المهمات في شرح الروضة والرافعيكتاب الوقف
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وفيه بابان:

الباب الأول: في أركانه

قوله: وعن مالك أن المنقول مطلقًا لا يجوز وقفه.
لنا ما روى أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "أما خالد فقد حبس أذرعه وأعتده في سبيل الله" 1، انتهى.
الأذرع: بالذال المهملة، جمع ذرع وهي الذردية.
وأما الأعتد: فهو بعين مهملة وتاء مضمومة بنقطتين من فوق جمع للعتاد بفتح العين، وهو ما أعده الرجل من السلاح والدواب وألة الحرب وروى بالباء الموحدة جمع عبد.

قوله: الرابعة: لا يصح وقف أم الولد على الأصح، فإن صححنا ومات السيد عتقت.
قال المتولي: ولا يبطل الوقف، بل تبقى منافعها للموقوف عليه، كما لو أجرها ومات.
وقال الإمام: يبطل؛ لأن الحرية تنافي الوقف بخلاف الإجارة، وهذا مقتضى كلام ابن كج، انتهى كلامه.
وحاصل ما ذكره في أم الولد الجزم ببقاء الإجارة، لكنه قد ذكر في كتاب الإجارة ما يخالفه، وسبق ذكر لفظه هناك فراجعه.

قوله: ويجوز وقف المعلق عتقه بصفة ثم إذا وجدت الصفة.

الجزء: 6 - الصفحة: 222

فإن قلنا: الملك في الوقف للواقف أو لله تعالى، عتق وبطل الوقف.
وإن قلنا: إنه للموقوف عليه، فلا يعتق، ويكون الوقف بحاله، انتهى كلامه.
وما قاله ههنا قد ذكر ما يخالفه في الفصل الثاني من الباب الثاني فقال: في ما إذا وطيء الواقف الجارية الموقوفة بغير شبهة، إنا إن جعلنا الملك لله تعالى أو للموقوف عليه فلا تكون أم ولد، وإن جعلناه للواقف ففي نفوذ الاستيلاد الخلاف في استيلاد الراهن وأولى بالمنع لتعلق حق الموقوف عليه بها.
وتابعه النووي في "الروضة" على الموضعين، والكلام الثاني مخالف للأول من وجهين: أحدهما: أنه جزم في المعلق عتقه بصفة أنه يعتق على القول بأنه لله تعالى، وجزم في المستولدة تفريعًا على القول بعدم العتق وهو اختلاف واضح، لأن انتقاله إلى الله تعالى إن كان كانتقاله إلى الأدمي فلا يعتق بالتعليق ولا بالاستيلاد كما لو باعه، ثم وجدت الصفة فإنه لا أثر لها، وإن لم يكن فيعتق.
الوجه الثاني: أنه جزم أيضًا بعتقه -يعني: المعلق تفريعًا على أنه للواقف، وخرج المستولدة على أقوال الراهن وجعلها أولى بالمنع وهو أيضًا ظاهر الاختلاف لما تقدم.
واعلم أن الذي أوجب هذا الاختلاف أنه قد رأى مسألة التعليق في "التهذيب" محكوما عليها بما قاله هنا، ورأى مسألة الاستيلاد في "الوسيط" على الكيفية التي أجاب بها أيضًا هنا فتابعهما الرافعي وهما طريقتان، لا يتأتى الجمع بينهما ولو ذكر كل منهما المسألة الأخرى لم يُجب فيها بما قاله الآخر.

الجزء: 6 - الصفحة: 223

لا جرم أن الإمام في "النهاية" والغزالي في "البسيط" لما ذكرا مسألة التعليق ذكراها موافقة لمسألة الاستيلاد فقالا: إن قلنا: الملك لله تعالى أو للموقوف عليه لم يعتق لوجود الصفة، وإن قلنا: الملك للواقف عتق في ظاهر المذهب وقيل: هو كإعتاق الواقف العبد الوقوف وفيه أقوال، عتق الرهن.
ولا ذكر لهذه المسألة في "الشرح الصغير".

قوله: السابعة لا يصح وقف ما لا يدوم الإنتفاع به كالمطعوم والرياحين المشمومة لسرعة فسادها، انتهى كلامه.
والتعليل بسرعة الفساد قد تابعه عليه في "الروضة" وهو يقتضي أن محل ذلك في الرياحين المحصودة، أما المزروعة فيصح وقفها للشم لأنها تبقى مدة لاسيما وفيه منفعة أخرى وهي النزهة، وقد نبه عليه في "شرح الوسيط" وقال: الظاهر الصحة في المزروع وعلله بما ذكرناه.

قوله: فإن قلت -أي: في حد الموقوف-: هو كل عين مملوكة ملكًا يقبل النقل يحصل منها فائدة أو منفعة تستأجر لها زال الإشكال.
انتهى كلامه.
وهذا الضابط يرد عليه الرياحين، فإن القيود كلها موجودة فيها أما ما عدا الاستئجار فواضح، وأما الاستئجار فكذلك، فإنه قد جزم بجوازه في كتاب الإجارة ومع ذلك فلا يجوز وقفها كما تقدم ذكره، وكأنه -والله أعلم- أن الحكم بخلافه.
وقد تابعه النووي أيضًا في "الروضة" على هذا الضابط غير أنه زاد فيه كون العين معينة ليحترز عن أحد العبدين ونحوه، وهل يصح وقف العين الموصى بمنفعتها إذا صححنا وقف المستأجر أم لا يصح جزمًا؟ فيه نظر فإن منعنا فينبغي أن نزيد في الضابط ما يدفعه، فنقول: يحصل منها للمالك فائدة إلى آخره.

الجزء: 6 - الصفحة: 224

قوله: فرعان: أحدهما: لو أجر داره.
ثم وقفها، قال الشيخ أبو علي: يصح كالمغصوب، وقال القفال في "فتاويه": إنه مخرج على الوقف المنقطع الأول.
وفَصَّلَ بعضهم فقال: إن وقف على المسجد صح؛ لمشابهته الإعتاق، وإن وقف على إنسان.
فإن قلنا: الموقوف ينتقل إلى الموقوف عليه، فهو كبيع المستأجر.
وإن قلنا: ينتقل إلى الله تعالى، فوجهان، لافتقاره إلى القبول، انتهى ملخصًا.
والصحيح من هذه الأوجه هو الصحة مطلقًا، كذا صححه النووي في "الروضة" ولم ينبه على أنه من "زياداته" بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.

قوله: الثاني: إذا استأجر أرضًا ليبني فيها أو يغرس ففعل ثم وقف البناء أو الغراس صح الوقف في أصح الوجهين.
والثاني: المنع، لأن مالك الأرض يجوز له قلعه، وهما كالوجهين في أن الباقي لو انفرد ببيع البناء هل يجوز؟ انتهى.
فهذه المسألة وهي انفراد الباني بالبيع قد حذفها من "الروضة" ولم يصرح بها في غير هذا الموضع، إلا أنه ذكر في باب العارية أن في جواز البيع بعد الرجوع وجهين: أصحهما الجواز ولم يتعرض للبيع قبل الرجوع، ثم ذكر في باب الإجارة أن المدة إذا انقضت كان الحكم في البناء والغراس كالحكم فيما سبق في العارية.

قوله: في المسألة: فإن صححنا فمضت المدة وقلع مالك الأرض البناء فإن بقى منتفعا به بعد النقل فهو وقف كما كان وإن لم يبق فيصير ملكًا للموقوف عليه أو يرجع إلى الواقف؟ فيه وجهان.
وأرش النقض الذي يؤخذ من القالع يسلك به مسلك الوقف.
انتهى

الجزء: 6 - الصفحة: 225

كلامه.
تابعه النووي على حكاية الوجهين كذلك من غير تصحيح، والصحيح ليس واحدًا منهما، بل الواجب شراء عقار أو جزء من عقار هذا هو قياس النظائر المذكورة في آخر الباب في الفصل المعقود لتعطيل الموقوف فراجع ذلك الفصل يتضح ما ذكرته لك وسيأتيك بعضه في هذا الكتاب.

قوله من "زياداته": قلت: الأصح صحة وقف ما لم يره ولا خيار له عند الرؤية، والله أعلم.
وهذا الذي ذكره من تصحيح الجواز قد ذكر في "شرح المهذب" في كتاب البيع ما مقتضاه رجحان خلافه، فإنه حكى القولين في بيع الغائب وشرائه، ثم قال ما نصه: قال أصحابنا: ويجري القولان في بيع الغائب وشرائه في إجارته، وكونه رأس مال سلم إذا سلمه في المجلس وفي المصالحة عليه، وفي وقفه، هذا لفظه من غير اعتراض عليه ولا استدراك.

قوله: في الوقف على الحربي والمرتد وجهان أحدهما: الجواز كالذمى، وأصحهما: المنع؛ لأنهما مقتولان لا بقاء لهما، والوقف صدقة جارية قلما لا يوقف ما لا دوام له لا يوقف على من لا دوام له، انتهى كلامه.
وما استند إليه الرافعي -رحمه الله- في المنع ضعيف، فإن وقف ما لا دوام له لا يبقى له أثر بعد فواته، وأما إذا كان الموقوف عليه أولا، فإنه ينتقل إلى من بعده فمقصود الوقف وهو الدوام حاصل هنا بخلاف ما لا يبقى فافترقا.

قوله: ولك أن تقول: الخلاف في أنه هل يملك مخصوص بما إذا ملكه السيد، فأما إذا ملكه غيره فلا خلاف في أنه لا يملك وحينئذ فإذا كان الواقف غير السيد كان الوقف على من يملكه، انتهى كلامه.
والذي ادعاه من نفي الخلاف ذكره أيضًا في الكفارات في الكلام على

الجزء: 6 - الصفحة: 226

تكفير العبد، وتابعه النووي في "الروضة" على ذلك في الموضعين، وليس كما قال من نفي الخلاف فقد ذكر جماعة منهم الماوردي في كتاب الهبة أن الخلاف يجري أيضًا في غير السيد.

قوله: لو وقف علي مكاتب قال الشيخ أبو حامد: لا يصح كالوقف على القن.
قال المتولي: يصح في الحال وتصرف الفوائد إليه ويديم حكمه إذا عتق إن أطلق الوقف وإن قال: تصرف الفوائد إليه مادام مكاتبًا، بطل استحقاقه، وإن عجز بان لنا أن الوقف منقطع الابتداء انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وفيه أمور: أحدها: أن صورة المسألة فيما إذا كان مكاتبًا لغيره، فإن كان مكاتبًا له لم يصح صرح به الماوردي وغيره، وعبارة الرافعي و"الروضة" على مكاتب بالتنكير، وإنما نبهت على ما ذكرته بيانًا للتقييد وخوفًا من التحريف.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد ذكر قبل هذا بقليل أنا إذا صححنا الوقف على العبد نفسه فقال: وقفت علي عبد فلان، فإنما يستحق مادام في ملكه، فإذا عتق لم يستحق شيئًا، وحينئذ فينبغي تصوير المسألة هنا بما إذا لم يصرح بالكتابة، بل عبر بزيد مثلا، أو بهذا فاتفق أنه مكاتب.
الثالث: أن الماوردي قد جزم أيضًا بالصحة.

قوله: ولو وقف على بهيمة وأطلق لم يصح، وقيل: يكون وقفا علي مالكها، ثم قال: وحكى المتولي أنه لو قال: وقفت على علف بهيمة، فلان أو بهائم القرية وجهين كصورة الإطلاق.
قال: والخلاف فيما إذا كانت البهيمة مملوكة، فلو وقف على الوحوش أو علف الطيور المباحة فلا يصح بلا خلاف انتهى.
وهذا الذي قاله المتولي من نفي الخلاف قد اعترض عليه الرافعي في

الجزء: 6 - الصفحة: 227

الوصية في الكلام على الوصية للدابة، فقال: الوصية على رأي وصية للبهيمة نفسها وحينئذ فلا يتجه فرق بين المملوكة وغيرها، وهذا يعترض به على ما قدمناه عن صاحب "التتمة" في الموقف، إلى آخره.
وقد حذفه النووي من "الروضة".

قوله: ولو استبقى الواقف لنفسه التولية، وشرط أجرة، وقلنا: لا يجوز أن يقف على نفسه ففي صحة هذا الشرط وجهان كالوجهين في الهاشمي هل يجوز أن يأخذ سهم العاملين إذا عمل على الزكاة؟ انتهى.
قال في "الروضة": الأرجح هنا جوازه، قال: ويتقيد ذلك بأجرة المثل كما قاله ابن الصلاح فلا يجوز الزيادة إلا من أجاز الوقف على نفسه.

قوله: ولو قال لرجلين: وقفت علي أحدكما، لم يصح، وفيه احتمال عن الشيخ أبي محمد إذا فرعنا على أن الوقف لا يفتقر إلى القبول، انتهى.
تابعه في "الروضة" على حكايته احتمالا عنه وهو وجه ثابت جزم به بعض المتقدمين.
قال: وإذا مات ولم يبين فعلى المذهب ينبغي وقف الغلة إلى أن يصطلحا، قاله في "شرح الوسيط".

قوله: ويجوز الوقف على سبيل الله وهم المعنيون في آية الزكاة، ولو قال: على سبيل البِّر والخير، والثواب صرف إلى أقارب الواقف، فإن لم يوجدوا فإلى أهل الزكاة.
ثم قال: وفَرَّقَ بعض أصحاب الإمام فقال: إذا وقف على جهة الخير صرف إلى مصارف الزكاة ولا يبني به مسجد ولا رياط، وإذا وقف على جهة الثواب صرف إلى أقاربه، انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على نقله عن بعض أصحاب الإمام، وهو غريب، فقد حكاه الإمام نفسه وجهًا عن بعض الأصحاب لكنه زاد في الأول

الجزء: 6 - الصفحة: 228

الصرف إلى قراء الصبيان أيضًا.

قوله: يصح الوقف على المتفقهة وهم المشتغلون بتحصيل الفقه مبتدئهم ومنتهيهم، وعلى الفقهاء ويدخل فيه من حصل منه شيئًا وإنْ قَلَّ، انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره في دخول من حصل قليلًا في مسمى الفقهاء، تابعه عليه في "الروضة" حتى يستحق بالمسألة الواحدة.
لا أعلم من ذكره فإن أغلب الكتب المطولة "كالحاوي" و"البحر" و"تعليقة أبي الطيب" وغيرها ليس فيها تعرض للمسألة، والذين تعرضوا لها جزموا بأن هذا القدر لا يكفي، فذكر القاضي الحسين هنا في إحدى تعليقتيه أنه يصرف لمن حصل من كل علم شيئا، وقال في التعليقة الأخرى: إلى من حصل من الفقه شيئًا يهتدى به إلى الباقي.
قال: ويعرف بالعادة، وقال في "التهذيب" في باب الوصية: لمن حَصَّل من كل نوع وكأن هذا هو مراد القاضي بقوله: من كل علم، وفي "التتمة" في الوصية أيضًا أنه يرجع فيه إلى العادة، وعبر في الوقف بقوله: إلى من حصل طرفًا، وإن لم يكن متبحرًا، فقد روى: أن من حفظ أربعين حديثا عد فقيها 2، انتهى.
ولاشك أن هذا اللفظ أعني عدم التبحر هو الموقع للرافعي في الغلط، وقال الغزالي في "الإحياء": يدخل الفاضل في الفقيه ولا يدخل المبتديء من شهر ونحوه، والمتوسط بينهما درجات يجتهد المفتي فيها والورع لهذا المتوسط ترك الأخذ، هذا كلامه ونقله عنه النووي في كتاب البيع من "شرح المهذب" وأقره.

الجزء: 6 - الصفحة: 229

ثم إن ما ذكراه في هذا الباب قد خالفاه في الوصية وسأوضحه إن شاء الله تعالى في موضعه، ثم إنه لا يستقيم من جهة القاعدة النحوية أيضًا لأن فقيها اسم فاعل من فقه بضم القاف إذا صار الفقه له سجية وأما المكسور فمعناه فهم، والمفتوح معناه أنه سبق غيره إلى الفهم على قاعدة المغالبة، وقياس اسم فاعلهما فاقة، كما تقرر في علم العربية، وأوضحته في كتاب "التمهيد".
واعلم أن الأصحاب ذكروا في الصوفي أنه المشتغل بالعبادة في أغلب أوقاته ولما نقل الرافعي ذلك نقل عن الغزالي أنه لا يدخل في الوقف إلا إذا كان في زيهم أو مساكنًا لهم وأقره هو والنووي عليه فينبغي أن يأتي مثله في الفقهاء والمتفقهة.

قوله: ولو وقف على المقبرة لتصرف الغلة إلى عمارة القبور قال في "التتمة": لا يجوز لأن الموتى صائرون إلى البلا فالعمارة لا تلائم حالهم.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على نقل ذلك عن المتولي وإقراره عليه، وليس الأمر على ما أطلقه المتولي من المنع، فقد جزم الرافعي في أول كتاب الوصية بجواز الوصية لعمارة قبور الأنبياء والعلماء والصالحين، وعلله بأن فيه إحياء للزيارة والتبرك بها فينبغي استثناء هذه الأمور هنا أيضًا، بل تعليل الجواز هناك بإحياء الزيارة يقتضي الجواز مطلقًا هنا أو هناك، لأن زيارة الكل مستحبة.
[نعم: ذكر القاضي أبو الطيب في كتاب الجنائز من "تعليقه": أنه لا يستحب] 3 زيارة القبر إلا إذا كان صاحبه تستحب زيارته في حال الحياة، وعلى هذا يستقيم التفصيل الذي ذكره الرافعي هناك.

الجزء: 6 - الصفحة: 230

قوله: لا يصح الوقف إلا باللفظ، إلى آخره.
تابعه في "الروضة" على إطلاق هذا الكلام، وفيه أمران: أحدهما: أنه إذا ابتدأ بناء مسجد في موات ونوى به المسجد مثلا صار مسجدًا أو لم يحتج إلى صريح القول بأنه مسجد.
قال الماوردي: لأن الفعل مع النية يغنيان هنا عن القول، قال: ويزول ملكه عن الألة بعد استقرارها في مواضعها من البناء، وهي قبل الاستقرار باقية على ملكه إلا أن يصرح قولًا بأنها للمسجد فتخرج عن ملكه؛ هذا كلامه وقياس ذلك إجراؤه في غير المسجد أيضًا من المدارس والربط وغيرها، وكلام الرافعي في باب إحياء الموات في مسألة حفر البئر في الموات يدل عليه.
الأمر الثاني: أن الوقف يصح من الأخرس بالكتب مع النية وبالإشارة سواء كانت مفهمة أم لا.
نعم: لا يترتب عليه شيء في الظاهر إلا على تقدير الإفهام.

قوله: وقول "الوجيز": ما لم يقل جعلته مسجدًا، ظاهر في أنه إذا أتى بهذا اللفظ يصير مسجدًا، وإن لم يوجد شيء من ألفاظ الوقف التي سنذكرها، بل حكى الإمام أن الأصحاب ترددوا في استعمال لفظ "الوقف" في ما يضاهي التحرير كما إذا قال مالك البقعة: وقفتها على صلاة المصلين، وهو يريد جعلها مسجدًا.
وفي "التهذيب" و"التتمة": أن المكان لا يصير مسجدًا بقوله: جعلته مسجدًا، وبه أجاب الأستاذ أبو طاهر، وهذا ذهاب إلى أنه لابد من لفظ الوقف والأشبه أنه لا بأس باستعمال لفظ الوقف وأن قوله: جعلته مسجدًا، يقوم مقامه لإشعاره، بالمقصود واشتهاره فيه.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور:

الجزء: 6 - الصفحة: 231

أحدها: أن هذا النقل عن "التتمة" صحيح مذكور فيها في الفصل الثالث المعقود لشرائط الوقف، لكنه قد جزم في أول كتاب الوقف من "التتمة" بصحة وقف المسجد بقوله: جعلته مسجدًا، على خلاف الموضع الثاني الذي اقتصر عليه الرافعي فإنه قال ما نصه: الخامسة: إذا بنى مسجدًا أو رباطًا في بعض الطرق لينزل فيه السابلة، أو جعل أرضه مقبرة ليدفن فيها الموتى فالتصرف لازم، ويسمى هذا النوع الوقف العام، إلا أن عندنا يلزم بمجرد قوله: جعلت هذا الموضع مسجدًا ووقفت هذا المسكن على المارين هذا لفظه بحروفه.
الأمر الثاني: أن محل الخلاف في مصيره مسجدًا بذلك إنما هو عند خلوه من نية الوقف، أما إذا قصد بقوله: جعلته مسجدًا الوقف صار مسجدًا، كذا صرح به القاضي الحسين.
الأمر الثالث: أن في التصحيح بقوله جعلت إشكالا يأتيك بعد هذا، وفي آخر الباب أيضًا.
الأمر الرابع: أن المنع قد قال به أيضًا القفال والقاضي الحسين والخوارزمي وغيرهم، وصار المعروف خلاف ما رجحه الرافعي بحثا واغتر به في "الروضة" فجعله الأصح.

قوله: وأظهر الأوجه أنه إذا قرن بلفظ "الصدقة" بعض الألفاظ السابقة بأن قال: صدقة محرمة، أو مؤبدة، أو موقوفة، أو قَرَنَ به ذكر حكم الوقف بأن قال: صدقة لا تباع ولا توهب، التحق بالصرائح لانصرافه، بما ذكره عن التملك المحض .. إلى آخره.
تابعه في "الروضة" على الجمع بين البيع والهبة وينبغي الاكتفاء بأحدهما كما في الألفاظ السابقة، وفي المسألة إشكال آخر وهو أن الكناية في غير هذا لم يلحقوها بالصرائح لأجل وجود لفظ آخر.

الجزء: 6 - الصفحة: 232

قوله: في المسألة: وإن لم يقرن به لفظ بل نوى الوقف، نظر إن أضاف اللفظ لجهة عامة التحق بالصريح على الصحيح وإن أضاف إلي معين لم يكن وقفًا على الأصح، هكذا قاله الإمام، بل ينفذ في ما هو صريح فيه، وهو محض التملك وفي ما ذكره دلالة على أن ههنا وجهًا أنه يكون وقفًا، انتهى.
واعلم أن الغزالي قد جزم في "الوسيط" و"الوجيز" بأنه لا يكون وقفًا، ونقل في "الوسيط" الإجماع عليه فقال: واختلف المعتبرون للقرينة -أي اللفظية- في أن النية هل تقوم مقام القرينة، وهؤلاء أجمعوا على أنه لو جرى هذا مع شخص معين، فقبل لم تنفع النية بل تنفذ صدقة فإنه وجد نفاذًا في موضعه صريحًا، هذا كلامه.
وكيف يكون في "النهاية" خلاف في شيء ويدعى الغزالي الإجماع عليه؟ وبالجملة فالذي نقله الرافعي وتابعه عليه في "الروضة" خلاف ما في "النهاية"، فإنه عبر فيها بقوله: فإن عبر بلفظها -أي: بلفظ الصدقة- قائلًا متعينًا، فالأصح أنه صدقة ثبات مقتضاها تمليك الرقبة فإنها صريح في الباب، هذا لفظه من غير زيادة عليه، فلم يوجه اللفظ المشعر بالخلاف، وهو الأصح إلى كونه وقفًا أم لا، بل وجهه إلى الصدقة المقيدة للملك جزما، وحينئذ فالمقابل له هو الوقف أو البطلان بالكلية، وهو الظاهر لكونه قد صرفه من مدلوله، وفي المسألة إشكال يأتي في الوصية قبيل الكلام على المسائل الحسابية فراجعه.

قوله: فأما إذا قال جعلت هذا للمسجد فهو تمليك لا وقف فيشترط قبول القيم وقبضه كما لو وهب شيئًا من صبى، انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن هذا الكلام يوهم الواقف عليه أنه صريح لا يحتاج إلى نية

الجزء: 6 - الصفحة: 233

لأنه جعله تمليكًا لا كناية في التمليك، ولم يشترط معه شيئا آخر، وليس كذلك فتفطن له، فقد صرح في أول الهبة بأنه كناية، فقال نقلًا عن العبادي: ولو قال: جعلته لابني، وهو صغير صار له لأن هينه منه لا تقتضي قبولًا، وهذا يلتفت إلى ما ذكرنا من الانعقاد بالكنايات، وإلى الاكتفاء بأحد الشقين، انتهى.
وأيضًا فإنه لو كان "جعلته لك" صريحًا في التمليك، كما لو قال: ملكتك، لكان قول البائع: جعلته لك بكذا، صريحًا في البيع بلا شك فإنه حينئذ يصير كقوله: ملكتك، وليس كذلك فقد نص في البيع على أنه كناية وأيضًا فقد قال الرافعي في آخر الباب الثاني من كتاب الوقف نقلًا عن "فتاوى القفال" ما نصه: وإنه لو قال: جعلت هذه الدار للمسجد، أو دفع دارًا إلى قيم المسجد، وقال: خذها للمسجد، أو قال: إذا مت فاعطوا من مالي ألف درهم للمسجد، أو قال: فداري للمسجد، لا يكون شيئًا، لأنه لم توجد صيغة وقف ولا تمليك ولك أن تقول: إن لم يكن صريحًا في التمليك فلا شك في كونه كناية فيه، انتهى.
وقد استفدنا منه أن الرافعي لم يحكم على هذه المسألة بالصراحة، بل صرح بالتوقف فيها وقد ثبت بما قلناه أنه كناية فوجب القطع به.
الأمر الثاني: أن النووي قد وقع له في هذه المسألة من "الروضة" اختلاف فاحش سببه سوء الاختصار، فإنه لما ذكر الحكم المنقول عن "فتاوى القفال" لم يعزه إليه، بل جزم بنقله ثم ذكر بعد ذلك ما ذكره الرافعي من الإشكال، فاقتضى كلامه الاتفاق نقلًا على أنه لا يكون شيئا على عكس الموضع الأول وأنه ليس فيه سوى البحث المذكور.
والعجب من مصنف يجزم بشيء من غير نقله عن أحد، ثم يعترض عليه، بل الصواب، في مثل ذلك نقله عن قائله ثم يذكر ما فيه كما هو

الجزء: 6 - الصفحة: 234

المعتاد.
ومسألة القفال نقلها النووي إلى آخر الباب الأول.

قوله: وإن كان الوقف على شخص معين أو جماعة معينين فوجهان: أصحهما: على ما ذكره الإمام وأخرون: اشتراط القبول، لأنه يبعد دخول عين أو منفعة في ملكه بغير رضاه.
والثاني: أنه لا يشترط واستحقاق الموقوف عليه المنفعة كاستحقاق منفعة نفسه، وبهذا أجاب صاحب "التهذيب" وكذا القاضي الروياني وخصص في "التتمة" الوجهين بما إذا قلنا: الملك في الوقف ينتقل إلى الموقوف عليه.
فأما إذا قلنا: بانتقاله إلى الله تعالى أو ببقائه للواقف، فلا يشترط، انتهى كلامه.
وليس فيما ذكره تصريح برجحان عنده ولا عند الأكثرين إلا أنه قد صرح في "المحرر" بتصحيح الاشتراط فقال ما نصه: والأصح في الوقف على المعين اشتراط القبول.
وكلامه في "الشرح الصغير" فيه إشعار به، ونقل في "الروضة" من "زياداته" عن "المحرر" تصحيحه ولم يذكر غير ذلك من موافقة ولا مخالفة ووافقه عليه في "المنهاج" لكنه رجح خلافه في "الروضة" أيضًا في الباب الثاني من كتاب السرقة، فقال في أثناء زيادة له: إن المختار أنه لا يشترط هذه عبارته.
والمختار في "الروضة" ليس هو في مقابلة الأكثرين، بل بمعنى الصحيح والراجح ونحو ذلك، ونقل في "شرح الوسيط" عن نص الشافعي أنه لا يشترط، وصححه خلائق منهم الماوردي، وهو مقتضى كلام صاحب "التنبيه" فإنه ذكر الإيجاب ولم يشترط القبول بل قال بعده: وإن وقف على رجل بعينه ثم علي الفقراء فرد الرجل، هذه عبارته فدل على أنه لا يشترط

الجزء: 6 - الصفحة: 235

القبول، بل يشترط أن لا يرد، وذكر في "المهذب" نحوه.

قوله: في أصل "الروضة": هذا في البطن الأول، أما البطن الثاني والثالث، فنقل الإمام والغزالي أنه لا يشرط قبولهم قطعًا لأن استحقاقهم لا يتصل بالإيجاب، انتهى كلامه.
والذي قاله من كون الإمام والغزالي نقلًا أنه لا يشترط قطعًا ليس كذلك، بل صرح الإمام في "النهاية" بالخلاف فيه وكذلك الغزالي في "البسيط"، وعبارة الرافعي: أما البطن الثاني والثالث فلا يشترط قبولهم في ما نقله الإمام وصاحب "الكتاب"، وأجرى المتولي فيه الخلاف، وهدا اللفظ قابل للتأويل، وإن كان يوهم جزمهما بعدم الاشتراط.

قوله: الثانية: إذا كان الوقف منقطع الأجر كقوله وقفت هذا على أولادي ولم يذكر من يصرف إليه بعده، ففيه قولان أصحهما: عند الأكثرين صحته، ثم قال: وعن صاحب "التقريب" قول ثالث: أنه إن كان الموقوف عقارًا فلا يصح، وإن كان حيوانًا صح لأن مصيره إلى الهلاك، فكما يجوز فوات الموقوف [مع بقاء الموقوف عليه] 4 يجوز فوات الموقوف عليه مع بقاء الموقوف، انتهى كلامه.
وسكت -رحمه الله- عن غير الحيوان من المنقولات كالثياب، والأثاث والكتب، ويظهر إلحاقها بالحيوان، وتعليله يرشد إليه.

قوله: وقف على معين يصح الوقف عليه ثم على الفقراء فرده المعين، وقلنا بالصحيح أنه يرتد بالرد فمنقطع الأول، انتهى كلامه.
وقد علم منه أن الصحيح بطلانه في حق الفقراء وقد تابعه النووي في "الروضة" على ذلك وخالف في تصحيح "التنبيه" فصحح الصحة في حقهم، والمعروف هو الأول.

الجزء: 6 - الصفحة: 236

قوله: ولو شرط في الوقف اختصاص المسجد بأصحاب الحديث أو الرأي، أو بطائفة معلومة فوجهان: أحدهما: أن شرطه غير متبع لأن جعل البقعة مسجدًا كالتحرير فلا معنى لاختصاصه.
والثاني: يصح ويختص بهم مراعاة لشرط الواقف وقطعًا للنزاع في إقامة الشعائر ويشبه أن تكون الفتوى به، ثم الوجهان في ما إذا قال: على أصحاب الحديث، فإذا انقرضوا فعلى عامة المسلمين.
أما إذا لم يتعرض للانقراض فقد ترددوا فيه، انتهى ملخصًا.
ومدرك التردد احتمال انقراض هذه الطائفة ولاسيما إذا كانت الطائفة معينين كزيد وعمرو وحينئذ فيكون منقطع الأخير، والأصح فيه: الصحة، ولهذا صححه هنا في "الروضة" وقد جزم القفال في فتاويه بصحة هذا الوقف وأنه لو بقي واحد كان له منع الغير.
واعلم أن المراد بأصحاب الحديث الفقهاء الشافعية وبأصحاب الرأي الفقهاء الحنفية وهذا عرف أهل خراسان.

قوله: ولو شرط في المدرسة والرباط الاختصاص [اتبع شرطه، ولو شرط ذلك في المقبرة فالوجه أن يرتب على تخصيص] 5 المسجد، إن قلنا: يختص فالمقبرة أولى، وإلا فوجهان لترددها بين المسجد والمدرسة، والثاني: أظهر فإن المقابر للموتى كالمساكن للأحياء، انتهى كلامه.
واعلم أن الرافعي -رحمه الله- قد جزم في الفصل الثاني من الباب الذي يلي هذا بأن المقبرة كالمسجد في كونه للتحرير، فقال: في الكلام على الأقوال في مالك الموقوف: فأما إذا جعل البقعة مسجدًا أو مقبرة فهو فك عن الملك كتحرير الرقبة فينقطع عنه اختصاصات الأدميين، هذا لفظه.

الجزء: 6 - الصفحة: 237

والتصحيح المذكور هنا والتعليل لا يجتمعان معه، فإنه علل المنع في المسجد بالتحرير والفرض أنه موجود في المقبرة، وعلل اختصاص [المقبرة بأنها كمساكن الأحياء وهو إنما يتم إن لو قلنا ببقاء إختصاص] 6 الآدميين فيها، وعدم التحرير.
أما إذا قلنا بالتحرير وعدم الاختصاص فليست كالمساكن قطعًا، فظهر أن الوضعين لا يجتمعان، وقد تبعه في "الروضة" عليهما وما تقدم في وقف المسجد على طائفة معينة يشكل عليه أيضًا فراجعه.

قوله: إحداها: لو قال: وقفت كذا، واقتصر عليه فقولان: أصحهما عند الأكثرين البطلان.
ثم قال: واحتجوا للصحة بأنه لو قال: أوصيت بثلث مالي، واقتصر عليه تصح الوصية، وتصرف إلى الفقراء والمساكين، وهذا إن كان متفقًا عليه فالفرق مشكل، انتهى.
وليس كما زعمه من الإشكال، والفرق من وجهين ظاهرين ذكرهما أيضًا النووي: أحدهما: أن غالب الوصايا للمساكين فحمل المطلق عليه بخلاف الوقف.
الثاني: أن باب الوصية أوسع لصحتها بالمعدوم والمجهول والنجس بخلاف الوقف.

قوله: الثانية: وقف على شخصين ثم على المساكين فمات أحدهما ففي نصيبه وجهان أظهرهما ويحكى عن نصه في "حرملة" أنه يصرف إلى صاحبه.
والثاني: أنه للمساكين، والقياس وجه ثالث وهو أن لا يصرف إلى

الجزء: 6 - الصفحة: 238

صاحبه ولا إلى المساكين، ويقال صار الوقف في نصيب الميت منقطع الوسط، انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن هذا الترجيح الذي ذكره للوجه الثالث ذكره أيضًا في "الشرح الصغير" ولم يذكر ترجيح غيره أصلا، ومقتضاه أن يكون هو الراجح عنده على أن في بعض نسخ "الكبير" أحدهما عوضًا عن قوله: أظهرهما، ويؤيد هذه النسخة استبعاد الجمع بينه وبين التصريح بأن القياس غيره لأن اللفظين في المعنى واحد.
نعم: لو ذكر أنه الأظهر من جهة النقل لاستقام، وقد أسقط في "الروضة" كون الثالث وجهًا وحكاه في صورة البحث فقط، وقد صرح الرافعي بعد هذا بقليل بحكايته وجهًا، ذكر ذلك في أول الباب الثاني.
الأمر الثاني: أن المراد بكونه منقطع الوسط أنه يصرف مصرفه لا أنه يجيء خلاف في صحته وقد نبه عليه في "الروضة".

الجزء: 6 - الصفحة: 239

الباب الثاني: في "حكم الوقف الصحيح"

وفيه فصلان:

الفصل الأول: في أمور لفظية

قوله: ولو زاد فقال ما تناسلوا أو بطنًا بعد بطن فلا ترتيب ويحمل على التعميم، وعن الزيادي أن قوله: بطنا بعد بطن، يقتضي الترتيب، وبه أجاب بعض أصحاب الإمام، انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره من عدم الترتيب ذكره أبو عاصم العبادي وأبو القاسم الفوراني والبغوي فتبعهم الرافعي عليه، ثم إن النووي تبع الرافعي في ذلك، وهو مردود نقلًا وبحثًا، أما الأول فلأن غالب من تكلم على المسألة أجاب بأنه للترتيب فقد قطع به البندنيجي والماوردي في "الحاوي" وكذلك الإمام في "النهاية" وبه أجاب الغزالي أيضًا واختاره القاضي حسين في "فتاويه" وقال في "تعليقته": إنه الصحيح وقطع به صاحب "الذخائر" وصححه صاحب "التعجيز" فقال: يرتب خلافًا للبغوي وأفتى به الشيخ تقي الدين ابن رزين على ما هو مذكور في "فتاويه"، وقد نقله الرافعي عن الزيادي وبعض أصحاب الإمام، وكأنه لم يمعن على هذه المسألة، ويدل عليه أنه لم ينقله عن الإمام، بل عن بعض أصحابه مع أنه مقطوع به في كلام الإمام نفسه.
وأما الثاني -وهو بطلانه من جهة البحث- فلأن لفظة "بعد" في اقتضاء الترتيب أصرح من "ثم"، و"الفاء" وغيرها وقد جزم فيها باقتضاء الترتيب فما نحن فيه أولى.
الأمر الثاني: أن جزمهم بعدم الترتيب إذا لم يذكر الواقف ذلك واقتصر

الجزء: 6 - الصفحة: 240

على وقفت على أولادي وأولاد أولادي فيه إشكال أيضًا لأن الماوردي قد نقل في باب صفة الوضوء من "الحاوي" عن أكثر أصحابنا أن الواو تدل على الترتيب [فكان قياسه أن يكون الأكثرون على الترتيب] 7 هنا وهم لم يقولوا به بل لم يحكوا فيه خلافًا أصلًا.

قوله: ولا يصرف إلى البطن الثاني شيء ما بقي من البطن الأول أحد، هكذا أطلقه الجمهور، والقياس في ما إذا مات واحد من البطن الأول أن يجيء في نصيبه الخلاف المذكور في ما إذا وقف على شخصين أو جماعة ثم على المساكن فمات واحد إلى من يصرف نصيبه؟ انتهى.
والفرق بين المسألتين ظاهر، وذلك أن القصد من الوقف على الأولاد وأولاء الأولاد تمليك القرابة على الجملة على النعت الذي شرطه لا تمليك كل واحد منهم شيئا مقدرا، فإنه لو كان القصد ذلك لامتنع أن ينقص أحدهما عما استحقه حال الوقف، وذلك ليس ممتنعًا بدليل أنه إذا حصل له ولد أو ولد ولد يتناول الموجود في ما كان ينفرد به فإذا كان هذا هو المقصد فلا يعدل عنه عند إمكانه وهو مع بقاء واحد ممكن، وليس كذلك الوقف على شخصين، ثم على المساكين فإن القصد ظاهر في تمليك كل واحد منهما النصف بدليل عدم تطرق النقص عنه، وهو لو قال: وقفت على هذا النصف وعلى هذا النصف، لم ينتقل نصيب أحدهما للآخر عند فقده، فكذلك ههنا.
قال ابن الرفعة: وقد يلخص هذا الفرق فيقال: لما قبل نصيب الموجود دخول النقص عليه.
قيل: الزيادة لفهم المعنى، ولما لم يقبل نصيب أحد الرجلين النقص لم يقبل الزيادة لفهم المعنى.

الجزء: 6 - الصفحة: 241

قوله: وكذا الأولاد الحادث علوقهم بعد الوقف يستحقون إذا انفصلوا هذا هو الصحيح المقطوع به في الكتب، وفي "أمالي" السرخسي [خلافه، انتهى.
وما زعمه من قطع الأصحاب بمخالفة السرخسي] 8 غريب، فإن الرافعي كثير النقل عن "فتاوى القفال" وقد رأيت فيها الجزم به، ونقله أيضًا القاضي حسين عن "البويطي"، ثم قال: إنه الصحيح عندي، كذا ذكره في إحدى "تعليقتيه" وقال في الأخرى: الظاهر دخولهم، وقد سبق في مقدمة الكتاب إيضاح اختلاف التعليق عنه، وجزم أيضًا بعدم الدخول القاضي أبو الطيب في "المجرد" كما حكاه عنه الروياني في "البحر"، ثم إن الرافعي قد نقله أيضًا بعد هذا عن "البويطي".

قوله: واسم المولى يقع على المعتق ويقال له: المولى الأعلى، وعلى العتيق ويقال له: المولى الأسفل، فإذا وقف على مواليه وله موالي من أعلى وموالي من أسفل ففيه أوجه: أصحها في "التنبيه" أنه يقسم بينهما.
وأرجحها: عند الغزالي أنه يبطل إلى آخره.
فيه أمور: أحدها: أنه لم يصرح بتصحيح في "الشرح الصغير" أيضًا ولا في "المحرر"، بل قال فيه: رجح كلًا مرجحون وتبعه صاحب "الحاوي الصغير" على التعبير به، والأصح ما قاله صاحب "التنبيه" من القسمة فقد صححه أيضًا القفال الكبير وابن القطان والفوراني والقاضي أبو الطيب والجرجاني والنووي في "زوائد الروضة" ونص عليه الشافعي كما نقله عنه في "المطلب".
الأمر الثاني: أن الشافعي في "البويطي" قد نص في ما لو قال: وقفت

الجزء: 6 - الصفحة: 242

علي موالي من أسفل، فإنه يدخل أولاد المولى، وقياس ما قاله دخول أولاد الموالي من أعلى حيث أدخلنا آباءهم إما وحدهم أو مع الموالي من أسفل، إلا أن الشافعي لم يبين أن دخول الأولاد هل هو عند فقد آبائهم أو مطلقًا؟ وفيه نظر.
الأمر الثالث: أن الرافعي عبر أولًا بلفظ "المولى" ثم صور المسألة بالموالي أعني بلفظ "الجمع" ولا شك في مجيء الخلاف في حالة الجمع، وأما حالة الإفراد فكذلك عند القاضي أبي الطيب وابن الصباغ فإنهما ذكر الخلاف في حالة الإفراد، وقال الإمام: لا يتجه الإشتراك وتنقدح مراجعة الواقف.
الأمر الرابع: أن النووي لما صحح من "زياداته" القسمة قال بعده: وحكى الدارمي وجهًا خامسًا أنه موقوف حتي يصطلحوا، وليس بشيء، هذا لفظه، وهو غريب فقد حكاه هو في كتاب الوصية في الكلام على الوصية للوالي قولا فقال: وفي قول عن رواية "البويطي": يوقف إلى الاصطلاح، هذا لفظه.

قوله: ولو وقف على عترته فعن ابن الأعرابي وثعلب أنهم ذريته، وقال القتيبي: هم عشيرته، وهما وجهان للأصحاب، أصحهما الثاني، انتهى.
قال في "الروضة": هذان المذهبان مشهوران لأهل اللغة، لكن أكثر من جعلهم عشيرته خصهم بالأقربين.
قال الأزهري: قال بعض أهل اللغة، عترته عشيرته الأدنون.
وقال الجوهري: عترته نسله ورهطه الأدنون.
وقال الزبيدي: عترته أقرباؤه من ولد وغيره.
ومقتضى هذه الأقوال أنه يدخل ذريته وعشيرته الأدنون هذا هو الظاهر المختار، هذا كلام النووي.

الجزء: 6 - الصفحة: 243

قوله: ولو قال: وقفت على بني الفقراء، أو على بناتي الأرامل، فمن استغنى منهم أو تزوج منهن خرج عن الاستحقاق، فإن عاد فقيرا أو طلقها زوجها عاد الاستحقاق، انتهى كلامه.
تابعه عليه في "الروضة" وهو يشعر أو يوهم أن المرأة قبل أن تتزوج تأخذ من هذا الوقف، وأنه يصدق عليها أنها أرملة وليس كذلك، بل الذي نص عليه الشافعي أن الأرملة هي التي فارقها زوجها، حتى أن من لم يتقدمها زوج لا تسمى أرملة، ونقله عنه إمام الحرمين، وقال في "الروضة" من "زياداته" في باب الوصية: إنه الأصح، ولم يصرح الرافعي هناك بتصحيح، ثم إن لهن شرطًا آخر لم يذكره هنا وهو الفقر، فإن المرجح على ما يقتضيه كلام الرافعي والنووي في الوصية اشتراطه.

قوله: من "زياداته": ولم أر لأصحابنا تعرضًا لاستحقاقها في حال العدة، وينبغي أن يقال: إن كان الطلاق بائنًا، أو فارقت بفسخ أو وفاة استحقت لأنها ليست بزوجة في زمن العدة، وإن كان رجعيًا فلا لأنها زوجة، انتهى كلامه.
وما ادعاه من عدم الوقوف عليها غريب فإن المسألة قد نص عليها غير واحد على وفق البحث الذي ذكره، ونقلها هو عنهم في كتاب الوصية تبعًا للرافعي، فقال: واسم الأرامل يقع على اللواتي مات عنهن الأزواج، وعلى المتختلعات والمبتوتات دون الرجعيات، والأيامى غير ذوات الأزواج، هذه عبارة الأستاذ وبها أخذ الإمام، انتهى كلامه.
ولم يحك فيها غير ذلك.

قوله: والصفة والاستثناء عقب الجمل المعطوف بعضها علي بعض يرجعان إلى الكل، مثال الصفة: وقفت على أولادي وأحفادي وأخوتي المحتاجين منهم.

الجزء: 6 - الصفحة: 244

ومثال الاستثناء: إلا أن يفسق واحد منهم، هكذا أطلقه الأصحاب.
ورأى الإمام تقييده بقيدين: أحدهما: أن يكون العطف بالواو، فإن كان بـ"ثم" اختصت بالجملة الأخيرة.
والثاني: أن لا يتخلل بين الجملتين كلام طويل، ثم قال في آخر كلامه: والصفة المتقدمة على جميع الجمل كقوله: وقفت على فقراء أولادي وأولاد أولادي وأخوتي، كالمتأخرة حتى يعتبر الفقر في الجميع، انتهى كلامه.
وفيه أمور: أحدها: أن تمثيل الجمل بما ذكره غير مستقيم، بل هذا من عطف المفردات، فالصواب تمثيله بما ذكره الإمام في الأصول كقوله: وقفت على فلان داري وحبست على أقاربي ضيعتي وسَبَّلْتُ على عتقائي بستاني.
نعم: إن قلنا: إن العامل في المعطوف هو فعل مقدر بعد الواو استقام ذلك ولكن المعروف أن العامل هو الأول بواسطة الحرف.
وإذا عملت ما ذكرناه ظهر لك أنه لابد من أحد مسلكين وهو إما الأخذ بمثالهم ويكون قد تجوزوا بتسميته ذلك جملا حتى لو كان جملًا حقيقة لم يعد ذلك إلى الجميع.
وإما الأخذ بما قالوه من الجمل ويلزم منه العود إلى المفردات بطريق الأولى إلا أن ذلك يبعد القول به في الصفة المتقدمة على الجمل، لأن المفردات تكون معطوفة على ما أضيف إليه الصفة فيكون المضاف مقدرًا في الكل.
وأما الجمل كقوله: وقفت على فقراء أولادي وسَبَّلْتُ على أخوتي وحبست على عتقائي، فكل واحدة مستقلة والصفة مع الأولى خاصة، ولا يأتي فيها ما يأتي في المتأخرة فإن عودها إلى الكل صحيح فتأمل ذلك،

الجزء: 6 - الصفحة: 245

والظاهر ما قالته الشافعية في الصفة المتأخرة لا المتقدمة على الجمل فاعلمه.
الأمر الثاني: أن ما ذكره هنا من عودة الاستثناء إلى الكل قد ذكر ما يخالفه في الباب الرابع من كتاب الطلاق فقال: الظاهر عوده إلى الأخير، انتهى.
وتابعه النووي في "الروضة" علي الموضعين وعبر بالأصح عوضا عن الظاهر، وزاد موضعا ثالثا في أول كتاب الأيمان موافقا للمذكور هنا وعبر فيه بالصحيح، وصور المسألة هنا بالاستثناء "بإلا" وفي الطلاق والأيمان، "بإن" كقوله إن شاء الله والحكم عندهم واحد.
الأمر الثالث: أن كلام الرافعي يقتضي اختصاص ما ذكره بالجمل المعطوفة لكنه قد نقل في أول كتاب الأيمان عن القاضي أبي الطيب عود الاستثناء إلى الجملتين بلا عطف، وأقره فقال: قال القاضي أبو الطيب: لو قال: إن شاء الله أنت طالق، عبدي حر، لم تطلق ولم يعتق لأن حرف العطف قد يحذف مع إرادة العطف، وعد من هذا القبيل التحيات المباركات، وليكن هذا في ما إذا نوى صرف الاستثناء إليهما، فإن أطلق فيشبه أن يجيء خلاف في أنه يختص بالجملة الأولى أم يعمهما؟ هذا كلامه.
الأمر الرابع: أن ما ذكره من إطلاق الأصحاب غير الإمام ليس كذلك فقد نقل -أعني: الرافعي- في باب تعدد الطلاق عن المتولي أن الشرط يعود إلى الجملتين إذا كان العطف بـ"ثم"، وأقره هو والنووي عليه، والشرط قسم من أقسام الاستثناء كما صرح به الرافعي في الباب الأول الذي يلي الباب المذكور وهو المعقود للاستثناء وذكر -أعني: الرافعي- في باب تعدد الطلاق أيضًا بعد الموضع المشار إليه بدون ورقة أن العطف بـ"بَل" لا يعود معه الشرط إلى الجملة الأولى على الصحيح، بل يختص بالثانية كقوله: أنت طالق واحدة بل ثلاثًا إن دخلت الدار.
والله أعلم.

الجزء: 6 - الصفحة: 246

قال -رحمه الله-:

الفصل الثاني: في الأحكام المعنوية

قوله: ومنها اللزوم في الحال سواء أضافه إلى ما بعد الموت أم لم يضفه وسواء سلمه أم لم يسلمه.
انتهى لفظه بحروفه.
وتعبيره بقوله "سواء" أضافه إلى ما بعد الموت تعبير فاسد، فإن مدلول إضافة الوقف إلى ما بعد الموت أن يقول: وقفته بعد موتي، والوقف لا يحصل بهذا في الحال فضلًا عن كونه لازمًا، بل قالوا: إنه يكون وصية بالوقف، وقد أشار الرافعي بعد ذلك إلى الذي احترز عنه فقال: عقبه وعن أبي حنيفة أن الوقف كالعارية يرجع عنه متى شاء إلا أن يوصي به فيلزم بعد الموت أو يقضي به قاض، وعن أحمد رواية أنه لا يلزم إلا بالتسليم.
هذا لفظه، وحاصله أن الوقف غير لازم، فإن أوصى الواقف باستمراره لزم بموته كسائر الوصايا ولا شك أن الرافعي أشار إلى هذا الكلام لكن عبارته لا تقيده لما قلناه من أن مدلول إضافته إلى ما بعد الموت أن يقول: وقفته بعد موتي، وبتقدير أن يكون المراد هو الوصية فلا يصح أيضًا لأن أبا حنيفة لا يقول بلزومه في الحال أصلًا سواء أوصى به أو لم يوص به فكيف يجيء الاحتراز؟ . وقد حذف النووي من "الروضة" ذكر هذه المذاهب التي أشار إليها الرافعي بالاحتراز فصار أبلغ في الالتباس من كلام الرافعي.
وقد يجاب عن كلام الرافعي بجواب آخر فيقال: مراده ما إذا أنجز الوقف ولكن علق الإعطاء إلى الموقوف عليه بالموت، فإن صاحب "البيان" قد ذكر في هذا الباب كلاما حاصله جواز مثل ذلك هنا إلحاقا بالوكالة، فإن تعليقها ممتنع وأما تنجيزها وتعليق التصرف فجائز.

الجزء: 6 - الصفحة: 247

قوله: وإن كان الموقوف شجرة ملك الموقوف عليه ثمارها ولا يملك أغصانها، إلا فيما يعتاد قطعه كشجر الخلاف، انتهى.
وما ذكره عن الإقتصار على استثناء ما يعتاد قطعه، تابعه عليه في "الروضة" أيضًا واستثنى الإمام أيضًا ما إذا شرط قطع أغصان الأشجار وهو ظاهر، لأنها تلتحق والحالة هذه بالثمار، وفي معناه ما رواه الروياني عن ابن سريج أنه إن وقف أصل الشجرة دون أغصانها جاز قطعا وبيعها إلا أن الأغصان في المسألة الثانية إذا كانت موجودة حالة الوقف تكون ملكا للواقف فاعلمه.

قوله: وإن كان الموقوف بهيمة ملك صوفها ووبرها ولبنها، ويملك نتاجها أيضًا على الأظهر، وقيل: يكون وقفًا تعبًا لأمه، وقيل: يملك ولد النعم دون ولد الفرس والحمار، وقيل: يكون لأقرب الناس إلى الواقف، ثم قال: وهذا المذكور في الدَّر والنسل هو في ما إذا أطلق، أو شرطهما للموقوف عليه فلو وقف دابة على ركوب إنسان ولم يشترط له الدَّر والنسل، قيل: حكم الدَّر والنسل حكم وقف منقطع الأخير، وقال صاحب "التهذيب": ينبغي أن يكون للواقف وهذا أوجه، فإن الدَّر والنسل غير داخلين في الوقف، انتهى كلامه.
وهو يقتضي جريان الخلاف في كون الولد ملكًا أو وقفًا وإن جعله للموقوف عليه وقد تابعه عليه في "الروضة" وهو غير معقول، بل الصواب في هذه الحالة تمليكه للموقوف عليه، وقد صرح الماوردي [بالمسألة وجعل محل الخلاف] 9 في ما إذا وقفها للركوب والحمل، فإن وقف للنسل فيكون ملكا للوقوف عليه قطعًا.

قوله: هذا إذا كلان الوقف مطلقًا، فإن قال: وقفت داري ليسكنها من يعلم الصبيان في هذه القرية، فللمعلم أن يسكنها وليس له أن يسكنها غيره

الجزء: 6 - الصفحة: 248

بأجرة ولا بغيرها، ولو قال: وقفت داري على أن تستغل وتصرف غلتها إلى فلان، تعين الاستغلال، كذا ذكرت الصورتان في "فتاوى" القفال وغيره، انتهى.
واعلم أن الرافعي ذكر في كتاب الوصية في القسم الثاني من الباب الثاني مسائل متعلقة بما نحن فيه فقال: أما إذا قال: أوصيت لك بمنافعه حياتك فهو إتاحة وليس تمليك، فليس له الإجارة وفي الإعارة وجهان، انتهى.
والقياس جريان هذين الوجهين أيضًا في الإعارة هنا، ثم قال: ولو قال أوصيت لك بأن تسكن هذه الدار أو بأن يخدمك هذا العبد فهو إباحة أيضًا لا تمليك بخلاف قوله أوصيت لك بسكناها وخدمته هكذا ذكره القفال وغيره، لكنا ذكرنا وجهين في ما إذا قال: استأجرتك لتفعل كذا، أن العقد الحاصل إجارة عين أم إجارة في الذمة؟ فإن قلنا: إنها إجارة في الذمة فينبغي أن لا يفرق ههنا بين قوله: بأن يسكنها، أو بسكناها انتهى وما ذكره القفال من التفرقة بين السكنى، وبين أن يسكن، والرافعي من تخريجه على الخلاف فيأتي أيضًا هنا، ثم قال: أعني الرافعى أيضًا هناك ما نصه: وفي "فتاوى القفال" أنه لو قال: أطعموا فلانا كذا مَنَّا من الخبز مالي، اقتضى تمليكه كما في إطعام الكفارة، ولو قال: اشتروا الخبز واصرفوا إلى أهل محلتي، فسبيله الإباحة، انتهى.
وهذا التفصيل بعينه يأتي أيضًا هنا حتى إذا قال: وقفت داري على أن يشتري بغلتها خبز ويصرف إلى الرباط الفلاني أو الخانقاة لم يجز لأحد التصرف فيه بغير الأكل.

قوله: لا يجوز وطئ الجارية الموقوفة فإن وطئت فلها أحوال: أحدها: أن يطأها أجنبي فإن كان هناك شبهة فلا حر ويجب المهر،

الجزء: 6 - الصفحة: 249

والولد حر وعليه قيمته وتكون ملكًا للموقوف عليه، إن جعلنا الولد ملكًا، وإلا فيشتري بها عبدًا ويوقف، انتهى.
وما ذكره من شراء العبد قد تبعه عليه في "الروضة"، وهو إنما يتجه إذا كان الولد ذكرًا فإن كان أنثى فيتعين شراء الأنثى كما لو قتل الموقوف، وذلك لأن الأجل على هذا الوجه كون الولد وقفًا، وإنما خالفناه لكون الواطئ معذورا، وإلا فخصوصية العبد لا أثر له.

قوله: الثانية أن يطأها الموقوف عليه ولا شبهة فقد قيل لأحد عليه لشبهة الملك، وهذا ما أورده صاحب "الشامل" والأصح أنه يبني على أقوال الملك أن جعلناه له فلا حد وإلا فعليه الحد ولا غيره يملك المنفعة كما لو أوصى الموصى له بالمنفعة الجارية وهل الولد ملك أو وقف؟ فيه الوجهان في نتاج البهيمة، الأصح: أنه ملك، انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن ما صححه من البناء على أقوال الملك هو ما صححه القاضي حسين فتبعه المتولي، ثم الرافعي، والمعروف إلحاقه بوطء الشبهة حتى لا يجب الحد، ويكون الولد حرًا، فقد حكاه القاضي الحسين عن أصحابنا، وإن رجح هو خلافه وذهب إليه أيضًا البندنيجي والقاضي أبو الطيب وسليم الرازي وابن الصباغ والروياني، وقال في "النهاية" و"البسيط": إنه المذهب ثم أن الإمام أحمد ممن يقول: إن الملك للموقوف عليه، والإمام مالك يقول: بأنه باق على ملك الواقف واختلاف العلماء من أقسام الشبهة، ويعبر عنه بشبهة الطريق، وقد قال أصحابنا: إن المشتري شراء فاسدا يكون وطئه شبهة لأن أبا حنيفة يقول بالملك، وإن كان لا يبيح الوطء به، والذي قالوه هناك موجود بعينه هنا بل أولى لأن الخلاف في الملك ثابت عندنا أيضًا.

الجزء: 6 - الصفحة: 250

الأمر الثاني: أن ما صححه هنا من وجوب الحد على الموصي له بالمنفعة قد تبعه عليه في "الروضة" أيضًا وخالفا ذلك في كتاب الوصية فصححا عدم الوجوب، وسأذكره في بابه إن شاء الله تعالى.

قوله: ويجوز تزويج الأمة الموقوفة في أظهر الوجهين، وعلى هذا فإن جعلنا الملك للموقوف عليه فهو الذي يزوجها، وإن قلنا: لله تعالى، فيزوجها السلطان فإن الموقوف عليه، وإن قلنا: للواقف، فتزويجها بإذن الموقوف عليه، انتهى.
وهذا الإطلاق قد تبعه عليه في "الروضة" أيضًا ويتجه تخصيصه بما إذا كان النظر في الوقف لمن قبلنا الملك له، فأما إذا شرط الواقف النظر لنفسه، أو لأجنبي فيكون الناظر هو الذي يزوج، كما أنه يؤجر، وقد صرح به الماوردي فقال: يزوجها مستحق الولاية على الوقف وتبعه عليه في "شرح الوسيط".

قوله: فرع: ليس للموقوف عليه أن يتزوج بها إن قلنا إنها ملكه وإلا فقد قيل بزواجه، والظاهر المنع احتياطًا، وعلي هذا فلو قال: وقفت عليه زوجته، انفسخ النكاح، انتهى.
وما ذكره في آخر كلامه من انفساخ النكاح بمجرد هذا القول مخالف لما صححه في "المحرر" من اشتراط القبول وموافق لما رجحه النووي في السرقة، وعلى هذا فلو رد بعد ذلك فيتجه الحكم ببطلان الفسخ ويحتمل خلافه.

قوله: وقبول المتولي للنظر يشبه أن يجيء فيه ما في قبول الوكيل وقبول الموقوف عليه انتهى.
ذكر في "الروضة" مثله لكن الراجح عند الرافعي أن الوكيل لا يشترط فيه القبول باللفظ، وفي الموقوف عليه عكسه، فالجمع بينهما متأتٍ ولا شك

الجزء: 6 - الصفحة: 251

أن شبهه بالوكيل أظهر لاشتراكهما في التصرف ولجواز الامتناع منهما بعد قبولها بخلاف السريع.

قوله: ووظيفة المتولي العمارة والإجارة وتحصيل الريع وقسمتها .. إلى آخره.
سكت -رحمه الله- عن أمر المتولي على المدرسة هل نترك الطلبة له أو إلى المدرس؟ وقد ذكره الشيخ عز الدين في "القواعد الكبري" فقال: إن ذلك للمدرس لا للناظر، لأنه أعرف بأحوالهم ومراتبهم وسكت عن الصوفية، وفي إلحاقهم بالفقهاء نظر، قال: ويجب تفرقة المعلوم المقرر لهم في مكان الدرس لأنه المألوف ولا يظهر به مراعاة بعضهم في القرب والبعد قال: وعلى المدرس إلقاؤه في الوقت المعهود وهو ما بين طلوع الفجر إلى الزوال.

قوله: فرع: للواقف أن يعزل من ولاه وينصب غيره كما يعزل الوكيل، وكأن المتولي نائب عنه وقيل: ليس له العزل، لأن ملكه قد زال فلا تبقى ولايته عليه ويشبه أن تكون المسألة مفروضة في التولية بعد تمام الوقف دون ما إذا وقف، بشرط أن تكون التولية لفلان، لأن في "فتاوى البغوي" أنه لو وقف مدرسة، ثم قال لعالم: فوضت إليك تدريسها، كان له تبديله بغيره ولو وقفها بشرط أن يكون فلانًا مدرسها، أو قال حال الوقف: فوضت تدريسها إليه، فهو لازم لا يجوز تبديله كما لو وقف على أولاده الفقراء لا يجوز التبديل بالأغنياء، وهذا حسن في صيغة الشرط وغير متضح في قوله وقفتها وفوضت التدريس إليه.
انتهى.
قال في "الروضة": هذا الذي استحسنه الرافعي هو الأصح أو الصحيح، ويتعين أن تكون صورة المسألة كما ذكر ومن أطلقها فكلامه محمول على هذا، انتهى كلامه.

الجزء: 6 - الصفحة: 252

فيه أمور: أحدها: أن الخلاف المذكور في أول كلامه مشكل لا يتصور لأنه علل الثاني منه بعدم الولاية لانتفاء الملك، وحينئذ فنقول لا جائز أن تكون صورة المسألة حال اشتراط النظر له لأجل ما صرح به من انتفاء الولاية ولا جائز أن تكون مع السكوت عنه، لأنه لا ولاية له في هذه الحالة علي الصحيح، وأما مع اشتراط النظر لغيره فواضح.
فتلخص أن ما ذكره من تصحيح جواز العزل والولاية مع التعليل بانتفاء الولاية كلام متهافت.
الأمر الثاني: أن ما نقله عن فتاوى البغوي من أنه إذا قال وقفت بشرط أن يكون فلان مدرسًا، صح كيف يستقيم مع أن هذه الصيغة صيغة شرط وزيد قد يقبل التدريس وقد لا يقبله بخلاف ما لو قال وقفت وشرطت له ذلك فتأمله.
وقد راجعت عبارة البغوي في "فتاويه" فوجدت تعبيره صحيحًا، فإنه عبر بقوله: إذا وقف مدرسة على أصحاب الشافعي وشرط أن يكون [فلان] 10 مدرسها، وقال حالة الوقف: فوضت التدريس إلى فلان، فهو لازم لا يبدل المدرس، كما لو قال: وقفت هذا على أولادي الفقراء، هذا لفظه بحروفه، وهو تعبير صحيح منطبق على التعبير الذي ذكرناه وهو أن يقول: وقلت وشرطت له.
الأمر الثالث: أن ما توقف فيه الرافعي -وهو: التفويض حالة الوقف- توقف ضعيف، فإن الكلام بأخره ويوضحه أيضًا ما تقدم نقله عن "فتاوى البغوي" فتأمله.
فتلخص أن ما ذكره البغوي حسن في الثاني غير متضح في الأول وعلى

الجزء: 6 - الصفحة: 253

العكس مما ذكره الرافعي.
الأمر الرابع: أن الزيادة التي ذكرها النووي متعلقة بمسألتين.
فأولهما: متعلق بقول الرافعي وهذا حسن إلى آخره.
وأخرهما: وهو قوله: ويتعين متعلق بقوله أولا، ويشبه أن تكون المسألة مفروضة .. إلى آخره.
الخامس: أن ما أطلقه الرافعي من جواز العزل وتبعه عليه في "الروضة"، واقتضى كلامه أنه لا فرق بين أن يكون لسبب أم لا قد ذكر في "الروضة"، من "زوائده" قبيل باب الغنيمة عن الماوردي في نظير المسألة ما يخالفه، فقال: وإذا أراد ولي الأمر إسقاط بعض الأجناد المثبتين في الديوان لسبب جاز، وبغير سبب لا يجوز.

قوله: ولو اختلف أرباب الوقف في مقادير الاستحقاق، أو كيفية الترتيب، أو شرط الواقف ولا بينة جعلت الغَلَّة بينهم بالسوية وحكى بعض المتأخرين أن الوجه التوقف إلى إصطلاحهم وهو القياس.
انتهى.
وهذه الحكاية عن بعض المتأخرين قد تابعه عليها أيضًا في "الروضة"، وهو عجيب فقد جزم به الإمام في "النهاية"، ثم إن القسمة بينهم على السواء محلها إذا كان الموقوف في أيديهم، أو لا يد لواحد منهم عليه، أما لو كان في يد بعضهم فالقول قوله، كذا نبه عليه جماعة وتبعه عليهم في "الروضة".

قوله في المسألة: فإن كان الواقف حيًا رجع إلى قوله، كذا ذكره صاحب "المهذب" و"التهذيب"، ولو قيل: لا رجوع إلى قوله كما لا رجوع إلى قول البائع إذا اختلف المشتريان منه في كيفية الشراء، لم يكن بعيدا.
انتهى.
وهذا الذي ذكره في "المهذب" و"التهذيب" قد ذكره قبلهما الماوردي وبعدهما الروياني في "البحر"، وصرحوا بأنه يقبل قوله بغير يمين، فتفطن

الجزء: 6 - الصفحة: 254

له.
وزاد الماوردي والروياني فقالا: إذا مات الواقف يرجع إلى ورثته، فإن لم يكن وكان له ناظر من جهة الواقف رجع إليه ولا يرجع إلى المنصوب من جهة الحاكم، فإن وجد -أي الوارث والناظر- واختلفا فهل يرجع إلى الوارث أو الناظر؟ على وجهين.
وحكى العراقي شارح "المهذب" الوجهين في اختلاف الناظر والموقوف عليه، وقد سكت هؤلاء عن تحليف الوارث والناظر، والقياس أنهما كالواقف.
قال النووي: ويرجع إلى عادة من تقدمه من نظار الوقف إن اتفقت عادتهم.
واعلم أن النووي -رحمه الله- قد صوب ما في "المهذب" و"التهذيب"، وقال: إن الفرق بينه وبين البائع ظاهر.

قوله: من "زياداته": قال الغزالي وغيره: فإن لم يعرف أو باب الوقف جعلناه كوقف مطلق لم يذكر مصرفه فيصرف إلى تلك المصارف، انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن هذه المسألة قد ذكرها الغزالي في "الوجيز" فقال: وإن لم يعرف الأرباب فهو كوقف منقطع الأخير في المصرف هذا لفظه، وقد نسى الرافعي هذه المسألة فلم يشرحها، وقد شرحها في "الشرح الصغير"، فقال: ولو لم نعرف الأرباب فهو وقف منقطع الأخير، وفيه الخلاف الذي سبق وكان يجوز أن يوقف إلى التبين، انتهى.
الأمر الثاني: أن تعبير النووي في ما نقله عن الغزالي بقوله كوقف مطلق تعبير فاسد لم يذكره الغزالي، بل الذي ذكره الغزالي إنما هو إلحاقه بالمنقطع

الجزء: 6 - الصفحة: 255

الأخير كما قدمته لك في أوائل هذه المسألة وحينئذ فيصح على أن الصحيح بخلاف ما ذكره -أعني النووي- من إلحاقه المطلق، فإن الأصح فيه عدم الصحة.

قوله: وإن قلنا: إن المتولي هو الموقوف عليه بناء على أن الملك له ففي تمكنه من الإجارة وجهان، [قال في "التتمة": المذهب منهما هو التمكين انتهى.
وهذا الذي] 11 قاله في "التتمة" هو الصحيح، فقد قال الرافعي في "الشرح الصغير": إنه أظهر الوجهين، وصححه أيضًا النووي في أصل "الروضة".

قوله: وإذا قتل العبد الموقوف فالفتوى على أنه يشتري بثمنه عبد، فإن فضل شيء من القيمة فهل يعود ملكًا للواقف أم يصرف إلى الموقوف عليه؟ وجهان في فتاوى القفال، انتهى.
قال في "الروضة" الوجهان معًا ضعيفان والمختار أنه يشتري به شقص عبد لأنه بدل جزء من الموقوف، والتفريع على وجوب شراء عبد.

قوله نقلًا عن "الجرجانيات": ثم العبد الذي يجعل بدلًا يشتريه الحاكم إن قلنا: الملك في الرقبة لله تعالى، وإن قلنا: للموقوف عليه، فالموقوف عليه، وإن قلنا: للواقف فوجهان، انتهى.
والأصح منهما أنه الواقف فقد جزم به الرافعي في "الشرح الصغير".

قوله: وهل يصير وقفًا بالشراء أم لابد من عقد جديد؟ حكى الروياني فيه -أي في "الجرجانيات"- اختلافا للأصحاب جاريان في بذل المرهون إذا أتلف.
انتهى.
فيه أمور:

الجزء: 6 - الصفحة: 256

أحدها: أن الأصح أنه لابد من إنشاء وقف فقد قال الرافعي في "الشرح الصغير": إنه الأظهر والنووي في "زياداته": إنه الأصح.
الأمر الثاني: أن هذا الكلام يوهم الواقف عليه أن الأصح أيضًا في الرهن أنه لابد من إنشائه وليس كذلك، فقد جزم هو والنووي في أواخر الباب الثالث من كتاب الرهن بأنه يصير رهنًا، بل ترددوا في أنه مادام دينا في الذمة قبل أخذه، هل نحكم عليه بأنه رهن أم لا لكون الديون لا ترهن؟ ورجح النووي من "زياداته" الحكم عليه بذلك، بل لك أن تقول: قد تقرر أن المجزوم به في بابه أنه لا يحتاج إلى إنشاء رهن فذكره للخلاف هنا إن كان نقلًا وعبارته لا تقتضيه فمسلم، وإن كان تخريجًا فهو مردود لأن المأخوذ من متلف الوقف لا يصح وقفه كالنقود، وحينئذ فالمشتري به الوقف قد تقدمت له حالتان يمكن النظر إليهما، فكذلك جاء التردد بخلاف المأخوذ من متلف الرهن، فإنه يصح رهنه.
الأمر الثالث: أن اتلاف الأضحية الواجبة هو من نظائر هذه المسألة، وقد فصل فيه الرافعي، وتبعه عليه في "الروضة" فقال في أول النوع الأول منها: إنه إذا أتلفها متلف فإن اشترى المثل بعين القيمة صار المشتري أضحية بنفس الشراء، وإن اشتراه في الذمة، ونوى عند الشراء أنها أضحية [فكذلك وإلا جعله بعد الشراء أضحية] 12 انتهى.
ولم يذكر هذا التفصيل في شيء مما تقدم فتلخص أن أفراد هذه القاعدة قد انقسمت إلى ثلاثة أقسام.
ويتأيد ما ذكره آخرًا وهو التفصيل بما إذا كان عنده نصاب من الأثمان فاشترى به عرضا للتجارة أنه ينبني حولها على حوله إن اشتراه في العين دون الذمة، كما ذكره القاضي الحسين والبغوي ونقله الرافعي عن البغوي،

الجزء: 6 - الصفحة: 257

وسكت عليه، وجزم به في "الروضة" فلم يعزه إلى أحد.

قوله: وفي جواز شراء الصغير بقيمة الكبير وعكسه وجهان حكاهما في "الجرجانيات"، انتهى.
قال في "الروضة" أقواهما المنع لاختلاف الغرض بالنسبة إلى البطون من أهل الوقف.

قوله: وإذا قتل العبد الموقوف قتلًا يوجب القصاص، فإن قلنا الملك للواقف أو للموقوف عليه استوفاه، وإن قلنا: لله تعالى، فهو كعبيد بيت المال، والظاهر فيه وجوب القصاص، قاله المتولي.
انتهى.
وما نقله عن المتولي قد تابعه عليه في "الروضة"، لكن جزم الماوردي بأنه لا قصاص في نفسه ولا في طرفه لئلا يفوت الوقف وما ذكره ظاهر.

قوله: ولو جفت الشجرة فهل يعود ملكها للواقف؟ فيه وجهان: أصحهما المنع وعلى هذا ففي بيعها وجهان: أحدهما يباع ما بقي لتعذر الانتفاع بشرط الواقف، فعلى هذا الثمن كقيمة المتلف، فعلى وجه يصرف إلى الموقوف عليه ملكا، وفي وجه يشتري به شجرة أو شقص بشجرة من جنسها ليكون وقفًا، ويجوز أن يشتري به ودي يغرس موضعها، انتهى كلامه.
وما ذكره من شراء الودي ذكره صاحب "التتمة" فتبعه عليه الرافعي ثم النووي لكن قد تقدم في المسألة السابقة من كلام النووي ترجيح امتناع شراء الصغير بقيمة الكبير وعكسه، والودي 13 المغروس بمثابة الصغير، بل أولى لأن الصغير ينتفع به من حيث الجملة بخلاف الودي، وهذا الإعتراض ذكره في "شرح الوسيط".

قوله: في المسألة: وأصحهما منع البيع لأنه عين الموقوف والوقف لا يباع ولا يورث على ما ورد في الخبر فعلى هذا وجهان:

الجزء: 6 - الصفحة: 258

أحدهما: أنه ينتفع بإجارته جذعًا إدامة للوقف في عينه.
والثاني: يصير ملكًا للموقوف عليه كما ذكرنا في قيمة العبد المتلف, واختار صاحب "التتمة" وغيره الوجه الأول إن أمكن استيفاء منفعته منه مع بقائه.
والوجه الثاني: إن كانت منفعته في استهلاكه وزمانة الدابة الموقوفة كجفاف الشجرة، انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدها: أن ما ذكره أخذًا من الوجهين المفرعين على منع البيع، إنما يستقيم منه الوجه الأول خاصة، وهو كونه ملكًا للموقوف عليه، فكيف يستقيم مع أن تعليله عدم البيع بأنه عين الوقف والوقف لا يباع ولا يورث؟ يلزم منه أيضًا أن لا يملكه الموقوف عليه ولا غيره، ولاسيما أن تمليكه إياه مجوز للبيع وانتقاله عنه بالإرث وغير ذلك مع أن التفريع علي عكسه.
الأمر الثاني: أن مقتضى ما نقله ترجيح تمليك الموقوف عليه الجذع الذي لا منفعة فيه إلا باستهلاكه، وحينئذ فيكون الراجح أيضًا كذلك في الدابة إذا زمنت فزال نفعها كما لو كانت مثلًا من الذكور لأنه ألحقها بجفاف الشجرة لكنه قد ذكر قبل ذلك بأوراق ما يخالفه فقال في الكلام على أن الموقوف عليه يملك الغلة: ولا يجوز ذبح البهيمة الموقوفة، وإن خرجت عن الانتفاع، كما لا يجوز إعتاق العبد [لكن] 14 إذا صارت بحيث يقطع بموتها لو لم تذبح.
قال في "التتمة": يجوز ذبحها للضرورة ويباع اللحم في أحد الطريقين، ويشتري به بهيمة من جنسها وتوقف، وفي الثاني إن قلنا: إن الملك في الوقف لله تعالى، فعل الحاكم ما يرى فيه من المصلحة.

الجزء: 6 - الصفحة: 259

وإن قلنا: إنه للواقف أو الموقوف عليه صرف إليهما.
الأمر الثالث: أن موافقة النووي على جعله للموقوف عليه إذا كانت منفعته في استهلاكه لا يستقيم على قاعدته، فقد سبق من "زوائده" في ما إذا قتل العبد الموقوف ما يستلزم تصحيح عكسه فراجعه.
الأمر الرابع: وقد نبه عليه في "الروضة" أن أحكام الشجرة إنما تأتي في الدابة إذا كانت مأكولة، فإن لم تكن فإن البيع لا يأتي إلا على وجه ضعيف لقصد جلدها.
لا جرم أن في بعض النسخ وزمانة العبد الموقوف وهو صحيح لكن في أكثرها، وفي "الروضة" وزمانة الدابة كما تقدم.
الأمر الخامس: لقائل أن يقول: ما الفرق بين امتناع بيع الشجرة الغادمة النفع وبين جواز بيع حصير المسجد الموقوفة ونحوها مما سيأتي قريبا؟

قوله: وأستار الكعبة إذا لم يبق فيها منفعة ولا جمال .. إلى آخره.
هذه المسألة فيها كلام سبق ذكره في الحج في آخر باب محرمات الإحرام.

قوله: إن لم يخف من أولي العرامة.
هو بالعين والراء المهملتين -أي أولى الفساد.

قوله: جميع ما ذكرناه في حصير المسجد ونظائرها هو فيما إذا كانت موقوفة على المسجد، أما ما اشتراه الناظر للمسجد أو وهبه له واهب، وقبله الناظر فيجوز بيعه عند الحاجة بلا خلاف لأنه ملك حتى إذا كان المشتري للمسجد شقصًا كان للشريك الأخذ بالشفعة، ولو باع الشريك فللناظر الأخذ بالشفعة عند الغبطة هكذا ذكروه، انتهى كلامه.
وما ادعاه -رحمه الله- من عدم الخلاف قلد فيه صاحب "التتمة" وتابعه عليه في "الروضة" أيضًا وليس كذلك، فقد جزم العمراني في "البيان"

الجزء: 6 - الصفحة: 260

بخلافه فقال: كل ما اشترى للمسجد من الحصر والخشب والآجر والطين لا يجوز بيعه لأنه في حكم المسجد، هذا كلامه.
ثم إن الذي سبق محله إذا لم يقفه فأما إذا وقفه فإنه يصير وقفا بلا نزاع، وتجري عليه أحكام الوقف، وقد استدركه عليه النووي.
قال -رحمه الله-: وهذه مسائل وفروع زائدة.
منها: عن الشيخ أبي محمد أنه وقع في الفتاوى، زمن الأستاذ أبي إسحاق أن رجلًا قال: وقفت داري هذه على المساكين بعد موتي، فأفتى الأستاذ بصحة الوقف بعد الموت، وساعده أئمة الزمان وهذا كأنه وصية، يدل عليه أن في "فتاوى القفال" أنه لو عرض الدار على البيع صار راجعًا، انتهى كلامه.
وما تفقه فيه الرافعي من كونه وصية ذكره في "التتمة": وصرح به ابن الصلاح إلا أنه خلاف المنقول عن الأستاذ ومن ساعده وهم أهل الزمان، فقد قال الإمام في "النهاية" ما نصه: أفتى الأستاذ بأن الوقف يقع بعد الموت وقوع العتق في المدبر بعد الموت وساعده أئمة الزمان وهذا تعليق علي "التحقيق" هذا لفظ الإمام.
والحاصل أن الرافعي قد حصل له ذهول في أمرين تابعه عليهما في "الروضة": أحدهما: في حمل كلام الأستاذ والأئمة.
والثاني: في ذهوله عن المنقول في وفق ما أثبته بحثًا.

قوله: وفيها -يعني: في "فتاوى القفال"- أنه لو قال: جعلت داري هذه خانكاه للغزاة، لم يصر وقفًا بذلك، انتهى.
واعلم أنه قد تقدم في الباب الأول أنه إذا قال: جعلت داري مسجدًا، صارت مسجدًا على الأصح، فليكن ما قاله القفال هنا جوابًا على الوجه المرجوح هناك وهذا الموضع قد تقدم الوعد بذكره، والخانكاة بالكاف وهو

الجزء: 6 - الصفحة: 261

مركب من لفظ خان اسم.

قوله: نقلا عن "الفتاوى" المذكورة: وإنه لو قال: وقفت هذه البقرة على الرباط الفلاني ليشرب من لبنها من نزله، أو ينفق من نسلها عليه صح، وإن اقتصر على قوله: وقفتها، لم يصح وإن كنا نعلم أنه يريده لأن الاعتبار باللفظ، وأنه لو وقف داره على المسجد الفلاني لم يصح حتى يبين جهة مصرفه، ومقتضي إطلاق الجمهور صحته، انتهى.
واعلم أن المسألتين متشابهتين في المعنى والظاهر أن ما نقله الرافعي عن الجمهور عائد إليهما، فلذلك أخره عنهما، وقد ذكرهما النووي مفترقتين في الباب الأول وذلك يوهم موافقة القفال على إحداهما دون الأخرى، وهو بعيد فاجتنب ذلك واحذره.

قوله: وإذا وقف شجرة، ففي دخول المغرس وجهان، وكذا حكم الأساس مع البناء، انتهى.
والمراد بالأساس الأرض الحاملة للبناء فافهمه.

قوله.
ولو وقف على مصلحة المسجد لم يجز النقش والتزويق، لكنه لو تعدى وفعله مع القول بأنه لا يجوز لم يغرم شيئًا، كذا جزم به البغوي في "فتاويه" فتفطن له.
وقد وقع في كلام الرافعي هنا لفظ البواري وهو جمع بارية بالباء الموحدة والياء المشددة بنقطتين من تحت نوع ينسج من القصب كالحصر.

قوله: ولو وقف على النقش والتزويق يعني للمسجد، ففيه وجهان قريبان من الخلاف في جواز تحلية المصحف، انتهى كلامه.
وقد اختلف تصحيح النووي في هذه المسألة فقال من "زياداته" هنا: الأصح أنه لا يصح لأنه منهي عنه، وجزم في "شرح المهذب" في زكاة الذهب والفضة بالصحة، وقد تقدم الكلام على المسألة هناك مبسوطًا

الجزء: 6 - الصفحة: 262

فراجعه.

قوله: لا يجوز قسمة العقار الموقوف من أرباب الوقف، وقال ابن القطان: إن قلنا: القسمة إقرار، جاز، فإذا انقرض البطن الأول، انتقضت القسمة، انتهى كلامه.
وقد نبه الرافعي في كتاب القسمة على أن ما قاله ابن القطان تفريع على أن الملك في الوقف للموقوف عليه، وحكى هناك خلافا في قسمة الوقف عن الطلق وأشعر نقله برجحان الجواز، وصرح به في "الروضة" من "زوائده"، فاعلم ذلك كله.

قوله: وإن انكسر الطنجير والمرجل الموقوفان إلى آخره.
الطنجير: بكسر الطاء، قاله الصنعاني، وهو عجمي مُعَرَّب، والمراد به: الدست.
والمرجل بكسر الميم وبالجيم هي القدر.

قوله: من زوائده: الأصح أنه لا يعطي من وقف الفقراء لفقيرة لها زوج يمونها ولا إلى [المكفى بنفقة أبيه] 15، قال صاحب "المعاياة": ولو كان له صنعة يكتسب بها كفايته ولا مال له استحق من الوقف باسم الفقر قطعًا، وفي هذا الذي قاله احتمال، انتهى كلامه.
واعلم أن في كلام الرافعي في قسم الصدقات ما يخالف هذا، فإنه بعد ذكره للمكفى بنفقة غيره ويكسبه، قال ما نصه: ومن قال الأول وهو الصحيح منع هذا، وقال: الاستحقاقان منوطان بالفقر فوجب التسوية بين البابين كما أن الوصية لأبناء السبيل محمولة على ما يحمل عليه ابن السبيل في آية الزكاة.
هذا لفظه، وحاصله أن البابين متساويان فما منع في أحدهما منع في

الجزء: 6 - الصفحة: 263

الآخر لأن مدلولات الألفاظ لا تختلف باختلاف الأبواب، وحذف في "الروضة" هذا الكلام وما ذكره في "الروضة" عن الجرجاني وتوقف فيه، قد جزم به أيضًا الماوردي في "الحاوي" وحكى الروياني في "البحر" فيه وجهين على وفق الاحتمال الذي قاله النووي.

قوله: وسئل الحناطي عن شجرة تنبت في المقبرة هل للناس الأكل من ثمارها؟ فقال: قد قيل يجوز والأولى عندي صرفها إلى مصالح المقبرة، وسئل أيضًا عن رجل غرس شجرة في المسجد كيف يصنع بثمارها؟ قال: إن جعلها للمسجد لم يجز أكلها من غير عوض، ويجب صرف عوضها في مصالح المسجد، ولا ينبغي أن تغرس الأشجار في المساجد، انتهى كلامه.
أما المسألة الأولى فواضحة إلا أن النووي قد قال من "زوائده": إن المختار جواز الأكل.
وأما المسألة الثانية وهي غرسها في المسجد فقد أقره أيضًا النووي كما أقره الرافعي، وزاد -أعني النووي- أنه يجوز الأكل أيضًا إذا غرسها مسبلة، وكذا إن جهلت نيته حيث جرت العادة بالأكل وفي ما أقره أمران: أحدهما: أن المغروس كيف يخرج عن ملك الغارس بلا لفظ، وقد سبق أنه لو بنى مسجدا لم يخرج عن ملكه بذلك بل لابد من اللفظ.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد ذكر في أركان الوقف أنه إذا وقف على المسجد لا يحتاج إلى القبول وإن ملكه فلابد من قبول الناظر عليه.
إذا علمت ذلك فتحتاج المسألة إلى تصوير وهو أن غرسها له هل هو على جهة الوقف أو الملك؟ فإن كان الأول فقد يقال بصحته، وإن لم يوجد لفظ وفيه تعد، وإن كان الثاني وهو المتجه من جهة المعنى، والظاهر من عبارته حيث قال غرسها للمسجد، فإن الموقوف ليس ملكا للموقوف عليه، بل ملكًا لله تعالى فلابد فيه من قبول الناظر على ما سبق.

الجزء: 6 - الصفحة: 264

وقد ذكر الرافعي في أوائل الهبة ما يشكل على هذه المسألة، فقال غرس أشجارًا وقال عند الغرس: أغرسه لابني لم يصر للابن ولو قال: جعلته لابني وهو صغير صار للابن، لأن هبته له لا تقتضي قبولًا بخلاف ما لو جعله لبائع، كذا قاله الشيخ أبو عاصم، وهو ملتفت إلى الانعقاد بالكنايات، وإلى أن هبة الأب لابنه الصغير يكفي فيها أحد الشقين هذا كلامه فلم يكتف بالغرس للابن واشترط اللفظين مع أن الابن أولى لأنه قادر على التمليك والقبول بخلاف المسجد، فإنه قادر على التمليك دون القبول، فظهر بذلك رجحان اشتراط اللفظ في مسألتنا نقلًا ومعنى على خلاف ما دل عليه كلامهما خصوصًا النووي، فإن تعبيره بقوله فإن جهلت نيته صريح في خلاف ما قلناه ولا وجه إلا ما ذكرناه، ولعلنا نزداد فيها إن شاء الله تعالى علمًا.
وأما قول الرافعي: ولا ينبغي أن يغرس الأشجار في المساجد فليس فيه ما يدل على أن ذلك محرم أو مكروه، وقد سبق بيانه في آخر شروط الصلاة فراجعه.
وقد بسط الغزالي هذه المسألة فقال: إن غرس لنفسه منع منه، والثمرة له وعليه قلعه والأجرة للمسجد، ويجوز الأكل منها بإذنه في حياته، فإن مات قبل أداء الأجرة تعلقت بالشجرة والثمرة، وصارا مرتهنين فلا يجوز الأكل بالإذن المتقدم وإن غرس للمسجد على أن يصرف الثمرة في مصالحه لم يجز إلا أن يكون المسجد واسعًا ويكون فيها فائدة الاستظلال بها ولم يكن فيه ما يجمع الطيور فتحبس المسجد فرخص فيه كما في السقيفة، وإن قصد أن يكون وقفًا على قوم لا تعلق لهم بالمسجد منع كما لو غرس لنفسه وإن قصد أن يكون وقفا على المجاورين والمصلين فهذا له تعلق بالمسجد فيحتمل جوازه، وإن لم يعرف قصده جعل كأنه غرسه لنفسه حتى يأتي فيه ما سبق من القلع وغيره ويباع ويرد ما فضل على أجرته إلى المالك أو وارثه، فإن لم

الجزء: 6 - الصفحة: 265

يكن له وارث فيؤخذ للمسجد بدل ما وجب من الأجرة فإن فضل شيء، أو لم يكن بقى من الأجرة شيء فهو مال المصالح، فإن رأى القاضي المصلحة في أن يتركه ويجعل وقفا للمسجد فله ذلك، وإن كان في المصالح ما هو أهم من المسجد، وكان للمسجد فائدة في بقائه للاستظلال ورأى إبقاءه ليأخذ للمسجد من مغله قدر الأجرة ويصرف الباقي إلى المصالح، فهذا قد تصادم فيه محظوران قلعه مع أن فيه فائدة الاستظلال وبقاؤه بالأجرة، وهو يشبه الإجارة، واللائق بالمصلحة الرخصة بالإبقاء إذ لا فائدة للمسجد في القلع.

الجزء: 6 - الصفحة: 266

فصول الكتاب · 72 فصل
فصول المهمات في شرح الروضة والرافعي
المقدمةالمقدمةمقدمة المحققمقدمة المؤلفكتاب الطهارةكتاب التيممكتاب الحيضكتاب الصلاةكتاب الصلاةكتاب الصلاة بالجماعةكتاب صلاة المسافرينكتاب الجمعةكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الحجكتاب البيعكتاب الرهنكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب العاريةكتاب الغصبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب الجعالةكتاب الوقفكتاب الهبةكتاب اللقطةكتاب اللقيطكتاب الفرائضكتاب الوصاياكتاب الوديعةكتاب قسم الفيء والغنيمةكتاب قسم الصدقاتكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب القسم والنشوزكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفاراتكتاب "العدد"كتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجراحكتاب الدياتكتاب دعوى الدمكتاب الجنايات الموجبة للعقوباتكتاب موجبات الضمانكتاب السيركتاب [عقد] (1) الجزية والمهادنةكتاب الصيد والذبائحكتاب الضحايا والعقيقةكتاب الأطعمةكتاب السبق والرميكتاب الأيمانكتاب [النذر]كتاب القضاءكتاب الشهاداتكتاب الدعاوى والبيناتكتاب التدبيركتاب الكتابةكتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل