قوله: وحيث اعتبرنا وجدان الراحلة والمحمل فالمراد منه أن يملكهما أو يتمكن من تحصيلهما ملكًا أو استئجارًا بثمن المثل أو أجرة المثل.
انتهى.
ذكر نحوه في "الروضة"، وهو يقتضي أن الوقوف على هذه الجهة والموصى بمنفعته لها أيضًا لا يوجبان الحج، والقياس خلافه بخلاف الموهوب ولو وقف ذلك عليه بخصوصه وقبله أو لم يقبله وصححناه فلا شك في الوجوب مع أنه خارج من كلامه.
نعم: لو حمله الإمام من بيت المال كأهل وظائف الركب من القضاة وغيرهم، ففي الوجوب نظر.
قوله: ولو لم يكن أهل ولا عشيرة ففي اشتراط نفقة الإياب وجهان.
ثم قال: وهل يختص الوجهان بما إذا لم يملك ببلدته مسكنًا أم لا؟ أبدى الإمام فيه احتمالين؛ ورأى الأظهر التخصيص.
انتهى.
واعلم أن الراجح على ما قد تحرر من كلام الرافعي في الوقف والوصية أن الأهل هو كل من تلزمه نفقته كالزوجة والقريب، وأن العشيرة هم الأقارب سواء كانوا من قبل الأب أو الأم؛ وحينئذ فيكون الجميع هنا سواء في جريان الوجهين، واتفقوا -كما قاله في "شرح المهذب" واقتضاه كلام الرافعي- على اشتراط نفقة الإياب عند وجود أحدهما على خلاف ما يدل عليه كلام "المحرر" و"المنهاج".
ولا شك أن الشخص الواحد من أحد
الجزء: 4 - الصفحة: 207
النوعين كاف، وقد أفهم كلام الرافعي وغيره أن الوالي من أعلى ومن أسفل لا يلحقون بذلك، وفيه نظر.
وما قاله في المسكن قد صرح به في "البسيط" أيضًا فقال: ولا شك أنه لو كان له مسكن مملوك اعتبر نفقة الإياب ولا يكلف بيعه.
قال: وفيه احتمال.
قوله: ويشترط -أي: لوجوب الحج- أن يكون الزاد والراحلة فاضلًا عن نفقة من تلزمه نفقتهم وكسوتهم مدة ذهاب ورجوعه.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن كلامه يوهم جواز الحج والحالة هذه، وليس كذلك بل لا يجوز حتى يترك لهم نفقة الذهاب والإياب وإلا فيكون مضيعًا لهم، وقد رأيته مصرحًا به في "الاستذكار" للدارمي وغيره، ويأتي في الدين الحال نحوه، وقد أوضحوه في بابه.
الأمر الثاني: أن التعبير بالنفقة تبعه عليه في "الروضة"، والصواب التعبير بالمؤنة في الموضعين؛ لأنها تشمل النفقة والكسوة والخدمة والمسكن وإعفاف الأب، وكذلك أجرة الطبيب وثمن الأدوية حيث احتاج إليهما القريب والمملوك، وكذلك الأجنبي إذا تعين الصرف إليه.
وقد عبر في "المنهاج" بالمؤنة في الموضع الأول فقط ولابد منهما معًا لأنه قد يقدر على النفقة دون المؤنة فتسقط الأولى عن القريب دون الثانية.
قوله: وأظهر الوجهين عند الأكثرين اشتراط كون ذلك فاضلًا عن مسكنه وعبد يحتاج إليه يخدمه لزمانته ومنصبه، لكن لو كان العبد والدار نفيسين لا يليقان بمثله ولو أبدلهما لو في التفاوت بمؤنة الحج فإنه يلزمه
الجزء: 4 - الصفحة: 208
ذلك، هكذا أطلقوه هاهنا لكن في لزوم بيعهما في الكفارة إذا كانا مألوفين وجهان ولابد من عودهما هاهنا.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور:
أحدها: أن ما ذكره من لزوم جريانهما ليس بلازم فقد فرق بينهما في "الشرح الصغير" وكذلك النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة" بأن الكفارة لها بدل بخلاف الحج إلا أن ما قالاه من الفرق ينتقض بالمرتبة الأخيرة من الكفارة فإنه لا بدل لها وأيضًا فالفطرة لا بدل لها مع أنها كالحج على ما نقله هو عن الإمام.
الأمر الثاني: أن تمثيل الرافعي بالعبد للاحتراز على الجارية النفسية المألوفة فإنها إن كانت للخدمة فهي كالعبد في جريان الوجهين، وإن كانت للاستمتاع لم يكلف بيعها حفظًا لما يؤدي إليه تعلقه بها من الضرر الظاهر.
وهذا التفصيل لم أره ولكن لابد منه.
الأمر الثالث: أن مقتضى إطلاق الرافعي وغيره أنه لا فرق في اعتبار المسكن والخادم بين المرأة المكلفة بإسكان الزوج وإخدامه وبين غيرها، وهو متجه؛ لأن الزوجية قد تنقطع فيحتاج إليهما وكذلك اعتبار المسكن بالنسبة إلى المتفقهة الذين يسكنون بيوت المدارس والصوفية المعتادين الربط والحوانك.
الأمر الرابع: أن كلامه يقتضي عدم اعتبار الكتب في الفقه المحتاج إليها، وليس كذلك بل الصواب كما قاله في "شرح المهذب" أنها تبقى له.
قوله: والأصحاب منقسمون -أي: في ركوب البحر- إلى مثبتين للخلاف وإلى نافين، وللمثبتين طرق: أظهرها أنه إن كان الغالب فيه الهلاك لم يلزمه الركوب، وإن كان الغالب السلامة قولان: أظهرهما اللزوم.
الجزء: 4 - الصفحة: 209
والطريق الثاني قولان مطلقًا، والثالث لا يجب على الجبان، وفي غيره قولان، والرابع يجب على غير الجبان، قولان.
وأما النافون للخلاف فلهم طرق أيضًا:
أحدها: القطع بعدم اللزوم، وثانيها: القطع باللزوم، والثالث: إن غلب الهلاك لم يلزم وإن غلبت السلامة لزم، والرابع: إن كان جبانًا لم يلزم وإلا لزم.
انتهى ملخصًا.
والحاصل أن في المسألة ثمانية طرق، فإن الرافعي -رحمه الله- لم يصحح شيئًا في هذه المسألة؛ لأنه وإن صحح التفصيل بين أن تغلب السلامة أو يغلب الخوف فهو إنما صححه على طريقة المثبتين للخلاف ولم يبين هل الأصح طريقة المثبتين أو طريقة النافين.
وإذا علمت ما ذكره ففيه أمور:
أحدها: أن الأصح من حيث الجملة هو التفصيل المذكور.
كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير"، وذكر في "المحرر" نحوه فقال: والأظهر أنه يلزمه ركوب البحر إن كان الغالب السلامة.
هذا لفظه.
الأمر الثاني: أن النووي -رحمه الله- قد صحح أيضًا في "الروضة" هذا التفصيل وصحح مع ذلك طريقة القطع به لا طريقة إثبات الخلاف، ولم ينبه على أنه من زياداته بل أدخله في كلام الرافعي؛ فتفطن له.
ثم إنه لم يذكر من طرق مجئ الخلاف سوى الطريقة الثانية وحذف الثلاثة الباقية؛ فتوجه على "الروضة" اعتراضان؛ وهما إسقاط هذه الطرق وزيادة تصحيحين.
الأمر الثالث: ذكر في "الروضة" من زوائده في باب الحجر أنه لا يجوز
الجزء: 4 - الصفحة: 210
المسافرة بمال الطفل في البحر على المذهب وإن أوجبنا ركوبه في الحج.
وعلى قياس ما قاله يحرم إركاب الطفل وركوب الحامل بطريق الأولى؛ لأن حرمة النفس أبلغ من حرمة المال؛ فاعلم ذلك فإنه يقع كثيرًا.
وحينئذ فيكون من شروط الوجوب وضع الحامل وسقيها الولد اللبان، وكذلك فطام الولد إن تعينت للإرضاع.
فإن لم يتعين ففيه نظر.
وعلى قياس ما قاله النووي أيضًا يحرم إركاب البهائم، وكذلك الزوجة والأرقاء البالغون إذا لم يكن برضاهم.
نعم: إن كان إلى دار الإسلام فيجوز بلا شك.
قوله: ولو استوى الهلاك والسلامة فقد تردد كلام الأئمة في وجوب ركوبه فإن لم نوجبه ففي التحريم تردد لهم أيضًا.
انتهى ملخصًا.
والأصح عدم الوجوب وأنه يحرم؛ كذا صححه النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة".
وكلام "المحرر" يدل لما صححه في المسألة الأولى، وقد تقدم لفظه فراجعه.
قوله: وإذا لم يوجب الركوب فلو توسط البحر هل له الانصراف أم عليه التمادي؟ فيه وجهان، وقيل: قولان، وهما مبنيان عند الأئمة على القولين في المحصر إذا أحاط العدو به من الجوانب هل له التحلل؛ إن قلنا له التحلل فله الانصراف وإن قلنا لا؛ لأنه لا يستفيد به الخلاص فليس له الانصراف.
قال في "التتمة": وهو المذهب.
انتهى.
ثم ذكر أن الخلاف محله فيما إذا استوى ما قطعه مع ما بقي وكان له في الرجوع طريق آخر غير البحر، فإن لم يكن له طريق غيره فلا يجب جزمًا.
الجزء: 4 - الصفحة: 211
فإن تفاوت؛ فإن كان الباقي أقل لزمه جزمًا وإن كان أكثر لم يجب جزمًا.
إذا علمت ذلك ففيه أمور:
أحدها: أن ما جزم به من كون الخلاف في المحصور قولين قد صحح خلافه في باب الإحصار من "الشرحين الكبير" و"الصغير"، وحكى جعله قولين عن الإمام، والغزالي فقط.
الثاني: أن الصحيح في "الشرحين" و"الروضة" في مسألة الحصر هو جواز التحلل، ومقتضاه جواز الانصراف هنا، إلا أن نقله عن صاحب "التتمة" تصحيح المنع وسكوته عليه يوهم موافقته عليه؛ ولهذا أشار إلى ترجيحه في "الشرح الصغير" فإنه عبر بقوله رجح على البناء للمفعول وسكت عليه.
وقد اغتر النووي بالمذكور هنا فصرح بتصحيحه في "أصل الروضة" ذهولًا عما يأتي في الإحصار غير أنه سلم من الاعتراض الأول لكونه لم يتعرض هنا للبناء المذكور، وكذلك لم يتعرض له أيضًا صاحب "التتمة" ولا الرافعي في "الشرح الصغير".
الثالث: أن هذه المسألة محتاجة إلى بيان حقيقتها؛ وذلك لأن الحج ليس على الفور فكيف يصح القول بوجوب الذهاب ومنعه من الانصراف؟
وقد يجاب بأمور:
منها: أن نقول.
صورة المسألة إذا صدر ذلك ممن خشى الغصب فإن الراحج أن الحج يتضيق عليه.
ومنها: إذا أحرم بالحج وضاق وقته.
ومنها: إذا نذر من لم يحج أن يحج في تلك السنة.
الجزء: 4 - الصفحة: 212
إلا أنه قد تقدم أن محل الوجهين فيما إذا كان له في البر طريق يرجع فيه وحينئذ فلابد أن يزاد في التصوير أن تلك الطريق التي في البر قام بها من يمنع الذهاب دون الإياب أو لو رجع إليها المتوسط وسلكها لم يدرك الحج.
ومنها: أن يقال المسألة مفروضة حيث لم يتضيق الحج.
ومرادهم بوجوب الذهاب وعدم وجوبه إنما هو استقرار الوجوب وعدم استقراره.
قوله: فإن خرج مع المرأة من تأمن معه على نفسها من زوج أو محرم إما بنسب أو غيره فذاك، وإلا فإن وجدت نسوة ثقات فعليها أن تخرج معهن.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن العبد حكمه في النظر إلى سيدته والخلوة بها كحكم المحرم على الأصح عند الإذن وإن لم يكن محرمًا بدليل انتقاض الوضوء بمسه، وإذا كان حكمه حكم المحرم لزم أن يكتفي به هاهنا، وقد رأيته مصرحًا به في "ترتيب الأقسام" للمرعشي وفي "النكت" لابن أبي الضيف؛ وحينئذ فيرد على اشتراط الزوج أو المحرم.
الأمر الثاني: أن تعبيره يقتضي اشتراط ثلاث نسوة غيرها، وهذا بعيد لا معنى له، بل المتجه الاكتفاء باجتماع أقل الجمع وهو ثلاث، وأي معنى لاشتراط الأربعة بخصوصها، وأي دليل يدل عليه.
الثالث: أن ما شرطه في النسوة من كونهن ثقات يقتضي اشتراط بلوغهن؛ لأن الصبي ليس بثقة كما صرحوا به في مواضع.
وهذا الذي اقتضاه كلامه يحتمل أن يكون الأمر فيه كذلك، وهو الظاهر لخطر السفر،
الجزء: 4 - الصفحة: 213
ويحتمل تخريجه على الخلاف المعروف في العدة.
ثم إنه لم يشترط ذلك في المحرم وغيره ممن يخرج مع المرأة وفيه نظر سببه أن الوازع الطبيعي أقوى من الوازع الشرعي.
الرابع: أنه يشترط في حق الخنثى أيضًا من المحرم ما يشترط في المرأة؛ لاحتمال الأنوثة؛ فإن كان معه نسوة من محارمه جاز، وإن كن أجنبيات فلا؛ لأنه يحرم عليه الخلوة بهن.
كذا نقله في "شرح المهذب" عن القاضي أبي الفتوح، وصاحب "البيان"، وغيرهما، واقتصر عليه.
وما قاله في الأجنبيات مبني على منع خلوة رجل بنسوة، والمشهور جوازه.
واعلم أن مراد الرافعي وغيره هنا بالأمن هو الأمن من خديعة المرأة واستمالتها إلى الفاحشة.
قوله: فإن لم تجد نسوة ثقات فأقوال؛ ظاهر المذهب منها أنه لا يلزمها.
والثاني: عليها أن تخرج مع المرأة الواحدة.
والثالث: واختاره جماعة -أن عليها أن تخرج وحدها؛ لما روي عن عدي بن حاتم أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "يا عدي، إن طالت بك الحياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله" قال عدي: فرأيت ذلك.
8 انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن هذا الذي صححه من كون الواحدة غير كافية إنما هو بالنسبة إلى الاستطاعة وعدمها، وأما جواز الخروج في أداء حجة الإسلام معها -أي: مع المرأة الواحدة- فجائز على الصحيح.
الجزء: 4 - الصفحة: 214
كذا صرح به في "شرح المهذب" في ثلاثة مواضع من آخر باب الإحصار، وذكره أيضًا في "شرح مسلم" بعبارة أوضح من ذلك فقال ما نصه: فلو وجدت امرأة ثقة لم يلزمها لكن يجوز لها الحج معها، هذا هو الصحيح.
ثم قال: واختلف أصحابنا في خروجها لحج التطوع وسفر التجارة والزيارة ونحو ذلك من الأسفار التي ليست واجبة، فقال بعضهم: يجوز لها الخروج مع نسوة ثقات، وقال الجمهور: لا يجوز إلا مع زوج أو محرم.
هذا كلامه، وحاصله أنهما مسألتان:
إحداهما: شرط وجوب حجة الإسلام.
والثانية: شرط جواز الخروج لأدائها فتفطن لذلك فإنه مهم التبس على كثيرين.
الأمر الثاني: ما نَبّه عليه الشيخ أبو حامد فقال: ونحن لا نشترط في سفر المرأة مع المرأة ملازمتها إياها بل لو مشت قدام القافلة أو بعدها فإنه يكفي.
كذا نقله عنه في "شرح المهذب" وأقره.
الثالث: ذكره النووي في "شرح مسلم" في الكلام على حديث الخثعميه التي سألت عن أداء الفرض عن أبيها أن فيه فوائد منها جواز حج المرأة بلا محرم إذا أمنت على نفسها وهو مذهبنا.
انتهى.
وهذه المرأة لا يجب عليها مباشرة هذا الحج، لأن الشخص لا يجب عليه الحج عن غيره فيكون الذي قاله النووي فيها إما مناقض لما تقدم لكونه لم يشترط المحرم، وإن كان سألنا عن النسوة أو جوز ذلك لأنها مؤدية فرضًا فأشبه فرضها.
الجزء: 4 - الصفحة: 215
واعلم أن الظعينة الواردة في الحديث بظاء معجمة مفتوحة ثم عين مهملة مكسورة ثم ياء بنقطتين من تحت ثم نون: هي المرأة تكون في الهودج، فإن لم تكن فيه فليست بظعينة.
قاله الجوهري.
والحيرة: بكسر الحاء المهملة بعدها ياء بنقطتين من تحت ثم راء مهملة: مدينة بقرب الكوفة.
والحديث المذكور رواه مسلم 9.
قوله: هذا حكم الفرض، وهل لها الخروج إلى سائر الأسفار مع النساء الخلص؟ فيه وجهان لأنه لا ضرورة إليها، والأصح عند القاضي الروياني المنع.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن الروياني قد صحح في "البحر" الجواز فقال إنه الأصح والأقيس، إلا أن ما نقله عنه الرافعي صحيح أيضًا فإنه صحح في "الحلية" وعبر بالأصح أيضًا، والماوردي وغيرهما، ونص عليه الشافعي في كتاب العدد من "الأم" كما نقله أبو حامد والماوردي وصححه النووي في كتبه، وحكى في "شرح المهذب" اتفاق الأصحاب على تصحيحه 10.
قوله: وفي كون المحرم أو الزوج شرط الوجوب أو التمكن اختلاف رواية عنهما -يعني أبا حنيفة وأحمد.
قال الموفق ابن طاهر: ولأصحابنا مثل هذا التردد في النسوة الثقات.
انتهى كلامه.
وقد أسقط النووي في "الروضة" هذا الخلاف وجزم بأنه شرط للوجوب.
وفائدة الخلاف فيما إذا استطاعت المرأة ولم تجد النسوة، فإن جعلناهن
الجزء: 4 - الصفحة: 216
شرطًا للتمكن استقر الوجوب عليها حتى يقضى عنها لو ماتت، فإن جعلناهن شرطًا للوجوب فلا.
وهذه الفائدة ذكرها الرافعي بعد ذلك في نظير المسألة.
وما نقله ابن طاهر في النسوة يطرد كما قاله ابن الرفعة في المحرم والزوج.
قوله: أما المال فلو خاف على ماله في الطريق من عدو أو رصدي لم يجب الحج، فإن كان الرصدي يرضى بشيء يسير، لكن إذا كانوا كفارًا فأطاقوا مقاومتهم فيستحب لهم أن يخرجوا ويقاتلوا لينالوا ثواب الحج والجهاد جميعًا، وإن كانوا مسلمين لم يستحب الخروج والقتال، ويكره بذل المال للرصديين لأنهم يحرضون بذلك على التعرض للناس.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن عدم الوجوب محله إذا كان الحاج هو الباذل، فإن بذل الإمام أو نائبه وجب الحج.
كذا نقله الطبري شارح "التنبيه" عن "التجربة النظامية" لإمام الحرمين وسكت عن الأجنبي.
والقياس وهو مقتضى تخصيص الإمام بالإمام ونائبه: عدم الوجوب، لما فيه من المنة.
الثاني: أن مقتضى كلامه تعميمًا وتعليلًا وسياقًا: كراهة البذل للمسلم والكافر معًا، ودلالة لفظه على المسلم أظهر من دلالته على الكافر؛ فإن الكراهة مذكورة عقب ذكره للمسلمين لكنه ذكر في باب الإحصار أن الكراهة مختصة بالكفار، وستعرف لفظه هناك إن شاء الله تعالى، ووقع الموضعات كذلك في "الروضة".
قوله: ولو وجدوا من يبدرقهم بأجرة فوجهان: أظهرهما عند الإمام وجوب الحج.
الجزء: 4 - الصفحة: 217
انتهى ملخصًا.
فيه أمور:
أحدها: أن الرافعي في "المحرر" قد أطلق ترجيح الوجوب تقليدًا للإمام، ثم تبعه في "المنهاج" و"شرح المهذب" على ذلك، والفتوى على عدم الوجوب فقد أجاب به العراقيون وكذلك القاضي الحسين وجزم به صاحب "التنبيه" وأقره عليه النووي فلم يستدركه عليه، ونص عليه الشافعي، وممن نقله عنه ابن الرفعة في "الكفاية" فثبت أن الفتوى عليه؛ ولهذا لم ينقله في "الروضة" و"الشرح الصغير" إلا عن الإمام.
الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" قد تبع الرافعي في حكاية الخلاف وجهين ثم خالف في "المنهاج" فجعله قولين، وهو ذهول سببه تقليد "المحرر" في تعبيره بالأظهر.
الثالث: أن هذا الخلاف فائدته في العصيان بعد الموت ووجوب الحج عنه لا في تعجيل الإعطاء في حال الحياة فإن الحج على التراخي.
نعم إن خشي الغصب أو نذر الحج في سنة معينة فواضح.
وما ذكرناه في هذه المسألة يأتي مثله في المسألة الآتية أيضًا.
واعلم أن البدر بفتح الباء وإسكان الدال مهملة ومعجمة هي الخفارة، وهي عجمية معربة.
قاله ابن الصلاح.
قوله: وإذا لم يخرج المحرم إلا بأجرة فقد رتب الإمام وجوب استئجاره على وجوب البدرقة، وجعل اللزوم هاهنا أظهر.
انتهى.
ذكره مثله في "الروضة".
وتخصيصهما بالمحرم يشعر بأن الزوج والنسوة ليسوا كذلك، والمتجه إلحاقهم به، كذلك قوام السفينة أيضًا.
قوله: ويشترط وجود الزاد والماء في المواضع التي جرت العادة بحمل
الجزء: 4 - الصفحة: 218
الزاد والماء منها، فإن كان العام عام جدب وخلا بعض تلك المنازل عن أهلها انقطعت المياه لم يلزمه الحج وإن قدر على الحمل؛ لما فيه من المؤنة العظيمة.
ثم قال: ويحتمل حملها قدر ما جرت العادة به في طريق مكة كحمل الزاد من الكوفة إلى مكة وحمل الماء مرحلتين أو ثلاثة.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره أخيرًا في الماء تبعه عليه في "الروضة".
ولقائل أن يقول: إن كانت صورته عند انقطاع بعض المياه مما كان في هذه المسافة فهو مخالف لما تقدم من عدم الوجوب وإن كانت عند عدم الانقطاع فاقتصاره على المرحلتين والثلاث يدل على عدم الوجوب من الزيادة لأجل نقل مؤنته فهل هو كذلك؟
والجواب: أن كلامهم يشعر باغتفارها مطلقًا لحق مؤنته، وألحق به سيلم وغيره علف الدابة في اعتبار هذه المسافة وهو متعين لا شك فيه؛ فقد أشار النووي في "شرح المهذب" لذلك فقال بعد نقل اشتراطه في كل منزلة عن البغوي والمتولي ما نصه: وينبغي أن تعتبر فيه العادة كالماء.
هذه عبارته.
وقد ظهر أن الذي ذكره بحثًا مصرح به إلا أنه لم يطلع عليه.
الأمر الثاني: أن إطلاقه يقتضي أنه لا فرق بين أن يمكنه سلوك طريق آخر أم لا، وقياس ما ذكره في الإحصار خلافه كما ستعرفه.
قوله: وذكر في "التهذيب" أنه إذا شرع السفيه في حج الفرض أو في حج نذره قبل الحجر بغير إذن الولي، أو في حج تطوع ثم حجر عليه لم يكن للولي تحليله، وإن شرع في التطوع بعد الحجر كان له التحليل إن كان ما يحتاج إليه للحج يزيد على نفقته المعهودة ولم يكن له كسب.
انتهى.
الجزء: 4 - الصفحة: 219
ذكر في الروضة مثله.
وقوله فيه بغير إذن الولي هو متعلق بقوله (شرع) لا بقوله (نذره) فاعلمه وتفطن له.
إذا علمت ذلك فقد بقي من أقسام المسألة قسم لم يذكراه وهو: ما إذا شرع فيما نذره بعد الحجر، والكلام فيه متوقف على أن هذا النذر هل يصح أم لا؟ وستعرف حكمه في أول النذر إن شاء الله تعالى.
قوله: ومن شروط الحج ما ذكره البغوي وغيره أن يجد رفقة يخرج معهم في الوقت التي جرت عادة أهل بلده بالخروج فيه، فإن خرجوا قبله لم يلزمه الخروج معهم، وكذا إن أخروا بحيث لا يبلغوا إلا بقطع أكثر من مرحلة في اليوم، هذا الإطلاق محمول على غالب الحال، فإن كانت الطريق بحيث لا يخاف الواحد فيها فلا حاجة إلى الرفقة، وبه صرح في التتمة.
انتهى كلامه.
وما ذكره من كون الإطلاق محمولًا على ما قاله في "التتمة" تبعه عليه في "الروضة" وهو ممنوع؛ فقد صححوا في كتاب التيمم وغيره أن الإنقطاع عن الرفقة عذر وإن كان الطريق آمنًا؛ لما فيه من الوحشة.
قوله: ويجب الحج على التراخي، وقال مالك وأحمد والمزني: إنه على الفور، ويروي مثله عن أبي حنيفة.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن العزم شرط في جواز التأخير كما سبق إيضاحه في الصلاة.
الأمر الثاني: أنه متى اجتمع عليه مع حجة الإسلام حجة القضاء وجب عليه المبادرة إلى فرض الإسلام وذلك لازم؛ لأنهم صححوا أن القضاء يجب على الفور، وقالوا أيضًا: إن حجة الإسلام يجب تقديمها على حجة القضاء؛ فلزم من هاتين القاعدتين وجوب المبادرة كما قلناه، وهكذا القول
الجزء: 4 - الصفحة: 220
في العمرة أيضًا.
ويجب أن يكون الحكم كذلك فيما لو قال وهو في أوائل ستين مثلًا: لله عليّ أن أحج في سنة إحدي وستين حجة ليست حجة الإسلام.
الأمر الثالث: أن ما نقله عن أبي حنيفة قد تابعه عليه في "الروضة" وعبر بقوله: وقال مالك وأبو حنيفة، لكن قال المحاملي في "المجموع": قال المزني: ليس لأبي حنيفة في المسألة نص ولكن اختلف صاحباه؛ فقال محمد بن الحسن كقولنا، وقال أبو يوسف: إنه على الفور، فأخذ أصحابه بقوله؛ فاستفدنا منه أنه قول الحنفية لا قول أبي حنيفة، وعبارة الرافعي أبعد عن الاعتراض من عبارة "الروضة".
قوله: لنا أن فريضة الحج نزلت سنة خمس من الهجرة وأخّره النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من غير مانع فإنه خرج إلى مكة سنة سبع لقضاء العمرة ولم يحج، وفتح مكة سنة ثمان، وبعث أبا بكر أميرًا على الحج سنة تسع، وحج هو سنة عشر، وعاش بعدها ثمانين يومًا ثم قبض إلى -رحمة الله تعالى-.
انتهى.
وهذا الذي جزم به من نزول الفرض سنة خمس قد صحح ما يخالفه في أوائل السير فقال: وفرض الحج سنة ست، وقيل: سنة خمس.
هذا لفظه، وتبعه في "الروضة" على الموضعين، وصحح ابن الرفعة أيضًا أنه في ست، ونقله في "شرح المهذب" عن الأصحاب، وقيل: إنه فرض سنة ثمان قاله الماوردي في "الأحكام السلطانية"، وقيل سنة تسع حكاه في "النهاية".
وقوله: (وعاش بعدها) أي: بعد عوده من الحج لا بعد الحج نفسه، فاعلمه؛ فإن الحج انقضى ثالث عشر وتوفي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الثاني عشر من ربيع الأول.
الجزء: 4 - الصفحة: 221
وهذه الأمور التي نقلها الرافعي هنا عنه -عليه الصلاة والسلام- كلها صحيحة مشهورة.
قوله: وإن تخلف من وجب عليه الحج ومات قبل حج الناس تبين عدم الوجوب، وإن مات بعدما حج الناس استقر الوجوب عليه ولزم الإحجاج من تركته.
ثم قال ما نصه: قال في "التهذيب": ورجوع القافلة ليس بشرط حتى لو مات بعد انتصاف ليلة النحر ومضى بعد السير إلى مني والرمي بها وإلى مكة والطواف بها استقر الفرض عليه.
فإن مات أو جن قبل انتصاف ليلة النحر لم يستقر.
انتهى كلامه، وفيه أمور:
أحدها: أن ما نقله عن "التهذيب" من اشتراط المضى إلى منى والرمي بها وأقره عليه وهو كذلك فيه، وقد ذكره أيضًا الرافعي في "الشرح الصغير" وجزم به ولم يعزه إلى أحد، واشتراطه غلط فإن المشروط في استقرار الفرض إنما هو مضى زمن يمكن فيه فعل الأركان دون ما عداها من الواجبات؛ بدليل عدم اشتراط الرمي في أيام منى والمبيت في لياليها وغير ذلك، حينئذ فلا يشترط مضى زمن يسع الذهاب إلى منى ويسع الرمى بها.
وهذه المسألة لم يذكرها في "الروضة" بل ذكرها قبيل المواقيت، وعبر عن قول الرافعي، فإن مات أو جن قبل انتصاف ليلة النحر بقوله قبل ذلك مشيرًا إلى أن الطواف والرمى وغيرهما مما ذكر هو تعبير مؤكد للاعتراض ماض على الاشتراط دافع التأويل فإن عبارة الرافعي ربما تقبل التأويل.
الأمر الثاني: أنه أهمل الحلق وما يقوم مقامه وهو التقصير، ولابد من
الجزء: 4 - الصفحة: 222
مضى زمن يسعه إذا جعلناه ركنًا.
الثالث: أنه لم يذكر السعى ولابد منه.
نعم إذا دخل مكة قبل الوقوف فطاف القدوم جاز الإتيان بالسعى عقبة؛ حينئذ فإذا كان دخول الناس قبل الوقوف لم يشترط للسعى زمان بعد الانتصاف.
الأمر الرابع: أن المبيت بمزدلفة عند الرافعي لا يجب؛ وحينئذ فيكفي في زمن الطواف وغيره مما شرطناه كالسعي والحلق أن يكون واقعًا عقبة انتصاف الليل، ويشترط مع ذلك أن يكون السير بهذه الأمور واقعًا بعد الانتصاف لإمكان سيره من عرفة إلى مكة خصوصًا إذا لم يشترط الجمع بين الليل والنهار بعرفة.
قوله: ولو لم يخرج بحج بعد الوجوب حتى مات فقيل: لا يعصي لأنا جوزنا له التأخير، وأظهرهما: نعم، وإلا ارتفع الحكم بالوجوب والمجوز هو التأخير دون التفويت، وقيل: يعصي الشاب دون الشيخ.
انتهى كلامه.
فيه أمور مهمة سبق بعضها في أوائل كتاب الصلاة، والذي يخص ما نحن فيه أن اسم الشيخ يطلق عند الفقهاء واللغويين على من جاوز الأربعين والقائل هنا بتعصية الشيخ دون غيره قيده بالشيخ الهرم، كذا نقله القاضي الحسين وغيره، وذكره أيضًا ابن الرفعة في "الكفاية" ولابد منه.
قوله: يبدأ بحجة الإسلام ثم بالقضاء.
. إلى آخره.
اعلم أن هذا الكلام يستثنى منه مسألة ذكرها الروياني في "البحر"
الجزء: 4 - الصفحة: 223
حاصلها تقديم التطوع على النذر فقال: لو حج الفرض ثم نذر الحج في العام الثالث جاز أن يتطوع بالحج في العام الثاني.
قال: وفي حجه عن غيره وجهان.
هذا كلامه.
والسبب في جواز التقديم هاهنا أَنَّا إن أوقعنا المفعول في السنة الثانية عن المنذور لزم تقديم العبادة البدنية على وقتها وهو ممتنع، وإن منعناه بالكلية لزم انسداد في "الروضة" من "زياداته" قبل الكلام على السعي نقلًا عن الروياني أيضًا من غير مخالفة أنه لو نذر طوافًا من زمن معين فطاف في غيره والنذر في ذمته لا يصح على الأصح، وسنذكر لفظه هناك.
قوله: ومن عليه فرض ليس له أن يحج عن غيره؛ لما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة فقال النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "من شبرمة"؟ قال: أخي أو قريب لي.
قال: "أحججت عن نفسك؟ " قال: لا، قال: "حج عن نفسك، ثم عن شبرمة" 11.
وفي رواية: "هذه عنك ثم حج عن شبرمة".
انتهى.
شبرمة: بشين معجمة مضمومة ثم باء موحدة ساكنة ثم راء مضمومة، ذكره ابن منده وأبو نعيم في "الصحابة" وتوفي في حياة رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
الجزء: 4 - الصفحة: 224
والرواية الأولى من هذا الحديث رواها أبو داود بإسناد على شرط مسلم، وأما الرواية الثانية فرواها البيهقي وقال: إسنادها صحيح، ولفظه: "قال: فاجعل هذه عنك ثم حج عن شبرمة".
قوله: وقول "الوجيز" بالقضاء ثم بالنذر يعلم بالواو؛ لأن الإمام أشار إلى تردد في تقديم القضاء على النذر، والصحيح العكس.
انتهى.
أعلم أن هذا التردد الذي ذكره الإمام ليس هو خلافًا للأصحاب؛ فإن القول بتقديم النذر احتمال لنفسه، كذا قاله النووي في "شرح المهذب" قال: وقد اتفقوا على تقديم القضاء.
والذي قاله النووي أولًا من أن تقديم النذر احتمال له مسلم وإن كان الرافعي قد أقامه في "شرح الصغير" أيضًا وجهًا كما دل عليه كلامه هنا حيث ذكر أنه يعلم بالواو.
وأما دعواه الاتفاق على تقديم القضاء فمردود ففي تعليق القاضي أبي الطيب الجزم بوجوب الأسبق منهما لأنهما جميعًا من جهته.
قوله: ولو استؤجر من لم يحج للحج في الذمة جاز وطريقه أن الحج عن نفسه ثم عن المستأجر في سنة بعدها.
انتهى.
وهذا الكلام قد تابعه عليه في "الروضة" وهو يشعر بأن الأجير يمتنع عليه استئجار من يقوم بهذا الحج الذي استؤجر عليه وذلك يحتاج إلى نقل صريح، والذي يظهر جوازه كاستئجار الوارث عن مورثه وإن كان لم يحج.
قوله: ولو استأجر المغصوب رجلين ليحجا عنه في سنة واحدة إحداهما حجة الإسلام والأخرى حجة قضاء أو نذر فوجهان: أحدهما، لا يجوز؛ لأن حجة الإسلام لا تتقدم على غيرها.
الجزء: 4 - الصفحة: 225
وأظهرهما -ويحكي عن نصه في الأم: يجوز؛ لأن غيرها لا يتقدم عليها، وهذا القدر هو المرعي؛ فعلى الأول إن أحرم الأجيران معًا صرف إحرامهما إلى نفسهما، وإن سبق أحدهما وقع إحرامه عن المغصوب وانصرف إحرام الآخر إلى نفسه.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: في إيضاح تعليل الوجهين؛ فأما الأول فقد وقع فيه اضطراب في نسخ الرافعي؛ ففي بعضها ما ذكرناه وهو الصواب ومعناه أن حجة الإسلام في مثالنا لا تتقدم على غيرها وتقدمها لابد منه.
وأما تعليل الثاني فوجه ما قاله فيه أنه إن أحرم بهما معًا أو بفرض الإسلام أولًا فواضح عدم تقدم غير فرض الإسلام على فرض الإسلام، وأن تقدم إحرام غير الفرض وقع عن الفرض كما تقدم.
فإذا أحرم الآخر به -أي بالفرض- وليس هو عليه انصرف إلى ما بقي عليه وهو القضاء أو النذر.
الثاني: قد تقرر من كلامه أن الاعتبار بالإحرام مع أن الذي أحرم أولًا قد يتأخر تحلله وأداؤه الأركان عن المتأخر فيؤدي أيضًا إلى المحذور المذكور، بل التقدم حقيقة إنما وجد في مثالنا في الحجة التي تأخر إحرامها؛ لأن الحجة عبارة عن مجموع الأفعال والمجموع قد تأخر عن تلك.
ولو قيل بالتعارض ووقوعهما عن الأخير لم يبعد.
وفائدة هذا كله فيما إذا فاوت في الجعل فقال: من حج عنى حجة الإسلام فله ألف مثلًا ومن حج القضاء فله خمسمائة، سواء صدر ذلك من مغصوب أو موص.
الجزء: 4 - الصفحة: 226
ولو أحرم أحدهما بالقضاء أو النذر وتحلل منه التحللين ثم شرع الآخر في حجة الإسلام انعكس الحال كما لو فعل المستأجر ذلك، ويحتمل أن يقال: إنه يقع عن الأخير حيث حكمنا بالانعكاس؛ لأنه لم يأت بالمأذون فيه، إلا أن قول الرافعي وإن سبق أحدهما رفع إحرامه عن المغصوب ينفيه.
الثالث: أن كلامه في التقدم يحتمل معنيين:
أحدهما: مفهومه المطلق وجميع ما سبق إنما هو تفريع عليه.
والثاني: أن يريد به بالنسبة إلى سنتين فيكون مراده بقوله في تعليل الأول لأن حجة الإسلام لا تتقدم على غيرها أنها لم تقع في سنة متقدمة على سنة القضاء والنذر، وهكذا أيضًا مراده في تعليل الثاني، وهذا الاحتمال الثاني هو ظاهر كلامه؛ لأنه قد جزم في تعليل الأول بأن حجة الإسلام لم تتقدم على غيرها، وهو صحيح بالنسبة إلى السنة لا إلى التقدم الحقيقي؛ فإن فرض الإسلام قد يقدم على غيره وقد يتقدم غيره عليه وقد يقفان معًا، والرافعي قد سَلّم هذا في تعليل الوجه الثاني ولكن انتقل إلى شئ آخر.
قوله: وأما حجة التطوع فهل يجوز الاستنابة من المغصوب فيها واستنابة الوارث للميت؟ فيه قولان: أحدهما: لا؛ لبعد العبادات البدنية عن قبول النيابة وإنما جوزنا في الفرض للضرورة، وأصحهما -وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد: نعم؛ لأنه عبادة تدخل النيابة في فرضها فتدخل في نفلها كأداء الزكاة.
انتهى كلامه.
وما أطلقه هنا من جواز ذلك للوارث محله إذا كان الميت قد أوصى به، أما إذا لم يوص فلا يجوز على المعروف.
الجزء: 4 - الصفحة: 227
هذا حاصل ما ذكره في كتاب الوصية فإنه نقل عن "أمالي السرخسي" خاصة ما يدل على الجواز، ثم قال: لكن العراقيين أطلقوا أنه إن لم يوص بحج التطوع لم يحج عنه.
هذا لفظه، وتبعه عليه في "الروضة" على ذلك بعد أن أطلق أيضًا المسألة هنا.
نعم؛ صرح هنا بالمنع في "شرح المهذب" وزاد على ذلك فصرح بأنه لا خلاف فيه، ذكر في الكلام على قول "المهذب" وتجوز النيابة في حج الفرض.
قوله في المسألة: وإن لم نجوز الاستئجار للتطوع فاستأجر وقع الحج عن الأخير، وفي استحقاق أجرة المثل قولان مرويان عن الأم:
أحدهما: أنه لا يستحق لوقوع الحج عنه.
وأظهرهما عند المحاملي وغيره أنه يستحقها لأنه دخل في العقد طامعًا في الأجرة وتلفت منفعته عليه وإن لم ينتفع بها المستأجر فصار كما لو استأجر بحمل طعام مغصوب.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن تعليل الرافعي بقوله لأنه دخل في العقد طامعًا في الأجرة يؤخذ منه أن محل الخلاف فيما إذا جعل الأجير فساد الإجارة، فإن علم فسادها لم يستحق شيئًا بلا خلاف، وقد صرح صاحب التتمة بما اقتضاه كلامه.
وحذف النووي هذا التعليل من "الروضة" ثم استدرك ذلك فيها وفي "شرح المهذب" ناقلًا له عن التتمة فقط.
الأمر الثاني: وقد استدركه أيضًا النووي في الكتابين المذكورين ناقلًا له عن "التتمة" أيضًا أن القولين إنما هما في المعضوب خاصة، فإن أوصى الميت بحجة تطوع وقلنا: لا تدخله النيابة فحج الأجير وقع عن نفسه ولا أجرة له بلا خلاف لا على الوصي ولا على الوارث ولا في التركة على خلاف ما يوهمه كلام الرافعي من جريانها في الميت أيضًا.
الجزء: 4 - الصفحة: 228
الأمر الثالث: أن ما ذكره الرافعي في آخر كلامه وهو الاستئجار على حمل المعضوب قد حذفه النووي من "الروضة" ففاتته هذه المسألة المهمة، والقياس فيها استحقاق أجرة المثل لا المسمى، وفي كلام الرافعي أيضًا إشعار به.
الأمر الرابع: أن مقتضى نقل الرافعي رجحان الاستحقاق، ولهذا أطلق النووي تصحيحه في أصل "الروضة"، والصواب خلافه؛ لأن أصح القولين تقديم المباشرة على الغرور كما أوضحوه في باب الغصب وغيره بل سيأتي بعد هذا بقليل من كلامهما ما يوضحه.
قوله: والعليل الذي يرجى زوال علته ليس له أن يحج عن نفسه كما مر، فإن أحج وشفي لم يجزئه ذلك قولًا واحدًا، وإن مات ففيه قولان:
أحدهما: يجزئه لأنه تبين أنها كانت غير مرجوة الزوال.
وأظهرهما عند الأئمة: لا؛ لأن الاستنابة لم تكن جائزة له؛ وعلى هذا فيكون نفلًا ويقع للأجير.
وقيل للعليل:
ولو استناب من لا يرجو زوالها؛ ثم شفى فعلى القولين، وقيل: لا يقع عن العليل قطعًا.
انتهى ملخصًا.
واعلم أن قول الرافعي: (يحج) هو بضم الياء، وقوله: (أحج) هو بالهمزة في أوله ومعناهما استنابة غيره في ذلك، ولهذا عدل عنهما في "الروضة" وعبر بنحو ما ذكرناه.
إذا علمت ذلك ففيما ذكره في الصورة الأولى أمور:
الأول: أن الخلاف المذكور فيها محله في ما إذا حج النائب في حياة
الجزء: 4 - الصفحة: 229
المريض، فإن حج بعد موته أجزأه بلا خلاف؛ كذا قاله الماوردي في "الحاوي"، ونقله عنه في "شرح المهذب" وأقره.
الأمر الثاني: أن تعليل الرافعي قول الإجزاء بأنا تبينا أن العلة غير مرجوة الزوال يقتضي أن محل الخلاف فيما إذا مات بذلك المرض، فلو مات بسبب عارض بأن قتل أو لسعته حية ونحوه أو وقع عليه سقف لم يجزئه قولًا واحدًا؛ لأنا لم نتبين كون المرض غير مرجو الزوال، وهذا التعليل قد أسقطه من "الروضة" ثم اغتر هو في "شرح المهذب" بما ذكره في "الروضة" فقال: وقد أطلق الأصحاب "المسألة"، والظاهر أن مرادهم ما دامت بذلك المرض، ثم ذكر ما تقدم ذكره.
الثالث: أن القولين في الإجزاء لا يخصان بحال الموت، بل يجريان أيضًا فيما إذا تفاحش ذلك المرض فصار ميئوسًا منه كما صرح به خلائق كثيرون، وجزم به في "شرح المهذب" أيضًا، وهو واضح.
الرابع: أن المرض مانع من تعلق الوجوب بالعليل لأنه لا يمكنه الحج بنفسه ولا بغيره وحينئذ فإذا كان غير مرجو فاستنابه ثم برئ ثم مات منه فلا يجب القضاء من تركته إلا إذا كان قد تمكن قبل ذلك المرض أو بعده، وهكذا قياس عليه، وقد نبه على ذلك الدارمي في الاستذكار ناقلًا له عن النص فتفطن له.
قوله في المسألة: فإذا قلنا لا يقع عن المستأجر، فلا يستحق أجره في أصح القولين؛ لأن المستأجر لم ينتفع به.
انتهى.
وتصحيحهم عدم الاستحقاق هنا مخالف لما سبق قريبًا من تصحيحهم الاستحقاق في الاستئجار للتطوع، وقد سبقت الإشارة إلى هذا الاختلاف فهل هو أجرة المثل أو المسمى؟ فيه وجهان.
فأحدهما أنا هل نتبين فساد
الجزء: 4 - الصفحة: 230
الاستئجار أم لا؟ انتهى.
تابعه في "الروضة" على حكاية الوجهين من غير ترجيح، والأصح أنه أجرة المثل، كذا صححه في "شرح المهذب".
قوله: وإن قلنا بوقوعه عن التطوع المستأجر فعن الشيخ أبي محمد أنه لا يمتنع تخرج ما يستحقه الأجير على هذين الوجهين؛ لأن الحاصل غير ما ابتغاه.
انتهى.
والأصح هنا استحقاق المسمى؛ كذا صححه في "زيادات الروضة" و"شرح المهذب" واقتضى كلامه في "الشرح" المذكور تصحيح طريقة القطع فإنه قال بعد تصحيح ما نصه: وهذا هو ظاهر كلام البغوي والأكثرين، وقال الشيخ أبو محمد: لا يبعد تخريجه على الوجهين.
قوله: وأما المعضوب فيلزمه الاستنابة في الجملة سواء طرأ العضب بعد الوجوب أو بلغ معضوبًا.
ثم قال بعد ذلك: ولو امتنع من الاستئجار فهل يستأجر عنه الحاكم؟ فيه وجهان أشبههما: لا.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن شرط الاستنابة أن يكون بين المعضوب وبين مكة مسافة القصر، فإن كان أقل فلا، بل يكلف الحج بنفسه.
قاله في "التتمة" ونقله عنه في "شرح المهذب" وأقره عليه وعلله بأن المشقة لا تكثر عليه.
الثاني: أن هذا الخلاف الذي ذكره لا يأتي في القسمين المذكورين وهما: من بلغ معضوبًا، ومن طرأ عليه العضب بعد وجوب الحج، بل إنما يأتي في القسم الثاني خاصة؛ وذلك لأن من بلغ معضوبًا لا تلزمه الاستنابة على
الجزء: 4 - الصفحة: 231
الفور بخلاف من طرأ عليه العضب بعد وجوب الحج فإنه تلزمه المبادرة إلى الاستنابة في أظهر الوجهين عند الإمام وغيره كما أوضحه الرافعي في الكلام على أن الحج لا يجب على الفور، وإذا علمت ما ذكرناه علمت أن الخلاف المتقدم لا يمكن إحرازه فيما إذا بلغ معضوبًا لعدم الوجوب على الفور بخلاف من طرأ عليه العضب بعد الوجوب، ولما تكلم الرافعي على المسألة في الكلام على وجوب الحج على التراخي خص الخلاف بالحالة الثانية كما هو الصواب وأشار هناك إلى أن الحاكم على هذا الوجه مخير بين أن يستأجر وبين أن يجيره على الاستئجار بخلاف ما تشعر به عبارته هنا من تعين الاستئجار.
الثالث: أن ما ذكرنا في استئجار الحاكم عند امتناع المعضوب من الإجارة يأتي بعينه في الإذن للمطيع، لكن ذكر النووي في "شرح المهذب" أن المعضوب إذا لم يأذن ألزمه الحاكم فإن امتنع فالوجهان.
والذي قاله من الإلزام لا يستقيم، ولم أر من قال به، والتعليل المذكور في الاستئجار والنيابة موجود بعينه في الإلزام، وهذا خيروا بينهما على القول بوجوب الاستئجار كما تقدم، فالصواب أنه أيضًا على الوجهين والقول بالتخيير صريح فيه وفي إبطال ما قاله النووي.
قوله: ولوجوب الاستنابة على المعضوب طريقان: أحدهما: أن يكون مالكًا لمال يستأجر به من يحج عنه، والثاني: أن يتبرع غيره بالحج عنه.
فإن كان المطيع أحد فروعه لزمه القبول ويشترط فيه أن لا يكون المطيع ضرورة ولا معضوبا وأن يكون موثوقًا بصدقه.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره -رحمه الله- من كونه غير معضوب قد تابعه
الجزء: 4 - الصفحة: 232
علمه في "الروضة" ومحله إذا كان فقيرًا، فإن كان غنيًا يمكنه الاستئجار عنه لزمه قبوله إذا كان ابنًا؛ كذا ذكره الدارمي في "الاستذكار"، وحكى النووي في "شرح المهذب" عن "التتمة" نحوه، وزاد فحكى في الأجنبي وجهين من غير ترجيح، وعلل عدم اللزوم بأنه في الحقيقة بذل المال.
الثاني: أن النووي في "الروضة" قد توهم أن وجوب القبول في الفروع مقطوع به فصرح بنفي الخلاف فقال: فيلزمه القبول والحج قطعًا، ثم اطلع بعد ذلك على خلاف فيه فاعترض به على الرافعي ظنًا منه أنه الذاكر لنفي الخلاف.
قوله: فلو بذل الماشي الطاعة وجب القبول إن لم يكن الماشي أبًا أو ابنًا، فإن كان فوجهان.
ثم قال: وإذا أوجبنا القبول والمطيع ماشي فهو فيما إذا كان مالكًا للزاد فإن عول على الكسب في الطريق ففي وجوب القبول وجهان أولى بالمنع لأن الكاسب قد ينقطع في الأسفار وإن لم يكن كسوبًا أيضًا، وعول على السؤال فأولى بالمنع لأن السؤال قد يرد.
انتهى كلامه بحروفه.
فيه أمور:
أحدها: أن الراجح من الوجهين المذكورين هو عدم الوجوب.
كذا صححه النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة"، ورجحه أيضًا الرافعي في "الشرح الصغير" فقال ما نصه: والأشبه المنع؛ لأنه يعسر عليه مشى ولده، فإن كان مع المشي يعول على الكسب فأولى بأن لا يجب القبول لأن المكاسب قد تنقطع في الأسفار وإن كان يعول على السؤال فأولى بالمنع.
هذا لفظه.
الثاني: أن كلام الرافعي هنا يقتضي أن مسألة المعول على الكسب
الجزء: 4 - الصفحة: 233
والسؤال صورتها في الماشي وقد صرح به في "الشرح الصغير" كما تقدم لك فلا يلزم من عدم الوجوب في هذه الحالة عدمه في الراكب وحينئذ فتكون مسألة السؤال وحدها أو الكسب وحدها ليست في الشرحين ولا في "الروضة".
نعم: صرح بها صاحب "الحاوي الصغير" وأجاب بعدم اللزوم كما أجاب في الماشي.
الثالث: قد أسلفنا في أول كتاب الحج أن صاحب التقريب قد نص في كتابه على مسألة حسنة، وهي أن المرأة القادرة على المشي لو أرادت أن تحج ماشية كان لوليها منعها من ذلك؛ وحينئذ فلا يجب القبول في مسألتنا على من جوزنا له المنع بطريق الأولى، بل المتجه عدم الوجوب على الولي وعلى غيره.
قوله من "زياداته": قال الدارمي: لو بذل لأبويه فقبلا لزمه ويبدأ بأيهما شاء.
قال: وإذا قبل الأب البذل لم يجز له الرجوع.
وإذا كان على المعضوب حجة نذر فهي كحجة الإسلام.
انتهى.
فأما المسألتان الأولتان فالذي ذكره فيهما من اللزوم بعد قبول الأبوين ومن عدم جواز الرجوع هو وجه ضعيف؛ فقد ذكر المسألة قبل هذا بدون صفحة وصحح جواز الرجوع فاعلمه وتفطن له.
وجزم ابن عبدان في شرائط الأحكام بما قاله الدارمي وقال: إنه لا يجب عليه على الفور، وهو واضح.
وأما المسألة الثالثة فقد تقدم ذكر الرافعي لها أيضًا وبسطها، وقد فرع الدارمي على الأولى تفريعًا حسنًا وهو أنه إذا حج الابن عن أحدهما ثم مات ففي وجوب القضاء عنه خلاف.
الجزء: 4 - الصفحة: 234
قوله في "الروضة": والأظهر الجديد أن العمرة فرض والقديم أنها سنة.
انتهى.
والقول بعدم الوجوب ثابت في الجديد؛ فقد نص عليه الشافعي في أحكام القرآن؛ كذا حكاه عنه جماعة منهم المحاملي والقاضي أبو الطيب، وقد أشار الرافعي إلى ذلك وإن كان غير جازم به فقال عقب ما سبق: وأشار بعضهم إلى ترديد القول فيه قديمًا وجديدًا.
قوله: وعندنا يجوز الحج بالرزق كما يجوز بالإجارة؛ وذلك بأن يقول: حج عني وأعطيك نفقتك.
ذكره في "العدة".
ولو استأجر بالنفقة لم يصح لأنها مجهولة.
انتهى كلامه.
والمراد بالرزق أن لا يستأجر، بل يعقد بصيغة الجعالة ونحوها بأن يقول: من حج عني فله ألف، أو حج عني وأعطيك ألفًا.
إذا علمت ذلك فما نقله عن صاحب العدة من أصل الجواز صحيح، وأما ما نقله عنه من الجواز بالنفقة وأقره عليه فقد جزم به في "الشرح الصغير" ولم ينقله عنه، وكذلك فعل النووي في "الروضة".
والحكم المذكور مردود بحثًا ونقلًا.
أما بحثًا: فواضح وهو جهالة العوض.
وأما نقلًا: فإن الشافعي قد نص على المسألة وصرح بعدم الصحة فقال في "الأم" ما نصه: قال رجل لرجل: حج عن فلان الميت بنفقتك دفع إليه النفقة أم لم يدفعها هذا غير جائز؛ لأن هذه أجرة غير معلومة، فإن حج أجزأت عنه وله أجرة مثله، وقد نص في الإملاء على مثله فقال: وإن كان لم يكن يؤاجر ودفع إليه مالًا فقال: وقيل: ويجوز أن رجل دراهم فيقال: أنفق منه وحج عن فلان، فحج عن فلان وله أجرة مثله؛ لأن هذه
الجزء: 4 - الصفحة: 235
إجارة فاسدة لأنها غير معلومة فرد الفضل من إجارة مثله.
وكذلك إن دفع إليه مالًا فقال أنفق منه وحج عن فلان، فإن خسر فعلينا وإن زاد فلنا هذا لفظ "الإملاء" بحروفه ومنه نقلت.
وذكر في "البويطي" مسألة نحوه أيضًا فقال: حج عن فلان وأكثر منها وأنفق فما بقي فرده وما خسر فعلينا.
هذا لفظه بحروفه.
وقد وقع النووي في "شرح المهذب" في أشد مما وقع فيه في "الروضة" فقال: ويجوز الحج بالرزق كما يجوز بالإجارة، وهذا لا خلاف فيه.
صرح به القاضي أبو الطيب في "المجرد"، والأصحاب قالوا: وذلك أن يقول حج من غير عني وأعطيك نفقتك أو كذا وكذا.
وهذه عبارته، وهو عجيب جدًا.
قوله: والأصح المنصوص صحة الجعالة على الحج وغيره مما تصح الإجارة عليه، وقيل: لإمكان العقد عليه بالإجارة، ثم قال فعلى الثاني قد حج عنه إنسان وقع الحج عن المعضوب الإذن، وللعامل أجرة المثل لفساد العقد، وفيه وجه أنه يفسد الإذن؛ لأنه غير متوجه إلى البيان بعينه فهو كما لو قال وكلت من أراد بيع داري فلا يصح التوكيل.
انتهى.
وتعبيره في آخر كلامه بالتوكيل ليس بجيد بل ينبغي أن يقول فلا يصح الإذن؛ لأن الكلام في أنا إذا فرعنا على بطلان العقد هل يبطل الإذن أم لا؟
قوله: مقتضى كلام إمام الحرمين والغزالي تجويز تقديم الإجارة على خروج الناس للحج وأن للأجير انتظار خروجهم ويخرج مع أول رفقة، والذي ذكره جمهور الأصحاب على طبقاتهم يقتضي اشتراط وقوع الإجارة العينية في زمان خروج الناس من تلك البلد حتى قال صاحب "التهذيب":
الجزء: 4 - الصفحة: 236
لا يصح إلا وقت خروج القافلة بحيث يشتغل عقب العقد بالخروج أو بأسبابه كشراء الزاد، وسوأء على ذلك أنه لو كان الاستئجار بمكة لم يجز إلا في أشهر الحج ليمكنه الاشتغال بالعمل عقب العقد، وعلى ما قاله الإمام والغزالي لو جري العقد في وقت تراكم الأنداء والثلوج فوجهان: أحدهما يجوز، وبه قطع الغزالي في "الوجيز" وصححه في "الوسيط" لأن توقع زوالها مضبوط.
والثاني: لا لتعذر الاشتغال بالعمل في الحال بخلاف انتظار خروج الرفقة فإن خروجها في الحال غير متعذر.
هذا كله في إجارة العين.
أما إجارة الذمة فيجوز تقديمها على الخروج بلا شك.
انتهى ملخصًا.
وقد اعترض في "الروضة" نقل ابن الصلاح وأقره عليه فقال: قلت: أنكر الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح على الإمام الرافعي هذا النقل عن جمهور الأصحاب.
قال: وما ذكره عن صاحب "التهذيب" على التوفيق بينه وبين كلام الإمام أم هو شذوذ من صاحب "التهذيب" لا ينبغي أن يضاف إلى جمهور الأصحاب؛ فإن الذي رأيناه في "التتمة" و"الشامل" و"البحر" وغيرها مقتضاه أنه يصح العقد في وقت يمكن فيه الخروج والسير على العادة أو الاشتغال بأسباب الخروج.
قال صاحب "البحر": أما عقدها في أشهر الحج فيجوز في كل موضع لإمكان الإحرام في الحال.
هذا كلام الشيخ أبي عمرو.
انتهى كلام "الروضة"، وفيه أمران:
الجزء: 4 - الصفحة: 237
أحدهما: أن سكوت النووي على كلام ابن الصلاح يوهم صحة ما استدرك على الرافعي، وليس كذلك بل الأمر كما نقله الرافعي عن الجمهور فقد صرحوا أنه في كتبهم المشهورة والمجهورة، ونقل النووي في "شرح المهذب" عبارة جمع كثير منهم.
وفي بعض ما نقله كفاية في رد كلام ابن الصلاح فراجعه، ولولا الإطالة والاكتفاء بما ذكرته لذكرت عباراتهم.
نعم: جوز ابن المرزبان عقدها قبل الوقت مطلقًا، وقال بعضهم: إن كان قريبًا لم يجز، وإن كان بعيدًا جاز.
حكاهما الدارمي بعد تصحيحه المنع كما صححه غيره.
وحاصل ما أشرنا إليه من المنقول اعتبار وقت الخروج وأن زمن تحصيل الزاد ونحوه لا يضر إذا كان الخروج عقبه؛ لأنه في العرف ليس بخارج عن وقت الخروج، وهذا الذي تحصل من نقولهم مخالف لكلام الإمام والغزالي قطعًا وموافق لما يقوله الرافعي، بل النقول التي استند إليها ابن الصلاح يوافقه أيضًا فمن أين يجئ الاعتراض على الرافعي؟ .
الأمر الثاني: أن هذا الحكم المذكور في الزيادات عن صاحب "البحر" وهو جواز عقدها في أشهر الحج في كل موضع قد صرح به خلائف كثيرون وهو يؤخذ أيضا من كلام الرافعي؛ لأنه جوز ذلك في مسألة، وإذا جاز ذلك فيها جاز في غيرها من الأماكن البعيدة بطريق الأولى.
قوله: ففي "التهذيب" وغيره أنه إن قال: ألزمت ذمتك لتحج بنفسك، لم يجز أن يستنيب لأن الأغراض تختلف باختلاف أعيان الأجزاء، وهذا قد ذكره الإمام عن الصيدلاني وخطأه فيه وقال ببطلان الإجارة لأن الدينية مع الربط بمعين تتناقضان فصار كما لو أسلم في ثمرة بستان بعينه، وهذا إشكال
الجزء: 4 - الصفحة: 238
قوي.
انتهى.
وحاصل الجزم بالصحة أنه ليس فيه إلا كلام الإمام.
إذا علمت ذلك فقد جزم بالبطلان في آخر كتاب الإجارة في المسائل المتعلقة بالباب الأول وستعرف لفظه هناك.
وتابعه النووي في "الروضة" على الموضعين ولم يتعرض للمسألة في "الشرح الصغير" ولا في "المحرر" وردها النووي في كتاب الحج في "شرح المهذب" كما ذكرها فيه في "الروضة"، ووافق الفوراني في هذا الباب من "العمد" على الصحة أيضًا، وفرق بينه وبين المسلم بأن الحج قربة وإعراض الناس في عين من تحصيل القربة متفاوت؛ لأنه قد يستأجر فاسقًا ويخرج به عن العهد شرعًا، وأما في السلم فلأنه إذا أطلق حمل على الحد.
قوله: وهل يشترط تعين الميقات الذي يحرم منه الأجير؟ فيه قولان: أحدهما: يشترط لاختلاف المواقيت.
والثاني: لا يشترط، ويعتبر ميقات تلك البلدة على العادة الغالبة، وبهذا أجاب في "المقنع" وصححه ابن عبدان.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة"، وأطلق تصحيح الثاني وفيه أمران:
أحدهما: أنه لم يبين المراد بالبلد هل هي بلد الإجارة أو بلد المحجوج عنه وقد بينه جماعة منهم الغزالي في "البسيط" فقال إن الاعتبار ببلد المحجوج عنه، وكذلك البغوي في "التهذيب".
الثاني: إن الأجير إذا عدل عن الميقات الواجب إلى غيره جاز إن كان مثله أو أطول منه.
كذا ذكره الرافعي بعد هذا بنحو ثلاثة أوراق فاعلمه؛ فإن كلامه هنا
الجزء: 4 - الصفحة: 239
يوهم خلافه، وستقف على المسألة بعد هذا بقليل.
قوله: ووراءه صورة أخرى؛ وهي أن يستأجر المعضوب لنفسه ثم يموت ويؤخر الأجير الحج عن السنة الأولى فهل يثبت الخيار للوارث؟ لم نلقها مسطورة.
ولفظ "الوجيز" يشعر بعدم ثبوثه، والقياس الثبوت كخيار العيب.
انتهى ملخصًا.
تابعه في "الروضة" و"شرح المهذب" على دعوى عدم نقلها ولكنه خالفه في الحكم فقال: الظاهر المختار أنه للوارث الفسخ إذ لا ميراث في هذه الأجرهة بخلاف الرد بالعيب.
هذا كلامه.
والعجب من قول هذين الإمامين أن المسألة ليست مسطورة مع أنها مسطورة في الكتب المشهورة؛ فقد صرح بها المحاملي في "المجموع" في باب الإجارة على الحج وهو في أثناء كتاب الحج فقال: وأما إذا استأجره إجارة في الذمة بأن يستأجره ليحصل له حجه فإطلاق هذه الإجارة يقتضي التعجيل.
ثم قال ما نصه: وفرع أبو إسحاق على هذا فقال: إذا استأجره ليحصل له حجه وأطلق فإطلاق العقد حجه في هذه السنة، فإن أخر الحج عن هذه السنة نظر في المستأجر، فإن كان حيًا فله فسخ الإجارة لأنه ينتفع بذلك -وهو أنه يتصرف في الأجرة-، وإن كان ميتًا لم يجز فسخ الإجارة بل ينتظر إلى الثانية ثم يحج الأجير الحج عنه؛ لأنه إذا استرجع منه الأجرة فلا يتمكن الوارث من التصرف فيها ولابد من استئجار غيره ولا يمكن استئجاره قبل السنة الثانية فلا فائدة في استرجاع ذلك، بل يترك حتى يحج
الجزء: 4 - الصفحة: 240
عنه الأجير في السنة الثانية.
هذا لفظ المحاملي، وهو يوافق ما أبداه النووي بحثًا.
ثم رأيت المسألة في "عدة" الطبري فنقل عن سليم الرازي أنه لا خيار، ونقل عن المحاملي أن المسألة ليست منصوصة للشافعي وأن الذي يجئ على المذهب ثبوته، وهذه "العدة" هي عدة أبي عبد الله الحسين التي ينقل عنها صاحب "البيان" لا عدة أبي المكارم ابن أخت صاحب "البحر" الذي ينقل عنها الرافعي، فاعلم ذلك.
قوله: ولو عدل الأجير عن طريق الميقات المعتبر إلى طريق آخر ميقاته مثل ذلك الميقات أو أبعد فالمذهب أنه لا شئ عليه.
انتهى.
تابعه في "الروضة" عليه.
وتقييده ذلك بالمساوي أو الأبعد يشعر بأن الأقرب إلى مكة لا يجوز له سلوكه ويلزمه الدم لو فعله، وبه صرح البغوي في "التهذيب" فقال عليه دم الإساءة إلا أن يكون الولي استأجره وعين له ذلك فالدم على الولى.
قاله في باب الإجارة.
وصرح به أيضًا الغزالي في "البسيط" واقتضى كلامه أن العبرة فيما ذكرناه بالمسافة سواء كان ميقاتًا شرعيًا أم لم يكن إذا لم تكن فيه مجاوزة للميقات، لكن في "المهذب" و"التتمة" و"الشامل" و"البيان" وغيرها القطع بالجواز وعدم وجوب الدم لأن الشرع قد جعل هذه المواقيت بعضها يقوم مقام بعض.
وهذا الذي ذكروه مناف للتعيين الذي نحن نفرع عليه، وقد فرع الطبري شارح "التنبيه" على ذلك فرعا طويلًا فقال: لو استأجر مكي عن أفقي ليحج عنه أو يعتمر ولم يعين له ميقات وقلنا يصح وينزل على ميقات
الجزء: 4 - الصفحة: 241
المستأجر عنه فأحرم من مكة فوجوب الدم ينبني على الوجهين المتقدمين فيما إذا أحرم من ميقات بلد دون ميقات بلد دون ميقات بلد المستأجر، فإن منعنا ثم كما قال البغوي فهنا أولى، وإن جوزنا ثم كما في "المهذب" و"التتمة" وغيرهما احتمل هنا وجهين: أحدهما: لا شيء عليه؛ لأن مكة ميقات شرعي والشرع أقام المواقيت الشرعية بعضها مقام بعض؛ فعلى هذا لو عين له مكة في الإجارة فلا شئ على المستأجر أيضًا، وأصحهما: عليه دم؛ لأن العبرة بالمستأجر.
ولو استأجر أفقي مكيًا للتمتع لزمه دم، ولا نظر إلى كون الآتي به مكيًا.
والفرق بين هذه المسألة وبين ما إذا أحرم الأجير من ميقات شرعي دون ميقات المستأجر لأن الأجير منزل منزلة المستأجر والمستأجر لو أتى من طريق الميقات الذي أحرم منه الأجير كان ميقاتًا له، وكذلك أجيره.
ولو دخل مكة غير محرم وهو مريد للنسك ثم أحرم منها لزمه دم الإساءة ولم يكن ميقاتًا للمار بها بل للمقيم بها بشرط أداء تحية حرمها المشروعة لمريد النسك والمستأجر عنه غير مقيم بمكة وهو مريد للنسك ولم يؤد وظيفة التحية، وأجيره بمنزلته فليقم بما لزمه لو كان ناسكًا فيخرج إلى حيث لزمه الإحرام منه فيحرم منه، ويزيد ذلك بيانًا أنهم اتفقوا على أن الأفقي لو مر بميقات وأراد مجاوزته ليحرم من مكة لكونها ميقاتًا منصوصًا عليه لم يجز قطعًا.
واختلفوا فيما سوى مكة كما تقدم في محاذاة الحليفة والجحفة فدل على مغايرتها لغيرها؛ وعلى هذا لو عين له مكة في الإجارة للإحرام لم يصح العقد لكن لو أحرم عنه منها صح وتأثير الفساد في بطلان المسمى ووجوب
الجزء: 4 - الصفحة: 242
أجرة المثل وهل يجب دم؛ لأن التعيين بطل لبطلان العقد وبقى إذن مجرد في النسك فاقتضاه كاملًا، فإذا نقضه وجب جبره أو لا يجب لأنه أتى به كما أمر؟ فيه احتمالان، وعلى الثاني إن كان المستأجر عنه في صورة الغضب وجب عليه دم، وإن كان وليه في صورة الموت احتمل وجهين كقولي دم محظور الصبي؛ فإن قلنا: الدم على الولي ثم، فهنا أولى؛ لأنه المباشر للمحظور، وإن قلنا في مال الصبي ففي التركة، فإن لم يكن فالظاهر أنه لا يتعين الولي ولو قبل بتعيينه لم يبعد ويجعل بشرطه كالملتزم.
فإن قيل: اتفق الجمهور على جواز استئجار المرأة للحج عن الرجل فإحرامهما مختلف ولا يجب دم قطعًا للبسها المخيط وتغطية رأسها لا عليه ولا عليها اعتبارًا بحالها لكونها المباشرة، فهلا كان استئجار المكي كذلك بالنسبة إلى الميقات؟ قلنا: الفرق أنهم جعلوا الميقات معتبرًا بالمستأجر ولهذا اختلفوا في وجوب تعيينه في الإجارة لاختلاف الغرض باختلافه وذلك لتمكن الأجير من الإحرام منه وإن شق عليه، ولا كذلك لباس المحرم فإنه معتبر به لا بالمستأجر؛ فلذلك جوزنا في إحرامها ما لم يجز في إحرامه لتعينه في حقها؛ إذ الستر واجب عليها، والله أعلم.
وهذا كله إذا استؤجر المكي من تركة الميت.
فلو تبرع متبرع بالنسك عنه حيث جاز ففي الدم الاحتمالان فيما إذا عينت مكة للإحرام في الإجارة، وأولى أن لا يجب لأنه جرى ثم التزام نسك متصف بنقص فلما بطل العقد أثر بطلانه في إلغاء الصفة وبقي مجرد النسك والأصل فيه التمام ولا التزام هنا وانما تبرع به ناقصًا فلزمه بالإحرام ما بعده كاملًا حتى لو أساء في شئ منه لزمه جبره وأتى بأصل الإحرام كما تبرع به؛ وعلى هذا يجب الدم في تركه المحجوج عنه؛ لأن الإحرام من الميقات من جملة الواجبات وقد أسقط عنه ما عداه فكان جبره من ماله كما لو قضى عنه بعض دينه وبقي بعضه.
الجزء: 4 - الصفحة: 243
فإن لم يكن له تركه أو كانت ولم يجب عليه الحج لم يجب على واحد منهما.
وذكر فقهاء اليمن من أهل العصر أن المحجوج عنه إن كان قد وجب عليه الحج لم يلزم المتبرع عنه شيء وكأنه قضى بعض دينه وإن لم يجب عليه ألحق بالإحرام عن الصبي فيخرج على الوجهين بجامع التوريط فيما لم يلزمهما ولا اختيار لها فيه، وهو قريب ولكن الفرق ممكن وهو المختار، فإن توريط الصبي حقيقة فإنه صار ناسكًا بإحرام الولي عنه، فلو حط المورط فألزم زائد النفقة والكفارات، وهنا إنما ورط نفسه بالتبرع بالإحرام لا المحجوج عنه فيلزمه جبر النقص بعده من ترك مأمور وارتكاب محظور قطعًا بخلاف نقض الإحرام نفسه كما قدمناه، وهذا كله في المتبرع بالنسك من مكة.
أما المتبرع بالاستئجار فإن ألحقنا مكة بالمواقيت الشرعية على ما تقدم فلا شيء عليه وإلا فسدت الإجارة لاقترانها بالشرط الفاسد ويبقى مجردًا دون العاقد وفيه الاحتمالات المتقدمان فيما لو عين له مكة في الإجارة.
وهذا الفرع لم أر فيه نقلًا.
قوله في أصل "الروضة": فلو عينا مكانًا أبعد من الميقات الشرعي بأن عينا الكوفة مثلًا فهل يلزم الأجير الدم بمجاوزته غير محرم؟ وجهان: الأصح المنصوص: نعم.
فإن قلنا باللزوم فهل ينجبر به الخلل حتى لا يحط شئ من الأجرة؟ على قولين: أصحهما: لا ينجبر ثم قال: ولو شرط الإحرام من أول شوال فأخره لزمه الدم، وفي الانجبار الخلاف، وكذا لو شرط أن يحج ماشيا فحج راكبًا لأنه ترك مقصودًا.
هكذا نقلت المسألتان عن القاضي الحسين ويشبه أن تكونا مفرعتين على أن الميقات المشروط كالشرعي وإلا فلا يلزم الدم كما في مسألة تعيين
الجزء: 4 - الصفحة: 244
الكوفة.
انتهى كلام "الروضة".
وما ذكره هنا من لزوم الدم والحط فيما إذا حج راكبًا قد صحح خلافه في "شرح المهذب" فقال بعد حكايته لما ذكره في "الروضة" ما نصه: وقطع البغوي بأنه إذا استأجره ليحج ماشيًا فحج راكبًا؛ فإن قلنا: الحج راكبًا أفضل، فقد زاد خيرًا.
وإن قلنا: الحج ماشيًا أفضل، فقد أساء بترك المشي وعليه دم، وفي وجوب رد الميقات بين أجرة الراكب والماشي وجهان بناء على ما سبق، وهذا الذي قاله المتولي هو الأصح.
هذا لفظه في "شرح المهذب".
والأصح عنده -أي: عند النووي- أن الحج راكبًا أفضل؛ فيكون الأصح عنده أنه لا دم ولا حط على خلاف المذكور في "الروضة".
ونظير المسألة ما إذا نذر أن يحج ماشيًا فحج راكبًا، وقد صحح فيها في "الروضة" وجوب الدم أيضًا، وستعرف المسألة في موضعها إن شاء الله تعالى.
قوله: الأولى إذا استأجره للقران فامتثل فالدم على المستأجر في أصح الوجهين، والثاني: على الأجير.
وإن أفرد أو تمتع وأتى بهما معًا من الميقات بأن عاد إليه بعد الفراغ من الأول وكانت الإجارة على الذمة فلا شئ عليه لأنه زاد خيرًا ولا على المستأجر لأن الأجير لم يقرن ولم يتمتع.
ثم قال: وذكر أصحاب الشيخ أبي حامد أنه يجب على المستأجر دم لأن القران الذي أمر به يتضمنه، واستبعده ابن الصباغ وغيره.
انتهى موضع الحاجة ملخصًا.
وما ذكره هنا من عدم وجوب الدم على المستأجر قد تابعه عليه في "الروضة" وموافقته عليه مناقضة لما سيأتي في المجامع فإنه قد صرح من
الجزء: 4 - الصفحة: 245
"زوائده" بأن القارن والمتمتع إذا أفسدا نسكهما وقضياه مفردين يلزمهما دم آخر للقضاء الذي كان في الذمة، ثم إنه لما حكم بالوجوب بالغ فيه فراجعه، وكلام الرافعي هناك وفي باب النذر مقتضاه رجحان عدم الوجوب؛ فهو ماشي على قاعدة واحدة.
قوله: المسألة الثانية: إذا أمره بالتمتع فامتثل فالحكم كما لو أمره بالقران فامتثل، وإن أفرد نظر؛ إن قدم العمرة وعاد للحج إلى الميقات فقد زاد خيرًا، وإن أخر العمرة.
. . . إلى آخر ما ذكره.
واعلم أن ما ذكره هاهنا من أنه إذا قدم العمرة وعاد للميقات فأحرم بالحج يكون مفردًا قد تابعه عليه في "الروضة"، وليس كذلك؛ فإن هذا وجه ضعيف، والمشهور -كما قاله الرافعي في آخر الكلام على شروط التمتع- أن هذا متمتع ولكن لا يلزمه الدم، وسأذكر لفظه هناك.
قوله في "الروضة" في المسألة المذكورة -وهي الأمر بالتمتع-: وإن قرن فقد زاد خيرًا.
نص عليه؛ لأنه أحرم بالنسكين من الميقات، وكان مأمورًا بأن يحرم بالحج من مكة، ثم إن عدد الأفعال للنسكين فلا شئ عليه وإلا فهل يحط شئ من الأجر لاختصاره في الأفعال؟ وجهان، وكذا الوجهان في أن الدم على المستأجر أم الأجير.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن هذين الوجهين اللذين حكاهما النووي من غير ترجيح قد ذكر الرافعي بعد حكايتهما كلامًا آخر حاصله تصحيح الحط؛ فإنه قال: نقلوا وجهين في أنه هل يحط شيء من الأجره للاختصار في الأفعال، وفي أن الدم على المستأجر لأمره بما يتضمن الدم أو على الأجير لنقصان الأفعال.
وكل ذلك يخرج على الخلاف المتقدم في عكسه وهو ما إذا تمتع المأمور بالقران.
هذا لفظه، والصحيح في عكسه أنه مخالف.
الجزء: 4 - الصفحة: 246
الأمر الثاني: أن تعبيره في "الروضة" عن الوجهين المذكورين ثانيًا بقوله: وكذا الوجهان -أعني بصيغة ال- لا يستقيم بعد تنكيره الوجهين المذكورين أولًا؛ فتأمله؛ فالصواب تعريفهما أو تنكيرهما.
الأمر الثالث: أن تعبيره بقوله: ثم إن عدد الأفعال للنسكين ظاهره أن يتبرع فيأتي بطوافين وسعيين كما يشترطه أبو حنيفة.
وليس كذلك بل المراد تجديد العود إلى الميقات كما سبق في التمتع؛ فإنه ينفع القارن في سقوط الدم على الصحيح كما يأتي في موضعه، إلا أنه لو استحضر أن المراد ما ذكرناه لعبر بقوله ثم إن عاد فإنه أخصر وأقرب إلى المراد، وعبر الرافعي بقوله ثم إن عدد الأفعال.
واقتصر عليه فزاد النووي لفظه (النسكين) فزاد الكلام خللًا وإيهامًا، وعبر في "شرح المهذب" بعبارة "الروضة" في المسألة جميعها بل في مسائل الفصل جميعه.
قوله: فلو مات في أثناء الحج فهل يجوز البناء على حجه؟ فيه قولان: الصحيح الجديد أنه لا يجوز البناء.
ثم قال ما نصه: لأنه لو أحصر فتحلل ثم زال الحصر فأراد البناء لا يجوز، فأما إذا لم يجز البناء على فعل نفسه فأولى أن لا يجوز لغيره البناء على فعله.
انتهى كلامه.
وهذا التعليل الذي ذكره صريح في أن القولين لا يجريان في المحصر إذا تحلل وهو مخالف لما ذكره في أواخر مواقع إتمام الحج في الكلام على المحصر فإنه قال هناك ما نصه: وهل يجوز البناء لو انكشف الإحصار؟ فيه الخلاف السابق؛ الجديد: لا يجوز، والقديم: الجواز إحرامًا ناقصًا.
هذا كلامه.
ووقع هذا الاختلاف أيضًا في "شرح المهذب" فسلم الكتابان من الاختلاف.
الجزء: 4 - الصفحة: 247
قال -رحمه الله-: المقدمة الثانية في: المواقيت
قال الشافعي: وأشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وتسع من ذي الحجة واعترض ابن داود عليه في تعبيره بالتسع فقال: إما أن يريد به الأيام أو الليالي؛ إن أراد الأيام فاللفظ مختل؛ لأن جمع المذكر في العدد بالهاء كما قال تعالى: ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ 12، وإن أراد الليالي فالمعنى مختل؛ لأن الليالي التي يصح الإحرام فيها عنده عشر لا تسع.
قال الأصحاب: هاهنا قسم آخر؛ وهو أن يريد الأيام والليالي جميعًا، والعرب تغلب التأنيث في العدد، ولذلك قال تعالى: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ 13، وقال -عليه الصلاة والسلام-: "واشترط الخيار ثلاثًا" 14. والمواد الأيام والليالي.
. . . إلى آخر ما ذكر.
فيه أمور:
أحدها: أن ما ذكره في القسم الأول من أن جمع المذكر لابد فيه من الهاء إنما محله إذا كان المعدود ملفوظًا به، فإن كان محذوفًا كما وقع في كلام الشافعي فكقولك صمت عشرة -يريد: عشرة أيام- فإنه يجوز له حذف التاء وإثباتها وإن كان الإثبات هو الفصيح.
ومما ورد من ذلك ما حكاه الكسائي عن ابن الجراح: صمنا من الشهر خمسًا.
الجزء: 4 - الصفحة: 248
وحكى أيضًا الفراء: أفطرنا خمسًا وصمنا خمسًا، ومنه الحديث الصحيح: "من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال" 15. وإذا علمت ذلك علمت أن الكلام الشافعي صحيح على إرادة الأيام.
والعجب من سرعة اعتراض ابن داود أو غيره على الشافعي في حكم لغوي وكلامه حجة في اللغة.
الأمر الثاني: أن ما ذكره الرافعي من احتمال إرادة الأيام والليالي جميعًا والعرب تغلب المؤنث على المذكر عند اجتماعهما جواب عجيب؛ لأن السؤال باق وهو إخراج الليلة العاشرة.
الأمر الثالث: أن القائل مثلًا إذا قال سكنت الدار تسعًا وأراد أيامًا وليالي؛ فإن أراد أن بعض التسع أيام وبعضها ليالي فهذا جمع بين مذكر ومؤنث حقيقة، ولا يستقيم إردة ذلك هاهنا، وإن أراد ما يريده القائل بقوله عشرة أيام بلياليها فالمعدود مذكر وإنما نوى مع المعدود شيئًا آخر مؤنثًا، وكذا عكسه.
الأمر الرابع: أن هذا اللفظ الذي جزم به هنا بإسناده إلى النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قد أنكره غاية الإنكار في كتاب البيع، وسوف أذكر لفظه هناك فراجعه.
قوله: أما المقيم بمكة فميقاته مكة ثم من أي موضع أحرم منها جاز، وفي الأفضل قولان: أحدهما: أن يتهيأ للإحرام ويحرم من المسجد قريبًا من البيت وأظهرهما: الأفضل أن يحرم من باب داره ويأتي المسجد محرمًا.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الرافعي قد ذكر بعد هذا أن المستحب لمن ميقاته خلفه أو
الجزء: 4 - الصفحة: 249
قريبه أن يحرم من الطرف الأبعد من مكة ليقطع الباقي محرمًا، وقياسه أن المكي يحرم من طرفها الأبعد عن مقصده -وهو عرفات- تعين ما قاله من العلة.
الأمر الثاني: أن النووي قد ذكر من زياداته في الكلام على ركعتي الإحرام أن الأصحاب قالوا: إن كان في الميقات مسجد فالمستحب أن يصلي الركعتين فيه وما تقرر أن ميقات المكي مكة وفيها مسجد فيستحب فعلها فيه وحينئذ فكيف يجتمع ذلك مع ما صححوه هنا من كونه يحرم من باب داره ثم يأتي المسجد؛ لأن الركعتين سابقة على الإحرام.
قوله: وميقات المتوجهين من المدينة ذو الحليفة، وهي على ميل من المدينة.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: ما نبه عليه العمراني؛ وهو أن عائشة كانت تحرم من ذي الحليفة وبالعمرة من الجحفة.
قال: وهو محمول عندنا على أن للمدينة طريقين فمن أي الطريقين سلك أحرم من ميقاتها، وقد روى البخاري ومسلم عن أبي الزبير أن جابرًا سئل عن المهل -فقال أحسبه رفعه إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: مهل أهل المدينة من ذي الحليفة والطريق الآخر الجحفة 16.
الأمر الثاني: أن ما ذكره من كون ذي الحليفة على ما ذكره صاحب "الشامل" فقلد فيه الرافعي والحسي يرده، بل الصواب المعروف المشاهد أنها على فرسخ وهو ثلاثة أميال أو يزيد قليلًا، بل ذكر الغزالي في "البسيط" أنها على ستة أميال وصححه في "شرح المهذب"، وقيل على سبعة، ولم يتعرض في "الروضة" لشيء من ذلك.
الجزء: 4 - الصفحة: 250
وذو الحليفة: اسم ماء من مياه بني خيثم.
والحليفة: تصغير الحلف بفتح الحاء واللام، واحد الحلفا وهو النبات المعروف.
قوله: وميقات المتوجهين من المشرق والعراق وخراسان ذات عرق؛ ففي الصحيح عن ابن عمر قال: لما فتح هذان المصران أتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين إن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حد لأهل نجد قرنًا وهو جور عن طريقنا، وإنا إذا ردناه شق علينا.
قال: فانظروا حذوها، فحد لهم ذات عرق 17.
والثاني وإليه صيغ الأكثرين أنه منصوص عليه روي عن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقت لأهل المشرق ذات عرق.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما نقله عن الأكثرين وأقرهم عليه قد ذكر نحوه في "الشرح الصغير" أيضًا فقال إنه الأرجح ثم خالف ذلك في "شرح مسند الإمام الشافي" فقال: ذهب الشافعي إلى أن ذات عرق ليس منصوصًا عليه وإنما هو باجتهاد عمر.
هذه عبارته، ولم يحك فيه خلافًا، وهو تباين فاحش؛ فإن حاصله أم مقابله ليس مذهبًا له.
الأمر الثاني: أن قول الشافعي قد اختلف في ذات عرق فقال في موضع: هو منصوص عليه، وفي موضع آخر: ليس منصوصًا عليه.
كذا ذكره القاضي أبو الطيب في "تعليقه"؛ فثبت إذن أن الخلاف قولان لا وجهان.
والحديث الأول رواه البخاري.
والمصران: هما البصرة والكوفة.
الجزء: 4 - الصفحة: 251
والمراد بفتحهما: عمارتهما؛ لأنهما إسلاميتان بنيتا في خلافة عمر.
وجور: بفتح الجيم وآخره راء مهملة من قولهم: جار يجور إذا مال أي: مائل منحرف.
والحديث الثاني رواه أبو داود والنسائي والدارقطني وغيرهم بإسناد صحيح كما قاله في "شرح المهذب"، ورواه مسلم أيضًا في صحيحه من رواية جابر، إلا أن الرواي عن جابر وهو أبو الزبير لم يجزم بأن جابرًا رفعه إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أحسبه رفعه إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ورواه عنه جماعة مرفوعًا -يعني شاك-، إلا أن إسناد هذه الرواية ضعيف.
والسماع المعتمد عن المنقين في قرن هو التسكين، ورأيته منقولًا عن أبي عبيد وغيره ورواه صاحب "الصحاح" بالتحريك، وادعى أن أويسًا منسوب إليه.
انتهى.
قال النووي في "تهذيب الأسماء واللغات": اتفق العلماء على التسكين واتفقوا على تغليط الجوهري في فتح الراء وفي نسبة أويس إليه قال في "شرح المهذب": وانما هو منسوب إلى قرن قبيلة من مراد بلا خلاف بين أهل المعرفة.
وقد ثبت في "صحيح مسلم" عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: "أويس بن عامر من مراد ثم من قرن" 18.
قوله: الثانية: إذا سلك طريقًا لا ينتهى إلى ميقات أحرم عند محاذاة الميقات، فلو حاذى ميقاتين يتوسطهما طريقة نظر إن تساويا في المسافة إلى مكة وإلى طريقه جميعًا أو في المسافة إلى مكة وحدها أحرم عند محاذاتهما، وإن تساويا في المسافة إلى طريقة وتفاوتا في المسافة إلى مكة ففيه وجهان: أحدهما: أن له أن يحرم عند محاذاة أقربهما.
الجزء: 4 - الصفحة: 252
وأظهرهما: يتعين المحاذى الأبعد، وليس له انتظار الوصول إلى محاذاة الأقرب كما ليس للخارج من المدينة أن يجاور ذا الحليفة ليحرم من الجحفة، وقد يتصور في هذا القسم محاذاة الميقاتين دفعة واحدة؛ وذلك بانحراف أحد الطريقين لو عورة وغيرها وحينئذ فلا كلام في الإحرام موضع المحاذاة.
لكن هل إحرامه منسوب إلى أبعد الميقاتين أو قريبهما؟ حكى الإمام فيه وجهين.
قال: وفائدتهما فيما إذا جاوز موضع المحاذاة وانتهى المكان الذي يسلك منه إلى الطريقين اللذين للميقات فأراد العود لدفع الإساءة ولم يعرف موضع المحاذاة فهل يرجع إلى هذا أم ذاك؟ وإن تفاوت الميقاتان في المسافة إلى مكة وإلى طريقه فالاعتبار بالأقرب إليه، وقيل: إلى مكة.
واعلم أن الأئمة فرضوا جميع هذه الأقسام فيما إذا توسط بين طريقين يفضى كل واحد إلى ميقات، ويمكن تصوير القسم الثالث والرابع في ميقاتين على يمينه أو شماله كذي الحليفة والجحفة؛ فإن أحدهما بين يدي الآخر فقد يتساوى قربهما على طريقه وقد يتفاوت.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور:
أحدها: أن المراد بالمحاذاة في هذا الموضع هو المسامته عن اليمين أو الشمال دون الظهر أو الوجه.
الثاني: أن الإمام قد احترز بقوله: ولم يعرف موضع المحاذاة عما إذا عرفه فإنه يرجع إليه أو إلى مثل مسافته من أحد الميقاتين كذا صرح به الإمام أيضًا.
الثالث: أن تساوى الميقاتين في المسافة إلى مكة واضح، وأما تساويهما بالنسبة إلى طريقه فيحتمل أمور:
أحدها: أن يحاذيهما معًا وتكون المسافة من موضعه إلى أحدهما
الجزء: 4 - الصفحة: 253
كالمسافة من ذلك الموضع إلى الآخر.
ثانيها: أن يحاذي أحدهما قبل الآخر إلا أن مسافة ما بين الأول وموضع محاذاته كمسافة ما بين الثاني وموضع محاذاة الأول سواء؛ وذلك بأن تكون المسافة من محاذاة الثاني إليه أقل لأجل انحراف ووعورة في طريق الأول.
وهذه الأقسام داخله في قول الرافعي أولًا ولو حاذى ميقاتين يتوسطهما طريقة لأنه قسم إلى الثلاثة؛ فإن قوله: فميقاته الموضع الذي يحاذيهما، يقتضي أنه حاذاهما معًا.
وقوله في القسم الذي بعده: فيه وجهان.
. . . إلى آخره، يقتضي أنه حاذى أحدهما قبل الآخر.
وقد أهمل قسمًا آخر؛ وهو أن تكون مسافة أحدهما إلى طريقه أقل من مسافة ذاك، ومسافته إلى مكة أكثر وذاك بالعكس ومجموع المسافتين مساوية لمجموع المسافتين.
وإذا علمت ذلك فاعلم أن كلامه قد اشتمل على أربعة أقسام كما ذكره في آخر المسألة:
أحدها: أن يتساوي الميقاتان في المسافة إلى مكة وإلى طريقة جميعًا.
الثاني: أن يتساويا في المسافة إلى مكة ويتفاوتا في المسافة إلى طريقه.
الثالث: عكسه.
الربع: أن يتفاوتا في المسافتين جميعًا على عكس الأول.
وهذه الأقسام والأحكام التي أجاب بها فيها غير محررة لأن الميقاتين قد يتحاذيان في كل منها، وقد تقدم أحدهما على الآخر، بل الصواب ما سلكه
الجزء: 4 - الصفحة: 254
غيره؛ وهو أن يجعل مورد التقسيم هو المحاذاة وتقسيمها إلى ما يقع على الترتيب أو المعية فيقول: إن حاذا أحدهما قبل الآخر وجب الإحرام من محاذاة الأول على الصحيح قد حاذاهما معًا أحرم من ذلك الموضع ولكن هل ينسب إحرامه إلى الأبعد من مكة أم لا إلى آخر ما ذكره.
قوله: وإذا جاوز الموضع الذي لزمه الإحرام منه غير محرم أثم وعليه العود إليه والإحرام منه إن لم يكن له عذر.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن المراد هاهنا بالمجاوزة إنما هو المجاوزة إلى جهة الحرم.
فأما إذا جاوز إلى جهة يمينه أو يساره وأحرم من مثل ميقات بلده أو أبعد فإنه يجوز ذكره الماوردي وضرب له مثلًا بذات عرق وذي الحليفة، وقياسه في المكي أن يجاوز مكة إلى غير جهة عرفه ثم يحرم محاذيًا لمكة.
كذا نبه عليه الطبري شارح "التنبيه" قال: ولم أره مصرحًا به.
الأمر الثاني: أن كلام الرافعي يوهم أن التحريم ثابت عاد أم لم يعد، لكن جزم جماعات كثيرون بأنا حيث أسقطنا الدم بالعود فلا تكون المجاوزة حرامًا، منهم المحاملي في "التجريد" والروياني في "البحر"، وقال في "البيان" إنه ظاهر الوجهين، واقتصر في "الكفاية" على كلام الروياني وتأول كلام من أثبت الخلاف، وفي "شرح المهذب" على كلام "البيان".
نعم: صرح المحاملي بأن شرط انتفاء التحريم أن تكون المجاوزة بنية العود والذي قاله لابد منه وما اقتضاه كلام "الكفاية" من إنكار الخلاف ليس كذلك فقد رأيته في كتاب "القولين والوجهين" للمحاملي حكايته بلفظ لا يحتمل التأويل فقال: يسقط عنه الدم، وظاهر المذهب أنه لم يسئ بذلك ولم يأثم، ومن أصحابنا من قال أساء وأثم.
هذه عبارته.
الجزء: 4 - الصفحة: 255
الثالث: أن ما قاله من إيجاب الإحرام منه قد تبعه عليه أيضًا في "الروضة"، وليس كذلك بل إذا قلنا بأن العود بعد الإحرام مسقط للدم -وهو الصحيح- فأحرم من موضعه ثم عاد فإنه يكون جائز بلا شك، وصرح به غيره؛ ويدل عليه تعليله بأن المقصود قطع المسافة محرمًا ويؤيده أيضًا أنهم لما أوجبوا على المكي الخروج إلى أدنى الحل عند إرادة الإحرام بالعمرة صححوا أنه يجوز له أن يحرم من مكة ثم يخرج بعد أن بنوا الخلاف على سقوط الدم، بل صرح المحاملي في "المجموع" والجرجاني في "التحرير" وغيرهما باستحباب ذلك للمكي لأنه شبيه ثم أحرم قبل الميقات.
الأمر الرابع: أن هذا التعبير يوهم بحتم العود إلى الميقات الذي أساء بمجاوزته، وليس كذلك بل لو عاد إلى مثل مسافة من ميقات آخر جاز.
صرح به إمام الحرمين في الكلام على محاذاة الميقاتين؛ ويؤيده أن المفسد لما أوجبوا عليه القضاء من الميقات الذي أحرم منه في الأداء قالوا إنه يجوز له تركه والإحرام من مثل مسافته من موضع آخر حتى ادعى في "الروضة" عدم الخلاف فيه.
قوله: فإن كان له علة كما لو خاف الانقطاع عن الرفعة أو كان الطريق مخوفًا أو الوقت ضيقا لم يعد.
فيه أمران:
أحدهما: أن كلامه صريح في أن الانقطاع مع الأمن عذر وسببه مشقة الاستنجائين، وقد تقدم الكلام عليه في التيمم وغيره.
الثاني: أن إطلاقهم يقتضي وجوب العود على الماشي إذا لم يحصل له ضرر، وهو محتمل لكونه قد تعدى، والمتجه أن يقال إن كان على دون مسافة القصر وجب وإلا فلا كما قلنا في الحج ماشيًا.
قوله: ثم إذا لم يعد فعليه دم.
انتهى.
الجزء: 4 - الصفحة: 256
ذكر في "الروضة" نحوه، وليس على إطلاقه بل شرط وجوب الدم أن يكون قد أحرم بعد المجاوزة وأن يكون إحرامه بالعمرة أو بالحج ولكن في تلك السنة، فإن لم يحرم أصلًا لم يلزمه شئ كما صرح به الماوردي وغيره قالوا: لأن الدم إنما يجب لنقصان السبب ولا يجب بدلًا من النسك ويؤيده أنا إذا قلنا بوجوب الإحرام على داخل مكة فتركه فلا شئ فيه كما نقله الرافعي عن ابن كج وأقره.
وإن أحرم بالعمرة وجب الدم في أي وقت أحرم لأن العمرة لا يتأقت وقت إحرامها وإن كان إحرامه بالحج فإن كان في تلك السنة وجب؛ لأنه بان أن الحج في هذه السنة كان واجبًا عليه من الميقات، وإن حج في السنة الثانية لم يلزمه؛ لأن إحرام هذه السنة لا يصلح بحج سنة قابله.
كذا ذكره القاضي الحسين والمتولي والبغوي والخوارزمي، وفي كلام الرافعي في باب حج الصبي ما يدل له فراجعه.
قوله: وأظهر القولين أن الإحرام من دويرة أهله أفضل من الميقات؛ لما روي أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: "من أحرم من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام بحجة أو عمرة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
والثاني: الميقات أفضل اقتداء به -عليه الصلاة والسلام-.
وقطع بعضهم بالأول حتى أطلق مطلقون كراهية الإحرام من الميقات، وقيل: إن أمن على نفسه ارتكاب المحظورات فدويرة أهله وإلا فالميقات.
انتهى ملخصًا.
وما ذكره من تصحيح الأول يستثني منه الحائض والنفساء.
كذا نقله صاحب "التقريب" عن النص فقال: قال الشافعي في "المناسك الكبير": ولا أحب للحائض والنفساء أن يقدما إحرامهما قبل وقتهما.
هذه
الجزء: 4 - الصفحة: 257
عبارته، وأراد بالوقت الميقات.
وقد ذكر الرافعي بعد هذا في الكلام على سنن الإحرام ما يقوي ذلك.
والحديث الأول رواه أبو داود وابن ماجة والبيهقي، وإسناده ليس بقوي كما قاله في "شرح المهذب" ولفظ الحديث: "غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر"، أو "وجبت له الجنة" بلفظ "أو" وهو شك من الراوي.
وأما حديث إحرام النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من الميقات فثابت في الصحيحين.
قوله: وأفضل بقاع الحل لإحرام العمرة الجعرانة ثم التنعيم ثم الحديبية، وليس النظر إلى المسافة ولكن المتبع سنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقد نقلوا أنه اعتمر من الجعرانة مرتين: مرة عمرة للقضاء سنة سبع، ومرة عمرة هوازن.
ولما أرادت عائشة أن تعتمر أمر أخاها عبد الرحمن أن يعمرها من التنعيم، وصلى بالحديبية عام الحديبية وأراد الدخول منها للعمرة فصده المشركون عنها؛ فقدم الشافعي - رضي الله عنه - ما فعله ثم ما أمر به ثم ما هم به.
والجعرانة والحديبية على ستة فراسخ من مكة، والتنعيم على فرسخ.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن الرافعي قد فضل الإحرام بالحج والعمرة من باب داره على الإحرام بهما من الميقات وإن كان على خلاف ما فعله النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما فيه من طول زمن الإحرام؛ وحينئذ فيقال له لم راعيت ذلك في هذه المسألة ولم تراعه في تعيين ميقات العمرة؛ فإنك قدمت التنعيم على الحديبية والحديبية أبعد كما تقدم لاسيما وأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان على عزم الرحيل لما
الجزء: 4 - الصفحة: 258
أرادت عائشة أن تعتمر كما رواه البخاري ومسلم؛ فعين التنعيم لكونه أقرب أماكن الحل؟
الأمر الثاني: أن إحرام النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالعمرة من الجعرانة 19. صحيح رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من رواية أنس.
وأما ما ذكره من إحرامه -عليه الصلاة والسلام- في عمرة القضاء منها أيضًا فكيف يستقيم مع أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خرج من المدينة على قصد الإحرام وميقات أهل المدينة ذو الحليفة في الحج والعمرة.
الأمر الثالث: أن ما ذكره من كونه -عليه الصلاة والسلام- عام الحديبية أراد الدخول من الحديبية للعمرة 20. صحيح فقد رواه الشيخان أيضًا.
واحتراز الرافعي بهذه العبارة عن الإحرام بها فإنه لم يقع من الحديبية بل من ذي الحليفة كما رواه البخاري في صحيحه في كتاب المغازي ووقع في "البسيط" للغزالي أنه -عليه الصلاة والسلام- هم بالإحرام من الحديبية.
قال في "شرح المهذب": وهو غلط صريح لأن ميقاته ذو الحليفة كما سبق.
الجزء: 4 - الصفحة: 259
القسم الثاني في المقاصد: وفيه أبواب:
الباب الأول: في وجوه أداء النسكين
:
قوله: وكل من الإفراد والتمتع والقران جائز بالاتفاق، وأما الأفضل منها فإن قول الشافعي لا يختلف في تأخير القران عن الإفراد والتمتع.
. إلى آخره: فيه أمران:
أحدهما: أن ما ادعاه من أن نصوص الشافعي متفقة على تأخير القران غريب؛ فقد حكى جماعة منهم صاحب "البيان" قولًا أنه -أي القران- أفضل منها، وحكوه كما قاله في "شرح المهذب" عن نصه في "أحكام القرآن" بل في "الوسيط" وغيره قول أن القران أفضل من التمتع فقط، وقد ذكره الرافعي بعد هذا في آخر الفصل.
الأمر الثاني: أنه إذا قرن واعتمر بعده أيضًا فينبغي أن يكون أفضل من الإفراد لاشتماله على مقصوده مع زيادة عمرة أخرى.
وهو نظير ما قالوه في المتيمم أنه إذا رجى الماء فصلى أولًا بالتيمم على قصد إعادتها بالوضوء فإنه أفضل لا محالة، وهكذا إذا اعتمر المتمتع بعد الحج أيضًا خصوصًا إذا كان مكيًا، أو عاد لإحرام الحج إلى الميقات فإن فوات هذه الشروط لا يخرجه عن كونه متمتعًا وإنما يسقط الدم.
قوله: ولو أحرم بالعمرة ثم شرع في الطواف لم يجز إدخال الحج عليها، وذكروا في تعليله أربعة معان:
أحدها: أنه اشتغل بعمل من أعمال العمرة فيقع عنها ولا ينصرف بعده إلى القران.
والثاني: إتيانه بفرض من فروضها لأن الفرائض هي المقصودة.
الجزء: 4 - الصفحة: 260
والثالث: إتيانه بمعظم أفعالها.
والرابع: أنه أخذ في التحليل المقتضى لنقصان الإحرام فلا يليق به إدخال الإحرام المقتضى لقوة الإحرام وكماله، وهذا هو الذي أورده أبو بكر الفارسي في "العيون".
فإن أدخل العمرة على الحج فالجديد أنه لا يجوز، والقديم جوازه.
وعلى هذا فإلى متى يجوز الإدخال فيه أربعة أوجه مفرعة على المعاني الأربعة: أحدها وهو الأصح كما قاله البغوي: يجوز ما لم يشرع في طواف القدوم أو غيره من أعمال الحج.
والثاني: ما لم يأت بالسعي أو غيره من الفروض.
قاله الخضري.
والثالث: ما لم يقف بعرفة.
والرابع: ما لم يشتغل بشيء من أسباب التحلل.
انتهى، والأصح هو الرابع كذا قاله في "شرح المهذب"، ونقله عن النص وهو مراد الرافعي بقوله أورده الفارسي في "العيون"؛ فإن الكتاب المذكور موضوع لنصوص الشافعي.
قوله: فإن أفسد العمرة ثم أدخل عليها الحج ففيه خلاف لعلنا نورده من بعد إن شاء الله تعالى.
انتهى.
وهذا قد ذكره بعد ذلك كما أشار إليه هنا، وصحح أنه ينعقد إحرامه بالحج ولكن ينعقد فاسدًا.
ذكر ذلك قبل الكلام على سنن الإحرام.
قوله: وبجب على القارن دم لما روي عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: أهدى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن أزواجه بقرة وكن قارنات 21.
ولأن الدم واجب على المتمتع بنص القرآن.
وأفعال المتمتع أكثر من
الجزء: 4 - الصفحة: 261
أفعال القارن، وإذا وجب عليه الدم فلأن يجب على القارن كان أولى.
وصفه دم القران كصفة دم التمتع، وعن مالك أن على القارن بدنه، وحكى الحناطي عن القديم مثله، لنا أن المتمتع أكثر من فيها لاستمتاعه بمحظورات الإحرام بين النسكين، فإذا اكتفى منه بشاة فلأن يكتفي بها من القارن أولى.
انتهى كلامه.
وهذان التعليلان لا يمكن القول بصحتهما من قائل واحد؛ لأن الأول يقتضي أن القران أولى بوجوب الدم من التمتع، والثاني عكسه.
والحديث المذكور ثابت في الصحيحين.
قوله: الثالث: التمتع وهو أن يحرم بالعمرة من ميقات بلده ويدخل مكة ويأتي بأفعال العمرة ثم ينشئ الحج من مكة.
انتهى.
وتقييده بميقات بلده ليس بشرط، وسأنقل بعد ذلك في آخر المسألة من كلامه ما يوضحه، وكذلك تقييده أيضًا الحج بكونه من مكة، بل لو أحرم به من ميقات بلده كان متمتعًا أيضًا غير أنه لا يلزمه الدم.
وعبارة "الروضة" في هذه المسألة كعبارة الرافعي.
قوله: وإنما يجب الدم على المتمتع بشروط: أحدها: أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام.
ثم قال: وحاضروا المسجد الحرام من مسكنه دون مسافة القصر.
وهذه المسافة هل تعتبر من نفس مكة أو من الحرم؟ فيه وجهان حكاهما إبراهيم المروزي.
والثاني: هو الدائر في عبارات أصحابنا العراقيين.
انتهى.
وهو يقتضي رجحان الثاني، وصرح بترجيحه أيضًا في "الشرح الصغير"
الجزء: 4 - الصفحة: 262
فقال إنه أشبه الوجهين.
ثم إنه في "المحرر" خالف ما ذكره في "الشرحين" فقال: إنما يجب على المتمتع إذا لم يكن من حاضري "المسجد الحرام" وهو من بعد مسكنه عن مكة فوق مسافة القصر.
هذا لفظه.
والفتوى على ما في "المحرر" فقد نقله صاحب "التقريب" عن نص الشافعي فقال: حاضر المسجد الحرام عند الشافعي من بينه وبين مكة مسافة لا تقصر فيها الصلاة.
نص عليه في "الإملاء"، وأيده الشافعي بأن اعتبار ذلك من الحرم يؤدي إلى إدخال البعيد عن مكة وإخراج القريب لاختلاف المواقيت.
هذا كلام "التقريب" ومنه نقلت.
واعلم أن "المحرر" مخالف "للشرحين" من وجه آخر وهو جعله من كان على مسافة القصر من الحاضرين.
وقد غير النووي في "المنهاج" عبارة "المحرر" فقال: وحاضروه من دون مرحلتين من مثله، ثم استدرك عليه في اعتبار المسافة من مكة وقال: إن الأصح اعتبارها من الحرم؛ فاندفعت عنه المخالفة الأولى، لكنه يوهم أن الرافعي جعل من كان على مسافة القصر من الحاضرين، وذكر المسألة في "شرح المهذب" كما ذكرها في "المنهاج".
وهاهنا سؤالان:
أحدها: أن القادر على المشي يلزمه الحج إذا كان على مسافة لا يقصر فيها الصلاة، والمذكور في "الشرحين" و"الروضة" أن هذه المسافة تعتبر من مكة لا من الحرم، وهو عكس ما تقدم، ويمكن الفرق بأن الحج مضاف إلى البيت فاعتبر بخلاف المسجد الحرام في قوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ
الجزء: 4 - الصفحة: 263
حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} 22 فإنه جميع الحرم، وفي الفرق نظر.
الثاني: وقد أورده النووي في "نكت التنبيه" فقال: جعلوا مكة وما جاورها من الأمكنة التي أهلها معدودون من حاضري المسجد الحرام كالشئ الواحد حتى لا يجب على المتمتع الدم عند عدم عوده إلى الميقات، ولم يجعلوا ذلك كالشئ الواحد فيما إذا جاوزه المريد النسك غير محرم بل أوجبوا عليه الدم إذا لم يعد، ولو جعلوه شيئًا واحدًا لكان يحرم من أيها شاء كما يحرم من أي بقاع مكة شاء مع أن الدم في كل من المسألتين وجب لقول الإحرام من الميقات.
قوله: فلو كان له مسكنان أحدهما في حد القرب من الحرم والثاني في حد البعد منه، فإن كانت إقامته في أحدها أكثر فالحكم له، فإن استويا نظر إلى أهله وماله؛ فإن اختص بأحدهما أو كان في أحدهما أكثر فالحكم له، فإن استويا فالحكم للذي خرج منه.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن مراده بالعزم على الرجوع هو الإقامة فإن صاحب "البيان" قد نقل هذا الحكم جميعه عن الشافعي، وعبر بما ذكرته لك وهو الإقامة.
الثاني: أنه ساكت عما لو استوت إقامته فيهما ولكن كان أهله في أحدهما، وأما الآخر قد ذكره الطبري شارح "التنبيه" فقال: الذي تبين لي أن النظر إلى مكان الأهل.
الثالث: أن المراد بالأهل هم، الزوجة والأولاد الذين تحت حجره، ومن عداهم كالآباء والأخوة فلا ترجيح لهم نبه عليه الطبري أيضًا وهو صحيح.
الجزء: 4 - الصفحة: 264
قوله: وذكر حجة الإسلام في هذا الشرط صورة هي من مواضع التوقف ولم أجدها لغيره بعد البحث وهي أنه يقال: والآفاقي إذا جاوز الميقات غير مريد نسكًا فلما دخل مكة اعتمر ثم حج لم يكن متمتعًا إذ صار من الحاضرين إذ ليس يشترط فيه قصد الإقامة، وهذه الصورة متعلقة أولا بالخلاف في أن من قصد مكة هل يلزم الإحرام بحج أو عمرة أم لا.
ثم ما ذكره من عدم اشتراط الإقامة ما ينازع فيه كلام عامة الأصحاب ونقلهم عن نصه في "الإملاء" والقديم فإنه ظاهر في اعتبار الإقامة بل في اعتبار الاستيطان.
وفي "النهاية" و"الوسيط" حكاية وجهين في صورة تداني هذه وهي أنه لو جاوز الغريب الميقات؛ وهو لا يريد نسكًا ولا دخول الحرم ثم بدا له قريبًا من مكة أن يعتمر فاعتمر منه وحج بعدها على صورة التمتع هل يلزمه الدم؟ أحد الوجهين: أنه لا يلزمه؛ لأنه لم يلتزم الإحرام وهو على مسافة بعيدة وحين خطر له ذلك كان على مسافة الحاضرين.
وأصحهما: يلزمه لأنه وجد صورة التمتع وهو غير معدود من الحاضرين.
انتهى كلامه.
زاد النووي على هذا في "الروضة" فقال: المختار في صورة الغزالي أولًا أنه متمتع وليس بحاضر بل يلزمه الدم.
إذا علمت ذلك ففيه أمور:
أحدها: أن التصحيح المذكور في مسألة الوجهين اللذين حكاهما الرافعي عن الغزالي هو للرافعي لا الغزالي.
الأمر الثاني: أن ما ذكره الغزالي قد سبقه إليه الماوردي ومنه أخذ
الجزء: 4 - الصفحة: 265
الغزالي على كثير من عادته؛ فإن استمداد "الوسيط" من كتب أوضحناها في الخطبة منها "الحاوي".
الثالث: أن ترجيح النووي وجوب الدم نفي مسألة الغزالي مع تسليمة للرافعي ما صححه في المسألة الثانية من عدم الوجوب لا يجتمعان، وقد أوضحه صاحب "الذخائر" فقال: الوجهان جاريان في المسألتين؛ إذ لا فرق بين مكة وما دون مسافة القصر في تناول اسم الحاضر؛ ولهذا يستوي المستوطن بها وبما دون مسافة القصر منها في التمتع وفي كل حكم لحاضر المسجد فكذلك من كان فيها غير مستوطن وفي ما دون مسافة القصر منها.
وقد سوى بينهما أيضًا الطبري شارح "التنبيه" وقال: قياس المذهب عدم الوجوب واستدل بنحو ما سبق.
قال: لكن الوجه في من أحرم قريبًا من مكة أنه متمتع قولًا واحدًا لأن حكم السفر منسحب عليه بدليل جواز القصر، ولو ألحق بأهل ذلك الموضع لامتنع القصر.
وكذلك إذا دخل مكة ولم تحصل إقامة متتابعة من الترخيص.
الأمر الرابع: أن ما ذكره الرافعي من أن حضور المسجد الحرام الذي هو مسقط لدم التمتع والقران شرطه الاستيطان قد ذكر بعد ذلك بنحو ثلاثة أوراق ما يخالفه فقال ما نصه: ووراءه شرطان: أحدهما: أن يحرم بالعمرة من الميقات، فلو جاوزه مريدًا للنسك ثم أحرم بها فالمنقول عن نصه أنه ليس عليه دم التمتع لكن يلزمه دم الإساءة.
وقد أخذ بإطلاقه آخذون، وقال الأكثرون: هذا إذا كان الباقي بينه وبين مكة دون مسافة القصر، فإن بقيت مسافة القصر فعليه الدمان معًا.
انتهى كلامه.
وهو في غاية التباين لأنه ليس بين هذه وبين المتقدمة التي صحح
الجزء: 4 - الصفحة: 266
فيها وجوب الدم فرق، إلا أن هذه الصورة قد جاوز الميقات فيها مريدًا للنسك ثم أحرم وقد حكم بأنه لا دم عليه فيها مع عصيانه لصيرورته من حاضر المسجد الحرام.
وزاد فنقله عن الأصحاب.
والنص وتلك لا عصيان فيها، وقد صحح فيها وجوب الدم، ويخالف أيضًا ما صححه النووي من "زياداته" في مسألة الغزالي.
وقد وقع الموضعان هكذا أيضًا في "شرح المهذب"، وذكر في "الشرح الصغير" الموضع الأول ولم يذكر الثاني.
الأمر الخامس: أن ما ادعاه من أن ما نقلوه عن الشافعي ظاهر في اعتبار الإقامة بل في اعتبار الاستيطان عجيب فقد نص على الاستيطان نصًا صريحًا كما نقله عنه في "التقريب" فقال: قال الشافعي في "الإملاء": ومن كان متمتعًا ينوي في سفرة إيطان مكة فعليه دم المتعة لا يسقط عنه الدم حتى يكون متوطنًا قبل العمرة لا أن يكون متوطنًا بالنية حتى معها فعل.
هذا لفظه بحروفه.
ثم نقل عن حرملة نحوه أيضًا.
قوله: وهل يجب على المكي إذا قرن أثناء الإحرام من أدنى الحل كما لو أفرد العمرة أم يجوز أن يحرم من جوف مكة إدراجًا للعمرة تحت الحج؟ فيه وجهان: أصحهما الثاني.
ويجريان في الآفاقي إذا كان بمكة وأراد القران.
انتهى كلامه.
وما ذكره من حكاية الوجهين قد تبعه عليه في "الروضة"، واقتضى كلامه قوة الخلاف فإنه عبر بالأصح، وتقوية هذا الخلاف مردودة لأن المعتبر في العمرة أن يجمع فيها بين الحل والحرم، وهذا المعنى موجود في القران لأن الوقوف بعرفة لابد منه وعرفة من الحل فيكون ذلك نظير ما إذا أحرم
الجزء: 4 - الصفحة: 267
بالعمرة من مكة ثم خرج إلى أدنى الحل قبل الطواف فإنه لا دم عليه ولا إساءة إلا على وجه شاط جدًا.
والأصح المعروف: القطع بخلاف، كما ذكره الرافعي قبل هذا فراجعه وراجع "الروضة" يظهر لك.
قوله: وفي اشتراط نية التمتع وجهان: أصحهما: أنه لا تشترط نية القران، فإن شرطناها ففي وقتها أوجه مأخوذة من الخلاف في نية الجمع بين الصلاتين.
أحدها: حالة الإحرام بالعمرة.
والثاني: ما لم يفرغ منها.
والثالث: ما لم يفرغ من الحج.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره من عدم اشتراط نية القران قد ذكره أيضًا في "الشرح الصغير"، وتابعه النووي في "الروضة" عليه.
ولقائل أن يقول كيف يعقل عدم اشتراطها؟ لأنه إذا نوى أحدهما لا يصير قارنًا وإن نواهما صار قارنًا ولا معنى لنية القران إلا ذلك؛ ويؤيده أن القاضي حسين في "تعليقه" استدل على وجوب نية التمتع بوجوب القران.
والجواب أن المراد بنية التمتع هو قصد أن الحج في ذلك العام وذلك قصد يكون عند الإحرام بالعمرة أو بعدها على الخلاف المتقدم.
ونظير التمتع بل القران أن يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج قبل الطواف وإذا فعل ذلك فإنه يصير قارنًا وإن لم ينو القران حين الإحرام بالعمرة، فتلخص أن هذه الصورة لا تجب فيها نية القران والتمتع أشبه بها
الجزء: 4 - الصفحة: 268
من الصورة الأخرى فليحمل كلام الرافعي ومن تبعه عليها.
الأمر الثاني: أن ما ذكره الرافعي من كون الخلاف مأخوذًا من الخلاف في جمع الصلاتين يقتضي أن الأصح هو الوجه الثاني، وهو: ما لم يفرغ، وبه صرح في "شرح المهذب" وذكر في "الروضة" هذه الأوجه بدون هذا التخريج فلزم خلوها من معرفة الراجح.
قوله: ووراء الشروط المذكورة في الكتاب شرطان: أحدهما: أن يحرم بالعمرة من الميقات فلو جاوزها مريدًا للنسك ثم أحرم بها فالمنقول عن نصه أنه ليس عليه دم ولكنه يلزمه دم الإساءة وقد أخذ بإطلاقه آخذون.
وقال الأكثرون: هذا إذا كان الباقي بينه وبين مكة مسافة القصر، فإن بقيت مسافة القصر فعليه الدمان معًا.
انتهى كلامه.
تابعه عليه في "الروضة"، وفيه أمران:
أحدهما: أن المعنى فيما قاله الأكثرون من عدم وجوب دم التمتع أنه صار من حاضري المسجد الحرام.
إذا علمت ذلك فاعلم أن اعتبار هذه المسافة من مكة وجه مرجوح، بل الصحيح عنده وعند النووي اعتبارها من الحرم كما ذكره الرافعي قبل ذلك وتقدم ما فيه.
الثاني: أن هذا النص الذي نقله الرافعي إنما هو نصه تفي القديم.
كذا ذكره صاحب "التقريب" و"التهذيب" فاعلمه.
قوله: والثاني حكى عن ابن خيران اشتراط وقوع النسكين في شهر واحد وأباه عامة الأصحاب.
انتهى
وهذا الذي ذهب إليه ابن خيران ونوزع فيه، وقد أشار إليه الشافعي في رواية حرملة.
كذا رأيته في "العمد" للفوراني.
الجزء: 4 - الصفحة: 269
قوله: واعلم أن الشروط المذكورة معتبرة في لزوم الدم لا محالة.
وهل هي معتبرة في تسميته متمتعًا؟
فيه وجهان: الأشهر: لا.
انتهى ملخصًا.
وما صححه هنا قد جزم بخلافه قبيل الكلام في المواقيت وقد ذكرت لفظه هناك فراجعه.
قوله: وأما الواجد للهدي فالمستحب له أن يحرم يوم التروية بعد الزوال متوجهًا إلى منى؛ لما روي عن جابر أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إذا توجهتم إلى منى فأهلوا بالحج" 23. انتهى كلامه.
والذي جزم به هاهنا من كونه يتوجه إلى منى بعد الزوال قد ذكر ما يخالفه في باب دخول مكة في أوائل الفصل المعقود للوقوف فقال.
المشهور استحباب الخروج بعد صلاة الصبح بحيث يصلون الظهر بمنى، ووقع هذا الاختلاف في "الروضة" أيضًا، والفتوى على ما قاله هناك لتصريحه بأنه المشهور ولهذا اقتصر عليه في "الشرح الصغير" وكذلك النووي في "شرح المهذب".
الحديث المذكور رواه مسلم في صحيحه، ولفظه: "فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى وأهلوا بالحج".
فإن لم يجد الهدي صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع.
ثم قال: فإذا تأخرت الثلاثة عن أيام التشريق صارت فائتة لا محالة وإن صدقه عليه أنه في الحج لتأخر طواف الركن لأن تأخره عن أيام التشريق مما ينذر فلا يقع مرادًا من قوله تعالى "ثلاثة أيام في الحج" 24، بل هو محمول على الغالب، كذا حكاه الإمام وغيره، وفي "التهذيب" وجه
الجزء: 4 - الصفحة: 270
ضعيف ينازع في ذلك.
انتهى كلامه.
وما أشعر به كلامه من عدم الخلاف لا على الوجه الذي في "التهذيب" في تأخر الطواف قد تابعه عليه في "الروضة"، وصرح بأنه لا خلاف فيه.
وما ادعاه من عدم الخلاف ليس كذلك فقد حكى صاحب "التقريب" وهو ابن القفال مع هذا الوجه وجهًا آخر أنه لا يفوت ما دام في مكة فقال: وفيه وجه آخر أنهم يصومون في الحج بعد أيام التشريق ويؤخرون طواف الإقامة.
وفيه وجه ثالث وهو: أنهم ما لم ينفروا ففي بقية من الحج كان طواف الوداع به يختم.
وهذا لفظه بحروفه، ومن "التقريب" نقلت.
وإذا جعلنا الحلق ركنًا فيأتي فيه ما سبق في طواف الإفاضة.
قوله: وهل يجب التفريق في القضاء بين الثلاثة والسبعة؟ فيه قولان في رواية الحناطي والشيخ أبي محمد، ووجهان في رواية غيرهما.
انتهى.
وقد اختلف كلامه في الأصح من هاتين الروايتين فصحح في "الشرح الصغير" أن الخلاف وجهان فقال ما نصه: فيه وجهان، وقيل: قولان، وجزم في "المحرر" بأنه قولان وصححه النووي في أصل "الروضة".
قوله: ففي سقوطه قولان: أصحهما على ما قاله ابن الصباغ وصاحب "التهذيب": أنه يسقط كصوم رمضان.
والثاني: لا بل يهدي عنه لأن الصوم قد وجب بالشروع في الحج فلا يسقط من غير بدل، وهذا يتصور بما إذا لم يجد الهدي في موضعه وله ببلده مال وفي ما إذا كان يباع بثمن غال.
انتهى فيه أمور:
الجزء: 4 - الصفحة: 271
أحدها: أن المراد بالغلو هنا هو البيع بزيادة على ثمن المثل.
فتفطن له؛ فإن الغلو يطلق مرة لهذا ومرة وهو الأغلب على ارتفاع القيم لقلة الأشياء.
وقد صرح الرافعي بذلك في أوائل الحج في الكلام على الزاد والماء فقال: وإن وجدها بثمن المثل لزم التحصيل سواء كانت الأسعار رخيصة أو غالية.
هذا كلامه، وقد أحسن في "شرح المهذب" فلم يعبر بالغلو بل بالزيادة على ثمن المثل، وإن كان في "الروضة" قد وافق الرافعي على التعبير بالغلو وأطلق في الكتابين تصحيح السقوط، وقد صححه أيضًا الشاشي.
الأمر الثاني: أن الصورة الثانية محلها: ما إذا زال الغلو وتركه الرافعي لوضوحه.
الأمر الثالث: أن هذه المسألة تتصور أيضًا بما إذا كان له مال يحتاج إليه من ثياب وعبد ودار ونحو ذلك فإن الاحتياج يزول بالموت.
قوله: فإن فسرنا الرجوع في الآية بالرجوع إلى الوطن -وهو الصحيح على ما سبق- فلا يمكن صوم السبعة قبله.
وإن قلنا: الفراغ من الحج، فلا يمكن أيضًا قبله.
ثم دوام السفر عذر على ما قاله الإمام بل قد سبق أنه يستحب التأخير إلى أن يصل إلى الوطن في أصح القولين للخروج من الخروج.
وقد نقل عن القاضي الحسين أنا إذا قلنا بالاستحباب فمات في الطريق فهل تجب الفدية؟ فيه وجهان يخرجا من الوجهين فيما إذا ظفر بالمساكين ولم يدفع الزكاة إليهم ليدفعها إلى الإمام فتلف المال هل يضمن أم لا؟ انتهى.
ومقتضى هذا التخريج وجوب الفدية على الصحيح على خلاف ما يحاوله الإمام لأن الصحيح في الزكاة هو الضمان وإيجاب الفدية مشكل؛ فإن السفر عذر في صوم رمضان والنذر فكذلك هنا، وقد حذف النووي من "الروضة" هذا التشبيه المقتضى للترجيح.
الجزء: 4 - الصفحة: 272
الباب الثاني: في أعمال الحج
فيه أحد عشر فصلًا:
الفصل الأول: في الإحرام
قوله: وإذا أحرم في أشهر الحج إحرامًا مطلقًا فله أن يصرفه إلى ما شاء من الحج والعمرة والقران.
انتهى.
وما ذكره من الصرف إلى الثلاثة قد تبعه عليه في "الروضة"، وهو واضح إذا كان وقت الحج باقيًا ومتسعًا، فإن انقضى فقد قال القاضي الحسين على ما نقله عنه في "الكفاية": يحتمل أن يقال: لا، بل يتعين كونه عمرة، ويحتمل بقاؤه على التخيير، حتى إذا عينه للحج يكون كمن فاته.
وذكر الروياني المسألة وعبر بقوله: صرفه إلى العمرة، وهو موافق للاحتمال الأول ويوهم الاحتياج إلى الصرف.
وأما إذا لم ينقض ولكنه ضاق فالمتجه -وهو مقتضى إطلاق الرافعي- لزمه صرفه إلى ما شاء ويكون كمن أحرم الحج في تلك الحالة.
قوله: والتعيين بالنية ولا يجزئ العمل قبله.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على إطلاق عدم الإجزاء قبله، لكن في "البيان" أنه لو طاف ثم صرفه للحج وقع طوافه عن القدوم.
وذكر مثله الحضرمي في "شرح المهذب" مع أن طواف القدوم من سنن الحج وقد فعل قبل التعيين.
قوله: ولو أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج ثم أدخل عليها الحج في أشهره فوجهان:
الجزء: 4 - الصفحة: 273
أحدهما: لا يصح، واختاره الشيخ أبو علي وحكاه عن عامة الأصحاب.
والثاني: يصح، واختاره القفال، وبه أجاب صاحب الشامل وغيره.
انتهى.
والأصح هو الصحة.
كذا صححه النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة" وموضع المسألة فيها هو أول الباب الذي قبل هذا.
قوله: قال في الإملاء: إطلاق الإحرام أفضل؛ لما روي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أحرم مطلقًا وانتظر الوحي.
وقال في "الأم": والأصح أن التعيين أفضل؛ لما روي عن جابر أنه قال: قدمنا مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ونحن نقول: لبيك بالحج 25.
وعلى هذا فهل يستحب التلفظ بما عينه؟ فيه وجهان: أصحهما -وهو المنصوص- لا، بل يقتصر على النية لأن إخفاء العبادة أفضل.
والثاني: نعم؛ لخبر جابر، ولأنه يكون أبعد عن النسيان.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن الخلاف في التلفظ بالمعين محله في التلبية كما صرح به الأصحاب كلهم.
وأما التلفظ به في النية فمحتسب قطعًا لأنه من جملة النية، وقد قال الأصحاب إنه يستحب التلفظ بالنية هنا كما في سائر العبادات، وذكر في "الروضة" أيضًا؛ ولهذا قيد كلام الرافعي بما ذكرناه وأدخله في كلام الرافعي.
الثاني: أن ما ذكره من تصحيح عدم الاستحباب قد تابعه عليه النووي في "الروضة".
الجزء: 4 - الصفحة: 274
وقال ابن الصلاح: إن محل هذا الخلاف فيما عدا التلبية الأولى، فأما الأولى -وهي التي عند الإحرام- فيستحب أن يسمى فيها ما أحرم به من حج أو عمرة بلا خلاف، وذكر مثله النووي في كتاب "الأذكار"، ونقل في "المناسك" و"شرح المهذب" هذا التقييد عن الشيخ أبي محمد ولم يصرح فيهما بموافقة ولا مخالفة، لكن رأيت في "التقريب" عن نص الشافعي في "الإملاء" وغيره أنه لا يستحب التعيين في التلبية الأولى أيضًا؛ فثبت أن الصواب هو الإطلاق فاعلمه.
ونقل النووي عن الشيخ أبي محمد أيضًا أنه لا يجهر بهذه التلبية بل يسمعها نفسه بخلاف ما بعدها فإن ظهر بما، ولو عقد إحرامه بالنية والتلبية لم يبعد القطع باستحباب ما ذكره مما نواه فيها.
قاله الطبري في "شرح التنبيه" وهو حسن.
الأمر الثاني: أن تعليله بإخفاء العبادة الواجبة أفضل، وينبغي التفرقة.
وحديث الإطلاق رواه الشافعي في "مختصر المزني" وقال: إنه حديث ثابت، وحديث جابر في الإحرام بالحج ثابت في الصحيحين.
قوله: ولو أحرم كإحرام زيد وكان إحرام زيد فاسدًا: هل ينعقد إحرامه مطلقًا أم لا ينعقد أصلًا؟ فيه وجهان.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الأصح هو الانعقاد، كذا صححه النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة".
الثاني: أن النووي قد ذكر بعد هذه المسألة بقليل أنه إذا لم يكن زيد محرمًا أصلًا فينظر إن كان عمرو جاهلًا به انعقد إحرامه مطلقًا لأنه جزم بالإحرام، وإن كان عالمًا بأنه غير محرم بأن علم موته فطريقان: المذهب
الجزء: 4 - الصفحة: 275
الذي قطع به الجمهور: أنه ينعقد إحرام عمرو مطلقًا، والثاني: على وجهين: أصحهما: هذا، والثاني: لا ينعقد أصلًا.
انتهى.
وذكر الرافعي نحوه أيضًا، وإذا علمت ما قيل في هذه المسألة علمت أن صورة مسألتنا أن يكون المعلق عالمًا بالفساد، فإن جهل انعقد مطلقًا كما قيد بما إذا لم يكن زيد محرمًا.
ثم إنهم جزموا في المسألة الأولى بطريقة الوجهين وصححوا في الثانية طريقة القطع فما الفرق بينهما؟
قوله: ولو أخبره زيد عما أحرم به ووقع في نفسه خلافه فهل يعمل بما أخبر عنه أم بما وقع في نفسه؟ فيه وجهان.
انتهى.
قال في "شرح المهذب": أقيس الوجهين وجوب العمل بخبره، وقال في "زيادات الروضة": إنه الأصح.
قوله: ولو أخبره أنه أحرم بالعمرة ثم بان أنه بالحج فقد بان أن إحرام عمرو بالحج أيضًا.
فإن فات الوقت تحلل أو أراق دمًا؟ وهل هو في ماله أو في مال زيد للتغرير؟ فيه وجهان.
انتهى.
والأصح وجوبه في ماله.
كذا قاله النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة".
قوله: وإذا أحرم بنسك معين من النسكين ثم نسيه فقولان: القديم: أنه يتحرى ويعمل.
ثم قال ما نصه: والجديد: أنه لا يتحرى؛ لأنه تلبس بالإحرام يقينًا فلا يتحلل إلا إذا أتى بأعمال المشروع فيه فالطريق أن يقرب ويأتي بأعمال
الجزء: 4 - الصفحة: 276
النسكين وهذا كما لو شك في صلاته في عدد الركعات يبني على اليقين لتحقق الخروج عما شرع فيه.
انتهى.
وهذا الكلام كله فيه إشعار ظاهر بأن الرافعي يقول بوجوب نية القران بل لا يتوقف متوقف في اقتضاء كلامه.
إذا علمت ذلك فقد صرح -أعني الرافعي- بعد هذا بنحو أربعة أوراث بعدم وجوب فقال في الكلام على رقم لفظ "الوجيز" ما نصه: لك هذا الإعلام إنما يحسن إن ألزمناه جعل نفسه قارنًا وهو غير لازم، وقد أوضح إمام الحرمين ذلك فقال: ولم يذكر الشافعي القران على معنى أنه لابد منه ولكن ذكره ليستفيد به الشاك التحلل مع براءة الذمة على النسكين.
. إلى آخر ما قال.
وتابعه النووي في "الروضة" على الموضعين، وجزم في "شرح المهذب" بعدم الوجوب وقال: إنه لا خلاف فيه بل الذي يجب إنما هو نية الحج.
والذي قاله غريب مع تقدم الموضع له، ولأنه قد صرح جماعة كثيرة بوجوب ذلك منهم صاحب "التقريب".
وقال ابن الرفعة في "الكفاية" بعد نقله ذلك عنهما: إنه المفهوم من كلام الأصحاب.
قال: وخالف فيه الإمام ونقله في "المهذب" عن نصه في "الأم"، ونقله أيضًا البندنيجي والروياني عن نصه في "الأم" و"الإملاء"، وصرح به أيضًا الشيخ أبو محمد في كتاب "السلسلة" فقال: مسألة إذا شك في إحرامه وكلفناه القران على المذهب الجديد.
هذا لفظه.
والغريب أن النووي قد جزم به أيضًا في "الشرح" المذكور قبل الموضع الذي ادعى فيه أنه لا يجب بلا خلاف بنحو ورقتين فقال نصه: أصح الطريقين - وبه قطع الجمهور - أن
الجزء: 4 - الصفحة: 277
المسألة على قولين: القديم: جواز التحري ويعمل بظنه، والجديد: لا يجوز التحري بل يتعين أن يصير نفسه قارنًا.
هذا لفظه بحروفه.
فتلخص أن الفتوى على القول بالوجوب كما دل عليه كلام الرافعي في الموضع الأول ترجيحًا لنص الشافعي، والظاهر أن الرافعي رأى الإمام بعد ذلك جازمًا بعدمه فجزم به ثانيًا تبعًا له غير مستحضر ما قدمه، وتبعه أيضًا النووي عليه في "الروضة" و"شرح المهذب".
واعلم أن هذا الشاك إذا نوى القران فلا يبرأ إلا عن الحج فقط ولا يبرأ عن العمرة كما ستعرفه؛ وحينئذ فلا يصح ما قالوه من إيجاب نية القران بل يكفيه أن ينوي الحج ويأتي بأعماله وحينئذ فتبرأ ذمته فاعلم ذلك.
بل ولا يتجه أيضًا ما قدمناه عن النووي من إيجاب نية الحج بل الواجب وهو مقتضى كلام الرافعي أن يأتي بأعماله؛ لأنه إن كان محرمًا به فواضح، وإن كان محرمًا بالعمرة فقد أتى بها وبزيادة؛ ولهذا لم يصرح الرافعي في الموضع الثاني النافي لوجوب نية القران بوجوب نية الحج فاعلمه.
قوله: فإن قلنا بالقديم فما غلب على ظنه أنه الذي شرع فيه مضى فيه وأجزأه.
ثم قال: وفي "شرح الفروع" ذكر وجه ضعيف أنه لا يجزئه، وفائدة التحري الخلاص من الإحرام.
انتهى.
تابعه النووي على حكاية هذا الوجه كذلك وهو غير منقول عن وجهه فإنه مخصوص بما إذا ظن القران، أما إذا ظن الحج أو العمرة فإنه يجزئه.
كذا نقله في "النهاية" عن الشرح المذكور.
قوله: وإن قلنا بالجديد فنوى القران فكان الشك قد عرض قبل الإتيان بشيء من الأعمال برئت ذمته عن الحج، وأما العمرة فإن جوزنا إدخالها على
الجزء: 4 - الصفحة: 278
الحج فكذلك أيضًا، فإن منعنا فوجهان: أصحهما: أنه مما يجزئه؛ ثم قال: ويحكي عن أبي إسحاق أنها تجزئه ويجعل الاشتباه عذرًا في جواز الإدخال.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أنه ليس كما حكاه عن أبي إسحاق من الجزم بذلك فقد رأيت في "المجموع" للمحاملي ما نصه: قال أبو إسحاق: ويحتمل وجهين: أحدهما: لا يجزئه لأن هذا مصرور للإدخال بسبب القران.
الثاني: أن الكلام الذي قدمناه أن الرافعي حكاه عن الإمام وجعله إيضاحًا لكلامه الذي جزم به صرح في براءة الذمة من العمرة على عكس ما صححه هاهنا.
قوله في أصل "الروضة": فإن حصل الشك بعد الطواف وقبل الوقوف فنوى القران وأتى بأعمال القارن لم يجزءه الحج لاحتمال أنه كان محرمًا بالعمرة فيمتنع إدخال الحج عليها بعد الطواف.
وأما العمرة فإن قلنا: يجوز إدخالها على الحج بعد الطواف، أجزأته وإلا فلا، وهو المذهب.
وذكر ابن الحداد في هذه الحالة أنه يتم أعمال العمرة بأن يصلي ركعتي الطواف ويسعى ويحلق أو يقصر ثم يحرم بالحج ويأتي بأعماله، فإذا فعل هذا صح حجه؛ لأنه إن كان محرمًا بالحج لم يضر تجديد إحرامه، وإن كان بالعمرة فقد يمنع ولا تصح عمرته لاحتمال أنه كان محرمًا بالحج ولم تدخل العمرة عليه إذا لم ينو القران.
قال الشيخ أبو زيد وصاحب "التقريب" والأكثرون: إن فعل فالجواب ما ذكره، لكن لو استفتانا لم نفته به، لاحتمال أنه كان محرمًا بالحج وأن هذا
الجزء: 4 - الصفحة: 279
الحلق يقع في غير أوانه؛ وهذا كما لو ابتلعت دجاجة إنسان جوهرة لغيره لا نفتي صاحب الجوهرة بذبحها وأخذ الجوهرة، فلو ذبحها لم يلزمه إلا قدر التفاوت بين قيمتها حية ومذبوحة.
هذا أو تقاتلت دابتان لشخصين على شاهق وتعذر مرورهما لا نفتي أحدهما بإهلاك دابة الآخر لكن لو فعل خلص دابته ولزمه قيمة دابة صاحبه.
واختار الغزالي قول ابن الحداد، ووجهه الشيخ أبو علي بأن الحلق في غير وقته يباح بالعذر لمن به أذى.
انتهى كلامه.
وما نقله في "الروضة" تبعًا للرافعي عن الأكثرين من عدم الإفتاء به وارتضاه قد خالفه في "شرح المهذب" فقال: ذهب ابن الحداد إلى أنا نفتيه بذلك وقال القاضي أبو الطيب الطبري وصاحب "الشامل" وآخرون ورجحه الغزالي وهو الأصح.
هذا كلامه.
قوله: الثاني: إذا أفسد العمرة بالجماع ثم أدخل عليها الحج فهل يصير محرمًا بالحج؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن الإحرام الفاسد في حكم المنحل فلا يصح الإدخال كما بعد الطواف.
والثاني: نعم، وإليه ميل الأكثرين، ولا أثر لكونها فاسدة كما لا أثر لاقتران المفسد بالإحرام؛ فعلى هذا يكون الحج صحيحًا محرمًا؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأن المفسد متقدم عليه فلا يؤثر فيه.
وأصحهما: لا؛ لأن الإحرام واحد وهو فاسد ومحال أن يؤدي بالإحرام نسك صحيح؛ فعلى هذا ينعقد فاسدًا أو صحيحًا ثم يفسد؟ فيه وجهان: ذكروا نظيريهما فيما إذا أصبح في رمضان مجامعًا وطلع الفجر واستدام أحدهما أنه ينعقد
الجزء: 4 - الصفحة: 280
صحيحًا ثم يفسد لأنه لم يوجد بعد انعقاده مفسدًا.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن ما ذكره هاهنا من أن إحرام المجامع ينعقد ثم يفسد قد تابعه عليه في "الروضة" ثم خالفه في باب محرمات الإحرام فصحح من "زياداته" عدم الانعقاد، وستعرف لفظه هناك إن شاء الله تعالى.
الأمر الثاني: أن مقابل هذا في الصوم إنما هو عدم الانعقاد بالكلية لا انعقاده فاسدًا كما يقتضيه كلامه هاهنا حيث شبهه بالحج فإن الفاسد في الصوم غير منعقد بخلاف الحج، وقد سبقت المسألة واضحة في كتاب الصوم قبيل الكلام على الشرائط.
الثالث: أن هذا الخلاف المذكور في الصوم لم يذكره الرافعي إلا في هذا الموضع وقد حذفه النووي هنا فلم يذكره في "الروضة" فلزم خلوها عنه، وقد سبق ذكرى له في بابه مستوفي.
الجزء: 4 - الصفحة: 281
الفصل الثاني: في سنن الإحرام
قوله: ويستحب الغسل للإحرام، ويستوي في استحبابه الرجل والصبي والمرأة وإن كانت حائضًا أو نفساء، وقد روي أن أسماء بنت عميس زوجة أبي بكر نفست بذي الحليفة فأمرها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن تغتسل للإحرام 26 انتهى.
عميس: بعين مهملة مضمومة وميم مفتوحة ثم ياء بنقطتين من تحت بعدها سين مهملة أيضًا؛ والعمس: أنك تظهر أنك لا تعرف الأمر وأنت عارف به.
قاله الجوهري.
والحديث المذكور رواه مسلم.
ومقتضى إطلاق الرافعي استحباب الغسل للمجنون والصبي غير المميز، وهو صحيح.
قوله: فإن لم يجد الماء أو لم يقدر على استعماله يتيمم؛ لأن التيمم ينوب عن الغسل الواجب فعن المندوب أولى.
نص عليه في "الأم".
وقد ذكرنا في غسل الجمعة أن الإمام ذكر احتمالًا في أنه لا يتيمم إذا لم يجد الماء وجعله صاحب الكتاب وجهًا واختاره، وذلك الاحتمال عائد هاهنا بلا شك.
انتهى كلامه.
وليس جريانه بلازم فقد يفرق بينهما بأن استعمال التراب هاهنا لا ينافي حال المسافر لأن الغالب في حقه الشعث ولو وجد الماء واغتسل لا ينزع الشعث إليه فلم يكن حالة منافيًا له، بخلاف مصلى الجمعة.
وفرق ابن الرفعة بأن الغسل هنا مخالف لغيره بدليل صحته من الحائض والنفساء.
الجزء: 4 - الصفحة: 282
وقوله.
فإذا وجد ما لا يكفيه للغسل توضأ.
قاله في "التهذيب".
انتهى.
استدرك النووي في "الروضة" عليه فقال: هذا الذي قاله في "التهذيب" قاله أيضًا المحاملي، فإن أراد أنه يتوضأ ثم يتيمم فحسن، وإن أراد الاقتصار على الوضوء فليس بجيد؛ لأن المطلوب هو الغسل فالتيمم يقوم مقامه دون الوضوء.
انتهى كلامه.
وهذه المسألة قد نص عليها الشافعي وصرح بما قالاه من الاستحباب وذكر ما حاصله الاقتصار على الوضوء على خلاف ما ذكره النووي بحثًا.
والعجب أن الذي نقل هذه المسألة عنه وهو المحاملي قد نقل هذا النص فقال في "المجموع": قال الشافعي: فإن لم يجد ما يكفيه للغسل توضأ، فإن لم يجد ماء بحال تيمم فيقوم ذلك مقام الغسل والوضوء.
انتهى.
وقد ذكر الماوردي المسألة كما نقلها المحاملي عن النص.
قوله: ويسن الغسل للحاج في مواطن: أحدها: عند الإحرام كما سبق.
والثاني: لدخول مكة؛ روى ذلك عن فعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 27. انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وفيه أمران:
أحدهما: أن المعتمر يسن له أيضًا الغسل عند هاتين الحالتين بلا نزاع، وإنما عبر بالحاج لأجل ما ذكر بعده من الرمي وغيره.
نعم: لو خرج من مكة فأحرم بالعمرة واغتسل لإحرامه ثم أراد دخول مكة، قال الماوردي: إن كان أحرم من مكان بعيد كالجعرانة والحديبية استحب الغسل للدخول، وإن أحرم من التنعيم فلا.
قال ابن الرفعة: ويظهر أن يقال بمثل ذلك في الحج إذا أحرم به من
الجزء: 4 - الصفحة: 283
التنعيم ونحوه لكونه لم يخطر له إلا ذلك.
الثاني: أن كلام الرافعي وغيره يوهم عدم استحباب الغسل لمن دخل مكة محرم وليس كذلك فقد قال الشافعي في باب الغسل لدخول مكة: وإذا اغتسل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عام الفتح لدخول مكة وهو حلال يصيب الطيب فلا أراه -إن شاء الله تعالى- ترك الاغتسال ليدخلها حرامًا لا يصيب الطيب، أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر: أنه كان يغتسل لدخول مكة.
هذا لفظ الشافعي ومن "الأم" نقلت، وهي مسألة نفيسه قل من تعرض لها.
وحديث الغسل لدخول مكة رواه البخاري في صحيحه من رواية ابن عمر.
قوله: وزاد في القديم غسلين آخرين: أحدهما: لطواف الإفاضة.
والثاني: لطواف الوداع، لأن الناس يجتمعون لهما، ولم يستحبهما في الجديد لأن وقتهما موسع فلا تغلب الزحمة فيه عليها في سائر المواطن، وحكى عن القديم الاستحباب للحلق أيضًا.
انتهى.
ذكر النووي في "شرح المهذب" في الكلام على الغسل المسنون أيضًا مثل ما قاله هنا حكمًا وتعليلًا، وذكر نحوه في "الروضة" أيضًا، وحاصله أن الجديد عدم الاستحباب لهذه الأمور الثلاث وهو مقتضى كلام "المنهاج" فإنه لما عد الأغسال المسنونة لم يعد هذه الأمور معها، ثم جزم في "المناسك الكبرى" باستحباب الغسل للأمور الثلاثة، وحكى في "التحقيق" عن القديم استحبابه لطواف الإفاضة ولطواف الوداع وأهمل الحلق، وحكى ابن الرفعة في "الكفاية" القول القديم في طواف القدوم أيضًا.
قوله: قال الإمام: ولم يستحب الشافعي الغسل لرمي جمرة العقبة يوم
الجزء: 4 - الصفحة: 284
النحر لأمرين.
أحدهما: اتساع وقته؛ فإن وقته من ائتناف ليلة النحر إلى الزوال.
والثاني: أن في غسل العيد يوم النحر والوقوف بعرفة غنية عن الغسل لرمي جمرة العقبة لقرب وقتها منه.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن ما ذكره أولًا في بيان وقت الرمي من كونه ينتهى إلى الزوال قد ذكره أيضًا في "الشرح الصغير" ولم ينقله عن الإمام بل جزم به، وهو سهو؛ فإن المنقول أنه يمتد إلى الغروب، وقد جزم به الرافعي في موضعه وهو الكلام على أسباب التحلل، وسأذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى.
وأما نقله ذلك عن الإمام فلم أر له ذكرًا في "النهاية" بالكلية، بل رأيت فيها الجزم بأنه يبقى إلى الغروب وحكى مع ذلك وجهين في امتداده إلى الفجر، وفي بعض نسخ الرافعي قال الأئمة عوضًا عن الإمام.
الأمر الثاني: أن كلامه يشعر بمشروعية صلاة العيد في يوم نهى لكن قد نص الشافعي على خلافه؛ كذا نقله عنه الماوردي قبيل قوله: مسألة: ثم يركب فيروح إلى الموقف عند الصخرات فقال ما نصه: قال الشافعي: وليس بعرفة ولا منى ولا مزدلفة جمعة ولا صلاة عيد؛ لأن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كان في مجيئه يوم عرفة يوم الجمعة فلم يصل الجمعة.
هذا كلامه، وذكر في "الروضة" من زياداته في آخر الأضحية نحوه فقال: إن الحاج بمنى لا يخاطب بصلاة العيد.
وذكر الرافعي أيضًا في باب صلاة العيد أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يصلها بمنى إلا أن يقال: لا يلزم من مشروعية الغسل في هذا اليوم مشروعية الصلاة إذ الغسل فيه مستحب لكل أحد سواء فيه الحاضر وغيره، وسواء كان من أهل
الجزء: 4 - الصفحة: 285
الصلاة أم لا، لكون اليوم يوم زينة؛ وعلى هذا فيخاطب به من لم يغتسل للوقوف بمزدلفة، فإن اغتسل لها كفى عنها.
الأمر الثالث: أن ما ذكره الرافعي من أن غسل الوقوف بعرفة يستغنى به عن العيد سهو ومراده الوقوف بمزدلفة فإنه مستحب كما مر ووقته أقرب منه.
قوله: ويستحب أن يتطيب لإحرامه، ولا فرق بين أن يبقى له أثر وجرم بعد الإحرام أو لا يبقى قالت عائشة: "كأنني أنظر وبيص المسك في مفرق رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 28. انتهى.
الوبيص: بواو مفتوحة ثم باء موحدة مكسورة بعدها ياء بنقطتين من تحت ثم صاد مهملة: هو البريق واللمعان، يقال: وبص البرق أي: لمع.
والحديث المذكور في الصحيحين.
قوله: واستحباب التطيب للإحرام إنما هو في البدن، وفي تطييب إزار الإحرام وردائه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأن الثوب ينزع ويلبس، وإذا نزعه ثم أعاده كان كما لو استأنف لبس ثوب مطيب.
وأصحهما: أنه يجوز.
وفي النهاية وجه ثالث أنه إن بقي عينه بعد الإحرام فلا يجوز وإلا فيجوز.
انتهى.
تابعه النووي عليه في "الروضة"، وفيه أمران:
أحدهما: أن حكاية الخلاف في تطييب الإزار والرداء على هذه الكيفية ذكر مثلها في "الشرح الصغير" أيضًا، وحاصله الجزم بعدم الاستحباب وأن
الجزء: 4 - الصفحة: 286
هذه الأوجه إنما هي في الجواز وبه صرح النووي في "شرح المهذب" فقال ما نصه: اتفق أصحابنا على أنه لا يستحب [تطييب] 29 ثوبي المحرم عند إرادة الإحرام، وفي جواز تطييبه طريقان: أصحهما وبه قطع المصنف والعراقيون جوازه.
والطريق الثاني: طريقة الخراسانيين فيه ثلاثة أوجه: ثالثها: يجوز بما لا يبقى له جرم ولا يجوز بغيره، وحكى المتولي في تطييب الثياب قولين:
أحدهما: يستحب.
والثاني: يحرم.
وهذا الذي ذكره من الاستحباب غريب جدًا.
هذا كلامه.
إذا علمت ذلك فاعلم أنه قد خالف في "المحرر" فجزم بأن الخلاف في الاستحباب على عكس ما في "الشرحين" فقال: ويستحب تطييب بدنه للإحرام، وكذا ثوبه في أصح الوجهين.
هذا لفظه وتابعه عليه النووي في "المنهاج" مع أنه قد بالغ في إنكاره في "شرح المهذب" على المتولي واقتضى كلامه انفراده به.
وليس كذلك فقد سبقه إليه شيخه القاضي الحسين في "تعليقه".
وإذا قلنا بالجواز فإنه يكون مكروهًا؛ ذكره القاضي أبو الطيب في "التعليق" أيضًا وكذلك الحضرمي في "شرح المهذب".
الأمر الثاني: أنا قد استفدنا من كلامه في "شرح المهذب" أن في المسألة طريقة أخرى قاطعة بالجواز وأنها الطريقة الصحيحة، وهذه الطريقة لم يحكها في "الروضة" فضلًا عن تصحيحها بل جزم بالطريقة التي ضعفها وهي طريقة الأوجه، وهو غريب.
الجزء: 4 - الصفحة: 287
قوله: ويستحب للمرأة أن تخضب بالحناء يديها إلى الكوعين قبل الإحرام.
انتهى.
احترز بالمرأة عن الرجل؛ فإنه لا يجوز له الخضاب به إلا لضرورة كما قاله في باب العقيقة من الضرورة.
وعن الخنثى فإنه يلحق بالرجل كما قاله في الروضة هنا للاحتياط.
وفي الكلام على الخضاب فروع سبق الكلام عليها في شروط الصلاة، وفي الكلام في جبر العظم.
قوله في أصل الروضة: فرع: فإذا أراد الإحرام نزع المخيط ولبس إزارًا ورداء.
انتهى.
وهذا الكلام ليس فيه تصريح بأن النزع هل يجب أم لا؟ ، بل هو إلى الاستحباب أقرب؛ فإنه قد عطف عليه ما هو مستحب، وهكذا عبارة "المحرر" و"الشرح الصغير" أيضًا؛ فإنه قال: وينبغي لمن أراد الإحرام أن يتجرد عن مخيط ثيابه ويلبس إزارًا ورداء ونعلين.
وقد صرح -أعني النووي- بذلك في مناسك الحج فقال: فصل في آداب الإحرام، وفيه مسائل.
ثم قال: الرقعة تجرد عن الملبوس الذي يحرم على المحرم لبسه.
انتهى.
فجعل وقته الآذان.
إذا علمت ذلك فقد جزم الرافعي في "الشرح الكبير" بوجوبه فقال متعقبًا لكلام "الوجيز" ما نصه: وقوله في "الكتاب": السنة أن يتجرد عن المخيط ينبغي أن يعلم فيه أن المعدود من السنن التجرد بالصفة المذكورة، فأما مجرد التجرد فلا يمكن عده من السنن؛ لأن ترك لبس المخيط في الإحرام لازم ومن ضرورة لزومه لزوم التجرد قبل الإحرام.
الجزء: 4 - الصفحة: 288
وكلام الرافعي هذا قد أسقطه النووي جميعه من "الروضة"، وإسقاطه إياه غريب، وجزم بوجوبه أيضًا في "شرح المهذب" فقال ما نصه: وفي أي شيء أحرم جاز إلا الخف ونحوه والمخيط.
انتهى.
وعبر في "المنهاج" بقوله: ويسن أن تخضب المرأة للإحرام يديها ويتجرد الرجل لإحرامه عن مخيط الثياب ويلبس إزارًا ورداء.
هذه عبارته، وهي توهم استحباب التجرد، لكن نقل عن النسخة التي هي بخطه أنها مضبوطة برفع الدال في قوله: ويتجرد حتى يكون مقطوعًا عما قبله، واعلم أن إيجاب نزع الثياب قبل الإحرام مشكل؛ لأن الموجب له هو الإحرام وقبل ذلك لم يحصل سبب الوجوب.
ولهذا لو قال لزوجته: إن وطئتك فأنت طالق، لا يمتنع عليه وطؤها على الصحيح، ويجب النزع بمجرد الإيلاج.
ثم إن الرافعي قد ذكر في الصيد أنه لا خلاف أنه لا يجب عليه إزالته عن ملكه قبل الإحرام، ووافقه النووي عليه مع أن المدرس في المسألتين واحد، واستشكله أيضًا الطبري شارح "التنبيه" فقال لا أرى أحدًا من الأصحاب يقول ذلك.
قوله: ويستحب أن يصلي قبل الإحرام ركعتين، فإن أحرم في وقت فريضة فصلاها أغنته عن ركعتي الإحرام.
انتهى.
وقد ألحق القاضي الحسين السنة الراتبة في ذلك بالفرض، وتوقف النووي في "شرح المهذب" في إغناء الفرض عن هاتين الركعتين لأنهما سنة مقصودة، وكلامه في "الأم" يشهد له ويدل على الاكتفاء؛ فإنه قال: أحببت له أن يصلي نافلة، فإن أهل في إثر مكتوبة أو في غير إثر صلاة فلا بأس.
الجزء: 4 - الصفحة: 289
قوله: وتستحب التلبية في مسجد مكة وهو المسجد الحرام ومسجد الخيف بمنى ومسجد إبراهيم -عليه السلام- بعرفة؛ فإنها مواضع النسك.
وكذا في سائر المساجد على الجديد لإطلاق الأخبار، والقديم: لا يلبي فيها حذرًا من التشويش على المتعبدين، بخلاف المساجد الثلاثة فإن التلبية فيها معهودة.
كذا أورده الأكثرون، وهو مقتضى ما في الوضوء أيضًا.
وقالوا: إن استحببنا استحببنا رفع الصوت وإلا فلا، وجعل الإمام محل الخلاف في استحباب رفع الصوت، قال: فإن لم يؤثر الرفع في سائر المساجد ففي الرفع من المساجد الثلاثة وجهان.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة"، وفيه أمور:
أحدها: أن كلامه نزل على أنه اعتقد أن المراد بإبراهيم في قولهم مسجد إبراهيم هو الخليل -عليه الصلاة والسلام-، وسيأتي بعد هذا في الكلام على الوقوف مثله لاسيما في "الروضة" فإنه قد ذكر لفظ الصلاة عليه والسلام كما هو مذكور في النسخة التي بخط النووي، وهذا الذي قد توهماه خطأ سبقهما إليه ابن سراقة في كتاب "الأعداد" ومن أصل صحيح مسموع بخط بعض أصحابه نقلت، وإنما هو إبراهيم [. . . .] 30.
الأمر الثاني: أن الشافعي قد نص على أن مسجد إبراهيم ليس من عرفة وقال الأكثرون: عجزه من عرفة وصدره ليس منها ويميز بينهما أحجار.
قالوا: وإنما قال الشافعي ذلك لأنه زيد فيه بعده.
هكذا ذكره في "الروضة" عند الكلام على الوقوف؛ فقول الرافعي
الجزء: 4 - الصفحة: 290
والنووي هذا بعرفة خطأ على كل تقدير.
الأمر الثالث: أن بعض الأصحاب قد ألحق بهذه الثلاثة مسجد الميقات، وحكى الحضرمي شارح "المهذب" عن بعضهم أنه جعل مسجد المشعر الحرام بمزدلفة مكان مسجد منى.
والحق إلحاق هذين بالثلاثة المذكورة، وإن كان مراد الرافعي بكونها مواضع النسك أن عرفة موضع للوقوف ومنى موضع المبيت، وهما من النسك، والمسجد الحرام لا يخفى أمره، وهذا المعنى هو ظاهر كلامه.
بل إذا كان هذا هو المراد فيكون كل مسجد في مكة ومنى وعرفات حكمه حكم الثلاث المذكورة.
ويحتمل أن يريد بالنسك ما يقع في المساجد الثلاث بخصوصها كالطواف في المسجد الحرام والخطبة والصلاة في مسجد إبراهيم، إلا أن مسجد الخيف لا يلحق هذين في ذلك.
الأمر الرابع: أن كلامه يقتضي استغراب مقالة الإمام مع أنها مقالة قديمة رأيتها مجزومًا بها في كتاب "التقريب" لابن القفال الشاشي، وذكر مثله أيضًا الماوردي في "الحاوي"، والغزالي في "البسيط" وزاده أيضاحًا.
قوله: وهل تستحب التلبية في طواف القدوم والسعي بعده؟ قولان: الجديد: لا يستحب؛ لأن فيها أدعية وأذكار خاصة فصار كطواف الإفاضة والوداع.
والقديم: يلبي ولا يجهر بخلاف طواف الإفاضة فإنه هناك شرع في أسباب التحلل فانقطعت التلبية، وهذا التوجيه يعرفك أن قول "الوجيز": وفي حال الطواف قولان، محمول على طواف القدوم وإن كان اللفظ مطلقًا وفي غيره من أنواع الطواف لا يلبي بلا خلاف.
انتهى كلامه.
فيه
الجزء: 4 - الصفحة: 291
أمران:
أحدهما: أن ذكره طواف الوداع هنا سهو فإن الكلام في تلبية المحرم وطواف القدوم والافاضة صادران منه فيصح قياس أحدهما على الآخر، وأما طواف الوداع فصادر من غير محرم لوقوعه بعد التحللين فليس هو مما يجب فيه شيء.
نعم: إن أراد طواف الوداع الذي يقع قبل التحلل كما إذا أحرم بالحج ثم أراد الخروج قبل الوقوف إلى الحل لحاجة فطاف للوداع وخرج فلا يسلم أنه لا يأتي فيه القولان لأن علة الامتناع في طواف الإفاضة إنما هي مشروعيته في أسباب التحلل كما تقدم، وهذا المعنى منتف في هذا الطواف فتعين جريان القولين فيه.
فالجديد: لا يلبي؛ لأن له أذكار تخصه، والقديم: نعم؛ لكونه محرمًا فلم يشرع في أسباب التحلل.
وكذلك أيضًا يجري القولان في الطواف الذي يتنفل به المحرم لما قلناه أيضًا، وقد نبه عليه الطبري شارح "التنبيه" على طواف النفل فقال: الظاهر جريان القولين فيه.
الأمر الثاني: أن ما ادعاه من أن كلام "الوجيز" محمول على طواف القدوم خاصة وأنه لا يلبي في ما عداه من الأنواع بلا خلاف غير مسلم لما عرف من أن طواف النفل يجري فيه القولان.
وكذلك طواف الوداع الواقع قبل التحلل، فالحاصل أن كلام الغزالي عام في سائر الأنواع وعمومه مستقيم إلا في طواف الإفاضة، وقد أخرجه بعد في الكلام على أسباب التحلل، وقد عبر النووي في "الروضة" بعبارة دفعت الاعتراض الثاني.
الجزء: 4 - الصفحة: 292
قوله: ويستحب رفع الصوت بالتلبية لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية".
وروي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "أفضل الحج العج والثج" 31.
والعج: رفع الصوت.
انتهى كلامه.
وقد استثنى الشيخ أبو محمد التلبية المقترنة بالإحرام فإنه لا يجهر بها ونقله عنه النووي في شرح المهذب وأقره وجزم في المنهاج بأن عبر بقوله: ويرفع في دوام الإحرام.
والحديث الأول رواه الترمذي وقال: إنه حسن صحيح، والثاني رواه أيضًا الترمذي وقال: سألت عنه البخاري، فقال: عندي أنه مرسل.
والثج: بالثاء المثلثة والجيم هو إراقة الدم، ومنه قوله تعالى: ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾ 32.
قوله: وإنما يستحب الرفع في حق الرجل، والنساء يقتصرن على إسماع أنفسهن ولا يجهرن كما لا يجهرن بالقراءة في الصلاة.
انتهى.
وإلحاق التلبية بالصلاة يقتضي أن المرأة تجهر بها إذا كانت وحدها أو بحضرة الزوج والمحارم والنساء؛ لأن الصحيح في الصلاة هو الجهر في هذه الأحوال على ما أوضحه في "الروضة" هناك، وحذف النووي هنا القياس المذكور ففاتته هذه المسألة.
قوله: قال القاضي الروياني: ولو رفعت صوتها بالتلبية لم يحرم لأن
الجزء: 4 - الصفحة: 293
صوتها ليس بعورة خلافًا لبعض الأصحاب.
انتهى كلامه.
زاد في "الروضة" فنقل عن الدارمي أيضًا أنه لا يحرم، بل يكره، فحاصله رجحان الجواز، وقد ذكر في "شرح المهذب" ما هو أصرح منه فقال: ولو رفعت المرأة صوتها بالتلبية ففيه وجهان، صحح الروياني: أنه لا يحرم وصرح به الدارمي والقاضي أبو الطيب البندنيجي.
والخنثى هنا كالمرأة.
انتهى كلامه.
وقال النووي في "شرح مسلم" في باب التلبية ما نصه: والمرأة ليس لها الرفع؛ لأنه يخاف الفتنة بصوتها.
انتهى.
ومقتضاه التحريم.
وفي "الشرح الصغير" ما يوهم ذلك فإنه قال: والنساء لا يرفعن أصواتهن بل يقتصرن على إسماع أنفسهن.
انتهى.
والفتوى على جواز الرفع كما تقدم إيضاحه في باب الأذان.
قوله: وتلبية النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لبيك اللهم لبيك لبيك، لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك 33.
وإن هذه تكسر على الابتداء، وتفتح على معنى: لأن الحمد.
انتهى.
واختيار الشافعي هو الفتح.
كذا نقله الزمخشري في "تفسيره" في آخر سورة يس فقال: كسر أبو حنيفة وفتح الشافعي.
وذكر في "الروضة" أن الكسر أصح وأشهر.
وحديث التلبية رواه الشيخان من رواية ابن عمر بهذا اللفظ.
قوله: فإن رأى شيئًا يعجبه قال: لبيك إن العيش عيش الآخرة، ثبت ذلك عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 34 انتهى.
الجزء: 4 - الصفحة: 294
ودعوى ثبوته ممنوعة، بل هو مرسل فإن الشافعي رواه بسند صحيح عن مجاهد عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هكذا ذكره البيهقي، ورواه أيضًا سعيد بن منصور في "سننه" عن عكرمة قال: نظر النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حوله وهو بعرفة فقال: لبيك اللهم لبيك، إن الخير خير الآخرة.
هذا لفظه.
ورواه أبو ذر الهروي في "مناسكه" بلفظ آخر، ولفظه كما نقله عنه الطبري شارح "التنبيه": أنه -عليه الصلاة والسلام- لما أحرم ورأى كثرة الناس تواضع في رحله وقال: لا عيش إلا عيش الآخرة.
واعلم أن الشافعي في "الأم" نقل أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ذلك في أسَرّ أحواله، فأما الأشد ففي حالة حفر الخندق، وأما الأيسر فحين وقف بعرفات ورأى جميع المسلمين.
وقوله: العيش عيش الآخرة.
يعني أن الحياة المطلوبة الهنية الدائمة هي حياة الدار الآخرة.
قوله.
ولا يتكلم في أثناء التلبية بأمر أو نهي أو غيرهما، لكن لو سَلَّم عليه رد.
نص عليه.
انتهى.
زاد النووي على هذا فقال: ويكره التسليم عليه في حال التلبية، والله أعلم.
وليس في كلامهما ولا فيما نقلاه عن الشافعي ما يؤخذ منه أن الرد على سبيل الإيجاب أو الاستحباب، بل ربما يفهم منه الوجوب وليس كذلك بل الرد مستحب.
كذا نص عليه الشافعي في "الأمالي" بعد ثلاثة أوراق من كتاب الحج فقال ما نصه: وقال -يعني الشافعي: ولا بأس أن يرد الملبي السلام بين ظهراني التلبية وأن يأمر بالحاجة، ولو ترك الأمر بالحاجة في بعض التلبية
الجزء: 4 - الصفحة: 295
كان أحب إليّ، فأما السلام فأحب إليّ أن يرد ولا يتركه لأنه فرض والتلبية نافلة.
هذا لفظه بحروفه، ومنه نقلته.
ومراده بكلامه الأخير أن الرد من حيث الجملة فرض بخلاف التلبية.
ورأيت في كتاب "التقريب" نصًا آخر ينبغي معرفته فقال عقب ذكره لما نقلناه عن "الأمالي" ما نصه: وفي مسائل حرملة سئل مالك عن الرجل يسلم عليه وهو يلبي أيرد السلام؟ قال: يرد بعد أن يفرغ من تلبيته.
قال الشافعي: هكذا أحب.
انتهى كلام "التقريب".
ويمكن الجمع بين النصين؛ فإن الرد في أثناء التلبية أحب من القول بالكلية وتأخيره إلى الفراغ أحب من فعله في الأثناء.
قوله: واعلم أنه يستحب الإتيان بالسنن الخمس على الترتيب المذكور في الكتاب أي: فيبدأ بالغسل ثم التطيب ثم التجرد بالصفة السابقة ثم الصلاة ثم التلبية.
نعم لم أر ما يقتضي ترتيبًا بين التطيب والتجرد.
انتهى كلامه.
وهذه المسألة وهي استحباب الترتيب المذكور لم يتعرض لها في "الروضة".
قوله: ويستحب أيضًا أن يتأهب للإحرام بحلق الشعر وتقليم الظفر وقص الشارب.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أنه لم يتعرض لوقت هذه الأشياء.
والقياس أن يكون التنظيف بها مقدمًا على الغسل كما في غسل الميت.
الثاني: أن ما نقله صاحب عن نص الشافعي فقال: قال في "الإملاء" واجب لمن أراد الإحرام قبل العشر أن يأخذ من شعر جسده ولحيته وشاربه وأظفاره وما سقط على وجهه من رأسه أن يؤخر شعره للحلق.
انتهى.
الجزء: 4 - الصفحة: 296
فاستفدنا أن مريد الإحرام في العشر لا يأخذ هذه الشعور إذا أراد الأضحية كما لا يأخذها غيره أيضًا، وأن ما احتاج إلى إزالته من شعر رأسه لا يزيله بل يتركه حتى يحلقه مع رأسه.
الجزء: 4 - الصفحة: 297
الفصل الثالث: في سنن دخول مكة
قوله في أصل "الروضة": السنة أن يدخل المحرم بالحج مكة قبل الوقوف، ولدخوله سنن منها: الغسل بذي طوي.
. . . إلى آخره.
ومقتضاه أن استحباب الغسل بذي طوي وما ذكر بعده من الدخول من الثنية العليا خاص بالحاج، وليس كذلك بل يستحب ذلك للمعتمر أيضًا كما صرح به في "شرح المهذب".
والعجب أن الرافعي ذكر المسألة على الصواب ولكن غيرها النووي إلى هذه العبارة الغير مستقيمة؛ فإنه قال -أعني الرافعي: ولدخول مكة سنن منها: أن يغتسل بذي طوي وهو من سواد مكة قريب منها.
هذا لفظه، وهو يتناول الحاج والمعتمر، بل قد ذكرنا في باب الإحرام أن هذا الغسل يستحب للحلال أيضًا.
والدخول من الثنية كذلك أيضًا كما ستعرفه.
وقول الرافعي: من سواد مكة: أي: قراها، وهو اليوم خراب.
وسُمِّيت بذلك لأنه كان بها بئر مطوية بالحجارة، أي: مبنية لها.
قوله: ومنها أن يدخل مكة من ثنية كداء -بفتح الكاف والمد- وهي من أعلى مكة، وإذا خرج فيخرج من ثنية كداء -بضم الكاف.
ثم قال: وهو عام يشعر به كلام الأكثرين بالمد أيضًا؛ ويدل عليه أنهم كتبوها بالألف.
ومنهم من قال: إنها بالياء، وروى فيه شعرًا، روي أنه -عليه السلام- كان يدخل مكة من الثنية العلياء ويخرج من الثنية السفلى 35.
الجزء: 4 - الصفحة: 298
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن استدلاله بالكتابة عجيب فإن الكتابة بالألف لا تستلزم أن يكون ممدودًا، بل كل مقصور لا يمال كالعصا ونحوه يكتب بالألف، وكذلك بالليل أيضًا.
وكلامه في "الشرح الصغير" ظاهر في ترجيح القصر:
قال النووي: وهو الصواب الذي قطع به المحققون.
الأمر الثاني: أن كديا الذي هو بضم الكاف، والياء على التصغير: جبل مرتفع قريب من مكة في صوب اليمن، وفيه أيضًا ثنية ضيقة وقد سلكتها في ذهابي إلى جبلي ثور، وليس بلغة كما توهمه بعضهم.
فتلخص أن الألفاظ الثلاث لثلاث جبال في كل منها ثنية.
الأمر الثالث: أن الحكمة في هذه المغايرة أنه قاصد عبادة فاستحب الدخول من طريق والرجوع من أخرى لتشهد له الطرقات كما قلنا في العبد.
وهذا المعنى حسن صحيح نبه عليه النووي في رياض الصالحين وقال إن سائر العبادات كالجمعة وعيادة المرضى وغيرهما يستحب الذهاب إليها في طريق والرجوع في أخرى.
ذكر ذلك في طريق والرجوع في أخرى.
في ترجمة من تراجم الأبواب.
فإن قيل: فلم اختصت العليا بالدخول والسفلى بالخروج فهذه حاصل مغايرة الذهاب لذهاب كيف اتفق؟
فالجواب: أن الداخل يقصد موضعًا على المقدار فناسب الدخول من العليا والخارج عكسه.
وأيضًا فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- حين قال ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ 36 كان على كداء
الجزء: 4 - الصفحة: 299
الممدود؛ فلذلك استحب الدخول منه.
قاله السهيلي.
وهذا المعنى الذي ذكرناه يقتضي مغايرة الدخول للخروج الآتي من غير المدينة أيضًا وسيأتي ما فيه، ويقتضي استحباب الدخول من العليا والخروج من السفلى وإن لم يكن حاجًا ولا معتمرًا كاستحباب تقديم اليمنى لداخل المسجد واليسار للخارج منه.
وإن لم يقصد عبادة فينبغي القول به إلا أن يرد نقل يدفعه.
والحديث المذكور رواه البخاري ومسلم من رواية عائشة وابن عمر.
قوله: قال الأصحاب: وهذه السنة في حق من جاء من طريق المدينة والشام، فأما الجاؤون من سائر الأقطار فلا يؤمرون أن يدوروا حول مكة ليدخلوا من ثنية كداء.
وكذلك القول في إيقاع الغسل بذي طوي.
وقالوا: إنما دخل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من تلك الثنية اتفاقًا فالأفضل لأنها على طريق المدينة، وهاهنا سيأتي.
ثم قال: والثاني: أن الشيخ أبا محمد نازع في ما ذكروه من موضع الثنية وقال: ليست هي على طريق المدينة بل هي في جملة المعلى، وهو في أعلى مكة والمرور فيه يفضي إلى رأس الردم وباب بني شيبة، وطريق المدينة يفضي إلى باب إبراهيم -عليه السلام-.
ثم ذهب الشيخ إلى استحباب الدخول منها لكل جائى تأسيًا برسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والإمام هنا عَدّ الجمهور في الحكم الذي ذكروه شهد للشيخ بأن الحق في موضع التنبيه ما ذكره.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن ما نقله -رحمه الله- عن الإمام من موافقة الجمهور على استحباب الدخول للآتي من طريق المدينة والشام، وقد تبعه عليه أيضًا في
الجزء: 4 - الصفحة: 300
"الروضة"، وهو سهو عجيب؛ فإن الذي ذهب إليه إنما هو عدم الاستحباب مطلقًا على عكس ما نقله عنه فقد قال في "النهاية" بعد ذكر نزاع والده في "التنبيه" ما نصه: والحق ما ذكره الشيخ -يعني: والده- ولكن الوجه عندي أن لا يرى الدخول من هذه الثنية نسكًا فإن الممر والمسلك قبل الانتهاء إلى المسجد لا يتضح تعلق النسك به، ويمكن أن يحمل دخول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على غرض أو سبب متعلق بالعادة لم يسع الرواة نقله.
هذا لفظه بحروفه.
ثم ذكر بعد ذلك أيضًا ما يؤكده فقال ما قاله شيخي في موضع التنبيه صحيح، وما ذكره من تعلق النسك بالدخول من هذه الثنية لا أرى له وجهًا.
الأمر الثاني: لم يبين موضع اغتسال الداخل من غير الثنية، وقد بينه في "شرح المهذب" فقال: يغتسل من نحو مسافة الثنية.
الأمر الثالث: أن مقتضى ما ذكروه استدلالًا وتعليلًا جريان الأوجه الثلاثة أيضًا في طلب الغسل من ذي طوي، لكن جزم النووي بأنه يختص بالآتي من طريق المدينة مع تصحيحه استحباب الدخول من الثنية العليا لكل أحد كما قاله الشيخ أبو محمد.
ولعل الفرق أن ما ذكرناه في الثنية العليا في المناسبة لا يحصل سلوك غيرها، ومناسبة الغسل وهي التنظيف حاصلة بفعله في كل موضع، إلا أن في التفريق نظرًا من وجه آخر وهو أنا إذا كلفناه الدوران ليدخل فينتهي في دورانه إلى الطريق الذي يدخل منه الآتي من المدينة، وربما يمر أيضًا في أثناء دورانه بذي طوي أو يحاذيه بحيث يبقى قريبًا منه جدًا كالآتي من
الجزء: 4 - الصفحة: 301
اليمن، فإذا كنا نأمر الآتي من طريق المدينة بالذهاب إلى قِبل وجهه حتى يغتسل بذى طوي ثم يعود إلى خلف فأمر اليمنى وقد مر أو قارب بطريق الأولى.
قوله: ويسن إذا وقع بصره على البيت أن يقول ما روي في الخبر وهو أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا رأى البيت رفع يديه ثم قال: اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا، وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً وَزِدْ مَنْ شَرَّفَهُ وَعَظَّمَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ أَوِ اعْتَمَرَه تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا وَبِرًّا 37.
ثم قال بعد ذلك في الكلام على لفظ "الوجيز": وضم صاحب "الكتاب" في الدعاء للبيت لفظة البر إلى المهابة ولا ذكر له في الخبر وهو الدعاء المحض
المهابة دون البر، والثابت في الخبر إنما هو الاقتصار على البر، ولم يثبت الأئمة ما نقله المزني.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور:
أحدها: أن التعبير بوقوع البصر على البيت قد ذكر مثله في "الروضة"
الجزء: 4 - الصفحة: 302
وهو يشعر بأن هذا الدعاء لا يستحب للأعمى ولا لمن دخل في ظلمه.
والذي أشعر به كلامهما محتمل متجه، ويحتمل أن يقال أيضًا: يستحب لهما الدعاء به في الموضع الذي يراه منه غيرهما، ويستحب ولكن عند دخول المسجد لأنهما صارا كالحاضرين بين يديه أو عند ملامسة البيت قبل مشروعيتهما في الطواف في أذكاره.
الأمر الثاني: أن ما ذكره الرافعي من إنكار ورود البر وإنكار صحة معناه هو المراد كما أوضحه النووي في "تهذيب الأسماء واللغات" في الكلام على لفظ البر فقال بعد نقله لكلام الرافعي: قلت: وإطلاق البر على البيت له وجه صحيح وهو أن بره زيارته كما أن من جملة بر الوالدين والأقارب زيارتهم؛ وحينئذ فمعنى الدعاء بزيادة بره هو الدعاء بكثرة زائريه كأنه قال: اللهم كثرهم.
قال: قد روى الأزرقي صاحب "تاريخ مكة" هذا الحديث عن مكحول عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بلفظ البر والمهابة في البيت.
رواه الغزالي في "الوجيز" إلا أنه مرسل وفي إسناده مجهول وضعيف.
انتهى كلامه.
الأمر الثالث: أن قول الرافعي في آخر كلامه أن الثابت في الخبر كذا وكذا عجيب؛ فإن المذكور أيضًا ليس بثابت بل رواه الشافعي عن ابن جريج عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بإسناد مرسل ومعضل كما قاله في "شرح المهذب".
قوله: ومنها أن يدخل المسجد من باب بني شيبة وقد أطبقوا على استحبابه لكل قادم لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دخل المسجد منه قصدًا لا اتفاقًا فإنه لم يكن على طريقه وإنما كان على طريقه باب إبراهيم، والدوران حول المسجد لا يشق بخلاف الدوران حول البلد وكأن المعنى فيه أن ذلك الباب في جهة باب الكعبة.
انتهى.
الجزء: 4 - الصفحة: 303
فإن طباق الأصحاب هنا على استحباب الدخول من باب بني شيبة وتعليلهم بأنه لم يكن على طريقه إلا باب إبراهيم ينافي كلامهم في المسألة السابقة فإنهم قالوا: إن الثنية العليا على طريق المدينة ويلزم من كونها على طريقها أن يكون باب بني شيبة على طريقه أيضًا لأن الداخل من الثنية يمر على باب المعلى، وأول ما يلقى من الأبواب باب بنيشيبة، وهذا معلوم بالمشاهدة لا مكابرة فيه، وقد تقدم أيضًا في أثناء كلام الشيخ أبي محمد.
وحديث الدخول من باب بني شيبة رواه البيهقي بإسناد صحيح عن ابن عباس.
والمعنى فيه ما أشار إليه الرافعي وإيضاحه أن باب الكعبة في جهة ذلك الباب، والبيوت تؤتى من أبوابها، وأيضًا فلأن جهة باب الكعبة أشرف الجهات الأربع كما قاله ابن عبد السلام في "القواعد" فكأن الدخول من الباب الذي يشاهد منه تلك الجهة أولى.
وسكت الرافعي عن الباب الذي يخرج منه عند إرادته الرجوع إلى بلده، ويستحب أن يكون ذلك هو باب بني سهم ففي "النوادر" عن ابن حبيب أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دخل المسجد من باب بني شيبة وخرج إلى الصفا من باب بني مخزوم وإلى المدينة من باب بني سهم -بالسين- ويسمى اليوم بباب العمرة.
قوله: ويبتدئ كما دخل بطواف القدوم لأنه -عليه السلام- أول شيء بدأ به حين قدم مكة أن توضأ ثم طاف بالبيت 38، وسمي أيضًا طواف التحية.
لأنه تحية للبقعة يأتي به من دخلها سواء كان تاجرًا أو حاجًا أو دخلها لأمر آخر.
انتهى.
والمراد بالبقعة الذي هذا تحيتها هو البيت؛ فإن الطواف تحية له كما
الجزء: 4 - الصفحة: 304
صرح به كثيرون وليس بتحية للمسجد بل إذا فرغ من الطواف فأمرناه بتحيته -أعني المسجد؛ ولهذا قال القاضي أبو الطيب: فإن قيل: هلا أمرتموه بأن يصلي التحية بعد الطواف؟
فالجواب: أنا نأمره بأن يصلي في المقام ركعتين وتلك الصلاة تجزئه عن تحية المسجد.
هذا كلامه، وجزم به أيضًا ابن الرفعة في "الكفاية" فقال: فإن قيل: لم قدم الطواف على تحية المسجد؟
قيل: لأن القصد من إتيان المسجد البيت وتحيته الطواف، ولأنها تحصل بركعتي الطواف.
هذه عبارته فتفطن له، وعلم منه أنه لو أخر الركعتين لوقت آخر فقد فوت هذه التحية، وأنه لو اشتغل قبل الطواف بصلاة لغرض من الأغراض لخوف الفوات ونحوه لم يخاطب بتحية المسجد.
ويدل على ما قلناه أيضًا: أن المقيمين إذا دخلوا المطاف فيخاطبون بركعتي التحية.
والحديث رواه الشيخان عن عائشة.
قوله: ولو كان معتمرًا فطاف للعمرة أجزأه على طواف القدوم كما تجزئ الفريضة عن تحية المسجد.
انتهى.
ذكر مثله أيضًا في الكلام على الطواف الذي يسن فيه الرمل.
تابعة في "الروضة" على ذلك وهو مشعر بأن المعتمر مخاطب بطواف القدوم، وليس كذلك وإنما لم يخاطب به لأنه مأمور بطواف الفرض؛ ولهذا ذكر الرافعي قبيل هذا الكلام بقليل أن الحاج إذا دخل مكة بعد الوقوف لا يخاطب به، وعلله بما قلناه.
ولا فرق في ذلك بين المعتمر والحاج إذ لا أثر لكون الطواف الذي عليه
الجزء: 4 - الصفحة: 305
من حج أو عمرة.
وذكر النووي في "المنهاج" لفظًا جامعًا للمسألتين فقال: ويختص طواف القدوم بحاج دخل مكة قبل الوقوف.
والتقييد بالحاج لم يصرح به في المحرر إلا أنه مشعر به.
وإذا علمت ذلك فينبغي أن يحمل كلامه أولًا على حصول الفوات، وكلامه ثانيًا على أنه لا يؤمر بطواف يخص القدوم.
ووجه حصول الثواب هنا أنه إذا أثيب مصلي الفرض على التحية مع إمكان فعلها لما فيه من شغل البقعة بالعبادة فبالأولى هذه.
قوله: واختلفوا في الأولى دخول مكة راكبًا أم ماشيًا؛ فإن دخلها ماشيًا فقد قيل: الأولى أن يكون حافيًا؛ لما روي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لقد حج هذا البيت سبعون نبيًا كلهم خلعوا نعالهم من ذي طوي تعظيمًا للحرم 39. انتهى.
فأما المسألة الأولى فالأصح فيها تفضيل المشي.
كذا صححه النووي في
الجزء: 4 - الصفحة: 306
"شرح المهذب"، ومناسك الحج، و"زيادات الروضة".
وأما الثانية وهي دخوله حافيًا فقد جزم به في "شرح المهذب" ولم يتوقف فيه قال: إلا أن تلحقه مشقة أو يخاف نجاسة رجليه.
وعبر في "الروضة" و"المناسك" بقوله: "قيل"، كما عبر به الرافعي قوله: ومن قصد دخول مكة لا النسك فإن كان لا يتكرر دخوله ففيه طريقان: أصحهما أنه على قولين: أظهرهما عند الغزالي أنه لا يلزم وبه قال الشيخ أبو محمد، وإليه ميل الشيخ أبي حامد ومن تابعه، ورجحه المسعودي وصاحب "التهذيب" في آخرين أنه يلزم وبه أجاب صاحب "التلخيص" لما روي عن ابن عباس: لا يدخل مكة أحد إلا محرمًا 40.
والطريق الثاني: القطع بالاستحباب، ويحكى عن صاحب "التقريب" ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن الصحيح في هذه المسألة هو عدم الوجوب.
كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير" و"المحرر" والنووي في "الروضة" و"شرح المهذب" وغيرهما من كتبه المشهورة ونقله في "الشرح" المذكور عن الأكثرين وعن نص الشافعي في أكثر كتبه، وصحح في "النكت" التي له على "التنبيه" أنه يجب، وقال في "البيان": أنه أشهر القولين.
الثاني: أن ما نقلوه عن صاحب "التقريب" ليس له ذكر في كتاب الحج من كتابه فاعلمه.
الجزء: 4 - الصفحة: 307
قوله: وإن كان ممن يتكرر دخوله كالحطابين والصيادين ونحوهم فإن قطعنا بنفي الوجوب في الحالة الأولى فهاهنا أولى.
وإن سلكنا طريقة القولين فهاهنا طريقان:
أحدهما: طرد القولين.
وأصحهما: القطع بنفي الوجوب، وبه أجاب "التلخيص" لما فيه من المشقة.
ثم قال: وفي وجه ضعيف أنه يلزمهم الإحرام في كل سنة مرة.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما عزاه إلى "التلخيص" من القطع بعدم الوجوب غلط؛ فإن في "التلخيص" الجزم بطريقة القولين، وزاد على ذلك فصحح الوجوب فقال في أول كتاب الحج ما نصه: ويجب على كل من أراد دخول مكة الإحرام بحج أو عمرة إلا على واحد وهو الملوك.
وفيه قوله: أنه رخص للحطابين ومن دخله لمنافع أهلها.
هذا لفظه بحروفه، ومنه نقلت.
الأمر الثاني: أن حكاية الإيجاب في كل سنة وجهًا، واستضعافه إياه ليس هو كما قال فيه، بل هو قول للشافعي منصوص عليه في الجديد، وله توجيه ظاهر.
فأما الأول فإن الشيخ أبا حامد في "تعليقه" والمحاملي في "مجموعه".
وغيرهما نقلوه عن نصه في "الإملاء".
وأما الثاني فإن الجزم يقتضي إيجاب الإحرام إذ التفريع عليه وإيجاب هذا في كل مرة يشق عليهم فأوجبناه في السنة مرة لأنه المقدار الذي عهد وجوبه إحياء الكعبة فيه تعظيمًا لها بالحج أو العمرة.
قوله: التفريع إن قلنا بالوجوب فله شروط:
الجزء: 4 - الصفحة: 308
أحدها: إن دخل من خارج الحرم، فأما أهل الحرم فلا يلزمهم بلا خلاف.
الثاني: أن لا يدخلها لقتال باغ أو قاطع طريق أو غيرهما أو خائفًا من ظالم.
دخل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مكة عام الفتح غير محرم 41، لأنه كان مترصدًا للقتال خائفًا غدر الكفار.
الثالث: أن يكون حرًا؛ أما العبيد فلا إحرام عليهم بحال لأن منافعهم مستحقة للسادة.
فإن دخلوا بإذن لم يجب أيضًا بالاتفاق لأن الإذن في الدخول لا يتضمن الإحرام.
كذا قاله الإمام.
ومن يلزمه الإحرام بالدخول لا يبعد منه المنازعة في هذا التوجيه.
فإن أذن له السيد في الدخول محرمًا لم يلتحق بالإحرام في أقيس الوجهين.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور:
أحدها: أن الاستدلال على عدم الوجوب بدخوله -عليه الصلاة والسلام- غير محرم ذهول ومناقض لما ذكر هو وغيره في كتاب النكاح أن من خصائص النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دخول مكة بغير إحرام على القول بالوجوب على غيره.
الأمر الثاني: أن كلامه يقتضي أن مكة وغيرها من أرض الحرم كسائر البلاد في جواز القتال بسبب البغاة أو الكفار، وهو كما قاله النووي في "شرح المهذب" ونص عليه الشافعي في "اختلاف الحديث" وفي "سنن الواقدي" من "الأم" فقال: معنى الحديث الناهي عن القتال فيها أن ينصب
الجزء: 4 - الصفحة: 309
القتال عليهم ويقاتلهم بما يعم كالمنجنيق وغيره إذا لم يمكن إصلاح الحال بدون ذلك، بخلاف ما إذا انحصر الكفار في بلد آخر فإنه يجوز قتالهم على كل وجه وبكل شيء.
الأمر الثالث: أن تعليل العبد باستحقاق السيد يقتضي استثناء المرأة المزوجة إذا كان سفرها بإذن الزوج ويحتمل خلافه.
الرابع: حيث أوجبنا على العبد فكذلك على هذه المرأة؛ فالمتجه تجويز العمرة فقط لأن زمنها أقصر والإذن فيه محقق وما زاد شكوك فيه والحديث المذكور رواه مسلم من رواية جابر ولفظه: دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء بغير إحرام.
قوله: وإذا اجتمعت شرائط الوجوب ودخلها غير محرم فهل عليه القضاء؟ قال الإمام: فيه قولان، وقال غيره: وجهان: أصحهما -وهو الذي أورده الأكثرون: لا يجب.
انتهى.
والصحيح أن الخلاف وجهان.
كذا صححه النووي في أصل "الروضة" و"شرح المهذب".
قوله: وذكر القاضي ابن كج تفريعًا على وجوب الإحرام على الداخل أنه إذا انتهى إلى الميقات على قصد دخول مكة لزمه أن يحرم من الميقات، فلو أحرم بعد مجاوزته فعليه دم بخلاف ما لو ترك الإحرام من أصله.
انتهى.
وهذا الذي نقله عن ابن كج خاصة وأقره عليه وهو عدم وجوب الدم إذا لم يحرم بالكلية قد تابعه عليه في "الروضة".
والمسألة فيها قولان للشافعي حكاهما ابن القاص في "التلخيص" فقال: وقد اختلف قول الشافعي في إيجاب الكفارة على من دخلها بغير إحرام فله فيها قولان: أحدهما: لا شيء عليه.
الجزء: 4 - الصفحة: 310
والآخر: عليه دم شاة.
هذا لفظه.
وعدم الوجوب فيه نظر ظاهر لكن صرح به أيضًا الخوارزمي في "الكافي" والماوردي في "الحاوي" وعلّله بأن الكفارة إنما تجب جبرًا لنقص دخل على نسك فإذا لم يأت بالنسك لم يلزمه جبران عدم أصله.
قوله: وهل ينزل دخول الحرم منزلة دخول مكة مما في ما ذكرناه؟
قال بعض الشارحين: نعم.
ولا يبعد تخريجه على خلاف ما سبق في نظائره.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن تنزيل الحرم منزلة مكة في ذلك نقله المزني في كتاب له لطيف غريب سماه نهاية الاختصار من قول الشافعي فقال: ولا يدخل الحرم إلا محرم.
هذه عبارته.
والنسخة التي نقلت منها تاريخ فراغها سنة ثمان وأربعمائة، ونقله أيضًا ابن الصباغ عن نصه في القديم.
وقد صرح أيضًا بذلك شيوخ المذهب منهم القاضي أبو الطيب والقاضي الحسين والمحاملي والبندنيجي والماوردي وابن الصباغ وخلائق آخرون، والعجب من اقتصار الرافعي على نقلها عن شارح "الوجيز" غير مشهور مع تنصيص مشاهير أن المذهب عليها ولكن السبب فيه أن أكثر هذه الأصول لم يطالعها على كتابه، وقد استدرك عليه في "الروضة" أيضًا ذلك فقال: الصواب القطع بأن الحرم كمكة في هذا، وقد اتفق عليه الأصحاب.
هذا لفظه.
وقال في "شرح المهذب": إنه لا خلاف فيه.
وليس كما قال من
الجزء: 4 - الصفحة: 311
الاتفاق؛ ففيه خلاف حكاه هو في مناسك الحج فقال: الصحيح أن حكم الحرم كحكم مكة بل كلامه في المنهاج يشعر باختيار ذلك الوجه فإنه قيد محل الخلاف بدخول مكة.
الأمر الثاني: في المراد من قول الرافعي ولا يبعد تخريجه على خلاف سبق في نظائره وقد تفقه فيه النووي وابن الرفعة؛ فقال النووي في "شرح المهذب" كأنه يشير إلى إباحة الصلاة في أوقات النهي فإن الحرم كمكة على الصحيح.
وقال ابن الرفعة في "شرح التنبيه": كأنه يشير إلى أن المكي إذا أحرم بالحج في الحل ثم عاد إلى الحرم هل يسقط عنه الدم كما يسقط عنه إذا عاد إلى مكة.
وكذا لو حرم المكي من الحرم.
انتهى.
وما قاله ابن الرفعة أظهر؛ فإنه نظير في الباب فإرادته أظهر من إرادة باب آخر لاسيما أن العادة التصريح به عند إرادته لبعد استحضاره.
ومن نظائر المسألة أيضًا ما إذا ترك طواف الوداع ولم ينته إلى مسافة القصر فإن في لزوم العود خلافًا.
وهل تعتبر المسافة من مكة أو من الحرم؟ فيه وجهان حكاهما الرافعي أيضًا.
الجزء: 4 - الصفحة: 312
الفصل الرابع: في الطواف
قوله: وتجب فيه الطهارة عن الحدث والخبث وستر العورة؛ لما روي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "الطواف بالبيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون فيه فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير".
42 انتهى.
وما ذكره من اشتراط الطهارة والستارة واضح عن القدرة، فإن عجز فإن كان الطواف نفلًا أو للوداع فلا شك في جوازه فعله بدونهما، وإن كان طواف الركن فيجوز للغازي لأنه لا إعادة عليه على المشهور.
وأما المتيمم والمتنجس فالقياس منعهما منه؛ لأنهما لو صليا لوجب عليهما القضاء، والطواف ملحق بالصلاة فيما يتعلق بالطهارة؛ وحينئذ فتكون إعادته واجبة عليها أيضًا، وإذا وجبت الإعادة فلا يكون في فعله -والحالة هذه- فائدة؛ لأن التحلل لا يحصل ما دام الطواف في ذمته.
والعنى الذي لأجله أوجبنا فعل الصلاة وهو حرمة الوقت مفقود هنا لأن الطواف لا آخر لوقته؛ ويؤيده أن فائدة الطهورين إذا صلى ثم قدر على التيمم بعد الوقت لا يعيد الصلاة في الحضر لما قلناه من عدم الفائدة.
وقد تعرض في "البحر" للمسألة فحكى وجهين في وجوب الإعادة ولم يزد على ذلك وهو يقتضي الجزم بالجواز ولا سبيل إلى القول به، وسيأتي
الجزء: 4 - الصفحة: 313
في الكلام على فساد الحج ما يدفعه من جهه النقل.
وبتقدير الجواز لا سبيل إلى قضائه لما تقدم.
والحديث المذكور رواه البيهقي وقال: الصحيح أنه موقوف على ابن عباس.
قوله: لبيت الله تعالى أربعة أركان: ركنان يمانيان وركنان شاميان، وكانت أرضية مساوية لأرض المسجد، وكان له بابان شرقي وغربي فذكر أن السيل هدمه قبل مبعث رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعشر سنين فأعادت قريش عمارته على الهيئة التي هو عليها اليوم ولم يجدوا من الأموال الطيبة ما يفي بالنفقة فتركوا من جانب الحجر بعض البيت فأخروا الركنين الشاميين عن قواعد إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- ووضعوا عرض الجدار الذي بين الركن الأسود والشامي الذي يليه فبقي من الأساس شبه الدكان مرتفعًا وهو الذي يسمى الشاذروان، وقد روي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لعائشة: "لولا حدثان قومك بالشرك لهدمت البيت ولبنيته على قواعد إبراهيم وألصقته بالأرض وجعلت له بابان شرقيًا وغربيًا 43.
ثم إن ابن الزبير هدمه في أيام ولايته وبناه على قواعد إبراهيم، فلما استولى عليه الحجاج هدمه وأعاده على الصورة التي هو عليه اليوم وهو بناء قريش.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره من اختصاص المتروك من عرض الجدار وهو المسمى بالشاذروان بالجدار الذي فيه الباب دون ما عداه.
أخذه من كلام الإمام، وليس كذلك بل هو عام في الجدر الثلاث كما ذكره الأزرقي في "تاريخ مكة"، وهو ظاهر محسوس.
الجزء: 4 - الصفحة: 314
الأمر الثاني: أن كلامه يوهم أن الحجاج هدم جميع البيت.
وليس كذلك ففي التاريخ المذكور أن الحجاج لما استولى على مكة، وقتل ابن الزبير هدم الحائط الذي من جهة الحجر وبناها على أساس قريش وأخرج الحجر من البيت وردم بطن الكعبة بما هدم منها لم يغير منه شيئًا.
قال: فكل شيء فيها بناء ابن الزبير إلا الجدار الذي في الحجر وما سد به الباب الغربي وما تحت عتبة الشرقي فإنه بناء الحجاج.
واعلم أن الدكان في اللغة هي المصطبة، وكذلك الدكة أيضًا.
والحديث المذكور رواه البخاري ومسلم بألفاظ مختلفة.
قوله: ويعتبر في الطواف شيئان:
أحدهما: أن يجعل البيت على يساره.
. . . إلى آخر ما قال.
اعلم أن هذه المسألة تنقسم إلى اثنين وثلاثين قسمًا ويغلب وقوعها في المحمول لمرض أو غيره خصوصًا الأطفال فتأمل ذلك.
وجميع هذه الأقسام داخل في كلام الرافعي؛ لأن كلامه يدل بالمنطوق على جعل البيت على يساره.
ومفهومه على أنه لا يجعل على غير اليسار؛ وحينئذ فإما أن يجعله على يمينه أو تلقاء وجهه أو وراء ظهره؛ فحصل من منطوقه ومفهومه أربعة أقسام:
القسم الأول: وهو ما إذا جعله على اليسار له حالان:
أحدهما: أن يذهب إلى جهة الباب، وحينئذ فإما أن يذهب على العادة وإما منكسًا -أي: رأسه- إلى أسفل ورجلاه إلى فوق، وإما مستلقيًا على ظهره، وإما على وجهه.
فهذه أربع صور.
والأولى هي التي ينبغي فعلها.
الجزء: 4 - الصفحة: 315
وأما الثلاثة الأخيرة فلم يصرح الرافعي ولا المصنف ولا ابن الرفعة فحكمها لا في هذا القسم ولا في باقي الأقسام الآتية إطلاق الرافعي يقتضي جوازها والمتجه خلافه فإنه منابز للشرع كما سيأتي التعليل به.
الحال الثاني: أن يقهقر إلى جهتي الركن اليماني، وفيه أيضًا هذه الصور الأربع لأنه إما أن يرجع منتصبًا أو منكسًا أو على الظهر أو الوجه، ولم يصرح من ذكرناه بحكم هذه الأربعة، وإطلاق الرافعي يوهم جوازها لأنه يصدق أن يقال جعل البيت على يساره وطاف، وليس كذلك بل المتجه القطع بعدم الصحة في الكل، ويحتمل تخريج الصورة الأولى منها على الوجهين الآتيين في من طاف معترضًا أو مستدبرًا فكان الصواب أن يزيد قيدًا فيقول: وأن يجعل البيت على يساره ويطوف تلقاء وجهه، وقد تحصلنا الآن على ثمان صور:
القسم الثاني: أن يجعل البيت على يمينه فله أيضًا حالان:
أحدهما: أن يذهب إلى جهة الركن اليماني ففيه أيضًا الصور الأربع وهي أن يذهب منتصبًا على العادة أو منكسًا أو مستلقيًا على قفاه أو على وجهه، وقد جزم الرافعي بالمنع في المسألة الأولى ويلزم منه المنع في الثلاثة الأخيرة بطريق الأولى.
ويؤخذ منع الجميع من عبارته أيضًا.
الحال الثاني: أن يرجع القهقري إلى جهة الباب ففيه الأربعة المذكورة أيضًا؛ فأما الأولى وهو أن يذهب منتصبًا ففيه وجهان:
أصحهما: البطلان لأنه لم يول الكعبة شقه الأيسر وهذا هو الذي يقتضيه إطلاق الرافعي.
والثاني: الجواز لحصول الطواف في يسار البيت وهو من الحجر إلى جهة الباب.
هكذا عللهما الرافعي، وقد ظهر من تعليله أن الواجب
الجزء: 4 - الصفحة: 316
حصول الطواف على يسار الكعبة في وجه، وأن يولي الكعبة شقه الأيسر على وجه آخر.
وأما الثلاثة الأخيرة فهي ممتنعة من حيث الجملة؛ ويؤخذ أيضًا منعها من إطلاق الرافعي.
لكن هل يجزم ببطلانها أو يخرج على هذا الخلاف؟ فيه نظر.
فتحصلنا على ثمان صور أخرى تصير مع قبلها ستة عشر.
القسم الثالث: أن يجعله تلقاء وجهه فله أيضًا حالان:
أحدهما: أن يوالي جهة الباب فيأتي فيه أيضًا أربع صور:
أولها: الاعتدال.
وثانيها: التنكيس.
وثالثها: أن يكون على الجنب الأيمن.
ورابعها: على الأيسر.
فإن كان منتصبًا ففيه الوجهان السابقان -كما قاله الرافعي- أصحهما: عدم الصحة، وقد سبق تعليلهما.
وأما الثلاثة الباقية فيحتمل الجزم ببطلانها ويحتمل تخريجها على الوجهين.
وعبارة الرافعي مقتضية الأربعة.
الحال الثاني: أن يذهب إلى جهة الركن اليماني ففيه أيضًا هذه الأربعة ومقتضى التعليلين اللذين ذكرهما الرافعي القطع بأن شيئًا منهما لا يجزئ كما هو مقتضى عبارة الرافعي فإنه لم يوقع طوافه في يسار البيت ولا ولي الكعبة بشقه الأيسر.
فتحصلنا بهذه الثمانية على أربعة وعشرين.
القسم الرابع: أن يستدبر الكعبة وفيه الحالان السابقان:
الجزء: 4 - الصفحة: 317
الأول: أن يمر إلى جهة الباب، وفيه الأربعة المتقدمة؛ فأما الأولى منها: فهو أن يمر على العادة منتصيًا فقال الرافعي: القياس أن يجرى فيه الوجهان السابقان فيما إذا جعله تلقاء وجهه، وما قاله الرافعي قد نقل الإمام عن شيخه ما يوافقه، ولكن ذكر المصنف في "الروضة" وغيرها أن الصواب القطع بأنه لا يصح لكونه منابذًا للشرع.
وأما الثلاثة الباقية فلم يصرحوا بحكمها، وقد تقدم نظائر أنها محتملة بجريان هذا الخلاف والقطع بالبطلان، وعبارة الرافعي شاملة لمنع الأربعة.
الحال الثاني: أن يمر إلى جهة الركن اليماني فمقتضى ما سبق أن لا يعتد بشيء من صوره الأربعة جزمًا لما تقدم من أنه يولى الكعبة شقه الأيسر ولا طاف في يسار البيت.
وقد تكمل لك بهذه الصور الثمانية الداخلة في القسم الرابع اثنتان وثلاثون مسألة.
واعلم أن اشتراط جعل البيت على اليسار يستثنى منه مروره على الحجر الأسود؛ فقد قال في "شرح المهذب" في الكلام على المحاذاة وصفة المحاذاة أن يمر بجميع الحجر، وذلك بأن يستقبل البيت ويقف على جانب الحجر إلى جهة الركن اليماني بحيث يصير جميع الحجر عن [يساره] 44 ويصير منكبه الأيمن عند طرف الحجر ينوي الطواف لله تعالى ثم يمشي مستقبل الحجر مادًا إلى جهة يمينه حتى يتجاوز الحجر، فإذا جاوز انتقل وجعل يساره إلى البيت ويمينه إلى خارج.
ولو فعل هذا من الأول وترك استقبال الحجر جاز ولكن فاتته الفضيلة ثم يمشي هكذا تلقاء وجهه طائفًا حول البيت كله.
الجزء: 4 - الصفحة: 318
قال في المناسك الكبرى: وليس شئ من الطواف يجوز مع استقبال البيت إلا ما ذكرنا من مروره في ابتداء الطواف على الحجر الأسود مستقبلًا له وذلك مستحب في الطوفة الأولى لا غير.
قوله: وعن المزني أنه سمى الشاذروان تأزيزًا من الإزاز وتأزيز أيضًا بزاءين وهو التأسيس.
انتهى ملخصًا.
قال الجوهري: أززت الشئ الإزاز أي: بزاءين معجمتين إذا ضممت بعضه إلى بعض؛ فكأن لفظ الرافعي مأخوذ منه.
قوله: والثاني: أن يبتدئ بالحجر الأسود فيحاذيه بجميع بدنه في مروره.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذه المسألة لها أقسام منها: أن يحاذي ببعض البدن بعض الحجر كما لو استقبله وجعل منكبه الأيسر في وسطه ومنكبه الأيمن خارجًا عنه.
وهذا القسم قد ذكره الرافعي وقال فيه: إن الجديد لا يجزئ، ولم يصرح به في "الروضة" فاعلمه.
الأمر الثاني: أن ما ذكره من الابتداء بالحجر الأسود أرادوا به موضعه حتى لو نقل عن موضعه والعياذ بالله فيجب على الطائف محاذاة الموضع كما نقله في "الكفاية" عن القاضي أبي الطيب.
قوله: وكره الشافعي إطلاق الشوط على الطوفة الواحدة.
انتهى.
وهذه المسألة حذفها النووي من "الروضة"، وقال في "شرح المهذب": كره الشافعي والأصحاب تسميتها بالشوط والدور لأن الله تعالى إنما سماها
الجزء: 4 - الصفحة: 319
بالطواف لا بهما.
ثم قال: والمختار له أنه لا يكره؛ ففي الصحيحين عن ابن عباس قال: "أمرهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يرملوا ثلاثة أشواط" 45، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم.
قوله: فإن جعل سقف المسجد أعلى فقد ذكر في العدة أنه لا يجوز الطواف على سطحه.
ولو صح هذا لزم أن يقال إذا انهدمت الكعبة -والعياذ بالله تعالى- لا يصح الطواف حول عرصتها، وهو بعيد.
انتهى كلامه.
تابعه عليه في "الروضة".
فيه أمران:
أحدهما: أن كلامهما يدل على أنهما لم يقفا على حكم الطواف حول العرصة، وقد ذكرها الماوردي في "الحاوي" والروياني في "البحر" وجزما بالبطلان على عكس ما مال إليه الرافعي بحثا واستبعد خلافه فقال الماوردي: وهكذا لو طاف على سطح المسجد الحرام أجزأه لأن معلومًا أن سقف المسجد اليوم دون سقف الكعبة وكان طائفًا بالبيت.
فإن قيل لو استقبلها في الصلاة على ما هو أعلى منها فإن مستقبلًا لها فهلا كان الطائف أعلى منها كالطائف فيها؟
قيل: لأن المقصود في الصلاة جهة بنائها، فإذا علا عليها كان مستقبلًا لجهة بنائها فأجزأه، والمقصود في الطواف نفس بنائها فإذا علا عليها لم يكن طائفًا بنفس بنائها فلم يجزئ هذا لفظه، وموضع الحاجة هو آخر
الجزء: 4 - الصفحة: 320
كلامه، وذكر في البحر مثله أيضًا.
الأمر الثاني: أن مسألة السقف إذا كان أعلى قد جزم القاضي الحسين فيها بالصحة على وفق ما يشير إليه كلام الرافعي، وقال في "شرح المهذب": إن الجواز هو الصواب، ويلزم من تصحيحه في هذه المسألة تصحيحه في المسألة السابقة بطريق الأولى، لكن قد ظهر لك مما نقلته عن الماوردي والروياني أنهما مصرحان بالمنع.
قوله: ولو اتسعت حائط المسجد اتسع المطاف.
انتهى.
هذا الكلام يدخل في عمومه مسألة تذكر على سبيل الامتحان والفرض وإن كانت لا تقع عادة؛ وهي أن المسجد لو وسع حتى انتهي إلى الحل فطاف في الحاشية التي من الحل صح.
وفيه نظر، والقياس عدم الصحة.
وقد ذكر الرافعي قبل هذا كلامًا حذفه من "الروضة" لكن مكة والحرم، هذه عبارته، إلا أن المتبادر منها إلى الفهم إنما هو حالة الخروج من المسجد.
قوله: وقد جعلته العباسية أوسع مما كان في عصر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انتهى.
وهذه العبارة ناقصة موهمة إيهامًا شديدًا أن العباسية هم الذين زادوا المسجد على المقدار الذي كان في عهده -عليه الصلاة والسلام-، وليس كذلك فإنه قد وسع أربع مرات فبل خلافتهم كما نقله جماعة منهم الأزرقي في "تاريخ مكة"، ونبه عليه النووي في كثير من كتبه فقال: أول من وسع المسجد الحرام بعد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-؛ اشترى دورًا فزادها فيه، واتخذ للمسجد جدارًا قصيرًا دون القامة، وكان عمر أول من اتخذ الجدار للمسجد.
ثم وسعه عثمان بن عفان -رضي الله تعالى عنه- كذلك واتخذ له الأزقة؛
الجزء: 4 - الصفحة: 321
فكان أول من اتخذها.
ثم وسعه الوليد بن عبد الملك.
ثم لما انتقلت الخلافة من الأمويين إلى العباسيين وسعه المنصور، ثم المهدي وعليه استقر بناؤه إلى وقتنا.
قوله: ويستحب أن يصلي ركعتي الطواف خلف المقام، فإن لم يفعل ففي الحجر، وإلا ففي المسجد، وإلا ففي أي موضع شاء من الحرم وغيره.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن هذا الترتيب أخذه الرافعي من البغوي، ولكن الصلاة في الحرم أفضل منها في غيره؛ فالصواب أن يقول: ثم في الحرم ثم فيما شاء من غيره، وهكذا صرح به الجرجاني في "التحرير".
الأمر الثاني: أنا قد استفدنا من كلام الرافعي أن فعل هذه الصلاة في المسجد أولى من المنزل وإن كانت نافلة اتباعًا للحديث.
وأشعر كلامه أيضًا بتفضيل فعلها خلف المقام على فعلها في الكعبة.
وفيه نظر يحتاج إلى نقل، وقد خرج المصنف وغيره في أبواب الصلاة بأن فعل النافلة في الكعبة أولى من فعلها في المسجد الحرام، ثم إن الصلاة عند البيت إلى وجهة أفضل من سائر الجهات كما قاله ابن عبد السلام في "القواعد"، وذلك محتمل لسائر الأقطار؛ فينبغي أن يراعى ما قاله بحيث لا يخرج عن ما قدمناه.
الثالث: إذا حاضت المرأة عقب طوافها فهل تخاطب بهاتين الركعتين أم لا؟
الجزء: 4 - الصفحة: 322
توقف فيه الشيخ محي الدين في الحيض من "شرح المهذب"، ثم قال: بتقدير ثبوتهما ووجوبهما يجب عليها قضاؤهما؛ لأن ذلك لا يتكرر.
وهذا الذي ذكره من التعبير بالقضاء والتعليل المذكر كيف يستقيم مع أنه لا آخر لوقت هذه الصلاة كما ذكره هو وغيره في هذا الباب.
قوله: ويجهر بالقراءة فيهما ليلًا -يعني: ركعتي الطواف- ويسر بهما نهارًا.
انتهى.
وما ذكره من الجهر فيهما ليلًا فبكلام سبق ذكره تفي صفة الصلاة في الكلام على الجهر.
واعلم أن من طلوع الفجر طلوع الشمس من النهار لا من الليل، ومع ذلك يجهر فيه في الصلوات فلابد من استثنائه.
قوله: وإذا لم نحكم بوجوبهما فلا صلى فريضة بعد الطواف حسبت عن ركعتي الطواف اعتبارًا بتحية المسجد.
حكى ذلك عن نصه في القديم، والإمام حكاه عن الصيدلاني نفسه واستبعده.
انتهى.
تابعه في الروضة على نقل هذه العبارة عن الإمام.
قال الصيدلاني: لو صلى الفارغ من الطواف فريضة الوقت وقضى فائتة وقع الاكتفاء بما جاء به اعتبارًا بتحية المسجد.
وهذا مما انفرد به، والأصحاب على مخالفته؛ فإن الطواف يقتضي صلاة مخصوصة والمسجد حقه أن لا يجلس الداخل فيه حتى يصلي الركعتين، وقال في "شرح المهذب": أن الجماهير على الإجزاء.
قوله: والأجير يؤدي ركعتي الطواف عن المستأجر.
زاد في "الروضة" فقال: قلت: اختلف أصحابنا فيه؛ فقيل يقع عنه، وقيل: عن المستأجر،
الجزء: 4 - الصفحة: 323
وهو الأشهر.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذا الخلاف الذي ذكره من زوائده قد ذكره الرافعي في باب الوصية فائدة حسنة فقال: وقال بعضهم: يقع عن الأجير وتبرأ ذمة المحجوج عنه بما فعل.
هذا كلامه.
وهو يقتضي أيضًا أنه يجب فعلهما على الأجير إن قلنا يقعان عنه، وبه صرح القاضي الحسين في "شرح التلخيص" في باب الحيض، وعلله بأنه التزم الطواف.
الثاني: ستعرف في باب حج الصبي أن الولي يصليهما أيضًا عن الصبي إن كان غير مميز فيصليهما بنفسه على الصحيح، وإن كان الصحيح جواز إحرام الولي عنه، وقيل: لا يصليهما أيضًا إلا الولي.
كذا ذكره الرافعي وتبعه عليه في "الروضة".
وإذا علمت ما ذكروه في المميز ظهر لك أن ما أطلقوه في الأجير محله إذا لم يصليهما في بلده لاسيما إن كان بمكة لأن هذه الصلاة لا يشترط فيها الفورية بل لا تفوت ما دام حيًا، وقد صرح الطبري شارح "التنبيه" بما ذكرته، وحكى في "المطلب" عن القاضي الحسين كلامًا حاصله أنها إذا تأخرت فهل يفعل أداء أو قضاء، أو لا يفعل بالكلية؟ فيه أوجه.
واعلم أن القياس في غير المميز أن يأتي فيه الوجهان المذكوران في الأجير، وبه صرح في "البيان".
قوله في "الروضة": فرع: ركعتا الطواف وإن أوجبناهما فليستا بشرط في صحته ولا ركنًا، بل يصح بدونهما، وفي تعليل جماعة من الأصحاب ما يقتضي اشتراطهما.
انتهى.
الجزء: 4 - الصفحة: 324
واعلم أن الرافعي لم يجعل المستفاد من التعليل هو الشرطية لا غير بل ردده بين الشرطية والركنية.
قوله: فيها أيضًا: وقال الإمام: لو مات قبل الصلاة لم يمتنع جبرها بالدم.
انتهى.
واقتصار المصنف على الإمام غريب؛ فإن الرافعي لم يقتصر عليه بل عبر بقوله قاله الإمام وغيره.
قوله: وأما السنن فخمس.
. إلى آخره.
فيه أمور:
منها: أنه يستحب أن يكون قائمًا، فإن زحف مع قدرته على المشي كان مكروهًا كما قاله في "شرح المهذب".
وأن يكون حافيًا كما نبه عليه بعضهم ولا شك فيه.
قال في "الإملاء": وأحب لو كان يطوف بالبيت خاليًا أن يقصد في المشي لكثرة خطاه رجاء لكثرة الأجر له.
هذا لفظ "الإملاء" بحروفه ومنه نقلت.
وهي مسألة نفيسة.
والقصد في كلام الشافعي هو المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ 46 وأصله الرفق.
قوله: الأولى أن يطوف ماشيًا لأنه الأكثر من فعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وإنما طاف في حجة الوداع راكبًا ليراه الناس فيستفتوه.
ولو ركب من غير عذر أجزأه ولا كراهة هكذا قال الأصحاب.
قال الإمام: وفي القلب من إدخال البهائم المسجد ولابد من تلويثها
الجزء: 4 - الصفحة: 325
شئ.
فإن أمكن الاستئناف فذاك وإلا فإدخال البهائم المسجد مكروه.
انتهى بلفظه.
تابعه عليه في "الروضة" وذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، وفيه أمور:
أحدها: أن كلامه في "شرح مسند الإمام الشافعي" جازم بالكراهة؛ فإنه قال: نص الشافعي في "الأم" على كراهته، قال: وأما طوافه -عليه الصلاة والسلام- راكبًا فروى عكرمة عن ابن عباس أنه كان لمرض.
انتهى.
ولم يذكر الرافعي في "الكتاب" ما أشار إليه غير ذلك؛ فدل على ما قلناه.
الثاني: أن نقل الرافعي عن الأصحاب عدم الكراهة؛ فقد جزم بها صاحب "التقريب" وهو الإمام الجليل القاسم ابن القفال الشاشي فقال: قال الشافعي: إنما طرف رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من غير مرض؛ لأنه أحب أن يشرف للناس ليسألوه، وليس لأحد من الناس هذا الموضع.
قال: ولا أكره ركوب المرأة ولا حمل الناس إياها في الطواف من غير علة، وأكره ذلك للرجل.
هذا لفظه، ومن "التقريب" نقلت.
وجزم به أيضًا القاضي الحسين والبندنيجي والقاضي أبو الطيب في تعاليقهم، والماوردي في "الحاوي"، وسليم الرازي في "المجرد"، والعبيدي في "الكفاية"، وكذلك الدارمي في "الاستذكار" وسوى في ذلك بين الرجل والمرأة.
ولم يذكر ابن الرفعة في "الكفاية" غير الكراهة؛ فإنه هنا راجع أصول المذهب ولم يراجع الرافعي وجزم بالكراهة أيضًا النووي في "شرح المهذب"
الجزء: 4 - الصفحة: 326
في الفصل المعقود لأحكام المساجد، وأجاب عن طواف النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بأنه كان لبيان الجواز.
قوله: إن إدخال الصبيان في المسجد حرام إن غلب تنجيسهم له، وإن لم يغلب ذلك فهو مكروه.
كذا قاله النووي من "زياداته" في كتاب الشهادات، وادعى أن ذلك مشهور بين الأصحاب.
وأقل مراتب البهائم أن تكون كالصبيان في ذلك فيكون إدخالها محرمًا أو مكروهًا؛ فثبت ما ذكرناه نقلًا ومعنى كراهة الطواف راكبًا بغير عذر، وأن ما نقله الرافعي هنا عن الأصحاب من عدم الكراهة غير مقبول فإنه مخالف لما في كتبهم المشهورة والمهجورة ومخالف أيضًا لنص الشافعي.
ومما يؤيد الكراهة أن الفعل في هذه العبارة لم يؤخذ حقيقة من الراكب بل من الدابة؛ فصار نظير ما إذا استعان في الوضوء بمن يغسل الأعضاء وهو مكروه قطعًا كما قاله في "الروضة" من "زياداته".
وأما طواف النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - راكبًا فقد تقدم الجواب عنه من أوجه، وما أجاب به الشافعي من كونه فعله لمرض فقد نص عليه أبو داود في سننه، وأشار إليه البخاري بقوله: باب المريض يطرف راكبًا، والحديث الذي ذكره الرافعي رواه مسلم 47 منه رواية جابر.
قوله: الثانية: أن يستلم الحجر الأسود بيده في ابتداء الطواف ويقبله ويضع جبهته عليه.
فإن منعته الزحمة من التقبيل اقتصر على الاستلام، فإن لم يكن اقتصر على الإشارة باليد.
انتهى.
الجزء: 4 - الصفحة: 327
تابعه عليه في "الروضة": فيه أمور:
أحدها: أن المراد بالحجر الأسود إنما هو الموضع حتى لو نحى الحجر من موضعه -والعياذ بالله تعالى- استلم الركن الذي كان فيه وقبله وسجد عليه.
كذا نقله في "شرح المهذب" عن الداركي ولم يخالفه.
وهو نظير ما سبق في البداءة بالطواف إلا أنه هناك إذا صح وأما الاستلام فمشكل.
الثاني: أن النووي في المناسك وغيره قد نبه على شئ يغفل عنه كثيرًا فقال: فيحترز عند الاستلام أو التقبيل أن يمر شئ من يديه في الشاذروان عند أخذه في الطواف بل يرجع إلى مكانه قبل الاستلام ثم يطوف.
الثالث: أن تعبير الرافعي يقتضي أنه إذا أمكنه الاستلام يأتي به سواء آذى غيره بالزحام أم لا، وليس كما أطلقه بل فيه تفصيل ذكره الشافعي في "الأم" كما نقله عنه البندنيجي؛ فقد قال في الأم: أحب الاستلام ما لم يؤذ غيره بالزحام إلا في ابتداء الطواف ويستحب له الاستلام وإن كان بالزحام أو في آخر الطواف.
وذكر في "شرح المهذب" أن الأصحاب أطلقوا أنه لا يأتي به.
ثم نقل هذا النص.
قوله: ولا يقبل الركنين الشاميين ولا يستلمهما ويستلم الركن اليماني ولا يقبله.
انتهى.
تابعه عليه في "الروضة".
فيه أمران:
أحدهما: أن المراد بعدم تقبيل الأركان الثلاثة إنما هو نفي كونه سنة، فإن قبلهن أو قبل غيرهن من البيت لم يكن مكروهًا ولا خلاف الأولى،
الجزء: 4 - الصفحة: 328
بل يكون حسنًا.
كذا نقله في الاستقصاء عن نص الشافعي فقد قال الشافعي: وأي البيت قبل فحسن غير أنا أمرنا بالاتباع.
هذا لفظه فتفطن له فإنه من الأمور المهمة.
الأمر الثاني: أن تعبيره يشعر بأنه إذا عجز عن استلام الركن الثاني لا يشير إليه.
وبه صرح ابن أبي الصيف اليمني في نكته على "التنبيه" وفي "مناسكه".
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في "مناسكه" أنه يشير إليه.
قال الطبري في "شرح التنبيه": وهو أوجه قياسًا على الأسود.
قوله: ولو لم يستلم بيده ووضع عليه خشبة ثم قبل طرفها جاز.
وروي عن أبي الطفيل قال: رأيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يطوف بالبيت على بعير ويستلم الركن بمحجن ويقبل الحجر 48. انتهى.
وهذه العبارة قصيرة، بل يستحب فعل ذلك إذا لم يتمكن من الاستلام باليد كما نبه عليه في الروضة.
والمحجن: بميم مكسورة ثم حاء مهملة ثم جيم مفتوحة بعدها نون: عصا محنية الرأس كالصولجان.
جمعها: محاجن.
والحديث ثبت معناه في البخاري.
قوله: ويستحب تقبيل الحجر واستلامه واستلام الركن اليماني عند محاذاتهما في كل طوفة، وهو في الأوتار آكد لأنها أفضل.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة"، وهو يوهم أنه لا يستحب في جميعها كما دل
الجزء: 4 - الصفحة: 329
عليه كلام "المحرر" و"المنهاج"، وصرح به غيره، وكلام أبي حامد في "الرونق" يقتضي أنه لا يستحب إلا في الأوتار خاصة فإنه قال: من السنن تقبيل الحجر في كل وتر، ولم يذكر غير ذلك.
قوله في أصل "الروضة": ويقول بين الركنين اليمانيين: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
انتهى.
واعلم أن هذا الدعاء رواه أبو داود 49 بإسناد لم يضعفه عن عبد الله بن السائب عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعدم تضعيفه يدل على أنه حسن عنده كما تقدم مرات، ولفظه: ربنا آتنا.
أعني: بلفظ الرب لا بلفظ اللهم.
وهكذا ذكره الرافعي في كتبه كلها حتى هذا الكتاب الذي اختصر منه النووي هذه المسألة وهو "الشرح الكبير".
ولا شك أنه إنما وقع له ذلك سهو؛ ولهذا ذكره في "شرح المهذب" على الصواب.
نعم: وقع له في "المنهاج" لأجل وقوعه في "الروضة" لأنه يأخذ منها ما اصطلح عليه فيه من تخريج الوجهين والقولين ومراتب الخلاف قوة وضعفًا، وغير ذلك.
قوله: والرمل هو الإسراع في المشي مع تقارب الخطي يقال له: الخبب، وهو مسنون في الأشواط الثلاثة الأول.
ثم قال: وهل يستوعب الثلاثة بالرمل؟ فيه قولان: أصحهما -وهو المشهور: نعم؛ لما روي أنه -عليه الصلاة والسلام- رمل من الحجر إلى الحجر ثلاثًا ومشى أربعًا 50.
والثاني: لا، بل يتركه بين الركنين اليمانيين؛ لما روى أن أصحاب رسول
الجزء: 4 - الصفحة: 330
الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كانوا يبازون بينهما؛ وذلك أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد شرط عام الصد أن يتخلوا عن بطحاء مكة إذا عادوا لقضاء العمرة، فلما عادوا وفوه بالشرط ورقوا جبل قعيقعان وهو جبل في مقابلة الحجر والميزاب، وكانوا يظهرون القسوة والجلادة حيث تقع أبصارهم عليهم، فإذا صاروا بين الركنين اليمانيين كان البيت حائلًا بينهم وبين أبصار الكفار.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره من الجزم بطريقة القولين قد تبعه عليه النووي في "الروضة" ثم خالفه في "شرح المهذب" فحكى طريقتين: إحداهما: هذه، والثانية: القطع باستحباب التعميم.
ثم قال: وهذا الطريق هو الصحيح المشهور وبه قطع الجمهور.
الأمر الثاني: أن العمرة التي اعتمرها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سنة ست من الهجرة وصده المشركون عنها تسمى عمرة الحديبية، والعمرة التي تليها تسمى عمرة القضاء -أي: الشرط- لأنهم قاضوه -أي: شارطوه- في عام الحديبية على أن يتحلل ويعود في العام القابل، ووقع مع ذلك شروط أخرى.
وتسمى أيضًا عمرة القضية كذلك.
هكذا قاله العلماء.
قالوا: وليس تسميتها هذا الاسم من القضاء بمعنى استدراك العبادة.
ومما يؤيده أن القضاء لا يجب على المحصر.
إذا علمت ذلك فتعبير الرافعي في الاستدلال بقوله إذا عادوا لقضاء العمرة يعتبر مردود.
وصوابه: بعمرة القضاء.
والحديثان المذكوران في الرافعي رواهما مسلم في "صحيحه".
وإنما أخذ الأصحاب برواية التعميم لأنها واردة في حجة الوداع فوجب
الجزء: 4 - الصفحة: 331
الأخذ بها لتأخرها.
واعلم أن البزا بباء موحدة مفتوحة وزاي معجمة بعدها ألف؛ نقول: يبازي فلان في مشيه أي: حرك عجيزته.
ويقال أيضًا: بالراء المهملة من المباراة وهي المسابقة والمجاراة، وهذا الثاني مناسب في المعنى لا الدليل فهو لفظ الحديث.
قوله: وفيم يسن الرمل؟ فيه قولان: أحدهما: في طواف القدوم لأنه أول العهد بالبيت فيليق به النشاط والاهتزاز.
والثاني: أنه إنما يسن في طواف يستعقب السعي لانتهائه إلى مواضع الحركات بين الجبلين.
وهذا أظهر عند الأكثرين، ولم يتعرضوا لتاريخ القولين.
وقال في التهذيب إن الأصح الجديد هو الأول.
انتهى.
وهذا الكلام يقتضي أن المنقول عن الجديد هذا هو المنقول عن الجديد لا غير وأن الفتوى على القديم ليس كذلك؛ فقد نقل البيهقي في "السنن" أن الجديد هو القول الآخر وهو استحبابه في كل طواف يستعقبه السعى، و"البيهقي" أعرف بنصوص الشافعي من البغوي وغيره، وقد راجعت أصل "التهذيب" وهو تعليق القاضي الحسين فلم أر فيه نقل ذلك عن الجديد فلا أدري من أين أخذه.
قوله في التفريع على المسألة: وهل يرمل المكي المنشئ حجه من مكة في طوافه أي: الإفاضة؟ إن قلنا بالقول الأول فلا؛ إذ ليس له طواف قدوم.
وإن قلنا بالثاني فنعم.
انتهى.
وما ذكره مسلم فيما إذا لم يسافر ثم يقدم فإن فعل ففي "شرح التنبيه" للطبري أنه يستحب له ذلك بلا شك لتحققه بالقدوم، ولأن طواف القدوم تحية البيت؛ فاستوى فيه كل قادم سواء أحرم من مكة أو من غيرها.
الجزء: 4 - الصفحة: 332
قوله: ليكن من دعائه في الرمل: اللهم اجعله حجًا مبرورًا وذنبا مغفورًا وسعيًا مشكورًا.
روي ذلك عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- 51. انتهى.
ذكر نحوه في "الروضة".
وفيه أمور:
أحدها: أن هذا الدعاء محله عند محاذاة الحجر الأسود، وأما فيما عداه فيدعو بما أحب.
كذا ذكره الشيخ في "التنبيه"، وأقره عليه النووي في "تصحيحه".
الثاني: أنهما أيضًا أهملا التكبير في أول هذا الدعاء مع أنه مستحب، وقد ذكره الشيخ أيضًا في "التنبيه".
الثالث: أن هذا الدعاء واضح للحاج.
أما المعتمر فالمناسب أن يقول: اللهم اجعلها عمرة مبرورة، ويحتمل أيضًا استحباب التعبير بالحج مراعاة للحديث ويقصد المعنى اللغوي وهو القصد.
الرابع: أنهما سكتا عما يقوله في الأربعة الأخيرة وقد ذكره الشافعي والأصحاب حتى صاحب "التنبيه" فقالوا: يستحب أن يقول: رب اغفر وارحم واعف عما تعلم وأنت الأعز الأكرم، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
ولم [. .] 52 على "المهذب" والحديث المذكور غريب.
وقوله فيه: "وذنبًا" هما منصوبان بإضمار فعل؛ أي: واجعل ذنبي دنبًا مغفورًا وسعيًا مشكورًا.
الجزء: 4 - الصفحة: 333
قوله: وليس في حق النساء رمل ولا اضطباع حتى لا ينكشفن ولا تبدو أعضاؤهن.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الخنثى في ذلك كالمرأة قاله في "شرح المهذب".
والثاني: أن هذه العبارة ليس فيها تصريح بتحريم ذلك ولا كراهته، والمعنى المقتضى للمشروعية وهو كونه دأب أهل الشطارة يقتضي التحريم فيهن لأن ذلك يؤدي إلى تشبههن بالرجال بل بأهل الشطارة منهم، والتشبه حرام.
وعبارة "المحرر" تشعر بذلك فإنه قال: وليس للنساء رمل ولا اضطباع.
وقد عدل في "المنهاج" عن عبارة "الشرح" و"المحرر" إلى عبارة "التنبيه" فقال: ولا ترمل المرأة ولا تضبطع.
وذكر مثلها في "الروضة" أيضًا وعبر في "شرح المهذب" بقوله: لا يشرع لهن.
قوله: ولا تجب نية الطواف في أصح الوجهين لأنه في الحج والعمرة أحد الأعمال فتكفي نية النسك في الابتداء؛ على هذا يشترط أن لا يصرفه إلى غرض آخر من طلب غريم ونحوه في أظهر الوجهين.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور:
أحدها: أن الصرف قد ذكره في مسائل من الحج فقال في الكلام على الوقوف: الخامسة لو حصر بعرفة في طلب غريم له أو دابة نادة كفاه.
قال الإمام: ولم يذكروا هنا الخلاف الذي سبق في صرف الطواف.
ويعد الفرق أن الطواف قربة برأسها بخلاف الوقوف قال: ولا يمتنع
الجزء: 4 - الصفحة: 334
طرد الخلاف فيه والمراد أن الطواف يتقرب به وحده: بدون الحج والعمرة.
وقال في الكلام على ما لو ترك الرمي في أيام التشريق، وزاد الإمام فقال: لو صرف الرمي في قصده إلى غير النسك كما لو رمى إلى شخص أو دابة في الجمرة ففي انصرافه عن النسك الخلاف المذكور في صرف الطواف.
انتهى.
وهذا الذي ذكره في صرف الرمي قد ذكر النووي مثله في "شرح المهذب" وغيره، ولا شك أنه كالوقوف، وما نقله عن الإمام فيه هو عين ما تقدم نقله عنه في الوقوف فيكون الصحيح خلافه؛ فاعلمه.
وقال في الكلام على صفة الرمي ما نصه: ويشترط قصد الرمي؛ فلو رمي في الهوى فوقع في المرمي لم يعتد به.
انتهى.
وهو مخالف للمذكور في الوقوف.
وقد سكت الرافعي عن السعى؛ قال الطبري شارح "التنبيه" إنه كالوقوف.
الثاني: أن الإمام لما ذكر في صرف الوقوف أنه لا يمتنع تخريجه على صرف الطواف زاد بعده زيادة لابد من معرفتها فقال: ولكن الظاهر أنه لا يجزئ.
هذه عبارته.
الثالث: أنا قد استفدنا من تعليل الرافعي أن الطواف المنذور وما يتنفل به الحلال والمحرم وما يأتي به الكي عند مفارقته مكة لابد فيه من النية وهو واضح.
وكلامه وكلام النووي في "شرح المهذب" يقتضي جريان الخلاف في طواف القدوم لأنه من سنن الحج، وتوقف فيه ابن الرفعة.
قال: وأما طواف الوداع المفعول عقب الحج والعمرة فقال أعني ابن الرفعة: تجب فيه النية بلا شك لوقوعه بعد التحلل التام.
وفيما قاله نظر، والقياس تخريجه
الجزء: 4 - الصفحة: 335
على الخلاف الآتي في أنه من المناسك أم لا؟ ، والصحيح أنه منها كما ستعرفه.
قوله: فلو أن الرجل حمل محرمًا من صبي أم مريض أو غيرهما وطاف به نظر إن كان الحامل حلالًا أو محرمًا ولكن طاف عن نفسه حسب الطواف للمحمول بشرطه وإن كان محرمًا ولم يطف به عن نفسه نظر إن قصد الطواف للمحمول فثلاثة أوجه: أظهرها: يقع له دون الحامل وينزل الحامل منزلة الدابة، وهو تخريج على قولنا يشترط أن لا يصرف الطواف إلى غرض آخر.
والثاني: يقع عن الحامل فقط تخريجًا على قولنا لا يشترط ذلك.
والثالث: تحسب لهما جميعًا؛ لأن أحدهما قد دار والآخر قد دير به وأن قصده الطواف عن نفسه وقع عنه.
وهل يقع عن المحمول أيضًا؟ قال الإمام: لا يقع.
وحكى وفاق الأصحاب عليه، وبمثله أجاب فيما إذا قصد الطواف لهما معًا.
وصاحب "التهذيب" حكى وجهين في الحصول لهما.
ولو طاف ولم يقصد واحدًا من الأقسام فهو كما لو قصد نفسه أو كليهما.
انتهى كلامه.
وهو مشتمل على خمسة أقسام فلنتكلم على الترتيب المذكور في الكتاب:
القسم الأول: أن يكون الحامل حلالًا أو محرمًا ولكن طاف عن نفسه.
وقد أجاب فيه بأن الطواف يقع للمحمول بشرطه، وفيما ذكره في هذا
الجزء: 4 - الصفحة: 336
القسم أمور:
أحدها: أن ما قاله من حصول للمحمول صحيح إذا لم ينو الحامل شيئًا أو نوى الطواف عن المحمول.
فأما إذا نواه لنفسه فلا؛ لأن الطواف يصح من غير المحرم.
وإذا كان يصح منه ونواه فكيف يتصور عنه بكونه قد حمل المحرم، بل ينبغي تخريجه على الخلاف الآتي في أنه هل يقع عن الحامل فقط لكونه الفاعل له وهو الصحيح أو يقع لهما.
وهذا الإشكال ذكره ابن الرفعة في "الكفاية"، وهو إشكال صحيح، وكلام المصنف كالصريح في خلافة لأنه ذكر هذا التفصيل فيما سيأتي ولم يذكره في هذه المسألة فاقتضى ذلك إرادة التعميم هنا.
وكذا فعل الرافعي والمصنف في كتابهما.
ثانيها: أنه إذا أحرم بالحج من مكة ثم حمل قبل انتصاف ليلة النحر محرمًا بالعمرة كان حكم هذا المحرم الحامل حكم الحلال بلا شك فكان ينبغي أن يقول: قد طاف عن نفسه أو لم يدخل وقت طوافه.
ثالثها: أن المراد بالحسبان هنا عن المحمول إنما هو الحسبان قد طاف عن نفسه كما كان لو حمل حلال حلالًا بلا شك.
وتعليلهم يدل عليه.
وهذا الكلام يأتي أيضًا في قول الرافعي ولكن قد طاف عن نفسه؛ أي: الطواف الذي يضمنه إحرامه.
وما ذكرناه من أن طواف القدوم فيما يجب فيه ملحق بالفرض لم يصرحوا به هنا ولكنه قياس ما سبق من التحاقه به من عدم الاحتياج إلى النية.
رابعها: أن قوله يشترطه يتناول الطهارة والستر والنية أو عدم العارف
الجزء: 4 - الصفحة: 337
على الخلاف المتقدم.
فإن فقد شئ من هذه الشروط وقع عن الحامل.
وكذلك أيضًا يتناول دخول وقت الطواف كما لو كان محرمًا بالعمرة أو بالحج أو انتصف ليلة النحر، وإنما ذكر المصنف هذا الشرط في أول القسم ليعلم منه إحالة ما بعد عليه؛ فاعلمه.
القسم الثاني: أن يكون الحامل محرمًا ولم يطف عن نفسه وقصد الطواف للمحمول، وقد أجاب فيه الرافعي بأنه قطع الطواف للمحمول في أصح الأوجه، وهو واضح.
القسم الثالث: كالثاني إلا أنه قصد الطواف لنفسه.
وكلام الرافعي يقتضي أن المشهور فيه وقوعه عن نفسه فقد جزم في "الشرح الصغير"، وذكر نحوه في "المحرر"، وكذلك النووي في "المنهاج" وغيره من كتبه.
وكلام الرافعي يقتضي أنه لا فرق في هذا القسم بين أن ينوي المحمول أيضًا الطواف عن نفسه أم لا، وهو كذلك كما صرح به في "شرح المهذب" وغيره.
القسم الرابع: كالثاني أيضًا، إلا أنه قصد الطواف لهما معًا.
وليس في الرافعي هنا ولا في "الروضة" تصريح بتصحيح إلا أنه صحح في "الشرح الصغير"، "المحرر" وقوعه عن نفسه كالقسم الذي قبله، وتبعه عليه النووي في "المنهاج" وغيره، ولكن نص الشافعي في "الأم" و"الإملاء" على وقوعه عنهما على خلاف ما قالاه إلا أنه نص في "الأم" على وقوعه عن المحمول في الإملاء على وقوعه عنهما كذا نقله الروياني عن "البحر"؛ فالنصان متفقان على نفي ما صححاه، وهو هاهنا بخصوصه أظهر من نصه في الإملاء فيجب الأخذ به.
الجزء: 4 - الصفحة: 338
ولا شك أن الرافعي لم يمعن النظر في كتاب الحج خصوصًا في هذه المسألة.
وإنما ظفر فيها بكلام بعض المتأخرين وهو الإمام والبغوى؛ فتفطن لذلك وما نقله عن البغوي هنا عائدًا إلى القسم الثالث والرابع فاعلمه فقد صرح البغوي به، وكلام الرافعي موهم أو محتمل.
القسم الخامس: أن لا يقصد شيئًا، وقد أجاب فيه الرافعي بأنه قد يكون كما لو قصد نفسه أو كليهما.
وهذا الجواب بناه على ما قدره هو من أنه لا فرق بين القسمين، وأما على ما نقلناه من افتراقهما فلا يلحق لها معًا، بل كما إذا قصد نفسه خاصة لأن الشرط عدم الصارف ولم يوجد.
قوله: وقول الغزالي: ولو طاف المحرم بالصبي الذي أحرم عنه، الأولى فيه قرأه أحرم على المجهول لأنه لا فرق بين أن يكون وليه الذي أحرم به أو غيره.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن التعبير بالمجهول قد رأيته كذلك في عدة من نسخ الرافعي وهو تحريف، وصوابه: على المفعول؛ أي: بضم همزة أحرم على البناء للمفعول للعلة التي ذكرها.
الثاني: أن النووي في "الروضة" قد تابعه على أنه لا فرق في الحامل بين الولي وغيره لكن المنقول فيما إذا طاف الصغير راكبًا أنه لا يجزئه إلا إذا كان الولي سابقًا أو قائدًا.
كذا قاله صاحب "البحر" وغيره، وهو هاهنا أولى؛ فتقييد الغزالي بالولي للاحتراز عن غيره فإن فيه هذا التفصيل.
الجزء: 4 - الصفحة: 339
قوله من زوائده: ولو نذر أن يطوف فطاف عن غيره، قال الروياني: إن كان زمن النذر معينًا لم يجز أن يطوف فيه عن غيره، وإن طاف في غيره أو كان زمنه غير معين فهل يصح أن يطوف عن غيره والنذر في ذمته؟
وجهان: أصحهما: لا، كالإفاضة.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره هاهنا من كونه لا يصح في غير الوقت المعين قد ذكر أعني الروياني أيضًا ما يخالفه في الكلام على تقديم حجة الإسلام على غيرها، وقد ذكرته هناك فراجعه.
والمتجه الماشي على القواعد أنه يصح.
الأمر الثاني: أنهما لم يصرحا بحكم انصرافه إلى النذر.
وقياسه على الإفاضة يوهم الانصراف مطلقًا.
وليس كذلك بل القياس انصرافه إذا طاف في وقت النذر المعين أو كان النذر مطلقًا دون ما إذا عينه وطاف قبله.
الجزء: 4 - الصفحة: 340
الفصل الخامس: في السعي
قوله: إذا فرغ من الطواف وركعتيه فينبغي أن يعود إلى الحجر الأسود فيستلمه ليكون آخر عهده بالبيت كما افتتح طوافه به.
انتهى.
وما ذكره من الاقتصار على الاستلام ذكر مثله في بقية كتبه، وكذلك أيضًا النووي وابن الرفعة، وهو الذي رواه مسلم من حديث جابر 53 أيضًا، وذلك كله يقتضي أنه لا يستحب تقبيله ولا السجود عليه.
فإن كان الأمر كذلك فلعل سببه المبادرة إلى السعي.
قوله: ثم يخرج من باب الصفا للسعي ويبدأ بالصفا لأن النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بدأ به وقال: "ابدؤا بما بدأ الله به" 54. انتهى.
واعلم أن هذه اللفظة -أعني: ابدؤا رواها مسلم في صحيحه على أنها مضارع للمتكلم، ورواها النسائي بلفظ الأمر؛ فإسناد هذه الرواية صحيح على شرط مسلم، إلا أن فابدؤا بزيادة فاء العطف في أوله.
واعلم أن من جملة أدلة السعي ما روي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: "يا أيها الناس: اسعوا فإن الله كتب عليكم السعى" 55.
وقد اختلف كلام النووي في "شرح المهذب" في هذا الحديث فقال في
الجزء: 4 - الصفحة: 341
أول الكلام على السعي: رواه الشافعي وأحمد والدارقطني والبيهقي بإسناد ضعيف، وقال في آخره: رواه الدارقطني والبيهقي بإسناد حسن.
قلت: وحسنه أيضًا الشيخ زكي الدين في الكلام على أحاديث "المهذب"، إلا أن الحديث المذكور روي بإسنادين فاعلمه.
قوله: ويرقى على الصفا بقدر قامة رجل حتى يتراءى له البيت.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" و"شرح المهذب" على إطلاق استحباب الرقي على الصفا.
وليس على إطلاقه بل هذا مخصوص بالرجل، أما المرأة فإنها لا ترقى كما هو مذكور في "التنبيه" وأقره عليه النووي في تصحيحه، ومعناه واضح، ولم يذكره في "المهذب" ولا في شرحه.
والعجب من تركهما هذه المسألة.
ولا شك أن الخنثى كذلك.
ولو فصل فيهما بين أن يكون في خلفه محارم وبين أن لا يكون كما قد قيل به في الجهر في الصلاة لم يبعد.
قوله: نعم لا يجوز أن يتخلل بين الطواف والسعي ركن؛ بأن يطوف للقدوم ثم يقف بعرفة، بل عليه إعادة السعي بعد طواف الإفاضة.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة"، وهو يقتضي أمرين:
أحدهما: أن تخلل الواجب لا يقدح وذلك بأن يطوف للإفاضة ثم يرجع إلى منى ويرمي ثم يعود فيسعى، وما اقتضاه كلامه صحيح حتى لا تجب عليه إعادة شئ مما فعل.
الثاني: أن تخلل الحلق لا يضر لأنه ركن على المشهور.
الجزء: 4 - الصفحة: 342
والقول بما دل عليه كلامه يقتضي إما عدم الاعتداد بالحلق وإما وجوب إعادة الطواف وكلاهما بعيد.
والمتجه أن التخلل في المسألة المذكورة لا يضر، وأن هذه المسألة إنما هي مفروضة في طواف القدوم خاصة وإن كان اللفظ مطلقًا؛ ولهذا عبر في المنهاج بقوله: وأن يسعى بعد طواف ركن أو قدوم بحيث لا يتخلل بينهما الوقوف بعرفة.
هذه عبارته فمنع الفصل بالوقوف خاصة، إلا أنه مخالف لما في "المحرر"؛ فإن الذي فيه مثل ما في "الشرح" و"الروضة"، على أن الغزالي في "الوسيط" حكى ترددًا في الفصل بالوقوف أيضًا.
والتردد المذكور وجهان رأيتهما في "شرح التلخيص" للشيخ أبي على السنجي فاعلمه.
قوله: ولا يشترط وقوعه بعد طواف الركن بل لو سعى عقب طواف القدوم أجزأه.
ولا يستحب أن يعيده بعد طواف الإفاضة لأن السعي ليس بقربة في نفسه كالوقوف، بخلاف الطواف فإنه عبادة في نفسه يتقرب بها وحدها.
وعن الشيخ أبي محمد أنه يكره إعادته فضلًا عن عدم الاستحباب.
انتهى.
تابعه عليه في "الروضة"، ومقتضاه أن الصحيح أنه خلاف الأولى، وقد اختلف فيه كلامه في "شرح المهذب" فجزم في الكلام على الإفاضة من منى إلى مكة بأنه يكره، ونقله عن الأصحاب وقال قبل ذلك في الكلام على السعي ما نصه: قال الشافعي والأصحاب: إذا أتى بالسعي بعد طواف القدوم وقع ركنًا ولا يعاد بعد طواف الإفاضة، فإن أعاده كان خلاف الأولى.
الجزء: 4 - الصفحة: 343
وقال الشيخ أبو محمد والإمام وغيرهما: تكره إعادته لأنه بدعة.
هذا كلامه، وليس في "المحرر" ولا في "المنهاج" تصريح بشئ بل فيهما أنه لا يعيده.
قوله: غير أنه لا يتصور وقوع السعي بعد طواف الوداع فإن طواف الوداع هو الواقع بعد فراغ المناسك، فإذا بقي السعي عليه لم يكن المأتي به طواف الوداع.
انتهى كلامه.
تابعه عليه في "الروضة"، وفيه أمور:
أحدها: أن ما قالاه من عدم تصوره وذلك لأن طواف الوداع يؤمر به من أراد الخروج من مكة حلالًا كان أو محرمًا، لكن هل من شرطه أن يخرج إلى مسافة القصر أم لا؟
فيه خلاف مذكور في موضعه؛ وحينئذ فنقول: يتصور ذلك بما إذا أحرم بالحج من مكة ثم أراد الخروج، قيل: فيطوف هذا المحرم للوداع ويخرج لحاجته ثم يعود ويسعى بعد عوده؛ إذ الموالاة بين السعي والطواف غير شرط عندنا.
وهذا التصوير واضح جلي، وقد ذكره صاحب "البيان" والشيخ أبو نصر البندنيجى، وزاد على ذلك فجزما بالصحة وقالا إنه مذهب الشافعي ونقله النووي في "شرح المهذب" عنهما وسلم التصوير، لكنه نازع في الصحة فقال: ولم أر لغيرهما ما يوافقه.
قال: وظاهر كلام الأصحاب أنه لا يجوز إلا بعد القدوم والإفاضة.
وهذا التوقف منه في الصحة مع هذا النقل الصريح مردود.
وما ذكر الأصحاب لطواف القدوم والإفاضة دون غيرها فلأن ذلك هو الغالب، وقد ذكر -أعني: النووي- في "شرح المهذب" كلامًا تدخل فيه هذه الصورة فإنه قال الكلام على دخول البيت ما نصه: ويشترط كون السعي بعد
الجزء: 4 - الصفحة: 344
الطواف صحيح.
هذا لفظه.
وذكر ابن عبدان في شرائط الأحكام مثله.
فإن كان بعد الطواف ما أجزأه عن الفرض وإن لم يكن عقب طواف ما لم يجزئه هذه عبارته.
وتدخل في هاتين العبارتين صورة أخرى؛ وهي ما إذا أحرم المكي بالحج كما فرضنا ثم ينتقل بالطواف وأراد السعي بعده.
وقد صرح الطبري شارح "التنبيه" بالمسألة وجزم بالإجزاء.
قال وروى أن ابن عمر وابن الزبير فعلاه، إلا أن فيها نظرًا، وكلام الرافعي في المسألة المتقدمة يقتضي المنع.
الأمر الثاني: أن الرافعي لما حكم في الصورة التي ذكرها بأن الطواف الذي أتى به على أنه للوداع لا يقع عنه لم يتعرض لصحة السعي بل كلامه يوهم عدم الاعتداد به.
وليس كذلك بل هو صحيح؛ فتفطن له.
وذلك لأنه لا يخلو إما أن يكون قد طاف للإفاضة أم لا؛ فإن طاف صح هذا السعي لتقدم طواف الإفاضة عليه وتراخيه عنه لا يقدح وإن لم يطف وقع هذا الطواف عنه كما صرح به الرافعي وغيره، ويلزم منه الصحة بطريق الأولى.
الأمر الثالث: أن منع الرافعي طواف الوداع عند بقاء شئ من المناسك كيف يستقيم، لأن السعي والحلق لا آخر لوقتهما، ويجوز للحاج أن يخرج من مكة قبل أن يفعلهما؛ وحينئذ فهو محتاج إلى طواف الوداع.
فإذا قال: أنا أخرج وأحلق في بلدى؛ فإن صححنا طواف الوداع بطل ما قاله، وإن لم نصححه لزم لخروج بلا وداع أو وجوب الحلق والسعي قبل الخروج.
الجزء: 4 - الصفحة: 345
الفصل السادس: في الوقوف
قوله: وينبغي للإمام أو منصوبه أن يخطب بمكة في اليوم التاسع من ذي الحجة بعد صلاة الظهر خطبة واحدة يأمر الناس فيه بالغدو إلى منى ويخبرهم بما بين أيديهم من المناسك لأنه -عليه الصلاة والسلام- فعل ذلك.
انتهى.
والمراد بما بين أيديهم أي: في الخطبة الثانية.
كذا ذكره الرافعي بعد هذا في الكلام على الخطبة الثانية المشروعة بنمرة ولكن الصواب عدم التقييد بما بين الخطبتين كما ستعرفه هناك.
والحديث المذكور رواه البيهقي بإسناد جيد كما قاله في "شرح المهذب".
قوله: ويأمر في خطبته المتمتعين أن يطوفوا قبل الخروج للوداع.
انتهى.
وهذه المسألة يأتي الكلام عليها في فصل طواف الوداع إن شاء الله تعالى.
قوله: ويحرم من كان حلالًا على ما سبق في صورة المتمتع أي: في اليوم الثامن وهو المسمى يوم التروية، ثم يخرج بهم الإمام في ذلك اليوم إلى منى.
ومتى يخرج؟ المشهور أنه يخرج بعد صلاة الصبح بحيث يوافقون الظهر بمنى.
وحكى القاضي ابن كج أن أبا إسحاق ذكر قولًا أنهم يصلون الظهر بمكة ثم يخرجون.
انتهى كلامه.
وهذا القول الذي اقتضى كلامه يشعر أنه قد جزم به في أواخر باب وجوب أداء النسكين في أثناء كلام أوله قال: وأما المعسر وقد تقدم ذكر لفظه هناك، وأن الفتوى على المذكور هنا.
الجزء: 4 - الصفحة: 346
واعلم أن الماوردي قد ذكر أن الإمام إذا كان مقيمًا بمنى فيستحب له أن يحرم، ويصعد المنبر محرمًا.
وهذا الذي قاله يستثنى منه قولهم يستحب الإحرام يوم الثامن، وقد توقف فيه "شرح المهذب" فقال ما قاله من إحرام الإمام غريب محتمل.
قوله: قال الشافعي: فإن بنى بها -أي بعرفة- قرية واستوطنها أربعون من أهل الكمال أقاموا الجمعة والناس تبع لهم.
انتهى كلامه.
وما ذكره من إقامة الجمعة في القرية المذكورة وإن كان مسلمًا لكن بناؤها هناك ممتنع على الصحيح، وكذلك في مزدلفة ومنى كما ستعرفه في كتاب إحياء الموات؛ وعللوه بالتضييق فلتتفطن لذلك فإنها إن بنيت لانتفاع الواقفين عامة بها فيحتمل الجواز بعدم الاختصاص بكون ذلك مستثنى؛ ويؤيده اتفاقهم على مسجد الحيف، ويحتمل المنع للتضييق بموضع الجدر.
قوله: في الكلام على الخطبة بنمرة، ويخفف الخطبة بحيث يفرغ منها مع فراغ المؤذن من الإقامة على ما رواه الإمام وغيره من الأذان على ما رواه صاحب "التهذيب" وغيره.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن الأصح هو الوجه الثاني كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير"، والنووي في "شرح المهذب" وغيره من كتبه.
الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" لما اختصر كلام الرافعي فقال من زياداته الأصح الذي قطع به الجمهور هو الثاني فتفطن لما قاله فإنه غريب.
قوله: وإذا كان الإمام مسافرًا فالسنة له القصر، وليقل الإمام إذا سلم: أتموا يا أهل مكة فإنا قوم سفر كما قاله رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
56 انتهى.
الجزء: 4 - الصفحة: 347
السفر: بفتح السين وسكون الفاء.
وقد تقدم إيضاحه في مسح الخف والحديث المذكور رواه مالك في "الموطأ" 57 من قول عمر نفسه وأنه قاله وهو في مكة، وأما رفعه ووروده في نمرة فغريب.
قوله: وأما الأول فلأن صاحب الشامل وطائفة قد ذكروا أن نمرة موضع من عرفات.
وقال الأكثرون: ليست منها.
. . إلى آخره.
تابعه عليه في الروضة فقال: الصواب أن نمرة ليست من عرفات، ولم يذكر غير هذا.
وقد بسط هذا الاعتراض في "شرح المهذب" فقال: وإنما نمرة فليست أيضًا من عرفات بل بقربها.
هذا هو الصواب الذي نص عليه الشافعي في "مختصر الحج الأوسط" وغيره، وصرح به أبو علي البندنيجي والأصحاب، ونقله الرافعي والأكثرون قال: وقال صاحب "الشامل" وطائقة: هي من عرفات.
وهذا الذي نقله غريب ليس بمعروف ولا هو في "الشامل" ولا هو صحيح، بل إنكار للحس؟ ، ولما تطابقت عليه كتب العلماء.
هذا كلامه، والذي ذكره النووي غلط عجيب؛ فإن النقل في "الشامل" كما قاله الرافعي فإنه قال: مسألة: قال الشافعي: ويخطب يوم السابع، ثم قال بعد ذلك: فإذا طلعت الشمس يوم التاسع على تبير راحوا إلى الموقف في أول طلوعها لما روى جابر أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "صلى بمنى صلاة الفجر فلما بزغت الشمس رحل في أول بزوغها إلى عرفات" 58 إذا ثبت هذا فإذا وصل إليها ضرب له خباء أو قبة؛ لأنه روى أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "ضرب له فيه من شعر بنمرة"؛ وهو موضع من عرفات.
الجزء: 4 - الصفحة: 348
هذا لفظ صاحب "الشامل" بحروفه؛ فكأن النووي ذهل عنه لوقوعه ذهولًا.
قوله: واعلم أنه يسن في الحج أربع خطب: إحداها بمكة في المسجد الحرام في اليوم السابع من ذي الحجة، والثانية بعرفة وقد ذكرناها، والثالثة يوم النحر، والرابعة يوم النفر الأول، ويخبرهم في كل خطبة عما بين أيديهم من المناسك وأحكامها إلى الخطبة الأخرى.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على هذه العبارة، وفيها أمران:
[أحدهما] 59: أن ما ذكره في الخطبة الأولى من اقتصار التعليم على ما بينها وبين الثانية من المناسك بخلاف مذهب الشافعي؛ فإنه نص على استحباب تعلم الجميع فقال في "الإملاء" ما نصه: قال الشافعي: وفي الحج أربع خطب: يوم السابع بمكة بعدما يصلي الظهر فيأمر الناس بالمضي إلى منى والإحرام والصلاة بمنى والمسير إلى عرفة وحضور الصلاة بعرفة وغير ذلك من حجة.
هذا لفظه ومن "الإملاء" نقلت، والتي بعدها فكلام الشافعي فيها موافق للمذكور هنا.
الأمر الثاني: أن الخطبة الرابعة لا تدخل في اللفظ الذي عبر به؛ فإنه ليس بعدها خطبة أخرى، وكان الصواب إفراد الرابع بالذكر فيقول كما قال غيره أنه يعلمهم فيها جواز النفر ويودعهم ويوصيهم بالتقوى.
ورأيت في كتاب "الأعداد" لابن سراقة من متقدمي الأصحاب في الباب المعقود -أن خطبة نمرة واجبة، وكذلك ذكره في كتابه المسمى قبل كتاب الزكاة بنحو صفحة فقال: هي وخطبة الجمعة فرضان.
الجزء: 4 - الصفحة: 349
قوله: أن يقفوا عند الصخرات.
. إلى آخره.
هذا في حق الرجل، أما [المرأة] 60 فيستحب أن تقف في حاشية الموقف كما تقف في آخر المسجد.
هكذا نقله النووي في المناسك وفي آخر باب الإحرام من "شرح المهذب" عن الماوردي وأقره.
وقياسه استحباب ذلك في حق الخنثى أيضًا ويكون على الترتيب المذكور في الصلاة، ثم يتعدى النظر إلى الصبيان عند اجتماعهم مع البالغين في وقت واحد.
واعلم أنه يتجه أن يقال: أنه لا يستحب للمرأة فصل الوقوف مع الرجال عند الصخرات وأمر أمرها بمفارقة أهلها الخارجين معها وخيامها الساترة لها والوقوف في حاشية الموقف المؤدي غالبًا إلى ضياع بعضهم من بعض؛ فيبعد جدًا وليس نظير الصلاة.
قوله: وأظهر القولين أن الوقوف راكبًا أفضل؛ اقتداء به - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وليكون أقوى على الدعاء.
والثاني: هما سواء.
نص عليه في "الأم".
انتهى.
تابعه عليه في "الروضة"، وفيه أمران:
أحدهما: أن المرأة مستثناة من استحباب الركوب؛ فإنه يستحب لها أن تكون قاعدة لأنه أستر لها؛ كذا قاله الماوردي، وجزم به النووي في "تصحيح التنبيه".
ولا شك في هذا إذا لم تكن المرأة في هودج ونحوه، فإن كانت كما هو الغالب ففيه نظر، والمتجه الوقوف.
الجزء: 4 - الصفحة: 350
ثم إنهما يستثنيا الخنثى ولا شك أنه كالمرأة.
الأمر الثاني: أن محل هذا الخلاف فيمن لا يحتاج الناس إلى ظهور [من] 61 يستفتي ويقتدي به، فإن كان فالأفضل في حقه الركوب قطعًا.
وكذلك إذا شق عليه الوقوف ماشيًا، أو ضعف عن الدعاء.
قاله في "شرح المهذب".
وحديث وقوفه -عليه الصلاة والسلام- راكبًا في الصحيحين 62.
قوله: ويؤخرون المغرب إلى أن يصلوها مع العشاء بمزدلفة.
ثم قال بعد ذلك: ثم كثر الأصحاب أطلقوا القول بأنه يؤخرهما إلى أن يأتي المزدلفة، ومنهم من قال: ذلك ما لم يخش فوات اختيار العشاء، فإن خاف ذلك لم يؤخر وجمع بالناس في الطريق.
انتهى كلامه.
وهذا القيد الذي نقله عن بعضهم قد نص عليه الشافعي فقال في "مختصر الحج الأوسط" من "الأم" في باب ما يفعل من دفع من عرفة ما نصه: ولا يصلي المغرب والعشاء حتى يأتي المزدلفة فيصليهما فيجمع بينهما بإقامتين ليس معهما أذان، وإن أدركه نصف الليل قبل أن يأتي المزدلفة صلاهما دون المزدلفة هذا لفظ الشافعي بحروفه، وذكر مثله في "الإملاء" أيضًا فقال ما نصه: قال الشافعي: وأكره للرجل إذا دفع من عرفة أن يخرج حتى يأتي المزدلفة، فإن فعل لم يصل المغرب والعشاء قبل نصف الليل حيث أدركه.
انتهى لفظه بحروفه، ومن "الأم" و"الإملاء" نقلت.
ولا اعتبار مع نص صاحبنا بمخالفة غيره فضلًا عن إطلاقه.
الجزء: 4 - الصفحة: 351
وقول الشافعي في "الإملاء": فإن فعل أي: أتى المزدلفة يشعر بأن استحباب التأخير إنما هو لمن كان يقصد الدخول إليها، فإن لم يقصد فلا يستحب له هذا الجمع.
وهي مسألة حسنة ومتجهة في المعنى؛ لأنه إن كان يقصد الدخول إليها فإن لم يقصد فلا يستحب له.
هذا الأولى، والسنة فيه تقديم الثانية فلا يدخل حتى يصلي.
وتأخير النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لمعنى مناسب؛ وهو اشتغاله بفضل النسك، وإن كان مقيمًا فهو إنما يجمع على قول فعله النسك، وهو ما قلناه من قصد مزدلفة، وذلك أيضًا مفقود.
قوله: ويسيرون بسكينة ووقار، فإن وجد بعضهم فرجة أسرع؛ روى أنه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كان يسير حتى دفع العنق، فإذا وجد فرجة نصّ 63.انتهى.
العنق: بعين مهملة بعدها نون مفتوحتين وبالقاف، وهو ضرب من السير فيه إسراع يسير.
والنص: بفتح النون وبالصاد المهملة [على هنه] *.
والفرجة: بضم الفاء وفتحها، ويقال: فرج بلا هاء أيضًا.
وروي في الحديث "فجوة" بدل "فرجة" والفجوة: هو المكان المتسع يخرج إليه من مضيق.
والحديث في الصحيحين.
قوله: ولو فرض النوم في أشواط وبعضها على هيئة لا تنقض الوضوء
الجزء: 4 - الصفحة: 352
قال الإمام: هذا يقرب من صرف الطواف إلى طلب الغريم.
قال: ويجوز أن يقطع بوقوعه موقعه.
انتهى ملخصًا.
والأصح: صحة الطواف.
كذا صححه النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة"، ونقل المسألة من هنا إلى فصل الطواف؛ لأنه اللائق بها.
قوله في "أصل الروضة": ولو حضرها ولم يعلم أنها عرفة، أو حضر مغمى عليه أو نائمًا أو دخلها قبل وقت الوقوف ونام حتى خرج الوقت أجزأ على الصحيح.
قلت: الأصح عند الجمهور: لا يصح وقوف المغمى عليه.
والله أعلم.
انتهى كلامه.
والذي نقله في "الروضة" عن الرافعي من صحة وقوف المغمى عليه سهو فإن المذكور فيه أنه لا يصح، فإنه قال: الرابعة: لو حضر وهو مغمي عليه لم يجزءه؛ لفوات أهليه العادة؛ ولهذا لا يجزئه الصوم إذا كان مغمي عليه طول نهاره.
وفيه وجه أنه يجزئه اكتفاء بالحضور.
هذا لفظه.
وذكر أيضًا مثله في "الشرح الصغير"؛ فانعكس هذا الكلام عليه، ثم ظهر له مخالف للأكثرين فاستدركه عليه ظنًا منه أن الرافعي قاله ونقله عنه أيضًا في "شرح المهذب"، ثم رد عليه فيه أيضًا، وسببه ما تقدم مرات أن "الروضة" لخصها قبل شروعه في "شرح المهذب" فكان ينقل من الرافعي مما لخصه فيها من كلامه معتقدًا عدم تغييره.
ووقع ابن الرفعة أيضًا في هذا الغلط، وكأنه اعتمد هنا على "الروضة" في النقل عن الرافعي كما تعمده كثير من الطلبة.
الجزء: 4 - الصفحة: 353
قوله: ولو حضر مجنونًا لم يجزئه.
قال في "التتمة": لكن يقع نفلًا كحج الصبي الذي لا يميز.
ومنهم من طرد فيه الوجه المنقول في الإغماء.
انتهى.
وهذا الذي نقله عن "التتمة" وأقره عليه من وقوعه نفلًا قد تابعه عليه النووي في "الروضة" و"شرح المهذب"، وهو خلاف مذهب الشافعي؛ فقد نص في "الأم" وغيرها على فوات الحج بالإغماء وحينئذ فيلزم الفوات في المجنون بطريق الأولى، فقال في باب الإحصار بالمرض وغيره ما نصه: قال الشافعي: ومن لم يدخل عرفة إلا مغمي عليه لم يعقب ساعة ولا طرفة عين وهو بعرفة فقد فاته الحج.
هذا لفظه بحروفه ومن "الأم" نقلت، ونص عليه أيضًا في "الإملاء" فقال: قال الشافعي: وأقل إدراك الحاج الحج أن يدخل عرفة.
ثم قال ما نصه: فإذا دخلها ليلًا أو نهارًا واقفًا أو غير واقف نازلًا وسائرًا في بعض هذه الأوقات فقد أدرك الحج.
وإن لم يدخلها في شيء من هذه الأوقات أو دخلها مغمي عليه لا يعقل في شيء من هذه الأوقات فقد فاته الحج.
هذا لفظه بحروفه، ومن "الإملاء" نقلت.
وجزم الشيخ في "التبيه" بمثله أيضًا فقال: ومن فاته الوقوف بعرفة أو وقف وهو مغمي عليه فقد فاته الحج.
ولم يستدرك عليه النووي في تصحيحه.
ورأيت في "التقريب" مثله أيضًا، ومقتضى كلامه جريانه في الحلق إذا جهلناه ركنًا.
وقد صرح صاحب "التقريب" نقله أيضًا عن الشافعي في المجنون.
الجزء: 4 - الصفحة: 354
قوله: إحداهما: وقت الوقوف يدخل بزوال الشمس يوم عرفة ويمتد إلى طلوع الفجر يوم النحر.
وقال أحمد: يدخل وقته بطلوع الفجر يوم عرفة؛ لما روي عن عروة بن مضرس الطائي أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "من صلى معنا هذه الصلاة يعنى الصبح يوم النحر وأتى عرفات قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه وقضى تفثه" 64.
ثم قال: ولنا وجه أنه يشترط كون الوقوف بعد الزوال وبعد مضى إمكان صلاة الظهر.
انتهى.
مضرس: بميم مضمومة وضاد معجمة مفتوحة ثم راء مشددة مكسورة بعدها سين مهملة.
والتفث: هو المشار إليه بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ 65. الآية.
وهو ما يفعله المحرم عند تحلله من إزالة الشعث والوسخ والحلق وقلم الأظفار ونحوها.
والحديث المذكور رواه أصحاب السنن الأربعة بأسانيد صحيحة، وقال الترمذي: حسن صحيح.
واعلم أنا إن تمسكنا بالحديث فيقوى مذهب الحمل، وإن تمسكنا بالفعل
الجزء: 4 - الصفحة: 355
فيقوى الوجه الآخر، ويكون نظير ما قالوه في الأضحية فالذي ذهب إليه الجمهور مخالف للدليل القولي والفعلي.
قوله في "الروضة": فلو اقتصر على الوقوف ليلًا صح حجه، وقيل: فيه قولان.
انتهى.
وقد حكى الرافعي -رحمه الله- طريقة ثالثة عن رواية الإمام فقال: وعن شيخه أن الخلاف مخصوص بما إذا أنشأ الإحرام ليلة النحر، فإذا لخص ذلك خرج منه ثلاثة أوجه أصحها: يكون مدركًا سواء أحرم قبل ليلة العيد أو فيها.
والثاني: لا على التقديرين.
والثالث: أنه مدرك بشرط تقديم الإحرام عليهما.
انتهى ملخصًا.
فحذف النووي ذلك.
قوله: وإن دفع قبل الغروب ولم يعد ليلًا ففي وجوب الدم قولان؛ قال المحاملي والروياني: أصحهما: لا يجب؛ بل يستحب بحديث عروة المتقدم ونقله الكرخي عن الجديد وقطع به بعضهم، وفي "التهذيب" أن الجديد هو الوجوب.
انتهى ملخصًا.
ليس فيه هاهنا تصريح بتصحيح، وقد صرح في أوائل الفصل الثامن المعقود لمبيت منى بأن الراجح قول الاستحباب، وصرح بتصحيحه هاهنا في "الشرح الصغير" و"المحرر" وعبر فيهما بالأصح وصححه أيضًا النووي في "أصل الروضة" و"شرح المهذب" وفي غيرهما من مشاهير كتبه، ثم خالف في "المناسك الكبرى" وصحح وجوبه مع تصحيحه فيها أن الجمع بين الليل والنهار لا يجب.
وهو ذهول.
الجزء: 4 - الصفحة: 356
قوله في أصل "الروضة": وإذا قلنا بالوجوب في مسألتنا فعاد ليلًا فلا دم على الأصح.
انتهى كلامه.
وما جزم به هاهنا تبعًا للرافعي من طريقة الوجهين قد خالفه في "شرح المهذب" فإنه حكى فيه طريقين وصحح طريقة القطع فقال: ففي سقوط الدم عنه طريقان: أصحهما وبه قطع المصنف والعراقيون وطائفة من غيرهم يسقط؛ لما ذكره المصنف.
والثاني حكاه الخراسانيون: فيه وجهان: أصحهما هذا، والثاني: لا يسقط.
هذا لفظه.
ووقع في "المنهاج" كما وقع في "الروضة".
قوله: فإن أخطأوا فوقفوا العاشر نظر إن تبين قبل الزوال فوقفوا بعده فقد قال في "التهذيب": المذهب أنه لا يجزئهم لأنهم وقفوا على يقين الفوات، وهذا غير مسلم لأن عامة الأصحاب ذكروا أنه لو قامت البينة على رؤية الهلال ليلة العاشر وهم بمكة لا يتمكنون من حضور الموقف بالليل يقفون من الغد.
فإذا لم يحكم بالفوات فقيام الشهادة ليلة العاشر لزم مثله في اليوم العاشر.
انتهى.
تابعه في "الروضة" عليه.
وعبارتهما تشعر بأنهما لم يقفا على التصريح بذلك لغير البغوي.
وقد صرح القاضي الحسين في تعليقه بالمسألة وخرجها على وجهين في مسألة، ولم يصرح فيها بترجيح.
الجزء: 4 - الصفحة: 357
الفصل السابع: في أسباب التحلل
قوله: ومبيت مزدلفة نسك، فإن دفع منها بعد انتصاف الليل فلا شيء عليه معذورًا كان أو غير معذور؛ لأن سودة 66 وأم سلمة 67 أفاضتا في النصف الأخير بإذن رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولم يأمرهما بالدم.
وإن دفع قبل انتصاف الليل وعاد قبل طلوع الفجر فلا شيء عليه أيضًا.
انتهى كلامه.
وليس فيه تصريح بالمقدار الذي يحصل به المبيت، وفيه أربعة أقوال:
أحدها: معظم الليل كما لو حلف لا يبيت في موضع فإنه لا يحنث إلا بأن يقيم فيه المعظم.
والثاني: أن المعتبر هو الحصول بها حال طلوع الفجر.
وهذان القولان حكاهما الرافعي في الكلام على مبيت منى استطرادًا.
وصحح الأول منهما وعبر بالأظهر؛ فاعلمه.
إلا أنه استشكله على القول بوجوب المبيت من جهة أنهم لا يصون مزدلفة إلا قريبًا من ربع الليل والدفع منها بعد انتصاف الليل جائز كما سبق فيلزم أن لا يحصل المعظم بالضرورة.
والقول الثالث: أن يحصل بلحظة من النصف الثاني لا بكونه يسمى مبيتًا؛ فإن الأمر بالمبيت لم يرد هنا، بل لما تقدم، في تقرير إشكال
الجزء: 4 - الصفحة: 358
الرافعي بخلاف المبيت بمنى فإنه لابد فيه من المعظم.
والرابع: يحصل بساعة من نصف الليل وطلوع الشمس.
وهذان القولان حكاهما في "الروضة"، وصحح الأول منهما وهو الذي عبرنا عنه هنا بالثالث.
وحديث تقديم سودة رواه البخاري ومسلم مع أحاديث تتعلق بتقديم غيرها أيضًا.
وحديث تقديم أم سلمة رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم.
قوله: فإن لم يعد وترك مبيت مزدلفة أراق دمًا.
ثم قال: وهل هو واجب أو مستحب فيه طرق: أظهرها: أنه على قولين كما ذكرنا في الإفاضة من عرفة قبل الغروب.
انتهى وفيه أمران:
أحدهما: أن هذا التنظير قد ذكره أيضًا في "المحرر" و"الشرح الصغير"، ومقتضاه ترجيح عدم وجوبه لأنه الصحيح في الإفاضة من عرفة.
إذا علمت ذلك فقد استدرك النووي عليه في "الروضة" فقال من زياداته: الأظهر وجوبه.
ثم إنه ارتضى ذلك في "مختصر المحرر" فلم يستدرك عليه.
واعلم أن الرافعي لما ذكر هذه المسألة في "المحرر" قال: وفي كون الدم واجبًا أو مستحبًا مثل الخلاف المذكور في عرفات، فلما اختصره النووي قال: وفي وجوبه القولان.
ولم يذكر غير ذلك وهو غريب؛ فإنه ذكر هذه المسألة في أول فصل بحيث لم يتقدم للقولين ذكر في ذلك الفصل، وهو من المواضع التي يسأل عنها في "المنهاج".
الجزء: 4 - الصفحة: 359
الأمر الثاني: أن يقتضي كلامه أنه لا فرق في إيجاب الدم بين المعذور وغيره لأن كلامه في المسألة السابقة يدل على إرادة القسمين.
وليس كذلك لما ستعرفه في الكلام على مبيت منى.
قوله: وينبغي أن يأخذوا من المزدلفة الحصى للرمي.
ثم قال ما نصه: ولو أخذوا من موضع آخر جاز لكن يكره الأخذ من المسجد لأنه فريضة، ومن الحش لنجاسته، ومن المرمي؛ لما قيل: إن من يقبل حجه يرفع حجره وما لقي فهو مردود.
انتهى.
تابعه عليه في "الروضة" وفيه أمور:
أحدها: أنه أهمل موضعًا رابعًا يكره الأخذ منه نص عليه الشافعي ونقله عنه النووي في "شرح المهذب" في الكلام على مبيت مزدلفة فقال: قال الشافعي والأصحاب: يكره أخذ حصى الجمار من أربعة مواضع: من المسجد، والحش، والحل، والجمار التي يرمي بها غيره.
انتهى.
ونص الشافعي في "الأم" على كراهة أخذه من كل موضع نجس سواء كان حشًا أو غيره.
انتهى.
والحش: بفتح الحاء المهملة وبالشين المعجمة: هو المرحاض، وجمعة: حشوش، وأصله في اللغة البستان ثم أطلق على هذا المعنى لأن العرب كانت تقضي حاجتهم في البساتين والحدائق.
الأمر الثاني: أن النووي قد جزم في باب الغسل من "شرح المهذب" بتحريم إخراج الحصى من المسجد، فقال في الفصل المعقود لأحكام المساجد ما نصه: ولا يجوز أخذ شيء من أجزاء المسجد كحصاه وحجر وتراب وغيره.
وقد يحرم التيمم بترابه.
ومثله الشمع والزيت.
الجزء: 4 - الصفحة: 360
وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح أن النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "إن الحصاة لتناشد الذي يخرجها من المسجد" 68.
هذا كلامه.
وهو عكس ما قاله في الحج.
إلا أن يقول قائل: مراده أنه إذا أخرجها من المسجد ورمى بها فتتبعها في المرمي بأعيانها ويعيدها إليه.
وهو في غاية البعد عن كلامه، وفي نهاية العسر.
وبتقديره فنفس الإخراج حرام كما اقتضاه كلامه، وفي نهاية العسر.
وبتقديره فنفس الإخراج حرام كما اقتضاه كلامه أولًا ودل عليه الحديث.
وقد سبق في كلامه هناك وهنا مصير عجبًا من منعه التيمم وتجويزه أخذ الحصى.
وما أشبه هذا بقول الحسن البصري لأهل العراق: تستحلون دم الحسين وتسألون عن دم البراغيث.
الأمر الثالث: إطلاقهم يقتضي بقاء الكراهة إذا غسل المأخوذ من الموضع النجس لأخذه إياه من مكان مستقذر ويؤيده أنهم نصوا على استحباب غسل الجمار قبل الرمي بها سواء أخذه من موضع نجس أم لا، فلو لم تبق الكراهة بعد الغسل لكان يلزم أن لا يصح قولهم، ويكره الرمي بها مع قولهم يستحب الغسل، وما أشار إليه الرافعي من رفع الحصى الثقيل فرواه الدارقطني والبيهقي من رواية أبي سعيد الخدري مرفوعًا لكن بإسناد ضعيف.
قال البيهقي: ويروى من وجه آخر ضعيف أيضًا عن ابن عمر مرفوعًا.
قال: وإنما هو مشهور عن ابن عباس موقوفًا عليه.
الجزء: 4 - الصفحة: 361
ولأجل ما ذكرناه عبر الرافعي بقوله: لما قيل.
قوله: ثم الجمهور قالوا ببرود الحصى ليلًا قبل أن يصلي الصبح.
وفي "التهديب": أخر أخذها عن الصلاة.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة"، والذي قاله البغوي هو الصواب نقلًا ودليلًا؛ فقد رأيته منصوصًا عليه في "الأم" و"الإملاء".
وروى النسائي والبيهقي بإسناد صحيح على شرط مسلم كما قاله في "شرح المهذب" أن رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال للفضل بن العباس غداة يوم النحر: "التقط لي حصى فالتقطت له حصيات مثل حصى الحذف" 69.
قوله: ويرمون سبع حصيات إلى جمرة العقبة وهي في حضيض الجبل مترقية عن الجادة.
انتهى.
حضيض: بحاء مهملة وبضادين معجمتين.
قال الجوهري: هو قرار الأرض عند منقطع الجبلين.
والمترقية، بالتاء المثناة من فوق وبالقاف، من الرقي وهو الارتفاع؛ أي: مرتفعة عن الطريق.
والجادة: الطريق التي يسلكها غالب الناس.
والجمع: الجواد.
قوله: فأحد القولين أن الحلق ليس بنسك وإنما هو استباحة محظور لأن كل ما لو فعله قبل وقته كان استباحة كالطيب واللبس.
وأصحهما وبه قال مالك وأبو حينفة وأحمد أنه نسك مثاب عليه؛ لأن الحلق أفضل من التقصير، والتفضيل إنما يقع في العبادات دون المباحات.
انتهى كلامه.
الجزء: 4 - الصفحة: 362
وهو صريح في أن الطيب مباح لا ثواب فيه وإلا لم يصح قياس القول الأول عليه ليس كما قال، بل المنقول استحبابه بين التحللين؛ لرواية عائشة، ونص عليه الشافعي في "الأم" وجزم به هو أعني الرافعي في آخر المسألة، ووقع هذا الاختلاف للنووي أيضًا؛ فإنه ذكر في "شرح المهذب" ما ذكره الرافعي من القياس المذكور وجزم في "الروضة" باستحبابه.
واعلم أنا قد استفدنا من استحباب الطيب أنه لا يلزم من كون الشيء استباحة محظور أن ينتفي عنه الثواب؛ ولهذا قال في "الوسيط": إذا جعلنا الحلق استباحة محظور كان مستحبًا يلزم بالنذر بلا خلاف، وفيه كلام آخر ستعرفه.
قوله في "أصل الروضة": فإن قلنا: إن نسك فهو ركن لا يجبر بالدم.
انتهى.
وحكى الرافعي بعد هذا في الكلام على ما يحصل به التحلل عن الداركي أن الحلق ليس بركن إذا جعلناه نسكًا، وأسقط النووي هذا الوجه، وذهب الشيخ أبو حامد وجماعة إلى أنه ركن في العمرة واجب في الحج.
فحصلنا على خمسة أوجه.
قوله: لكن الحلق أفضل؛ لقوله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "رحم الله المحلقين.
فقالوا يا رسول الله والمقصرين؟ فقال في الرابعة: والمقصرين" 70. انتهى.
وما أطلقه من تفضيل الحلق قد تبعه في "الروضة" وهو في الحج صحيح.
وأما العمرة ففيها تفضيل نص عليه الشافعي في "الإملاء" ذكره في أثناء كتاب الحج قبل آخره بنحو خمسة عشر ورقة فقال ما نصه: قال الشافعي: ومن قدم معتمرًا قبل الحج في وقت إن حلق فيه حمم رأسه حتى لا يأتي
الجزء: 4 - الصفحة: 363
عليه يوم النحر إلا وثم شعر يحلق أحببت له أن يبتدئ الحلاق بفصل الحلاق، وإني لا أدري لعله لا يدرك حلاق الحج.
وإن قدم يوم التروية أو يوم عرفة في وقت إن حلق فيه لم يحمم رأسه إلى يوم النحر اخترت له أن يقصر ليحلق يوم النحر، ولو حلق لم يكن عليه شيء.
هذا لفظه بحروفه ومن "الإملاء" نقلته.
وهي مسألة نفيسة.
وحمم: بحاء مهملة وميم مفتوحة مشدودة، ومعناه: أسود من الشعر؛ مأخوذًا من الحممة؛ وهي الفحم.
ويؤيد التقصير أيضًا أنه إذا تعاطاه المعتمر المذكور لزم أن يقوم في كل نسك بواجب من الحلق أو التقصير فيثاب ثواب الواجب ويدخل في دعوة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالفعلين معًا.
بخلاف ما لو حلق في العمرة.
والحديث الذي ذكره المصنف رواه الشيخان.
قوله: والنساء لا يؤمرن بالحلق؛ لما روي أنه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "ليس على النساء حلق وإنما يقصرن" 71. انتهى.
وتعبيره بعدم الحلق ذكر مثله في "الروضة"، وليس فيه تصريح بكونه حرامًا أو مكروهًا أو خلاف الأولى أو مباحًا، وقد تعرض له في "شرح المهذب" فحكى فيه وجهين:
الجزء: 4 - الصفحة: 364
أصحهما: أنه مكروه.
والثاني: يحرم لأنه مثلة في حقهن وقد نهي الشارع عنها.
وأيضًا فلما رواه على أن رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "نهى أن تحلق المرأة رأسها" 72، رواه الترمذي وقال: أنه مضطرب.
ثم نقل أعني النووي على أبي الفتوح أن الخنثى في ذلك كالمرأة، وما أطلقه النووي وغيره من الكراهة يتجه تقييده بثلاث شروط وهي: أن تكون كبيرة حرة خلية عن الأزواج؛ فإن كانت صغيرة لم تنته إلى سن يترك فيه شعرها فالمتجه أنها كالرجل في استحباب الحلق.
وإن كانت أمة فإن منعها السيد من الحلق حرم بلا نزاع، ويعدل إلى التقصير؛ لأن الشعر ملكه، ولأنه قد يقصد الاستمتاع بها أو بقصد بيعها والحلق ينقص القيمة.
وإن لم يمنع ولم يأذن فالمتجه التحريم أيضًا لما ذكرناه.
ثم المتجه فيما إذا قصرت امتناع الزيادة على ثلاث شعرات إلا بإذن وإن كانت حرة إلا أنها متزوجة جاز لها تقصير الجميع وإن منع الزوج؛ لأن لها غرضًا في حصول هذه السنة، ولا ضرر على الزوج فيه.
وأما الحلق فيمتنع الجزم بامتناعه لأن فيه تشويهًا، ويحتمل تخريجه على الخلاف في إجبارها على ما يتوقف عليه كما الاستمتاع كإزالة الأوساخ ونحوه.
والصحيح أن له إجبارها عليه، وفي التحريم عليها عند منع الوالد نظر.
والأوجه.
وحكم التقصير فيما زاد على الأنملة كحكم الحلق؛ لأنه لا ينضبط؛ فلو
الجزء: 4 - الصفحة: 365
جوزنا زيادة عليه لكان يؤدي إلى ما ذكرناه من التشويه.
والحديث الذي ذكره الرافعي رواه أبو داود بإسناد حسن.
قوله: وإذا حلق فالمستحب أن يبدأ بالشق الأيمن ثم بالأيسر، وأن يكون مستقبل القبلة وأن يكبر بعد الفراغ وأن يدفن شعره.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره من البداءة بالشق الأيمن هل المراد أنه يستوعبه من مقدمه إلى مؤخره أم يفعل ذلك أولا بالمقدم ثم يفعله بالمؤخر؟ اختلف فيه كلام النووي فقال في "مناسك الحج الكبرى" ما نصه: والسنة في صفة الحلق أن يستقبل المحلوق القبلة ويبدأ الحالق بمقدم رأسه فيحلق منه الشق الأيمن ثم الأيسر ثم يحلق الباقي.
هذا كلامه.
وقال في "شرح المهذب": السادسة: قال أصحابنا: يستحب أن يبدأ بحلق شق رأسه الأيمن من أوله إلى آخره ثم الأيسر.
هذا لفظه وهو الموافق لكلام الأصحاب وللحديث الصحيح.
الأمر الثاني: أن المراد بالذي يستقبل القبلة إنما هو المحلوق له لا الحالق كما صرح به في "شرح المهذب" ولفظ الرافعي و"الروضة" محتمل للمحلوق والحالق، وكذلك لفظ الرافعي بالنسبة إلى الكبير عند فراغه وأن يدفن شعره.
ثم قال: التكبير ولم أر فيه نقلًا صريحًا.
الأمر الثالث: أن النووي قد نسى التكبير فلم يذكره في "الروضة" ووقع له بسبب نسيانه غلط فأحسن في "شرح المهذب" فإنه ذكر ما في "الروضة" ثم قال بعده: قال صاحب: "الحاوي": في الحلق أربع سنن: أن يستقبل القبلة، وأن يبدأ بشقه الأيمن، وأن يكبر عند فراغه، وأن يدفن شعره.
الجزء: 4 - الصفحة: 366
ثم قال: وهذا كلامه، وهو حسن إلا التكبير عند فراغه؛ فإنه غريب، وقد استحب التكبير أيضًا البندنيجي، ونقله صاحب "البحر" عن أصحابنا.
انتهى.
فانظر كيف استغرب استحبابه مع أنه مجزوم به في الرافعي؛ وسببه ما أشرنا إليه مرات من كونه ينقل من "الروضة" ويعزوه إلى الرافعي، وقد سري هذا الوهم أيضًا إلى المناسك؛ فإنه عد المستحبات كما وقع في "الروضة" خاصة ولم يذكر التكبير.
قوله في "الروضة": ولو حلق ثلاث شعرات في دفعات أو أخذ من شعره واحدة شيئًا ثم عاد ثانيًا فأخذ منها ثم ثالثًا فأخذ، فإن حملنا الفدية به لو كان محصورًا حصل النسك وإلا فلا.
انتهى كلامه.
ذكر الرافعي نحوه أيضًا.
وهذه المسألة المحال عليها وهي تكميل الفدية قد ذكرها الرافعي في آخر النوع السادس من محرمات الإحرام، ونقلها النووي إلى آخر النوع السابع، وصححا معًا أن الدم لا يكمل بل يجب في كل منها ما يجب فيه لو انفرد وهو المدون بالعاقي في ذلك حتى اقتضى كلامهما تصحيح القطع به، وحينئذ فلا يحصل به النسك أيضًا على الأصح المقطوع به.
وقد خالف ذلك في "شرح المهذب" فقال: فلو حلق أو قصر ثلاث شعرات في ثلاثة أوقات أجزأه وفاتته الفضيلة، هذا هو المذهب.
انتهى لفظه.
ثم نقل بعد ذلك ما قاله هو في "الروضة" تبعًا للرافعي عن الإمام خاصة وأن الرافعي يخصه فقال كذا وكذا، وهو تباين فاحش، على أن الرافعي هنا لم يصرح بالمنع على القول بعدم تكميل الفدية، بل إنما يؤخذ من مفهوم كلامه، وإنما النووي هو الذي صرح به حالة الإحصار.
الجزء: 4 - الصفحة: 367
قوله: ومن لا شعر على رأسه يستحب له إمرار الموسي على الرأس تشبها بالحالقين.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على هذا التعبير، وهو يقتضي أنه إذا كان على بعض رأسه شعر لا يستحب له إمرار الموسي على الباقي، والقياس خلافه لأنه كما يستحب الحلق في الجميع يستحب إمرار الموسي عليه للمعنى الذي قالوه وهو التشبيه.
قوله: أما إذا نذر الحلق في وقته فإنه متعين ولم يقم التقصير مقامه ولا النتف ولا الإحراق.
انتهى كلامه.
ذكر في "الروضة" نحوه، وعبر في "شرح المهذب" بعدم الإجزاء.
وهذه العبارات مجملة إذ يحتمل أن يكون المراد عدم الجواز فقط، ويحتمل عدم حصول التحلل أيضًا.
وعلى كل من التقديرين، فإذا زال الشعر جميعه بغير الحلق فهل يبقى الحلق أيضًا في ذمته حتى يتعلق بالشعر المستحلق تداركًا لما التزمه أو لا يتعلق به؛ لأن النسك إنما هو في إزالة شعر اشتمل عليه الإحرام كما قاله الرافعي فيه نظر، والمتجه الأول وهو عدم الجواز؛ فإنه إذا نذر صفة في واجب لم تقدح تلك الصفة في الاعتداد بذلك الواجب كما لو نذر الحج ماشيًا وقلنا بوجوب المشي فركب.
قوله في "الروضة": وفي وجه غريب لا يلزم الحلق بالنذر إذا لم يجعله نسكًا.
انتهى كلامه.
وحاصله أن الصحيح المعروف أن الحلق يلزم بالنذر وإن قلنا: إنه ليس بنسك، وهذا مشكل؛ لأن النووي جازم بأن الحلق لا ثواب فيه إذا فرعنا على هذا القول أي: كونه ليس نسكًا.
هكذا قاله في "شرح المهذب" وغيره وصرح به الرافعي أيضًا.
الجزء: 4 - الصفحة: 368
وإذا لم يثبت عليه فكيف يلزم بالنذر مع اتفاقهم على أن النذر لا يصح إلا في قربة.
وبالجملة فالذى ذكره في "الروضة" غير مطابق لكلام الرافعي؛ فإن الرافعي قد قال ما نصه: وقوله يعني الغزالي لا خلاف في أنه مستحب يلزم بالنذر ليس صافيًا عن الإشكال لأن التوجيه الذي مر يقتضي كونه من المباحات على قولنا أنه ليس بنسك وقد ذكر غيره أنه إنما يلزم بالنذر على قولنا أنه نسك.
هذا لفظ الرافعي، ولم يذكر في هذه المسألة غيره، وذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، وهو صريح في إنكاره؛ وليوضح ذلك فيقول: قد علمت أن الغزالي ذهب إلى استحبابه على القول بأنه ليس بنسك، ويلزم من استحبابه لزومه بالنذر، ونزاع الرافعي ليس في الوجوب على تقدير تسليم الاستحباب بل إنما نازع في الاستحباب المقتضي للوجوب؛ ولهذا عبر بقوله لأن التوجيه الذي مر يقتضي كونه من المباحات فتأمله.
. إلى آخره.
وحاصل ما يستفاد من سياقه رجحان الإباحة وعدم الوجوب، وهو كلام صحيح.
وأما ما صححه النووي من الوجوب بناء على أنه ليس من المناسك فلا يستقيم؛ لأنه إن كان تفريعًا على أنه مستحب فهو تفريع صحيح غير أنه لا يقول هو به فإنه قد صرح في "شرح المهذب" وغيره فعبر بعدم الثواب كما تقدم نقله عنه في المسائل السابقة، وإن كان مع القول بالإباحة فلا يستقيم لأن اللازم بالنذر إنما هو المستحب دون المباح؛ فالصواب إما أن يقول باستحبابه ولزومه بالنذر أو بإباحته وعدم لزومه.
الجزء: 4 - الصفحة: 369
وأما الجمع بين الإباحة واللزوم فمما لا يعقل.
وأما كلام الرافعي فمستقيم كما سبق لأن إشعاره بعدم الوجوب بالنذر موافق لتصريحه بالإباحة تفريعًا على ذلك القول.
واعلم أن نذر الحلق له ثلاثة أحوال:
أحدها: أن لا يعين مقدارًا، بل يطلق الحلق فيكفي حلق ثلاث شعرات عند من أوجبه.
الحال الثاني: أن يصرح بالاستيعاب؛ قال الرافعي: ففيه تردد عن القفال ولها أجوبة تذكر في النذر، وأشار بذلك إلى ما إذا نذر استيعاب الرأس بمسح الرأس في الوضوء ونحوه، والأصح فيه اللزوم.
وهذه المسألة لم يذكرها في "الروضة".
الحال الثالث: أن يعبر بالحلق مضافًا فيقول لله تعالى على حلق رأسي، والمتجه أنه كتصريحه بالجميع للعرف، ويحتمل إلحاقه بما إذا قال: على الحلق أو أن أحلق.
وتدل عليه الآية.
قوله: وأعمال الحج يوم النحر أربعة: جمرة العقبة، والذبح، والحلق، والطواف.
انتهى.
لم يتعرض هنا لصلاة العيد، وقد تقدم الكلام عليها في موضعها فراجعها.
قوله: ومتى يخرج وقت هذه الأربعة؟ أما الرمى فيمتد وقته إلى غروب الشمس يوم النحر.
وهل تمتد تلك الليلة؟
فيه وجهان: أصحهما: لا.
انتهى كلامه فيه أمران:
الجزء: 4 - الصفحة: 370
أحدهما: أن ما ذكره هنا من الامتداد إلى الغروب فقد ذكر ما يخالفه في الكلام على الأغسال المسنونة فقال نقلًا عن الإمام أنه يمتد إلى الزوال، وقد تقدم الكلام عليه.
الأمر الثاني: أن تصحيحه عدم الامتداد تلك الليلة قد تابعه عليه في "الروضة" وكذلك في "المناسك الكبرى"، ثم خالف ذلك في المناسك المذكورة أيضًا في الكلام على فوات رمي أيام التشريق فذكر أن هذا الرمي يجوز فعله بالليل وفي باقي أيام التشريق ويكون أداء، ووافقه عليه أيضًا غيره، وسيأتي الكلام عليه هناك مبسوطًا.
قوله: وأما الذبح فالهدي لا يختص بزمن لكن يختص بالحرم.
انتهى.
واعلم أن الهدي يقع على دماء الحيوانات والمحظورات وعلى ما يسوقه المحرم تقربًا إلى فقراء الحرم كما فعل رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ فالأول لا يختص بزمن قياسًا على الديون وغيرها، وهذا هو المراد هنا.
وأما الثاني فيختص ذبحه بوقت الأضحية على الصحيح كما ذكره الرافعي في آخر باب الهدي، وصرح هناك بأن اسم الهدي يقع على الكل وبأن الهدي المذكور هناك الممنوع فعله في غير وقت الأضحية هو الذي يسوقه المحرم.
ثم ذكر الرافعي في "الشرح الصغير" و"المحرر" على مسألة في بابها وحكم عليها بما ذكرته غير أنه عبر في الموضعين بالهدي ولم يفصح عن المراد كما أفصح عنه في الكثير، وظن النووي -رحمه الله- أن المسألة متناقضة فاعترض على الرافعي هنا في "الروضة" و"المنهاج" و"شرح المهذب" وقال: إن المذكور هنا خلاف الصحيح وإن الصحيح ما ذكره هناك،
الجزء: 4 - الصفحة: 371
والعجب من استدراكه مع تصريح الرافعي هناك بما يبين المراد؛ فتفطن لذلك؛ وأحد ما وقع فيه النووي من هذا الوهم الفاحش.
قوله: وأما الحلق والطواف فلا أحدهما لكن ينبغي أن يطوف قبل خروجه من مكة.
وقال في "التتمة".
إذا تأخر عن أيام التشريق صار قضاء.
انتهى.
وكلامه يشعر بجواز تأخير أسباب التحلل إلى خروج أيام الحج، وبه صرح النووي في "شرح المهذب" فقال في هذا الموضع: يكره تأخير الحلق وطواف الإفاضة عن هذا اليوم، وتأخيرها عن أيام التشريق أشد كراهة، وخروجه من مكة قبل ذلك أشد، ولكن لا آخر لوقتها، ولا يزال محرمًا حتى يأتي بذلك.
انتهى كلامه وما اقتضاه كلامه في "الروضة" وصرح به في الشرح المذكور يشكل عليه ما ذكره فيه أيضًا في الكلام على الفوات؛ فإنه قال ما نصه: قال الشيخ أبو حامد والدارمي والماوردي وغيرهم: ليس لصاحب الفوات أن يصير على إحرامه إلى السنة القابلة لأن استدامة الإحرام كابتدائه وابتداؤه لا يصح، ونقله أبو حامد هذا عن النص وعن إجماع الصحابة.
انتهى.
قلت: وجزم به أيضًا صاحب التقريب ونقله عن "النص" أيضًا.
وإحصار الحاج بسنة ما نحن فيه فإنه إذا ترك التحلل فاته الحج ولزمه القضاء.
وليس في "الشرح" ولا في "الروضة" فيه ولا في الفوات تصريح بوجوب المبادرة إلى التحلل ولا بعدم وجوبها.
وقد جزم ابن الرفعة في "المختصر" بأنه لا يجب عليه أن يتحلل بالكلية فقال: كلام الأصحاب دال على أنه غير واجب.
الجزء: 4 - الصفحة: 372
قال: وصرح به القاضي أبو الطيب والبندنيجي وغيرهما.
ثم ذكر في مسألة الفوات ما يدل على أن التحلل فيه واجب، ونقله عن الماوردي، وعلله بأن الاستدامة كالابتداء.
وذكر في مسألتنا وهي تأخير طواف الإفاضة والحلق ما يوافقه فقال: الذي يظهر لي أن قول: من قال: يجوز تأخيرهما، ليس على إطلاقه بل هو محمول على من يحل التحلل الأول بأن أتى بأحدهما مع الرمي وإلا يصير محرمًا بالحج في غير أشهره.
والذي قاله ابن الرفعة حكمًا وتعليلًا مردودًا؛ فقد تقدم عن "شرح المهذب" عكسه، وأما التعليل فلأن وقت الحج يخرج بطلوع فجر يوم العيد والتحلل قبل ذلك لا يجب اتفاقًا بل أن يؤخروه إلى ما بعد طلوع الشمس، وهو نظير ما لو أحرم بالنافلة في غير وقت الكراهة ثم مدها إليه فإنه يجوز وإن كان ابتداؤها فيه لا يصح.
قوله: ومن فاته الرمي ولزمه بدله فهل يتوقف التحلل على الإتيان ببدله؟ فيه أوجه: أشبهها: نعم؛ تنزيلًا للبدل منزلة المبدل.
والثالث: إن افتدى بالصوم فلا؛ لطول زمانه.
انتهى كلامه.
والصحيح في هذه المسألة خلاف ما رجحه الرافعي؛ فإن المشهور أنه لا يتوقف، وهو الذي نص عليه الشافعي.
وقد تعرض لما ذكرناه ابن الرفعة أيضًا حتى نقل فيه عن بعضهم الإجماع.
وتعبير الرافعي بالأشبهه يدل على أنه لم يظفر بترجيح صريح في المسألة لعدم إمعانه فيها.
الجزء: 4 - الصفحة: 373
وقد اغتر النووي بهذا الترجيح الضعيف فعبر عنه في "الروضة" بالأصح، ثم نقل ذلك منها إلى غيرها على عادته.
فإن قيل ما الفرق عند الرافعي بين هذا وبين المحصر إذا عدم الهدي؟ فإن أصح القولين أن التحلل لا يتوقف على بدله وهو الصوم مع أن العلة في مسألتنا وهي تنزيل البدل منزلة المبدل لوجوده فيه؟ .
قلنا: الفرق أن التحلل إنما أبيح للمحصر تخفيفًا عليه حتى لا يتضرر بالمقام على الإحرام، فلو أمرناه بالصبر إلى أن يأتي بالبدل لتضرر.
قوله: ويحل بالتحلل الأول اللبس والتقليم وستر الرأس.
روي أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: "إذا حلقتم ورميتم فقد حل لكم الطيب واللباس وكل شيء إلا النساء" 73.
وفي عقد النكاح والمباشرة فيما دون الفرج قولان، واختلفوا في الأصح منهما؛ فذكر صاحب "المهذب" وطائفة أن الأصح منهما الحل.
وقال آخرون: بل الأصح المنع ومنهم المسعودي، صاحب "التهذيب".
وهؤلاء أكثر عددًا وقولهم أرفق لظاهر النص في المختصر.
انتهى.
وما اقتضاه كلامه من رجحان التحريم قد خالفه في "الشرح الصغير" فصحح الحل وعبر بالأظهر، وكلامه في "المحرر" يقتضي التفصيل بينهما؛ فإنه صرح بإباحة عقد النكاح بالأول وجعل المباشرة داخلة فيما يحل بالثاني.
الجزء: 4 - الصفحة: 374
وقد استدرك عليه النووي في "المنهاج" وصحح التحريم ونقله في "شرح المهذب" عن الأكثرين.
والحديث المذكور رواه الدارقطني من ثلاثة طرق، ولكنه ضم الذبح في الطرق الثلاث إلى الخصلتين المذكورتين وهما الرمي والحلق.
غير أن الأصحاب اتفقوا على أنه لا مدخل له في التحلل.
وروى النسائي بإسناد جيد كما قاله في "شرح المهذب": إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل [شيء] 74 إلا النساء، ونقل أعني النووي في الشرح المذكور أن الحديث الذي ذكره الرافعي رواه أبو داود بإسناد فيه ضعف وليس كما قال؛ فإن المذكور في أبي داود: "إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حل له كل شيء حرم عليه إلا النساء"، وهو موافق لما رويناه عن النسائي في الاقتصار على خصلة واحدة.
قوله في "الروضة": والمذهب حل الطيب بالأول، بل هو مستحب بين التحللين.
انتهى.
وهذه العبارة لا يعلم منها أن الأصح طريقة القطع أم طريقة القولين، قد بينه الرافعي فقال: وفي الطيب طريقان: أشهرهما أنه على القولين، والثاني: القطع بالحل، وسواء أثبتنا الخلاف أو لم نثبته فالمذهب أنه يحل بل يستحب.
هذه عبارته.
فاقتصر النووي في "الروضة" على آخر عبارة الرافعي ثم التبس عليه المراد منها في "شرح المهذب" فظن أن مراده رجحان طريقة القطع فصرح به فقال: المذهب الذي عليه الجمهور هو القطع بالحل.
هذا لفظه فاحذره.
الجزء: 4 - الصفحة: 375
الفصل الثامن: في المبيت
قوله: وفي الحد المعتبر للمبيت بمزدلفة ومنى قولان: أظهرهما: معظم الليل.
انتهى.
استدرك عليه النووي فقال ما نصه: المذهب ما نص عليه الشافعي - رضي الله عنه - في "الأم" وغيره أن الواجب في مبيت مزدلفة ومنى ساعة في النصف الثاني من الليل.
انتهى كلامه.
وهذا الاعتراض يؤخذ منه موافقة الرافعي على اشتراطه معظم الليل في المبيت بمنى، وهو كذلك.
وقد صرح باشتراطه في "الروضة" أيضًا من "زيادته" في أواخر تعليق الطلاق، وإنما ذكرت ذلك لئلا يتوهم أن مخالفته في مزدلفة يقتضي مخالفته في منى لاتفاقهما في المعنى وأنه إنما أفرد مزدلفة بالذكر لأن نص الشافعي وقع فيها بخصوصها، وقد سبق الكلام في مبيت مزدلفة على هذه المسألة مبسوطًا.
قوله في أصل "الروضة": ثم هذا المبيت مجبور بالدم وهل هو واجب أو مستحب أما ليلة المزدلفة فقد سبق حكمها، وأما ليالي التشريق ففيها قولان: أظهرهما الاستحباب، وقيل: يستحب قطعًا.
قلت: الأظهر: الإيجاب، والله أعلم.
انتهى كلام "الروضة".
وهو غير مطابق لكلام الرافعي -فإنه أعني الرافعي- قد عبر بقوله وبسببه ترجيح قول الاستحباب ثم قال عقبة: ولكن كلام الأكثرين يميل إلى ترجيح الإيجاب هذه عبارته فاقتصر النووي على هذا الترجيح الضعيف وعبر عنه بصيغة صريحة، ثم استدرك عليه.
الجزء: 4 - الصفحة: 376
وكلا الرافعي في "المحرر" ظاهر في الإيجاب أيضًا؛ فإنه عبر بلفظ (على) فقال: فعليه المبيت، ذكر ذلك في الكلام على جواز النفر؛ ولهذا عبر عنه في "المنهاج" بلفظ الوجوب.
قوله: إذا ترك مبيت ليلة النحر وحدها أراق دمًا، وإن ترك مبيت ليالي التشريق فكذلك على المشهور كان فتتوزع عليها توزيع الرمي على الجمرات الثلاث.
وعن صاحب "التقريب" رواية قول أن في كل ليلة دمًا كما أن في رمي كل يوم دمًا.
وإن ترك ليلة أو ليلتين فعلى الأقوال في حلق الشعرة والشعرتين.
وإن ترك الأربع فدمان: دم لليلة مزدلفة ودم الثاني التشريق لاختلافهما في الموضع وفي الأحكام وفي قول: دم واحد.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره هاهنا في الدليل للقول المروي عن "التقريب" أن في رمى كل يوم دمًا مناقض لما سيأتي بعد هذا في الكلام على ترك الرمي؛ فإن الصحيح المذكور هناك وهو المشهور إيجاب دم واحد لرمي الأيام الثلاث.
نعم: يجب في رمي كل يوم دم إذا تركه على انفراده إلا أن الكلام الآن ليس في ذلك بل في ترك المجموع.
وينبغي أن يستحضر أن حكم المبيت مخالف لحكم المرمى؛ فسيأتيك أنه إذا ترك رمي الأيام الأربعة لزمه دم واحد عند الجمهور.
الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" عبر بقوله: وإن ترك الليالي الثلاث لزمه دم على المذهب.
هذه عبارته.
فاقتضى أن الرافعي حكى في المسألة طريقين.
وليس كذلك.
الجزء: 4 - الصفحة: 377
قوله: وأما ترك مبيت مزدلفة أو منى لعذر فلا دم عليه.
وهم أصناف: منهم رعاء الإبل، وأهل سقاية العباس؛ فلهم إذا رموا جمرة العقبة يوم النحر أن ينفروا ويدعوا المبيت هنا ليالي التشريق؛ لما روي عن ابن عمر "أن العباس استأذن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل السقاية فأذن له" 75. وهم عاصم بن عدي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "رخص للرعاة أن يتركوا المبيت بمنى ويرموا يوم النحر جمرة العقبة ثم يرموا يوم النفر الأول" 76. انتهى.
ذكر مثله في "الروضة".
وليس فيه تصريح بجواز ترك مبيت مزدلفة لأهل السقاية والرعاة بخصوصهم؛ فتأمله من أوله إلى أخره، بل كلامه يوهم المنع، والمنقول الجواز؛ فقد حكاه الطبري شارح "التنبيه" عن صاحب "الفروع"، وجزم به في "الكفاية".
والحديث الأول رواه البخاري ومسلم.
والحديث الثاني رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة بأسانيد صحيحة.
قال الترمذي: حديث حسن.
قوله صحيح لو أحدث سقاية للحاج فللمقيم لسقايتها ترك المبيت قاله في التهذيب والحديث الثاني رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة بأسانيد صحيحة، قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
الجزء: 4 - الصفحة: 378
قوله: ولو أحدث سقاية للحاج فللمقيم لسقايتها ترك المبيت.
قاله في "التهذيب".
وقال ابن كج وغيره: ليس له.
انتهى.
والصحيح المنع؛ فقد نقله صاحب "الحاوي" و"البحر" وغيرهما عن نص الشافعي وهو المشهور كما أشعر به لفظ الرافعي أيضًا، وصحح النووي في "الروضة" وغيرها من كتبه الجواز، وليس كذلك فاعلمه.
قوله: ومن المعذورين الذين ينتهون إلى عرفة لئلا يضطر إلى ترك المبيت فخلاف المقيض إلى عليه.
انتهى.
وهذه المسألة الأخيرة فيها نظر ظاهر، والذي أجاب به القفال فيها قد سبقه إليه صاحب "التقريب"، وقد نقله عنه الإمام من جملة ما نقل ولكن لم يذكره الرافعي.
قوله: ومنهم -أي: من المعذورين- من له مال يخاف ضياعه لو اشتغل بالمبيت أو مريض يحتاج إلى تعهده أو كان يطلب عبدًا آبقًا أو يشتغل بأمر آخر يخاف فوته؛ ففي هؤلاء وجهان: أصحهما -ويحكي عن نصه: أنه لا شيء عليهم كالرعاء وأهل السقاية.
والثاني: لا يلحقون بهم لأن شغلهم ينفع الحجيج عامة وأعذار هؤلاء تخصهم.
انتهى.
وفيه أمور:
أحدها: أن الماوردي نقل في "الحاوي" عن الشافعي أنه نص على منع لحاق هؤلاء بالمعذورين على خلاف هذا النص المذكور هنا؛ فصار الخلاف في المسألة قولين لا وجهين.
الجزء: 4 - الصفحة: 379
الأمر الثاني: أن ما ذكره الرافعي في تعليل الوجه الثاني مقتضاه أن المراد بالإبل هي إبل الحجيج لا إبل غيرهم؛ فتفطن له.
ولم يذكر النووي في "الروضة" هذا التعليل.
الثالث: أن هذا الخلاف هل هو في جواز ترك المبيت أو في وجوب الدم خاصة مع القطع بجواز الترك؟ كلام الرافعي يحتمل كلام الأمرين، والصواب الذي لا شك فيه هو الثاني فكيف يجب عليه أن يبيت ويترك المريض ضائعًا أو المال تالفًا أو يمكث لمن يقتله ونحو ذلك، وكلام الأصحاب يوهم الأول فاحذره.
واعلم أن الثعالبي قد قال في كتاب "سر اللغة" في آخر الفصل الثالث من الباب الثالث أنه لا يقال للعبد آبق إلا إذا كان ذهابه من غير خوف ولا كد في العمل، وإلا فهو هارب.
الجزء: 4 - الصفحة: 380
الفصل التاسع: في الرمي
قوله: وإذا رموا اليوم الثاني فمن أراد منهم أن ينفر قبل غروب الشمس فله ذلك ويسقط عنه مبيت الليلة الثالثة والرمي من الغد.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أنه قد تابعه في "الروضة" على إطلاق جواز النفر، وليس ذلك على إطلاقه بل تستثنى منه مسألة حسنة نقلها الروياني في "البحر" فقال: قال أصحابنا: محل هذا إذا كان الشخص قد بات الليلتين الأولتين لكونه قد أتى بمعظم المبيت، أو كان من أصحاب الأعذار الذين يجوز لهم ترك المبيت كأهل الرعاء وغيرهم.
أما من لا عذر له ولم يبت الليلتين فلا يجوز له أن ينفر.
هذا كلامه، ونقله عنه في "شرح المهذب" وأقره.
وجزم الماوردي في "الحاوي" بأنه لا يجوز النفر إلا لمن بات الليلتين، ولم يفصل بين المعذور وغيره.
الأمر الثاني: أن تقييده بما بعد الرمي يشعر بأنه إذا نفر قبل ذلك لا يسقط عنه مبيت تلك الليلة فقال: لو نفر قبل الزوال فقال الشريف العثماني من أصحابنا: لا يسقطان لأن هذا النفر غير جائز.
قال الطبري -شارح "التنبيه": وما قاله العثماني صحيح متجه.
وكلام الطبري وصاحب "البيان" مشعر بأنهما لم يقفا في المسألة على نقل، وقد ذكرها في "النهاية" مبسوطة مخالفة لما ذكراه، ونقل في "شرح
الجزء: 4 - الصفحة: 381
المهذب" ذلك بجملته مستحسنًا له فقال: وجمع إمام الحرمين هذه المسألة وفصلها أحسن تفصيل فقال: لو نفر يوم النحر الأول ولم يرم فإن لم يعد استقرت فدية ذلك اليوم عليه، فإن عاد بعد غروب شمسه فقد فات الرمي والاستدراك ولا حكم لمبيته، فإن رمى في النفر الثاني لم يعتد برميه لأنه ينفره أعرض عن منى والمناسك وإن عاد قبل غروبها فحاصل الخلاف فيه على ما لخصه صاحب "التقريب" أربعة أقوال:
أحدها: أن الرمي انقطع ولا ينفعه العود.
والثاني: يجب عليه العود ويرمي ما عليه ما لم تغرب الشمس.
والثالث: أن يتخير بين أن يرجع ويرمي ويسقط عنه الفرض وبين أن لا يرجع ويريق دمًا.
وتجري هذه الأقوال في النفر الأول والثاني.
والقول الرابع: عن ابن شريح أنه خرج في النفر الأول ثم عاد قبل الغروب ورمى لم يقع رميه موقع وإن خرج في النفر الثاني ولم يرم ثم عاد ورمى قبل الغروب وقع موقعه.
ولا خلاف في أن من خرج في اليوم الأول من التشريف ثم عاد قبل الغروب رمى؛ إذ لا حكم للنفر في الأول، فإن عاد بعد الغروب فقد فاته الرمي، وفيه الكلام السابق في التدارك.
وبالجملة لا أثر للخروج في هذا اليوم، وكذا لا أثر له في يوم البحر، وانما يؤثر الخروج في التفريق كما مر.
قال: ثم إذا قلنا: من خرج في النفر الأول بلا رمي وعاد قبل الغروب يرمي، فإذا رمى وغربت الشمس لزمه المبيت والرمي من الغد.
الجزء: 4 - الصفحة: 382
وإن قلنا لا يرمي لم يلزمه المبيت ولو بات لم يكن لمبيته حكم.
ولو خرج في النفر الأول قبل الزوال ثم عاد وزالت الشمس وهو بمنى فالوجه القطع بأن خروجه لا حكم له ولو لم يعد حتى غربت الشمس فقد انقطعت العلائق.
وإن كان خروجه قبل دخول وقت الرمي.
ولو عاد قبل الغروب فظاهر المذهب أنه يرمي ويعتد برميه، ومن الأصحاب من تركه.
فهذه الصورة منزلة صورة الأقوال.
انتهى ما نقله في "شرح المهذب" عن الإمام.
نعم: إذا تعدى فترك أحدهما فقط فهل يجب عليه أن يأتي بهما معًا، وإن كان الإخلال بالمعظم لم يحصل إلا بترك أحدهما إسقاطًا على المتعجل ووجوبًا على غيره أو يأتي بما تعدى بتركه على غيره أو يأتي بما تعدى بتركه لقيامه بالمعظم في الخصلة الأخرى، أو يفصل فيقال: إن حصل الإخلاص في المعظم بترك المبيت لم يلزمه الرمي فإنهم قد صرحوا بأن المبيت إنما وجب لأجل الرمي فيكون تابعًا، والتابع لا يوجب المتبوع، وإن حصل بترك الرمي وجب المبيت، لما أشرنا إليه من أن إيجاب المبيت لأجله، في كل ذلك نظر.
قوله: والسنة أن يرمي بمثل حصى الخذف وهو دون الأنملة طويلًا وعرضًا في قدر الباقلاء، يضعه على بطن الإبهام ويرميه برأس السبابة.
روي أنه -عليه السلام- قال: عليكم بحصى الخذف.
انتهى كلامه.
والحديث المذكور رواه مسلم من رواية الفضل بن عباس 77.
الجزء: 4 - الصفحة: 383
والخذف: بالخاء والذال المعجمتين، وهو الرمي على الكيفية التي ذكرها.
وأما بالحاء المهلمة فهو الرمي من حيث الجملة.
وما ادعاه من كونه يرمي بمثل حصى الخذف مسلم، وأما كونه على هيئة الخذف فنازع فيه النووي وقال أنه وجه ضعيف، بل يرميه على العادة.
قوله: ولابد مع الرمي من القصد إلى المرمي حتى لو رمى في الهواء فوقع في المرمي لم يتعد به.
انتهى.
وذكر الطبري شارح "التنبيه" كلامًا حسنًا فيه تقييد وتنبيه لابد منه فقال: أما لو قصد غير المرمي فوقع فيه ثم في المرمي كما يفعله كثير من جهلة الناس يرمون العلم المنصوب في الجمرة والحائط المبني في جمرة العقبة قصدًا ثم ترتد إلى المرمي فالأظهر عندي أنه لا يجزئ؛ لأنه قصد برميه غير المرمي، ويحتمل أنه يجزئ لأنه حصل فيه بفعله مع قصد الرمي.
أما من علم المرمي وقصدهما بالرمي لترتد الحصاة بقوة الرمي إليه لم يبعد الجزم بالصحة لمن رمى في الهواء قاصدًا الوقوع في المرمي بقوة رميه فإنه لا ريب في إجزائه.
ولم يذكر الأصحاب في المرمي حدًا معلومًا غير أن كل جمرة عليها علم فينبغي أن يرمي تحته على الأرض ولا يبعد عنه احتياطًا.
وقد قال الشافعي: الجمرة مجتمع الحصى، لا ما يسأل من الحصى؛ فمن أصاب مجتمع الحصى أجزأه وإن أصاب سائله لم يجزئه.
انتهى كلام الطبري المذكور.
قوله: ولو وقعت في غير المرمي ثم تدحرجت إلى المرمي أو ردها الريح إليه فوجهان؛ قال في "التهذيب": أصحهما الإجزاء لأنها حصلت منه لا بفعل الغير.
انتهى.
الجزء: 4 - الصفحة: 384
تابعه النووي في "الروضة" على نقل تصحيحه عن البغوي، وأطلق تصحيحه في "شرح المهذب" هنا ثم قال فيه أيضًا في آخر صفة الحج في فروع: فرع: إذا رمى حصاة فوقعت فتدحرجت بنفسها فوقعت في الرمي أجزأه بالإجماع؛ نقله العبدري.
هذا كلامه.
وقال الطبري -شارح "التنبيه": أصح الوجهين أنه لا يجزئ.
قلت: وقد يفصل ليجزئ في التدحرج دون حمل الريح؛ لأنه ليس من فعله، وهذا في الريح الشديدة، أما الخفيفة فلا يمنع.
قوله: ولا يجزئ الرمي عن القوس والدفع بالرجل.
قاله في "العدة".
انتهى كلامه.
وهذا الذي نقله عن "العدة" فيه نظر لكنه قد ارتضاره النووي فجزم به في "الروضة" ولم ينقله عنه ونقله في "شرح المهذب" عن الأصحاب فقال: قال أصحابنا.
قوله: الثانية: يشترط أن ترمي الحصيات في سبع دفعات.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" أيضًا لكنه إذا رمى حصاتين دفعة واحدة إذا رمى حصاتين دفعة واحدة إحداهما باليمنى والأخرى باليسرى فإنه لا يحسب له إلا واحدة بالاتفاق كما قاله في "شرح المهذب" فتفطن لهذه المسألة.
قوله: ولو رمى حجرًا قد رمى هو به إلى تلك الجمرة في ذلك اليوم فوجهان؛ قال في "التهذيب": أظهرهما الجواز.
انتهى كلامه.
وما رجحه البغوي هو الراجح.
كذا رجحه الرافعي في "الشرح الصغير"، وعبر أيضًا بالأظهر، والنووي في "أصل الروضة" و"شرح المهذب"، ونقله فيه عن الجمهور.
الجزء: 4 - الصفحة: 385
قوله: والثابت في الرمي لا يرمي عن المستنيب إلا بعد أن يرمي عن نفسه، فلو فعل وقع عن نفسه فلو فعل وقع عن نفسه كما في الحج.
انتهى.
ذكر في "الروضة" مثله، ولا يعلم منه أن المراد التوقف على جميع رمى ذلك اليوم أو على رمى تلك الجمرة حتى إذا رمى الجمرة الأولى فيصح أن يرمي عقب ذلك عن النائب قبل أن يرمي الجمرتين الباقيتين عن نفسه؟ ، وفي المسألة نظر.
وقول الرافعي: فلو فعل وقع عن نفسه، يدل على الاحتمال الثاني، وما ذكرناه هنا يأتي أيضًا في الرعاء وأهل السقاية فإنه إذا أخروا رمى يوم ثم أرادوا فعله مع رمى الذي عليه فإنا نأمرهم بالقضاء قبل الأداء.
قوله: ولو أغمي عليه ولم يأذن لغيره في الرمي عنه لم يجزء الرمي عنه، وإن أذن فللمأذون الرمي عنه في أصح الوجهين ولا يبطل هذا الإذن بالإغماء لأنه واجب كما لا تبطل به الاستنابة في الحج بخلاف سائر الوكلات.
انتهى.
فيه أمور:
أحدهما: أن التعبير في أول المسألة بقوله لم يجزء قد تابعه عليه في "الروضة"، وهذه اللفظة ينبغي أن تقرأ بضم الياء بمعنى يكفي، لا بفتحها بمعنى يحل؛ فإن الشافعي قد نص في "الإملاء" على أنه لا يجوز فقال: ومن أغمي عليه فلم يفق حتى مغيب الشمس من آخر أيام التشريف أحببت لمن معه أن يرمي عنه، وعلى المغمي عليه أن يهريق دمًا لأنه لم يأمر بالرمى.
هذا لفظه بحروفه.
وهي مسألة حسنة لكنها مخالفة للقواعد لأن الرمي إن لم يصح أصلًا -وهو الذي عبر به في "شرح المهذب"- فكيف يؤمر به، وإن صح فكيف صححناه بلا إذن، وأيضًا فصحته عنه تستلزم
الجزء: 4 - الصفحة: 386
براءة ذمته منه.
الأمر الثاني: ما نبه عليه في "الروضة" فقال: شرطه أن يكون أذن قبل الإغماء في حال تصح الاستنابة فيه.
صرح به الماوردي وآخرون، ونقله الروياني عن الأصحاب.
الأمر الثالث: لم يصرحوا بحكم الاستنابة بالنسبة إلى وجوبها، والمتجه فيها الوجوب لضيق الوقت بخلاف المغصوب.
واعلم أن ما صححوه من عدم البطلان بالإغماء قد أجاب العراقيون بمثله فيما إذا استناب المغصوب في الحج ثم مات، ونقله عنه عنهم الإمام هنا.
ثم قال: وما قالوه محتمل في الإغماء بعيد في الموت.
قلت: والذي قاله العراقيون فيهما متجه، والأحسن في تعليله ما ذكره الرافعي في آخر المسألة وهو أن الاستنابة إنما جوزناها للعجز وقد انتهى إلى حالة هو فيها أعجز مما كان.
قوله: إحداهما: إذا ترك رمي يوم النفر عمدًا أو سهوًا هل يتداركه في اليوم الثاني والثالث أو ترك رمي اليوم الثاني أو رمى اليومين الأولين هل يتداركه في الثالث: فيه قولان: أصحهما: نعم.
ثم قال: التفريع إن قلنا بأنه لا يتدارك فهل يتدارك رمى اليوم في الليلة التي تقع بعده من ليالي التشريق؟ فيه وجهان وهما مفرعان على الصحيح في أن وقته لا يمتد إلى الليلة على ما سبق.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على تفريع هذين الوجهين على الأصح هناك وهو عدم الامتداد، وهو فاسد لأنا إذا فرعنا على أنه لا يمتد ليلًا فكيف يحسن الجزم بأنه لا يتدارك نهارًا وأن يكون في التدارك ليلًا خلاف؛ إذ لا مزية فيه لليل على النهار بل النهار أولى لأنه محل للرمي على الجملة.
الجزء: 4 - الصفحة: 387
والصواب أن يجعل الخلاف مفرعًا على الخلاف لا على الوجه المصحح، وقد ذكره كذلك في "الشرح الصغير".
قوله: وإن قلنا بالتدارك فتدارك فهو أداء أو قضاء؟ فيه قولان: أحدهما أنه قضاء لمجاوزته الوقت المصروف له، وأظهرها أنه إذا ولاه لما كان للتدارك فيه مدخل كما لا يتدارك الوقوف بعد فوات التفريع إن قلنا أنه أداء فجملة أيام منى في حكم الوقت الواحد، وكل يوم للقدر المأمور به فيه وقت اختيار كأوقات الاختيار للصلوات.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أنه قد ذكر قبل الموضع بنحو ثلاثة أوراق ما يخالفه المذكور هنا فقال: وللصنفين جميعًا -يعني: رعاة الإبل، وأهل سقاية العباس- أن يدعوا رمي منى ويقضوه في اليوم الذي يليه قبل رمي ذلك اليوم، وليس لهم أن يدعوا رمي يومين على التوالي.
انتهى كلامه.
وهو في غاية العجب، لأنه قطع هناك بأن أصحاب الأعذار الذي أرخص لهم تأخير صوم رمي يوم واحد ولا يجوز تأخير رمي يومين.
وصحح هنا أنه يجوز تأخير رمي يوم ويومين من غير عذر لأنه جعل أيام منى كالوقت الواحد وجعل كل يوم القدر المأمور به وقت اختيار لا وقت جواز كما قلنا في الصلاة أن لها وقت اختيار ووقت جواز.
وقد وقع هذا التناقض أيضًا للرافعي في "الشرح الصغير"، والنووي في "شرح المهذب".
وهو تناقض عجيب، ومع تناقضه فجوازه مشكل جدًا؛ إذ لم يرد من فعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلا توزيع الرمي على الأيام، فالقول بجواز التأخير وحلق يوم أو يومين عن الرمي لا دليل عليه لاسيما مع قوله -عليه السلام-: "خذوا
الجزء: 4 - الصفحة: 388
عني مناسككم" 78.
وقد وقع في "الكفاية" لابن الرفعة أن الرافعي والإمام صححا أن الرامي المتدارك فصار وهو غلط.
الأمر الثاني: أنه قد تقدم أيضًا عند الكلام على الترخص للرعاة والسقاة أن الصنفين إذا أخروه يقضونه من الغد كما حكيناه من قبل؛ فظاهره يخالف، وإن احتمل القضاء اللغوي فإن اصطلاحهم يدفعه.
قوله في التفريع على قول الأداء: ويجوز تقديم رمي يوم التدارك على الزوال.
انتهى كلامه.
ومعناه أن الرمي الفائت إذا قلنا: يقع أداء فيجوز أن يقدم على الزوال وبه صرح النووي في "شرح المهذب".
إذا علمت ذلك ففيه أمور:
أحدها: أن هذا الحكم الذي اقتضاه كلامه فاسد، والعبارة التي عبر بها عنه فاسدة أيضًا أما قال فلا يجوز أن يرمي قبل الزوال.
ثم إن الرافعي لم يوجد في شرحه لهذا الموضع اعتراض عليه ولا حكاية خلاف أصلًا، ولا يتخيل في شارح كتاب أنه يجزم بعكس المشروح من غير تنبيه عليه ولا تعليل لما في الأصل؛ فعلمنا بذلك حصول غلط في نسخ "الشرح الكبير"، وقد علم ذلك من "الشرح الصغير" فإنه قال فيه ما نصه: وإذا قلنا: أنه أداء، فهل يجوز تقديمه على الزوال أم يتأقت بما بعده؟ فيه وجهان: أصحهما: المنع؛ لأن ما قبل الزوال لم يشرع فيه لأن تعيين الوقت بالأداء أليق.
وهذا ما أورده في "الكتاب".
الجزء: 4 - الصفحة: 389
هذا كلام "الشرح الصغير"، وهو يبين لك أن المذكور في "الكبير" غلط وسببه إسقاط وقع للناقل أولًا من المسودة.
وأما الثاني -وهو فساد العبارة- فلأن يوم التدارك مدلوله هو اليوم الذي يتدارك فيه الرمي.
ورمى هذا اليوم وغيره من أيام التشريق يقدم على الزوال قطعًا، وقد اتفق عليه الأئمة الأربعة ولم يخالف فيه منهم إلا أبو حنيفة في اليوم الثالث خاصة وقد أوضحه الرافعي قبل هذا بنحو ورقتين.
نعم: وقع التردد في تقديمه إلى يوم آخر مع فعله بعد الزوال لكن مراد الرافعي بهذا اللفظ إنما هو الرمي الثابت كما تقدم ذكره للمعنى الذي قلناه ولقرينه تصريح الغزالي في "الوجيز" والنووي في "شرح المهذب" به، وكذلك الرافعي أيضًا في التفريع على القول الآخر وهو القضاء.
الأمر الثاني: أنه لم يبين حكم الرمي ليلًا على القول بأنه أداء، وقد ذكره في "الشرح الصغير" وحكى فيه طريقين أصحهما: أنه على الوجهين فيما قبل الزوال، والثانية: القطع بالمنع، وكأنه سقط من جملة ما سقط.
وحاصل ما قاله في "الشرح" المذكور امتناع الإتيان به إلا نهارًا بعد الزوال وهو المذكور في "النهاية" فقال: والوجه القطع به، وجزم له الغزالي في "الوسيط"، وابن يونس في "التعجيز" وفي شرحه له، وجوز ابن الصباغ في "الشامل" تفريعًا على هذا القول -يعني قول الأداء- أن يفعل ليلًا ونهارًا، ونص عليه الشافعي في "الأم"، وذكر مثله ابن الصلاح ثم النووي في مناسكهما.
الأمر الثالث: أنه لم يصرح بحكم جمرة العقبة وقد صرح به المذكوران أيضًا في مناسكهما وقالا بأن الحكم فيها بالنسبة إلى تداركه ليلًا ونهارًا
الجزء: 4 - الصفحة: 390
والحكم عليه بالأداء كحكم رمي أيام التشريق، وصرح بذلك أيضًا صاحب "الحاوي الصغير" في العجائب، ثم رأيت ذلك -أعني التسوية بين الرميين مجزومًا بها في كتاب "التقريب"، ونقله عن "النص".
قوله: ونقل الإمام على هذا القول -أي: القول بكونه أداء- أنه لا يمتنع من تقديم رمي يوم إلى يوم، لكن يجوز أن يقال أن وقته يتسع من جهة الآخر دون الأول فلا يجوز التقديم.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما نقله الرافعي عن الإمام من جواز التقديم هو المعروف في المذهب فقد جزم به في "الشرح الصغير" ولم يتوقف فيه كما توقف في "الكبير"، ونقل في "النهاية" وأن الأئمة أجازوه، ولم يحك فيه خلافًا وإن كان نقل الرافعي لا يعطيه، ونقله أيضًا كذلك صاحب "التعجيز" في شرحه غير أنه نقل عن جده أنه توقف فيه، وجزم به الفوراني في "العمد".
الأمر الثاني: أن النووي قد استدرك في "الروضة" على ما نقله الرافعي فقال ما نصه: والصواب الجزم بمنع التقديم وبه قطع الجمهور تصريحًا ومفهومًا، والله أعلم.
وذكر نحوه في "شرح المهذب" ونسب تجويزه فيه إلى الإمام فقط، وقد ظهر لك أن الأمر ليس كما قال وأنه لم يمعن النظر هاهنا؛ وكأنه أخذ المنع من كلام "الحاوي" للماوردي؛ فإنه استدل في أثناء هذه المسألة بالإجماع على منعه، وتبعه عليه في "البحر" فقال: الصحيح أنه لا يجوز التعجيل قولًا واحدًا.
قوله: وإن قلنا: أنه قضاء، فتوزيع الأقدار المعينة على الأيام مستحق، ولا سبيل إلى تقديم رمي يوم على يوم.
ثم قال: ولا إلى تقديمه على
الجزء: 4 - الصفحة: 391
الزوال.
انتهى لفظه.
والممنوع تقديمه على الزوال مراده به الرمي المتدارك، وتعليله للمسألة الآتية يدل عليه، وهو ظاهر أيضًا.
ومنعه التقديم تفريعًا على القضاء كيف يستقيم مع جزمه قبل ذلك بجوازه تفريعًا على كونه أداء.
وهو في غاية التباين لأن الجواز في القضاء أولى عنه في الأداء بدليل الصلوات الخمس ونحوها.
وهو يدل أيضًا على بطلان ذلك الحكم.
وقد حكى في "الشرح الصغير" في مسألتنا وجهين عن حكاية الإمام وصحح المنع لكنه ماش على قاعدة واحدة فإنه يمنع التقديم أيضًا على القول بأنه أداء.
قوله في التفريع على هذا القول -وهو قول القضاء- وهل يجوز بالليل؟ فيه وجهان: أصحهما: نعم؛ لأن القضاء لا يتأقت.
والثاني: لا؛ لأن الرمي عبادة النهار كالصوم.
هذا لفظه، وما ذكره هنا من تصحيح جوازه بالليل تفريعًا على قول القضاء غريب جدًا؛ فإنه قد تقدم من كلامه في المسألة السابقة الجزم بأنه لا يجوز تقديمه على الزوال تفريعًا على هذا القول؛ وحينئذ فإذا امتنع فعله قبل الزوال على هذا التفريع لزم امتناع بالليل بطريق الأولى: لأن النهار محل للرمي على الجملة بخلاف الليل.
لا جرم أن الرافعي في "الشرح الصغير" قد صحح المنع وعبر بالأصح والمنع هو الصواب.
قوله: وهل يجب الترتيب بين الرمي المتروك ورمي يوم التدارك؟ فيه قولان: إن قلنا قضاء فلا.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور:
أحدها: أن ما قاله على القول بالقضاء من عدم الوجوب إنما يتجه في
الجزء: 4 - الصفحة: 392
المتروك سهوًا، أما المتروك عمدًا فإنه يجب فعله على الفور، ومن لازم أن لا يتقدم شيء عليه، وهذه الأحكام مفروضة في المتروك سهوًا وعمدًا كما تقدم في صدر المسألة.
الأمر الثاني: أن ما صححه من وجوب الترتيب قد تابعه في "الروضة" و"شرح المهذب" وغيرها على إطلاقه.
وقال النووي في "المناسك الكبرى": هذا إذا فعله بعد الزوال، فإن فعله قبله لم يجب.
الأمر الثالث: أنه لا فرق في وجوب الترتيب من جمرة العقبة ورمى أيام التشريق حتى لو لم يرم في يوم النحر وقلنا بتداركه وجب الترتيب بينه وبين رمى التشريق، كذا صرح به ابن الصلاح ثم المصنف في المسألة التاسعة من مناسكهما؛ فتفطن له فإنه قلَّ من تعرض له.
قوله في "الروضة": ولو رمى إلى الجمرات كلها عن اليوم قبل أن يرمي إليها عن أمسه أجزأه إن لم يوجب الترتيب وإلا فوجهان: أصحهما: يجزئه ويقع عن القضاء والثاني: لا يجزئه أصلًا.
قال الإمام: ولو حرف الرمي إلى غير النسك بأن يرمي إلى شخص أو دابة في الجمرة ففي انصرافه عن النسك الخلاف المذكور في صرف الطواف؛ فإن لم ينصرف وقع عن أمسه ولغى قصده، وإن انصرف فإن شرطنا الترتيب لم يجزءه أصلًا، وإلا أجزأه عن يومه.
انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره فيما إذا صرف الرمي إلى غير النسك وقلنا: ينصرف، لا يستقيم الأخذ بما دل فيه كلامه عليه -وهو الإجزاء عن اليوم إذا لم يوجب الترتيب- لأنا إذا قلنا ينصرف فلا يتصور القول بأنه يجزئه ولا عن أمسه، وقد ذكر الإمام المسألة على الصواب فإنه ذكر أولًا مسألة الدابة
الجزء: 4 - الصفحة: 393
وحكى ما فيها من الخلاف في الانصراف، ثم فرع عليه فقال: إن قلنا: لا ينصرف، فلو رمى على قصد يومه وقع عن أمسه، وإن قلنا ينصرف فإذا رمى وظيفة يومه فإن لم نوجب الترتيب إجراء عن يومه، وإن أوجبناه لم يجزءه أصلًا.
هذا كلامه.
فعلمنا أن الإمام جعل مسألة الدابة مقدمة للمسألة المقصودة -وهي الرمي عن اليوم قبل الرمي عن الأمس- وقدمها ليسن بها أن قصد الرمي عن اليوم صرف له عن رمى أمسه.
ثم إن الرافعي عبر بعبارة موهمة لكنها صحيحة أيضًا؛ فإنه ذكر كما في "الروضة" إلا أن أراد حكاية كلام الإمام عبر بقوله وزاد الإمام كذا وكذا.
فعلمنا بذلك أن مراد الرافعي تتمة المسألة السابقة وأن الإمام رتب فيها ترتيبًا زائدًا.
ثم إن النووي حذف هذه اللفظة المرشدة للصواب وجعلها مسألة مستقلة، وصنع ذلك أيضًا في "شرح المهذب"؛ فلزم منه ما لزم من الخلل المذكور، فاعلمه.
نعم: يمكن تأويل كلام "الروضة" على بُعد بأن يجعل المراد بقوله: فإن لم ينصرف أوقع عن أمسه؛ أي: فإن ينصرف بالصارف وقع في المسألة السالفة عن أمسه، وكذا فيما بعد أيضًا.
فإذا أعدنا الكلام على المسألة السابقة على وفق ما صرح به الإمام استقام.
وفي الصرف كلام مهم تقدم في الكلام على صرف الطواف.
هذا كله في رمي اليوم الأول والثاني من أيام التشريق.
قوله: أما إذا ترك رمي يوم النحر ففي تداركه في أيام التشريق طريقان: أصحهما: أنه على قولين.
والثاني: القطع بأنه لا يتدارك.
انتهى.
ولم يتعرض الرافعي -رحمه الله- ولا النووي في "الروضة" و"شرح المهذب" للحكم على هذا الرمي المتدارك بالأداء والقضاء ولا لفعله بالليل
الجزء: 4 - الصفحة: 394
وما قبل الزوال، وقد أوضحناه قبل ذلك بنحو ورقتين فراجعه.
وهذه المسألة التي حكى الرافعي فيها طريقين قد نص عليها الشافعي في "الأم"، ونص على التدارك نصًا صريحًا على وفق ما اقتضاه ترجيح الرافعي.
قوله: والسنة أن يرفع يده عند الرمي فهو أهون عليها.
انتهى.
تابعه في "الروضة" و"شرح المهذب" وابن الرفعة في "الكفاية" على إطلاق الرفع، وهذا في الرجل، أما المرأة فلا يستحب لها ذلك بلا شك لأنه أستر لها.
وقد صرح به الطبري -شارح "التنبيه"، وكذلك النووي في تصحيحه إلا أنه عبر بالأصح فاقتضى أن يكون فيها وجهان ولا أعلمه منقولًا.
ولا شك أن الخنثى في هذا كالمرأة.
وحد الرفع أنه يرى بياض إبطه؛ كذا ذكره في "التنبيه" و"شرح المهذب"، وذكر في "الروضة" في الكلام على الوقوف أن الداعي إذا رفع يديه لا يجاوز بهما رأسه، ويتجه مثله هاهنا أيضًا.
واعلم أن الإبط أسود؛ وذلك لما فيه من الشعر فكيف يستقيم أن يقال: حتى يرى بياض إبطه؟
والجواب أن بياض الإبط كان من خواص النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فورد التعبير بذلك في حقه فأطلق على غيره ذهولًا.
قوله: ويسن أن يكون نازلًا في اليومين الأولين وراكبًا في اليوم الأخير فيرمي وينفر عقبه.
هكذا أورده الجمهور ونقلوه عن نصه في "الإملاء" وفي "التتمة" أن الصحيح ترك الركوب في الأيام الثلاثة.
انتهى.
اعترض في "الروضة" على كلام المتولي فقال ما نصه: هذا الذي في "التتمة" ليس بشيء، والصواب ما تقدم.
هذا لفظه، وهو كلام عجيب؛
الجزء: 4 - الصفحة: 395
فقد ثبت فيه الحديث الصحيح من رواية ابن عمر؛ وهو أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "كان إذا رمى الجمار مشى إليها ذاهبًا وراجعًا" 79. رواه الترمذي وقال: إنه حسن صحيح.
والعجب أن النووي قد ذكر هذا الحديث في "شرح المهذب" وقال: إنه على شرط البخاري ومسلم.
قوله في "الروضة": فإن ترك الرمي يوم النحر وأيام التشريق وقد توجه عليه رمى اليوم الثالث فثلاثة أقوال:
أحدها: دم، والثاني: دمان، والثالث: أربعة، وهذا الأخير أظهرها عند صاحب "التهذيب".
لكن مقتضى كلام الجمهور ترجيح الأول خاصة عجيب؛ فقد صرح الرافعي في أول المسألة بأن الأصح وجوب دمين، وعلله باختلاف الرميين في الحكم.
قوله: الثانية: لو ترك اليوم أو رمي واحد من أيام التشريق.
لزمه دم، وإن ترك بعض رمى اليوم نظر إن كان من واحد من أيام نظر إن كان من واحد من أيام التشريق فقد جمع الإمام فيه طرقًا: أحدها: أن الجمرات الثلاث كالشعرات الثلاث فلا يكمل الدم في بعضها، فإن ترك جمرة ففيما يلزمه الأقوال.
التي يأتي ذكرها في حلق الشعرة.
قال: والطريق الثاني أن الدم يكمل في وظيفة الجمرة الواحدة.
وفي الحصاة والحصاتين الأقوال الثلاثة.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن الرافعي -رحمه الله- ذكر طريقين لا غير مع أنه قد ذكر في أول كلامه أن الإمام حكى فيها طرقًا.
الجزء: 4 - الصفحة: 396
إذا علمت ذلك فاعلم أن ما ذكره من حكاية الإمام للطرق صحيح.
والطريقة الثالثة من الطرق التي حكاها الإمام أن الدم يكمل بثلاث حصيات فصاعدًا وفيما دون ذلك أقوال الشعرة.
وهذه الطريقة هي المشهورة المجزوم بها في "المحرر" و"المنهاج"، فنسيها الرافعي أو سقطت من الناقل أولًا من المسودة.
وقد أشكل الأمر على النووي فقال في "الروضة": فيها طريقان:
وحاصل الطرق الثلاث أن في تكميل الدم ثلاثة أوجه:
أحدها: يرمي يوم.
والثاني: يرمي جمرة.
والثالث: بثلاثة أحجار، وقد ذكره هكذا الرافعي في "الشرح الصغير" والغزالي في "الوجيز".
الأمر الثاني: أن ما ذكره من إلحاق الجمرة بالشعرة في مجئ الأقوال صحيح، إلا أن تلك الأقوال مفرعة على اختيار الدم كما سنوضحه في موضعه، وأقوال الجمرة متأصلة ليست مفرعة على شيء؛ لأن الدم الواجب في الحلق وغيره من المنهيات دم تجبير، والواجب في ترك الرمي وغيره من المأمورات دم ترتيب فتفطن له.
قوله: وفي ترك الحصاة الأقوال الثلاثة الآتية في الشعرة إذا حلقها ثم قال: واعلم أن الخلاف المذكور وليس في ترك الحصاة والحصاتين مطلقًا، ولكن إن ترك حصاة من الجمرة الأخيرة من آخر أيام التشريق ففيه الخلاف، وإن تركها من الجمرة الأخيرة من يوم النفر أو النفر الأول ولم ينفر، فإن قلنا: الترتيب غير واجب من التدارك ورمي الوقت صح رميه، لكنه ترك
الجزء: 4 - الصفحة: 397
رمي حصاة واحدة ففيه الخلاف.
وإن أوجبنا الترتيب فهو على الخلاف السابق في أن الرمي بنية اليوم هل يقع عن الماضي؟
إن قلنا: نعم، تم المتروك بما أتى به في اليوم الذي بعده لكنه يكون تاركًا لرمي الجمرة الأولى والثانية في ذلك اليوم فعليه دم.
وإن قلنا: لا، كان تاركًا رمي حصاة ووظيفة يوم فعليه دم إن لم نفرد كل يوم بدم.
وإن أفردنا فعليه الوظيفة اليوم.
وفيما يجب لترك الحصاة الخلاف المذكور.
وإن تركها من إحدى الجمرتين الأولتين في أي يوم كان فعليه دم لأن ما بعدها غير صحيح لوجوب الترتيب في المكان.
انتهى كلامه.
تابعه عليه في "الروضة" و"شرح المهذب" أيضًا.
وتعبيره في أثناء الكلام بقوله: لكنه يكون تاركًا لرمي الجمرة الأولى والثانية في ذلك اليوم يقتضي الاعتداد بالجمرة الثالثة؛ وكأنه نظر إلى كونه قد رمى عنها بعد الإتيان بالحصاة التي عليه.
وهو سهو.
وكأنه نظر إلى كونه قد رمى عنها بعد الإتيان بالحصاة التي عليه، وهو سهو لما ذكره بعد ذلك من وجوب الترتيب في المكان بلا خلاف؛ فالصواب أن يقول كان تاركًا لوظيفة اليوم.
قوله: هذا كله إذا ترك بعض يوم من التشريق.
فإن ترك بعض رمي النحر فقد ألحقه في "التهذيب" بما إذا ترك من الجمرة الأخيرة من اليوم الأخير، وقال في "التتمة": يلزمه دم ولو ترك حصاة لأنها من أسباب التحلل، فإذا ترك شيئًا منها لم يتحلل إلا ببدل كامل.
انتهى كلامه.
الجزء: 4 - الصفحة: 398
تابعه في "الروضة" و"شرح المهذب" على نقل ذلك من غير ترجيح.
وما ذكره في "التتمة" قد نقله في "البحر" عن الأصحاب حكمًا وتعليلًا.
وعَبّر بقوله: قال أصحابنا، وهو الصحيح أيضًا لا للمعنى المذكور، بل لأن الصحيح أن رمي يوم النحر حكمه في التدارك كحكم رمي أيام التشريق حتى يجوز تداركه فيها وحينئذ فيكون الحكم هنا كما إذا تركها من الجمرة الأخيرة من اليوم الأول من أيام التشريق وقد سبق أنه يلزمه دم وسبق ما انبنى عليه من القواعد.
نعم: طريقة البغوي إنّ رَمْي يوم النحر نوع آخر من الرمي مخالف لرمي أيام التشريق فكذلك وفى بقاعدته هنا.
وأما الرافعي والجمهور فيمنعون ذلك.
قوله: وحكى في "النهاية" وجهًا غريبًا أن الدم يكمل في حصاة واحدة.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على حكاية هذا وجهًا وعلى استغرابه أيضًا، وليس بوجه ولا غريب؛ فإن الشعرة فيها أربعة أقوال، ووجوب الدم الكامل أحد الأربعة كما ذكره الرافعي بعد هذا، غير أنه لم يستحضره هاهنا فاقتصر على حكاية الثلاثة الباقية، وحينئذ فإذا ألحقنا الحصاة بالشعرة جاءت فيها الأقوال الأربعة.
الجزء: 4 - الصفحة: 399
الفصل العاشر: في طواف الوداع
قوله في "أصل الروضة": وإذا خرج بلا وداع وقلنا: يجب الدم فعاد قبل بلوغه مسافة القصر سقط عنه الدم، وإن عاد بعد بلوغها فوجهان: أصحهما: لا يسقط.
انتهى كلامه: فيه أمران:
أحدهما: أن ما جزم به هاهنا من طريقة الوجهين مخالف لما في "شرح المهذب" وأنه حكى فيه طريقين وصحح طريقة القطع فقال: وإن عاد بعد بلوغها فطريقان:
أصحهما -وبه قطع الجمهور: لا يسقط.
والثاني حكاه الخراسانيون وجهان.
هذا لفظه.
وقد عبر في "المنهاج": بالصحيح.
الأمر الثاني: أن تعبيره بالسقوط ذكره أيضًا الرافعي وهو يقتضي ثبوت الدم بمجرد الخروج، وينبغي أن يأتي فيه ما سبق في مجاوزة الميقات بعد إحرام، فراجعه.
قوله: أحدهما: ذكر الإمام والغزالي أن طواف الوداع من مناسك الحج، وليس على الخارج من مكة وداع لخروجه منها، لكن صاحب "التتمة" و"التهذيب" وغيرهما أوردوا أنه ليس من جملة المناسك حتى يؤمر به من أراد مفارقة مكة إلى مسافة القصر سواء كان مكيًا أو آفاقيًا.
وهذا أقرب بسببها لاقتضاء خروجه الوداع باقتضاء دخوله للإحرام، ولأنهم اتفقوا على أن المكي إذا حج وهو على عزم الإقامة بوطنه لا يؤمر
الجزء: 4 - الصفحة: 400
بطواف الوداع، وكذا الآفاقي إذا حج وأراد الإقامة بها ولو كان من جملة المناسك لعم الحجيج.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن ما قاله من كون طواف الوداع ليس من المناسك مردود؛ فقد تظافر على أنه من المناسك كلام الشافعي والأصحاب؛ فقد قال الشافعي في "الإملاء" بعد تقريره أنه ليس بواجب ما نصه: فإن قال قائل: فلم أمرتموه أن يهريق دمًا.
قيل: هو شيء أمر به من الحج والعمرة فتركه.
هذا لفظه ومن "الإملاء" نقلت.
وقال في "الأم" في باب الطواف بعد عرفة: أعمال الحج منها ما إذا تركه ورجع إليه سقط عنه الدم، ولو لم يرجع لزمه الدم مثل الميقات في الإحرام ومثله والله أعلم طواف الوداع قياسًا على المزدلفة والجمار والبيتوته ليالي منى لأنه نسك قد تركه.
هذا لفظه في "الأم"، وصرح به القاضي في "التلخيص" وصاحب "التقريب" والمحاملي والقاضي الحسين، وكذلك القاضي أبو الطيب في استدلاله على وجوبه، وقال الماوردي: أنه من سنن الحج، وكذلك أبو بكر بن لال في "مختصر" له لطيف حنيفة في العبادات خاصة وسماه "شرح ما لا يسع المكلف جهله" وصاحب "التنبيه" أنه من واجباته، ونقله الفوراني في "العمد" عن الأصحاب فقال ما نصه: قال أصحابنا: طواف الوداع من جملة الأبعاض.
قال القفال: وهذا غلط.
انتهى.
وأيضًا فقد اتفقوا على جبره بالدم عند الترك وجوبًا إن قلنا بوجوبه، وهو دليل على أنه من الحج لأن الدم إنما يجب للتحلل الحاصل في الحج لا لترك المأمور به يتجرد بدليل وجوبه إذا ترك الإحرام من الميقات وعدم وجوبه إذا ترك الإحرام لدخول مكة.
الجزء: 4 - الصفحة: 401
الأمر الثاني: أن استدلاله عليه بأنه لو كان من المناسك لعم المقيم والراحل كلام ضعيف كما نبه عليه صاحب "التقريب" وسبب الوقوع فيه ذهولهم عن شرطه؛ لأنه وإن كان من المناسك لكن إنما يشرع لمعنى وهو مفارقة البين وذلك مفقود هنا، ثم إن الاستدلال الذي قبله فيه نظر أيضًا لأنه إن كان اقتضاء الدخول للإحرام فسببه اقتضاء الخروج للوداع فيكونان سواء في الوجوب أو عدمه.
وليس كذلك، بل الوداع واجب والإحرام غير واجب.
الثالث: أنه قد ذكر في أوائل الفصل المعقود للوقوف ما يخالف ما قاله هاهنا ويوافق كلام الغزالي فقال في الكلام على الخطبة المسنونة يوم السابع ما نصه: وينبغي أن يأمر في خطبته للمتمتعين أن يطوفوا قبل الخروج للوداع.
انتهى.
وما قاله من أن المتمتع يطوف للوداع دون غيره سببه أن المتمتع قد أراد الخروج بعد تحلله من مناسكه وهي أعمال العمرة.
وأما المفرد والقارن فلم يتحللا من مناسكهما.
إذا علمت ما ذكره هناك فهو مخالف لما رجحه هاهنا لتخصيصه الأمر عن فرع من المناسك ولانتفاء الخروج إلى مسافة القصر.
وقد تابعه النووي في "الروضة" على الموضعين، وعبر عن قول الرافعي هنا أنه أقرب بقوله: أنه أصح، ثم خالف الموضعين معًا في "شرح المهذب" فقال عقب الكلام على هذه المسألة في أثناء فرع ما نصه: والصحيح المشهور أن طواف الوداع يتوجه على من أراد مسافة القصر ودونها، سواء أكانت مسافة قريبة أم بعيدة لعموم الأحاديث وممن صرح به صاحب "البيان" وغيره، انتهى كلامه.
الجزء: 4 - الصفحة: 402
ثم ذكر أيضًا في الشرح المذكور ما يخالف هذا ويوافق كلام "الروضة" فإنه نقل عن الشافعي والأصحاب إيجابه.
واعلم أن في نقله ذلك عن صاحب "البيان" نظر؛ لأن صاحب "البيان".
ذكر ذلك فيما إذا خرج إلى منزله وهو يقتضي أن من خرج لحاجة ويعود قريبًا لا وداع عليه، بخلاف يقتضيه كلام النووي.
ومما يدل عليه أيضًا أن العمراني قال: قال الشيخ أبو نصر في "المعتمد": ليس على المقيم الخارج إلى التنعيم وداع عندنا خلافا "للبيان" أنه عليه.
الأمر الرابع: أنه قد تقرر بما ذكرناه في النصوص السابقة أن الخلاف في كونه من مناسك الحج جار في العمرة أيضًا على خلاف ما يوهمه تقييده المذكور في أول المسألة.
قوله: الثانية: ينبغي أن لا يمكث بعد طواف الوداع، فإن مكث نظر إن كان لغير عذر أو اشتغل بغير أسباب الخروج من شراء متاع أو قضاء دين أو زيارة صديق أو عيادة مريض فعليه إعادة الطواف.
وإن اشتغل بأسباب الخروج من شراء الزاد وشد الرحل ونحوهما فقد نقل الإمام فيه وجهين: أحدهما أنه يحتاج إلى الإعادة ليكون آخر عهده بالبيت.
وأصحهما -وبه أجاب المعظم- أنه لا يحتاج لأن المشغول بأسباب الخروج غير مقيم.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وفيه أمور:
أحدها: أنه قد سبق في باب الاعتكاف أن عيادة المريض إذا لم يخرج
الجزء: 4 - الصفحة: 403
لها بل كانت على طريقه لا تقطع التوالي في الاعتكاف الواجب بل يغتفر صرف قدرها في سائر الأغراض فكذلك القول في صلاة الجنازة أيضًا.
وإذا ثبت هذا هناك لزم جريانه هنا بطريق عليه فقال: وأخر عهد معقول؛ وهو أن يفرغ من الرحلة وجميع حوائجه ثم يطوف، فإن أخذه بعد ذلك ارتحالًا أو مقامًا فينزل أو زيارة لأحد أو بيعًا أو شراء على غير طريقه عاد للوداع، وإن مر على طريقه بمنزله وأنقذ رحلته لم يعد.
هذا لفظه، ونقله عنه صاحب "التقريب".
والأمر الثاني: أنا قد استفدنا من هذا النص أن مذهب الشافعي خلاف ما رجحه الرافعي من كون الاشتغال بشد الرحل في غير طريقه لا يضر.
الأمر الثالث: أن الذي حكاه عن "النهاية" مخالف للمذكور فيها؛ فإن التردد الذي حكاه فيها إنما هو في التعريج لأمر قبل طواف القدوم، وقال أنهم قطعوا بأن التعريج في طواف الوداع يفسده ذكر ذلك في الفصل المعقود لأحكام الطواف أن لا يعرج الراجع إلى مكة بعده على أمر، فإن عرج على [أمر] * فسد ما جاء به عن الجهة المطلوبة وتعين الإتيان بطواف الوداع مرة أخرى.
هذا لفظه.
ثم أعاد المسألة بعد ذلك بنحو ورقة في الكلام على طواف القدوم فقال: ثم قال الأئمة: ينبغي أن لا يعرج القادم على أمر حتى يطوف طواف القدوم؛ ففي قوله الأئمة تردد.
وقطعوا بأن التعريج نقد طواف الوداع نفسه.
هذا لفظه.
نعم: صرح الغزالي في "البسيط" بحكاية الوجهين.
قوله: الثالثة: هل يجب طواف الوداع أم لا؟ فيه قولان كالقولين في الجمع بين الليل والنهار؛ أصحهما -على ما قاله صاحبا "التهذيب" * قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: ليست بالمطبوع
الجزء: 4 - الصفحة: 404
و"العدة"- وجوبه؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا ينصرفن أحدكم حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت" 80.
واحتج للثاني بالقياس على طواف القدوم لكن صاحب "التقريب" ألحق طواف القدوم بطواف الوداع في وجوب الجبر.
وعلى التسليم بالفرق أن طواف القدوم تحية البقعة وليس مقصودًا في نفسه؛ ألا ترى أنه يدخل في طواف العمرة وطواف الوداع مقصود في نفسه، وكذلك لا يدخل تحت طواف آخر.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذا التعليل الذي ذكره في طواف الوداع وهو كونه مقصودًا لا يدخل تحت غيره لم يذكره في "الروضة" ولا في "شرح المهذب".
وهو حكم مهم بل قاعدة عظيمة حتى لو طاف للإفاضة بعد رجوعه من أيام منى ثم أراد السفر عقبة لم يكف بل لابد أن يطوف للوداع أيضًا.
وكذلك لو طاف للعمرة أو عن نذر.
ولكن روى البخاري في صحيحه عن عائشة في اعتمارها مع أخيها عبد الرحمن عقب الحج ما يدل على خلاف؛ فإنه لما ذكر الحديث قال في أثنائه: "فنزلنا المحصب فدعا بعبد الرحمن فقال: أخرج بأختك من الحرم فلتهل بعمرة ثم افرغا من طوافكما انتظركما هاهنا فأتيا في جوف الليل فقال: أفرغتما؟ قال نعم.
فنادى بالرحيل في أصحابه بأن يحل الناس" 81.
هذا لفظه.
فلم يأمر بطواف غير طواف العمرة؛ ولهذا ترجم له -
الجزء: 4 - الصفحة: 405
أعني البخاري- بقوله: باب المعتمر إذا طاف طواف العمرة ثم خرج هل يجزئه من طواف الوداع.
الأمر الثاني: أن صاحب "التقريب" قد نقل عن "النص" والأكثرين التفرقة، ونقل المساواة عن بعضهم إلا أنه أيده فقال: ذهب بعض أصحابنا إلى وجوب الذم لترك طواف القدوم، وهو قياس القول بوجوبه في الوداع، لكن نص الشافعي وأكثر الأصحاب على الفرق.
هذه عبارته.
ثم جزم به -أي: بعدم الوجوب- بعد ذلك بأوراق في الكلام على وجوب الإحرام على داخل مكة فقال ما نصه: وكما خصت مكة نفسها بطواف القدوم لا على أنه واجب بكل حال لكنه سنة؛ فمن تركه فلا قضاء عليه، ولو كان فرضًا أشبه أن يلزم تاركه بعد وجوبه بالإحرام دم، ولا نعلمه أوجبه نصًا إلا أن يقاس على طواف الوداع في أحد القولين.
هذا لفظه، ومنه نقلت فثبت بطلان ما نقلوه عنه.
والحديث المذكور رواه مسلم ولفظه:
"لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت"، وروى البخاري أيضًا قريبًا منه ولفظه: "أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض" 82.
والاستدلال إلا للولي لأن لفظ الأمر لا يدل على الإيجاب بخصوصه بل محتمل له وللندب كما أوضحناه في علم الأصول؛ فتفطن له.
قوله: الرابعة: إذا خرج من غير وداع وقلنا بوجوبه فعاد وطاف نظر إن عاد قبل الانتهاء إلى مسافة القصر تأدي الواجب به وسقط الدم بلا خلاف
الجزء: 4 - الصفحة: 406
كما لو جاوز الميقات غير محرم ثم عاد إليه، وإن عاد بعد الانتهاء إليها فوجهان: أصحهما: أنه لا يسقط لاستقراره بالسفر الطويل فوقوع الطواف بعد العود حقًا للخروج الثاني.
والثاني: يسقط كما قبلها.
ولا يجب العود في الحالة الثانية وأما الأولى ففيها خلاف.
. إلى آخره.
وما ذكره -رحمه الله- من نفي الخلاف لم يتعرض له في "الروضة" لكون الرافعي قد ذكره بعد الفراغ من المسألة في الكلام علي ألفاظ "الوجيز" وليس ذلك بصحيح؛ فإن في المسألة ثلاثة أوجه خرجها صاحب "التقريب" من نصوص مختلفة ورأيتها في كتابه:
أحدها: يعيده مطلقًا.
والثاني: يعيده إن لم يتعد.
والثالث: يعيده مطلقًا إن قضى ما تركه بأن يطوف للقدوم ثم للوداع الأول ثم للوداع الثاني.
هذا كلامه.
قوله: ويقول إذا فرغ: اللهم إن البيت بيتك.
. . . إلى آخره.
ثم قال ما نصه: ثم يصلي على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وينصرف.
وينبغي أن يتبع نظره البيت ما أمكنه.
انتهى.
وحاصله أنه يرجع القهقري كما يفعله كثير من الناس، أو يلتفت إليه حال انصرافه، وهو أقرب إلى كلامه.
إذا علمت ذلك فقد وافق النووي هنا على ما قاله الرافعي.
ثم إنه صحح في "شرح المهذب" خلاف ما جزم به هاهنا فقال ما نصه: قطع جماعة بأنه إذا طاف للوداع وبصره للبيت حتى يكون آخر عهده بالبيت.
الجزء: 4 - الصفحة: 407
وقال القاضي أبو الطيب وآخرون: يلتفت إليه في حال انصرافه كالمتحزن عليه.
وقال جماعات: يخرج ماشيًا تلقاء وجهه وهذا الثالث هو الصواب.
هذا كلامه.
وجزم صاحب "التنبيه" بالوجه الأول فاستدرك عليه النووي في تصحيحه فقال: المختار: أنه لا يلتفت.
وهذا الاستدراك يقتضي أن الصحيح ما قاله الشيخ كما اصطلح عليه في خطبة التصحيح.
الجزء: 4 - الصفحة: 408
الفصل الحادي عشر: في حكم الصبى
قوله: وهل للولي أن يحرم عن الصبي المميز؟ فيه وجهان.
قال الإمام: وظاهر المذهب هو الجواز لأنه يولي عليه فيه بدليل عدم استقلاله.
انتهى.
وما نقله عن الإمام وأقره عليه من ترجيح الجواز قد ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، وأطلق النووي تصحيحه في "أصل الروضة"، ثم إنه في "شرح المهذب" نقل هذا التصحيح الذي ذكره من تصرفه في "الروضة" عن الرافعي ولم يصحح هو فيه شيئًا فقال: فيه وجهان مشهوران حكاهما المتولي وآخرون؛ أصحهما عند الرافعي يصح، وقطع البغوي بأنه لا يصح.
ثم قال: وقطع به أيضًا صاحب "الشامل".
هذا كلامه.
قوله في "أصل الروضة": والمجنون كصبي لا يميز يحرم عنه وليه.
وفيه وجه غريب ضعيف بأنه لا يجوز الإحرام عنه، إذ ليس له أهلية العبادات.
انتهى كلامه.
وما ذكره من استغراب هذا الوجه غريب صادر عن غير مراجعة؛ فقد جزم الشيخ في "التنبيه" و"التهذيب" بأنه لا يصح، وعلله بأنه ليس أهلًا للعبادة، وصرح به أيضًا.
القاضي أبو الطيب في "تعليقه" وابن الصباغ في "الشامل" والماوردي في "الحاوي".
وفرق بينه وبين الصبي الذي لا يميز بأن إفاقة المجنون مرجوة في كل وقت بخلاف عدم التمييز.
الجزء: 4 - الصفحة: 409
ونقله الرافعي أيضًا عن ابن كج الحناطي.
وكلامه في "شرح المهذب" يشعر بأن الخلاف كالمتعادل؛ فإنه قال ما نصه: وجهان: جزم المصنف وآخرون بأنه لا يصح منه، وجزم البغوي والمتولي والرافعي وآخرون بصحته.
ثم قال: وهذا هو الصحيح.
هذا لفظه، وما ادعاه من جزم الرافعي سهو فإنه قد حكى الخلاف كما تقدم.
قوله: فيها أيضًا: وفي الوحي والقيم طريقان قطع العراقيون بجواز إحرامهما عن الصغير، وقال آخرون: وجهان: أرجحهما عند الإمام المنع.
انتهى.
أهمل طريقة ذكرها الرافعي بعد ذلك في الكلام على ألفاظ "الوجيز" فقال: وعن الداركي طريقة قاطعة تنفي الجواز للقيم ونحوه.
قوله: وفيه صور: إحداها: القدر الزائد من التفقة بسبب السفر في مال الصبي أو على الولي؟ فيه وجهان، وقيل قولان؛ والأصح أنه على الولي.
انتهى ملخصًا.
ئم أعاد المسألة في كتاب قسم الصدقات في الباب الثاني في كيفية الصرف فقال ما نصه: والذي يدفع إلى ابن السبيل تمام مؤنتة أو ما زاد بسبب السفر فيه وجهان: أصحهما أولهما، وهما كالقولين في عامل القراض إذا سافر، وفي الولي إذا حج بالصبي وأنفق من ماله لم يضمن.
هذا لفظه.
وفيه مخالفتان للمذكور هاهنا.
إحداهما: جزمه بأن الخلاف قولان على ما رجح هاهنا من كونه وجهين.
الجزء: 4 - الصفحة: 410
والثاني: جعله الخلاف في غرامة الجميع على خلاف ما جزم به هنا من كونه في الزائد فقط، واقتصر في "الروضة" على ذكر المسألة هاهنا فسلم من الاعتراض، وذكرها في "شرح المهذب" هنا كما ذكره الرافعي، وزاد عليه فقال: لا خلاف أنه لا يغرم الزائد على مؤنة السفر.
قوله في المسألة: فإن أوجبناه على الولي فأحرم بغير إذنه وصححناه حلله، فإن لم يحلله أنفق عليه.
انتهى.
وتعبيره بقوله: أنفق عليه، قد تابعه عليه في "الروضة".
وليس فيه تصريح بأنه ينفق من ماله لتقصيره بترك التحليل أو من مال الصبي لعدم إذنه له، وسياق كلامه يشعر بالأول، إلا أنه بعد هذا بقليل حكى فيما إذا تعاطى الصبي موجبًا للفدية قولين، وصحح أنهما من مال الولي.
ثم قال: وهذا إذا أحرم بإذنه.
فإنه أحرم بغير إذنه وصححناه فالفدية في مال الصبي قطعًا؛ قاله المتولي.
هذا كلامه وهو يؤيد الاحتمال الثاني.
فإن كان مراد الأول لزمه تقييد المسألة الثانية بما إذا لم يعلم الولي أو علم ولم يمض ومن عليه فيه التحلل، وأجاب ابن الرفعة بالاحتمال الأول، ونقله عن الرافعي.
وقد ظهر لك أنه ليس كذلك.
وأجاب في "شرح المهذب" بمثله أيضًا لا أنه فرعه على القول بالإيجاب في مال الصبي فقال: والثاني في مال الصبى؛ فعلى هذا لو أحرم بغير إذنه وصححناه حلله، فإن لم يفعل أنفق عليه من مال الولي.
هذه عبارته، وهي أجود من الأول.
قوله: الثانية: يمنع الصبي المحرم من محظورات الإحرام؛ فلو تطيب أو ليس ناسيًا فلا فدية كالبالغ الناس وإن تعمد فقد بنوه على أصل مذكور في
الجزء: 4 - الصفحة: 411
الجنايات وهو أن عمد الصبي عمدًا وخطأ، فإن قلنا عمد وهو الأصح وجبت، وعن الداركي نقل قول فارق بين أن يكون الصبي ممن يلتذ بالطيب واللباس أم لا.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الخلاف المذكور في الجنايات محله في المميز، وفي كلامه هنا إشعار به؛ وعلى هذا فإذا لم يكن مميزًا فلا فدية.
وفيه كلام يأتي في أول الجنايات فراجعه.
ويدل على عدم الوجوب ما يأتي في باب محرمات الإحرام في النوع الرابع منه أن المجنون والمغمي عليه والصبي؛ الذي لا يميز إذا حلفوا لا كفارة عليهم في أصح القولين.
الأمر الثاني: أن القول المعروف فيه إشكال يوهم تعميم الخلاف في المميز وغيره فليتأمل.
قوله في "الروضة": وإذا جامع الصبي عامدًا فالأظهر فساد نسكه ووجوب القضاء عليه.
ثم قال: ومهما فسد نسكه وأوجبنا القضاء وجبت الكفارة أيضًا وإلا ففي الكفارة وجهان: أصحهما الوجوب.
انتهى.
وما ذكره من ترتيب الكفارة على القضاء واقتصر عليه قد ذكر معه الرافعي طريقًا آخر على العكس وهي ترتيب القضاء على الكفارة، وعليها اقتصر في "الوجيز" فقال: إن لم تلزم الفدية فالقضاء أولى، وإن لزمت ففي القضاء خلاف.
والفرق أن القضاء عبادة بدنية وحال الصبي أبعد عنها.
قوله: ولو بلغ الصبي في أثناء الحج بعد الوقوف وقبل خروج وقته، فإن لم يعد إلى الموقف لم يجزئه عن حجة الإسلام لمضي المعظم في حال النقصان، ويخالف الصلاة فإنها تتكرر بخلاف الحج.
الجزء: 4 - الصفحة: 412
وقال ابن سريج: يجزئ البقاء بإدراك الزمان، وإن عاد أو بلغ قبل وقت الوقوف أو في حال الوقوف أجزأه عنها، لكن يجب إعادة السعي إن كان قد سعى عقب طواف القدوم قبل البلوغ في أصح الوجهين لوقوعه في حال النقصان.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن ابن سريج لا يقول بمثله في الصلاة، بل يوجب الإعادة كما نقله عنه الرافعي وغيره؛ فتفطن له فإن كلام الرافعي هنا موهم، والظاهر أن ابن شريح إنما قال ذلك تخريجًا لا مذهبًا والفرق على المذهب أن الصلاة تتعلق بالزمان فقط فجعل إدراكه إدراكًا لها، والوقوف يتعلق بالزمان والمكان فلم يكن إدراك أحدهما كافيًا.
الأمر الثاني: أنه إذا بلغ بعد الوقوف والوقت باق فعاد ولكن بعد الطواف فينبغي أن تجب إعادته أعني الطواف كما سبق في السعي.
ولم أر المسألة مصرحًا بها.
الثالث: إذا بلغ في أثناء الوقوف فلم لا يخرجوه على ما إذا طول كالركوع ونحوه هل يقع الكل واجبًا أم لا.
الأمر الرابع: إذا عتق في أثناء الوقوف فله حالان:
أحدهما: أن يقيم بعد العتق زمانًا يعتد بمثله في الوقوف.
والثاني: أن لا يحصل ذلك بأن جن مع آخر لفظ العتق أم انفصل عن الموقف لكونه كفى طرفه.
وإطلاق الرافعي يقتضي الإطلاق في القسمين.
وقال ابن الرفعة: يظهر أن الثاني لا يكفي.
قوله: وقد بنوا الوجهين في إعادة السعي؛ على أنه إذا وقع حجة عن حجة الإسلام فهل نقول بأنه تبين بانعقاده في الأصل فرضًا أو نقول بأنه انعقد نفلًا ثم انقلب فرضًا؟ فإن قلنا بالأول لم يعد وإلا عاد.
انتهى.
الجزء: 4 - الصفحة: 413
وهذا الخلاف الذي بنى عليه هذه المسألة لم يذكره في "الروضة".
قوله: ولو أن الذمي أتى الميقات مريدًا للنسك فأحرم منه لم ينعقد إحرامه لأنه ليس أهلًا للعبادات البدنية، فإن أسلم قبل فوات الوقوف ولزمه الحج فله أن يحج من سنته وإن يؤخر؛ فإن الحج على التراخى، فإن حج من سنته فعاد إلى الميقات فأحرم منه أو أحرم من موضعه وعاد إليه محرمًا فلا شئ عليه، وإن لم بعد لزمه الدم كالمسلم إذا جاوزه على قصد النسك.
ولا يجئ فيه الخلاف المذكور في الصبي إذا وقعت حجته عن حجة الإسلام لأنه حين مر بالميقات كان سبيل من أن يسلم ويحرم بخلاف الصبي.
وقال المزني: لا دم عليه.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة"، وفيه أمران:
أحدهما: أنه لم يتعرض للقسم الآخر وهو ما إذا حج من سنة أخرى، والحكم فيه أنه لا يجب الدم مطلقًا كما سبق إيضاحه في فصل المواقيت وسبق أيضًا هناك الوعد بذكر هذا الكلام.
الأمر الثاني: أن حكم العبد والصبي في هذا كحكم الكافر.
كذا رأيته في "التقريب" منقولًا عن نص الشافعي.
قوله: ولو طبيب الولي أو ألبسه أو حلق رأسه فينظر إن فعل ذلك لحاجة الصبي فهو كمباشرة الصبي في أصح الوجهين.
والوجهان مشبهان بالوجهين فيما إذا أدخر المغمي عليه معالجة في باب الصوم.
انتهى.
وهاتان المسألتان قد سبق الكلام عليهما في الركن الثاني من كتاب الصيام فراجعه.
قوله: وإن فعله لا لحاجة فالفدية عليه.
وكذا لو طيبه أجنبي، وهل يكون الصبي طريقًا؟ فيه وجهان.
انتهى.
والأصح أنه لا يكون.
كذا صححه النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة".
الجزء: 4 - الصفحة: 414
الباب الثالث في محظورات الحج والعمرة
وهي سبعة أنواع:
النوع الأول: اللبس
قوله: ولو استظل بمحمل أو هودج فلا فدية عليه.
ثم قال: وخص صاحب "التتمة" عدم الفزية بما إذا لم تمس المظلة رأسه، وحكم بوجوبها إذا كانت تمسه.
وهذا التفصيل لم أره لغيره، وإن لم يكن منه بد فالوجه إلحاقه بوضع الزنبيل على الرأس.
والأصح فيه عدم الفدية.
انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره في "التتمة" وذكر الرافعي أنه لم يره لغيره قد جزم به جماعات منهم الروياني في "البحر" فقال قبيل باب دخول مكة ما نصه: له أن يستظل بما لا يباشر رأسه من الخيمة والمحمل.
هذا لفظه، وذكر مثله الخوارزمي في "الكافي" واستدلال القاضي الحسين يقتضيه، وصرح به أيضًا أبو الخير سلامة بن إسماعيل بن جماعة المقدسي في كتاب المسمى "بالوسائل في فروق المسائل" مع حكاية الخلاف في حمل الزنبيل، وفرق بأن المحمل يقصد به السير بخلاف الزنبيل.
قوله: ولو وضع على رأسه زنبيلًا أو حملًا فقيل يجوز قطعًا لأن مقصوده نقل المتاع لا تغطية الرأس.
وقيل: على قولين.
وهو ما أورده في الكتاب.
وسواء ثبت الخلاف أم لا فظاهر المذهب أنه لا فدية.
انتهى ملخصًا.
الجزء: 4 - الصفحة: 415
فيه أمران:
أحدهما: أن الأصح من الطريقين على ما قاله النووي هي طريقة القطع كذا صححه في "شرح المهذب" وفي "الروضة"، ولم ينبه في "الروضة" على أنه من زياداته بل أدخله في كلام الرافعي، ومقتضي كلام الرافعي في "الشرح الصغير" يرجح طريقة القولين.
الأمر الثاني: أن التعليل الذي ذكره الرافعي يؤخذ منه أنه لا فرق بين أن يقصد السير بذلك أم لا، ولم يذكره في "الروضة"، وجعل الفوراني في "العمد" محل الخلاف فيما إذا لم يقصد به الستر وجزم بالوجوب فيما إذا قصد به ذلك.
والزنبيل: بكسر الزاي لا غير؛ لأن فعليلا بالفتح مفقود أن نادر.
نعم يجوز فتحها مع حذف النون على وزن رغيف.
قوله: ولو ألقي على نفسه قبًا أو فرجية وهو مضطجع قال الإمام: إن أخذ من بدنه ما إذا قام عد لابسًا فعليه الفدية، وإن كان بحيث لو قام أو قعد لم يستمسك عليه إلا بمزيد أمر فلا.
انتهى.
ثم أعاد المسألة عد ذلك بأسطر فقال: فلو ارتدي بقميص أو قباء أو التحف بهما أو إتزر بسراويل فلا فدية عليه كما لو اتزر بإزار خيط عليه رقاع.
انتهى.
والالتحاف إما أن يكون الإلقاء الذي عبر به أولًا فلابد فيه من التفصيل مع ما اشتمل عليه أيضًا من التكرار على قرب، وإما أن يكون هو القسم الثاني من الإلقاء وهو ما لم يستمسك عند القيام، وهذا الثاني هو الأقرب إلى التعبير بالالتحاف، وعلى كل حال فهو كلام عجيب.
وذكرها في "الروضة" كما في الرافعي.
الجزء: 4 - الصفحة: 416
قوله: ويجوز أن يجعل لإزاره مثل الحجزة ويدخل فيها التكة، بخلاف الشرح والعري للرداء في أصح الوجهين.
انتهى.
أما الحجزة: فبحاء مهملة ثم جيم ساكنه بعدها زاي وهي التي فيها التكه.
والتكه: بكسر التاء كما قاله في "تهذيب الأسماء واللغات".
وأما الشرح فقد تقدم في مسح الخف.
قوله من "زياداته": المذهب والمنصوص أنه لا يجوز عقد الرداء .. إلى آخره.
اعلم أنه قد ذكر هذه المسألة في باب الكفن من "شرح المهذب" وقال: لا خلاف في المنع مع أنه قد نقل الجواد في الشرح المذكور هاهنا عن جماعة فقال: وقطع بالجواز إمام الحرمين، والغزالي في "البسيط"، والمتولي في "التتمة"، والشيخ أبو نصر وصاحب "المعتمد" وغيرهم.
قوله: ولو اتخذ لإزاره شرحًا وعري قال الإمام: وجبت الفدية.
انتهى.
ذكر البغوي مثله، وحكى صاحب "الذخائر" فيه خلافًا.
ثم قال: إن محله فيما إذا تفاوت الشرح والعري بحيث أشبهت الخياطة.
فإن قلت: وبعدت عن مشابهة الخياطة، فلا فائدة بلا خلاف.
فإن قلت: فهل يتقيد الرداء بذلك أيضًا؟ قلنا: لا.
والفرق أن الشرح المتباعد يشبه العقد، والعقد جائز في الإزار ممتنع في الرداء خلافًا للإمام.
قوله: وإذا ستر الخنثى المشكل رأسه أو وجهه فلا فدية لاحتمال أنه امرأة في الصورة الأولى ورجل في الثانية، وإن سترهما معًا وجبت.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة"، وليس فيه تعرض للمقدار الذي يجب ستره منه،
الجزء: 4 - الصفحة: 417
وقد تعرض له في "شرح المهذب" نقلًا عن القاضي أبي الطيب وصاحب "البيان" فقال: قال القاضي أبو الطيب في "تعليقه": لا خلاف أنا نأمره بالستر ولبس المخيط كما نأمره في صلاته أن يستتر كالمرأة.
قال: ولا تلزمه الفدية على الأصح؛ لأن الأصل براءة ذمته، وقيل: تلزمه للاحتياط.
وفي "البيان" عن القاضي أبي الفتوح أنه يمتع من ستر الرأس والوجه معًا لأن فيه تركًا للواجب وأنه لو قيل: يوم يكشف الوجه، لكان صحيحًا؛ لأنه إن كان رجلًا فكشف وجهه لا يؤثر ولا يمنع منه، وإن كان امرأة فهو الواجب.
ثم قال: وعلى قياس ما قاله يستحب أن لا يلبس المخيط لجواز كونه رجلًا، فإن فعل فلا فدية لجواز كونه امرأة.
انتهى كلام "شرح المهذب" ملخصًا.
وما نقله عن القاضي أبي الفتوح لعله في كتاب آخر غير المصنف الذي له في أحكام الخناثي، فإن الذي رأيته في التصنيف المذكور إنما هو الاقتصار على ما ذكره الرافعي إلا أنه زاد عدم وجوب الكفارة عليه بلبس المخيط.
وقد رأيت التصريح بحكمه مفصلًا في "فتاوى القفال" فقال: يخمر رأسه ولا يخمر وجهه.
ورأيت نحوه مبسوطًا بزيادات في كتاب "أحكام الخناثا" تصنيف الإمام أبي الحسن على بن المسلم السلمي الدمشقي تلميذ الغزالي فذكر ما حاصله أنه يجب عليه أن يستر رأسه وأن يكشف وجهه وأن يستر بدنه إلا بالمخيط فإنه يحرم عليه احتياطًا.
ثم ذكر أمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سودة بنت زمعة بالاحتجاب من ابن وليدة أمها لأجل شبهة واقتضى كلامه أن الأمر بذلك على سبيل
الجزء: 4 - الصفحة: 418
الإيجاب.
وما قاله فيه غريب، وأما في الخنثى فحسن.
قوله في "الروضة": ولو اختضبت ولفت على يدها خرقة فوق الخضاب أو لفتها بلا خضاب فالمذهب أنه لا فدية، وقيل: قولان كالقفازين.
وقال الشيخ أبو حامد: إن لم تشد الخرقة فلا فدية وإلا فالقولان.
انتهى.
وما ذكره من تصحيح طريقة القطع غلط، بل حاصل ما في الرافعي تصحيح طريقة القولين وتضعيف طريقة القطع فإنه جعل القولين تفريعًا على تحريم القفازين وصحح منهما التحريم وجعل الطريقة القاطعة بالجواز تفريعًا على جواز لبسهما، والصحيح تحريم القفازين فيكون الصحيح طريقة القولين.
وذكر الرافعي في "الشرح الصغير" أيضًا كما في "الكبير" فانعكس ذلك على النووي، ثم إنه أخذ ما تعكس عليه ووضعه في موضعين في "شرح المهذب" وذلك على عادته التي أعلمتك بها مرات وهي نقل ما في "الروضة" إلى "شرح المهذب".
قوله: ولو احتاج الرجل إلى ستر الرأس أو لبس المخيط لعذر حر أو برد أو مداواة جاز له ذلك ولكن تجب الفدية كما إذا احتاج إلى الحلق بسبب الأذي فإنه يجوز وتلزمه الفدية كما ورد في القرآن.
انتهى ملخصًا.
والقياس المذكور ضعيف؛ إذ لا يلزم من وجوب الفدية في الإتلاف وجوبها في الاستمتاع؛ فقد يفرق بعذر النسيان لكون الإتلاف أعط فيجوز أن يكون المرعى في الحلق كونه إتلافًا.
الجزء: 4 - الصفحة: 419
النوع الثاني: الطيب
قوله في "الروضة": وأما البنفسج فالمذهب أنه طيب، وقيل: لا، وقيل: قولان.
انتهى.
واعلم أن الرافعي قد ذكر طرفًا للأصحاب يؤخذ منها ثلاثة أقوال أو وجوه فأسقطها النووي؛ وذلك أن الرافعي نقلا عن "النص" أنه ليس بطيب وصحح القطع بأنه طيب ثم قال ما نصه: واحْتلف الصائرون إليه أي إلى القطع في تأويل النص فقيل: أرأد به البنفسج الجاف فإنه بعد الجفاف لا يصلح إلا للتداوي.
وقيل: أراد به بنفسخ الشام والعراق فإنه لا يتطيب به.
وقيل: أراد به المربا بالسكر.
هذا كلامه.
والتفصيل المستفاد عند كل قائل من الثلاثة المذكورين لا يوجد منه شيء من كلام "الروضة" وقد وقعت هنا أشياء للثياب لابد من ضبطها؛ فمنها: الخيري: بخاء معجمة مكسورة ثم ياء ساكنة بنقطتين من تحت ثم راء مهملة بعدها ياء مشددة.
ومنها: الضميران: اسم للريحان الفارسي.
وهو بضاد معجمة مفتوحة بعدها ياء ساكنة ثم ميم مضمومة، هكذا ضبطه النووي في كتبه وفسره في كتاب "الإيمان" بالريحان الفارسي، وفسر الريحان الفارسي هنا به، ولا يعلم من ذلك حقيقته.
وما ذكره النووي في ضبطه هو كذلك إلا أنه لغة قليلة حكاها ابن بري في "حواشي الصحاح".
والمعروف وهو المجزوم به في "الصحاح" أنه الصومران بالواو وفتح الميم.
الجزء: 4 - الصفحة: 420
ومنها: المرزنجوش: . وهو براء مهملة ثم زاي معجمة مفتوحة ثم نون ساكنة ثم جيم مضمومة وبالشين المعجمة.
ومنها: القيصوم: وهو بالقاف المفتوحة والياء الساكنة بنقطتين من تحت وبالصاد المهملة.
ومنها: الخليجين: بالجيم.
وهو الورد المربا.
قوله: ومنه دهن البان نقل الإمام عن نص الشافعي - رضي الله عنه - أنه ليس بطيب.
وكذا البان نفسه، وكذا ماء الورد.
وهذا ما أورد المصنف.
وأطلق الأكثرون القول بأن كل واحد منهما طيب ونسبه أن لا يكون هذا خلافًا محققا، بل الكلامان محمولان على توسط حكاه صاحبا "المهذب" و"التهذيب" وهو أن دهن البان المنشوش وهو المغلي في الطيب طيب وغير المنشوش ليس بطيب.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على ذكر هذا التأويل لكلام الشافعي بحثًا.
وقد صرح به الشافعي في "الأم" فقال في باب الطيب للإحرام ما نصه: والادهان دهنان دهن طيب يفتدي صاحبه إذا دهن به من جسده شيئًا قل أو كثر، وذلك مثل البان المنشوش بالطيب والزنبق وماء الورد وغيره.
قال: ودهن ليس بطيب مثل سلحه البان غير منشوش.
هذا لفظه بحروفه ومن "الأم" نقلت.
والمنشوش: بميم مفتوحة ثم نون ساكنة ثم شينين معجمتين.
قال الجوهري: النشيش: صوت الماء وغيره عند غليانه.
والزنبق المذكور في كلام الشافعي بزان معجمة مفتوحة ثم نون ساكنة ثم باء موحدة مفتوحة ثم قاف.
قال الجوهري: هو دهن الياسمين، وقد عبره بالياسمين الأبيض.
الجزء: 4 - الصفحة: 421
قوله: ولو داس بنعله طيبًا لزمته الفدية لأنها ملبوسة له.
انتهى.
تابعه على إطلاقه في "الروضة" وشرط المسألة أن يتعلق به شئ منه.
كذا نقله الماوردي عن نص الشافعي.
قوله: ولو تطيب ناسيًا لإحرامه أو جاهلًا بتحريم الطيب لم تلزمه الفدية وعذر كما لو تكلم ناسيًا في الصلاة أو أكل ناسيًا في الصوم.
انتهى.
وقد سبق أن عدم البطلان بكلام المصلي وأكل الناس مقيد بما إذا لم يكثر ذلك منهما.
وقياس ذلك أن يأتي مثله في الطيب وهو مقتضى الإلحاق المذكور.
قوله: ولو مس طيبًا رطبًا وهو يظن أنه يابس لا يعلق به شئ منه ففي وجوب الفدية قولان: أحدهما: تجب لأنه قصد الطيب مع العلم بكونه طيبًا.
وأجاب الغزالي بالأول ورجحه للإمام وغيره، ورجحت طائفة الثاني، وذكر صاحب "التقريب" أنه الجديد.
انتهى.
وهذا الذي نقله عن صاحب "التقريب" ليس الأمر فيه كما ذكره؛ فقد رأيت "التقريب" فوجدته قد حكى في المسألة وجهين من غير ترجيح ثم نقل عن "المختصر" و"الأم" كلامًا وتردد في حمله فقال بعد حكاية الوجهين وهما رواية المزني، فإن مسه ولا يعلم أنها رطبة فعلق بيده طيب غسله، وإن تعمد ذلك افتدى؛ فقد يحتمل أن يكون معناه وإن مس الكعبة ولا يعلم أنها مطيبة بالخلوق، وأما إذا علمها مطيبة ثم مسها الخلوق افتدى.
فظاهر معناه أن يتعمد مس الخلوق عالمًا بأنه رطب.
هذا كلام "التقريب" من غير زيادة عليه.
الجزء: 4 - الصفحة: 422
النوع الثالث دهن شعر الرأس واللحية
قوله: فيحرم استعمال الدهن في الرأس واللحية، ويجوز للأقرع والأصلع والأمرد، ونقل المزني أنه لا يمنع من دهن ما لا شعر.
ثم قال ما نصه: لكن قال المسعودي في الشرح: ليس الأمر على ما قاله المزني بل هو منهى عن استعمال الدهن في الرأس والوجه كله وإن لم يكن عليه شعر لأنه موضع الشعر.
انتهى.
فيه أمور:
[أحدها] 83 قوله: أنه قد تلخص من نقله عن المسعودي بأنه يمتنع في الوجه والرأس وإن كان أقرع أو أصلع، وقد حذف النووي من "الروضة" هذه المقالة.
الثاني: أن كلام الرافعي والنووي هنا يوهم جوار استعمال الدهن في ما عدا اللحية من شعر الوجه كالحاجب والشارب والعنفقة والعذارين.
القياس التحريم في الجميع.
وقد تعرض له الطبري شارح "التنبيه" فقال: الظاهر أن جميع شعر الوجه في معنى اللحية.
الثالث: أن إطلاقه يشعر بأنه لا فرق في اللحية بين أن تكون من رجل أو امرأة، وهو كذلك؛ فقد صرح به القاضي الحسين.
قوله: ولو اكتحل بما لا طيب فيه فروى المزني أنه لا بأس به، وفي "الإملاء" أنه يكره، وتوسط متوسطون فقالوا: إن لم يكن فيه زينة كالتويتاء الأبيض لم يكره وإن كان فيه زينة كالإثمد كسره.
الجزء: 4 - الصفحة: 423
انتهى ملخصًا.
تابعه في "الروضة" على حكاية الخلاف من غير تصحيح، والأصح هو التفصيل فقد صححه النووي في "شرح المهذب" وجزم به في "شرح مسلم" وقال: إنه مذهب الشافعي.
الجزء: 4 - الصفحة: 424
النوع الرابع: الحلق والقلم
:
قوله: ولو قطع يده أو بعض أصابعه وعليها شعر وظفر فلا فدية لأنهما تابعان غير مقصودين، وشبهوه بما إذا أرضعت امرأته الكبيرة الصغيرة بطل النكاح ولزمها مهر الصغيرة، ولو قتلهما فلا مهر عليها لا ندارج البضع في الفتل.
انتهى.
وما ذكره من وجوب المهر تبعه عليه أيضًا في "الروضة"، وهو قول مخرج، والصحيح المنصوص أن الواجب على المرضعة إنما هو نصف المسمى كما سأذكره إن شاء الله تعالى في الباب الثالث في الرضاع القاطع للنكاح فراجعه.
قوله: ولا يتوقف وجول كمال الدم على حلق جميع الأظفار بالإجماع بل يكمل الدم في ثلاث شعرات أو ثلاثة أظفار.
انتهى.
وما ادعاه من الإجماع قد تابعه عليه أيضا في "الروضة"، وليس كذلك؛ لأن مالكًا ذهب في أحد قوليه إلى أنه لا يفتدي إلا بحلق جميع الرأس، فإن حلق بعضه لم يكن عليه شئ.
حكاه القاضي أبو بكر بن العربي في "شرح الترمذي".
قوله: فإن حلق شعره أو شعرتين فأقوال: أظهرها وهو الذي ذكره في أكثر كتله أن في الشعرة مدًا من طعام، وفي شعرتين مدين؛ لأن تبعيض الدم عسير والشرع قد عدل الحيوان بالإطعام في جزاء الصيد وغيره، والشعرة الواحدة هي النهاية في "القلة" والمد أقل ما وجب في الكفارات فقوبلت به.
والثاني: في شعرة درهم وفي شعرتين درهمان؛ لأن التبعيض لما عسر وكانت الشاة تقوم في عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بثلاثة دراهم اعتبرنا تلك القيمة.
الجزء: 4 - الصفحة: 425
والثالث: رواية الحميدي عن الشافعي: في شعره ثلث دم وفي شعرتين ثلثان.
وهو قسط الواجب في الثلاث.
انتهى.
وما ذكره الرافعي في هذه المسألة هو المعروف في المذهب والمذكور في كتب النووي أيضًا.
وإطلاقهم هذه الأقوال وتصحيح الأول منها مشكل لأنه إذا حلق ثلاث شعرات فيكون مخيرًا بين إخراج الدم أو ثلاثة آصع أو صيام ثلاثة أيام؛ وحينئذ فإذا حلق شعرة أو شعرتين فيكون أيضًا مخيرًا بين يخصها من الخصال الثلاث، فكيف يأتي ما ذكروه؟
والجواب: أن هذه الأقوال ليست على إطلاقها بل إن اختار الإطعام أخرج عن كل شعرة صاعًا بلا نزاع، وإن اختار الصيام صام عن كل واحدة يومًا بلا نزاع، وإن اختار الدم فهو محل الأقوال وتعليلها مذكور في كلامهم.
وهذا الذي ذكرته من تصوير المسألة جزم به صاحب "البيان".
كذا رأيته في كتابه المسمى "بالسؤال عما في المهذب من الإشكال".
والذي قاله متعين لا محيد عنه، وقد تبعه عليه ابن أبي الضيف في "نكت التنبيه" والطبري شارح "التنبيه" وقال أنه مما لا يمكن دفعه.
قوله: ولو أغمي عليه مخلق ففيه قولان منصوصان.
والمجنون والصبي الذي لا يميز كالمغمي عليه.
انتهى ملخصًا.
والصحيح في المسائل كلها عدم الوجوب.
كذا صححه النووي في "شرح المهذب" ولم يصحح في "الروضة" شيئا، إلا أن الرافعي لما ذكر هذا الخلاف في قتل الصيد أيضًا صحح هناك من زياداته عدم الوجوب فيه، وهو نظير ما نحن فيه؛ لاشتراك الجميع في الإتلاف.
الجزء: 4 - الصفحة: 426
وهذا الكلام قد سبق الوعد بذكره في الكلام على إحرام الصبي.
قوله: وقول الغزالي: إن في الحلق والإتلاف ناسيًا وجهين يدخل فيه قتل الصيد ويقتضي كونه على الخلاف.
وهكذا قاله الأكثرون، وأشار مشيرون إلى القطع فيه بالوجوب.
انتهى.
وما ذكره هاهنا من رجحان طريقة الخلاف قد ذكر ما يناقضه في الكلام على الصيد مناقضة عجيبة، وتابعه في "الروضة" على ذلك، وسأذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى.
قوله: ولو حلق الحلال شعر المحرم مكرهًا أو نائمًا أو مغمي عليه ففيه قولان: أصحهما: أن الفدية على الحالق.
وبناها الأصحاب على أن الشعر في يد المحرم كالوديعة أو كالعارية وفيه جوابان فإن قلنا كالوديعة وهو الأظهر عندهم؛ فالفدية على الحالق وإلا فعلى المحلوق.
ثم قال ما نصه: فإن قلنا على الحالق فامتنع فهل للمحلوق مطالبته بإخراجها؟ فيه وجهان.
وجواب الأكثرين أن له ذلك بناء على أن المحرم كالمودع، والمودع خصم فيما يأخذ منه ويتلف في يده.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن مخاصمة المودع قد ذكرها الرافعي في ثلاثة مواضع أخرى وجزم في جميعها بأنه لا يخاصم، على عكس ما ذكره هاهنا: أحدها: في كتاب الرهن في أثناء الباب الثالث.
والثاني: في كتاب الإجارة في أوائل الباب الثالث وهو موضع المسألة؛ فإنه قد ذكر هناك من يخاصم من غير المالك كالمستأجر والمرتهن والمودع، وسأذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى.
الجزء: 4 - الصفحة: 427
والثالث: في كتاب السرقة في آخر الشرط الخامس.
وتبعه النووي في هذه المواضع على عدم المخاصمة وهو المشهور أيضًا في المذهب.
وإذا علمت ذلك علمت أن المشهور هنا أنه لا يجوز للمحلوق مطالبة الحالف بإخراجها على خلاف ما ذكره هنا فإنه قد صرح بأن المطالبة مبنية على أنه كالمودع، ثم زاد عليه فقال: إن المودع يخصم، وقد قرر هو أنه ليس الأمر فيه كذلك ولم يتعرض للمسألة في "الشرح الصغير" في هذا الباب، بل ذكرها في الإجارة كما ذكرها في "الكبير"، وصحح النووي في "الروضة" أن للمحلوق أن يطالب ولم يتعرض للبناء والتعليل الذي ذكره الرافعي.
وكذلك فعل في "شرح المهذب" وقد اتضح أنه ليس الأمر فيه كما قاله فاعلمه.
الأمر الثاني: أن إطلاقه يقتضي أنه لا فرق بين أن يكون الشعر قد دخل وقت حلقه أم لا، لكن قال الطبري شارح "التنبيه": الظاهر فيما دخل وقته أنه لا فدية فيه قطعا.
قال: نعم لا يبعد جعله متعديًا حتى يأثم.
قوله في المسألة: وإن قلنا الفدية على المحلوق ففدى بالهدي أو الإطعام رجع على الحالق بأقل الأمرين من الإطعام وقيمة الشاة، وإن فدى بالصوم فلا رجوع في أظهر الوجهين، وقيل يرجع بثلاثة أمداد من طعام لأنها بدل صومه.
انتهى كلامه.
ومقتضاه أنه يجوز للمحلوق أن يفدي بالصيام إذا قلنا: أن الفدية عليه، وتابعه النووي في "الروضة" على ذلك.
الجزء: 4 - الصفحة: 428
ليس ذلك على إطلاقه بل محله إذا غاب الحالق أو أعسر، فأما مع حصوره ويساره فلا يجوز للمحلوق الفداء بالصوم.
كذا نقله في "شرح المهذب" عن الأصحاب فقال ما نصه: قال أصحابنا فإن أراد المحلوق إخراجها والحالة هذه كان عليه أن يفدي بالهدي أو الإطعام دون الصيام.
هكذا قاله الشيخ أبي حامد والأصحاب لأنه متحمل لهذه الفدية عن غيره والصوم لا يصح فيه التحمل، وإن غاب الحالق أو أعسر لزم المحلوق أن يفدي ليخلص نفسه من الفرض.
قال الأصحاب: وله هنا أن يفدي بالهدي والإطعام والصيام.
وأطلق البغوي وغيره أن له أن يفدي بالإطعام والهدي والصيام.
ولم يفرقوا بين وجود الحالق وعدمه.
وقطع الماوردي بأنه لا يجوز الصيام مطلقًا لأنه لا يتحمل.
انتهى كلامه.
ولا شك أن ما قاله النووي في "شرح المهذب" يستقيم إذا قلنا: إن الوجوب لا يختص بالمحلوق بل يجب على الحالق أيضًا لأن الحالق إذا خوطب بالفدية قبل الإخراج وثبت للمحلوق الرجوع عليه عند إخراجه لزم بالضرورة أن يكون الإخراج بطريق التحمل عنه والصوم لا يتحمل.
فأما إذا قلنا: إن الوجوب يختص بالمحلوق، فيصح صومه مطلقًا لانتفاء التعليل المذكور.
والصواب: أنه لا يختص به لأن التفريع على قول العارية وضمان العارية كما يجب على المستعير يجب أيضًا على المسلف.
قوله: ثم إذا رجع أي: المحلوق فإنما يرجع بعقد الإخراج في أصح الوجهين.
والثاني: له أن يأخذ منه ثم يخرج.
انتهى كلامه.
الجزء: 4 - الصفحة: 429
تابعه النووي في "الروضة" على تصحيح امتناع الرجوع قبل الإخراج، وخالفه في "شرح المهذب" فقال ما نصه: وإذا قلنا بهذا فقال المصنف وجمهور الأصحاب: إن كان الحالق حاضرًا وهو موسر فللمحلوق أن يأخذها من الحالق ويخرجها؛ لأنه لا معنى لإلزام المحلوق بإخراجها ثم الرجوع على الحالق مع إمكان الأخذ من الحالق، وهذا قد قطع به العراقيون جميعهم وجماعة من غيرهم.
وقال المتولي والبغوي والرافعي: فيه وجهان:
أصحهما: لا يرجع.
انتهى كلامه.
وهو تباين فاحش فإنه يقتضي أن المشهور والمعروف طريقة القطع بالرجوع وأن طريقة الوجهين ضعيف فضلا عن تصحيحها ثم تصحيح عدم الرجوع، وقد اتضح لك أن الفتوى على خلاف المذكور في "الشرح" و"الروضة"، فاعلمه.
ومدرك الخلاف في هذه المسألة قد تقدم مبسوطًا في المسألة السابقة، وهو أنه هل يجب على الحالق كما يجب على المحلوق أم لا؟ .
وما صححه النووي في "الشرح" المذكور ونقله عن الجمهور من جواز مطالبة الحالق ابتداء موافق للقول بالوجوب عليه، وهو ماش على طريقته في المسألة السابقة.
قوله: وهل للحالق أن يفدي على هذا القول أي: قول الوجوب على المحلوق؟ أما بالصوم فلا لأنه متحمل والصوم لا يتحمل، وأما بغيره فنعم ولكن بإذن المحلوق لأن في الفدية معنى القربة فلابد من نية من لاقاه الوجوب.
الجزء: 4 - الصفحة: 430
انتهى كلامه.
تابعه أيضًا في "الروضة" عليه، وهو لا يستقيم إلا على الطريقة التي أشرنا إليها من كونه لا يجب على الحالق مع المحلوق.
وأما على الطريقة الأخرى التي يقتضيها كلامه في "شرح المهذب" وهي القائلة بأنه تجب عليه فإنه لا يستقيم منعه من التكفير لا بالصوم ولا بالمال.
فإذا علمت ذلك فاعلم أنه قد ذكر هذا الفرع في "شرح المهذب" كما ذكره الرافعي وكأنه قلده فيه غير مستحضر ما هو مفرع عليه فخلط طريقة بطريقة، وقياس ما قاله في الشرح المذكور في المسألتين السابقتين مخالفًا للرافعي أن يقول بخلافه أيضًا هنا.
الجزء: 4 - الصفحة: 431
النوع الخامس: الجماع
قوله: ولو جامع بين التحللين فقولان:
أظهرهما: تجب شاة.
والثاني: بدنة.
ثم قال: ونقل الإمام بدل القولين وجهين، ووجهًا ثالثًا وهو أنه لا يجب فيه شئ أصلًا.
وهو ضعيف.
انتهى.
ودعواه أن عدم الوجوب وجه مصرح به وأن الإمام نقله غريب جدا؛ فإن الإمام لم ينقله بل ولا صرح به، وإنما أشار إلى تخريجه، ومع كونه قد أشار إلى ذلك وصرح بأن التخريج بعيد، فاعلم ذلك.
وممن نبه عليه ابن الرفعة أيضًا، وقد تبعه في "الروضة" على إثباته وجهًا لكنه لم ينقله عن الإمام.
قوله: هل قضاء الحج على الفور؟
فيه وجهان: أحدهما: لا؛ كالأداء.
وأصحهما أنه على الفور ويضيف بالشروع.
ثم قال: عن ابن القفال إجراء هذا الخلاف في كل كفارة وجبت بعدوان انتهى.
وهذه المسألة أعني: إيجاب هذه الكفارة على الفور قد وقع فيها اختلاف في كلامه وفي كلام النووي أيضًا، وستعرف ذلك إن شاء الله تعالى مبسوطًا في كتاب الظهار في الباب المعقود للكفارات.
فإن قيل: كيف يكون الحج المأتي به في هذه الحالة قضاء مع وقوعه في وقته وهو الغمر؟ قلنا: سنعرف جوابه في المسألة التي بعدها إن شاء الله تعالى.
الجزء: 4 - الصفحة: 432
قوله: وذكر الإمام والغزالي أن المتعدي بترك الصلاة بلزمه قضاؤها على الفور بلا خلاف؛ لأن المصمم على ترك القضاء مقتول عندنا، ولا يتحقق هذا إلا مع توجه الخطاب بمبادرة القضاء.
وفي توجيه ما ذكره وقفة لأن أكثر الأصحاب لم يعتبروا فيما يناط به القتل ترك القضاء على ما عرف في باب ترك الصلاة.
انتهى ملخصًا.
وفيه أمران:
أحدهما: أن ما اقتضاه كلامه من حكاية الخلاف هناك في الامتناع من القضاء لم يتقدم له ذكر، بل تقدم ما يشعر بالجزم بعدم اعتباره.
نعم: ذكره النووي هناك من زوائده وأسقط من هنا هذا الكلام كله؛ فلزم خلو "الروضة" من نقل الرافعي له في الموضعين، وقد تقدم ذكر لفظ الروجية في موضعه فراجعه.
الأمر الثاني: أن هذه الوقفة التي ذكرها الرافعي عجيبة والاستدلال عليها أعجب لأن الإمام والغزالي ادعيا قتل المصمم وهذا مسلم وهو كاف في استدلالهما.
والذي استدل به الرافعي إنما هو العكس ولم يدعياه.
قوله: والمتعدي بترك الصلاة يلزمه قضاؤها على الفور دون غيره، وقيل: يجب عليهما، وقيل: لا يجب على واحد منهما.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن توجه القضاء واضح إذا كان واجدًا لأحد الطهورين، وإن كان فاقدًا لهما فقد نقل الروياني عن والده أنه لا يجب عليه ذلك لأنه لو قضى لاحتاج إلى الإعادة ثانيًا وثالثًا وهكذا إلى ما لا يتناهى، بخلاف المؤداه في الوقت فإنها تجب مرة واحدة بحرمة الوقت.
الجزء: 4 - الصفحة: 433
قال: وهل يجوز للفاقد المذكور القضاء أي: ويقضي إذا وجد الماء؟ .
فيه وجهان.
هكذا نقله في باب التيمم من "شرح المهذب".
ثم قال أعني النووي: إن الصواب من الوجهين أنه لا يجوز لما ذكرناه.
وسكت عن القادر على التيمم في موضع يلزمه القضاء.
وفيه نظر.
والمجزوم به في باب التيمم من "فتاوى البغوي" أن القضاء يجب في هذه الحالة.
الأمر الثاني: أن من دخل في صلاة ثم أفسدها صارت قضاء وإن أوقعها في الوقت؛ لأن الخروج منها لا يجوز فلم يبق للإحرام بها وقت.
كذا جزم به القاضي الحسين في تعليقه والمتولي في "التتمة" والروياني في "البحر" وغيرهم، كلهم في باب صفة الصلاة في الكلام على النية؛ وحينئذ فإن قلنا الفائت على الفور فيتجه أن لا يجوز تأخيرها إلى أثناء الوقت.
وإن قلنا: إنه على التراخى؛ ففي جواز إخراجه عن الوقت الأصلي نظر، والمتجه المنع.
قوله: وإن كان قد أحرم بعد مجاوزة الميقات نظر إن جاوزه مشيًا لزمه في القضاء أن يحرم من الميقات الشرعي وليس له أن ينشئ ثانيًا وإن جاوزه غير مسمى بأن لم يرد النسك ثم بدأ فأحرم ثم أفسد فقد حكى الشيخ أبو علي فيه وجهين: أحدهما وهو الذي أورده صاحب "التهذيب" وغيره أن عليه أن يحرم في القضاء من الميقات الشرعي لأنه الواجب في الأصل.
وأصحهما عند الشيخ أنه لا يلزمه ذلك؛ سلوكًا بالقضاء مسلك الأداء؛ ولهذا لو اعتمر المتمتع من الميقات ثم أحرم بالحج من مكة وأفسده لا يلزمه
الجزء: 4 - الصفحة: 434
في القضاء أن يحرم من الميقات بل يكفي أن يحرم من جوف مكة، ولو أفرد الحج ثم أحرم بالعمرة من أدنى الحل ثم أفسدها يكفيه أن يحرم في قضائها من أدنى الحل.
والوجهان مفروضان فيما إذا لم يوجع إلى الميقات فما فوقه.
أما إذا رجع ثم عاد فلابد من الإحرام من الميقات.
انتهى كلامه.
فيه أمران.
أحدهما: أن الأصح هو الوجه الثاني وهو عدم الوجوب.
كذا صححه في "الشرح الصغير" وعبر بالأصح، وصحح النووي في "أصل الروضة" الأول، وكذلك صححه في "شرح المهذب" أيضًا وكأنه تمسك بما تشعر به عبارة الرافعي من رجحانه القائلين به لكن المذكورين في كلامه أكثر عددا.
الأمر الثاني: أن ما ذكره في آخر كلامه من أن محل الخلاف فيما إذا لم يعد إلى الميقات مع ما نقله عن "التهذيب" أولًا صريح في أن صاحب "التهذيب" فرض المسألة فيما إذا لم يعد وأوجب مع ذلك الإحرام من الميقات.
وهو غلط؛ فإن هذه لم يذكرها صاحب "التهذيب" فضلًا عن كونه يكلفه الذهاب إلى الميقات, والذي ذكره إنما هو فيما إذا عاد؛ فإنه قال: فإن كان قد جاوز الميقات غير مريد للنسك ثم بدا له أن يحرم فأحرم ثم أفسد الحج قال -رحمه الله-: يجب أن يحرم من الميقات في القضاء، فإن جاوزه ثم أحرم عليه دم لأنه جاوزه مريدًا للنسك وفي الإحرام لم يجاوزه مريدًا للنسك.
هذا لفظه.
وما ذكره من التعليل وهو المجاوزة على إرادة النسك يبين أن صورة الوجهن فيما إذا عاد إلى بلده كما هو الغالب أو ما في معنى ذلك مما هو
الجزء: 4 - الصفحة: 435
يحاذي الميقات أو فوقه وانتهى إلى الميقات على قصد النسك وإلا لم يصح تعليله لأنه قد تجاوز الميقات بحاجة ثم يعن له عند انتهائه إلى المكان الذي أحرم منه بالآداء أن يحرم بالقضاء.
ثم إن كلام الرافعي نفسه يرشد إلى هذا التصوير فإنه قد علل في أثناء تقسيم المسألة بقوله: وليس له أن ينشئ ثانيًا؛ فصار أول كلامه يخالف آخره.
وقد قطع الماوردي بوجوب الدم إذا رجع ثم عاد ومر بالميقات غير محرم، وقطع أيضًا بعدم الدم إذا كان أحرم بالأداء من * فخرج بالقضاء من مكة إلى ذلك الموضع فأحرم منه.
وحكى الوجهين فيما إذا كان أحرم بالأداء من الحل فخرج من مكة إليه ولم يصل إلى الميقات فيجب عليه الدم على أحد الوجهين؛ لأن له أحد ميقاتين إما الحرم وإما ميقات بلده ولم يحرم من واحد منهما.
وهذا الذي قاله الماوردي ظاهر متجه، ويتعين حمل الوجهين في كلام الرافعي وغيره عليه أو على ما إذا عاد على قصد النسك، وتكون مجاوزة الميقات جائزة هنا على وجه لمحاكاة القضاء للأداء.
وهذا الحمل هو الأقرب.
لاسيما إلى التعليل المذكور في كلام الرافعي، وإلا كيف يستقيم الأخذ بظاهر ما قاله من تكليف الذهاب إلى الميقات إذا كان إحرامه بالأداء من مكة ثم أفسد وأقام به فإن أحدًا لا أظنه يوافق عليه.
وبما قاله الماوردي يظهر لك أن ما احتج به الرافعي للوجه الثاني ليس محل النزاع.
قوله: ولا يجب أن يحرم بالقضاء في الزمان الذي أحرم فيه بالأداء بل له التأخير عنه مثل أن يحرم مثلًا بالأداء في شوال له أن يحرم بالقضاء في ذي القعدة.
* قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: كذا بالمطبوع
الجزء: 4 - الصفحة: 436
وفرقوا بين الزمان والمكان بأن اعتناء الشرع بالميقات المكاني أكمل؛ ألا ترى أن مكان الإحرام يتعين بالنذر وزمانه لا يتعين حتى لو نذر الإحرام بالحج في شوال له أن يؤخره.
وظني أن هذا الاستشهاد غريب لا يسلم عن النزاع.
انتهى لفظه بحروفه.
وما ذكره في المسألة التي استشهد بها غريب جدًا؛ فإن الاستشهاد المذكور وهو نذر الزمان قد ذكره في كتاب النذر وسوى بينه وبين نذر المكان وحكى فيهما معًا وجهين.
وزاد على ذلك فصحح أنه يلزمه الوفاء بهما فقال: ولو نذر أن يحرم بالحج من شوال فهو على الخلاف الذي سبق، والأظهر وهو اختيار صاحب "التهذيب" أنه يلزم.
وكذا لو نذر أن يحرم من بلد كذا.
هذا لفظه، وتبعه في "الروضة" على الموضعين.
فإذا ظهر أن الأصح في المسألة التي استدلوا بها هو اللزوم على خلاف ما قرروه هنا وأنه هو المذكور في بابه ظهر أن الأصح في المسألة المستدل عليها وجوب القضاء وأن زمان الإحرام كمكانه، وقد رأيته مجزومًا به في "التتمة" نقلًا عن القاضي الحسين في الكلام على الاستئجار للحج في أثناء الفروع المعقودة لتعيين الميقات، وذكر في "شرح المهذب" ما يوافقه في الكلام على الاستئجار للحج ما نصه: ولو شرط على الأجير الإحرام من أول يوم في شوال جاز ولزم الوفاء به.
ذكره القاضي الحسين وغيره.
قال القاضي الحسين والمتولي: وعلى هذا لو أحرم في أول شوال وأفسده لزمه في القضاء أن يحرمه في أول شوال كما في ميقات المكان.
الجزء: 4 - الصفحة: 437
هذا لفظه.
وقد ذكر الرافعي في النذر أيضًا أنه إذا نذر الحج في سنة تعينت على الصحيح.
وهو يشكل على ما قاله هنا أيضًا.
ولم يتعرض في "الشرح الصغير" لمسألة الاستشهاد في كتاب النذر، بل ذكرها في هذا الباب، ولم يتوقف فيها كما توقف في "الكبير" فاقتضى أنه لا خلاف فيه، وهو غريب.
واعلم أن هذا الاختلاف العجيب قد وقع في كتب منها "شرح المهذب" للنووي و"شرح التنبيه" لابن الرفعة و"شرح التعجيز" لمصنفه فإنه ذكرها في الكلام على الإفساد كما ذكرها غيره وذكرها كذلك قبيل الكلام على الاستئجار للحج، وبالغ فيه فقال: لا يتعين الزمان بلا خلاف.
ثم قال في الكلام على الاستئجار له أنه إذا عين الأجير زمانًا تعين كما لو نذر الحج فيه.
قوله من "زياداته": ولا يلزم الذي أفسد أن يسلك في القضاء الطريق الذي سلكه في الأداء بلا خلاف لكن يشترط إذا سلك غيره أن يحرم من قدر مسافة الإحرام في الأداء.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن كلامه صريح في أنه لا يجب عليه الإحرام من المكان الذي أحرم فيه بالأداء بلا خلاف.
وليس الأمر فيه كذلك؛ فقد حكى الماوردي وجها أنه يجب الإحرام منه فقال: فلو كان أحرم في الأداء من البصرة وأحرم في القضاء من مصر والمسافة بينهما إلى الحرم واحدة ففيه وجهان:
أحدهما: لا دم عليه، ويكون اختلاف الجهتين كاختلاف الطريقين.
الجزء: 4 - الصفحة: 438
والثاني: عليه دم؛ لأن من شرط القضاء مماثلة الأداء، والإحرام من مصر وإن كان مساويًا لمسافة الإحرام من البصرة فهو غير الإحرام من البصرة؛ فلم يقم مقامه في إسقاط الدم.
هذا كلام الماوردي، وهو صريح فيما ذكرته، غير أن كلامه يدل على أنه إذا أحرم من المكان الذي أحرم منه أولا وسلك طريقًا آخر كفى ذلك بلا خلاف.
الثاني: أن ما ذكره من الإحرام بقدر مسافة الأداء ليس على إطلاقه فإن المسافة التي أحرم منها أولًا لو كانت فوق الميقات مثلًا أو من الميقات ولكن كانت بالنسبة إلى الطريق التي سلكها بين الميقات ومكة فلا يتصور على ما ذهب إليه من وجوب الإحرام من الميقات إذا كان قد أحرم في الأداء من دون الميقات أن يجوز له مجاوزته هنا حتى يحرم من نظير تلك المسافة.
وأما على ما ذهب إليه الرافعي فيتحمل الجواز هنا، ولكن المتجه المنع أيضًا لأنه أحرم في الأداء من الميقات ويريد أن يجاوزه في القضاء.
قوله: فإذا خرجت الزوجة للقضاء فهل يجب على الزوج ما زاد على النفقة بسبب السفر؟ فيه وجهان.
قال في "العدة": ظاهر المذهب فيها هو الوجوب.
انتهى.
والذي قاله في "العدة" هو الصحيح.
كذا صححه النووي في "شرح المهذب" وفي أصل "الروضة"، ولم يتعرض للمسألة في "الشرح الصغير".
ولو زمنت الزوجة وصارت معضوبة فهل يلزم الزوج أن يستأجر من ماله من يحج عنها؟ فيه الوجهان في النفقة الزائدة.
كذا نقله في "شرح المهذب" عن القاضي حسين والبغوي.
قوله: وإذا خرجا معًا ليفترقا في الموضع الذي وقعت فيه الإصابة كيلا
الجزء: 4 - الصفحة: 439
تدعوه الشهوة إلى المعاودة فإن معهد الوصال مشوق.
وهل يجب ذلك؟ فيه قولان: الجديد أنه لا يجب كما أنه لا يجب في سائر المنازل.
انتهى.
لم يبين الغاية التي ينتهى إليها الافتراق، بل كلامه يوهم بأن الافتراق خاص بتلك المنزلة.
وليس كذلك؛ فإن المجزوم به في "شرح المهذب" وفي غيره: أن الأمر بالتفريق سواء قلنا بوجوبه أو استحبابه يمتد إلى أن يتحلل التحللين.
قال الماوردي: ويعير لها في السير والمنزل وقول الرافعي مشوق هو بكسر الواو المشددة؛ أي: المكان الذي عهد فيه الوصال داع له ومشوق إليه.
قوله: ويجوز للمفرد بأحد النسكين إذا أفسده أن يقضيه مع الآخر قارنًا وأن يتمتع بالعمرة إلى الحج، ويجوز للمتمتع والقارن القضاء على سبيل الإفراد ولا يسقط دم القرآن بالقضاء على سبيل الإفراد خلافًا لأحمد.
إذا عرف ذلك ففي الفصل مسألتان.
إحداهما: إذا جامع القارن .. إلى آخره.
ثم قال بعد ذلك: ثم إذا اشتغل بقضائهما فإن قرن أو تمتع فعليه دم آخر، وإلا فقد أشار الشيخ أبو علي إلى خلاف فيه ومال إلى أنه لا يجب شئ آخر.
انتهى كلامه.
وهو يريد بقوله في أول الكلام: ولا يسقط دم القران بالقضاء على سبيل الإفراد، أن الدم الذي وجب للفوات الواقع في عام الإفساد لا يسقط بالقضاء على سبيل الإفراد.
الجزء: 4 - الصفحة: 440
وهذه غير مسألة الشيخ أبي على المذكور أخيرًا؛ فإن مسألته في الدم الذي وجب للقران المرتب في الذمة، وقد صحح الرافعي قبل ذلك في أوائل الحج في الكلام على الاستئجار للقران والتمتع ما يوافق الشيخ أبا على، وقد تقدم التنبيه عليه، وجزم أيضًا في كتاب النذر في الكلام على نذر الحج بما يقتضيه أيضًا فراجعهما.
وقد توهم النووي أن المراد بالأولى هو المراد بالثانية فقال عقب كلام الشيخ أبي على ما نصه: قلت: المذهب وجوب دم آخر إذا أفرد في القضاء، وبه قطع الجمهور، وممن قطع به الشيخ أبو حامد والماوردي والمحاملي والقاضي أبو الطيب في كتابيه والمتولي وخلائق أخرون وهو مراد الرافعي بقوله في أوائل هذا النوع، ولا يسقط دم القران لكنه ناقصه بهذه الحكاية عن أبي على، والله أعلم.
قال: والحمل على هذه الصورة عجيب لوجوه:
منها: أن السياق يدفعه.
ومنها: أنه لم يكن قد تكلم على إيجاب الدم للقضاء حتى تكلم بعده على إسقاطه.
ومنها: إلزام التكرار والتناقض بعد أسطر.
وهذه الأمور ظاهر الكلام وصلا عن غيره، وبالجمله فهو فاسد بلا شك مؤد إلى إسقاط مسألة الرافعي.
واعلم أن النووي قد ذكر في أول باب الفوات والإحصار من "شرح المهذب" هذه المسألة أعني القضاء على سبيل الإفراد.
وحكى وجها أن الدم يسقط، وذكرها أيضًا في هذا الموضع من الشرح المذكور، وقال: إنه لا خلاف في عدم السقوط.
الجزء: 4 - الصفحة: 441
قال: وقد اتفق عليه الأصحاب في الطريقين لأنه قد أسفر في ذمته قضاء حجه بالصفة الماضية وهي القران، فإذا عدل عنه إلى ما هو أفضل جاز لكن لا يسقط الدم.
هذا كلامه.
قوله: ولو قدم القارن مكة وطاف وسعى ثم جامع بطل نسكاه وإن كان بعد أعمال العمرة.
انتهى.
وما ذكره من أن الوطء والحالة هذه وقع بعد أعمال العمرة تبعه عليه النووي.
وليس كذلك فإن الحلق من الأركان على المعروف ولم يأت به.
قوله: فلو أحرم مجامعًا ففيه وجوه:
أحدها: ينعقد صحيحًا ثم إن نزع استمر وإلا فلا.
والثاني: ينعقد فاسدًا وعليه القضاء والمضي فيه، ولا كفارة إلا إذا استمر فيكون كمن جامع في الحج الفاسد.
والثالث: لا ينعقد كالصلاة مع الحدث.
انتهى ملخصًا.
والأصح عند الرافعي هو الأول فقد جزم به قبل ذلك في باب الإحرام قبيل الكلام على سنن الإحرام بنحو ورقة وصفحة، وقد سبق ذكر لفظه هناك.
وأما النووي فاختلاف كلامه في هذه المسألة في "الروضة" فإنه قد وافق الرافعي في باب الإحرام على ما ذكره هناك وهو كونه ينعقد صحيحًا ثم خالفه فيها هاهنا فصحح من "زياداته" الوجه الثالث وهو عدم الانعقاد.
الجزء: 4 - الصفحة: 442
وقد ذكر الرافعي المسألة في موضع ثالث وهو باب مواقيت الحج قبيل الكلام على الميقات المكانى، وجزم هناك بأنه ينعقد ولم يزد عليه، وهو محتمل لكل من الوجهين الأولين ومخالف على كل حال لما صححه النووي من "زوائده" إلا أن هذا الموضع لم يذكره في "الروضة".
ولو أحرم في حال نزعه فقيل: ينعقد صحيحًا، وقيل: فاسدًا، وقيل: لا ينعقد.
حكاهن في "الكفاية".
الجزء: 4 - الصفحة: 443
النوع السادس: مقدمات الجماع
قوله: ويحرم على المحرم المباشرة بالشهوة وحيث ثبت التحريم وباشر شيئًا منها عمدًا وجبت عليه الفدية.
ثم قال: وإن كان ناسيًا لم يلزمه شئ بلا خلاف؛ لأنه استمتاع محض.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن ما قاله من نفي الخلاف غريب جدًا؛ فقد قال إمام الحرمين في "النهاية" قبل باب الصبي يبلغ والمملوك يعتق بنحو خمس ورقات ما نصه: وضبط الأصحاب المباشرة الموجبة للفدية بما يوجب نقض الطهارة.
ثم مسائل الملامسة في الطهارة تنقسم إلى خلاف ووفاق، والأمر في الحج ينطبق على قياسها خلافًا ووفاقًا.
وأما الصوم فالمباشرة المحضة لا تؤثر فيه، فهذه مراتب المباشرة وحكمها، وانتقاض الطهارة ووجوب الفدية تتجاريان بلا افتراق.
انتهى لفظه.
وقال أيضًا في كتاب النكاح في باب الربا لا يحرم الحلال ما نصه: ولم أر أحدًا من الأصحاب يشترط قصد الشهوة في الملامسة عند إيجاب الفدية على المحرم.
انتهى.
وذكر أيضًا الغزالي في "البسيط" أنه ينطبق على مسائل النقض وفاقًا وخلافًا، وذكر في "الوسيط" نحو ذلك، وكذا في "الوجيز" فقال: وكل ما ينقض الطهارة منها يوجب الفدية أنزل أم لم ينزل هذا لفظه -أعني "الوجيز".
الجزء: 4 - الصفحة: 444
والعجب من إهمال الرافعي له مع كونه في الكتاب الذي انتصب لشرحه.
الأمر الثاني: أن الغزالي في "الوجيز" يرى أن المباشرة محرمة مطلقًا سواء كانت بشهوة أم لا؛ فإنه لم يفصل بل أطلق القول بالتحريم.
وكذلك أيضًا الشيخ في "المهذب" فإنه لم يقيدها بالشهوة كما قيدها في "التنبيه"؛ فكان ينبغي للرافعي أيضًا التنبيه عليه.
واستفدنا من هذا كله أن الغزالي يرى أن التحريم يشترط فيه القصد فقط، وأن إيجاب الفدية لا يشترط فيه شئ، وحاول في "الروضة" من "زياداته" ذكر مقالة الغزالي فلم يذكرها على وجهها.
الأمر الثالث: أن جميع ما سبق تحريمه في هذا الفصل من الجماع ومقدماته لا يختص تحريمه بالمحرم والمحرمة كما يوهمه كلام الرافعي؛ بل يحرم أيضًا على المرأة الحلال أن تمكن منه في أصح الوجهين لأن فيه إعانة على المعصية.
كذا قاله الرافعي في باب الإيلاء، وقد سبق أيضًا من كلامه في الباب الثالث من أبواب الجمعة ما يدل له.
وتحريم المباشرة على الحلال أيضًا حالة إحرام المرأة كما ذكروه في باب الإحصار.
قوله: ولو باشر دون الفرج ثم جامع فهل تدخل الشاة في البدنة أم تجبان معًا؟ فيه وجهان.
انتهى.
والأصح دخولها.
كذا صحح النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة".
الجزء: 4 - الصفحة: 445
قوله: الثانية: لا ينعقد نكاح المحرم ولا إنكاحه.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذا الفعل حرام كما هو معروف حتى ذكره جماعة في مختصراتهم "كالتنبيه" و"الوجيز" و"الإشارة" لسليم، وعبارة الرافعي لا تدل عليه.
الثاني: أنه إذا فعل ذلك فلا كفارة عليه وإن كان قد تعاطى محرمًا.
صرح به الغزالي في "الوجيز" وأهمله الرافعي فلم يشرحه بل سكت عنه وعن التنبيه الأول هنا وفي النكاح.
وقد ظهر من هذا الكلام أن هذه المسألة مستثناة من قولهم من تعاطى محرما بسبب الإحرام لزمته كفارة.
وكذلك يستثنى أيضًا الاصطياد إذا أرسل الصيد.
وقد استثناهما معًا سليم الرازي في "الإشارة".
قوله: وإن تعاطى المحرم محظورين أحدهما من قسم الاستهلاك والآخر من قسم الاستمتاع، واستند إلى سبب واحد كما إذا أصاب رأسه شجة واحتاج إلى حلق جوانبها وسترها بضماد فيه طيب لم تتداخل الفدية في أصح الوجهين.
انتهى.
الضماد: بكسر الضاد المعجمة هي العصابة.
قال الجوهري: ضمد الجرح يضمده ضمدًا أي: شدة بالضماد وهي العصابة.
هذا كلامه.
قوله: الحالة الثانية: أن يكونا من قسم الاستهلاك فينظر إن اختلف نوعه كالحلق والقلم فلا تداخل.
ثم قال ما نصه: ولا فرق بين أن يوجد النوعان بفعلين أو في فعل واحد
الجزء: 4 - الصفحة: 446
كما لو لبس ثوبا مطيبًا تلزمه فديتان.
وفي وجه أنه لا تجب إلا فدية واحدة.
انتهى كلامه بحروفه.
واعلم أن ذكر الثوب المطيب ليس لقصد تمثيل المسألة؛ لأن كلامه في الاستهلاكات لا في الاستمتاعات بل ذكره للقياس عليه.
إذا علمت ذلك فاعلم أنه ليس في كلامه ما يدل على أن الوجه هل هو في لبس الثوب الطيب أم في أصل المسألة؟ والسياق يقتضي عوده إلى المسألة المقيسة؛ لأنها المقصودة بالكلام؛ لأن المعهود قياس المختلف فيه على المتفق عليه لا العكس، لكن صرح النووي في "أصل الروضة" بأن الوجه راجع إلى المقيس عليه؛ فاعلمه.
فقال: وفي هذه الصورة وجه ضعيف أنه تلزمه فدية واحدة.
هذه عبارته، وحينئذ فيتوجه على كلام الرافعي الإشكال المشار إليه وهو قياس المتفق عليه على المختلف فيه، وذكر في "الروضة" من "زياداته" أن هذا الوجه هو الصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور وذلك بعد أن ذكر هو من عنده في "أصل الروضة" أنه ضعيف كما تقدم.
قوله: ولو حلق ثلاث شعرات في ثلاثة أمكنة أو ثلاثة أزمنة متفرقة، فإن قلنا: كل شعرة تقابل ثلث دم، فلا فرق بين حلقها دفعة أو دفعات، وإن قلنا: الشعرة بمد أو درهم، والشعرتان بمدين أو درهمين، بني على الخلاف في أن تفرق الزمان هل يؤثر أم لا؟ فإن قلنا: إنه يؤثر وهو الأصح قطعنا حكم كل شعرة عن الأخرتين وأوجبنا ثلاثة أمداد في قول وثلاثة دراهم في قول.
انتهى ملخصًا.
والذي قاله من كونه لا فرق بين حلقها دفعة أو في دفعات قد تابعه عليه في "الروضة"، وليس كذلك بل إذا قلنا: إن التفريق يؤثر فواجب كل
الجزء: 4 - الصفحة: 447
شعرة ثلث درهم؛ وحينئذ فيكفيه أن يخرج ثلاثة أثلاث ولا يكلف إخراج دم واحد، بخلاف ما إذا حلقها دفعة واحدة.
وهذا الاستدلال ذكره صاحب "التعجيز" في "شرحه" له نقلًا عن جده، وهو استدراك صحيح.
قوله: الحالة الثالث: أن يكون كلاهما من قسم الاستمتاع؛ فإن اتحد النوع بأن تطيب بأنواع من الطيب ولبس أنواعًا كالعمامة والقميص والسراويل والخف، أو نوعًا واحدًا مرة بعد أخرى نظر إن فعل ذلك في مكان على التوالي لم تتعدد الفدية، ولا يقدح في التوالي طول الزمان في مضاعفة القميص وتكوير العمامة.
وإن فعل ذلك في مكانين أو مكان وتخلل زمان نظر إن لم يتخلل التكفير فقولان: الجديد: يجب للثاني فدية أخرى.
والقديم: تتداخل.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن اللبس إذا تعدد ولكن في محل واحد كما لو لبس قميصًا فوق قميص أو عمامة فوق القبع فإنه لا يجب للثاني شئ بلا خلاف كما قاله الطبري شارح "التنبيه" لأن المحل قد استتر.
قال: ولا يظهر فرق بين أن يلبس فوق ما تجب به الفدية أو تحته؛ إذ المباشرة لا أثر لها بدليل ما لو التف لإحرامه ثم لبس فوقه قميصًا فإن الفدية تجب قطعًا.
الأمر الثاني: أنهم لم يفرقوا بين أن يبدأ بالسراويل أو القميص، وظاهره التسوية في طرد القولين، وذلك ظاهر فيما إذا بدأ بالسراويل، ولو عكس لم يتجه الخلاف؛ فإنه لما لبس القميص ستر محل السراويل بالمخيط ووجبت فيه الفدية فلا تتكرر بساتر آخر مع بقاء الأول كما سبق في
الجزء: 4 - الصفحة: 448
القميص فوق القميص.
كذا نبه عليه أيضًا الطبري المذكور، وهو متجه.
الأمر الثالث: أن ما ذكروه من اختلاف المجلس وإن لم يطل معه الزمان حكمه حكم ما لو طال مخالف لما ذكروه في غير هذه المسألة كما لو يذكر ترك ركن من الصلاة بعد السلام وغيرها.
واعلم أن التكوير الذي وقع في كلام الرافعي قد سبق الكلام عليه في شروط الصلاة.
قوله: وإن تخلل التكفير بينهما فلا خلاف في وجوب فدية أخرى، فإن كان قد نوى بما أخرجه الماضي والمستقبل جميعًا فيبني على أن تقديم الكفارة على الحدث المحظور هل يجوز أم لا؟ إن قلنا: لا، تعددت، وإن قلنا: نعم فوجهان: أحدهما: أن الفدية تلحقه بالكفارة في جواز التقديم فلا يلزمه للثاني شئ.
والثاني: المنع كما لا يجوز للصائم أن يكفر قبل الإفطار.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن السبب الموجب لهذه الكفارة قد يكون محرمًا وقد لا يكون كاللبس للحر والبرد والحلق والطيب للمرض ونحوه.
والتخريج الذي ذكره في جواب المسألة إنما هو جواب لأحد قسميها.
الأمر الثاني: أن القياس على منع الصائم من التقديم يقتضي الاتفاق على المسألة أو ضعف الخلاف فيها، وليس كذلك فإن في جواز تقديمها خلافًا قويًا قد مر في موضعه وهو باب تعجيل الزكاة؛ ولهذا عبر عنه في "الروضة" بالأصح.
الجزء: 4 - الصفحة: 449
ثم إن محل ذلك في كفارة الجماع دون ما وجب بسبب مباح.
النوع السابع: في [إتلاف] 84 الصيد.
قوله [في الروضة] 85: فيحرم عليه كل صيد مأكول أو في أصله مأكول ليس مائيًا، وحشيًا كان أو في أصله وحشي.
انتهى.
وهذه العبارة هي قريبة من عبارة الرافعي أيضًا وهي عبارة غير صحيحة؛ وذلك لأن المتولد من حيوان البر ستة أقسام:
أحدها: المتولد بين وحشيين أحدهما مأكول كالسمع المتولد بين الذئب والضبع.
والثاني: المتولد بين مأكولين أحدهما وحشي كالمتولد بين [الظبي] 86 والشاة.
والثالث: المتولد بين وحشي مأكول وأهلي غير مأكول كحمار الوحش وحمار الأهل.
وهذه الأقسام الثلاثة قد اشتركت في أن كلًا منها في أصله المأكول والمتوحش معًا في ذات واحدة، ولا إشكال في تحريمها.
وأما الثلاثة الأخرى فمتولدة بين شيئين كل منهما لا يقتضي الإحرام تحريمه:
أحدها: عكس المذكور قبله أي: الثالث؛ وهو أن يكون متولدًا بين وحشي غير مأكول وإنسي مأكول كالمتولد بين الذئب والشاة.
الثاني: المتولد بين حيوانين لا يؤكلان أحدهما وحشي كالمتولد بين الحمار والزرافة.
الجزء: 4 - الصفحة: 450
الثالث: المتولد بين أهليين أحدهما غير مأكول كالبغل.
وهذه الأنواع الثلاثة لا نزاع في عدم تحريمها؛ لأن كل واحد منها لا يحرم التعرض لكل واحد من أصله.
وهذه العبارة التي نقلناها عن الرافعي و"الروضة" تقتضي تحريم الأول من هذه الثلاثة الأخيرة.
وليس كذلك.
وقد عبر في "المنهاج" بعبارة صحيحة تدل على التحريم في الثلاثة الأولى وعلى الإباحة في الثلاثة الأخيرة فقال: الخامس: اصطياد كل مأكول برى.
قلت: وكذا المتولد منه ومن غيره.
قوله: نعم يجب في الصيد المملوك مع الجزاء ما بين قيمته حيًا ومذبوحًا لحق المالك.
انتهى كلامه.
وهذا إنما يستقيم إذا قلنا: مذبوح المحرم يحل أكله، أما إذا جعلناه ميتة وهو الأصح فإنه تجب كل القيمة لإتلافه إياه.
وهذا الاعتراض قد استدركه النووي عليه أيضًا.
قال: وقد أوضحه الرافعي بعد هذا في أثناء الباب.
قوله: ولو حلب لبن صيد ضمنه.
قاله كثيرون من أصحابنا العراقيين وغيرهم.
وقال الروياني: لا يضمن.
انتهى.
وما اقتضاه كلامه من ترجيح وجوب الضمان مطلقًا تابعه عليه في "الروضة"، وذكر مثله في "شرح المهذب"، واقتضى كلامه أنه لا فرق بين أن تنقضي قيمة الصيد بذلك أم لا؛ فإنه نقل عقب ذلك عن أبي حنيفة
الجزء: 4 - الصفحة: 451
هذا التفصيل فأشعر كلامه أنه لم ير ذلك لأحد من أصحابنا، لكن رأيت في طبقات الموسوي التفليسي في ترجمة إسحاق بن صغير أن الدارقطني ذكره فيمن روى عن الشافعي فقال: سألت الشافعي عمن حلب عنزًا من الظباء وهو محرم، قال: تقوم العنز باللبن وتقوم بلا لبن فينظر نقص ما بينهما فيتصدق به.
هذا لفظه.
قوله: أما الذي لا يؤكل فلا يحرم التعرض له وهو على أضرب منها ما يستحب قتله للمحرم وغيره وهو المؤذيات؛ كالفواسق الخمس؛ روي أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: "خمس يقتلن في الحل والحرم: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور" 87. وفي معناها: الحية والذئب والأسد والنمر والدب والنسر والعقاب.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره هنا من استحباب قتل الفواسق الخمس قد ذكر في أوائل باب الأطعمة ما يقتضي مخالفته، وأن ذلك على سبيل الوجوب فقال: قال صاحب "التلخيص" وساعده الأصحاب: ما أمر بقتله من الحيوان فهو حرام، والسبب فيه: أن الأمر بقتله إسقاط لحرمته ومنع من اقتنائه، ولو كان مأكولًا لجاز اقتناؤه للقسمين وإعداده للأكل فمن ذلك الفواسق الخمس .. إلى آخره.
الأمر الثاني: أن النووي قد تابعه في "الروضة" على عد العقاب مما يستحب قتله، وجزم في "شرح المهذب" بأنه من القسم الذي لا يستحب قتله ولا يكره، وهو الذي فيه نفع ومضرة.
وهذا الثاني هو الذي جزم به القاضي أبو الطيب في تعليقه.
الجزء: 4 - الصفحة: 452
والحديث المذكور رواه البخاري ومسلم.
[قوله] 88: ومنها التي لا تظهر فيها منفعة ولا مضرة كالخنافس والجعلانات والسرطان والرخمة والكلب الذي ليس بعقور فيكره قتلها.
انتهى.
وما ذكره في الكلب من الكراهة قد وقع فيه اختلاف عجيب في كلامه وكلام النووي، وقد تقدمت المسألة مبسوطة في التيمم.
قوله: ولا يجوز قتل النحل والنمل والخطاف والضفدع لورود النهي عن قتلها.
انتهى.
والمراد بالنمل الوارد هنا إنما هو النمل الكبير المعروف بالسليمانى؛ كذا قاله الخطابي.
وكذلك البغوي في "شرح السنة" وفي أواخر الكتاب قال: وأما الصغير المسمى بالنمل فاسمه الذر وقتله جائز بغير الإحراق والذي قالاه ظاهر؛ لأن الصغير منه يؤذي.
وقد رأيته أيضًا مصرحًا به في "شرح المهذب" المسمى "بالاستقصاء" نقلًا عن "الإيضاح" للصيمري فقال: إن الذي يؤذي منه يجوز قتله، قال: بل يستحب لأنهم سألوا ابن عباس عن قتلها فقال: تلك ضالة لا شئ فيها.
وبالجملة فقد أطلق الشافعي كراهة قتل النمل كما نقله الطبري شارح "التنبيه"، وهو يدل على الجواز على كل حال في الصغير فإنه إما عام أو خاص.
قوله: وأما ما يتولد بين الوحش والإنس كالمتولد من اليعقوب
الجزء: 4 - الصفحة: 453
والدجاجة فيجب الجزاء بذبحه.
انتهى.
اعلم أن يعقوب هذا كيعقوب اسم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ وهو الطائر المعروف بالجحل، وقد عبر عنه في باب الأطعمة من "الروضة" بذلك.
نعم عبر الرافعي هناك باليعقوب كما عبر هنا.
قوله: إحداها: لو نصب المحرم شبكة فعقل بها صيد وهلك فعليه الضمان.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على إطلاق وجوب الضمان ومقتضاه أنه لا فرق بين أن يعقل الصيد في حال الإحرام أو بعد التحلل، وقد صرح البغوي في "فتاويه" بذلك وعلله بالتعدي.
قوله: فإن لم يكن صيد فأرسل الكلب أو حل رباطه فظهر صيد فوجهان: أظهرهما أنه لا يضمن إذ لم يوجد منه قصد الصيد.
وأرجحهما على ما رواه الإمام أنه يضمن لحصول التلف بسبب فعله.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أنه قد رجح في "الشرح الصغير" عكس ما صححه هنا فقال: أرجحهما: الوجوب ولم يذكر ترجيحًا غيره.
الثاني: أنه قد انعكس على النووي ذلك فصحح في "أصل الروضة" أنه يضمن، وعبر بلفظ الأصح واقتصر عليه، ثم إنه في "شرح المهذب" اعتمد على ما في "الروضة" ظنًا منه أنه مطابق لكلام الرافعي فصرح فيه بنقل التصحيح المذكور عن الرافعي فغلط غلطًا آخر، وقد سبق بيان كثير من ذلك في موضعه.
قوله: ولو حفرها في ملكه أو في موات فثلاثة أوجه: أصحها: يضمن
الجزء: 4 - الصفحة: 454
في الحرم دون الإحرام.
زاد النووي في "الروضة" على هذا فقال: قلت: وقيل: إن حفرها للصيد ضمن وإلا فلا.
واختاره صاحب "الحاوي" والله أعلم.
هذا كلامه.
والذي عزاه إلى "الحاوي" ليس فيه كما نقله عنه، بل هو مخالف لكلامه من وجهين.
أحدهما: أنه لم يختر عدم الضمان إذا لم يرد الصيد، بل حكى وجهين من غير ترجيح.
الثاني: أن هذا التفصيل إنما ذكره في المحرم.
وأما حفر الحلال في الحرم فلم يذكره فقال: فصل: إذا حفر المحرم بئرًا فوقع فيها صيد فمات فهذا على ضربين.
ثم قال: والضرب الثاني أن يكون غير متعد بحفرها؛ وذلك أن يحفرها في ملكه أو في صحراء واسعة فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يحفرها لأجل الصيد فهذا ضامن لما وقع فيها من الصيد كما لو طرح شبكة أو نصب حالة.
والضرب الثاني: أن يحفرها للشرب لا للصيد ففي وجوب الجزاء وجهان:
أحدهما: عليه الجزاء لأن موت الصيد كان بسبب منه وإن لم يكن قاصدًا له كالخاطئ.
والوجه الثاني: لا ضمان عليه ولا جزاء كما لو صعد صيد إلى سطحه وتردى إلى داره لم يضمنه فكذلك إذا دخل إلى داره وتردى في بئره لم
الجزء: 4 - الصفحة: 455
يضمنه.
هذا لفظه بحروفه.
قوله: في الفصل مسألتان: إحداهما: لو دل الحلال محرمًا على صيد فقتله وجب الجزاء على المحرم ولا شئ على الحلال.
نعم هو مسئ بالإعانة على المعصية.
ولو دل المحرم حلالًا على صيد فقتله نظر إن كان الصيد في يد المحرم وجب الجزاء .. إلى آخره.
فيه أمران:
أحدهما: أن المراد بالإساءة هنا هو التحريم على ما فسره النووي وعبر به في أصل "الروضة".
ولابد من مجئ الخلاف في نظائره كما إذا باع من لا تجب عليه الجمعة ممن تجب عليه، وقد سبق بيان ذلك في موضعه، وأن نص الشافعي والجمهور يقتضي اختصاص الإثم بمن تجب عليه.
ومثله ما إذا باع العصير ممن يتحقق اتخاذه خمرًا، وغير ذلك.
الأمر الثاني: أن المحرم إذا دل الحلال على الصيد يعصي بذلك.
كذا صرح به الغزالي في "الوجيز" وأهمله الرافعي فلم يشرحه ولم يتعرض لحكم المسألة، وكذلك النووي أيضًا في "الروضة"، لكن الذي قاله الغزالي مشكل؛ فإن الحلال إذا كان يباح له الاصطياد فدلالة المحرم عليه دلالة على مباح وإن كان هو لا يتعاطاه وليس في القواعد ما يدل على اشتراط جواز تعاطي الشئ في جواز الدلالة عليه.
وما ذكره الغزالي من تحريم الدلالة ذكره أيضًا في "شرح المهذب" وزاد
الجزء: 4 - الصفحة: 456
تحريم الإعانة بالإعارة وتحريم التنفير، على أن تحريم التنفير يؤخذ من كلام الرافعي في أثناء الاستدلال.
قوله في أصل "الروضة": ولو أكل المحرم من صيد يحرم عليه أكله وكان الذابح غيره ففي وجوب الجزاء قولان.
ثم قال ما نصه: ولو أكل المحرم ما ذبحه بنفسه لم يلزمه لأكله بعد الذبح شئ آخر بلا خلاف.
انتهى.
وما ادعاه من عدم الخلاف ليس كذلك فقد رأيت في "التحرير" للجرجاني حكاية قولين في هذه المسألة، وجزم بالوجوب في المسألة الأولى؛ وهي ما إذا كان الذابح غيره فقال في تعديد المحرم ما نصه: والرابع عشر: أكل صيد صيد له أو ذبح أو أعان عليه بدلالة أو إشارة أو إعارة سلاح ويضمن الأكل بالجزاء إلا أن يكون ضمنه بالذبح فلا يضمنه بالأكل على أصح القولين.
هذا لفظه بحروفه ومنه نقلت، والرافعي سالم من هذا الاعتراض؛ فإنه لم يدع نفي الخلاف.
قوله: ولو أمسك محرم صيدًا فقتله حلال وجب الجزاء على المحرم، وهل يرجع به على الحلال؟ قال الشيخ أبو حامد: لا؛ لأنه غير ممنوع.
وقال القاضي أبو الطيب: نعم، وهو ما أورده في "التهذيب".
انتهى.
والصحيح ما قاله النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة" هو الأول وهو عدم الرجوع.
قال الطبري -شارح "التنبيه": وما قاله الأول من عدم المنع منه ممنوع فإنه ما دام مضمونًا على المحرم فليس لأحد أن يقرر الضمان عليه بإتلافه في يده لأنه إضرار به.
الجزء: 4 - الصفحة: 457
قوله في المسألة: فإن قتله محرم آخر فوجهان: أظهرهما أن الجزاء كله على القاتل لأنه مباشر.
والثاني: عليهما نصفين.
وقال في "العدة": الصحيح أن الممسك يضمنه بالمسك والقاتل بالإتلاف والقرار على القاتل.
انتهى.
وحاصله أن في المسألة ثلاثة أوجه: أصحها: أن المطالب هو القاتل وحده.
وقد ذكر ما يوافق ذلك أيضا في آخر الباب في الكلام على صيد الحرم، وستعرف لفظه في موضعه.
إذا علمت ذلك فقد أعاد المسألة بعد هذا بدون ورقتين فقال: وإن قتله محرم آخر فالجزاء عليهما أو على القاتل ومن في يده طريق؟
فيه وجهان.
هذا لفظه.
ولم يذكر الوجه الذي صححه أولًا، وهو غريب، على أنه قد وقع له نظير ذلك في مواضع.
ثم ذكرها أيضًا في كتاب الجنايات في اجتماع السبب والمباشرة، ورجح أنه على القاتل ومن في يده طريق كما ذهب إليه صاحب "العدة" فقال: قال الإمام وغيره: هذا هو الظاهر.
هذه عبارته.
ولم يذكر ترجيحًا غيره؛ ولهذا أطلق النووي أنه المذهب.
وليس للمسألة ذكر في "الشرح الصغير" ولا في "المحرر".
وقد اختلف كلام النووي أيضًا فيها فقال في "شرح المهذب" في باب الإحرام في آخر الكلام على الصيد المأكول: فإذا أمسك المحرم صيدًا فقتله محرم آخر ففيه وجهان: أحدهما: الجزاء عليهما نصفين.
الجزء: 4 - الصفحة: 458
وأصحهما: يجب على القاتل والممسك طريق في الضمان.
انتهى كلامه.
وقال في باب ما يجب بمحظورات الإحرام في أثناء فرع أوله إذا قتل المحرم صيدًا بعد صيد ما نصه: ولو أمسك المحرم صيدًا فقتله محرم آخر فثلاثة أوجه:
أصحها: يجب الجزاء كله على القاتل؛ لأنه وجد من الممسك سبب ومن القاتل مباشرة؛ فوجب تقديم المباشرة كما في قتل الآدمي وغيره.
والثاني: يجب الجزاء بينهما نصفين لأنهما من أهل ضمانته.
وهذا ينتقض بضمان الآدمي.
وبهذا الوجه قطع المصنف في "التنبيه".
والثالث: قاله القاضي أبو الطيب وصححه أبو المكارم: يجب على كل واحد منهما، فإن أخرج الممسك رجع على القاتل وإن أخرج القاتل لم يرجع به على الممسك كما لو غصب شيئًا وأتلفه آخر.
قال في "الشامل": هذا الوجه أقيس عندي.
انتهى لفظه بحروفه.
وهو اختلاف فاحش؛ فإن الذي صححه هنا لم يذكره أولًا البتة، وقد وقع له هذا الاختلاف الفاحش في "الروضة" أيضًا؛ فإنه تبع الرافعي على ما ذكره هنا وفي كتاب الجنايات، وصحح من زياداته في الموضع الذي حكى فيه الرافعي وجهين من غير تصحيح ما يوافق المذكور في الجنايات.
قوله من "زياداته": قال صاحب "البحر": لو رمى حلال صيدًا ثم أحرم ثم أصابه ضمنه على الأصح.
ولو رمى محرم ثم تحلل بأن قص شعره ثم أصابه فوجهان.
انتهى.
الجزء: 4 - الصفحة: 459
والأصح من الوجهين الأخيرين هو وجوب الضمان.
كذا جزم به الرافعي بعد هذا في الكلام على تحريم صيد الحرم، وجزم أيضًا بالتي قبلها، ونقلهما النووي كذلك أيضًا.
قوله: بل لو تولد تلف الصيد ما في يده لزمه الضمان كما لو كان راكبًا دابته فأتلفت صيدا بعضها أو رفسها.
وكذا لو بالت في الطريق فزلق به صيد وهلك كما لو زلق به آدمي أو بهيمة؛ أي: فإنه يضمن.
انتهى.
وما ذكره في الآدمي والبهيمة من الضمان وجزم به قد جزم بما يخالفه في كتاب الجنايات في الكلام على ضمان البهائم.
وستعرف لفظه في موضعه إن شاء الله تعالى.
قوله: فإن كان في ملكه صيد فهل يلزمه رفع اليد عنه؟ فيه قولان: أحدهما: لا؛ كما لا يلزمه تسريح زوجته.
والثاني: نعم؛ لأن الصيد لا يراد للدوام فتحرم استدامته كالطيب واللباس.
وهذا أصح القولين على ما ذكره المحاملي والكرخي وغيرهما من العراقيين.
انتهى.
وما ذكره في استدلاله على القول الثاني من تحريم استدامة الطيب عجيب؛ فقد سبق منه في أول باب سنن الإحرام الجزم بجواز ذلك، وهو المعروف.
ولم يتعرض في "الروضة" لذلك هنا فسلم من الاختلاف.
واقتصر الشيخ في "المهذب" على القياس على اللباس.
قوله: في "أصل الروضة": ولو مات الصيد قبل إمكان الإرسال وجب
الجزء: 4 - الصفحة: 460
الجزاء على الأصح.
انتهى.
والذي قاله من وجوب الجزاء مشكل؛ فإنه قد ذكر هو والرافعي وغيرهما أنه لا يجب تقديم الإرسال على الإحرام بلا خلاف وحينئذ فينبغي الجزم بعدم الضمان؛ لأنه لم يوجد منه إتلاف ولا تقصير في الإرسال؛ يؤيده أنهم قالوا بعدم الضمان فيما إذا نذر التضحية بشاة معينة ثم ماتت يوم النحر وقبل إمكان الذبح، وبالجملة فالرافعي لم يصححه وإنما نقل عن الإمام أنه المذهب.
قوله فيها أيضًا: ولو اشترى المحرم صيدًا أو انتهبه أو أوصى له به فقيل: لم يصح ذلك في الأظهر.
ويدل على المنع ما روي أن الصعب بن جثامة أهدي لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حمارًا وحشيًا فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم 89.
ثم قال ما نصه: فإن لم نصحح هذه العقود فليس له القبض، فإن قبض فهلك في يده لزمه الجزاء ولزمه القيمة للبائع.
قلت: كذا ذكر الإمام الرافعي هنا أنه إذا هلك في يده ضمنه بالقيمة للآدمي مع الجزاء.
هذا في الشراء صحيح، أما في الهبة فلا تضمن القيمة على الأصح؛ لأن العقد الفاسد كالصحيح في الضمان والهبة غير مضمونة.
انتهى كلامه.
واعتراضه عليه عجيب؛ فإن الرافعي لم يذكر هنا أنه تلزمه القيمة للمالك حتى يدخل فيه الوارث، بل احترز عن الوارث بتعبيره بالبائع، وقد نقله هو عنه كذلك قبل استدراكه عليه بقليل كما تقدم لك من عبارته.
ثم إن النووي لما وقع له في "الروضة" ما وقع اعترض عليه في "شرح
الجزء: 4 - الصفحة: 461
المهذب" ظنًا منه أن ما في "الروضة" مطابق لكلام الرافعي فقال ما نصه: وأشار جماعة من الخراسانيين إلى القطع بالضمان.
وقد اغتر الرافعي بهذا فوافق إشاراتهم فقطع هنا بالضمان مع تصحيحه العكس في كتاب الهبة؛ فكأنه لم يتذكره في هذا الموطن.
هذا كلامه.
وهو غريب، وأغرب منه دعواه أن الرافعي قطع به.
ثم إن دعواه في "شرح المهذب" أن الرافعي قد صحح في كتاب الهبة عدم الضمان، فليس كذلك أيضًا؛ فإنه إنما حكى وجهين من غير ترجيح.
واعلم أنه قد عبر في "الشرح الصغير" بالمالك ولم يقيده بالبائع كما قيده في "الكبير"، وهو يقتضي الضمان للواهب.
والصعب المذكور في الحديث بصاد مفتوحة وعين ساكنة مهملتين.
وجثامة: بجيم مفتوحة ثم ثاء مثلثة مشددة.
وحديثه هذا رواه البخاري ومسلم من رواية ابن عباس من طرق.
قوله في المسألة بعينها: وإن رده عليه سقطت القيمة ولا يسقط ضمان الجزاء إلا بالإرسال، وإذا أرسل كان كما إذا اشترى عبدًا مرتدًا فقتل في يده.
وفي أنه من ضمان من يتلف خلاف سنذكره في موضعه.
انتهى كلامه.
وما ذكره -رحمه الله- من أنه إذا أرسل كان كقتل العبد المرتد في يد المشتري سهو؛ فإن كلامه فيما إذا اشترى المحرم الصيد.
والمقتضي للإرسال في هذه المسألة إنما وجد في يد المشتري فكيف يتصور تخريجه على الخلاف في المرتد؛ فإن الردة هناك وجدت في يد البائع.
وإنما صورة المسألة التي تتخرج على المرتد أن يكون المحرم بائعًا للصيد، وقد أوضحه الغزالي فقال: فإن صححنا الشراء فباعه المحرم حرم
الجزء: 4 - الصفحة: 462
البيع ولكن ينعقد ويجب على المشتري إرساله.
فإذا أرسله فهل يكون من ضمان البائع؟
فيه الخلاف فيمن باع مرتدًا فقتل في يد المشترى، وزاده الإمام إيضاحًا فقال: قال الأئمة: إذا باع الحرم صيدًا أمرناه بإطلاقه ووجب على المشتري إرساله.
قال: فإن استبعد العقبة ذلك فهو كتصحيحنا من المشتري شراؤه مع أمرنا إياه بإرساله.
ثم إذا أرسله المشتري بعد قبضه أيصل هذا بالتفريع فيمن اشترى مرتدًا فقتل في يده بالردة فمن ضمان من هو؟ وفيه خلاف.
قال: ولعل الوجه القطع هنا بأن إرساله من ضمان التابع وجهًا المرتد قد تقبل لردة حالته والظهرات تتجدد والسبب الذي علق به وجوب الإرسال دائم لا تجدد فيه هذا كلامه.
واعلم أن بيع المرتد الذي أحال الرافعي هنا عليه محله في أوائل خيار العيب.
والصحيح فيه أنه من ضمان البائع إن كان المشتري جاهلًا بالحال حتى يرجع على البائع بجميع الثمن.
فإن كان عالمًا أو علم ولم يرد لم يرجع بشئ، وقيل: يرجع بالثمن.
قوله: الثانية: إذا مات للمحرم قريب وفي ملكه صيد هل يرثه؟ إن جوزنا الشراء وغيره من الأسباب الاختيارية فنعم، وإلا فوجهان؛ والأظهر ثبوته لأنه لا اختيار فيه.
انتهى كلامه.
واعلم أن النووي لما نقل هذا الكلام في "شرح المهذب" ذكر عقبه عن
الجزء: 4 - الصفحة: 463
المتولي والقاضي أبي الطيب أن القول بالتوريث إنما يتصور على قولنا: إن الإحرام لا يزيل الملك عن الصيد.
فأما إذا قلنا بالقول الآخر وهو أنه يزيله فإنه لا يدخل في ملكه.
ثم نقل عن الإمام أنه نقل عن العراقيين عكسه فقالوا: إن محل الوجهين إذا قلنا الإحرام يقطع دوام الملك.
ثم قال النووي: إن الجمهور لم يتعرضوا لذلك.
قال: وما نقله الإمام عن العراقيين غريب.
ومقتضى ما قال النووي عدم الإنكار على أبي الطيب والمتولي، ويلزم منه أن يكون الراجح في المسألة من حيث الجملة عدم الإرث.
قوله: وعلى هذا يعني القول بالإرث فقد ذكر الإمام وصاحب "الكتاب" أنه يزول ملكه عقب ثبوته بناء على زوال الملك بالإحرام.
وفي "التهذيب" وغيره خلافه.
وإن قلنا: لا يرثه، فقال في "التتمة": يكون الصيد لباقي الورثة.
وقال الكرخي: يكون أحق به فيوقف حتى يتحلل.
انتهى ملخصًا.
فأما المسألة الأولى -وهي زوال الملك فلم يصحح فيها شيئًا أيضًا في "الشرح الصغير" ولا في "الروضة" ولم يذكرها في "المحرر" والصحيح أنه لا يزول؛ كذا صححه النووي في "شرح المهذب" فقال: وهذا الذي أضافه إلى "التهذيب" وغيره هو الصحيح المشهور الذي قطع به المحاملي وآخرون.
قال المحاملي في "المجموع": إذا قلنا أنه يملكه بالإرث كان ملكًا له يتصرف فيه كيف شاء إلا القتل والإتلاف ..
هذا كلام النووي.
الجزء: 4 - الصفحة: 464
لكن ذكرها في "الحاوي الصغير" وقال: إنه يزول.
وأما الثانية فصحح النووي من "زياداته" قول الكرخي وقال: إنه الصحيح بل الصواب المعروف في المذهب.
وذكر مثله أيضًا في "شرح المهذب" وزاد فيه فقال: إنه على هذا القول يكون ملكًا للميت إلى التحلل؛ وحينئذ فمعنى قول الرافعي يوقف أي: يوقف تسليم الصيد إليه، ولا يريد أن الملك يكون موقوفًا.
قوله: المسألة الثانية: الناس كالعامد في وجوب الجزاء.
ثم قال: وخرج بعض الأصحاب في وجوب الضمان على الناس قولين.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره من تصحيح القطع قد ذكر قبل ذلك في الكلام على الحلق عكسه، وقد تقدم ذكر لفظه هناك، فراجعه، وهو اختلاف عجيب وقع أيضًا في "الشرح الصغير" و"الروضة".
والصواب المذكور هناك وهو التخريج فإنه قد نقله هناك عن الأكثرين.
الأمر الثاني: أن الصحيح على طريقة القولين هو الوجوب أيضًا.
كذا صححه النووي في "الروضة" ولم ينبه على أنه من زياداته، بل أدخله في كلام الرافعي، فاعلمه.
قوله: ولو أحرم ثم جن فقتل صيدًا ففي وجوب الجزاء قولان.
وجه المنع أن الصيد على الإباحة، وإنما يخاطب بترك التعرض له من هو من أهل التكليف.
انتهى.
والأصح عدم الوجوب.
كذا صححه النووي في "شرح المهذب" وفي "زيادات الروضة"، وفيه إشكال؛ لأن الإتلاف لا فرق فيها بين المجنون
الجزء: 4 - الصفحة: 465
والعاقل؛ ولهذا لما صححه في "شرح المهذب" قال: إن الأقيس خلافه.
قوله: ولو ركب إنسان صيدًا وصال على المحرم ولم يمكن دفعه إلا بقتل الصيد فقتله، فالذي أورده الأكثرون أنه يجب عليه الضمان لأن الأذى هاهنا ليس من الصيد.
وحكى الإمام أن القفال ذكر فيه قولين:
أحدهما: أن الضمان على الراكب ولا يطالب به المحرم.
والثاني: يطالب المحرم به ويرجع بما غرم على الراكب.
انتهى كلامه.
وهذا الخلاف المذكور في الطريقة الثانية قد جعله في "الروضة" وجهين فقال: وذكر القفال فيه وجهين.
هذه عبارته.
والمذكور في "النهاية" وكتب الغزالي وغيره هو القولان كما ذكره الرافعي.
وكلام "الكفاية" أيضًا هنا غير محرر.
قوله: ولو أكره المحرم أو الحلال في الحرم على قتل صيد فقتله فوجهان:
أحدهما: أن الجزاء على المكره.
والثاني: على المكره ثم يرجع على المكره.
انتهى.
والأصح هو الثاني؛ وهو الوجوب على القاتل ثم يرجع به على الآمر.
كذا صححه الرافعي في أوائل الجنايات في الكلام على الإكراه على القتل، وعبر بالأصح.
وحكى مع ما قاله هنا وجهين آخرين:
أحدهما: أنه عليهما، والثاني: على المتلف فقط.
وجعل هذه الأوجه في الصيد وفي سائر الإتلافات التي حصل الإكراه عليها.
الجزء: 4 - الصفحة: 466
وما صححه الرافعي هناك قد صححه أيضًا النووي هنا في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة".
قوله من "زياداته": قال صاحب "البحر": قال أصحابنا: إذا كسر بيض صيد فحكم البيض حكم الصيد إذا ذبحه فيحرم عليه قطعا، وفي غيره القولان وكذا إذا كسره في الحرم.
قال أصحابنا: وكذا لو قتل المحرم الجراد قال: وقيل: يحل البيض لغيره قطعًا بخلاف الصيد المذبوح على أحد القولين لأن إباحته تقف على الذكاة بخلاف البيض؛ ولهذا لو بلعه إنسان قبل كسره لم يحرم.
وهذا اختيار الشيخ أبي حامد والقاضي الطبري.
قال الروياني: وهو الصحيح.
انتهى.
كلام النووي.
وليس فيه إطلاق تصحيح شئ من الطريقين، وقد صحح الحل في "شرح المهذب" فقال في الكلام على تحريم ما ذبحه: أما إذا كسر المحرم بيض صيد أو قلاه فيحرم عليه بلا خلاف، وفي تحريمه على غيره طريقان: أشهرهما وهي التي اختارها المصنف في الفصل الذي بعد هذا أنه على القولين كاللحم؛ الجديد: تحريمه، والقديم: إباحته.
والطريق الثانية: القطع بإباحته، وهذا الطريق هو الصواب.
انتهى ملخصًا.
وذكر بعده بنحو سبعة أوراق أن طريقة القطع بالإباحة أصح، ولم يذكر معها أن الأشهر طريقة القولين كما ذكره أولا.
قال -رحمه الله-: النظر الثاني في الواجب.
قوله في "أصل الروضة": فحصل من هذا أنه في المثلى مخير بين الحيوان والطعام والصيام، وفي غيره مخير بين الطعام والصيام.
هذه هو
الجزء: 4 - الصفحة: 467
المذهب والمقطوع به في كتب الشافعي والأصحاب.
وروى أبو ثور قولًا: إنها على الترتيب.
انتهى كلامه.
وما ذكره من القطع به في كتب الشافعي ليس كذلك؛ فقد حكى في "التقريب" عن "المناسك الكبير" للشافعي فيه احتمالين، وهو من الكتب الجديدة فقال: قال في "المناسك الكبير" بعد ذكر الآية في جزاء الصيد: فاحتمل أن يكون بالخيار؛ بأن يفتدي بأي ذلك شاء وهو أظهر معانيه، ويحتمل أن يكون عليه الهدي إن وجده، فإن لم يجده فطعام، فإن لم يجده فصوم.
هذا لفظه بحروفه، ومن "التقريب" نقلت.
واحتمالات الشافعي عند الأصحاب معدودة من الأقوال على كل حال تثبت بطلان ما ادعاه من القطع؛ ولهذا لم يذكره الرافعي.
قوله: وإذا لم يكن الصيد مثليا فالعبرة في قيمته بمحل الإتلاف، وإن كان مثليا وأراد تقويم مثله من النعم ليرجع إلى الإطعام أو الصيام فالعبرة في القيمة بمكة يومئذ لأنها محل ذبحه، فإذا عدل عن الذبح وجبت قيمته بمحل ذبحه.
هذا نصه في المسألتين وهو المذهب وقيل: فيهما قولان.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: ولنقدم عليه مقدمة، وهي: أن المذهب المنصوص عليه كما قاله النووي في "شرح المهذب" وابن الرفعة في "الكفاية": أن المعتبر في المثلى والحالة هذه بمكة إنما هو بيوم الرجوع إلى الإطعام لإخراجه أو للصيام بعدله لا بيوم الإتلاف؛ وحينئذ فقول الرافعي يومئذ لا يعود إلى الإتلاف بل ليوم التقويم لإخراج الطعام أو ليصوم.
الجزء: 4 - الصفحة: 468
إذا تقرر هذا فقد عبر عنه في "الروضة" بقوله: وإذا لم يكن الصيد مثليا فالمعتبر قيمته محل الإتلاف وإلا فقيمته بمكة يومئذ.
هذه عبارته.
فقوله: (وإلا) أي: وإن كان مثليًا كما علم من كلام الرافعي وإن كان يوهم أن المراد أنه إذا تعذر التقويم لمحل الإتلاف فكان الصواب هو التعبير بعبارة الرافعي.
وإذا علمت ذلك علمت أن مدلول لفظ "الروضة" أن المعتبر في المثل قيمته بمكة يوم الإتلاف، وهو خطأ مخالف لكلام الأصحاب في اعتبار يوم التقويم ولكلام الرافعي وللذي صححه هو ما تقدم إيضاحه.
وقد غلط أيضًا في "شرح المهذب" فإنه فرض الكلام في مكان القيمة ولم يستوفيه ثم انتقل منه إلى الكلام في زمانها.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد ترك التصريح بزمان القيمة فيما لا مثل له، والمذهب المنصوص أنه يوم الإتلاف على خلاف ما سبق في المثلى.
ولا شك أن في كل من الأمرين نصين وتخريجين؛ فالرافعي استوفاه في المكان ولا يظهر منه حكم الزمان، والنووي عكسه.
قوله: وحيث اعتبرنا قيمة مكان الإتلاف فقد ذكر الإمام احتمالين في أن المعتبر في الصرف إلى الطعام سعر الطعام في ذلك المكان أيضًا أو سعر الطعام بمكة، والظاهر منهما الثاني.
انتهى.
وذكر في "الروضة" مثله أيضًا، وكلامهما يشعر بأنهما لم يقفا في المسألة على نقل، وقد صرح بها الفوراني في "العمد" وجزم بالاحتمال الذي رجحه الرافعي، وكذلك الروياني في "البحر" في أول باب جزاء الصيد.
قوله: وقد حكم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الضبع بكبش 90. انتهى.
الجزء: 4 - الصفحة: 469
واعلم أن الضبع في اللغة هو الأنثى من هذا الحيوان، وأما الذكر فإنه ضبعان بضاد مكسورة ثم باء ساكنه وفي آخره نون؛ فيكون واجب الضبع في الحقيقة إنما هو نعجة لا كبش، وأما الحديث فورد فيه التعبير بأحدهما عن الآخر مجازًا.
نعم: رأيت في كتاب "الموعب في اللغة" لأبي غالب المعروف بابن [اليماني] 91 عن ابن الأنباري أن الضبع يطلق على الذكر والأنثى، وكذلك حكاه ابن هشام الخضراوي في كتاب "الإفصاح" هو كذا "الإيضاح" للفارس عن أبي العباس وغيره، والمعروف المجزوم به في "الصحاح" و"المحكم" ما ذكره أولًا من اختصاصه بالمؤنث.
والحديث المذكور قال البيهقي: قال الترمذي: سألت عنه البخاري فقال: إنه حديث صحيح.
قوله: وعن عثمان - رضي الله عنه - أنه حكم في أم حبين بحلان، ويقال فيه بالميم.
انتهى.
حبين: بحاء مهملة مضمومة ثم باء موحدة مفتوحة بعدها ياء بنقطتين من تحت ثم نون: تصغير حبين وهو الذي استلقى ونفخ بطنه.
قال الجويني: أرى هذا الحيوان من صغار الضب.
وحلان بالمهملة أيضًا وفي آخره نون ذكره الجوهري وغيره، وهو بتشديد = (1941) وابن حبان (3964) والدارقطني (2/ 245) وأبو يعلي (2159) والبيهقي في "الكبرى" (9654) والطحاوي في "شرح المعانى" (3482) وابن الجارود في "المنتقى" (439) وابن الغطريف في "جزء ابن الغطريف" (78) من حديث جابر - رضي الله عنه -. قال الترمذي: حسن صحيح.
وصححه البخاري فيما نقله الترمذي عنه في "العلل"، قال الحاكم: صحيح.
وقال الألباني: صحيح.
الجزء: 4 - الصفحة: 470
اللام.
قوله في "أصل الروضة": أما العناق فالأنثي من المعز من حين تولد إلى أن ترعى، والجفرة: الأنثى من ولد المعز تفطم وتفصل عن أمها فتأخذ في الرعي؛ وذلك بعد أربعة أشهر، والذكر: جفر.
هذا معناهما في اللغة.
انتهى كلامه.
وما ذكره هنا في تفسير العناق قد ذكر ما يخالفه في "لغات التنبيه" وفي "دقائق المنهاج" فقال ما نصه: العناق بفتح العين هي الأنثى من أولاد المعز إذا قويت ما لم تستكمل سنة.
انتهى كلامه فيهما، وهو مخالف من وجهين:
أحدهما: أنه شرط في إطلاق العناق أن تكون قد قويت، وقال أولًا: إنها تطلق من حين الولادة.
الثاني: أنه نقل ثانيًا عنهم إطلاق ذلك إلى سنة، ونقل أولًا إطلاقه إلى أربعة أشهر، وذكر في "تهذيب الأسماء واللغات" في فصل حصر كما ذكر في "الروضة" أعني في العناق، ثم تكلم أيضًا عليها في فصل عنق فقال نقلًا عن الأزهري أن العناق: الأنثى من أولاد المعز إذا أتت عليها سنة.
هذا لفظه.
واقتصر عليه، والذي نقله عنه سهو على العكس مما ذكره؛ فتذكر كلامه لاحتياجنا إليه في هذا وفي غيره؛ فقال في الزكاة في شرحه لألفاظ "المختصر" ما نصه: وأما أسنان الغنم فساعة تضعها أمها من الضأن والمعز ذكرًا كان أو أنثى: سخلة وجمعها سخال.
ثم هي بهمة أي: بفتح الباء الموحدة للذكر والأنثى وجمعها بهم، فإذا بلغت أربعة أشهر فصلت عن
الجزء: 4 - الصفحة: 471
أمهاتها فما كان من أولاد المعز فهي جفار واحدها: جفر، والأنثى جفرة، فإذا رعى وقوى فهو عريض وعتود وجمعهما: عرضان وعتدان، وهو في ذلك كله جدي، والأنثى عناق ما لم يأت عليها الحول، وجمعها عنوق، والذكر تيس إذا أتى عليه الحول، والأنثى عير ثم تجذع في السنة الثانية فالذكر جذع والأنثى جذعة هذا كلام الأزهري.
قوله: وعن بعضهم أن في الأيل بقرة.
انتهى.
الأيل بياء مشددة بنقطتين من تحت قبلها همزة بضم وبكسر والضم أرجح: هو ذكر الوعول.
قاله في "تهذيب الأسماء واللغات".
قال: ورأيته في المجمل مضبوطًا بكسر الهمزة فقط.
قوله: الثاني: قد تجد أن في كتب بعض الأصحاب أن في الظبي كبشا وفي الغزال عنزًا، وهكذا أورده أبو القاسم الكرخي، وزعم أن الظبي ذكر الغزلان وأن الغزال الأنثى.
قال الإمام: والذي ذكره هؤلاء وهم، بل الصحيح أن في الظبي عنزًا شديد الشبه بها؛ فإنه أجرد متقلص الذنب، وأما الغزال فهو ولد الظبي فيجب فيه ما يجب في الصغار.
انتهى كلامه.
وهذا الذي نقله عن الإمام من نسبة قائل ذلك إلى الوهم وسكت عليه قد جزم به في "الشرح الصغير" من غير تقييد لنقل عن الإمام، وصوبه النووي في "شرح المهذب" وفي "الروضة" فقال: قول الإمام هو الصواب.
الجزء: 4 - الصفحة: 472
قال: ونص أهل اللغة على أن الغزال ولد الظبية إلى حين يقوى ويطلع قرناه ثم تسمى الأنثى ظبية والذكر ظبيًا.
انتهى.
والكلام على ذلك من وجوه:
أحدها: أن ما ذكرناه من لفظ الكبش بالكاف والشين المعجمة فقد وقع في الرافعي، وكذلك في "الروضة" وقد تقرر مما سبق أن الغزال اسم للصغير والضبي اسم للكبير، وأن الظبي هو الذكر وأن واجب هذا الجنس هو المعز فيلزم بالضرورة أن يكون الواجب كبيرًا من ذكور المعز فيكون واجبه تيسًا بالتاء والسين المهملة، وهذا هو الذي وقع في كتب بعض الأصحاب؛ فإن الإمام نقله عن العراقيين فقال: وفي طرق العراق كتب وكتب إلا أنه عبر بقوله الكبش فقال في الظبي كبش وفي الغزال عنز، ولما نقل ابن الرفعة ذلك عن العراقيين، وعبر بالتيس فقال نقلًا عنهم وعن الماوردي: وقالوا: يجب في الظبي تيس؛ وهو الذكر من المعز.
هذا لفظه.
والتيس قريب التحريف بالكبش فتحرف بلا شك؛ فحصل الإنكار ممن صادف تلك النسخة المحرفة، والعجب من الإمام ومن تبعه كالرافعي حيث ذهلا عن ذلك مع أن هذا القائل لما توهم أن الغزالي هي أنثى الظباء أوجب العنز وهي من إناث المعز، ولا يتصور أن يختلف الذكر والأنثى في الجنس الواجب بل متي وجب في الذكر ذكر من ذلك الجنس أيضًا فيكون إيجابه للعنز في الأنثى دليلًا على أن الذي أوجبه في الظبي إنما هو تيس لا كبش، وقد رأيت في "شرح كفاية" الصيمري للبيضاوي التعبير بالتيس -أعني بالتاء- لكنه أوجبه في الغزال وفي الظبي عنز وفي الغزال تيس.
الجزء: 4 - الصفحة: 473
الثاني: أن ما قاله الإمام وارتضاه الرافعي وصوبه النووي من أن الواجب في الظبي إنما هو العنز غلط فاحش؛ فإن الظبي من الذكور والعنز من الإناث كما تقدم من كلام الأزهري في المسألة السابقة، وصرح بهما جميعًا النووي في كتبه "كالتهذيب" و"اللغات" و"الدقائق"، بل الصواب أن في الظبي تيسًا كما قاله القائل المردود عليه بسبب التحريف.
الثالث: في تقرير الاعتراض الوارد على إيجاب العنز في الغزال، وهو اعتراض صحيح غير أنه لم يفصح عنه وتقريره أن الغزال يطلق على الذكر والأنثى من صغار هذا الجنس كما تقدم؛ فقد تقدم فيما نقلناه عن الأزهري أن العنز هي الأنثى التي لها سنة ودخلت في الثانية فلا يمكن إيجابها في الغزال لأمرين:
أحدهما: كبرها وصغر الغزال.
والثاني: أن الغزال قد يكون ذكرًا فلا يمكن إيجاب الأنثى فيه.
إذا علمت تقرير الاعتراض وصحته فاعلم أن الرافعي قد خالف ذلك فجزم في "المحرر" بموافقة هذا القائل في إيجابه العنز في الغزال وتبعه عليه النووي في "المنهاج" و"المناسك" فجزم به أيضًا، وأقر الشيخ على ذلك فلم ينبه عليه في تصحيحه هذا مع قوله: إنه وهم.
قوله: وأما ما لم ينقل فيه عن السلف شئ فيرجع فيه إلى قول عدلين وليكونا فقيهين كيسين.
انتهى.
وهذه العبارة ذكرها أيضًا في "الشرح الصغير" وليس فيها تصريح بل ذلك على سبيل الإيجاب أو الاستحباب.
فأما الكياسة فهي الفطنة كما قاله في "الروضة" وأبدلها بها؛ فوجوبها ظاهر.
الجزء: 4 - الصفحة: 474
وأما الفقيه فاختلفوا فيه؛ فنقل الماوردي في "الحاوي" عن الشافعي أنه واجب ولم يذكر خلافه فقال: قال الشافعي: ولا يجوز لأحد أن يحكم إلا أن يكون فقيهًا لأنه حكم فلم يجز إلا بقوله من يجوز حكمه.
ورأيت في "التقرير" عن "الإملاء" نحوه.
وكلامه في "الروضة" يشعر به؛ فإنه قال: يرجع فيه إلى قول عدلين فقيهين فطنين، لكن نقل في "شرح المهذب" عن الشافعي والأصحاب أنه على سبيل الاستحباب.
والصواب الأول، وقياسه أن لا يكتفي بالمرأة والعبد أيضًا.
وأما على المذكور في "شرح المهذب" ففيه نظر.
وقد سكت الرافعي والجمهور عن الرجوع إلى العدلين بالنسبة إلى القيمة، وقد صرح باشتراطه في "التنبيه"، وكذلك الروياني والماوردي أيضًا في الكلام على إتلاف البيض.
قوله: ولا يجوز أن يكون قاتل الصيد أحد الحكمين إن قتل عمدًا؛ لأنه فاسق.
فإن قتل خطأ أو اضطرارًا إليه جاز في أصح الوجهين.
انتهى.
وتعليله بالفسق يقتضي الجواز إذا تاب، وهو واضح.
قوله: أما الحمام ففيه شاة، وما مستند ذلك ففيه وجهان:
أحدهما: أن إيجابها لما بينهما من الشبه فإن كل واحد منهما يألف البيوت ويأنس بالناس.
وأصحهما: أن مستنده توقيف تابعهم فيه.
ثم قال: والمشهور أن اسم الحمام يقع على كل ما عب وهدر؛ فيدخل
الجزء: 4 - الصفحة: 475
فيه اليمام وهي التي تألف البيوت والقمري والفاختة والدبسي والقطة.
انتهى.
وهذا الذي رجحه الرافعي قد نص عليه الشافعي في "المختصر"، وكذلك في "الأم" فقال في كتاب "اختلاف مالك والشافعي" في باب ما جاء في الصيد ما نصه: فأما الطير فلا مثل له ومثله قيمته، إلا أن في حمام مكة.
انتهى.
وذكر مثله أيضًا في كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى في باب الحج.
إذا علمت ذلك ففيه أمور:
أحدها: أن فائدة الخلاف ما إذا كان الحمام صغيرًا هل تجب فيه سخلة أو شاة.
وهذه الفائدة ذكرها الفوراني في "العمد" والماوردي في "الحاوي"، وذكر صاحب "التقريب" هذا التردد مع القول بأن المدرك هو الاتباع، ونقل في "التقريب" عن نصه في "الإملاء" ما يوافقه فقال: قالوا: في حمام مكة شاة فقلنا به اتباعًا وزعمنا أن كل حمام من حمام مكة وغيرها قتل بمكة أو خارجًا منها ففيه شاة إن كان الحمام كبيرًا، وإن كان صغيرًا ففيه شاة صغيرة.
هذا كلامه.
وجب الشاة الصغيرة وهي السلخة مع القول بأن سببه الاتباع، ونقل الرافعي عن الشيخ أبي محمد أن الخلاف فيما لو قتل طائر أكبر من الحمام أو مثله يبني على هذا؛ فإن قلنا: المستند هو التوقيف أوجبنا الشاة، وإن قلنا: المشابهة أوجبنا القيمة.
وإذا أوجبنا الشاة فقال في "التقريب": يجوز أن يجب فيما هو أكبر من الحمام شاة أكبر من الشاة الواجبة في الحمام.
الجزء: 4 - الصفحة: 476
الأمر الثاني: أن النووي -رحمه الله- قد أسقط هذه المسألة من "الروضة" وكأنه ظن أنه خلاف لفظي لا فائدة له.
الثالث: أن التعليل الذي ذكره -وهو إلفه البيوت واستئناسه بالناس- لا يستقيم في الحمام مطلقًا؛ لفقدانه في غالب أنواع الحمام كالفواخت وغيرها، وقد تقدم من كلامه أن المشهور إطلاق اسم الحمام على الجميع.
قوله: وأما عنزة، فإن كان أصغر من الحمام جثة كالزرزور والصعوة والبلبل والقنبرة والوطواط ففيه القيمة.
انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره من وجوب القيمة في الوطواط قد تبعه عليه في "الروضة"، وهو غير مستقيم؛ وذلك لأن القاعدة التي ذكرها هو وغيره أن ما لا يحل أكله لا يحرم على المحرم التعرض له ولا يجب الجزاء بقتله إلا المتولد من المأكول وغيره تغليبًا للحرمة، والوطواط لا يحل أكله كما قاله في باب الأطعمة، وعبر بالخفاش، ولم يحك فيه خلافًا، إلا أنه حاول جريان وجه ضعيف فيه من مسألة أخرى، وإذا تقرر أنه لا يحل أكله لزم ألا يجب بقتله شئ.
وكذلك لم يتعرض لذكره في "الشرح الصغير" على أن الرافعي مسبوق بذلك وأول من ذكره -فيما علمت- صاحب "التقريب"، وأشعر كلامه بأن الشافعي قد ذكره.
ورأيت في "اللباب" للمحاملي أن اليربوع لا يحل أكله.
قال: ويجب فيه الجزاء في أصح القولين.
والذي ذكره غريب.
ورأيت في "فروع" ابن القطان التي نقلها عنه ابن كج أن أبا عبد الرحمن
الجزء: 4 - الصفحة: 477
الشافعي -وهو ابن بنت الشافعي- ذهب إلى أن ما لا مثل له لا شئ فيه بالكلية.
وتاريخ فراغ النسخة التي نقلت منها سنة ثمانين وأربعمائة.
واعلم أن القبرة: بقاف مضمومة ثم باء موجودة مشددة مفتوحة: اسم للطائر المعروف، جمعه: قبر: بحذف الهاء.
قال طرفة وكان يصطاد هذا الطائر في صباه:
يا لك من قبرة بمعمر ... خلا الجو فبيضى واصفرى
ونقري ما شئت أن تنقرى ... قد ذهب الصياد عنك فأبشرى
لابد من أخذك يومًا فاحذرى
أنشده الجوهري.
وقال: إن فيه لغة أخرى؛ وهي القنبرا بنون ثم باء مضمومة وبالمد في آخره، وجمعه: قنابر.
وقول طرفة: بمعمر: بميم مفتوحة وعين ساكنة، وهو المنزل الكثير الماء والمرعى.
قوله: ويجوز فداء الذكر بالأنثى في أصح القولين.
وهل هو أولى؟
قال بعضهم: نعم لأن لحمها أرطب.
وقيل: لا، لأن كم الذكر أطيب.
انتهى ملخصًا.
والأصح أنه ليس أولى، بل الأولى الذكر للخروج من الخلاف.
كذا
الجزء: 4 - الصفحة: 478
صححه النووي في كتبه "كشرح المهذب" و"زيادات الروضة" و"تصحيح التنبيه".
قوله: وهل يجوز فداء الأنثى بالذكر؟ فيه وجهان، ويقال: قولان.
انتهى ملخصًا.
ولم يصحح في "الشرح الصغير" أيضًا شيئًا منهما والأصح هو الجواز.
كذا صححه النووي في كتبه "كشرح المهذب" و"الروضة"، واختار صاحب "الحاوي الصغير" المنع.
قوله: الفرع الثاني: إذا قتل صيدًا حاملًا من ظبية وغيرها قابلناه بمثله من النعم حاملًا.
ثم قال ما نصه: فيقوم المثل حاملًا ويتصدق بقيمته طعامًا.
وفي وجه: يجوز أن يذبح حاملًا نفيسا بقيمة حامل.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على الاقتصار على التصدق بالقيمة، وهو يشعر بتعين ذلك وأنه لا يجوز له الصيام عن كل مد يومًا، ولا يتأتى القول بذلك فاعلمه، بل يتخير بينهما قطعًا، وقد صرح به في "شرح المهذب"؛ لأن الله تعالى خير في جزاء الصيد بينهما وبين إخراج المثل، فلما تعذر ذبحه وإخراجه لنقصان لحمه فيبقى التخيير بين الخصلتين الباقيتين.
قوله في "أصل الروضة": فرع: قال الشافعي - رضي الله عنه - في "المختصر": فإن خرج ظبيا نقص عشر قيمته فعليه عشر قيمة شاة، وقال المزني تخريجًا: عليه عشر شاة.
قال جمهور الأصحاب: الحكم ما قاله المزني، وإنما ذكر الشافعي القيمة لأنه قد لا يجد شريكًا في ذبحه شاة فأرشده إلى ما هو أسهل فإن جزاء
الجزء: 4 - الصفحة: 479
الصيد على التخيير؛ فعلى هذا هو مخير إن شاء أخرج العشر، وإن شاء صرف قيمته في طعام وتصدق به، وإن شاء صام عن كل مد يومًا.
ومنهم من جرى على ظاهر النص وقال: الواجب عشر القيمة.
وجعل في المسألة قولين: المنصوص وتخريج المزني فعل الواجب عشر القيمة.
هذا إذا قلنا بالمنصوص فأوجه:
أحدها: تتعين الصدقة بالدراهم.
والثاني: لا تجزئه الدراهم بل يتصدق بالطعام أو يصوم.
والثالث: يتخير بين عشر المثل وبين إخراج الدراهم.
والرابع: إن وجد شريكًا في الدم أخرجه ولم تجزئه الدراهم وإلا أجزأته.
هذا في الصيد المثلى، فأما غيره فالواجب ما نقص من قيمته قطعًا.
انتهى كلامه.
وهذه الأوجه التي ذكرها في التفريع على القول المنصوص فيها أمران:
أحدهما: أن الأصح منها هو الوجه الأول وهو تعين الدراهم.
كذا رجحه الرافعي في "الشرح الكبير" فقال: أنه أشبه الوجوه، وصححه أيضًا النووي في "شرح المهذب" و"نكت التنبيه"، ووقع كذلك في بعض نسخ "الروضة" ففي بعضها أحدها وفي بعضها أصحها، وجمع بخطه بينهما فكتب الصاد والحاء فوق الحاء والدال وأضافهما إلى الثاني؛ وكأنه تردد في كلام الرافعي.
الأمر الثاني: أن تعيين إخراج الدراهم مشكل فإن جزاء الصيد على
الجزء: 4 - الصفحة: 480
التخيير، وقد استشكله النووي في "نكت التنبيه" وعلله بما ذكرته.
واعلم أن هذا الإشكال سببه أن النووي -رحمه الله- قد غلظ في هذه المسألة في اختصاره لكلام الرافعي، ثم إنه أخذ مما قرره في "الروضة" فذكره أيضًا في "شرح المهذب" و"نكت التنبيه" ثم تفطن لإشكاله في النكت المذكورة ظنًا منه أن الحكم كما ذكره فيه، وأن ما ذكره هو الذي ذكره غيره.
ووجه الغلط أن الرافعي جعل هذه الأوجه مفرعة على عدم اختيار الطعام والصيام فلنذكر لفظه لبيان ذلك وبيان اعتراض آخر وهو تداخل الأوجه التي حكاها فقال بعد تعليل المنصوص بما في التبعيض من المشقة ما نصه: وعلى هذا -أي: ظاهر النص- لو لم يرد الإطعام ولا الصيام ما الذي يخرج؟
حكى القاضي ابن كج عن بعضهم أنه وجد شريكًا أخرجه -يعني العشر- ولم يخرج الدراهم وإلا فله إخراجها.
وعن ابن أبي هريرة أن له إخراجها وإن وجد شريكًا.
وعن أبي إسحاق أنه مخير بين إخراج العشر وبين إخراج الدراهم.
فهذه ثلاثة أوجه.
ونقل أبو القاسم الكرخي وغيره أنه لا يجزئه إخراج عشر المثل.
وقال في "التهذيب": لا يتصدق بالدراهم ولكن يصرفها إلى الطعام ويتصدق به أو يصوم عن كل مد يومًا، وهذا ما أشار إليه في الكتاب حيث قال: فعليه الطعام بعشر ثمن المثل.
والأشبه من هذا كله تفريعًا على المنصوص -إن أثبتنا الخلاف- تعين
الجزء: 4 - الصفحة: 481
الدراهم.
هذا لفظ الرافعي، وحاصل ما حكاه من الأوجه على ما اقتضاه إيراده سته وهي في الحقيقة أربعة؛ فإن ما حكاه ابن أبي هريرة من جواز إخراج الدراهم إن كان المراد أنه لا يخرج معها عشر المثل فهو الوجه الأخير القائل بتعين الدراهم وإن كان المراد إخراجه معها فهو الثالث.
وأما ما نقله عن الكرخي فالظاهر أنه الأخير أيضًا.
وبالجملة فقد أحسن النووي في اختصاره للأوجه وإن أخطأ من وجه آخر.
قوله من "زيادته": لو قتل نعامة فأراد أن يعدل عن البدنة إلى بقرة أو سبع شياه لم يجزئه على الأصح.
ذكره في "البحر".
انتهى كلامه.
ولم يذكر عكس هذه الصورة في هذا الباب، وقد ذكره في أوائل باب الأضحية وأجاب فيه بمثل ما ذكره في هذه الصورة فقال: ويجوز أن ينحر الواحد البدنة أو البقرة عن سبع شياه لزمته شاتان مختلفة كالتمتع والقران والفوات ومباشرة محظورات الإحرام ونذر التصدق بشاة والتضحية بشاة، لكن في جزاء الصيد يراعى المماثلة ومشابهة الصور، فلا تجزئ البدنة عن سبع من الظباء، ولو وجب شاتان على رجلين في قتل صيدين لم يجز أن يذبحا عنهما بدنة.
انتهى كلامه.
ولقائل أن يقول: جزمه بجواز إخراج البدنة عن السبع من الغنم في غير جزاء الصيد مشكل لأنهن أفضل منها وكيف ينزل الواجب إلى شئ هو دونه في الفضيلة؟
واعلم أن هذا الكلام الذي ذكره في باب الأضحية يوهم جواز إخراج
الجزء: 4 - الصفحة: 482
البدنة عن الشاة في جزاء الصيد، وليس كذلك فاعلمه؛ فإنه قد نص على منعه في أوائل باب الدماء، وسيأتي أيضًا ذكره هناك.
قوله: فأما إذا اندمل الجرح وصار الصيد ويلزم به وجهان: أصحهما أنه يلزمه جزاء كل مثل.
والثاني: أرش ما نقص .. إلى آخره.
تابعه في "الروضة" على حكاية الخلاف وجهين مع أن المسألة فيها نصان للشافعي على وفق الوجهين.
ذكرهما بلفظهما صاحب "الاستقصاء"؛ فيكون الخلاف قولين.
وقد صرح بذلك الشيخ أبو إسحاق في "المهذب" وخالف في "التنبيه" فجعلهما وجهين؛ فإنه عبر بقوله: وقيل: هذا التعبير هو عادته في حكاية الأوجه كما قاله النووي في "شرح المهذب".
قوله: وإذا أوجبنا بالأزمان جزاء كاملًا فلو كان للصيد امتناعان كالنعامة لها امتناع نسبة العدو وامتناع بالجناح فأبطل أحد امتناعيه ففيما يلزمه وجهان:
أحدهما: أن يتعدد الجزاء لتعدد الأمتاع.
وأصحهما أنه لا يتعدد.
وعلى هذا فما الذي يجب؟ قال الإمام: الغالب على الظن أنه يتعين ما نقص.
. . . إلى آخره.
وهذا البحث الذي ذكره الإمام قد جزم به في "الشرح الصغير".
قوله: ولو جرح صيدًا فغاب ثم وجده ميتًا ولم يدر أنه مات بجراحه أو بسبب حادث فهل الواجب جزاء كامل أم ضمان الجرح فقط؟
الجزء: 4 - الصفحة: 483
فيه قولان.
انتهى.
والأصح هو الثاني.
كذا صححه النووي في "زيادات الروضة" و"شرح المهذب".
قوله في "أصل الروضة": فرع: سبق أنه يحرم على المحرم أكل الصيد الذي ذبحه وكذا يحرم عليه أكل ما اصطاده له حلال أو بإعانته أو دلالته بلا خلاف.
فإن أكل منه فقولان: الجديد: لا جزاء والقديم: تلزمه القيمة بقدر ما أكل.
انتهى كلامه.
وما ادعاه من عدم الخلاف فيما إذا صاده له ليس كذلك؛ فقد رأيت في الفروع التي عقلها ابن كج عن شيخه ابن القطان حكاية قولين فقال: وإن كان نوى بصيده المحرم فهل يجوز له أكله أم لا؟ على قولين.
هذه عبارته.
قوله: ولو رمى إلى صيد بعضه في الحل وبعضه في الحرم وجب الضمان أيضًا تغليبًا للحرمة والاعتبار بالقوائم ولا نظر إلى الرأس.
انتهى.
ذكر في "الروضة" مثله، وحكى معه عن المعاناة للجرجاني وجهًا.
ثانيًا: أنه لا ضمان.
وثالثًا: أن العبرة بالأكثر.
ورابعًا: أنه إن كان خارجًا من الحرم إلى الحل ضمنه وإن كان عكسه فلا، والظاهر أن هذا التصوير إنما هو في القائم.
الجزء: 4 - الصفحة: 484
وقد تعرض صاحب "الاستقصاء" للنائم وقال: إن العبرة بمستقره.
قوله: ولو نفر صيدًا حرميًا قاصدًا أو غير قاصد فدخل الحل فقتله حلال فعلى المنفر أيضًا الضمان.
قاله في "التهذيب"، بخلاف ما لو قتله محرم يكون الجزاء عليه تقديمًا للمباشرة.
انتهى لم يبين الوقت الذي ينتهي به الضمان الواجب على المنفر، وقد بينه الفوراني في "العمد" فقال ما نصه: إذا نفر صيدًا محرم فخرج من الحرم فهو في ضمانه إلى أن يرجع سالمًا إلى الموضع الذي نفره منه أو يسكن موضعًا آخر مثل ذلك الموضع ويألفه زمانًا فيزول الضمان حينئذ.
هذا لفظ الفوراني.
واعلم أن تنفير الصيد الحرمي هو نظير المسك من الحرم؛ لأن كلًا منهما موجب الضمان، وقد تقدم الكلام على ذلك والوعد بذكر هذه المسألة.
قوله: فرع: لو دخل الكافر الحرم وقتل صيدًا وجب عليه الضمان كضمان الأموال، وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: يحتمل عندي أن لا يجب لأنه غير ملتزم حرمة الحرم.
انتهى.
والذي حكاه احتمالًا عن الشيخ هو وجه مصرح به.
كذا حكاه الجرجاني في "التحرير" ولم يرجح مقابله عليه، بل حكى وجهين من غير ترجيح.
قوله: فيحرم التعرض بالقطع والقلع لكل شجر رطب حرمي غير مؤذ فيخرج بقيد الرطب الشجر اليابس؛ فلا شئ في قطعه كما لو قد صير بصفين.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على الحكم بعدم الإيجاب في القطع
الجزء: 4 - الصفحة: 485
خاصة، وسكت عن حكم القلع مع تقدم ذكره، بل كلامه يوهم الإيجاب فيه حتى يكون نظير اليابس من الحشيش كما ستعرفه.
لكن صرح النووي في "نكت التنبيه" بأنه لا يجب في قلعه ولا في قطعه شئ، فاعلمه.
قوله في "أصل الروضة": ويخرج بقيد غير المؤذي العوسج وكل شجرة ذات شوك فإنها كالحيوان المؤذن فلا يتعلق بقطعها ضمان على الصحيح الذي قطع به الجمهور.
وفي وجه اختاره صاحب "التتمة" أنها مضمونة؛ لإطلاق الخبر ويخالف الحيوان فإنه يقصد بالأذية.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أنه قد وافق الرافعي هنا على أنه لا شئ فيه، وخالف في "شرح مسلم" فقال: الصحيح أنه يحرم ويجب الضمان بقطعه، وقال في "تصحيح التنبيه" وتحريزه: إنه المختار.
الأمر الثاني: أن استدلاله بإطلاق الخبر يقتضي أنه لم يستحضر دليلًا خاصًا بالمسألة، وهو غريب؛ ففي الصحيحين: "ولا يعضد شوكها"، وقد ذكر هو هذه الرواية في "شرح المهذب" وغيره.
قوله: ولو نقل شجرة من شجر الحرم إلى الحل فعليه الرد، وإن نقلها فيسبب فعليه الجزاء، سواء نقل إلى الحل أو الحرم.
ثم قال ما نصه: وإن ثبتت في الموضع المنقول إليه فلا جزاء عليه، ولو قلعها قالع لزمه الجزاء إبقاء لحرمة الحرم.
انتهى كلامه.
وليس فيه تصريح بالذي يعود إليه الضمير لزمه هل هو الأول أو الثاني؟ وقد أمعنت النظر في المسألة فلم أر في كلام الأكثرين تصريحًا بها.
الجزء: 4 - الصفحة: 486
وصرح الجرجاني في "الشافى" بأن الضمان على الأول فقال: ضمنها الناقل لوجود التعدي منه دون المتلف.
هذا لفظه.
وذكر الخوارزمي في "الكافي" نحوه فقال: وإن ثبتت لا جزاء عليه وتكون في ضمانه، فلو قطع يعود عليه الجزاء.
وصرح البندنيجي في "تعليقه" وسليم في "المجرد" والبغوي في "التهذيب" بوجوبه على الثاني، وزاد البندنيجي بمطالبة الأول أيضًا وشبهه بالمعصوب إذا أتلفه فتلف.
واقتصر ابن الرفعة على ما قاله البندنيجي وهو واضح متعين، وحمل مقالة سليم والبغوي عليه ممكن؛ فيتعين المصير إليه.
وينبغي فيما إذا ثبتت في الحل وتعذر ردها أن الناقل يطالب في الحال لأنه عرضها شرعًا للأيدي بوضعها في الحل فصار كالتعرض الحسي فيما إذا زال امتناع الصيد.
وقد جزم بما ذكرته الجرجاني في "التحرير".
قوله: وإذا قطع غصنًا من شجرة حرمية ولم يخلف فعليه ضمان النقصان، فإن أخلف في تلك السنة لكون الغصن لطيفًا كالسواك وغيره فلا ضمان.
وإذا وجب الضمان فلو نبت مكان المقطوع مثله ففي سقوط الضمان قولان كالقولين في سن البالغ.
انتهى.
وما ذكره من عدم الضمان في الغصن اللطيف إذا خلف ذكر مثله في "الروضة" أيضًا ولم يؤخذ منه الحكم بجواز الإقدام على قطعه؛ ولهذا اتفقوا على التحريم في الكبير مع الاختلاف في السقوط عند الاختلاف بل كلامه السابق يقتضي تحريم قطعه -أي: قطع الصغير، وليس كذلك؛
الجزء: 4 - الصفحة: 487
فقد جزم بالجواز في "شرح المهذب" في الكلام على جواز أخذ الأوراق.
قوله؛ ويجوز أخذ أوراق الأشجار لكنها لا تهشي جذارًا من أن تصيب لحاها.
انتهى.
والتعبير بالمشي واللحاء أخذه الرافعي من "التهذيب"؛ فأما الهش فهو الضبط قال تعالى: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾.
واللحاء: بكسر اللام وبالحاء المهملة والمد: هو القشر.
قاله الجوهري.
إذا علمت مدلول كلامه فليس فيه بيان حكم الضبط هل هو حرام أو مكروه، وقد أوضحه النووي في سرح الحرم وقطع الأغصان الصغار بيده بحيث لا يتأذى نفسي الشجرة.
والموضع الذي قال لا يجوز أراد إذا خبط الشجرة حتى تساقط الورق وتكسرت الأغصان؛ لأن ذلك يضر الشجرة.
وهكذا ذكر هذا التأويل للنص والجمع بينهما الشيخ أبو حامد في "تعليقه" وأبو على البندنيجي والمحاملي في كتابيه "المجموع" و"التحريد" وآخرون، ونقله صاحب "البيان" عن الأصحاب.
انتهى كلامه.
والمتجه من جهة الحديث منعه مطلقًا؛ فقد روى مسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "اللهم إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حرامًا، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها أن لا يهراق فيها دم ولا يحمل فيها سلاح ولا يضبط فيها شجر إلا لعلف" 92.
الجزء: 4 - الصفحة: 488
قوله: وأما الشجرة التامة فتضمن ببقرة إن كانت كبيرة وبشاة إن كانت دونها.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن البقرة والشاة هل يتوقف إيجابهما على قلع الشجرة أولًا، بل يجبان بالقطع ليس في كلامه تصريح بذلك، وقد عبر الشيخ في "التنبيه" بالقلع -أعني: باللام.
وتعبير الرافعي "بالتامة"، مشعر به، إلا أن يقال التامة للاحتراز عن الغصن.
الأمر الثاني: لم يصرح هو ولا النووي ولا ابن الرفعة بسن البقرة، ورأيت في "شرح المهذب" المسمى "بالاستقصاء" بيان ذلك؛ فقال: لا يشترط إجزاؤها في الأضحية بأن تكون لها سنتان بل يكفي فيها التبيع وهو ابن سنة.
وأما الشاة فصرح هنا بأنها لابد أن تكون في سن الأضحية، وهو يؤخذ من كلام الرافعي في موضع آخر، وكان سببه أن الشاة لم يوجبها الشرع إلا في هذا السن بخلاف بدليل التبيع في الثلاثين منها.
نعم إطلاق الرافعي في أول الباب الثاني في الدماء يقتضي اشتراط ذلك.
قوله في "أصل الروضة": أما غير الشجر وكلأ الحرم يحرم قطعه، فإن قلعه لزمه القيمة إن لم يخلف، فإن أخلف فلا قيمة قطعًا لأن الغالب هنا الإخلاف كسن الصبي.
انتهى كلامه.
وما ادعاه من القطع بعدم إيجاب القيمة غريب لم يذكره الرافعي أيضًا فقد جزم القاضي أبو الطيب في "تعليقه" بأنه لا يسقط، والغريب أنه ادعى
الجزء: 4 - الصفحة: 489
أنه لا خلاف فيه أيضًا على عكس ما ادعاه في "الروضة".
قال: والفرق بينه وبين الغصن على أحد القولين: إن الحشيش لا يتخلف في العادة؛ فلو أسقطنا الضمان على قاطعه، بخلاف الغصن فابتعد بعود.
هذا لفظه، ونقله منه أيضًا النووي في "شرح المهذب"، وكذلك ابن الرفعة في "الكفاية".
قوله: ويجوز تسريح البهائم في حشيشه للرعي، وكذا قطعه لتعلقها به في أظهر الوجهين.
انتهى.
وإذا جوزنا القطع للعلف فأراد قطعه للبيع ممن يعلف فإنه لا يجوز ذلك كما قاله في "شرح المهذب"؛ فلتتفطن له فإنه مهم وكلامهم هنا موهم.
قوله: ويستثنى عن المنع الإذخر لحاجة السقوف كما ورد في الخبر.
انتهى.
ويستثنى أيضًا ما يتغذى به كالرجلة والنبات المسمى في الحجاز بالبقلة ونحو ذلك؛ فإنه يجوز أيضًا لأنهما في معنى الزرع.
قاله الطبري شارح "التنبيه".
قوله: ولو احتيج إلى شئ من نبات الحرم للدواء فهل يجوز قطعه؟ وجهان: أحدهما: لا لأنه ليس في الخبر إلا استثناء الإذخر.
وأصحهما: الجواز لأن هذه الحاجة أهم من الحاجة إلى الإذخر.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن حكاية الوجهين في: جواز القطع مشكل؛ للمعنى الذي ذكره ولما أشكل ذلك علىَّ تتبعت الحاكين لهذا الخلاف فوجدت الإمام في
الجزء: 4 - الصفحة: 490
"النهاية" قد حكاه عن "شرح التلخيص" للشيخ أبي على السنجي فقلده في ذلك من جاء بعده كالغزالي والرافعي والنووي، فراجعت "شرح التلخيص" فلم أجد الخلاف مذكورًا فيه على الوجه الذي نقله الإمام؛ فإنه نقل عن صاحب "التلخيص" جواز قطع الإذخر وما كان للدواء وما أنبته الآدميون.
ثم قال ما نصه: فأما الثلاثة التي استثناها فقال: الإذخر أن يقطع لأن في الخبر أن العباس قال: يا رسول الله إلا الإذخر.
فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إلا الإذخر فإنه لقيننا وبيوتنا" 93 فاستثنى ذلك لحاجتهم إليه في بيوتهم.
والثاني: قال: ما كان لدواء فله قطعه.
قلت: يحتمل إذا قطع أن تكون عليه القيمة؛ لأنه قطعه لحاجته فصار كما لو قتل الصيد للمجاعة.
واحتمل أن يكون الجواب على ما ذكر لأنه إنما أبيح له قطع الحشيش للقنو والبيوت وعلف الدواب للحاجة، وحاجته إلى الدواء أعظم من حاجته إلى علف الدابة، ولا تكون حاجته دون حاجة دابته؛ فلهذا قلنا: لا شئ عليه.
هذا لفظه بحروفه، ومن شرحه نقلته، وحاصله حكاية الخلاف في وجوب الجزاء وأن القطع جائز، وهو صحيح لا شك فيه، ولم يذكر الشيخ أبي على فيه غير ذلك، واحتمالات الأصحاب الوجوه وجوه، فلهذا جعلها الإمام وجهين.
الأمر الثاني: أن الخلاف المذكور في قطعه للدواء يجري فيما لو قطع للحاجة التي يقطع لها الإذخر كتسقيفه البيوت ونحوه.
الجزء: 4 - الصفحة: 491
كذا قاله الغزالي في "البسيط" و"الوسيط"، ومقتضاه رجحان الجواز، وقد تبعه عليه صاحب "الحاوي الصغير" فجوز القطع للحاجة مطلقًا ولم يخصه بالدواء، وقلَّ من تعرض لهذه المسألة.
الأمر الثالث: أن تعبيره بقوله: ولو احتج ظاهره أن الأخذ كذلك يتوقف على وجود السبب، ويتجه أن يقال: يجوز قطعه وتحصيله عنده ليستعمله عند وجود سببه لاسيما إذا كان غريبًا.
ولو أخذه ليبيعه لمن يحتاجه فهو كأخذ الحشيش كذلك، وقد تقدم.
قوله: فرع: يكره نقل تراب الحرم وأحجاره إلى سائر البقاع.
انتهى.
وما ذكره من الكراهة قد خالفه في "الروضة" هنا فقال من زياداته: الأصح أنه لا يجوز، وجزم به أيضًا في أواخر صفة الحج من "شرح المهذب" في الكلام على زيارة قبر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: وكذلك حرم المدينة أيضًا.
وقال في آخر باب ما يجب بمحظورات الإحرام من الشرح المذكور: وقال المحاملي والشيخ في "المهذب": لا يجوز ذلك، وقال الكثيرون أو الأكثرون: يكره انتهى.
وقد نص الشافعي -رحمه الله- في "الأم" على المسألة فقال في كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى المذكور بعد باب قطع العبد في باب الحج ما نصه: قال الشافعي: ولا يخرج من حجارة الحرم ولا ترابه شئ إلى الحل؛ لأن له حرمة ثبتت باين بها ما سواها، ولا أرى -والله أعلم- أن جائزًا لأحد أن يزيله من الموضع الذي باين به البلدان.
هذا لفظ الشافعي بحروفه ومن "الأم" نقلته فثبت أن الفتوى على التحريم.
قوله: أبو الفضل بن عبدان: ولا يجوز قطع شئ من ستر الكعبة ونقله
الجزء: 4 - الصفحة: 492
وبيعه وشراؤه خلاف ما يفعله العامة فيشترونه من بني شيبة.
انتهى.
وما نقله هنا عن ابن عبدان وارتضاه قد ذكر في آخر كتاب الوقف ما يخالفه فقال: وحصر المسجد إذا بليت، ونحاتة أخشابه إذا نخرت، وأستار الكعبة إذا لم يبق فيها جمال ولا منفعة في بيعها وجهان: أصحهما: نعم.
قالوا: ويصرف ثمنها في مصالح المسجد.
انتهى.
وقد استدرك في "الروضة" عليه هنا فقال: قال الحليمي أيضًا: لا ينبغي أن يؤخذ منها شئ، وقال صاحب "التلخيص": لا يجوز بيعها، وقال ابن الصلاح -بعد أن ذكر قول ابن عبدان والحليمي: الأمر فيها إلى الإمام يصرفها في بعض مصارف بيت المال بيعا وعطاء، واحتج بما رواه الأزرقي صاحب كتاب "مكة" أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان ينزع كسوة البيت كل سنة فيفرقها على الحاج، وهذا الذي اختاره الشيخ حسين متعين لئلا يتلف بالبلي، وبه قال ابن عباس وعائشة وأم سلمة -رضي الله عنهم- انتهى.
وذكر مثله في "شرح المهذب" في آخر كفارة الإحرام.
والذي قاله في الموضعين مخالف لما وافق عليه الرافعي في الوقف من وجهين:
أحدهما: فيما يفعل فيها.
والثاني: فيما يفعل في ثمنها.
واعلم أن الكسوة لها أحوال:
أحدها: أن توقف على الكعبة، وحكمها ما سبق الآن.
الثاني: أن يصدر من مالكها تمليكها للكعبة فلقيمها أن يفعل فيها ما يراه
الجزء: 4 - الصفحة: 493
من تعليقها عليها أو بيعها وصرف ثمنها إلى مصالحها.
والثالث: أن يوقف شئ على أن يؤخذ ريعه وتكسى به الكعبة كما قد وقع في عصرنا، فإن الإمام وقد وقف على ذلك بلادًا من إقليم مصر ثم فوض بعد ذلك النظر في بلد الأوقاف إلىّ فنظرت عليها مدة طويلة ثم تركتها اختيارًا للانقطاع وإيثارًا للنفع والانتفاع، وقد تلخص لي في هذه المسألة أنه إن شرط الواقف شيئًا من بيع أو إعطاء إلى أحد أو غير ذلك فلا كلام، وإن لم يشترط شيئًا نظر إن لم يقف الناظر تلك الكسوة فله بيعها بلا نزاع وصرف ثمنها في كسوة أخرى، وإن وقفها فسيأتي فيها ما سبق من الخلاف في البيع.
نعم: يبقى قسم آخر وهو الواقع اليوم في هذا الوقف وهو أن الواقف لم يشترط شيئًا من ذلك وشرط تجديدها كل سنة مع علمه؛ فإن بني شيبة كانوا يأخذونها كل سنة لما كانت تكسى من بيت المال فهل يجوز لهم أخذها الآن أو يباع ويصرف ثمنها إلى كسوة أخرى؟ فيه نظر، والمتجه الأول.
قوله: قال -يعني الغزالي- في "الوجيز": ويلتحق حرم المدينة بمكة في التحريم، وفي الضمان وجهان: أحدهما: لا إذ ورد فيه سلب نبات الصايل فهو جزاؤه.
انتهى لفظ الغزالي.
ثم قال في أثناء شرحه له: وإذا قلنا بالتحريم ففي ضمان صيدها ونباتها قولان: الجديد: أنه لا يضمن، والقديم الضمان.
وعلى هذا فما جزاؤه؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن جزاءه كجزاء حرم مكة.
وأظهرهما: أخذ السلب.
الجزء: 4 - الصفحة: 494
ثم قال بعد ذلك ما نصه: وقوله في الكتاب ففي الضمان وجهان اقتدى فيه بالإمام، والمشهور في المسألة قولان.
وقوله: إذ ورد فيه سلب نبات الصايل معناه: أن واجب هذه الجناية هو السلب الذي ورد في الخبر دون الجزاء؛ إذ لو وجب الجزاء لوقع الاكتفاء به كما في صيد مكة.
وعنى بالضمان الجزاء دون المشترك بينه وبين السلب، فاعرف ذلك.
انتهى لفظه بحروفه، وفيه أمران:
أحدهما: أن هذا التقرير الذي ذكره آخر الكلام الغزالي حيث قال: وقوله إذ ورد فيه .. إلى آخره مع الاعتراض الذي أورده عليه قبل ذلك وهو جعل الخلاف وجهين لا يتصور الجمع بينهما؛ فإن التقرير الذي ذكره آخرا يقتضي أن الغزالي أراد بالخلاف أنه هل يجب ما أوجبناه في مكة أم يجب السلب؟ وإذا كان الأمر كذلك كان الخلاف وجهين بلا شك كما قدمه.
وأما القولان القديم والجديد فإن بحملهما في أصل الوجوب كما تقدم فحمل ما حكاه الغزالي من الخلاف على أصل الوجوب حتى ورد عليه مناف لما ذكره بعد ذلك، والغريب أن الموضعين لا فاصل بينهما، والصواب ما ذكره آخرًا؛ فإن التعليل الذي ذكره الغزالي صريح فيه ولا يحتمل حمله على حكاية الخلاف في أصل وجوب الضمان؛ فعاود نظرك فيه.
وذكر في "الوسيط" نحوه أيضًا، غير أنه في الكتابين المذكورين لم يحك الخلاف في أصل الضمان ولا صرح به فكأنه تركه نسيانًا، وهذا هو الذي يوقع من لم يتأمل كلام الغزالي على حمله على أصل الضمان.
نعم حكى في "البسيط" الخلاف فيما يلزمه وجمع بينهما في "النهاية".
الجزء: 4 - الصفحة: 495
الأمر الثاني: أن استدلال الرافعي بالحديث وتصويره المسألة بالثياب يقتضي إجراء الخلاف في الكلام.
ولم يتعرض في "الروضة" لذلك فلزم خلوها عن هذه المسألة.
وحديث السلب رواه مسلم في صحيحه من حديث سعد.
قوله: وج الطائف واد بصحراء الطائف قال الشافعي - رضي الله عنه -: أكره صيده، وعن الشيخ أبي على حكاية تردد في أنه تحريم أو مجرد كراهة.
والصحيح عند عامة الأصحاب الأول .. إلى آخره.
اعلم أن حكم شجر وج كحكم صيده.
كذا صرح به النووي في "شرح المهذب" نقلًا عن الشافعي والأصحاب، وذكره الغزالي أيضًا في "الوجيز"، ولم يتعرض الرافعي -رحمه الله- لشرحه، وكأنه تركه نسيانًا، وبسبب ذلك أغفله النووي فلم يذكره في "الروضة".
ووج: بواو مفتوحة ثم جيم مشددة، قال في "تهذيب الأسماء واللغات" نقلًا عن الحازمي: وربما اشتبه هذا بوح بالحاء المهملة المشددة أيضًا اسم لناحية بعمان.
الجزء: 4 - الصفحة: 496
القسم الثالث من كتاب الحج في اللواحق وفيه بابان: الأول: في موانع الحج وهي ستة:
قوله: فإذا أحصر العدو المحرمين عن المضي في الحج كان لهم أن يتحللوا، والأولى أن لا يعجل التحلل إن وسع الوقت فربما يزول المنع فيتمون النسك، وإن كان ضيقًا فالأولى التعجيل كيلا يفوت الحج.
انتهى: فيه أمور:
أحدها: أنه لم يبين أن التحلل واجب أم لا.
وقد تقدم الكلام عليه مبسوطا في أعمال يوم النحر فراجعه.
الأمر الثاني: أن الإحصار المقتضى للتحلل شرطه أن يكون عن الأركان خاصة، فلو منع من الرمي والمبيت فإنه لا يجوز التحلل كما نقله في "شرح المهذب" عن الروياني وغيره؛ لأنه متمكن من التحلل بالطواف والحلق، ويقع حجه مجزئًا عن حجة الإسلام، ويجبر الرمي والمبيت بالدم.
الأمر الثالث: أنه إذا صابر الإحرام متوقعًا زوال حتى فاته الحج فإنه القضاء لا يجب على الأصح كما ستعرفه وحينئذ فقوله: لئلا يفوته الحج؛ أي: فإنه يلزمه القضاء على وجه.
الأمر الرابع: أن محل ما ذكره فيما إذا لم يتيقن انكشاف العدو فإن يتقن قال الماوردي: فينظر إن كان في الحج وتيقن انكشافهم في مدة يمكن إدراك الحج بعدها، أو في العمرة وتيقن انكشافهم عن قرب -وهو ثلاثة أيام- لم يجز التحلل.
الجزء: 4 - الصفحة: 497
قوله: إحداها: لو منعوا ولم يتمكنوا من المسير إلا ببذل قال: فلهم أن يتحللوا ولا يبذلوا المال وإن قلَّ؛ إذ لا يجب احتمال الظلم في أداء الحج، بل يكره البذل إن كان الطالبون كفارًا؛ لما فيه من الصغار.
انتهى كلامه.
وتقييد الكراهة بالكفار يقتضي أن المسلمين ليسوا كذلك، وقد تقدم عن الرافعي في أول كتاب الحج ما يخالفه، وتقدم ذكر لفظه هناك فراجعه.
قوله: وإن احتاجوا إلى قتال يسير نظر إن كان المانعون مسلمين فلهم التحلل ولا يلزمهم القتال وإن قدروا عليه؛ لما فيه من التغرير بالنفس، وإن كانوا كفارًا فقد حكم صاحب "الكتاب" بوجوب القتال إذا لم يزد عدد القتال على الضعف.
وهكذا حكى الإمام عن بعض المصنفين ولم يرتضه على هذا الإطلاق بل شرط فيه وجدانهم السلاح وأهبة القتال، وقال: إذا وجدوا الأهبة وقد قصدهم الكفار فلا قرار ولا سبيل إلى التحلل.
والأكثرون قالوا: لا يجب القتال على الحجيج مطلقًا.
نعم لو تقاتلوا لم يكن لهم الفرار بالشرط المتقدم.
انتهى.
ذكر في "الروضة" مثله.
وما أوهمه كلام الإمام في نقله عن بعض المصنفين من المخالفة في اشتراط الأهبة عجيب لا يتصور أن يريده أحد، وكيف يتصور إيجاب المقاتلة بغير آلة؟ إلا أن المراد ببعض المصنفين هو الفوراني، وفي نفس الإمام منه ما في نفسه كما تقدم إيضاحه في أوائل الكتاب، وحبك الشئ يعمي ويصم.
قوله: فإذا أحاط العدو بهم من الجوانب كلها ففيه وجهان: أحدهما: ليس لهم التحلل لأنهم يستفيدون به أمنًا فصار من العدو الذي بين يديهم.
انتهى.
الجزء: 4 - الصفحة: 498
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره في تعليل الصحيح يقتضي تقييد المسألة فإذا كان المانعون فرقًا متميزة لا تعضد كل واحدة الأخرى، فإن كان المانعون بجميع الجوانب فرقة واحدة لم يجز التحلل، فتفطن له.
الأمر الثاني: أن هذا الخلاف إنما يستقيم إذا اتسع الوقت، فإن ضاق بحيث يخشى الفوات تحللوا قطعًا ليستفيدوا به دفع القضاء على ما مر ومصابرة الإحرام إلى التحلل يعمل عمرة.
قوله: الثالثة: ليس للمحرم التحلل بعذر المرض خلافًا لأبي حنيفة، فإن شرطه فقولان: أظهرهما: صحة الشرط، وبه قال أحمد؛ لحديث ضباعة بنت الزبير وهو ما روي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لها: "أما تريدين الحج؟ " فقالت: أنا ساكنة.
فقال: "حجي واشترطي أن محلي حيث حبستنى" 94.
والثاني: المنع، وبه قال مالك وأبو حنيفة.
انتهى ملخصًا.
وضباعة: بضاد معجمة مضمومة ثم باء موحدة.
والزبير أبوها هو أحد أعمام النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وحديثها هذا مذكور في الصحيحين.
والمراد بقوله: "محلي حيث حبستني" أي: مكان تحللي هو المكان الذي حبسني فيه المرض.
وهذا الذي نقله عن أبي حنيفة عجيب فإنه كيف يتصور الجواز بدون الشرط والمنع عند وجوده.
قوله: فنقول: إذا كان المحصر واجدًا للدم فيذبح وينوي التحلل عنده لأن الذبح قد يكون للتحلل وقد يكون لغيره فلابد من قصد صارف، وفي
الجزء: 4 - الصفحة: 499
وجوب الحلق خلاف مبني على أن الحلق نسك أم لا.
انتهى ملخصًا.
تابعه عليه في "الروضة".
وفيه أمران:
أحدهما: أن كلامه يوهم أنه لا يجب مقارنة النية للحلق إذا أوجبناه، والقياس وجوبه لما سبق، وقد جزم به ابن الرفعة نقلًا عن الأصحاب، ويتلخص منه أنه لابد من النية مرتين فاعلمه؛ ولهذا ذكر الرافعي بعد ذلك أنه إذا لم يجد الهدي يتحلل بالنية والحلق، وذكر نحوه في الكلام على تحليل العبد.
ويتجه أن يقال: إن لم يقدر على الهدي وجبت مقارنة النية للحلق؛ لما سبق، وإن قدر عليه فتكفي مقارنة النية له كما يكفى اقتران النية بأول الوضوء والصلاة وغيرها.
الأمر الثاني: أنه لابد من تقديم الذبح على الحلق كما صرح به الماوردي وغيره؛ ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ 95.
قوله: وإن لم يجد الهدي إما لإعسار أو غيره فهل له بدل؟ فيه قولان يأتي ذكرهما: أصحهما: نعم وهو الإطعام بقيمة الشاة فإن عجز فصوم التعديل.
فإن قلنا: إن دم الإحصار له بدل، فإن كان بطعم فيوقف التحلل عليه كتوقفه على الذبح، وإن كان يصوم فكذلك مع ترتيب الخلاف، ومنع التوقف هاهنا أولى لأن الصوم يفتقر إلى زمان طويل فتكون المشقة في الصبر على الإحرام أعظم أي: بخلاف الذبح.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" وتابعه عليه النووي في "الروضة"، وهو كلام غير مستقيم؛ لأنه حكى الخلاف في الصوم وجعله مرتبًا على الخلاف في الذبح ثم فرق، والخلاف في الذبح لم يتقدم له ذكر، بل جزم بتوقف
الجزء: 4 - الصفحة: 500
التحلل عليه فبقي مرتبًا على غير مذكور، وقد ذكره الغزالي في "الوجيز" على الصواب فإنه قال: وتحلل المحصر هل يقف على إراقة دم الإحصار؟ فيه قولان.
فإن كان معسرًا وقلنا: الصوم بدل ففي جواز توقفه قولان مرتبان وأولى بأن لا يتوقف، لأن الصوم طويل هذا لفظه، فلما شرحه الرافعي نسى القول الأول ثم إنه رتب عليه فلزم ما لزم.
قوله: الثانية: لا يشترط بعث دم الإحصار إلى الحرم بل يذبحه حيث أحصر؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أحصر عام الحديبية فذبح بها وهى من الحل.
انتهى.
ذكر في "الروضة" نحوه.
وهو يشعر بأنه لو أراد أن يذبح في الحل أيضًا ولكن في موضع آخر غير الذي أحصر فيه فإنه لا يجوز له ذلك والأمر فيه كما أشعره كلامه فقد جزم به النووي في "شرح المهذب" نقلًا عن الدارمي وغيره.
وسببه أن موضع الإحصار قد صار في حقه كنفس الحرم، وهو نظير منع المتنفل إلى غير القبلة من التحول إلى جهة أخرى وحديث الذبح بالحديبية ثابت في الصحيحين من رواية ابن عمر 96.
قوله: فأما إذا كان مصدودًا عن البيت دون أطراف الحرم فهل له أن يذبح في الحل؟ ذكر فيه وجهان؛ والأصح أن له ذلك.
انتهى.
ذكر في "الروضة" مثله.
ومحل هذا الخلاف ما إذا كان الحصر في الحل ولكن أمكنه الذبح في الحرم، فأما إذا كان الحصر في أطراف الحرم فلا يجوز الذبح في الحل بلا خلاف.
كذا ذكره في "شرح المهذب".
وكلام الرافعي يوهم خلافه.
قوله: ولو أذن السيد للعبد في الإحرام بالعمرة فأحرم بالحج فله تحليله،
الجزء: 4 - الصفحة: 501
قاله في "التهذيب" وظني أنه لا يسلم من الخلاف.
انتهى ملخصًا.
والأمر كما ظنه الرافعي؛ فقد حكى الدارمي في المسألتين وجهين وصحح أن له التحليل فيهما.
كذا رأيته في "الاستذكار" في باب حج الصبي يبلغ والعبد يعتق، ونقله عنه النووي في "زيادات الروضة" و"شرح المهذب" قال: لكن الأصح الوجه الثالث المفصل كما قاله صاحب "التهذيب".
قوله: وكل دم يلزم بسبب ارتكاب المحظورات كالطيب واللباس وقتل الصيد والفوات فلا يجب على السيد بحال سواء أحرم بإذنه أو بغير إذنه.
وأما العبد فلا ملك له حتي يذبح لكن لو ملكه السيد فعلى القديم يملك ويلزمه إخراجه، وعلى الجديد لا يملك، وإذا لم يملك ففرضه الصوم وللسيد منعه منه في حال الرق إن كان إحرامه بغير إذنه، وكذا إن كان بإذنه في أصح الوجهين لأنه لم يأذن في موجبه.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما أطلقه من وجوب إخراج العبد عند تمليك السيد قد تابعه عليه في "الروضة"، ومحله إذا ملكه ليكفر أو ملكه مطلقًا ثم أذن له في التكفير به.
كذا صرح في الباب الثاني من كتاب "الأيمان"، وذكر نحوه في الظهار، فاعلمه.
الأمر الثاني: أن يمنع السيد من الصوم.
محله إذا كان الرقيق أمة لما فيه من تفويت الاستمتاع عليه والكفارة على التراخي، أو كان عبدًا يضعف به عن الخدمة أو يناله ضرر، وإلا فلا منع على الأصح.
كذا نبه عليه أيضًا في كتاب "الأيمان" ثم قال عقبه: وعلى هذا لا يمنعه من صوم التطوع وصلاة التطوع في مثل هذه الحالة في غير زمان الخدمة.
الجزء: 4 - الصفحة: 502
قوله: وإن قرن العبد أو تمتع بإذن سيده فهل يجب الدم على السيد؟
الجديد: لا يجب، وفي القديم قولان، بخلاف ما إذا أذن له في النكاح فإن السيد يكون ضامنًا للمهر على القديم قولًا واحدًا؛ لأن الدم له بدل وهو الصوم.
ثم قال: وإذا لم يوجب الدم على السيد فالواجب على السيد الصوم.
انتهى.
ولك أن تقول: إذا لم يجب على السيد فلم لا يجب في كسب العبد كما في الصداق وغيره؟ وقد أشار إليه الجرجاني في "التحرير".
قوله في "أصل الروضة": وإذا جاز للسيد التحليل جاز للعبد التحلل.
انتهى كلامه.
وذكر مثله في "شرح المهذب" أيضًا، وهو يوهم أن العبد يجوز له أن يتحلل وإن لم يأمره سيده.
وليس كذلك بل المراد إنما هو الجواز عند أمر السيد.
وقد صرح الرافعي بمثله في الزوجة، وهو نظير المسألة.
وذكر الرافعي أيضًا هنا تعليلًا يشير إلى المقصود فإنه قال عقب هذه العبارة الموهمة: لأن الحصر بغير حق يجوز له أن يتحلل؛ فالمحصر بحق أولى.
هذا لفظه.
فحذف النووي التعليل المذكور وأبقى هذه العبارة الموهمة بل الدالة على الجواز عند عدم الأمر، ثم إن التحلل يجب عند الأمر؛ فكان حقه أن يقول: وإذا أمر السيد بالتحليل وجب على العبد التحلل.
قوله: ولو أحرم المكاتب بغير إذن المولى فمنهم من جعل جواز تحليله
الجزء: 4 - الصفحة: 503
على قولين بناء على قولين في سفر التجارة.
وهل يمنعه السيد منه؟ ومنهم من قطع بجواز التحليل لأنه لا منفعة للسيد في سفر الحج.
انتهى كلامه.
لم يصحح في الروضة شيئًا من الطريقين، والأصح طريقة القطع بالجواز؛ فقد صححها البندنيجي والنووي في "شرح المهذب".
قوله: ولو نذر العبد الحج يأتي به في حال الرق فهل يجزئه؟ فيه وجهان.
انتهى ملخصًا.
والأصح أنه يجزئه.
كذا صححه النووي من "زيادات الروضة".
قوله: المستحب للمرأة أن لا تحرم دون إذن زوجها.
انتهى.
وما ذكره هاهنا من كون الإذن مستحبًا لا واجبًا قد ذكر في آخر هذا المانع ما يخالفه فقال ما نصه:
الثاني: الأمة المزوجة لا يجوز لها الإحرام إلا بإذن السيد والزوج جميعًا.
هذا لفظه، وهو صريح في وجوب استئذان الزوج.
وأما كون الزوجة حرة أو أمة فلا أثر له قطعًا بالنسبة إلى وجوب استئذان الزوج لاستوائهما في المقتضى وهو الزوجية.
ووقع الموضعان كذلك في "الروضة".
وذكر في "شرح المهذب" حكم الأمة كما ذكره في "الروضة" وادعى أنه لا خلاف فيه لكنه لم يصرح في الموضع المذكور أولًا بالجواز بل قال: ينبغي لها أن لا تفعل فليس فيه تناقض صريح، فالمنع من ذلك موافق لما
الجزء: 4 - الصفحة: 504
أفهمه كلام "الروضة" في النفقات من منع الشروع في الصوم فإنه قال: ولا تشرع فيه بغير إذن.
وظاهر هذه الصيغة التحريم، وبه صرح فيها أي: في الروضة في صوم التطوع نقلًا عن الأصحاب، لكن عبارة الشرحين "الكبير" و"الصغير": أنه لا ينبغي لها ذلك، وقد حذف في "الشرح الصغير" مسألة الأمة ومع ذلك اختلف كلامه؛ فإنه استدل على جواز تحليلها بأنه حج غير جائز، وعبر في "الكبير" بقوله: غير مشروع.
قوله: وهل للزوج منع المرأة من حج الفرض؟ فيه قولان: أحدهما: لا؛ لأنها عبادة مفروضة فأشبه الصوم والصلاة.
وأصحهما: نعم؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أيما امرأة لها زوج ولها مال ولا يأذن لها زوجها في الحج ليس لها أن تنطلق إلا بإذن زوجها" 97. ولأن الحج على التراخي وحق الزوج على الفور.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور:
أحدها: ليس المراد من الصوم المقيس عليه هو الصوم المضيق؛ لأنه لا يكون نظير المسألة، بل الصوم المتسع لقضاء رمضان، والصحيح فيه أن له المنع منه على خلاف ما جزم به هاهنا.
كذا ذكره في كتاب النفقات.
الأمر الثاني: أن مقتضى التعليل المذكور امتناع تحليل الصغيرة إذا أحرمت بتطوع أو قضاء، وكذلك الكبيرة إذا سافرت مع الزوج فأحرمت بالفرض وقت إحرامه به.
الجزء: 4 - الصفحة: 505
وفيه نظر يتجه أن يكون محل الخلاف فيما إذا أحرمت من الميقات أو من مكة في الوقت المعتاد وهو يوم التروية، فإن أحرمت قبله كان له المنع جزمًا.
الأمر الثالث: أن التعبير بالفرض تدخل فيه مسائل:
إحداها: حجة الإسلام ولا إشكال فيها.
الثانية: المنذورة، وللنذر حالان:
أحدها: أن يتعلق بزمان بعينه فيتجه أن يقال: إن كان قبل النكاح فليسله المنع منه؛ لأن تعينه سابق على حقه، وإن كان بعده نظر إن أذن فيه الزوج فكذلك كما لو أحرمت بإذنه ثم أراد الرجوع، وإن كان بغير إذنه فله المنع.
وقد صرح الرافعي بنظير هذا التفصيل في نذر الصوم، ذكره في كتاب النفقات، وهناك ذكر ما يجوز مبسوطًا.
الحال الثاني: أن لا يتعلق بزمان بعينه فيتجه أيضًا أن يقال: إن كان قبل النكاح أو بعده ولكن بإذنه فهو على القولين في حجة الإسلام، وإن كان بعده وبغير إذنه فلا يتخرج على القولين لبعدها.
وقد أطلق الرافعي في نظير هذا من الصوم أن له المنع على الصحيح.
المسألة الثالثة: القضاء:
وفي جواز المنع منه وجهان صرح بهما المتولي والبغوي وغيرهما في الكلام على الجماع؛ قال المتولي: والوجهان ينبنيان على أن القضاء على الفور أم لا؟
فإن قلنا: نعم فلا منع، وإلا فيمنع، والمرجح الفورية فيكون المرجح عدم المنع، وهذا متجه إذا وطئها الزوج أو أجنبي ولكن قبل النكاح.
الجزء: 4 - الصفحة: 506
فإن وطئ الأجنبي بعده في نسك لم يأذن فيه الزوج فله في القضاء المنع أو التحليل كما في الأداء، وإن كان قد أذن ففي المنع نظر.
والقضاء إذا كان سببه الفوات يجب أيضًا على الفور على الصحيح.
ولا يخفى حكمة ما ذكرناه.
وقد ذكر النووي مسألة النذر والقضاء في "شرح المهذب" فقال: قال الدارمي والجرجاني في "التحرير": وحجه النذر كالإسلام، فإذا أحرمت بها بغير إذنه فله تحليلها في أصح القولين، وينبغي أن يكون القضاء كذلك.
هذا لفظه.
وعجب منه في هذا الكلام المخالف للمنقول والمعقول.
المسألة الرابعة: الإحرام لدخول مكة:
إذا فرعنا على وجوبه فقد تقدم أن مقتضى إطلاق الرافعي وغيره أنه لا فرق فيه بين المرأة المتزوجة وبين غيرها إذا كان سفرها بإذن الزوج؛ وحينئذ فإذا أحرمت لا يحللها، غير أن زوجها إذا كان بمكة مثلا فالمتجه أنه لا يجوز لها العدول عن العمرة إلى الحج؛ لطول زمانه.
فإن فعلت فالمتجه جواز التحليل لتقصيرها.
ولا قضاء لو دخلت بغير إحرام.
والحديث المذكور رواه الدارقطني والبيهقي.
قوله: وأما حجة التطوع فله منعها منها، وكذا له أن يحللها على الأصح كما له التحليل في صوم التطوع وصلاة التطوع.
انتهى.
وما ذكره من المنع في التطوعات محله في النفل المطلق، أما صوم عرفة وعاشوراء والسنن الراتبة للصلاة فليس له منعها في أصح الوجهين كما ذكره في كتاب النفقات، قال: وصوم الاثنين والخميس كالتطوع المطلق وله المنع من الخروج لصلاة العيدين والكسوف.
الجزء: 4 - الصفحة: 507
قوله: وحيث جوزنا للسيد التحلل فمعناه الأمر به، فإن أمرها فلم تفعل فللزوج أن يستمتع بها والإثم عليها.
كذا حكاه الإمام عن الصيدلاني ثم توقف فيه؛ لأن المحرمة محرمة لحق الله تعالى كالمرتدة.
انتهى.
ذكر في "الروضة" مثله.
والذي قاله الصيدلاني هو المذهب كما قاله في "شرح المهذب".
قوله: ولم أجد حكاية الخلاف في منع الأبوين الولد في حج الفرض لغير الغزالي إلا للقاضي ابن كج.
انتهى.
وهذا الخلاف قد صرح به الفوراني من الإبانة والعمد، وأشار إليه القاضي حسين في "تعليقه" فقال: المذهب أنه لا منع, وصرح في كتاب السير بحكايته وجهًا، وقد سبق في أول الكتاب التنبيه على سبب ذلك.
قوله: وإذا حصل الفوات فله التحلل كما في الإحصار.
وبم يتحلل؟ قال في "المختصر" وغيره: يطوف ويسعى ويحلق، وقال في "الإملاء": يطوف ويحلق ولم يتعرض للسعي.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن المراد بالتحلل بما ذكره إنما هو التحلل الثاني، وأما الأول ففي "شرح المهذب" أنه يحصل بواحد من الحلق أو الطواف.
يعني مع السعي على ما فيه من الخلاف الآتي ذكره؛ لأنه لما فاته الوقوف سقط عنه حكم الرمي وصار كمن رمى.
الأمر الثاني: أنه ليس في كلامه هنا ما يدل على وجوب التحلل على الفور أم لا، وقد سبق الكلام عليه مبسوطًا في أعمال يوم النحر فراجعه.
قوله: واتفق الأصحاب على وجوب الحلق إذا جعلناه نسكا وعلى أن الطواف لابد منه, والسعي على طريقين: أشبههما أنه على
الجزء: 4 - الصفحة: 508
قولين: أصحهما: الوجوب.
والطريق الثاني: القطع بالوجوب.
انتهى ملخصًا.
تابعه في "الروضة" على تصحيح طريقة القولين ثم خالف في "شرح المهذب" فصحح طريقة القطع.
قوله: ثم من فاته الحج إن كان حجه فرضًا فهو في ذمته كما كان، وإن كان تطوعًا فعليه قضاؤه كما لو أفسده.
ثم قال: وفي وجوب الفور في القضاء الخلاف السابق في الإفساد.
انتهى.
ومقتضى كلامه أن الفرض في الفوات لا يكون قضاء وأنه يبقى في ذمته موسعًا كما كان.
وهذا بخلاف ما قاله في نظيره وهو الإفساد؛ فإنه صرح هناك بأن المفسد إذا أتى بالنسك يكون قضاء سواء كان فرضًا أم نفلًا.
فإن قيل: الفرق أن المفسد متعد فلهذا جعلنا الفرض فيه قضاء حتى يكون على الفور بخلاف الفوات.
قلنا: لا نسلم أن الفوات لا تعدي فيه؛ فإنه قد يترك الوقوف عمدًا حتى يفوت وقته.
ولو سلمنا أنه لا تعدي فيه فيكون من فاته النفل ليس متعديًا فيكون تداركه على التراخي.
وهو خلاف ما سبق نقله عنه.
لا جرم أن المذكور في "التنبيه" و"التعجيز" و"الحاوي" و"المنهاج" وغيرها من المختصرات إطلاق لفظ القضاء على المأتي به لأجل الفوات أيضًا.
قوله: الثالثة: لو أحصر فلم يتحلل بل صابر الإحرام متوقعًا زواله ففاته
الجزء: 4 - الصفحة: 509
الحج والإحصار دائم فلابد من التحلل بعد عمرة.
وفي القضاء طريقان: أظهرهما وهو المذكور في الكتاب طرد القولين.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على ذلك، وفيه أمران:
أحدهما: أنه يقتضي إيجاب التحلل بالعمرة وإن لم يكن متمكنًا من البيت وذلك بأن يبقى محرما إلى أن يتمكن وهو في غاية البعد والجرح.
والقياس جواز التحلل في هذه الحالة لأنه محصر، وستعرف من لفظه بعد هذا ما يدل عليه.
الأمر الثاني: أن ظاهر هذا الكلام يقتضي تصحيح عدم القضاء؛ لأنه الأصح من القولين السابقين، لكن ذكر -أعني- الرافعي بعد هذا بقليل ما يخالف ذلك فقال: ثم إن كان الإحصار قبل الوقوف وأقام على إحرامه حتى فاته الحج نظر إن زال الحصر وأمكنه التحلل بالطواف والسعي لزمه ذلك، وعلة القضاء والهدي الفوات.
وإن لم يزل الحصر تحلل بالهدي وعليه مع القضاء هديان: أحدهما للفوات، والثاني للتحلل.
انتهى كلامه.
وتفريعه في جواز التحلل بين زوال الحصر وعدمه لابد منه كما ذكرنا من قبل.
وأما إيجابه للقضاء مع دوام الإحصار إلى الفوات فمخالف بإطلاقه ظاهر ما تقدم فينبغي حمله على ما إذا صابر الإحرام غير متوقع للزوال.
قوله: وإذا أحصر بعد الوقوف فتحلل ثم زال الحصر فالقديم أنه يجوز البناء على ما مضى ويحرم إحرامًا ناقصًا ويأتى ببقية الأعمال.
الجزء: 4 - الصفحة: 510
ثم قال ما نصه: وعلى هذا فلو لم يبن مع الإمكان فعليه القضاء.
نقل الإمام فيه وجهين.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن النووي قد اختصر هذا الكلام في "الروضة" بقوله: وجب القضاء، وقيل: فيه وجهان، فزاد طريقة قاطعة وصححها وسببه إيهام قول الرافعي فعليه.
ولا شك أن همزة الاستفهام هنا مقدرة، والأصل: أفعليه، ولكن حذفها جريًا على عادة الناس في تعبيرهم التعبير المتداول الذي لا ينكر، وكيف اختصره على هذا والموجود في نسخ الرافعي نقل بلا واو، ولم يتعرض للمسألة في "الشرح الصغير".
الأمر الثاني: أنه كيف يتأتى التردد في وجوب القضاء؛ لأن صورة المسألة فيما إذا كان الإحصار بعد الوقوف، والحصر المبيح للتحلل حينئذ لا يتأتى إلا بالنسبة إلى الطواف خاصة؛ لأن الحلق لا يختص بمكان ولا زمان والواجبات كالرمي والمبيت تنجبر بالدم فلذلك قالوا: لا يتحلل منها، ولا يأتي فيها القولان في أنه هل ينبني أم لا؟ كما قاله الرافعي في الكلام على الاستئجار للحج.
وإذا علم أن المراد بالحصر هنا إنما هو عن الطواف والطواف لا آخر لوقته وإذا لم يكن لوقته آخر لم يتصور فواته، وإذا لم يتصور الفوات لا يتصور الخلاف في وجوب القضاء.
فإن قيل: يتكلف ويفرض المسألة فيما إذا تعذر منه الطواف بالموت؟ قلنا: التفريع على جواز البناء؛ وحينئذ فيستأجر الورثة عنه من يقوم بهذا الذي فاته، ويبني فعله على فعله كما لو لم يكن محصرًا وأخر الطواف بلا عذر.
الجزء: 4 - الصفحة: 511
قوله: ثم إذا تحلل بالإحصار الواقع بعد الوقوف فلا قضاء عليه وبه قطع العراقيون.
وحكى صاحب "التقريب" في وجوب القضاء قولين وطردهما في كل صورة أتى فيها بعد الإحرام بنسك لتأكد الإحرام بذلك النسك.
انتهى ملخصًا.
وما حكاه الإمام عن "التقريب" من الاطراد المذكور حاصله جريان الخلاف فيما إذا أتى بطواف القدوم أو الرمي أو الحلق إذا جعلناه نسكا ونحو ذلك.
وهذا النقل غلط على "التقريب" ليس له ذكر فيه فإنه ذكر أن المحصر عن البيت يجوز له التحلل، وفي القضاء قولان.
ثم ذكر أن المحصر بعد الوقوف يجوز له التحلل.
ثم قال ما نصه: ثم يكون الجواب في الإعادة على القولين اللذين ذكرناهما:
أحدهما: لا إعادة عليه لأنه إنما حل بعذر الحصر.
والثاني: عليه الإعادة لأنه لما وصل إلى البيت خرج عن معنى الحصر.
هذا لفظه من غير زيادة عليه، ولم يذكر بعده ولا قبله غير هذا.
قوله: ولو صد عن عرفة ولم يصد عن مكة فيدخل إلى مكة ويتحلل بعمل عمرة كمن صد عن طريق وسلك غيره.
انتهى.
سكت -رحمه الله- عن عكسه؛ وهو ما إذا صد عن مكة ولم يصد عن عرفة، والحكم فيه أنه يجب عليه الوقوف ثم يتحلل.
كذا نقله في "شرح المهذب" عن الماوردي ولم ينقل غيره فاعلمه فإن الإطلاقات السابقة في الباب توهم جواز التحلل قبل الوقوف.
الجزء: 4 - الصفحة: 512
الباب [الرابع] * في الدماء
وفيه فصلان:
الفصل الأول في أبدالها
قوله: وكل من لزمه شاة جاز له ذبح بدنة أو بقرة مكانها إلا في جزاء الصيد.
انتهى.
وفي المنع في جزاء الصيد نظر؛ فإن غايته أن يكون كإخراج الحيوان الكبير عن الصغير؛ إذ المماثلة ليست حقيقة.
لا جرم أن كلامه في الأضحية ظاهر في الجواز، وقد تقدم نقله في الكلام على الصيد على ما قاله من المنع؛ ففي إلحاق جزاء الشجر به نظر.
فقد يقال: يلحق به طلبًا للمماثلة أيضًا، وحينئذ فيكون مرادًا من لفظ الصيد، ويدل عليه أنهم لما ذكروا أن محرمات الإحرام تتبعه لم يفردوا الشجر بل أدخلوه في قسم الصيد، لكن الظاهر لفظًا ومعنى أنه لا يمتنع ذلك في جزاء الشجر؛ إذ المماثلة بين الحيوانات قريبة بخلاف الشجر مع الحيوان، ولأنها إذا أجزأت عن الشجرة الكبيرة فإجزاؤها عن الصغيرة أولى كالبعير في خمس من الإبل؛ ويدل عليه أنه إذا لزمه بقرة لأجل قلع الشجرة الكبيرة فإنه يجوز إخراج بدنة مكانها كما نقله الرافعي في موضعه عن الإمام وأقره وادعى الإمام أنه لا شك فيه.
قوله: وإذا ذبح بدنة أو بقرة مكان الشاة فهل الفرض سبعًا فقط حتى يجوز أكل الباقي أم الكل فرض؟ فيه وجهان.
انتهى.
وهذه المسألة قد سبق الكلام عليها وعلى نظائرها وعلى ما وقع فيها من * قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: في المطبوع (الثاني)
الجزء: 4 - الصفحة: 513
الاضطراب وعلى فوائد الخلاف في باب صفة الصلاة، فراجعه.
قوله: والدم المنوط بين المأمورات كالإحرام من الميقات والرمي والمبيت بمزدلفة ومنى وطواف الوداع فيه وجهان: أحدهما: أنه دم ترتيب وتعديل؛ فعلى هذا يلزمه ذبح شاة، فإن عجز قوم الشاة بدراهم واشترى بها طعامًا وتصدق به، فإن عجز صام ثلاثة أيام عن كل مد يومًا.
والثاني: أنه كدم التمتع في التقدير والترتيب؛ فعلى هذا يلزمه دم، فإن عجز صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة بعد الرجوع.
والثاني أظهر في المذهب، ولم يورد العراقيون وكثير من سائر الطبقات غيره.
انتهى ملخصًا.
وما ذكره من ترجيح الثاني قد ذكر مثله في "الشرح الصغير" و"التذنيب" فقال فيهما: إنه أظهر الوجهين، وخالف في "المحرر" فصحح الأول وعبر بالأصح، ووقع هذا الاختلاف أيضا بين "الروضة" و"المنهاج"، وقد اتضح أن الفتوى على خلاف ما في "المحرر" و"المنهاج" اعتمادًا على رأى الأكثرين.
الجزء: 4 - الصفحة: 514
الفصل الثاني في مكان إراقة الدماء وزمانها
قوله: وأما دم الفوات فهل يجوز إراقته في سنة الفوات؟ فيه قولان:
أحدهما -وهو نصه في الإملاء أنه يجوز كدم الإفساد يراق في الحجة الفاسدة.
وأصحهما أنه لا يجوز ويجب تأخيره إلى سنة القضاء؛ لظاهر خبر عمر.
فإن قلنا بالأول فوقت وجوبه سنة الفوات، وإن قلنا بالثاني ففي وقت الوجوب وجهان: أصحهما أن الوجوب منوط بالتحريم بالقضاء كما أن دم التمتع منوط بالتحريم.
ووجه التشبيه أن من فاته الحج يتحلل من نسك ويحرم بآخر كالمتمتع، إلا أن نسكى المتمتع في سنة واحدة والقضاء يقع في سنة أخرى.
ولما بينهما من الشبه نقول: لو ذبح قبل التحلل عن الفائت لم يجزئه في الأصح كما لو ذبح المتمتع قبل الفراغ من العمرة.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن ما ذكره أولًا من جعل الخلاف قولين قد ذكر مثله في "الروضة"، وجزم في المنهاج بجعله وجهين؛ فإنه عبر بالأصح، وقد صرح الشيخ في "المهذب" بذلك، وهو مقتضى كلام "التنبيه" فإنه عبر بقوله: وقيل، واصطلاحه أن ذلك للوجه.
الجزء: 4 - الصفحة: 515
وحكى النووي في "شرح المهذب" هنا خلافا من غير ترجيح في أنه قولان أو وجهان، وصحح في آخر باب ما يجب بمحظورات الإحرام أنه قولان.
الأمر الثاني: أن ما ذكره من وجوب تأخيره إلى سنة القضاء قد تابعه عليه في "الروضة" و"شرح المهذب" وهو غلط حصل من ذهول وسوء تعبير؛ فإن كلامه صريح في أن هذا الدم قد وجب بشيئين وهما الفوات والإحرام بالقضاء، وإذا وجب المال بشيئين جاز تقديمه على أحدهما، بل قد صرح في آخر كلامه الذي نقله عنه بأنه كالمتمتع؛ وحينئذ فيجوز ذبحه بعد التحلل من الحجة التي فاتت، وقيل: الإحرام بالقضاء في أصح الوجهين كما في نظيره من المتمتع، وقد صرح بذلك القاضي الحسين في التعليق وإمام الحرمين في النهاية؛ فخرجا الذبح قبل سنة القضاء وبعد تحلله على الوجهين في التمتع.
الأمر الثالث: أن الوجهين اللذين حكاهما في وقت الوجوب لم يبين الوجه الآخر وهر المقابل للأصح منهما، وكذلك فعل أيضًا في "الشرح الصغير" وتابعه النووي في "الروضة"، وكذلك في آخر باب ما يجب بمحظورات الإحرام من "شرح المهذب"، وبينه في هذا الباب من الشرح المذكور فقال: وفي وقت وجوبه وجهان حكاهما البندنيجي وغيره:
أحدهما: يجب في سنة الفوات وإن وجب تأخيره كما يجب فيها القضاء.
وأصحهما أن الوجوب في سنة القضاء.
هذا لفظه.
قوله من "زياداته": قال -يعني: صاحب "البحر"-: فإن فرق الطعام
الجزء: 4 - الصفحة: 516
فهل يتعين لكل مسكين مد كالكفارة أم لا؟
وجهان: الأصح: لا يتقيد، بل تجوز الزيادة على مد والنقص منه.
والثاني: لا يجوز أقل منه ولا أكثر.
انتهى كلامه.
واعلم أن محل هذا الخلاف إنما هو في دم التمتع ونحوه، أما الاستمتاعات كالطيب واللباس والمباشرة بشهوة والادهان والحلق والقلم؛ فإنه إذا اختار فيها الإطعام وجب ثلاثة آصع لكل مسكين نصف صاع كما ذكره قبل ذلك على خلاف فيه غير هذا، وكلام النووي هنا في هذا الباب يوهم خلاف إيهاما كبيرًا؛ فإنه قد ذكر قبل هذا بأسطر أنواع الأشياء التي تجب فيها الدماء، ثم ذكر أنه إذا أطعم بدلًا من الدم وجب تخصيصه بمساكين الحرم.
ثم ذكر هذا الفرع، فراجعه.
قوله: والدم الواجب على المحرم يجب تخصيصه لحمه بمساكين الحرم.
انتهى.
والتقييد باللحم تابعه عليه في "الروضة" أيضًا وهي زيادة موهمة مضرة؛ فإن الجلد كذلك بلا شك.
قوله: يختص ذبحه بالحرم في أصح القولين.
ثم قال: وفي القديم قول أن ما أنشئ سببه في الحل يجوز ذبحه وتفريقه في الحل كدم الإحصار.
ثم قال أيضًا بعد ذلك بأسطر: وذكر الإمام أن صاحب "التقريب" حكى وجهًا أن ما لزم بسبب مباح لا يختص ذبحه ولا تفرقة لحمه بمكان، وأن شيخه حكى وجهًا أنه لو حلق قبل الانتهاء إلى الحرم ذبح وفرق حيث حلق، وهما ضعيفان.
انتهى كلامه.
وهو يوهم أن الوجهين مغايران للقول المحكي أولًا عن القديم.
وليس كذلك فإن القديم قائل بالجواز في كل ما أنشئ سببه في الحل ومن جملته
الجزء: 4 - الصفحة: 517
الحلق فلا يكون الثاني من الوجهين مغايران للقول، وإنما يكون كذلك أن لو كان هذا القائل يقول بانتفاء ذلك عن ما عدا الحلق، وليس في كلامه ما يدل عليه بل غايته التمثيل فقط، ولا يصح أيضًا التخصيص من جهة المعنى؛ إذ لا فرق بين الحلق وبين غيره كالقلم، وقيل: الصيد، ونحوهما.
قوله من "زياداته": قال القاضي الحسين في "الفتاوى": لو لم يجد في الحرم مسكينا لم يجب نقل الدم إلى موضع آخر سواء جوزنا نقل الزكاة أم لا؛ لأنه وجب لمساكين الحرم كمن نذر التصدق على فقراء بلد فلم يجدهم يصبر إلى أن يجدهم ولا يجوز نقلها.
ويخالف الزكاة على قول؛ لأنه ليس فيها نص صريح بتخصيص البلد بها.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما نقله عن القاضي من الصبر في البلد قد جزم في نظيره من الوصية أنه لا يصبر بل تبطل الوصية.
ذكر ذلك قبيل المسائل الحسابية، وذكر نحوه الرافعي في الباب الثاني من قسم الصدقات وحذفه من "الروضة"، وسأذكر لفظه في موضعه فراجعه وقد رأيت المسألة -أعني: فقدان المساكين من الحرم في "فتاوى القفال" وأجاب بما ذكره القاضي الحسين من امتناع النقل ومن قياسها على النذر ومن التفرقة بينها وبين الزكاة، كما ذكره تلميذه القاضي المذكور إلا أنه تردد فيما يفعل بالمنذور بين النقلين المتقدمين فقال: فإما أن يبطل وإما أن يصبر حتى يجد القصر.
هذه عبارته، وزاد فيه فائدة أخرى وهي: أنه لو نذر لأصناف فقدم
الجزء: 4 - الصفحة: 518
بعضها جاز النقل كنظيره من الزكاة.
الأمر الثاني: أن ما نقله عن القاضي صريح في حكاية قولين في نقل الزكاة عند فقدان الأصناف.
وهو غلط لا ذكر له في كلام القاضي ولا في كلام غيره؛ فإن الذي في "فتاويه" بعد ذكر جوابه بعدم النقل ما نصه: قيل له على القول الذي يقول لا يجوز نقل الصدقة فإذا عدم المستحق له النقل كذا هاهنا، أجاب: ليس في الكتاب ولا في السنة أن الصدقة يجب صرفها إلى أهل ناحية بعينها؛ فلهذا جاز النقل، وهذا منصوص على أنه مصروف إلى فقراء الحرم.
هذا لفظه.
فعبر عنه النووي بعبارة أفسدت المعنى فاعلمه.
قوله: والهدايا التي يسقها المحرم هل يختص ذبحها بوقت الأضحية؟ فيه وجهان: أظهرهما وهو ما أورده الغزالي والعراقيون أنها تختص كالأضحية.
ثم قال بعد ذلك: إن سوق الهدي مستحب لكل من قصد مكة بحج أو عمرة.
. . . إلى آخر ما قاله.
تابعه عليه في "الروضة"، وفيه أمران.
أحدهما: أن هذا الكلام كالصريح، وأن ما يسوقه المعتمر يختص أيضًا بوقت الأضحية على الصحيح.
ولا يمكن القول بذلك؛ فإنا لا نشك أنه -عليه الصلاة والسلام- لما أحرم بالعمرة عام الحديبية وساق الهدي إنما قصد به ذبحه عقب تحلله وأنه لا يتركه بمكة حيًا ويرجع إلى المدينة، وقد أشار الرافعي قبل هذا بقليل إلى ما يعضد ما ذكرناه، فإنه قال في دماء الجبرانات: إن الأفضل للحاج ذبحها
الجزء: 4 - الصفحة: 519
بمنى وللمعتمر ذبحها بالمروة.
ثم قال: وكذا حكم ما يسوقانه من الهدي.
الأمر الثاني: أن الهدي كما يطلق على ما يسوقه المحرم يطلق أيضًا على ما يلزمه من دماء الجبرانات.
وهذا الثاني لا يختص بوقت الأضحية كما سبق في أعمال يوم النحر مبسوطًا، وسبق أيضًا هناك الرد على النووي في توهمه اختلاف كلام الرافعي، فراجعه.
قوله: ويستحب أن يشعر الهدي.
ثم قال: والإشعار: الإعلام.
والمراد هاهنا أن يضرب صفحة سنامها اليمنى بحديدة وهي مستقبلة القبلة فيدميها ويلطخها بدمها ليعلم من رآها أنها هدي فلا يستجيز التعرض لها.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على إطلاق استحباب الإشعار في الصفحة اليمنى، ويستثنى من ذلك ما إذا أهدى بدنتين أو بقرتين مقرونتين في حبل واحد؛ فإنه يستحب إشعار الأخرى في الصفحة اليسرى لأنها هي التي تشاهد.
كذا قاله الروياني في "البحر"، ونقله عنه في "الروضة"، ثم قال: وفيه احتمال.
قوله: وإذا عطب الواجب في الطريق فعليه ذبحه، وإذا ذبحه غمس النصل الذي قلده به في دمه وضرب بها صفحة سنامه وتركه ليعلم من يمر به أنه هدي ليأكل منه.
وهل تتوقف الإباحة على أن يقول: أبحته لمن يأكل منه؟ قولان:
أصحهما عند صاحب "التهذيب" أنه لا حاجة إليه؛ لأنه بالنذر زال ملكه.
الجزء: 4 - الصفحة: 520
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: لم يذكر -رحمه الله- هو ولا النووي تعليل القول الثاني وذكرا تعليل الأول مع وضوحه فنقول: إنما احتيج التفرقة وتخصيصها بمن أراد.
ثانيها: أن كلام الرافعي يوهم أنه يكفي وجود الإباحة في نفس الأمر وإن لم يسمع الآكل حتى تكون فائدته دفع الضمان.
وليس كذلك؛ بل القولان في أن الإباحة هل تتوقف على سماعه أم لا؟
وفي كلام الرافعي في الباب الذي بعد هذا في الكلام على المعاطاة ما يدل عليه لمن تأمله.
ثالثها: أن له إباحة الأكل لا يسوغ الحمل ولا التصرف فكيف اقتصروا هنا عليه مع أن الواجب في أمثال هذا تمليك الفقراء إياه ليتصرفوا فيه بما شاؤوا؟ !
ورابعها: أن الأصح في هذه المسألة هو ما صححه البغوي كذا صححه النووي في أصل "الروضة" و"شرح المهذب".
قوله: ولا يجوز للمهدي ولا لأغنياء الرفقة الأكل منه، وفي فقرائها وجهان:
أصحهما أنه لا يجوز أيضًا لما روي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال فيه: "لا تأكل منها أنت ولا أحد من رفقتك" 98. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن هذا الاستدلال ضعيف لا حجة فيه؛ لأنه لم يرد النهي عن أكل الرفقة مطلقًا حتى نقول: إنه يعم الأغنياء والفقراء، بل إنما ورد النهي
الجزء: 4 - الصفحة: 521
عن أكل بعضه؛ فيحتمل أن يكون النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد علم أن رفقة هذا الرجل أغنياء فنهاهم.
والحاصل أنها واقعة معين لا عموم فيها.
الأمر الثاني: أنه لم يبين المراد بالرفقة هنا، وفيه خلاف تعرض له في الروضة فقال: إن الأصح الذي يقتضيه ظاهر الحديث وقول الأصحاب أن المراد بالرفقة الحديث، وقول الأصحاب: أن المراد بالرفقة جميع القافلة، وحكى الروياني في "البحر" وجهًا استحسنه أنهم الذين يخالطونه في الأكل وغيره دون باقي القافلة.
الأمر الثالث: حيث وقع الأكل الممتنع في هذه الحالة فهل يغرم لفقراء الموضع أم لفقراء الحرم؟
سكت عنه -رحمه الله-، وقد ذكره صاحب "التقريب" فقال: يغرم قيمته لمساكين الحرم؛ لأنه لهم بطريق الأصالة وإنما أكله فقراء الموضع لتعذر الاتصال.
وقال بعضهم: القياس أن يغرمه لفقراء هذا الموضع.
هذا كلامه.
الأمر الرابع: أن ما جزموا به هاهنا من منع الأكل وادعى في "الروضة" أنه لا خلاف فيه يختص بما فرضوا فيه الكلام وهو ما إذا عطب، فأما إذا وصل إلى موضعه وذبحه ففي الأكل وجوه مشهورة؛ والراجح أنه يجوز في المعين ابتداء دون الواجب عما في الذمة على اضطراب فيه ستعرفه في باب الأضحية.
قوله من زياداته: قلت: إذا عطب هديه المتطوع به قال صاحب "الشامل" وغيره: لا يصير مباحًا للفقراء إلا بلفظ؛ وهو أن يقول: أبحته للفقراء وللمساكين.
قال: ويجوز لمن سمعه الأكل، وفي غيره قولان: قال في "الإملاء": لا يحل حتى يعلم الإذن، وقال في القديم، والأم: يحل.
وهو الأظهر والله
الجزء: 4 - الصفحة: 522
أعلم.
انتهى كلامه.
وهذا النقل الذي ذكره -رحمه الله- عن صاحب "الشامل" غلط؛ فإن صاحب "الشامل" إنما ذكره في الهدي الواجب فقال: فإن كان تطوعًا فله ذبحه وأكله وإطعام الأغنياء والفقراء.
هذا لفظه.
ولم يذكر في التطوع غير ذلك.
ثم قال: وإن كان واجبًا .. إلى أن قال ما نصه: إذا ثبت هذا فالهدي لا يصير مباحًا للفقراء إلا باللفظ وهو أن يقول: أبحته للفقراء والمساكين؛ لما روي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نحر بدنًا له ثم قال: "ليقطع من شاء منكم"؛ فدل على أن ذلك لا يصير مباحًا إلا بالقول، وإنما لم يصر مباحًا بالنحر والإعلام؛ لأن له أن يخص به من شاء من الفقراء، وهذا كما قلنا في الزكاة: ليس للفقراء أن يأخذوها إلا بإذن صاحب المال؛ كذلك هذا.
إذا ثبت هذا فمن سمع الإذن جاز له أن يأخذ، وأما من لم يسمع إذنه وإباحته فهل يجوز له أن يأكل منه؟ ففيه قولان: قال في "الإملاء": لا يحل له الأكل إذا رأى هديًا مذبوحًا حتى يعلم الإذن فيه، وقال في "القديم" و"الأم": لهم الأكل.
هذا كله إذا نحره.
فأما إذا تركه ولم ينحره حتى هلك وجب عليه ضمانه.
هذا كلام "الشامل"، وقد حكاه عنه الخوارزمي في "كافيه" على الصواب.
تم الجزء الرابع بحمد الله وعونه، يتلوه في أول الخامس كتاب البيع.
الجزء: 4 - الصفحة: 523
المُهِمَّات فِي شَرْحِ الرَّوْضَةِ والرَّافِعِيِّ
تَصْنيف الشَّيْخ الإِمَام العَلامَة جمال الدّين عبد الرَّحِيم الأسنوي رَحِمَه الله الْمُتَوفَّى 772 هـ
اعتَنى بِهِ أَبُو الْفضل الدّمياطِي أَحَمَدْ بنْ عَلي عَفَا الله عَنْهُ
الْجُزْء الخَامِس
مَرْكَز التراث الثقافي المغربي - دَار ابْن حزم
الجزء: 5 - الصفحة: 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الجزء: 5 - الصفحة: 2
المُهِمَّات فِي شَرْحِ الرَّوْضَةِ والرَّافِعِيِّ (5)
الجزء: 5 - الصفحة: 3
جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة الطبعة الأولى 1430 هـ - 2009 م
ISBN: 978 - 9953 - 81 - 740 - 8
الْكتب والدراسات الَّتِي تصدرها الدَّار تعبر عَن آراء واجتهادات أَصْحَابهَا
مَرْكَز التراث الثقافي المغربي الدَّار الْبَيْضَاء - 52 شَارِع الْقُسْطَلَانِيّ - الأحباس هَاتِف: 442931 - 022 _ فاكس: 442935 - 022 المملكة المغربية
دَار ابْن حزم للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان - ص. ب: 6366/ 14 هَاتِف وفاكس: 701974 - 300227 (009611) بريد إلكتروني: ibnhazim@cyberia.net.lb
الجزء: 5 - الصفحة: 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ