كتاب القضاء
وفيه أربعة أبواب.
الباب الأول: في التولية والعزل
وفيه فصلان:
الفصل الأول: في التولية
قوله: والقضاء والإمامة من فروض الكفاية بالإجماع، لأن الظلم من شيم النفوس، ويجوز أن يوضع على لفظ المسألة من الكتاب وأولان بعض الأصحاب في ما حكى القاضي ابن كج ذهب إلى أن القضاء مكروه للأحاديث المحذرة في الباب، وظاهر المذهب الأول، ثم قال: وإذا قلنا بظاهر المذهب فإذا قام بعض الصالحين للقضاء به سقط الفرض عن الباقين.
. . . إلى آخره.
واعلم أن الرافعي أشار بقوله: لأن الظلم من شيم النفوس.
. . . إلى قول المتنبي:
الظلم من شيم النفوس فإن تجد ... ذا عفة فلعله لا يظلم
وكلامه صريح في أن الخلاف المذكور محله في الفرضية وعدمها، وقد أثبته كذلك في "الشرح الصغير"، وأسقطه النووي من "الروضة" وسببه أنه قد ذكر أولًا الإجماع على كونه فرضًا فكيف يكون مختلفًا فيه؟ فلما أشكل عليه حالة حذفه، وغاية ما يقال فيه: أن الوجوه لابد أن تكون مخرجة من قواعد المجتهد ولازمة لأصوله التي قررها، وللناس خلاف مشهور في أن لازم المذهب هل هو مذهب أم لا؟ فالذاهب إلى أنه ليس بمذهب قد يذهب إلى أنه لا يقدح في الإجماع، وحينئذ تستقيم دعوى الإجماع مع إثبات الوجه، وقد صرح في "المطلب" بعد هذا بقليل بحكاية
الجزء: 9 - الصفحة: 211
خلاف في أنها هل تقدح في الإجماع أم لا؟ وصحح أنها تقدح، وقد يجاب بجواب فيه منع لما فهمه الرافعي فيقال: ليس الخلاف عائدًا إلى الفرضية وعدمها بل في الكراهة فقط وإن كان مجمعًا على كونه فرضًا، ولا منافاة لأن المنافاة إنما هي حاصلة بين الكراهة وفرض العين لا بينهما وبين فرض الكفاية، ألا ترى أنّا نرد شهادة أصحاب الحرف على ما سيأتي وإن كان القيام بتلك الحرف فرضًا؟
قوله: وربما تردد الناظر في إخبار الممتنع من القضاء من جهة أن الامتناع من هذا الفرض الذي هو مناط المصالح العامة بعد ما تعين يشبه أن يكون من الكبائر، وحينئذ فيفسق به ويخرج عن أهلية القضاء لفوات شرط العدالة فكيف يولى ويجبر على القبول؟ ويمكن أن يكون المراد: أن يؤمر بالتوبة أولًا فإذا تاب تولى.
انتهى كلامه.
وهذا الجواب الذي ذكره الرافعي بتقدير الفسق قد سلمه له في "الروضة" وهو غير مستقيم، وذلك لأنه إن صح ما قاله من كونه فسقًا فالفاسق إذا تاب لا تجوز ولايته ولا نقبل شهادته إلا إذا مضت عليه مدة الاستبراء، ولم يشترط ذلك هو ولا غيره، والصواب: الجواب بما أشار به في "الروضة" أن هذا لا ينبغي أن يكون فسقًا لأن من يمتنع عن مثل هذا إنما يمتنع غالبًا متأولًا والمتأول ليس عاصيًا قطعًا وإن كان مخطئًا في تأويله.
قوله: فإن كان أصلح منه بنى على أن الإمامة العظمى هل تنعقد للمفضول مع وجود الفاضل؟ وفيه خلاف للمتكلمين والفقهاء، والأصح: الانعقاد لأن تلك الزيادة خارجة عن شرط الإمامة، وفي القضاء خلاف مرتب وأولى بالانعقاد.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على إطلاق الخلاف ومحله ما إذا لم يكن عذر، فإن كان أطوع في الناس وأقرب إلى القلوب انعقدت قطعًا، قاله الماوردي.
الجزء: 9 - الصفحة: 212
قوله: في الجماعة المتماثلين: وإن كان مع الشهرة مكفيًا فيكره له الطلب، ومنهم من لا يطلق لفظ "الكراهة"، ويقتصر على أن الأولى أن لا يطلب.
انتهى.
وما ذكره من تضعيف الاقتصار على الأولوية ذكر مثله في "الشرح الصغير"، وخالف في "المحرر" فجزم بما ضعفه هنا فقال: وإن كان مشهورًاً مكفيًا فالأولى أن لا يطلب.
انتهى.
ووقع الموضعان في "الروضة" و"المنهاج" كذلك أيضًا.
قوله: في أصل "الروضة": والصحيح تفصيل ذكره "الروياني" وهو أنه إن تَعَيّن عليه القضاء أو كان ممن يستحب له فله بذل المال، ولكن الآخذ ظالم بالأخذ وهذا كما إذا تعذر الأمر بالمعروف إلا ببذل مال، وإن لم يتعين ولم يكن مستحبًا جاز له بذل المال ليتولى، ويجوز له البذل بعد التولية لئلا يعزل.
انتهى كلامه.
وما ذكره في أواخره من جواز البذل عند انتفاء التعيين والاستحباب غلط على العكس مما نقله الرافعي عن الروياني، فإن المذكور فيه، أنه لا يجوز وهو الذي ذكره أيضًا الروياني في "البحر" و"الحلية" وهو الصواب.
قوله: الثالث: طرق الأصحاب متفقة في تعيين الشخص للقضاء، وعدم تعينه على النظر إلى البلد والناحية لا غير.
وقضيته أن لا يجب على من يصلح للقضاء طلبه ببلدة أخرى لا صالح بها، ولا قبوله إذا ولى.
انتهى.
وما ذكره من حكاية الاتفاق، وتابعه عليه في "الروضة" قد سبقهما إليه جماعة وليس كذلك، بل فيه خلاف حكاه ابن الرفعة في "الكفاية" عن ابن الصباغ وغيره.
الجزء: 9 - الصفحة: 213
قوله: وزاد المصنف تحقيقات أوردها في أصول الفقه منها: أنه لا حاجة إلى تتبع الأحاديث على تفرقها وانتشارها، بل يكفي أن يكون له أصل مصحح وقعت العناية فيه بجمع أحاديث الأحكام كسنن أبي داود، ويكفي أن يعرف مواقع كل باب فيراجعه إذا احتاج إلى العمل بذلك الباب.
ومنها: أن كل حديث أجمع السلف على قبوله أو تواترت عدالة رواته فلا حاجة إلى البحث عن عدالة رواته، وما عدا ذلك ينبغي أن يكتفي في عدالة رواته بتعديل إمام مشهور عرف صحة مذهبه في الجرح والتعديل.
انتهى.
أما الأول: فقد اعترض عليه في "الروضة" فقال: لا يصح التمثيل بسنن أبي داود، فإنه لم يستوعب الصحيح من أحاديث الأحكام [ولا معظمه، وهذا الذي ذكره لا يرد فإنه لم يدع استيعاب الأحكام] 1 بل ادعى الاعتناء فيه بالجمع.
ولا شك أن السنن المذكورة كذلك، ونظيره أن تقول: إن الرافعي قد اعتنى في شرحه بجميع الأحكام وإن فاته مسائل كثيرة مذكورة في المطولات والمختصرات حتى من "التنبيه" للشيخ أبي إسحاق.
وأما الثاني: فقال: إن هذه المسألة مما أطبق جمهور الأصحاب عليه وشذ من شرط في التعديل اثنين، ثم إن تواتر العدالة لا يكفي بل لابد مع ذلك من الضبط، والمراد بقبول السلف له: هو علمهم به ولا يكفي عملهم على وفقه فقد يكون ذلك لأجل غيره لا له.
قوله: ويشترط في القاضي وراء ما ذكره في "الكتاب" صفات أخر، منها الإسلام والكفاية، فلا يجوز تقليد المغفل والذي اختل رأيه ونظره بكبر ومرض ونحوهما.
انتهى.
الجزء: 9 - الصفحة: 214
واعلم أن هذين الشرطين ليسا زائدين على ما في "الوجيز" فإنهما شرطان لأهلية الاجتهاد والفتوى، والأهلية كذلك قد صرح باشتراطها في القاضي، فكأن اشتراطه للأهلية المذكورة في القاضي اشتراطًا للإسلام والكفاءة أيضًا، والشرط الأول بخصوصه داخل أيضًا في العدالة، وقد صرح بها في "الوجيز".
قوله: قال في "الوسيط": لكن اجتماع هذه الشروط متعذر في عصرنا لخلو العصر عن المجتهد المستقل، فالوجه: يتقيد قضاء كل من ولاه سلطان ذو شوكة وإن كان جاهلًا أو فاسقًا، لئلا تتعطل مصالح الناس، ويؤيده أنّا ننفذ قضاء قاضي البغاة لمثل هذه الضرورة، وهذا أحسن لكن في بعض الشروح أن قاضي البغاة إذا كان منهم وبغيهم لا يوجب فسقًا كبغي أصحاب معاوية - رضي الله عنه - جاز قضاؤه.
وإن أوجب الفسق كبغي أهل النهر وإن لم يجز.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن ما قاله الغزالي قد جزم به الرافعي في "المحرر"، وكذلك صاحب "الحاوي الصغير"، ولم يحك في "الشرح الصغير" غيره، ونقل الرافعي في كتاب البغاة ذلك فقال: قال المعتبرون: ينظر إن كان قاضيهم لا يستحل دماء أهل العدل وأموالهم نفذ حكمه، وإن كان يستحل دمهم لا ينفذ حكمه، لأن من شرط القضاء العدالة، ومنهم من يطلق القول بنفوذ حكمه.
هذا كلامه.
وقال في "البحر": يحتمل وجهين: أحدهما: لا ينفذ ويتحاكمون إلى من هو من أهل القضاء، فإن لم يجدوا أهلًا نفذت أحكامه للضرورة.
هذا كلامه.
الجزء: 9 - الصفحة: 215
ونقل ابن الرفعة في "الكفاية" عن "الكافي" له مثله أيضًا.
وقال ابن الصلاح وابن أبي الدم: لا نعلم أحدًا ذكر ما ذكره الغزالي، والذي قطع به العراقيون والمراوزة أن الفاسق لا تنفذ أحكامه.
وقد ظهر لك بما قلناه بطلان ما قالاه، وتقييد الغزالي بالفاسق والجاهل يشعر بأنه لا ينفذ من المرأة والكافر، وهو ظاهر.
الثاني: أن كلامه يقتضي: تصحيح تنفيذ الحكم من قاضي البغاة وإن كان بغيه يوجب الفسق، وهو مخالف لما سبق في قتال البغاة.
الثالث: أن ما جزم به من انقسام البغي إلى فسق وغيره، قد ضعفه في قتال البغاة في الكلام على الحكم، وصحح أنه ليس [بفسق] مطلقًا فراجعه أيضًا.
الرابع: أن هذا التفصيل الذي نقله عن بعض الشروح المجهولة، واقتضى كلامه استغرابه غريب لأجل ما نقلناه عنه أيضًا الآن من كلامه في قتال البغاة.
قوله: وهل على المجتهد تجديد الاجتهاد إذا وقعت الحادثة مرة أخرى أو سئل عنها مرة أخرى أم يجتهد اجتهاده الأول؟ وجهان، كما سبق في القِبْلَة انتهى.
والأصح كما قاله في "شرح المهذب" و"زوائد الروضة": لزوم التجديد، قال: وهذا إذا لم يكن ذاكرًا للدليل الأول: ولم يتجدد ما قد يوجب رجوعه، فإن كان ذاكرًا: لم يلزمه قطعًا، وإن تجدد ما قد يوجب الرجوع: لزمه قطعًا.
قوله: وإنما يسأل ممن عرف علمه وعدالته، وإذا لم يعرف العلم بحث على الحال من الناس، وإذا لم يعرف العدالة فلصاحب "الكتاب" فيه
الجزء: 9 - الصفحة: 216
احتمالان ذكرهما في الأصول:
أحدهما: أن الجواب كذلك.
وأشبههما: الاكتفاء بأن الغالب من حال العلماء العدالة، بخلاف البحث عن العلم فليس الغالب من الناس العلم، ثم ذكر احتمالين في أنه إذا وجب البحث فيفتقر إلى عدد التواتر أم يكفي إخبار عدل أو عدلين؟ أقربهما الثاني.
انتهى كلامه.
استدرك عليه في "شرح المهذب" و"زوائد الروضة" فقال: الاحتمالان في ما إذا لم يعلم العدالة، هما في ما إذا كان مستورًا: وهو الذي ظاهره العدالة ولم يختبر باطنه، وهما وجهان ذكرهما غيره.
أصحهما: الاكتفاء لأن العدالة الباطنة تعز معرفتها على غير القضاة فيعسر على العوام تكليفهم بها.
وأما الاحتمالان المذكوران ثانيًا فهما محتملان، ولكن المنقول خلافهما والذي قاله الأصحاب أنه يجوز استفتاء من استفاضت أهليته، وقيل لا يكفي الاستفاضة ولا التواتر، بل إنما يعتمد قوله: أنا أهل للفتوى، ويجوز استفتاء من أخبر ثابت الأهلية بأهليته.
قوله: وإذا وجد مفتيين فأكثر فهل يلزمه أن يجتهد ويسأل أعلمهم؟ فيه وجهان: أصحهما عند عامة الأصحاب: لا، بل يتخير ويسأل من شاء منهم لأن الأولين كانوا يستفتون من شاءوا من الصحابة.
ثم قال: وذكر صاحب "الكتاب" في الأصول: أنه إذا كان يعتقد أن أحدهم أعلم لم يجز أن يقلد غيره، وإن كان لا يجب عليه البحث عن الأعلم إذا لم يعتقد اختصاص أحدهم بزيادة علم.
انتهى كلامه.
الجزء: 9 - الصفحة: 217
وهذا الذي ذكره الغزالي قد ذكره أيضًا غيره، قال في "الروضة": وهو إن كان ظاهرًا ففيه نظر لما ذكرناه من سؤال أحاد الصحابة -رضي الله عنهم- مع وجود أفاضلهم فقد يمنع هذا، ثم قال -أعني: النووي- وعلى الجملة [المختار] 2 ما ذكره الغزالي، فعلى هذا يلزمه تقليد أورع العالمين وأعلم الورعين، فإن تعارضا قدم الأعلم على الأصح.
قوله: في "أصل الروضة": فرع: إذا استفتى وأجيب فحدثت له تلك الحادثة ثانيًا، فإن عرف استناد الجواب إلى نص أو إجماع فلا حاجة إلى السؤال ثانيًا وكذا لو كان المقلد ميتًا وجوزناه.
وإن عرف استناده إلى الرأي والقياس أو شك والمقلد حي فوجهان:
أحدهما: لا يحتاج إلى السؤال ثانيًا، لأن الظاهر استمراره على جوابه.
وأصحهما: يلزمه السؤال ثانيًا.
انتهى.
ومحل هذا الخلاف إذا لم يكثر وقوع المسألة، فإن كثر لم يجب على العامي تجديد السؤال جزمًا، كذا ذكره النووي في أوائل "شرح المهذب".
قوله: وإذا [سأل] 3 بالرقعة فليكن كاتبها حاذقًا ليبين موضع السؤال ويسقط مواضع الاشتباه لئلا يذهب الوهم إلى غير ما وقع عنه السؤال.
كما يحكي أنه كتب عقلًا في زمان أبي الحسين الكرخي: ما يقول الفقهاء في رجل قال لامرأته: [أنت طالق إن، ثم] 4 وقف عند "إن"، [فقرأوا: إن تم وقف عبدان] 5 وأجابوا بأنه إن تم وقفه طلقت وإلا فلا، فعرضت الرقعة على الكرخي فلما تأملها عرف أنهم صحفوا وأن الكاتب أراد
الجزء: 9 - الصفحة: 218
أنه قال: أنت طالق إن، ثم أمسك بعد "إن"، فلم يذكر شرطًا.
انتهى كلامه.
وهذه المسألة وهي الوقوف على أداة شرط لم يصرح هنا بحكمها، وقد يتشرف الواقف على هذا الوضع إلى معرفة ذلك، وقد ذكرها الرافعي في موضعين بجوابين مختلفين، تبعه عليهما في "الروضة":
أحدهما: في باب عدد الطلاق.
والثاني: في أوائل الشرط في الطلاق فراجع ذلك، وعبدان: بباء موحدة تثنية عبد.
قوله: وإذا رأى في الفتيا جواب من لا يصلح للفتوى لم يفت معه.
قال الصيمري: وله أن يضرب عليه بإذن صاحب الرقعة وبغير إذنه، ولا يحبسها إلا بإذنه.
انتهى.
وما نقله عن الصيمري من الضرب على خط الأول بغير إذن مالكها، قد ذكر العبادي في "الزيادات" بالنسبة إلى إصلاح كتب العلم ما يخالفه، فإنه قال: لا يجوز إصلاح ما يقع فيها من الغلط بغير إذن إلا أن يكون قرآنًا، فإنه يجب.
قوله: ويجوز أن يكتفي برسول ثقة وبالرقعة.
انتهى.
ومحل الاعتماد على الرقعة إذا أخبره من يقبل خبره أنه خطه أو كان يعرف خطه، ولم يشك فيه، كذا نبّه عليه في "شرح المهذب" و"زوائد الروضة" وهو واضح.
قوله: ولو نكح مجتهد امرأة خالعها ثلاثًا، لأنه رأى الخلع فسخًا ثم تغير اجتهاده، قال صاحب "الكتاب" في "الأصول": يلزمه تسريحها، وأبدى ترددًا في ما إذا فعل المقلد مثل ذلك، ثم تغير اجتهاد مقلده، قال: والصحيح
الجزء: 9 - الصفحة: 219
أن الجواب كذلك، كما لو تغير اجتهاد المقلد في الصلاة فإنه يتحول.
انتهى.
وهذا الذي قاله الغزالي نقله النووي عن الصيمري والخطيب البغدادي وغيرهما.
قال: ولا نعلم فيه خلافًا لأصحابنا.
قوله: ولو قال المجتهد للمقلد في صورة النكاح المذكورة: أخاطبك من قلدته؟ فإن كان الذي قلده أعلم من الثاني، أو استويا فلا أثر لقوله.
وإن كان الثاني أعلم فالقياس: أنّا إن أوجبنا تقليد الأعلم فهو كما لو تغير اجتهاد مقلده، وإلا فلا أثر له.
اعترض في "الروضة" فقال: هذا الذي زعم الإمام الرافعي أنه القياس ليس بشيء، بل الوجه الجزم بأنه لا يلزمه شيء، ولا أثر لقوله الثاني، وهذا كله إذا كانت المسألة اجتهادية.
هذا كلامه.
والذي ذكره -رحمه الله-أعني النووي- ضعيف أو باطل.
والصواب ما ذكره الرافعي، فقد ذكر هو والرافعي وغيرهما في الصلاة ما هو أبلغ منه فقالوا: إنه إذا صلى بالتقليد، ثم قال له: من هو أعلم من الذي قلده أخاطبك الذي قلدته.
فهو كتغير اجتهاده حتى يجب عليه الأخذ بالثاني وهو مع ما قاله هنا في غاية التنافي.
ثم إنه هل يخص ما قاله هنا بهذه المسألة أو يطرده في سائر المسائل؟
قوله: من "زوائده" قال الصيمري: وتقبل فتاوى أهل الأهواء والخوارج ومن لا يكفر ببدعته ولا بفسقه، وذكر الخطيب هذا، ثم قال: وأما الشراة بضم الشين المعجمة، والرافضة الذين يسبون السلف -رضي الله تعالى
الجزء: 9 - الصفحة: 220
عنهم- ففتاويهم مردودة وأقاويلهم ساقطة.
انتهى.
وهذا الذي نقله عن الخطيب في الشراة والرافضة قد جزم به في أوائل "شرح المهذب"، لكن نقل الرافعي، في كتاب الشهادات أن الأكثرين على قبول شهادة الذين يسبون الصحابة، وزاد في "الروضة" على هذا فقال: إنه الصواب.
والجمع بين المقالتين مشكل، فما الفرق بين قبول شهادته وقبول فتواه إذا كان مجتهدًا مع اشتراط العدالة في الموضعين؟
واعلم أن هذه المسألة مع المسائل الستة الآتية بعدها جميعها من الزوائد.
والشراة: جمع شاري وهو البائع قال تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ 6 أي باعوه ولقبوا أنفسهم بذلك، لأنهم يقولون إنهم باعوا أنفسهم لله تعالى في القيام بنصرة دينه.
قوله: وهل يشترط في المفتي أن يعرف من الحساب ما يصحح به المسائل الحسابية الفقهية؟ وجهان: حكاهما الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني وصاحبه أبو منصور البغدادي.
انتهى.
والأصح: هو الاشتراط كذا صححه النووي في أوائل "شرح المهذب" وابن الصلاح في "أدب المفتي"، وقال الروياني: المذهب أنه لا يشترط.
قوله: وإن كان له أي للمفتي رزق لا يجوز أخذ الأجرة، وإن لم يكن له رزق لم يجز أخذ أجرة من أعيان المستفتين كالحاكم، واحتال الشيخ أبو حاتم القزويني في "حيله" فقال: يقول للمستفتي: يلزمني أن أفتيك قولًا ولا يلزمني أن أكتب لك.
فإن استأجره عن الكتابة جاز.
وهذا الذي ذكره، وإن كان مكروهًا فينبغي: أن لا يأخذ من الأجرة إلا قدر أجرة كتابة ذلك القدر لو لم تكن فتوى، لئلا يكون آخذًا زيادة بسبب
الجزء: 9 - الصفحة: 221
الإفتاء.
انتهى كلامه.
وما ذكره من جواز استئجار المفتي للكتابة قد ذكره الرافعي بعد هذا في الباب الثاني قُبيل الأدب السادس العقود للمشاورة وأشعر كلامه بحكاية خلاف فيه، فإنه حكى وجهين في القاضي وصحح الجواز، ثم قال: وكذا استئجار المفتي ليكتب الفتوى.
وقوله: واحتال الشيخ، هو بالحاء المهملة وباللام في آخره.
قوله: قال الصيمري والخطيب وغيرهما: لو اجتمع أهل البلد على أن جعلوا للمفتي رزقًا من أموالهم ليتفرغ لفتاويهم جاز.
انتهى.
وما ذكره من "زوائده" قد ذكره الرافعي في الباب الذي يلي هذا الباب في الأدب الثالث المعقود لترتيب الكتاب المزكيين والمترجمين في الكلام على رزق القاضي، ونقله عن الصيمري كما نقله النووي، وحذفه النووي من هناك لكونه وقع بطريقة التبعية فلزم خلو كلام الرافعي عنه.
قوله: فإذا كان أحد القولين منصوصًا للشافعي والآخر مُخَرّجًا، فالمنصوص هو الراجح المعمول به غالبًا، كما إذا رجح الشافعي أحد القولين بل هو أولى.
انتهى.
واعلم أن كلام النووي هذا ظاهر في ترجيح أحد القولين على الآخر بكونه منصوصًا والآخر مخرّجًا، وهذا إنما حكاه في "شرح المهذب" احتمالًا لنفسه بعد أن نقل أنه لا مدخل لذلك في الترجيح.
واعلم أن الشافعي إذا نص في مسألة على قولين ثم أجاب في موضع آخر بأحد القولين فهل يكون ذلك اختيارًا منه لذلك القول؟ قال: أبو علي الطبري وغيره: نعم، وقال قائلون: لا، إذ ليس من شرط القولين أن يذكرا في جميع المواضع، كذا ذكره الرافعي قبل كتاب الديات بنحو خمسة أوراق وحذفه من "الروضة".
الجزء: 9 - الصفحة: 222
قوله: واعلم أن نقل العراقيين لنصوص الشافعي وقواعد مذهبه، ووجوه المتقدمين أيقن وأثبت من نقل الخراسانيين.
انتهى.
وقد سبق الكلام على طوائف أصحابنا، ومما ينبغي استحضاره في ذلك أن "الرافعي" قبل كتاب المسابقة بنحو ورقة وهو آخر الأطعمة قد عبر في مسألة بقوله: وهو الذي أورده "العراقيون" و"الطبريون" من أصحابنا هذه عبارته وتبعه عليه في "الروضة".
قوله: واعلم أنه متى كان في المسألة قولان قديم وجديد فالعمل على الجديد، إلا في نحو عشرين أو ثلاثين مسألة أوضحتها في "شرح المهذب".
انتهى.
واعلم أن كلامه هذا موقوف على مقدمة في بيان القديم والجديد وما يتعلق به، وها أنا ذاكرها ملخصة ثم أعود إلى ما أشار إليه من عد الصور وإلى ذكر ما يتعلق بها.
فنقول: القديم: هو ما صنفه الشافعي بالعراق ويسمى كتاب "الحجة"، ورواته كما قال الروياني أربعة: أحمد بن حنبل، والزعفراني، وأبو ثور والكرابيسي.
وأما الجديد: فهو ما صنفه في مصر أو أفتى به، ورواته سبعة: المزني، والبويطي، والربيع المرادي، والربيع الجيزي، وحرملة، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وعبد الله بن الزبير المكي.
وبعض هؤلاء أشد صحبة له من بعض، وذكر الإمام في كتاب الخلع أن "الأم" من الكتب القديمة.
قال ابن الرفعة: ولم أظفر بذلك في غيره.
قلت: وقد ظفرت بما قاله الإمام للخوارزمي في مقدمة كتابه "الكافي"
الجزء: 9 - الصفحة: 223
فإنه قال: وأما "الأم" و"الإملاء" فصنفهما الشافعي بمكة بعد أن فارق بغداد في المرة الأولى وقبل رجوعه إليها في المرة الثانية، ثم رجع بعد تصنيفهما إلى بغداد فأقام شهرًا ثم خرج إلى مصر فصنف بها كتبه الجديدة.
هذا لفظه وهو صريح في ما قلناه إلا أن المعروف خلافه، قال في "الاستقصاء": روى المزني أنها بمصر.
ومنها: "الأمالي"، صنفها -رحمه الله- بمصر، كذا رأيته في أول تعليق الشيخ أبي حامد.
ومنها: "الإملاء" صرح جماعات منهم الرافعي في مواضع كثيرة من شرحه بأنه من الجديد وفيه ما قدمناه من كلام الخوارزمي، وهو غير "الأمالي" كما قاله في "تهذيب الأسماء واللغات"، وقد ذكرت في مقدمة الكتاب بقية كتبه وأمعنت الكلام عليها فراجعه.
ومما ذكرته هناك أن "الأم" رواية "البويطي" وترتيب الربيع المرادي إلا أنه زاد فيها أشياء مميزة فتفطن له.
إذا تقرر هذا فما قاله في كتابه القديم أو أفتى به هناك ونحوه تارة ينص في الجديد على خلافه، وتارة لا يتعرض له.
فإن لم يتعرض له في الجديد بنفي ولا إثبات بل ذكر المسألة في القديم ونص على حكمها وسكت عنها في الجديد كما نقل في مسائل:
منها: استحباب الغسل للحجامة، وللخروج من الحمام فإن الفتوى تكون عليه ويكون مذهب الشافعي، كذا ذكره في أول "شرح المهذب"، وفيه نظر: فإن ظاهر كلام الشافعي الرجوع عن كل ما قاله في القديم إلا أن ينص على وفقه في "الجديد"، فإنه غسل تلك الكتب ثم قال: ليس في حِلٍ من روى عني القديم، كذا ذكره الشيخ تاج الدين الكندي المعروف
الجزء: 9 - الصفحة: 224
بالفركاح في كراسة صنفها في الرد على من زعم أنه يفتي على القديم في مسائل.
وإن تعرض له في الجديد فإما أن يكون على وفق القديم أو على خلافه.
فإن كان على وفقه فالحكم المعمول به لا يختلف، لكنه منسوب إلى الجديد فقط أم إليهما؟ ظاهر كلام الأصحاب قاطبة أن ذلك منسوب إليهما حتى يقال: لم يزل رأي الشافعي على ذلك قديمًا وجديدًا، وفيه بحث مستنده ما تقدم.
وإن نص على خلافه فتارة يشير إلى الرجوع عن السابق وتارة لا يشير.
فإن أشار للرجوع عنه فلا يعمل بالقديم، وليس من مذهب الشافعي في شيء بل نسبته له كنسبة أقوال الغير، كما قال في مسألة صوم المتمتع أيام التشريق.
وقد قال قوم: بصوم المتمتع أيام التشريق، وقد كنت أراه، وكذا ما ذكره في القديم من أن مسح الخف لا يتأقت، فإن الشيخ أبا حامد حكى في "التعليق" عن الزعفراني: أن الشافعي رجع عنه قبل خروجه إلى مصر فلم تصر المسألة على قولين.
وإن نص على خلافه في الجديد ولم يصرح بالرجوع عن القديم ففيه خلاف للأصحاب حكاه الإمام في باب العاقلة، والفوراني في كتابه المسمى "بالعمد" في باب اختلاف نية الإمام والمأموم، وكذا الرافعي في "الشرح الكبير"، والراجح عند الإمام: أنه رجوع.
قال في باب العاقلة: وقد ذكرت مرارًا أنه لا يحل عد القول القديم من مذهب الشافعي مع رجوعه عنه، وقد حكى القاضي والصيدلاني في ذلك
الجزء: 9 - الصفحة: 225
خلافًا للأصحاب.
وبالجملة فمن قال شيئًا ثم قال بخلافه فلا وجه لمقلده إلا [العمل] 7 بالمتأخر.
انتهى.
وذكر أيضًا عند الكلام على سبق الحدث: أن الشافعي إذا نص في القديم على شيء وجزم بخلافه في الجديد فمذهبه الجديد وليس القديم معدودًا من المذهب.
لكن أئمة المذهب يعتادون توجيه الأقوال القديمة، واختار النووي في "شرح المهذب" ما رآه الإمام ونسب خلافه إلى الغلط، والذي اختاره هو الظاهر، وإن كان الأول ظاهر كلام الشيخ أبي حامد والبندنيجي وابن الصباغ وغيرهم حيث ذكروا القول المتقدم قريبًا من عدم تأقيت المسح، وادعوا أن المسألة ليست على قولين لأن الشافعي رجع عنه قبل خروجه إلى مصر فدل على أن القولين إذا لم يصرح بالرجوع عنه يكون له الآن في تلك المسألة قولان.
وإنما رجحنا الأول لأمور:
منها: أن المقلد مع المجتهد كالمجتهد مع الرسول، فكما أن الحادث من أدلة الشرع ناسخ للمتقدم منها إجماعًا يجب على المجتهد أن يأخذ به كذلك المقلد مع المجتهد.
فإن المجتهد مأمور في حق نفسه بما أدى إليه اجتهاده آخرًا وهو المنسوب إليه، فمن قلده كذلك، وأيضًا فإن نصه في الجديد على خلاف نصه في القديم لا جائز أن يكون إلا كدليل، وذلك الدليل لا جائز أن يكون مساويًا لدليل القديم وإلا لم يثبت القول، بل كان يتوقف كما توقف في كثير من المسائل فقال: ولا يتبين إلى أن أوجب كذا أو أقول كذا، ولا مرجوحًا أيضًا فتعين رجحانه في نظيره على دليل القديم.
الجزء: 9 - الصفحة: 226
ومذهب المجتهد إنما هو الراجح في نظره دون المرجوح.
وأما المسائل التي عدوها وجعلوها مما يفتى فيه على القديم سببه أن جماعة من المنتسبين لمذهب الشافعي بلغوا رتبة الاجتهاد في مذهبه وربما جاوزها بعضهم إلى التحري في أقوال العلماء فلاح لهم في بعض المسائل أن القديم أظهر دليلًا من الجديد فأفتوا به بناء على ظهور الدليل غير ناسبين ذلك إلى الشافعي.
وكذلك القول المُخَرّج حكمه حكم القول القديم، فمن بلغ رتبة التخريج ولاح له الدليل أفتى بالقديم والمخرج، ومن لم يبلغ هذه الأهلية فلا وجه لعمله ولا لفتواه بشيء منهما، كذا ذكره جماعة منهم النووي في أوائل "شرح المهذب" على أن المسائل التي عددها لا يسلم أن الإفتاء فيها على القديم لأمرين:
أحدهما: أن الأكثرين خالفوا في معظمها فأفتوا فيها بالقول المشهور بالجديد.
والثاني: أن أكثرها فيها قول جديد موافق للقديم فتكون الفتوى على الجديد لا على القديم.
إذا علمت ذلك فقد آن لنا أن نسرد تلك المسائل التي أشار إليها وذكرنا هذا الفصل بسببها.
فنقول: الذي ذكره -رحمه الله- في "شرح المهذب" ثمانيه عشرة مسألة أخذها من ابن الصلاح إلا مسألة واحدة، منها ثلاثة اقتصر عليها الإمام.
إحداها: عدم [وجوب] 8 التباعد في الماء الكثير بقدر قلتين.
الثانية: استحباب التثويب في الأذان للصبح.
الجزء: 9 - الصفحة: 227
الثالثة: لم يصرح بها الإمام في "النهاية" لكن لما وصل إلى قراءة السورة في الركعتين الأخيرتين ذكر أن العمل فيها على القديم وهو عدم القراءة، وقال الإمام في مختصره لكتاب "النهاية": إن الثالثة تأتي في باب زكاة التجارة، وقال بعضهم: هي أربع عشرة مسألة، هذه الثلاثة.
والرابعة: عدم تنجس الماء الجاري إذا لم يتغير.
الخامسة: عدم النقض بلمس المحارم.
السادسة: استحباب تعجيل العشاء، فإنه القديم.
والسابعة: امتداد وقت المغرب إلى مغيب الشفق.
الثامنة: جواز اقتداء المنفرد في أثناء الصلاة.
التاسعة: كراهة تقليم أظفار الميت.
العاشرة: عدم اعتبار النصاب في الركاز.
الحادية عشرة: جواز اشتراط التحلل من الإحرام بعذر المرض.
الثانية عشرة: تحريم أكل جلد المدبوغ.
الثالثة عشرة: وجوب الحد بوطء المحرم بملك اليمين.
وقال بعضهم: إنها ثماني عشرة منها الثلاث عشرة السابقة.
والرابعة عشرة: الجهر بالتأمين للمأموم في الصلاة الجهرية.
الخامسة عشرة: استحباب الخط بين يدي المصلي عند عدم الشاخص.
السادسة عشرة: صيام الولي عن الميت الذي عليه صوم.
والسابعة عشرة: إجبار الشريك على العمارة.
الثامنة عشرة: جعل الصداق في يد الزوج مضمونًا، ضمان يد، انتهى ما قاله في "شرح المهذب".
الجزء: 9 - الصفحة: 228
وكان قد ادعى قبل ذلك أن بعضهم عدها أربع عشرة من غير ذكر هذه الخمس التي عدها، فلما شرع في العد لم يذكر إلا ثلاث عشرة وأهمل الرابعة عشرة وهي: جواز الاستنجاء بالحجر في ما جاوز المخرج، ولم يبلغ ظاهر الإلية، نبّه عليها ابن الصلاح في "أدب المفتي" له.
والصورة التي ذكرنا أولًا أن النووي زادها هي: الجهر بالتأمين للمأموم في الصلاة الجهرية، وقد نجز ما أردناه من الكلام على هذه المسألة ملخصًا مختصرًا، فإن كان فيه طول بالنسبة إلى قاعدتنا في هذا الكتاب فهو قليل بالنسبة إلى ما تحمله المسألة، غير أنه مشتمل على فوائد لا توجد في غيره صالحة لأن تكون تصنيفًا مستقلًا.
قوله: ويستحب أن يكتب في أول فتواه: "الحمد لله" أو "الله الموفق" أو "حسبنا الله" أو "حسبي الله" ونحو ذلك.
انتهى.
قال النحاس كما نقله عنه في أوائل "شرح المهذب": حسبي الله أولى من حسبنا الله لما في الثانية من التعظيم.
قال: ويؤيد ما قاله أن الله سبحانه وتعالى لما أمر نبيه بالتفويض وعلمه ما يقول أمره بها فقال: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ 9.
وإن كان قد ورد المدح أيضًا على قول الثانية حيث قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ﴾ إلى أن قال: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)﴾ 10 لكن الأولى أولى لأنها شرعت لتعليم ما يقال والثانية وردت على حسب ما وقع، وأيضًا ففي "البخاري" 11 عن ابن عباس قال: كان آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل.
الجزء: 9 - الصفحة: 229
لكن ورد عن ابن عباس أيضًا بالنون فروى عنه "البخاري" 12 أيضًا أنه قال: حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم حين ألقي في النار، ومحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين قيل له: إن الناس قد جمعوا لكم.
وهذه المسألة أحد المسائل السبع التي هي من "زوائد النووي" كما ذكرنا في المسألة الأولى فتفطن لذلك.
قوله: الثانية: إذا نهاه عن الاستخلاف لم يجز الاستخلاف فإن كان ما فوضه إليه لا يمكنه القيام به، فقال القاضي أبو الطيب: هذا النهي كالعدم والأقرب أحد أمرين، إما بطلان التولية، وبه قال ابن القطان، وإما اقتصاره على الممكن وترك الاستخلاف.
انتهى.
والثاني: هو الصحيح، فقد جزم به الماوردي وغيره، وقال ابن الرفعة في "الكفاية": إنه المشهور، وقال في "الروضة" من "زوائده": إنه الأرجح.
وإطلاقهم يقتضي أنه لا فرق في تعاطي الممكن بين أن يكون إمكانه مقارنًا للتولية أو طارئًا عليها.
قوله: وجميع ما ذكرناه في الاستخلاف العام، أما الخاص كتحليف وسماع بينة فقضية إطلاق الأكثرين جعله على الخلاف، وعن القفال: القطع بجوازه، لأن القاضي لا يستغني عنه فيجري مجرى التوكيل.
انتهى.
وما ذكره هنا من إلحاق التفويض الخاص بالعام قد ذكر ما يخالفه في الكلام على العزل، لأنه حكى الخلاف في انعزال الخلفاء بموت القاضي وانعزاله، وجزم بانعزال الخليفة في شيء خاص، ولو ولاه شيئًا خاصًا كتزويج اليتامى والنظر في أمرهم فليس له أن يستنيب، ذكره شريح الروياني في "أدب القضاء" له.
الجزء: 9 - الصفحة: 230
قوله: فإن اتفق نصب قاضيين ولم يشترط اجتماعهما ولا استقلالهما فقال صاحب "التقريب": يحمل على إثبات الاستقلال تنزيلًا للمطلق على ما يجوز، وقال غيره: التولية باطلة حتى يصرح بالاستقلال.
انتهى.
قال في "الروضة": قول صاحب "التقريب" [أصح] 13 وبه قطع الرافعي في "المحرر" والله أعلم.
وما ذكره من قطع "المحرر" غلط، بل حكى وجهين وعبر بقوله: أصح الوجهين، ويحتاج إلى الفرق بين هذه المسألة وبين مسألة في الوصية يأتي الكلام عليها في أول الفصل المعقود للعزل.
قوله: وإذا تنازع الخصمان في اختيار القاضيين، فقد أطلق الغزالي أنه يقرع، وقال الماوردي: يجاب الطالب دون المطلوب.
انتهى.
جزم الروياني في "البحر" بما قاله الماوردي.
قوله: وبم يلزم حكم المحكم؟ فيه قولان، ويقال: وجهان:
أحدهما: بتراضيهما بعد الحكم، لأن رضاهما معتبر في الحكم فكذلك في لزومه، وهذا أشبه بما قيل في قسمة من تراضى الشريكان بقسمته على ما سيأتي.
وأصحهما: على ما ذكر القاضي الروياني: أنه يلزم بنفسه.
انتهى.
والصحيح ما قاله الروياني، فقد قال الرافعي في "المحرر": إنه الأظهر، وكذلك النووي في أصل "الروضة".
قوله: وإذا ولى من لم يعرف حاله لم تنعقد التولية وإن عرف من بعد أنه بصفات القضاء.
انتهى.
وما ذكره من عدم الصحة قد اشتهر على الألسنة قديمًا إشكاله، وذلك
الجزء: 9 - الصفحة: 231
لأنه قد تبين اجتماع الشروط حالة الولاية وليس هو مما تعتبر فيه النية حتى يقال: إنه أقدم عليه مترددًا، فلا يصح كما لو اقتدى بخنثى ثم تبين أنه رجل، بل هذا نظير البيع والإجارة والنكاح وغيرها من العقود المستجمعة للشروط في نفس الأمر لا في ظن العاقد، وقد أجابوا في جميعها بالصحة كما صرحوا به في الكلام على ما إذا باع مال أبيه على ظن حياته فبان ميتًا، بل مسألتنا أولى بالصحة لظنه هناك عدم وجود الشروط، لأن الغرض أنه ظنه لغيره، وفي مسألتنا لم يظن شيئًا وقد صحح النووي في "الروضة": أنه إذا عقد بشهادة خنثيين ثم بان أنهما رجلان أن العقد يصح.
قال: وليس كالاقتداء بخنثى وتبين أنه رجل لتردده في النية، ولم يصحح الرافعي في تلك شيئًا.
فأقل مراتب هذه المسألة أن تكون على ذلك الخلاف، والصحيح فيه الصحة.
والجواب: أن تولية الحاكم حكم بأهلية المولى، وليس للحاكم أن يحكم إلا بعد قيام المستند حتى لو حكم ثم قامت بينة بعد ذلك على وفق الحكم لم يكن ذلك الحكم نافذًا، وما ذكرناه من كون تصرف الحاكم حكمًا فيه نزاع قدمناه مبسوطًا في أوائل النكاح في الكلام على الموانع فراجعه.
قوله: وفيه -أي: في "الأحكام السلطانية"- أن صريح التولية: وليتك، واستخلفتك، وأَن: فوضت إليك؛ كناية، ولا يكاد يتضح فرق بين وليتك وفوضت إليك.
انتهى ملخصًا.
وبينهما فرق ظاهر تعرض له أيضًا في "الروضة"، وهو: أن "وليتك" متعين لجعله قاضيًا، وأما فوضت: فيحتمل ذلك، وتوكيله في نصب قاض.
الجزء: 9 - الصفحة: 232
الفصل الثاني: في العزل والانعزال
قوله: وإن كتب: إذا قرأت كتابي هذا فأنت معزول، لم ينعزل قبل القراءة، ثم إن قرأه بنفسه انعزل، وكذا إن قرئ عليه في أصح الوجهين، لأن الغرض إعلامه بصورة الحال، ولو كان القاضي أميًا وجوزناه فقريء عليه فالانعزال أولى.
انتهى.
وما ذكره من تصحيح العزل عند القراءة عليه قد سبق في نظيره من الطلاق [ما يخالفه، وسبق ذكر لفظه هناك، ذكر ذلك في الباب الثاني في أركان الطلاق] 14 في الكلام على كتب الطلاق، وفيه أمور أخرى فراجعها، والصواب: التسوية بين البابين وعدم الاكتفاء بها.
قوله: وفي انعزال المستخلف في القضاء بانعزال الأصل ثلاثة أوجه: ثالثها وهو الأظهر: أنه ينعزل إن لم يكن القاضي مأذونًا له في الاستخلاف، فإن كان فينظر.
إن قال: استخلف عني فاستخلف عنه لم ينعزل خليفته، لأنه من جهة الإمام وكان الأول سفيرًا في التولية.
وإن قال: استخلف عن نفسك، أو أطلق، فينعزل لظهور غرض المعاونة، وبطلان المعاونة ببطلان ولايته.
انتهى.
وهذا الذي ذكره في ما إذا أطلق من كونه نائبًا عن الثاني حتى ينعزل بعزله قد خالفه في نظيره من الوكالة، فإنه ذكر القسمين الأولين ثم ذكر الإطلاق، وقال فيه: الصحيح أنه يكون نائبًا عن الأول حتى لا ينعزل بعزل الثاني، ووافقه في "الروضة" على الموضعين، ولعل العكس أقرب.
الجزء: 9 - الصفحة: 233
نعم قد يتقوى ما قاله هنا بما ذكره في الإيصاء وفي سؤال العتق.
فأما الإيصاء فقال فيه: ولو أطلق وقال: أوص إلى من شئت، أو إلى فلان، ولم يقل: أوص عني، فهل يحمل على ذلك حتى يصح على الصحيح؟ ، أو يحمل على الوصي حتى لا يصح قطعًا؟ فيه وجهان حكاهما البغوي وقال: أصحهما الثاني، وما صححه البغوي من حمله على الإبطال، ولم ينزل المطلق على ما يجوز يشكل على ما إذا نصب قاضيين وأطلق، وقد تقدم الوعد به فراجعه.
وأما العتق فإذا قال: اعتق عبدك على ألف، فإن قال: اعتقه عني، صح قطعًا، وإن قال: عن نفسك، صح على الصحيح قياسًا على الخلع، وإن أطلق فهل هو كقوله: عن نفسي، لقرينة العوض أم كقوله: عنك؟ فيه وجهان: أشبههما في الرافعي: الثاني، كذا ذكره في الكلام على كفارة الظهار، وعَبَّر في "الروضة": بالأصح، وفيه الإشكال السابق أيضًا.
واعلم أن الغزالي وغيره حكوا الوجه الثالث في أصل المسألة على غير ما حكاه الرافعي، فقالوا: إن استخلف بالإذن لم ينعزل وإلا انعزل.
وحكى الماوردي وتبعه عليه في "الكفاية" وجهًا آخرًا: أنه إن كان الميت قاضي القضاة لم ينعزل نوابه بموته ولا بانعزاله، وإن كان قاضي ناحية انعزلوا لقلة الضرر.
قوله: ولو كان الإمام قد نصب بنفسه نائبًا عن القاضي في الحكم، فعن أبي الفرج السرخسي: أنه لا ينعزل بموت القاضي وانعزاله؛ لأنه مأذون من جهة الإمام، ويجوز أن يقال: إذا كان الإذن مقيدًا بالنيابة ولم يبق الأصل لم يبق النائب.
انتهى.
وما ذكره الرافعي بحثًا، واقتضى كلامه عدم الوقوف عليه وتابعه عليه في "الروضة" أيضًا، قد حكاه الماوردي فإنه قد حكى وجهين في أنه هل
الجزء: 9 - الصفحة: 234
للقاضي عزل هذا الشخص الذي استنابه الإمام؟ وصرح في استنابته بأنه نائب عن القاضي في تلك الجهة، وإذا كان له عزله فينعزل بموته بلا شك.
قوله: ولا تقبل شهادة الحاكم بعد العزل على حكمه، فلو شهد مع غيره أن حاكمًا جائر الحكم حكم بكذا، ولم يضفه إلى نفسه فوجهان: أقربهما: القبول، ووجه المنع: أنه قد يريد نفسه، ثم يجوز أن يقال: الوجهان في ما إذا لم يعلم القاضي أنه يشهد على فعل نفسه، فإن علم فهو كما لو أضاف، ويجوز أن يقال: هما إذا علم، فإن لم يعلم قبل قطعًا لجواز إرادة غيره.
وعلى هذا الاحتمال لو شهد المعزول أن حاكمًا حكم بكذا وشهد معه آخر أن المعزول حكم به وجب أن لا يقبل، لأنه على هذا التقدير لا يعني إلا بتصحيح الصيغة.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الاحتمال الثاني لا يتصور [هنا] 15، لأنه علل وجه المنع بأنه قد يريد نفسه، ولو كان محلهما ما إذا علم لم يصح هذا التعليل، لأنه تعليل [محل] 16 النزاع.
الأمر الثاني: أن كلام الأصحاب يدل على الاحتمال الثاني فإن الإمام علل وجه المنع بقوله: فإن الظاهر أنه يعني نفسه، وذكر الماوردي نحوه فقال: ففي قبول شهادته وجهان: أحدهما: لا تقبل حتى يعزيه إلى غيره لجواز أن يكون هو الحاكم به.
وكذلك البغوي فإنه علل القبول بأن الظاهر أنه يريد حكم غيره.
وقد وافقه النووي على نقل الاحتمالين فقط، ولم ينقل عن الأصحاب
الجزء: 9 - الصفحة: 235
في ذلك شيئًا لكنه صحح الأول.
واعلم أن البغوي قد ذكر في "فتاويه" ما يوافق الاحتمال الثاني وهو أن المرعي في شهادة المعزول صحة الصيغة لا غير، فإنه يحكم في ما إذا باع رجل دارًا وغصبها غاصب من المشتري فادعى هذا المشتري على الغاصب وقال: إن البائع إذا شهد مطلقًا أنها ملك هذا المشتري يقبل، وإن علم القاضي أنه باعها لا يرد شهادته، كمن رأى شيئًا في يد إنسان مدة يتصرف فيه تصرف الملاك له أن يشهد له بالملك مطلقًا، ولو علم القاضي أنه شهد بظاهر اليد لا ترد شهادته، وإن كان لو صرح لا تقبل.
قوله: ليس على القاضي تتبع أحكام من قبله من القضاة اكتفاء بأن الظاهر فيها السداد، وفي جواز تتبعها وجهان في "المهذب"، اختيار الشيخ أبي حامد فيهما الجواز.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وقد أعاد المسألة في الباب الذي بعد هذا في أثناء الأدب العاشر، فذكر ما حاصله: الجزم بأنه ليس له ذلك فإنه قال: إلا أنه لا يتبع قضاء غيره، وإنما ينقضه إذا رفع إليه، وله أن يتبع قضاء نفسه لينقضه.
فتعبيره بقوله: لا يتتبع ظاهره: أنه نفى الجواز ولهذا لما أخرج منه حكم نفسه عبر بالجواز فقط، فقال: وله كذا وكذا، وكلام الماوردي في "الحاوي" [يقتضي أن المعروف هو المنع، فإنه حكى الجواز عن الشيخ أبي حامد فقط، ثم قال: ] 17 وجمهور البصريين على المنع.
قوله: ولو ادعى أن المعزول حكم عليه بشهادة عبدين ومن في معناهما، فإن قال: أخذ مني المال احضره لأنه غاصب، وإن لم يدع الأخذ فالأصحاب متفقون على أن الدعوى مسموعة في الجملة، وعلى أن بينة
الجزء: 9 - الصفحة: 236
المدعي محكوم بها، وأما صاحب "الكتاب" فإنه نصب الخلاف في سماع أصل الدعوى، وقال: إنه مبني على الخلاف في أن الحكم بشهادة العبدين ومن في معناهما هل تقتضي غرمًا؟ وهذا الخلاف غير معروف.
انتهى كلامه.
وهذا الذى قاله الرافعي هنا من إنكار الخلاف ذكره أيضًا في "الشرح الصغير"، وتبعه النووي في "الروضة"، وإنكاره غريب، فقد صرح به القاضي والإمام في "النهاية" نقلًا عن العراقيين فقال: إذا ادعى على الأول أنه ترك الصواب في حكمه وقضى بشهادة عبدين أو معلنين بالفسق فهل يقبل القاضي الجديد هذه الدعوى؟ ذكر العراقيون فيه وجهين:
أحدهما: لا يقبلها ولا يستحضر المعزول لذلك، وهذا ليس بشيء.
والوجه: القطع باستحضاره، هذه عبارته.
وحكى الخلاف أيضًا الهروي في "الإشراف"، وحكاه أيضًا ابن الرفعة في "الكفاية" و"المطلب".
وأما الخلاف الذي ذكره الغزالي في الغُرم فأشار به إلى أن الذي يجب بخطأ الإمام هل يجب في بيت المال أم عليه ثم تحمله العاقلة؟
قوله في المسألة: فإذا حضر وأنكر صدق، وكيف يصدق؟ فيه وجهان:
أحدهما: بيمين، وهو اختيار العراقيين والروياني كسائر الأمناء.
والثاني: بغير يمين، وبه قال الإصطخري وصاحب "التلخيص"، لأنه كان أمين الشرع فيصان منصبه عن الحلف، وهذا أحسن وأصح عند الشيخ أبي عاصم وصاحب "التهذيب"، وبه قال صاحب "التقريب" والماوردي.
انتهى.
وتعبيره بقوله: أحسن، يقتضي رجحان الثاني، ولهذا اقتصر على نقل رجحانه في "الشرح الصغير" و"المحرر" فقال: فيه وجهان:
الجزء: 9 - الصفحة: 237
أحسنهما: بلا يمين [هذا] لفظه.
ولم يذكر فيها ترجيح غيره عن أحد وقد حذف النووي من "الروضة" اللفظ الدال على الترجيح وهو لفظ: الأحسن.
إذا علمت ذلك كله فقد اختلف فيه تصحيح النووي فصحح في "المنهاج" من "زوائده": أنه لابد من اليمين، وخالف في "الروضة" في كتاب الدعوى والبينات، فقال في الباب الثالث المعقود لليمين في المسألة الثانية من الطرف الثالث ما نصه: ولو ادعى على المعزول أنه حكم عليه أيام قضائه ظلمًا وأنكر، فقد سبق وجهان في أنه يحلف أم يصدق بلا يمين وهو الأصح.
انتهى.
ولم يصرح الرافعي هناك بتصحيح.
الجزء: 9 - الصفحة: 238
الباب الثاني: في جامع آداب القضاء
وفيه فصول:
الفصل الأول: في آداب متفرقة وهي عشرة
قوله: ويستحب أن يدخل يوم الإثنين.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أنه إذا فاته الإثنين دخل الخميس وإلا فالسبت، وقد ذكر صاحب "التتمة" ما ذكرناه، ونبه عليه في "الروضة" من "زوائده".
نعم لم يرتب في "التنبيه" بين الخميس والسبت، فإنه عبر بقوله: فإن فاته دخل السبت أو الخميس.
الأمر الثاني: وقد ذكره أيضًا في "التنبيه" أنه يستحب أن يكون دخوله صبيحة النهار، ولم يذكره في "الروضة".
نعم ذكره في تعليق له مع نظائر المسألة وبسط القول فيها فقال: يستحب لمن كان له وظيفة من قراءة قرآن أو حديث أو تسبيح أو اعتكاف أو نحوها من العبادات أو صنعة من الصنائع أو عمل من الأعمال مطلقًا يتمكن من فعله في أول النهار أن يفعله في أوله، وكذلك من أراد سفرًا أو أنشأ أمرًا كعقد النكاح وغيره أو غير ذلك من الأمور، ودليل هذه القاعدة ما ثبت في الحديث الصحيح عن صخر بن وداعة -بفتح الواو- الغامدي -بالغين المعجمة.
وبالدال- أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "اللهم بارك لأمتي في بكورها".
قال: وكان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا بعث سرية أو جيشًا بعثهم أول النهار
الجزء: 9 - الصفحة: 239
[وكان صخر رجلًا تاجرًا، وكان إذا بعث تجارته بعثها أول النهار] 18 فأثرى وكثر ماله 19، رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم بأسانيد مختلفة.
وقال الترمذي فيه: إنه حديث حسن.
قوله: ومنها: أن يقول: حبست ظلمًا: فإن كان الخصم معه فعلى الخصم الحجة والقول قول المحبوس مع يمينه، وإن ذكر خصمًا غائبًا فطريقان:
أحدهما: القطع بأنه يطلق لأن الحبس عذاب، وانتظار الغائب يطول.
وأظهرهما: أنه على الوجهين.
انتهى.
واعلم أن الرافعي لم يتقدم له في هذا الكلام ذكر وجهين حتى يحكي في هذه المسألة طريقتين الثانية منها إجراء الوجهين، ولما أشكل ذلك على الناظرين في هذه المسألة، ولم يجدوا ما يعود عليه الوجهان حذف بعضهم أداة التعريف من الوجهين، والموجود في "الروضة" إثباتها كما في البعض الآخر، وقد انكشف الغطاء عن هذا بحمد الله تعالى، وظهر أنه قد سقط من هذا الكلام مسألة علمت من "الشرح الصغير" فإنه قال فيه -أعني: في "الشرح الصغير": وإن قال: حبست ظلمًا، فعلى الخصم الحجة والمحبوس مصدق بيمينه، وإن لم يكن الخصم هناك وذكر خصمًا آخرًا
الجزء: 9 - الصفحة: 240
حاضرًا في البلد فأحد الوجهين: أنه يطلق، لأن الأصل أن لا شيء عليه.
وأظهرهما: أنه يحضر أولًا، فإن الظاهر أنه حبس بالحق، فإن ذكر خصمًا غائبًا، ففي طريق يطلق لأن الحبس عذاب وانتظار الغائب يطول وأظهرهما: أن فيه وجهين.
هذا لفظه بحروفه.
فأسقط الناقلون من مسودة "الكبير" من لفظ الغائب إلى الغائب، ولم يتفطن في "الروضة" لذلك فتابعه عليه كما ذكرناه، وهذا الساقط ذكره أيضًا في "الوجيز"، وقد وقع للرافعي أمثال ذلك في ما سبق.
قوله: وقول "الوجيز" فيطلق كل من حبس بظلم.
كان المراد منه إذا اعترف الخصم بأنه ظلمه أو كان القاضي عالمًا، وقلنا: إنه يقضي بعلمه، فأما إذا قال المحبوس: أنا مظلوم، فهو مذكور من بعد.
انتهى كلامه.
وتخريجه الإطلاق من الحبس عند علم القاضي بالظلم على القضاء بالعلم باطل، فإنه قد ذكر بعد هذا أن القاضي لا يقضي بخلاف علمه بالإجماع، فلو رده إلى الحبس حتى يؤدي الحق المدعى به لكان قاضيًا بخلاف ما يعلمه، وسيأتي في الكلام على القضاء بالعلم أمثلة كثيرة مما نحن فيه نفى عنها الخلاف، ولم يتعرض في "الروضة" لهذا الكلام الذي ذكره الرافعي وكأنه اعتقد صحته فتركه لاندراجه في الخلاف الآتي في القضاء بالعلم.
قوله: وذكر فيه وفي "الوسيط" أيضًا إطلاق من حبس في تعزير وسكتت معظم الكتب عنه، ولعل وجه ما ذكره أن التعزير يتعلق بنظر الحاكم الذي بانت عنده الجناية، ولا يدري أن الحاكم المصروف هل كان يديم حبسه لو لم يصرف؟ ، لكن لو ثبتت جنايته عند الثاني ورأى إدامة حبسه فالقياس: الجواز.
انتهى.
تابعه عليه في "الروضة" أيضًا، وذكر نحوه في "الشرح الصغير"
الجزء: 9 - الصفحة: 241
وهو يقتضي عدم وقوفه على نقل في المسألة، وأن الغزالى منفرد بالتصريح بها وليس كذلك، فقد صرح بها الماوردي في "الحاوي" وكذلك الروياني في "البحر" وجزما بعكس البحث الذي ذكره الرافعي فقال بإطلاقه، وعللاه بأن التعزير قد استوفى بعزل الأول وإن لم يستكمل مدة حبسه مع بقاء نظر الأول، لأن القاضي الثاني لا يعزر لذنب كان مع غيره، ورأيته أيضًا مجزومًا به في "المحيط شرح الوسيط" للإمام محمد بن يحيى، ثم نص الماوردي والروياني على أن القاضي لا يطلقه بل يوكل به حتى يتأدى عليه ثلاثًا ويحلفه أيضًا أنه ما حبس بحق خصم، كما قاله ابن أبي الدم، وقال ابن عصرون: عندي أنه لا يحتاج إلى النداء الثاني.
قوله: وإذا أطلق من ادعى الظلم لغيبة خصمه فحضر فعليه إثبات الحق الذي يدعيه ببينة تقوم على نفس الحق، أو على أن القاضي المصروفي حكم عليه بذلك.
وفي "أمالي أبي الفرج": أنه يكفي لاستدامة الحبس قيام البينة على أن القاضي المصروف حبسه بحق هذا المدعي وإن لم يبين جنس الدَّين وقَدْرِه.
انتهى كلامه.
وهذه المسألة بما فيها من الخلاف قد أسقطها النووي من "الروضة"، وسبب إسقاطه لها وقوعها في الكلام على ألفاظ "الوجيز".
قوله: حتى لا يخدع من غرة أو بمال.
الغرة: بكسر الغين وتشديد الراء تطلق على الغفلة، والغار: الغافل ويطلق أيضًا على عدم تجريب الأمور، تقول: رجل غرة غرير وجارية غرة وغريرة وغر أيضًا.
قوله في "الروضة": لا يجوز عقد الإجارة على القضاء، وفي "فتاوى" القاضي الحسين وجه: أنه يجوز.
انتهى.
الجزء: 9 - الصفحة: 242
هذا الكلام مقتضاه أن القاضي نقل في "فتاويه" عن غيره وجهًا أنه يجوز وليس كذلك، فقد قال الرافعي: وفي "فتاوى" القاضي الحسين إلحاقه بالأذان حتى تجوز الإجارة عليه على رأي.
هذا لفظه، وهو كذلك في "الفتاوي" المذكورة.
قوله: ولو رَزَقَ الإمامُ القاضي من مال نفسه أو رَزَقهُ أهل ولايته أو واحد منهم، فالذي خرجه صاحب "التلخيص": أنه لا يجوز له قبوله، لكن ذكرنا في باب الأذان: أنه كما يجوز أن يكون رزق المؤذن من بيت المال يجوز أن يكون من مال الإمام أو واحد من الرعية، وذكر الصيمري في المفتى: أنه يجوز أن يرزقه أهل البلد، ويمكن أن يفرق بأن ذلك مما لا يورث تهمة وميلًا في حق المؤذن لأن عمله لا يختلف، فالقاضي أجدر بالاحتياط من المفتي.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن مقتضى هذا الكلام إقرار صاحب "التلخيص" على ما قاله من المنع، لأنه شرع يقيسه على ما يقتضي الجواز، ثم إنه فرق بينهما فبطل القياس بالتفرقة وبقي النقل سالمًا عن المعارض، ولكن قد أعاد الرافعي المسألة في الكلام على الرشوة وهو بعد هذا بقليل، ورجح الجواز، فإنه ذكر: أنه يجوز للقاضي إذا لم يكن له رزق من بيت المال أن يقول للخصمين: لا أقضي بينكما حتى تجعلا لي رزقًا.
ثم ذكر مسألتنا هذه، وهي ما إذا رزقه أهل ولايته ونحوهم، وقال فيها ما نصه: ويشبه أن يجوز ذلك إذا جاز الأخذ من الخصمين.
هذا لفظه.
وأسقطه من "الروضة" هناك، وأبقى الكلام المذكور هنا على حاله.
الأمر الثاني: أن ما قاله الصيمري قد تقدم الكلام عليه في أثناء "الزيادات"
الجزء: 9 - الصفحة: 243
التي ذكرها النووي.
قوله: ويرزق المترجم من بيت المال في أقرب الوجهين، فإن قلنا: لا، فمؤنة من يترجم للمدعي عليه على المدعي عليه، والمسمع كالمترجم ففي مؤنته هذان الوجهان، وهذه هي مسألة "الكتاب".
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" أيضًا، ولنقدم على الكلام في هذه المسألة ما هو مذكور في أصول كلام الرافعي ممن تعرض للمسألة، فنقول: قال الإمام: فرع: حق على القاضي أن يرتب المزكي والمترجم والمسمع إن كان بأذنه وقر، وفي مؤنة هؤلاء وجهان:
أحدهما: أنها على طالب الحق، فإن قيامهم يتعلق بحقه، فعلى هذا يجب على كل واحد مقدار أجرة المثل في ما يتعلق بحقه وخصومته، هذا كلامه.
وذكر الغزالي في "البسيط" مثله أيضًا [وكذا في "الوسيط"] 20، إلا أنه مَثّل بالمسمع خاصة فقال: إذا طلب المسمع أجرة هل هي على صاحب الحق أو بيت المال؟ على وجهين.
انتهى.
قال الإمام: ويجب اعتقاد التسوية بين المترجم والمسمع، فإن المسمع ينقل اللفظ، والمترجم ينقل معناه، وقال في "الوجيز": فإن طلب المسمع أجرة فهل تجب في مال صاحب الحق؟ فيه وجهان.
إذا علمت ذلك ففي كلام الرافعي أمور:
أحدها: أن هذا التعبير الذي نقلناه عنه في من تجب عليه الأجرة إذا لم نوجبها في بيت المال، وفي معناه إذا تعذر الأخذ منه -أعني بزيادة الجار والمجرور مع لفظ المدعي المذكور أولًا- هو الموجود في الأصول المعتمدة من
الجزء: 9 - الصفحة: 244
نسخ الرافعي، وتبعه عليه في "الروضة" أيضًا فاعلمه فإنه كثيرًا ما يتحرف، ومدلوله أن الذي يشرح كلام المدعي للمدعى عليه تكون مؤنته على المدعى عليه، وقد تقرر مما قدمناه من النقول أن الحكم في المسألة ليس كذلك.
الأمر الثاني: أن هذا الذي يحاوله مع كونه مخالفًا للمنقول ناقص، فإنه ليس فيه استيفاء للمسألة، فإنه لم يتعرض للعكس وهو الذي يشرح كلام المدعي عليه للمدعي، وبسبب ذلك حصل في نسخ الرافعي اضطراب وقد اتضح الحال [وظهر أنه حصل فيها سقط علم من "الشرح الصغير" فإنه عبر بقوله: ] 21 وعلى هذا الرأي -أي عدم الوجوب على بيت المال- فمؤنة ما يترجم للمدعي على المدعى ومؤنة ما يترجم للمدعى عليه على المدعى عليه.
هذه عبارته.
والحاصل منها إيجابها على المنقول له الكلام لا على المنقول عنه، ولهذا عبر بعلى ولم يعبر بعن.
الأمر الثالث: أنه قد ظهر لك بما قلناه عن كتب الغزالي أن المسمع والمترجم [ونحوهما] 22 تجب أجرتهم على طالب الحق في وجه، وفي بيت المال على وجه آخر، والوجه الأول لم يذكره الرافعي بل ذكر عوضه ما وقع فيه التحريف والتصحيف كما سبق إيضاحه.
وحينئذ فيكون هذا الوجه قد أسقطه الرافعي مع كونه هو الصحيح في الحقيقة ومع ثبوته أيضًا في الكتاب الذي هو يشرح فيه وهو "الوجيز"، فلله الحمد على تيسير أمثال هذه الأمور وإلهام الصواب إليها.
وقد وقع [أيضًا هنا] 23 في "كفاية" ابن الرفعة، من الغلط ما وقع
الجزء: 9 - الصفحة: 245
في "الرافعي" و"الروضة"، بل هو أشد مما وقع فيهما وقد أوضحته في "الهداية" والله هو الهادي والمعين.
قوله: فرع: قال القاضي ابن كج: ذكر جماعة من فقهاء أصحاب الشافعي وأبي حنيفة -رضي الله عنهما- أنه إذا لم يكن للقاضي شيء من بيت المال فله أن يأخذ عشر ما يتولاه من أموال [اليتامى] 24 والوقوف للضرورة، ثم بالغ في الإنكار عليه، وقال: إنه لا ضرورة في هذا إن لم يتبرع بالقضاء من غير رزق فليمتنع منه، ومن ذهب إليه فكأنه ذكر العشر تمثيلًا وتقريبًا ولابد من النظر إلى كفايته وإلى قدر المال والعمل.
انتهى كلامه.
وهذا الفرع أسقطه من "الروضة".
قوله: وعن الصيدلاني حكاية وجهين في كراهة اتخاذ الحاجب والبواب، والمفهوم من كلام أكثرهم أنه إن جلس للقضاء ولا زحمة فيكره اتخاذ الحاجب في أظهر الوجهين، ولا كراهة فيه في أوقات خلوته في أظهرهما.
انتهى.
أهمل هو والنووي الجواب عن حكم داخل في التقسيم وهو إذا ما جلس للقضاء وكانت هناك زحمة وقد ذكره الإمام فقال: إن رأى المصلحة في اتخاذه [اتخذه] 25، وإن رآها في الترك ترك.
واعلم أن الإمام نقل عن الصيدلاني وعن غيره في أول المسألة خلافًا [ثم اختار] 26 شيئًا، ويتلخص من مجموع ما حكاه وما اختاره أربعة أوجه:
أحدها: أنه لا يتخذ الحاجب مطلقًا.
والثاني: يتخذه مطلقًا.
الجزء: 9 - الصفحة: 246
والثالث: إن جلس للقضاء لم يتخذه، وإن لم يجلس له فله أن يتخذه.
والرابع: اختاره الإمام فقال: إن جلس للقضاء وكثرت الزحمة اتبع المصلحة، وإن خلا بنفسه فلا بأس باتخاذه [وذكر في الحاوي وجهًا خامسًا: وهو أنه يكره اتخاذه] 27 في زمن استقامة الخلق، فأما زمن الهرج واستطالة السفهاء فيستحب اتخاذه، وذكر -أعني: الماوردي- أيضًا أنه إنما يكره الحاجب إذا كان وصول الخصم إليه موقوفًا على إذنه، فأما من وظيفته ترتيب الخصوم والأعلم بمنازل الناس فلا بأس باتخاذه.
ولم يتكلم الرافعي -رحمه الله- لأوصاف الحاجب، وقد ذكره الشيخ في "التنبيه" فقال: فإن احتاج اتخذ حاجبًا عاقلًا أمينًا بعيدًا من الطمع، ويأمره أن لا يقدم خصمًا [على خصم] 28 ولا يخص في الإذن قومًا دون قوم، ولا يقدم أخيرًا على أول.
وذكر ابن خيران في "اللطيف": أنه يستحب أن يكون كهلًا ستيرًا -أي كثير الستر-[على الناس] 29، وقال الماوردي: يشترط فيه العدالة والفقه والأمانة، ويستحب أن يكون حسن المنظر جميل المخبر عارفًا بمقادير الناس بعيدًا عن الهوى والعصبية معتدل الأخلاق.
قوله: المسألة الثانية: إذا ادعى حقًا على إنسان عند القاضي فأقر به المدعى عليه أو نكل وحلف المدعي اليمين المردودة، ثم سأل المدعي، القاضي أن يشهد على أنه أقر عنده أو على أنه نكل وحلف المدعي فعلى القاضي إجابته، لأنه قد ينكر من بعد فلا يتمكن القاضي من الحكم عليه إن قلنا: لا يقضي بعلمه، وإن قلنا: يقضي بعلمه، فربما ينسى أو يعزل فلا يقبل ما يقوله.
انتهى كلامه.
الجزء: 9 - الصفحة: 247
وما ذكره من حكاية القولين [في القضاء] 30 بالعلم على من أقر في مجلس القاضي قد ناقضه بعد هذا في الكلام على القضاء بالعلم فجزم بأنهما لا يجريان، وأن محل جريانهما في الإقرار أن يكون وقع عند القاضي سرًا، والمذكور هنا هو الصواب لما ستعرفه في موضعه إن شاء الله تعالى، وذكر في "الشرح الصغير" و"الروضة" كما ذكره هاهنا.
قوله: وإن طلب صاحب الحق أن يحكم له بما ثبت لزمه أن يحكم فيقول: حكمت له به، أو أنفذت الحكم به، أو ألزمت صاحبه الحق.
انتهى.
وهذا الكلام يوهم أن الحكم عبارة عن هذا القول، والذي ذكره الشيخ عز الدين ابن عبد السلام أنه عبارة عن الإلزام النفساني، وهذا دليل عليه حتى إذا حكم في نفسه في واقعة مختلف فيها فنقضها حاكم آخر قبل إخبار الأول لم يتأثر بالنقض.
قوله: فإن كثرت المحاضر والسجلات جعلها في إضبارة.
انتهى.
الإضبارة: بهمزة مكسورة وضاد معجمة ساكنة بعدها باء موحدة وبالراء المهملة هي: الربطة من الورق ويعبر عنها بالرزمة وبالحزمة أيضًا.
تقول: ضبرت الكتب أضبرها -بالكسر- ضبرًا -بالسكون- إذا ضممت بعضها إلى بعض، وجعلتها ربطة واحدة.
ويسمى أيضًا كل شيء مجتمع ضِبارة بكسر الضاد، وجمعه: ضبائر ومنه حديث "مسلم": "فيخرجون من النار ضبائر، ضبائر" 31. أي: جماعة جماعة.
قوله في "الروضة": نقل الهروي أن القاضي إذا لم يكن له رزق من
الجزء: 9 - الصفحة: 248
بيت المال وهو محتاج ولم يتعين عليه القضاء فله أن يأخذ من الخصم أجرة مثل عمله، وإن تعين قال أصحابنا: لا يجوز الأخذ، وجوزه صاحب "التقريب".
انتهى كلامه.
وما نقله هنا عن الأصحاب من أنه يمتنع على المحتاج الذي لا رزق له أن يأخذ من الخصم، نقله الرافعي قبل هذا بنحو ورقتين ولم يصرح به هاهنا، فنقله النووي إلى هذا الموضع وامتناعه مشكل لجواز أخذه من بيت المال، والحالة هذه فإنه يجوز كما ذكره الرافعي قبل ذلك، فأي فرق بينهما مع اشتراكهما في الحاجة والتعيين؟ ولما ذكره الرافعي قبل هذا قال: إنه فرع غريب ومشكل.
فنقله إلى هنا بدون هذا الكلام، وما أشرنا إليه هو وجه إشكاله.
قوله في "الروضة": وأما الهدية فالأولى أن يسد بابها ثم إن كان للمهدي خصومة في الحال حرم قبول هديته في محل ولايته وهديته في غير ولايته كهدية من عادته أن يهدي له قبل الولاية لقرابة أو صداقة ولا يحرم قبولها على الصحيح، فإن زاد المهدي على القدر المعهود صارت هديته كهدية من لم يعهد منه الهدية.
انتهى كلامه.
وما ذكره -رحمه الله- في هذا الفصل غلط مخالف لكلام الرافعي من وجوه، فإن الرافعي قد قال: ثم ينظر، فإن كان للمهدي خصومة في الحال حرم قبول هديته، وإن لم يكن له خصومة فإن لم تعهد منه الهدية قبل تولي القضاء حرم قبول هديته في محل ولايته على المشهور خلافًا للغزالي وهديته في غير محل ولايته كهدية من عهد منه الهدية قبل تولي القضاء لقرابة أو صداقة ولا يحرم قبولها؛ وقيل يحرم فإن زاد المهدي على القدر المعهود صارت هديته كهدية من لم تعهد منه الهدية.
انتهى موضع الحاجة من كلامه.
الجزء: 9 - الصفحة: 249
ولنعد إلى بيان المخالفات فنقول:
أحدها: أن كلامه قد اشتمل على تصحيح جواز القبول ممن له خصومة إذا حصل الإهداء في غير محل الولاية، وكلام الرافعي يقتضي الجزم بالتحريم، والوجهان المذكوران إنما حكاهما في من لا مخاصمة له.
ثانيها: أن كلامه ساكت عن من لا مخاصمة له إذا أهدي في غير محل ولايته، فلا يعلم منه هل يجوز جزمًا أم يتخرج على الوجهين اللذين ذكرهما في من له مخاصمة؟ والرافعي قد ذكر المسألة وحكي فيها وجهين كما سبق ذكره.
ثالثها: أن تصحيح الجواز لمن عهد منه الهدية، قد فرضه في من لم تكن له خصومة فإن كانت فيحرم القبول جزمًا، وانعكس عليه في "الروضة" فجعله في من له خصومة.
رابعها: أنه أسقط من كلام الرافعي التفريع على من ليست له عادة بالهدية، وقد علم حكمه مما نقلناه عنه -أي: عن الرافعي- وخاصة المنع في محل ولايته دون غيرها.
قوله أيضًا في "الروضة": وحيث قلنا بتحريم قبول الهدية فَقَبِلَهَا لم يملكها على الأصح، فعلى هذا لو أخذها قيل: يضعها في بيت المال، والصحيح: أنه يردها على مالكها، وإن لم يعرفه جعلها في بيت المال.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن الخلاف المذكور في أنه هل يضعها في بيت المال أو يردها على المالك؟ لم يجزم الرافعي بأنه وجهان كما جزم به المصنف، بل قال: وذكر العراقيون تفريعًا على أنه لا يجوز القبول وجهين أو قولين في ما يصنع بها لو قَبِل.
الجزء: 9 - الصفحة: 250
أحدهما: أنه يضعها في بيت المال.
والثاني: يردها على مالكها، وهذا فيه اضطراب.
والقياس ما حكاه أبو الفرج الزاز وهو أنه إذا لم يملك فيردها على مالكها، فإن لم يعرفه فيضعها في بيت المال.
هذا لفظه.
الأمر الثاني: أن النووي قد فرع هذا الخلاف على عدم الملك، والرافعي لم يخصه بذلك بل فرعه على عدم جواز القبول فيدخل فيه القائل بالملك وبعدمه وقد أوقفتك على عبارته.
الأمر الثالث: أن من جملة الصور التي تذكر الرافعي فيها أنه لا يملك وأنه يردها على مالكها ما إذا كانت له عادة فزاد في مقدارها، والقياس اختصاص ذلك بما زاد، وتخريج الباقي على تفريق الصفقة، وحينئذ فتصير الهدية مشتركة على الصحيح، فإن زاد في المعنى كما إذا كانت عادته إهداء ثياب القطن أو الكتان فأهدي ثياب الحرير ونحو ذلك، فقد قالوا يمتنع أيضًا.
لكن هل تبطل في الجميع أم تصح منها بمقدار قيمة العادة؟ فيه نظر والأَوْجَه الأول.
قوله: ومن يثبت أنه شهد بالزور عزره القاضي بما يراه.
ثم قال: وإنما تثبت شهادة الزور بإقرار الشاهد أو بيقين القاضي بأن شهد أن فلانًا زنى يوم كذا بالكوفة والقاضي قد رآه في ذلك اليوم ببغداد، هكذا أطلقه الشافعي - رضي الله عنه - والأصحاب ولم يخرجوه على أن القاضي هل يحكم بعلمه؟ انتهى كلامه.
ولنقدم على المقصود أمرين:
أحدهما: أن القاضي قد ذكر بعد هذا أن القاضي لا يقضي بخلاف علمه بالإجماع، وأنه لا يقضي بعلمه في حدود الله تعالى على الصحيح.
الجزء: 9 - الصفحة: 251
الثاني: أن الشاهد بالزنا يُحَد إذا اعترف بالتعمد، وكذا إن قال: أخطأت، على الأصح كما هو مقرر في باب الرجوع عن الشهادة.
إذا علمت ذلك فهذا الذي اتفق عليه الشافعي والأصحاب في مسألة الشاهد بالزنا من اعتماد القاضي على ما يراه لا جائز أن يريدوا به أن القاضي يقيم الحد على الشاهد، فإن القاضي لا يحكم بعلمه في حدود الله تعالى على الصحيح فضلًا عن الاتفاق عليه، فتعين أنهم أرادوا بذلك أن القاضي لا يقيم الحد على المشهود عليه، وحينئذ فلا يصح البحث الذي حاوله الرافعي، وهو يخرجه على القضاء بالعلم لما سبق عن الرافعي من أن القاضي لا يقضي بخلاف علمه بالإجماع، وسنوضحه أيضًا فصح ما قاله الشافعي والأصحاب وبطل البحث المذكور.
قوله: وإذا وقعت له خصومة أو لأصله أو فرعه جاز لنائبه أن يحكم فيها في أظهر الوجهين.
ثم قال: وبنوا هذا على أن نائب الحاكم هل ينعزل بموته وانعزاله؟ إن قلنا: لا، فقد ألحقناه بالحكام المستقلين.
انتهى كلامه.
والصحيح انعزال نائبه بموته كما تقدم، فلو صح البناء لكان الصحيح أنه لا يحكم كما ينعزل، أو أنه لا ينعزل كما يحكم.
قوله في الأدب العاشر: إحداهما: قول الصحابي إذا لم ينتشر، فالقديم: أنه حجة لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي" 32. والجديد: أنه ليس بحجة.
الجزء: 9 - الصفحة: 252
ثم قال: وعلى الجديد لا فرق بين أن يخالف القياس أم لا، وحكمه حكم سائر المجتهدين.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما قاله الشافعي في الجديد من كونه ليس بحجة محله إذا كان للقياس فيه مدخل سواء خالف كلامه القياس أم لا كما تقدم.
فأما إذا لم يكن للقياس فيه مجال بالكلية، فإنه يكون قوله فيه حجة، كذا نص عليه الشافعي في "اختلاف الحديث" فقال: روي عن عليّ - رضي الله عنه -: أنه صلى في ليلة ست ركعات في كل ركعة ست سجدات.
وقال: لو ثبت ذلك عن عليّ لقلت به، فإنه لا مجال للقياس فيه فالظاهر أنه فعله توقيفًا.
هذا كلامه.
وذكر في "المحصول" أيضًا: أنه حجة، قاله في الكلام على كيفية ألفاظ الصحابي.
الأمر الثاني: أن ما ذكره في التفريع على كونه ليس بحجة أن حكمه حكم سائر المجتهدين مردود فإن الكلام في أمرين.
أحدهما: في أنه هل هو حجة أم لا؟ وقد مضى الكلام فيه.
والثاني: أَنّا إذا قلنا بالجديد وهو أنه ليس بحجة، فهل يجوز = والطحاوي في "شرح المعاني" (468) وأبو نعيم في "الحلية" (5/ 220) وتمام في "الفوائد" (225) من حديث العرباض بن سارية - رضي الله عنه -.
قال الترمذي: هذا حديث صحيح.
وقال الحاكم: صحيح ليس له علة، ووافقه الذهبي.
وقال البزار: هو أصح سندًا من حديث حذيفة.
قال ابن عبد البر: هو كما قال.
وقال الألباني: صحيح.
الجزء: 9 - الصفحة: 253
للمجتهدين تقليده، وترك الاجتهاد لأنهم أطلعوا من أحوال الرسول وأسباب نزول الوحي على ما لم يطلع عليه غيرهم؟ فيه ثلاثة أقوال للشافعي أيضًا، ثالثها: إن انتشر جاز، وإلا فلا.
كذا ذكره جماعة منهم الغزالي في "المستصفى" والآمدي في "الأحكام"، وأفردوا كل حكم بمسألة، وذكر في "المحصول" نحوه أيضًا إلا أن هؤلاء المذكورين جعلوا عدم جواز التقليد هو القول الجديد، وليس كذلك فقد نص "الشافعي" في مواضع من "الأم" على الجواز، ولولا خشية الإطالة لذكرت تلك المواضع، وقد أوضحت المسألة في "شرح المنهاج" الأصولي أحسن إيضاح فراجعه.
قوله: نعم لو تعارض [قياسان] 33 أحدهما يوافق قول الصحابي، قال صاحب "الكتاب" في "الأصول": قد تميل نفس المجتهد إلى الموافق ويرجح عنده.
انتهى.
وهذا الذي نقله عن الغزالي احتمالًا فقط، قد جزم به جماعة منهم الشيخ أبو إسحاق في "اللمع".
قوله: وإن قال البعض وسكت الباقون، فاختيار صاحب "الكتاب" في "الأصول": أنه ليس بحجة، والمشهور عند الأصحاب: خلافه، ولكن هل يكون إجماعًا؟ فيه وجهان:
قال الروياني: فإن ظهرت أمارات الرضى ثم سكت فإجماع بلا خلاف، قالوا: والأصح هنا اشتراط انقراض العصر في كونه حجة أو إجماعًا.
انتهى.
واقتصاره في عدم الحجة على نسبته إلى الغزالي في الأصول فقط غريب
الجزء: 9 - الصفحة: 254
فإن هذا الذي ذهب إليه الشافعي، فقد قال الإمام فخر الدين والسيف الآمدي في "المحصول" و"الإحكام" وغيرهما من كتبهما: إنه مذهب الشافعي.
وقال الغزالي في "المنخول": نص عليه الشافعي في الجديد.
نعم استدل الشافعي على إثبات القياس وخبر الواحد بأن بعض الصحابة عمل به ولم يظهر من الباقيين إنكار فكان ذلك إجماعًا، وظاهره المعارضة للنقل السابق وأجاب ابن التلمساني، في "شرح المعالم" بأن السكوت الذي تمسك به الشافعي في القياس وخبر الواحد هو السكوت المتكرر في وقائع كثيرة وهي تبقي جميع الاحتمالات.
قوله: فإن وجد ذلك -أي القول المنتشر- ولم ينقل عن الباقيين موافقة ولا سكوت، فيجوز أن يستدل به على السكوت ويجوز خلافه.
انتهى.
واعلم أن الرافعي قد ذكر هذه الصورة في أوائل الفرائض وقال: إنه يترك للقول المنتشر، والحالة هذه القياس الجلي ويعتضد به الخفي.
فهذا الذي ذكره إنما يستقيم على تقدير الاحتجاج به إلحاقًا له بما إذا اطلعوا عليه وسكتوا، وقد رجحه أيضًا في "الروضة" من "زوائده" فقال: المختار أن عدم النقل كنقل السكوت لأنه الأحمل والظاهر.
قوله: ومن الجلي ما ورد النص فيه على العلة كحديث "إنما نهيتكم من أجل الدافة" 34. انتهى.
الدافة: بالدال المهملة والفاء وهي: الطائفة القادمة، وقد تقدم إيضاحه في الأضحية.
قوله: ومنه قياس الشبه، وهو أن تشبه الحادثة أصلين، إما في الأوصاف بأن تشارك كل واحد من الأصلين في بعض المعاني والأوصاف
الجزء: 9 - الصفحة: 255
الموجودة، وإما في الأحكام كالعبد يشارك الحر في بعض الأحكام والمال في بعضها فيلحق بما المشاركة فيه أكثر، وربما يسمى قياس الشبه خفيًا، والذي قبله غير الجلي واضحًا، وربما خص الجلي ببعض الأول، وهو ما إذا كان الفرع فيه أولى بحكم الأصل.
انتهى.
زاد في "الروضة" على هذا فقال: واختلف أصحابنا في صحة قياس الشبه وأنه هل هو حجة؟ هذا لفظه.
وما ذكره في "الروضة" من الخلاف في القياس المذكور لا يتصور القول به عند أحد فضلاء أصحابنا، بل يجزم بالاحتجاج به كما ذكره الرافعي والمأخوذ به هو الأقوى والأقرب من الوصفين عند اجتماع الشروط فيهما لأنه لو انفرد أحدهما لكان يعمل به بلا خلاف، فإذا اجتمعا قدمنا الراجح منها كسائر الأدلة، فإن أشبه أحد الأصلين في الوصف والآخر في الحكم، ففي المقدم منهما ثلاثة مذاهب للأصوليين:
أحدها: يقدم المشابه في الحكم على المشابهة في الصورة، وهو مذهب الشافعي.
والثاني: عكسه.
قاله ابن عُلية.
والثالث: لا يلتزم تقديم واحد منهما بعينه، بل ما يغلب على الظن أنه العلة، ويختلف ذلك باختلاف المسائل فقد تقوى المشابهة الصورية على الحكمية في صورة وفي أخرى بالعكس، هذا هو اختيار الإمام فخر الدين، ومثله بالعبد فإنه يشبه الحر في الصورة والبهيمة في الحكم من حيث أنه مملوك، فإذا قتله قاتل هل تجب قيمته بالغة ما [بلغت] وإن زادت على الدية أو لا يزداد على الدية لمشابهة الحر في الصورة؟
والحاصل أن ما ذكره الرافعى لا خلاف فيه ولا يتأتى فيه الخلاف إلا ممن أنكر القياس.
الجزء: 9 - الصفحة: 256
وقد صرح به مع وضوحه من أصحابنا جماعات كثيرة منهم القاضي الحسين والبندنيجي والماوردي وابن الصباغ والروياني حتى اختلفوا هل ينقض قضاء من خالفه أم لا؟ فقال الجمهور: لا ينقض.
وقال الماوردي وغيره: ينقض في المتردد بين الحكمين دون الموضعين.
نعم للأصوليين نوع آخر يسمى "قياس الشَّبه" اختلفوا في [الاحتجاج] به واختلفوا في تفسيره أيضًا، فقال القاضي أبو بكر: هو الوصف المناسب بطريق التتبع لا بداية كالطهارة فإنها مناسبة لاشتراط النية لا لكونها طهارة، فإن التنظيف يحصل بدون النية بل لكونها شرعت عبادة، والعبادة مناسبة للنية.
وقال غيره: هو الوصف الذي ليس بمناسب ولكن اعتبر الشرع جنسه القريب.
وهذا النوع الذي ذكرناه هو أشهر بإطلاق اسم الشبه من المذكور في الرافعي، فإن المشهور تسمية ذلك بقياس علية الأشباه، فلما وقف النووي على خلاف في قياس الشبه ظن -رحمه الله- أن المختلف فيه هو الأول لاشتراكهما في الاسم، وقد بسطت المسألة في "شرح منهاج الأصول" وحققتها فلتراجع منها.
قوله: ومتى حكم القاضي بالاجتهاد، ثم بان له أنه خالف كتابًا أو سنة أو قياسًا جليًا فيلزمه نقض حكمه، وهل يلزمه تعريف الخصمين صورة الحال ليترافعا إليه لينقض الحكم؟ فيه وجهان: قال ابن سريج: لا يلزمه إن علم أنه بَانَ له الخطأ، فإن ترافعا إليه نقض.
وقال سائر أصحابنا: يلزمه وإن علما، لأنهما قد يتوهمان أنه لا ينقض، هذا في حق الآدميين، أما حقوق الله تعالى فيلزمه البدَار إلى تداركه.
الجزء: 9 - الصفحة: 257
واعلم أن الغزالي قد ذكر في "الوسيط" ما حاصله أنه ينقضه، وإن لم يرفع إليه، فإنه قال: فرع: لو ظهر له الخطأ في واقعة فليتبع وإن لم ترفع إليه هذه عبارته.
وذكر أيضًا الماوردي وغيره نحوه والذي ذكروه أوجه مما تُوهمه عبارة الرافعي وتأويلها به متعين.
قوله: ومنها قضاء الحنفي ببطلان خيار المجلس والعرايا بالتقييد الذي يجوزه في ذلك الجنس، قيل: إنه منقوض لظهور الأخبار وبعدها عن التأويلات التي يدعونها، وكذلك في القتل بالمنقل لأنها على خلاف القياس الجلي في عصمة النفوس، وهذا ما أورده الإمام وصاحب الكتاب وبمثله أجاب محققون في الحكم بصحة النكاح بلا ولي، وفي بيع أم الولد، وثبوت حرمة الرضاع بعد الحولين، وصحة النكاح بشهادة الفاسقين من غير إعلان، ونكاح الشغار، ونكاح المتعة، وفي الحكم بقتل المسلم بالذِّمي، وبأنه لا قصاص بين الرجل والمرأة في الأطراف، وبجريان التوارث بين المسلم والكافر، ورد الزوائد مع الأصل في الرد بالعيب على ما ذهب إليه ابن أبي ليلى، ومن الأصحاب من منع النقض، وقال: هي مسائل اجتهادية، والأولوية فيها متقاربة، قال القاضي الروياني: وهو الصحيح، وكذلك ذكره القاضي ابن كج في الحكم ببطلان خيار المجلس.
انتهى كلامه.
ومقتضاه رجحان النقض في المسائل كلها.
أما الثلاث المذكورة أولًا وهي خيار المجلس والعرايا والقتل بالمنقل فلأنه نقل من الإمام الغزالي موافقتهما للقائل به، ولم تنقل الموافقة للقائل بعدم النقض إلا عن تصحيح الروياني فقط، وأما بقية المسائل فلأنه نقل النقض فيها عن محققين ولم ينقل مقابله إلا عن الروياني أيضًا، إذا علمت ذلك ففيه أمران:
الجزء: 9 - الصفحة: 258
أحدهما: أن الرافعي قد صحح في كتاب النكاح أنه لا ينقض حكمه في النكاح بلا ولي على عكس ما يقتضيه كلامه هنا، ذكر ذلك في الكلام على الركن الرابع، وقد تقدم هناك ذكر عبارته.
الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" قد اختصر هنا كلام الرافعي بعبارة مخالفة لما ذكره هنا وموافقة للمذكور هناك، فإنه جمع هذه المسائل كلها من أولها إلى آخرها وحكى فيها وجهين، ثم قال بعد حكاية الوجهين:
قال الروياني: الأصح: لا ينقض لأنها اجتهادية والأدلة فيها متقاربة، هذا لفظه من غير زيادة عليه.
والعجب في اقتصاره على ما قال مع حذفه للقائل بالعكس، وهم الإمام والغزالي والمحققون، وهو اختصار عجيب حصل بسببه الإخلال في مسائل فتفطن لها واضبط جميعها.
قوله: وإذا كان المحكوم به حكمًا باطلًا نكاحًا، لم يحل للمحكوم له الوطيء، وعليها الامتناع والهرب ما أمكنها، فإن أكرهت فلا إثم عليها.
انتهى كلامه.
وما ذكره من عدم الإثم عند الإكراه تابعه عليه في "الروضة"، وهو مخالف لما ذكره في أوائل الجنايات من أن الزنا لا يباح بالإكراه، فإن المرأة إذا علمت كذب الذي يدعي نكاحها يكون تمكينها منه زنا قطعًا، ومقتضى كلامه في الجنايات: أنه لا فرق بين الرجل والمرأة، وقد نص هو على المرأة بخصوصها في كتاب الجهاد، وصرح بأنه لا يباح لها ذلك، والذي ينبغي حمل كلامه هنا عليه ما إذا ربطت ووطئت.
قوله: وما كان مختلفًا فيه كحكم الحنفي بشفعة الجوار وبالتوريث بالرحم فينفذ ظاهرًا، وهل ينفذ في الباطن حتى يحل ذلك للشافعى؟ فيه وجهان:
الجزء: 9 - الصفحة: 259
أحدهما: المنع، وبه قال الأستاذ أبو إسحاق وأورده الغزالي لتعارض الأدلة.
والأصح عند جماعة منهم صاحب "التهذيب" والعبادي: أنه ينفذ باطنًا في حق من يعتقد ومن لا يعتقد.
انتهى ملخصًا.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، وهذا الثاني هو الصحيح، كذا صححه الرافعي في موضعين من هذا الكتاب ومن "الشرح الصغير"، أحدهما: في كتاب الدعاوي في الكلام على اليمين قُبَيْل قوله: قال: وأما الحالف، فقال: وميل الأكثرين إلى الحِلّ.
هذا لفظه.
وذكر عقبه أنهم اتفقوا على أنه ليس للشافعي أن يحلف على عدم استحقاقها إذا حَلّفه الحنفي.
ثم قال: وهذا هو ذاك أو مثله.
والموضع الثاني: في كتاب دعوى الدم، قبيل الكلام في القسامة بأسطر فقال: فأما الحل الباطن إذا حكم الحاكم في موضع الخلاف لشخص على خلاف ما يعتقده كحكم الحنفي للشافعي بشفعة الجوار، ففي ثبوته خلاف وكلام الأئمة هاهنا يميل إلى ثبوته.
هذه عبارته.
وإطلاقهم يقتضي أنه لا فرق في النفوذ باطنًا بين ما ينقض وما لا ينقض وفيه، نظر لكنه مستقيم فإنه لا منافاة.
قوله: فرع: قال في "التهذيب": هل تقبل شهادة الشاهد على ما لا يعتقده كالشافعي يشهد بشفعة الجوار؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، كما لا يقضي القاضي بخلاف ما لا يعتقده.
والثاني: نعم، لأنه مجتهد فيه والاجتهاد إلى الشاهد.
انتهى.
فيه أمران:
الجزء: 9 - الصفحة: 260
أحدهما: أن تعليله للوجه الثاني غلط، لأن الاجتهاد يشترط في القاضي لا في الشاهد، وقد ذكره البغوي على الصواب فقال: لأنه مجتهد فيه والاجتهاد إلى القاضي لا إلى الشاهد، ذكر ذلك قُبَيْل باب التحفظ في الشهادة، فسقط من (إلى) إلى (إلى)، وحذف النووي هذا التعليل من "الروضة" فَسَلِمَ.
الأمر الثاني: أن الرافعي لم يبين صورة المسألة وتابعه النووي على ذلك وزاد فصحح القبول، فلنوضح ذلك فنقول: لا شك أن الشاهد والحالة هذه له ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يشهد بنفس الجوار وما في معناه كالبيع عند إنكاره.
والثاني: باستحقاق الأخذ بالشفعة.
والثالث: بشفعة الجوار.
فأما الأول: فكلام الرافعي بعيد منه، وفي جواز الشهادة به وبكل ما يترتب عليه خلاف ما يعتقده الشاهد وجهان حكاهما الرافعي من غير ترجيح في الباب الثالث من أبواب الشهادات قُبيل القيد الخامس من القيود المعتبرة في وجوب الأداء، وذكر بعده بنحو ورقة ما يشعر بالجواز.
وأما الثاني والثالث: فكلام الرافعي محتمل لكل منهما ولم يتكلم فيهما إلا على القبول، وأما الجواز للشاهد: فينبغي منعه لاعتقاده خلافه، وقد ذكر الرافعي في آخر الباب الأول من أبواب الرهن: أنه إذا [رهن] عينًا بعشرة ثم استعرض عشرة لتكون رهنًا بهما وأشهد شاهدين أنه مرهون بعشرين وعرف الشاهدان حقيقة الحال وهو رهن المرهون بدين آخر عند المرتهن، نظر إن شهدا على إقرار الراهن فالوجه تجويزه مطلقًا، وإن شهدا أنه مرهون فإن كانا لا يعتقدان جواز الإلحاق لم يجز بل عليهما بيان الحال، وفيه وجه بعيد.
الجزء: 9 - الصفحة: 261
وإن كانا يعتقدان جوازه ففيه وجهان، قال في الروضة: الأصح أنه لا يجوز لأن الاجتهاد إلى الحاكم لا إليهما.
هذا كلامه، ولم يصور الرافعي المسألة بما إذا كان القاضي حنفيًا وهو كذلك بلا شك.
قوله: ولو دعي المحبوس زوجته أو أمته لم يمنع إن كان في الحبس موضع خال، فإن امتنعت أجبرت الأمة ولم تُجبر الزوجة الحرة، لأنه لا يصلح للسكنى، والزوجة الأمة تُجبر إن رضى سيدها، فكان يجوز أن يقال: الحبس زجر وتأديب، فإن اقتضى الحال أن تمنع منه زوجته أو أمته فعل.
انتهى كلامه.
وما ذكره بحثًا واقتضى كلامه عدم الوقوف عليه، قد جزم به الغزالي في "فتاويه" فقال: إن الأمر فيه إلى رأي القاضي.
وجزم صاحب "الشامل" في "فتاويه" أيضًا بأنه يمنع من ذلك، ولم يكله إلى نظر القاضي.
وقد ذكر النووي في أوائل التفليس من "زوائده" ما قاله، الغزالي وابن الصباغ ولم يرجح منها شيئًا.
ثم إنه هاهنا حذف الاحتمال الذي ذكره الرافعي وجزم بأنه لا يمنع، فصار مخالفًا لكل من النقلين المذكورين هناك، وقد ظهر من هذه النقول رجحان تفويضه إلى رأي القاضي، لرجحان الرافعى له من غير اطلاعه على نقل يساعده فمع النقل أولى.
الجزء: 9 - الصفحة: 262
الفصل الثاني: في مستند قضائه
قوله: وأصح القولين عند عامة الأصحاب: أن القاضي يقضي بعلمه، ثم قال: ولو أقر بالمدعي في مجلس قضائه قضى عليه، وذلك قضاء بإقراره لا بعلم القاضي، وإن أقر عنده بشراء، فعلى القولين في القضاء بالعلم، ومنهم من خصص القولين بما إذا علم المحكوم بنفسه وقال: هاهنا الحكم بالإقرار المعلوم لا بمجرد العلم بالمحكوم.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره من جواز الحكم بالإقرار الواقع في المجلس جزمًا وأنه لا يخرج على القولين مخالف لما ذكره قبل ذلك في الأدب الخامس، فإنه جزم فيه هناك بحكاية القولين، ولم يتعرض لهذه الطريقة التي جزم بها هاهنا وقد سبق ذكر لفظه هناك فراجعه، وذكر نحوه أيضًا في كتاب الدعاوي في الكلام عن اليمين وستعرفه.
ومخالف أيضًا لنص الشافعي في "الأم": فإنه سَوّى بين المجلس وغيره، ذكر ذلك في كتاب "اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى" الواقع بعد باب قطع العبد في باب الدعوى والصلح، فقال: قال الشافعي: وإذا اختصم الرجلان إلى القاضي، فأقر أحدهما عند القاضي في مجلس الحكم أو غير مجلسه.
هذا لفظه.
ثم حكى بعد هذا التصوير القولين واختلاف الناس وأقام الدليل عليه.
الثاني: أن مراده بقوله: ومنهم من خصص القولين.
. . . إلى آخره.
أن بعضهم قال: إن الإقرار في الشركاء كالإقرار في المجلس حتى يقضي جزمًا، وقد ذكره في "الشرح الصغير" بعبارة هي أوضح من هذه، لا جرم أن النووي في "الروضة" عبر بقوله، وقيل: يقضي قطعًا.
الجزء: 9 - الصفحة: 263
قوله في "الروضة": وإذا قلنا: يقضي بعلمه، فذاك في المال قطعًا وكذا في القصاص وحد القذف علي الأظهر، ولا يجوز في حدود الله تعالى على المذهب، وقيل: قولان.
انتهى كلامه.
وما ذكره من تصحيح طريقة القطع في حدود الله تعالى سهو حصل في اختصاره لكلام الرافعي، فإن المذكور في الشرحين: تصحيح طريقة القولين فتأمله، وكلام "المحرر" لا يؤخذ منه شيء في ذلك، فإنه قال: أصح القولين أن القاضي يقضي بعلمه إلا في حدود الله تعالى.
هذه عبارته.
قوله: ولا خلاف أن القاضي لا يقضي بخلاف علمه إذا علم أن المدعي أبرأ عما ادعاه وأقام عليه البينة وأن المدعي قبله أو رأه قبله بيد المدعي، أو سمع مدعي الرق قد أعتق ومدعي النكاح قد طلق ثلاثًا، وتحقق كذب الشهود، فإنه يمتنع عن القضاء.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن ما ادعاه من نفي الخلاف قد تابعه عليه في "الروضة"، وذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا وليس كذلك، فقد حكى الماوردي في "الحاوي" وجهًا أنه يقضي بخلاف علمه والحالة هذه، قال: لأن المعتبر في الحكم على هذا القول إنما هو الشهادة دون العلم.
ونقله أيضًا الروياني والشاشي في "الحلية"، وابن يونس وابن الرفعة في شرحيهما "للتنبيه".
الأمر الثاني: كما لا يقضي بخلاف علمه فليس له أن يقضي بعلمه، صرح به الشاشي في "الحلية"، وفي كلام الرافعي إشارة إليه فإنه أطلق منعه عن القضاء وكأن معناه قوة التهمة.
الأمر الثالث: أنه لابد في القضاء بالعلم من التصريح بالمستند، فيقول القاضي: قد علمت أنه له عليك ما ادعاه وحكمت عليك بعلمي، فإن
الجزء: 9 - الصفحة: 264
اقتصر على أحدهما لم ينفذ الحكم، كذا ذكره الماوردي في "الحاوي" والروياني في "البحر".
الأمر الرابع: أن عد العتق والطلاق من قسم العلم ممنوع، فإنه لا يلزم من إعتاقه وتطليقه وقوع العتق والطلاق.
أما العتق: فلأن العبد قد يكون مرهونًا والراهن معسر والشاهدان يعلمان الواقعة، ومثله العبد الجاني على ما هو مذكور في موضعه.
وأما النكاح: فقد يكون الزوج أتى بالتعليق المنسوب إلى ابن سريج فقال لها: متى وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثًا، ومقتضى كلام "الكتاب" و"الروضة": أن الأكثرين على عدم الوقوع، ونقله عن النص.
الخامس: أن التعبير بقوله: لا يقضي بخلاف علمه، فيه تجوز بل الصواب بما يعلم خلافه، وبه عبّر الماوردي وغيره، فإن من يقضي بشهادة شاهدين لا يعلم كذبهما ولا صدقهما قاض بخلاف علمه مع أن قضاءه نافذ بالاتفاق.
واعلم أن اشتهار الخبر بين الناس بالتواتر هل ينزل منزلة البينة أم حكمه حكم المعلوم بالمشاهدة حتى يجري فيه القولان؟ على وجهين حكاهما في "النهاية" قُبيل باب كيفية تفريق الصدقات.
قوله: واعلم أن الأئمة مَثّلوا القضاء بالعلم الذي هو محل القولين بما إذا ادعى عليه مالًا وقد رآه القاضي أقرضه ذلك أو سمع المدعي عليه أقر بذلك، ومعلوم أن رؤية الإقراض وسماع الإقراض لا يفيد اليقين بثبوت المحكوم به وقت القضاء، فيدل أنهم أرادوا بالعلم الظن المؤكد لا اليقين.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" وهو يشعر بأنهما لم يقعا هاهنا في المسألة
الجزء: 9 - الصفحة: 265
على نقل، وهو غريب فقد ذكر هو فرعين منقولين هما أصرح في الدلالة على المقصود مما ذكره، وأحدهما قد حكى فيه وجهين، فالموضع الأول: ذكره قبل كتاب العتق في الكلام على القافة فقال: ولو كان القاضي قائفًا فهل يقضي بعلمه؟ فيه الخلاف في القضاء بالعلم.
هذا لفظه.
والثاني: في أوائل القسمة فقال: وهل للقاضي أن يحكم بمعرفته في التقويم؟ ، قيل: لا يجوز قطعًا لأنه تخمين مجرد، وقيل: على القولين في القضاء بالعلم وهو الأشبه، ولا يبعد أن يقام ظنه مقام الشهادة المبنية على الظن.
هذا كلامه.
وقد صرح الإمام أيضًا بالمسألة هنا فقال: إذا جوزنا له أن يقضي بعلمه فذاك في ما يستيقنه لا ما يظنه، وإن غلب على الظن.
وقال أيضًا في كتاب التفليس: ومن لطيف الكلام في ذلك أن كل ما تستند الشهادة فيه إلى اليقين فلو علمه القاضي بنفسه ففي قضائه خلاف، ولو انتهى القاضي في ما لا علم له إلى منتهى يشهد فيه كالأصول التي ذكرناها فلا يحل له القضاء، وإن كان يحل له أن يشهد بما ظهر عنده فليتأمل الناظر هذا، فإنه من أسرار القضاء.
هذا كلامه.
والذي ذكره من الأصول هي الشهادة على أنه لا مال له أو لا وارث له، والشهادة بالتعديل والشهادة بالأملاك، وقد لخص الغزالي أيضًا هذا المعنى، فقال: ولا خلاف أنه لا يقضي بظنه الذي لا يستند إلى بينة.
وذكر الماوردي في كتاب اللقيط عكس ذلك، وبالغ فيه فقال: إذا رأى الحاكم رجلًا يتصرف في دار مدة طويلة من غير معارضة جاز له أن يحكم له بالملك، وفي جواز الشهادة في هذه الحالة قولان، والفرق: أن الحاكم له أن يجتهد وليس للشهود أن يجتهدوا؛ وهذا الذي ذكره الماوردي يؤيد ما
الجزء: 9 - الصفحة: 266
قاله الرافعي بلا شك.
وأما الأمثلة التي ذكرها -أعني: الرافعي- فإنه تبع فيها البغوي، وقد يجاب عنها بأن السبب الذي استند إليه القضاء فيها وهو الإقرار والإقراض معلوم بخلاف التصرف والتسامح ونحوهما فإنها لم تستند إلى معلوم.
قوله: أما اليمين فقد قال الأصحاب: يجوز له أن يحلف على استحقاق الحق، وإذا ألحق اعتمادًا على خط أبيه إذا وثق بخطه وأمانته.
وضبط القفال وثوقه بأن يكون بحيث لو وجد في تلك التذكرة أن لفلان عليّ كذا لا يجد من نفسه أن يحلف على نفي العلم بل يؤديه من التركة، وفرق بينه وبين القضاء والشهادة: بأنه يمكن فيها التذكر والرجوع إلى اليقين حتى لو وجد بخط نفسه أن له على فلان كذا أو أنه أدى دين فلان لم يجز له الحلف حتى يتذكر، قاله في "الشامل".
انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره من جواز الحلف من اشتراط الثقة والأمانة تابعه عليه في "الروضة" أيضًا، وهو لا يظهر في مسائل ذكرها الرافعي فينبغي استحضارها لئلا يحصل الغلط بسببها.
الأولى: ما ذكره في الشفعة أنه لو بيع [الشقص] 35 بصبرة من فضة وادعي الشفيع أنها كذا ونكل المشتري، جاز للشفيع الحلف اعتمادًا على نكوله.
الثانية: ما ذكره في الجنايات في باب دعوى الدم: أن المشتري إذا نازعه شخص في المبيع وادعى أنه له وأن البائع غصبه جاز له -أي للمشتري- أن يحلف على أنه لا يلزمه التسليم اعتمادًا على قول البائع.
الجزء: 9 - الصفحة: 267
الثالثة: ما ذكره في آخر الباب الأول من أبواب الدعاوي: أنه إذا أنكر المودع التلف وتأكد ظنه بنكول المودع جاز أن يحلف اليمين المردود في أصح الوجهين.
الأمر الثاني: أن ما نقله عن "الشامل" وأقره من امتناع الحلف على خط نفسه، ذكر مثله في "الشرح الصغير" وزاد على ذلك فقال: ذكره صاحب "الشامل" وغيره.
وهذا الذي نقله عن "الشامل" وأقره هو والنووي عليه ليس هو الصحيح فاعلمه، فقد جزم بعد ذلك في كتاب الدعاوي في الركن الثالث منه المعقود للحلف بما يخالفه، فقال قبيل الطرف الثالث ما نصه: فيه مسألتان:
إحداهما: ما يحلف فيه على البت لا يشترط فيه اليقين، بل يجوز البت بناء على ظن مؤكد ينشأ من خطه أو خط أبيه أو نكول خصمه.
هذا لفظه وتبعه عليه النووي وجزم به أيضًا في "المحرر" و"المنهاج".
قوله في "الروضة": فرع: قال الصيمري: ينبغي للشاهد أن يثبت حلية المقر إذا لم يعرفه بعد الشهادة ليستعين بها على التذكر، ويقرب من هذا ذِكْر التاريخ ومَوْضِع التحمل ومن كان معه حينئذ ونحو ذلك.
انتهى كلامه.
والتعبير بقوله: ينبغي هو قريب من تعبير الرافعي أيضًا، وهذا الكلام يشعر بأن تعاطي أسباب التذكر مستحب، وهو كذلك كما صرح به في آخر الباب الثالث من أبواب الشهادات فاعلمه.
قوله: ولو شهد شاهدان على حكمه عند قاض آخر قبل شهادتهما وأمضى حكم الأول، إلا إذا قامت بينة بأن الأول أنكر حكمه وكذبهما، فإن قامت بينة بأنه توقف، فوجهان: أوفقهما لكلام الأكثرين: أنه يقبل
الجزء: 9 - الصفحة: 268
شهادتهما وقال الأودي وصاحب "المهذب": لا يقبل لأن توقفه يورث تهمة، وعلى هذا لو شهد عدلان أن شاهدي الأصل توقفا في الشهادة لم يجز الحكم بشهادة الفرع.
انتهى.
وما اقتضاه آخر كلامه من تخريج شهود الفرع على هذين الوجهين قد تابعه عليه في "الروضة" أيضًا، ولم يصرحا بنقله مع أن المحاملي وصاحب "المهذب" والغزالي في "البسيط" قاسوا المنع في شهود الحكم على شهود الفرع، فَدَلّ ذلك على الاتفاق على المنع ولم يتعرض للمسألة في بابها.
الجزء: 9 - الصفحة: 269
الفصل الثالث: في التسوية
وفيه مسألتان: إحداهما: يسوي القاضي بين الخصمين في الدخول عليهما والقيام لهما والنظر إليهما والاستماع وطلاقة الوجه وسائر أنواع الإكرام.
انتهى كلامه.
وتعبير الرافعي في أول كلامه بقوله: في الدخول عليهما، وقع كذلك في النسخ، وهو سبق قلم وصوابه في دخولهما عليه.
قوله: ويسوى بينهما أيضًا في جواب سلامهما، فإن سلما أجابهما معًا، وإن سلم أحدهما قال الأصحاب: يصبر حتى يسلم الآخر فيجيبهما معًا، وقد يتوقف في هذا إذا طال الفصل، فإنه يمتنع من انتهاضة جوابًا.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما نقله عن الأصحاب من كونه لا يسلم على الأول إلا بتقدير سلام الثاني، واقتضى كلامه عدم الوقوف على غيره حتى أبداه بحثًا عند الطول خاصة، ذكره البغوي تبعًا للقاضي الحسين فقلده فيه الرافعي متوهمًا عدم الخلاف فيه.
ثم إن النووي قلّد الرافعي في ذلك، وهو عجيب فإن الإمام قد حكى هذا عن القاضي وحده ثم ضعفه، وينبغي ذكر لفظه لغرض آخر يأتي ذكره فنقول: قال الإمام بعد باب القسمة: وإن سلم أحدهما فقد أفرط بعض الأصحاب، وقال: لا يرد جوابه بل يسكت لأن القاضي في شغل شاغل، وإن أراد قال لخصمه: سَلّم، ثم يرد جواب سلامهما، وهذا عندي سرف وإن ذكره القاضي فإن رد السلام محمول على ابتداء أحدهما به، وهذا مما لا يخفي، ولا يظهر ميلًا.
هذا كلامه وهو ظاهر.
الجزء: 9 - الصفحة: 270
وذكر نحوه الغزالي في "البسيط" فقال: أفرط بعض الأصحاب فقال: لا يجبه إلى أن يُسَلِّم الآخر، ثم قال: وهذا بعيد وعذره في الجواب بين، وصححه أيضًا في "الوسيط"، وحكى الماوردي ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يرد السلام عليه وحده في الحال.
والثاني: بعد الحكم.
والثالث: يرده في الحال عليهما.
ولم يحك ما عزاه الرافعي إلى الأصحاب وجهًا بالكلية، وذكر مثله الروياني في "البحر" والشاشي في "الحلية" وصاحب "الذخائر" والعراقي شارح "المهذب" وابن يونس في "شرح التنبيه" وحكى كثير من هؤلاء وجهًا آخرًا: أنه لا يجب الرد أصلًا لأن شغل القاضي مانع من مشروعية السلام.
وحكى الروياني أيضًا عن القفال: أنه صحح الرد على أحدهما عقب سلامه، وجزم به أيضًا أبو الطيب في أوائل كتاب أدب القضاء من تعليقته في أثناء مسألة أولها: قال الشافعي وأحب أن يقضي في موضع بارز.
وعبر الطبري في "العدة" بما يدل عليه لمن تأمله فقال: ينبغي أن يسوي بينهما في رد السلام.
هذه عبارته.
وذكر مثلها الغزالي في "الوجيز" ومدلولها: أنهما إذا سلما فليس له أن يرد على أحدهما ويمتنع من الرد على الآخر، وحكى ابن أبي الدم في "أدب القضاء" وجهين من غير ترجيح في المسألة، وأجراهما أيضًا في ما إذا سبق وسلم قبل دخول الآخر بالكلية، وسكت عن التصريح بالمسألة جماعة كثيرون منهم الدارمي في "الاستذكار" والشيخ في "المهذب" وأبو نصر البندنيجي صاحب "المعتمد" والجرجاني في "الشافي" والخوارزمي في "الكافي" والعمراني في "البيان" وابن عصرون في "المرشد" وغيرهم.
الجزء: 9 - الصفحة: 271
فتلخص أن ما قاله الرافعي من إسناد ذلك إلى الأصحاب غلط محض أوقعه فيه جزم صاحب "التهذيب".
الأمر الثاني: أن ما ذكراه في هذه المسألة لا يوافق ما جزم به في كتاب السير، فقد قالا هناك: إن ابتداء السلام سُنّة على الكفاية، فإذا حضر جماعة وسلّم أحدهم كفى ذلك عن سلام الباقين.
قوله في المسألة: وذكروا أي الأصحاب أنه لا بأس أن يقول للأخر: سَلِّم، فإذا سَلَّم أجابهما، وفي هذا اشتغال منه بغير الجواب، ومثله بقطع الجواب عن الخطاب.
انتهى كلامه.
واعلم أنه قد ذكر في كتاب "السير": أنه يجب أن يكون رد السلام متصلًا به الاتصال المشروط بين الإيجاب والقبول في العقود، وقد اختلفوا في اللفظ اليسير الفاصل بينهما هل يضر أم لا؟ على وجهين، واختلف كلامهم في الراجح منهما كما أوضحته في الكلام على أركان النكاح فراجعه، وهذه الصورة فرد من أفراد ذلك فيأتي فيها ما سبق هناك فاعلمه.
قوله أيضًا في المسألة: وحكى الإمام أنهم -أي: الأصحاب- جوزوا للقاضي ترك الجواب مطلقًا واستبعده.
انتهى كلامه.
وما ذكره من كون الإمام نقله عن الأصحاب وتابعه عليه في "الروضة" أيضًا غلط، فإن الإمام إنما نقله عن بعضهم وقد تقدم ذكر لفظه.
قوله: فإن كان أحدهما مسلمًا والآخر كافرًا فوجهان:
أصحهما وهو ما أورده العراقيون: أنه يرفع المسلم في المجلس.
والثاني: يسوي.
ويمكن أن يجري الوجهان في سائر وجوه الإكرام.
انتهى.
فيه أمران:
الجزء: 9 - الصفحة: 272
أحدهما: أن النووي في "الروضة" عبر بقوله: أصحهما وبه قطع العراقيون، وما قاله من قطع العراقيين باطل، فقد حكى الماوردي في "الحاوي" وجهين، وكذلك الشيخ في "المهذب" والشاشي في "الحلية" وابن عصرون في "الانتصار" والعمراني في "البيان" وكل هؤلاء عراقيون.
الأمر الثاني: أن النووي قد تابعه في "الروضة" على احتمال جريانهما، وقد أجاب الفوراني في "الإبانة" بما ذكراه بحثًا، فقال بعد ذكر أنواع التسوية: فرع: إذا كان أحدهما كافرًا هل يسوى بينهما؟ وجهان:
أحدهما: يسوي [لأنهما] استويا في الدعوى.
والثاني: لا.
هذه عبارته.
وذكر الشيخ في "التنبيه" أنه يقدم المسلم في الدخول ويرفعه في المجلس، وذكر الماوردي في "الحاوي" ما يخالف الفوراني، فقال: وفي التسوية بين المسلم والكافر في المجلس وجهان:
أحدهما: يسوي بينهما فيه كما يسوي بينهما في المدخل والكلام.
والثاني: يقدم المسلم.
انتهى.
وهو يدل على أن المدخل والكلام محل اتفاق، وكذلك ذكر صاحب "الاستقصاء" وغيره.
ولو كان أحدهما مرتدًا والآخر ذميًا فيتجه تخريجه على التكافؤ في القصاص، والصحيح، أن المرتد يُقتل بالذمي دون عكسه.
قوله: وإذا كان يدعي دعوى غير محررة، قال الإصطخري: يبين له كيفية الدعوى الصحيحة، وقال غيره: لا يجوز لانكسار قلب الآخر، وتعريف الشاهد كيفية أداء الشهادة على هذين الوجهين، قال في "العدة": والأصح الجواز.
انتهى كلامه.
الجزء: 9 - الصفحة: 273
لم يرجح منهما شيئًا في "الروضة" أيضًا، وقد صحح في "التنبيه" منع تلقين الدعوى وأقره عليه النووي فلم يستدركه في كتابه "التصحيح".
قوله: وإذا ادعى المدعي طالب خصمه بالجواب وقال: ماذا تقول؟ وفيه وجه أنه لا يطالبه بالجواب حتى يسأل المدعي.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أنه ليس في كلامه ما يدل على أن الخلاف في الجواز أو في الأولوية، وقد بينه الماوردي والشيخ في "المهذب" وغيرهما.
وقالوا: إن الخلاف في الجواز، وعللوا المنع بأن ذلك حق للمدعي فلا يجوز استيفاؤه من غير إذنه، والجواز بقرينة الدعوى.
وفائدة الخلاف كما قاله الماوردي: في الاعتداد بالإنكار، وفي الحكم بالبينة قبل سؤال المحكوم له.
واقتصر ابن يونس في "شرح التنبيه" على الفائدة الثانية.
الأمر الثاني: أن ما ذكره هاهنا من ترجيح الجواز ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا هنا، ثم خالف فيه -أعني: في "الصغير"- في أوائل كتاب الدعاوى فقال ما نصه: فيه وجهان: أشبههما ويحكي عن أبي حنيفة: لا، لأنه حقه فلا يستوفي إلا بسؤاله هذا لفظه ولم يذكر ترجيحًا غيره.
والرافعي في "الكبير" حكى هناك وجهين من غير ترجيح، ونقضه النووي فقال في "زوائده": الأقوى أن له ذلك، ولم يستحضر تصحيح الرافعي له في هذا الباب ولا تصحيحه هو حتى أنه بالغ هنا فقال: وفيه وجه ضعيف أنه لا يطالبه بالجواب حتى يسأله المدعي.
قوله: وهل يثبت المدعي بمجرد الإقرار، أم يفتقر ثبوته إلى قضاء
الجزء: 9 - الصفحة: 274
القاضي؟ فيه وجهان:
أحدهما: يفتقر إليه كالثبوت بعد إقامة البينة.
وأصحهما: المنع، فإن دلالة الإقرار على الحق بينة، والإنسان على بصيرة من نفسه، وأما البينة فيحتاج في قبولها إلى النظر والاجتهاد، هكذا ذكروه والطبع لا يكاد يقبل هذا الخلاف، لأنه إن كان الكلام في ثبوت الحق [المدعى] 36 به في نفسه فمعلوم أنه لا يتوقف على الإقرار، فكيف على الحكم بعد الإقرار؟ ، وإن كان المراد مطالبة المُدَّعِي وإلزام القاضي فلا خلاف في ثبوتهما بعد [الإقرار] 37. انتهى.
وما ذكره من أن المُدّعِي له الطلب بعد الإقرار بلا خلاف قد تبعه عليه أيضًا في "الروضة"، ولكن قد جزم الماوردي بما ظاهره المخالفة فقال: له أن يلازمه بعد الحكم وليس له ملازمته قبله.
قوله: وإن أنكر المُدَّعَى عليه فللقاضي أن يسكت وله أن يقول للمدعي: ألك بينة؟ وقيل: لا يقول ذلك إلا بعد طلب المدعي لأنه كالتلقين.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على إطلاق التخيير، وكذلك أطلقه أيضًا بعضهم وقيده جماعة بما إذا كان المدعي يعلم أنه وقت التنبيه، فإن كان لا يعلم ذلك لم يسكت بل يسأله عن البينة، كذا ذكره الشيخ في "المهذب" والعمراني في "البيان" وابن يونس شارح "التنبيه".
ومقتضى كلام "النهاية": أن الأصح أن القاضي يقول للمدعي: ألك بينة؟ مطلقًا سواء أكان المدعي عالمًا أو جاهلًا.
وكلام الماوردي يقتضي أنه مُخَيّر بين أن يقول للمدعي: قد أنكرك فهل
الجزء: 9 - الصفحة: 275
لك بينة؟ وبين أن يقول له: قد أنكرك فما عندك؟ سواء كان المدعي عالمًا أو جاهلًا، لكن الأول أولى عند الجهل.
والثاني أولى عند العلم.
ويتلخص من مجموع ذلك وجوه أربعة، وإن أخذنا كلام الرافعي على إطلاقه جاء منه وجه خامس، إلا أن حمله على الإطلاق بعيد.
قوله: فإن قال المدعي: ليس لي بينة حاضرة، فحلف المدعي عليه، ثم أحضر البينة سُمِعت، وكذا لو قال: لا حاضرة ولا غائبة في أظهر الوجهين.
ولو قال: لا بينة لي، واقتصر عليه، ففي "التهذيب": أنه كالقسم الأول، وفي "الكتاب": أنه كالثاني حتى يكون على وجهين.
انتهى ملخصًا.
لم يصحح شيئًا من الطريقين في "الروضة" أيضًا، والصحيح: هو الطريق الثاني، وهو ما ذهب إليه الغزالي، كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير"، وحكى الماوردي والشاشي في الصورة الثانية وجهًا: أنه إن كان هو الذي استشهدهم لم تقبل، وإن استشهدهم وكيله أو موروثه قُبِلت.
وقريب من هذه المسألة ما إذا قال: اشتريته بعشرة، ثم قال: بل بعشرين، وقد تقدمت في باب المرابحة، وكذا إذا قال: لست بشاهد في هذا الشيء، ثم جاء فشهد فيه، فقد ذكره الرافعي قبل الركن الرابع المعقود للنكول فقال: إن قالاه حين تصديا لإقامة الشهادة لم تقبل شهادتهما، وإن قالاه قبل ذلك بشهر أو يوم لم يندفع، وأطلق القاضي الحسين في "فتاويه" عدم القبول.
قوله: ولو قال: شهودي عبيد، أو فسقة، ثم أتى بعدول قبلنا شهادتهم إن مضى زمان يمكن فيه العتق والاستبراء.
انتهى كلامه.
الجزء: 9 - الصفحة: 276
هذا الحكم ذكره البغوي تبعًا للقاضي الحسين، فقلده فيه الرافعي ثم النووي، ويتعين تصوير المسألة بما إذا عين شهوده الذين وصفهم بالرق أو الفسق، فإن أطلق أو عيّن ولكن أقام غير المعينين فقياس ما ذكرناه في المسألة السابقة أنها تقبل، وقد صرح في "الإشراف" بنقله عن نص الشافعي فقال: لو قال بعد اليمين أو قبلها: كل بينة لي زور أو كاذبة، ثم أقامها قُبِلت على النص لأنه لا يجوز أن لا يعرفها.
قوله: والظاهر أن تقديم المسافر والمرأة ليس هو بمستحق، وإنما هو نوع رخصة يجوز الأخذ به.
انتهى.
قال في "الروضة": المختار أنه مستحب لا يقتصر فيه على الإباحة.
قوله: فرع: المقدم بالسفر يجوز أن لا يقدم إلا بدعوى واحدة، ويجوز أن يقدم جميع دعاويه، لأن سبب تقديمه أن لا يتخلف عن رفقته، ويجوز أن يقال: إذا عرف أن له دعاوى فهو كالمقيمين، لأن تقديمه بالجميع يضر بغيره، وتقديمه بدعوى لا يحصل الغرض.
انتهى.
قال في "الروضة": الأرجح أن دعاويه إن كانت قليلة أو خفيفة بحيث لا تضر بالباقين إضرارًا بينًا قدم بجميعها، وإلا فيقدم بواحدة لأنها مأذون فيها، وقد يقتنع بواحدة ويؤخر الباقين إلى أن يحضر.
انتهى.
وما ذكره النووي من التقديم بالواحدة فقط مردود، بل القياس على ما قاله أن يسمع في عدد لا يضر كما لو لم يكن معه غيره.
قوله: ولو جهل القاضي إسلام الشاهدين لم يقنع بظاهر الدار، ولكن يبحث عنه، ويكفي فيه الرجوع إلى قول الشاهد ويخالف الحرية، فإنه لا يرجع إليه فيها في أظهر القولين على ما قال في "المهذب"، لأن الإسلام مستقل به فيرجع إليه فيه بخلاف الحرية.
انتهى ملخصًا.
الجزء: 9 - الصفحة: 277
وقد اختلف كلام الرافعي وكذا كلام "الروضة" في الحكم على الكافر بالإسلام إذا قال: أنا مسلم، وقد تقدم إيضاحه في باب الردة، والأصح في الإقرار بالحرية: ما رجحه في "المهذب"، كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير" والنووي في أصل "الروضة".
قوله: من نُصِّب حاكمًا في الجرح والتعديل اعتبر فيه صفات القضاة.
انتهى.
واعلم أنه قد سبق أن من شروط القاضي بلوغ رتبة الاجتهاد، ولكن ذكر الرافعي قبل ذلك في الكلام على الاستخلاف كلامًا ينبغي استحضاره هنا فقال: يشترط في الذي يستخلفه ما يشترط في القاضي، قال الشيخ أبو محمد وغيره: فإن فوض إليه أمرًا خاصًا كفاه من العلم ما يحتاج إليه في ذلك الباب حتى أن نائب القاضي في القُرى إذا كان المفوض إليه سماع البينة دون الحكم كفاه العلم بشروط سماع البينة ولا يشترط فيه رتبة الاجتهاد.
قوله: ولابد في شاهد الإعسار والتزكية من الخبرة الباطنة، قال في "الوسيط": ويجب على القاضي أن يعرف أن المزكي هل هو خبير بباطن الشاهد في كل تزكيته؟ إلا إذا علم من عادته أنه لا يُزكِّي إلا بعد الخبرة.
انتهى.
وما ذكره هنا في شروط شاهد التزكية، قد ذكر خلافه في شاهد الإعسار، وقد سبق إيضاح وجه المخالفة في التفليس فراجعه.
قوله: وهل يشترط ذكر سبب رؤية الجرح أو سماعه؟ فيه وجهان:
أشهرهما: نعم، فيقول مثلًا: رأيته يزكي، وسمعته يقذف، وعلى هذا القياس يقول في الاستفاضة: استفاض عندي.
وأقيسهما: أنه لا يشترط.
انتهى.
الجزء: 9 - الصفحة: 278
وهذا الكلام صريح في أن الشاهد إذا كان مستنده الاستفاضة وصرح بذلك في شهادته لم يكن قادحًا في شهادته فتفطن لذلك فإنه الصواب، وسيكون لنا عودة لذلك في الشهادات إن شاء الله تعالى.
قوله: ولا يجعل الجارح بذكر الزنا قادحًا للحاجة، كما لا يجعل الشاهد قاذفًا، فإن لم يوافقه غيره فليكن كما لو شهد ثلاثة بالزنا هل يجعلون قذفه؟ فيه القولان.
انتهى.
قال في "الروضة": المختار أو الصواب: أنه لا يجعل قاذفًا وإن لم يوافقه غيره، لأنه معذور في شهادته بالجرح فإنه مسئول عنها وهي في حقه فرض كفاية أو متعينة بخلاف شهود الزنا فإنهم مندوبون إلى الستر فهم مقصرون، والله أعلم.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن ما اختاره النووي من كونه لا يصير قاذفًا هو المعروف في "المهذب"، فقد جزم به الشيخ أبو حامد والقاضي الحسين والروياني وغيرهم تفريعًا على الوجوه فيما إذا شهد ثلاثة بالزنا، ولم يقل أحد منهم بتخريج المسألة هنا على ذلك الخلاف كما فعله الرافعي.
نعم حكى الإمام وجهين:
أحدهما: أنه لا يكون قذفًا في هذا المقام، لكونه مسئولًا كما سبق.
والثاني: نعم كغيره، فعلى هذا لا يكلفون التصريح به بل يكفي التعريض، هذا كلام الإمام، وقد تلخص أن ما اقتضاه كلام الرافعي هنا من وجوب ذكر الزنا ووجوب الحد عليه باطل غير معروف، قال: فإن القائل قائلان: قائل بعدم وجوب الذكر، وقائل بوجوبه وأنه لا حد عليه هنا، ولا شك أنهما لم يقفا في هذه المسألة على نقل بل تفقها فيها، فصادف أن ما ذكره النووي فيها هو الصواب نقلًا ودليلًا.
الجزء: 9 - الصفحة: 279
الثاني: أن تعليل النووي بقوله فإنه مسئول عنها يوهم أن الشهادة على الجرح تتوقف على السؤال، وليس كذلك بل يقبل فيها شهادة الحسبة كما ذكره في آخر الباب.
الأمر الثالث: أن ما ذكره في آخر كلامه وهو أن شهود الزنا هل يستحب لهم الشهادة أو الستر؟ ذكره في مواضع من "الروضة": أحدها: في حد الزنا.
وثانيها: في هذا الموضع.
وثالثها: في الباب الأول من أبواب الشهادات في أثناء السبب السادس.
واختلف فيها كلامه وكذلك كلام الرافعي أيضًا، وقد سبق إيضاحه في حد الزنا فراجعه.
قوله: وهل يشترط لفظ الشهادة من المزكي؟ فيه وجهان:
أظهرهما: نعم، فيقول: أشهد أنه عدل.
وقال في "الوسيط": إن اعتبرنا مشافهة القاضي فلابد من لفظ الشهادة وإن لم نعتبر ففي اشتراطه في الكتابة والرسالة وجهان.
انتهى.
وحاصله حكاية وجهين عنه في "الوسيط" فيما إذا كتب، أو أرسل ولم يكتب.
وهذا النقل عنه ليس مطابقًا لما فيه فإنه إنما حكى الوجهين في الكتابة خاصة فقال: وإن اكتفينا بالرقعة مع الرسول ففي اشتراط كتابة لفظ الشهادة خلاف كما في المترجم، هذه عبارته.
ولا شك أن الغزالى أخذ ذلك من "النهاية"، فإنه قال: ذهب أبو إسحاق المروزي إلى أن الجرح والتعديل لا يثبتان إلا بتصريح الشاهدين ولا تعويل على الرقاع ولا على أجوبة الرسل.
وقال الإصطخري: يكفي الرسل حتى لا يشتهر المزكون، ولا تكفي
الجزء: 9 - الصفحة: 280
الكتابة، فإن اكتفينا بقول الرسل، فقد ذكر صاحب "التقريب" وجهين في اشتراط لفظ الشهادة: وجه التردد: أنّا شرطنا العدد وقبلناهم مع إمكان الوصول إلى الأصول.
انتهى ملخصًا.
فالغزالي حكى الخلاف تفريعًا على "الكتاب"، والإمام إنما حكاه تفريعًا على الاكتفاء بالمرسل، فتلخص هذه الكتب الثلاث لا توافق بعضها وإن كُنّا نقطع أن كلام "النهاية" هو الأصل، وإنما حصل ذلك من تصرفهم في النقل، وقد سَلِمَ في "الروضة" من ذلك فإنه لم يصرح بالبناء ولا بالمنقول عنه.
قوله: ولا يقبل الجرح المطلق، بل لابد من بيان سببه.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وهو يقتضي: أنه لا يبقى للبينة في هذه الحالة اعتبار بالكلية حتى يقدم عليها بينة التعديل، وليس كذلك بل معنى عدم قبولها، وهو أنه يجب التوقف عن العمل بها إلى أن يبحث عن السبب، كذا ذكره النووي في "شرح مسلم" بالنسبة إلى جرح الراوي، ولا فرق في ذلك بين الرواية والشهادة.
قوله: والأصح أنه يكفي أن يقول: هو عدل، وقيل: لابد أن يقول: عدل على ولي، واختلف القائلون به، فقيل: لأن الشخص قد يقبل في القليل دون الكثير، وقيل: لبيان أنه ليس بوالد ولا ولد.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن فائدة الخلاف كما قاله الماوردي في ما إذا علم الحاكم انتفاء البنوة بينهما، وحذف هذا الخلاف من "الروضة".
واعلم أنه لا يلزم من كونه مقولًا للمزكي، وعليه أن يكون كذلك بالنسبة إلى المدعى عليه في الواقعة التي احتيج إلى التعديل بسببها، فإنه قد يكون ابنًا له أو أبًا فلابد من التعرض لذلك، وقد أهمله الأصحاب حتى قال الإمام: ومن أبلغ عبارات المزكين وأوقعها: عدل على ولي، وهذه
الجزء: 9 - الصفحة: 281
العبارة شائعة على مر الدهور، والأصحاب مجمعون على حملها على موجب ما يتفاهمون منها، هذه عبارته.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد حكى عن [نص الشافعي في "الأم"، و"المختصر" أنه لابد أن يقول: عدل على ولي، وحكى عن] 38 نصه في "حرملة": أنه لا يشترط ذلك، بل يشترط أن يقول: عدل رضى أو مرضي أو مقبول الشهادة، قال: ومدلول هذه الزيادة غير مدلول تلك، فتلخص أن الشافعي جازم بأنه لا يكفي العدل وحده، وفي ما يشترطه معه قولان ولا يؤخذ ذلك من "الروضة".
قوله: وذكر في "الوجيز" أنه يقول: عدل مقبول الشهادة، وفيه أمران:
أحدهما: أن الوصف بقبول الشهادة تغني عن العدالة.
الثاني: يشبه أن يقال: إن الحال يختلف بحسب سؤال القاضي، فإن سأل عن عدالته كفاه التعرض لها، وإن سأل عن قبول شهادته فلابد من التعرض لها لتدخل فيه المروءة وعدم السقط من ولادة أو عداوة.
انتهى كلامه.
وأهمل النووي ذكر الأمرين المذكورين وهما أمران مهمان، واستفدنا من هذا أنه إذا قال المزكي: هو عدل على ولي، لا يحكم الحاكم بقوله إلا إذا عرف مروءته وخلُوّه من الموانع؛ ولهذا قال إمام الحرمين ما نصه: نعم تثبت العدالة بقوله: عدل رضى، ثم يستخير بعد هذا عن الأسباب المانعة من قبول الشهادة، هذه عبارته.
قوله: ثم حكى القاضي تفريعًا على اعتبار كلمتي "على" و"إلى" وجهين:
الجزء: 9 - الصفحة: 282
أحدهما: أن اعتبارهما مخصوص بما إذا أخبر المزكون أصحاب المسائل.
والثاني: أنهما شاملان لذلك ولإخبار أصحاب المسائل للقاضي، ولا فقه في الفرق.
انتهى.
أسقط هذا الخلاف من "الروضة".
قوله: وذكر في "الوجيز": أنه لا يجوز التعديل بالتسامع، وهو يوافق ما سبق أنه يعتبر في المعدل الخبرة الباطنة، ولكن المخبرون الذين يحصل الاستفاضة بهم لو كانوا خبيرين بباطن حاله فلا يبعد أن يجوز للشاهد التعديل وتقام خبرتهم كما أقيم في الجرح ورؤيتهم مكان رؤيته.
انتهى.
وما ذكره بحثًا واقتضى كلامه عدم الوقوف عليه وتابعه عليه في "الروضة" قد جزم به القاضي الحسين في "تعليقه"، فقال: يجوز الاعتماد في التعديل على ما يسمع من أفواه الناس مرة بعد أخرى بحيث يخرج عن حد التواطؤ.
انتهى.
ونقله أيضًا الهروي في "الإشراف" عن القفال الشاشي، ونقل في "الروضة" المسألة إلى قبل هذا الموضع بقليل.
قوله: ونابه.
. . . إلى آخره.
هذه اللفظة عبر أيضًا بها في -آخر كتاب الفلس وسبق الكلام عليه هناك فراجعه.
الجزء: 9 - الصفحة: 283
الباب الثالث: في القضاء علي الغائب
قوله: واحتج الأصحاب على أبي حنيفة في منعه القضاء على الغائب بما روي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لهند: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" 39، وكان ذلك قضاء منه على زوجها أبي سفيان وهو غائب.
انتهى.
وما ذكره هاهنا من كونه قضاء، قد خالفه في باب نفقة الأقارب فرجح أنه إفتاء لا قضاء، وقد ذكرت لفظه هناك فراجعه.
قوله: ويشترط في الدعوى على الغائب ما يشترط في الدعوى على الحاضر من بيان جنس المدعي وقدره وصفته.
انتهى.
اعترض عليه ابن الرفعة بأن ذكر الوصف لا يغني عن ذكر النوع ولابد منه.
وقد صرح في الدعوى على الحاضر بأنه لابد من بيان النوع، وصرح أيضًا بذكره في هذا الباب في ركن المحكوم به.
قوله: وينبغي أن يدعي جحود الغائب فإن قال: هو مُقِرّ، لم تسمع بينته ولغى دعواه، وإن لم يعترض لجحوده ولا لإقراره فوجهان: ميل الإمام منهما إلى أن بينته تُسمع لأنه قد لا يعلم جحوده، انتهى.
والذي مال إليه الإمام هو الراجح، فقال الرافعي في "المحرر": إنه أشبه الوجهين، وفي "الشرح الصغير": إنه أولى الوجهين، وصرح النووي بتصحيحه في أصل "الروضة".
قوله: فَيُحَلِّف القاضي من ادعى على الغائب بعد قيام البينة وتعديلها أنه ما أبرأه من الدين الذي يدعيه ولا من شيء منه ولا اعتاض ولا استوفى ولا
الجزء: 9 - الصفحة: 284
أحال عليه ولا أخذ من جهته بل هو ثابت في ذمة المدعى عليه يلزمه توفيته، ويجوز أن يقتصر فيحلفه على ثبوت المال في ذمته ووجوب التسليم، لأن المدعى عليه لو كان حاضرًا لكان له أن يدعي عليه شيئًا من الجهات المذكورة فيحلفه.
فينبغي للقاضي أن يحتاط له؛ ولذلك يحلف مع البينة إذا كانت الدعوى على صبي أو مجنون أو ميت ليس له وارث حاضر، فإن كان حلف بسؤال الوارث، وهذا التحليف: واجب، وقيل: مستحب.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أنه إذا كان للغائب ومن في معناه كالمتعزر وكيل، فهل يتوقف التحليف على طلب الوكيل أم للقاضي تحليفه من غير طلبه؟ فيه جوابان لأبي العباس الروياني حكاهما عنه الرافعي في الطرف الخامس ولم يرجح منها شيئًا، وتبعه عليه في "الروضة".
الأمر الثاني: أن ما قاله الرافعي من التحليف على وجوب التسليم مُشكل من وجهين:
أحدهما: أن المدعي عليه لو كان حيًا عاقلًا حاضرًا فقال بعد إقامة البينة: حلفه على استحقاقه ما ادعاه، لم يجب إليه؛ لأن فيه قدحًا في البينة، فكيف يحلفه عليه في غيبته؟
لاسيما وقد حلف على أنه ثابت في ذمة المدعى عليه.
وثانيهما: أن المدعى عليه لو كان بالصفات المذكورة وادعى مسقطًا وأراد تحليفه فطلب المدعى أن يحلف أنه يستحق عليه ما ادعاه، لم يمكن منه، بل يحلف على ذلك المسقط، فكيف اكتفى به في حق الغائب؟
وبالجملة: فقد أسقط الماوردي اعتبار ذلك فقال: وأقل ما يجزئه أن يحلف: إن حقه لثابت، هذا كلامه، وهو واضح فتعين العمل به.
الجزء: 9 - الصفحة: 285
قوله في المسألة: ويبنى على الخلاف في وجوب التحليف ما لو أقام قيِّم طفل بينة على قيِّم طفل، فإن أوجبنا التحليف انتظرنا حتى يبلغ المدعى له فيحلف، وإن قلنا بالاستحباب قضى بها.
انتهى كلامه.
وحاصل هذا: أن الصحيح هو الانتظار إلى البلوغ، لأن الصحيح هو وجوب التحليف.
إذا علمت ذلك فقد ذكر عقب هذا بأسطر ما قد يشكل على هذا فقال: ولو ادعى ولي الصبي دينًا للصبي، فقال المدعي عليه: إنه أتلف عليَّ من جنس ما يدعيه قدر دينه، لم ينفعه بل عليه أداء ما أثبته الولي، فإذا بلغ الصبي حلفه.
هذا كلامه.
إلا أنه فرض تلك في ما إذا كان المدعى له وعليه صبيين، وهذه في ما إذا كان الصبي هو الذي ادعى له خاصة.
وقد يجاب بأن اليمين هناك من تتمة الدعوى الأولى، فتوقفنا [على] 40 ما توجبه.
وأما اليمين في المسألة الثانية فإنها توجهت في دعوى أخرى غير تلك.
قوله: ولو لم يقرأ الكتاب على الشاهدين وقال: أشهدكما على أن ما فيه حكمي، أو على أني قضيت بمضمونه فوجهان: أظهرهما: أنه لا يكفي ما لم يفصل لهما، ويجري الخلاف في ما لو قال المقر: أشهدك على ما في هذه القبالة وأنا عالم به، ومذهب الشافعي وأبي حنيفة كما نقله الصيمري: أنه لا يكفي، ويشبه أن يكون هذا الخلاف في أن الشاهد هل يشهد على أنه أقر بمضمون القبالة؟ على التفصيل: فأما الشهادة على أنه أقر بما في هذا الكتاب مبهمًا، فما ينبغي أن يكون
الجزء: 9 - الصفحة: 286
فيه خلاف كسائر الأقارير المبهمة.
انتهى كلامه.
وما ادعاه من نفي الخلاف عن الشهادات بالأقارير المبهمة تبعه عليه أيضًا في "الروضة"، وليس كذلك فإن الرافعي قد حكى في كتاب الدعاوى وجهين في ما إذا أقام بينة على أنه أقر له بشيء، أو على أن له عليه مالًا وقالت: لا نعلم قدره، هل يسمع أم لا؟
أحدهما: يسمع، ويرجع في التفسير إليه كما لو أقر به عند القاضي.
وثانيهما: لا، لأن البينة أن تبين.
قوله في "الروضة": وإذا أنكر المدعي عليه أن ما في هذا الكتاب اسمه ونسبه، فالقول قوله بيمينه وعلى المدعي البينة أنه اسمه ونسبه، ولو قال: لا أحلف على أنه ليس اسمي ونسبي، ولكن أحلف على أنه لا يلزمني تسليم شيء إليه، فحكى الإمام والغزالي عن الصيدلاني: أنه يقبل منه اليمين، هكذا كما لو ادعى عليه فرض فأنكر وأراد أن يحلف على أنه لا يلزمه شيء فإنه يقبل، واختارا أنه لا يقبل وفَرّقا بأن مجرد الدعوى ليس بحجة، وهنا قامت بينة على المسمى بهذا الاسم، وذلك بوجوب الحق عليه أن يثبت كونه المسمى.
انتهى ما ذكره في هذه المسألة.
وقد بحث الرافعي مع الغزالي والإمام في تفرقتهم بين الفرض وهذه المسألة بحثًا استفدنا منه أمورًا:
منها: أن الراجح من الوجهين ما قاله الإمام والغزالي، وقد صرح بتصحيحه في "الشرح الصغير" فقال: إنه أظهر الوجهين.
ومنها: أنه إذا قال المدعى عليه: لا يلزمني تسليم شيء إليه وأراد الحلف عليه فيمكن منه، وقد جزم به أيضًا في الشرح المذكور.
ومنها: أنه لا فرق بين مسألتنا وبين الفرض، والعبرة بالجواب فيهما
الجزء: 9 - الصفحة: 287
فإن أجاب فيهما بأنه لا يلزم تسليم شيء إليه كفاه الحلف فيهما عليه، بخلاف ما إذا أجاب بأنه لم يقترض أو ليس ذلك اسمه، لأن الحلف يكون على حسب الجواب، وقد اختار القفال أيضًا في هذه المسألة ما اختاره الصيدلاني.
قوله: ولا يجوز الحكم على المدعى عليه إلا بعد سؤال المدعي في أصح الوجهين ذكره في "العدّة".
انتهى كلامه.
أطلق في "الروضة" تصحيحه.
قوله: وهل يجوز أن يكتب بعلم نفسه ليقضي الكاتب؟ قال في "العدة": لا يجوز، وإن جوزنا القضاء بالعلم، لأنه إذا لم يحكم كالشاهد، والشهادة لا تتأدى بالكتابة وفي "أمالي السرخسي" أنه يجوز [كالشاهد] 41، ولأن إخباره عن علمه إخبار عن قيام الحجة فليكن كإخباره عن قيام البينة.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" أيضًا، وقد جزم في "البحر" بما قاله في "العدة".
قوله: وإذا كتب بسماع البينة فليسم الشاهدين، والأولى: أن يبحث عن حالهما وتعديلهما، فإن أهل بلدهما أعرف بحالهما، وإذا عدل فهل يجوز أن يترك اسم الشاهدين؟ فلفظ "الكتاب" يُشعر بالمنع، وقد صرح به في "الوسيط"، وكذلك ذكره الإمام، والقياس التجويز كما أنه إذا حكم استغنى عن تسمية الشهود، وهذا هو المفهوم من إيراد صاحب "التهذيب" وغيره، ويجوز أن يقدر فيه خلاف بناء على ما سيأتي أن كتاب القاضي بسماع البينة نقل للشهادة أم حكم بقيام البينة؟ إن قلنا: نقل، فلابد من التسمية كشاهد الفرع مع الأصل.
انتهى كلامه.
وهو يقتضي أنه لم يقف في المسألة على التصريح بالخلاف المذكور وقد
الجزء: 9 - الصفحة: 288
صرح به الروياني في "البحر"، وقال: التجويز ضعيف.
قوله: فإن استمهل ليفهم بينة الجرح أمهل ثلاثة أيام، فإنها مدة يسيرة لا يعظم ضرر المدعي بتأخير الحكم فيها، وبالمدعى عليه خاصة إلى مثلها لاستحضار البينة، هكذا ذكره الأصحاب على طبقاتهم، وكذا لو قال: أبرأتني، أو قضيت بالحق، واستمهل ليقيم البينة عليه.
انتهى كلامه.
وما نقله عن اتفاق الأصحاب من الإمهال ثلاثًا ليس كذلك، فقد جزم الماوردي أن الحاكم يجتهد برأيه فيما دون الثلاثة بحسب الحال وعِظَمِ البلد وصغره وأشار إليه في "البحر" أيضًا فقال: أمهل مدة قريبة.
قوله: ولو قال: أمهلوني حتى أذهب إلى بلدهم فأخرجهم فإني لا أتمكن من خروجه إلا هناك، أو قال: لي بينة أخرى دافعة هناك، لم يُجب إليه بل يؤخذ الحق منه.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على إطلاق عدم الإمهال، ويظهر أن يكون محله في ما إذا كان ذلك يتوقف على أكثر من ثلاثة أيام، وكلام الروياني يدل عليه ويحتمل المنع مطلقًا سدًا للباب.
قوله: وفي "العدة": أنه لو سأل المحكوم عليه إحلاف الخصم على أنه لا عداوة بينه وبين الشهود جاز.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة"، وقد جزم الماوردي والروياني بعكسه.
قوله نقلًا عنها أيضًا: وأنه لو ادعى قضاء الدَّين وسأل إحلافه أنه لم يستوفه، لم يحلف لأن الكاتب أحلفه، وذكر البغوي في مثله في دعوى الإبراء، أنه يحلفه أنه لم يبره فحصل وجهان.
انتهى كلامه.
واعلم أن ما نقله الرافعي من عدم التحليف عند دعوى الإقباض محله إذا ادعى ذلك قبل الحكم، أما إذا ادعى أنه أقبضه بعد حكم الحاكم، فإنه
الجزء: 9 - الصفحة: 289
يحلفه بلا شك؛ لأن الحاكم لم يحلفه عليه، إذ التحليف إنما كان على عدم القضاء إلى حالة الحكم، وهذا مع وضوحه يؤخذ من التعليل الذي ذكره الرافعي.
وإذا تقرر ذلك، فإذا ادعى الإقباض وأطلق حلف أيضًا لاحتمال الإقباض في الحالة المذكورة، وهذا كله مع الإمكان.
أما إذا لم يمكن كما إذا ادعى إقباضه إياه وكان أحدهما ملازمًا للقاضي إلى تلك الحالة، فإنه لا يحلف.
فتلخص أنه يحلف لدعوى الإقباض عند الإمكان جزمًا، وأنه لا يحلف عند عدم إمكانه، وعليه يحمل ما نقله الرافعي عن "العدة"، ولا شك أن الإبراء ممكن في كل وقت لاستقلال الشخص به، وحينئذ فيحلف في الحالة التى يستحيل فيها الإقباض، فكذلك جزم به البغوي، فتلخص أن المذكورين لم يتواردا على محل واحد فليست المسألتان على وجهين.
قوله: فإذا نادى قاض من طرف ولايته قاضيًا آخر في طرف ولايته: أني سمعت البينة بكذا، أو جوزنا قاضيين في بلد فقال ذلك قاض لقاض هل للمقول له الحكم بذلك؟ بنى الإمام والغزالي ذلك على أن سماع البينة وإنهاء الحال إلى قاضٍ آخر هل هو نقل لشهادة الشهود كنقل الفروع شهادة الأصول أو حكم بقيام البينة؟ وفيه جوابان:
وجه الأول: أنه لو كان حكمًا، لم يفتقر إلى تسمية الشهود.
ووجه الثاني: أنه لو كان نقلًا، لم يكف ناقل واحد وقد اكتفينا بالقاضي المنهي.
فعلى الأول: لا يجوز للمقول له الحكم كما لا يجوز الحكم بشهادة الفروع مع خصوم الأصول، وعلى الثاني، يجوز كما في الحكم، وهذا أظهر عند الإمام والمصنف، لكن عامة الأصحاب منعوه.
انتهى كلامه.
الجزء: 9 - الصفحة: 290
فيه أمران:
أحدهما: أن ما نقله عن الغزالي من ترجيح الجواز قد تابعه عليه في "الروضة" وليس كذلك، بل ذهب الغزالي في "البسيط" و"الوسيط" إلى منع الحكم، وعبّر في "الوسيط" بقوله: إنه أظهر الوجهين، والذي أوقع الرافعي في ذلك إيهام وقع في "الوجيز"، فإنه لما حكى الوجهين في الجواز وبناهما على أنه هل [هو] 42 حكم أم لا؟ قال: الأظهر أنه حكم.
ولم يصحح في المبنى شيئًا، وكأنه لم يرض البناء أو صحح في المبنى خلاف المبنى عليه، وكثيرًا ما يفعلون ذلك.
وحينئذ فلا يكون "الوجيز" مخالفًا للكتابين المذكورين، ولا شك أن الرافعي لم يَطَّلع هنا على الكتابين المذكورين، إذ لو اطلع لم يترك التصحيح المصرح به إلى ما هو محتمل، بل كان يحمل المحتمل على ما لا يحتمل.
الأمر الثاني: أن ما اقتضاه كلام الرافعي من الجزم بأنه لابد من تسمية الشهود غريب، فإنه ذكر المسألة قبل هذا بدون الصفحة، ونقل وجوب التسمية عن الإمام والغزالي، ثم قال: والقياس وهو المفهوم من كلام البغوي: عدم الاشتراط.
قوله: [الثالث] 43: إذا حضر قاضي بلد الغائب إلى بلد القاضي الذي حكم فأخبره، فهل يُمضيه إذا عاد إلى محل ولايته؟ إن قلنا: إن القاضي يقضي بعلم نفسه: أمضاه، وإن قلنا: لا، فعن بعضهم تجويزه أيضًا، والأصح: أنه لا يجوز.
انتهى كلامه.
وما ذكره من حكاية خلاف في الجواز إذا منعنا القضاء بالعلم لا وجه له ولا يعلم أيضًا من حكاه، بل الذي وقفنا عليه في كتبهم إنما هو الجزم بالمنع
الجزء: 9 - الصفحة: 291
والذي أوقعه في ذلك إنما هو إيهام وقع في كلام "الوسيط"، فإنه عبّر بقوله: وإن لم نجوز القضاء بالعلم، فقد أطلق بعض الأصحاب جوازه، وقال الإمام: لا نجوز، ومراده بذلك أن بعض الأصحاب أطلق جوازه من غير تقييد بجواز القضاء بالعلم، والإمام نزل هذا المطلق على ما إذا جوزنا القضاء بالعلم.
هذا معنى كلامه.
ويؤيده أن أصول "الوسيط" كلها وهي "تعليقة القاضي الحسين" و"النهاية" و"الوسيط" ذكروه كذلك، ولم يحك أحد منهم خلافًا، وقد تقدم في الخطبة أن أصول "الوسيط" أربعة: هذه الثلاثة و"الإبانة" للفوراني، ولم يتعرض لها الفوراني بالكلية.
قوله: فرع: في "الوسيط" أن القاضي إذا حكم بالحق وشافه به واليًا غير قاضي ليستوفي فله أن يستوفي في محل ولاية القاضي، وكذا خارجه على الصحيح؛ لأن سماع الوالي مشافهة كشهادة الشهود عند القاضي.
انتهى كلامه.
وهذا الفرع قد ذكره الإمام في "النهاية"، فأخذه منه الغزالي ناقلًا له على غير وجهه فقلده فيه الرافعي، ثم إن النووي تبع الرافعي عليه وزاد فلم يسنده إلى الغزالي بالكلية فزاد الأمر فسادًا، فإن الإمام في "النهاية" قد قال في أثناء باب مكاتبة القاضي إلى القاضي ما نصه: فلو كتب إلى ذي ولايته وليس إليه القضاء، فلا يملك أيضًا استيفاء الحق من حيث إنه لا يتواصل إلا بسماع الشهادة، وسماعها من منصب القضاء كما تقدم، فلو وقف القاضي شرقي بغداد على طرف ولايته ونادى والي الغربي وليس قاضيًا: بأني قضيت على فلان ببينة أو إقرار فاستوف ذلك الحق منه، فالوجه عندنا: أنه لا يستوفي أيضًا، فإنه ليس إليه سماع قول القاضي كما ليس إليه سماع شهادة الشهود، ويتجه أن يستوفيه من جهة أن القضاة قد يستعينون بالولاة وينقدح في ذلك فرق: فإن القاضي إذا استعان بالولاة الذين في محل ولايته يتحتم على الولاة طاعتهم، لأن حكمه نافذ عليهم،
الجزء: 9 - الصفحة: 292
وإذا كانت الولاة في غير ولايته فلا حكم له عليهم وإنما هو سماع وإبلاغ، وذلك الوالي ليس من أهل السماع.
هذا كلامه.
وقد تلخص منه: أن المتجه عنده أنه لا يستوفيه الوالي الخارج عن ولايته، ثم بعد ذلك بين أن مقابله له وجه في الجملة، فقال: ويتجه أن يستوفيه، ثم إنه ضعف التوجيه المذكور بما أبداه من الفرق.
إذا علمت ذلك فلنذكر أيضًا عبارة "الوسيط" فإنها شارحة لما نقله عند الرافعي ودافعة لتوهم صحة ما قاله بعض الشارحين من أن الغزالي فرض المسألة في صورة غير [الصورة] 44 التي فرضها الإمام وموضحة لما ذكرنا من نقل كلام الإمام على غير وجهه، فنقول: قال الغزالي ما نصه: فإن شافهه الوالي جاز له الاستيفاء في بلدة هي من ولاية القاضي، فإن كانت خارجة عن ولايته ففي وجوب استيفائه نظر؛ لأنه لا ولاية له على تلك البقعة، ولكن الصحيح وجوبه، ثم قال: أما المشافهة فهو أقوى لكن بشرط أن يكون كل واحد منهما في محل ولايته، بأن يكونا قاضيي بلدة واحدة على العموم، أو شقي بلدة فيتناديان من الطرفين.
هذه عبارته.
وهو ما نقله عنه الرافعي، ولا شك أن الرافعي لم يطلع هنا على كلام "النهاية"، إذ لو اطلع لم يقتصر على كلام "الوسيط" لاسيما مع مخالفته، وقد تلخص أن كلام "الوسيط" فيه هذه الوقفة، وكلام "النهاية" سالم عن الريبة ومتجه من جهة المعنى فليؤخذ به، وقد أطلق في "الروضة" تصحيح ما قاله الغزالي ولم يسنده إليه، وبالغ فعبر بالصحيح لا بالأصح، فوقع في خللين:
أحدهما: إيهامه أن المسألة فيها وجهان للأصحاب، مع أنه ليس فيها إلا احتمالان للإمام، والغزالي حكى في "البسيط" احتمالين من غير تصريح
الجزء: 9 - الصفحة: 293
بترجيح، ثم إنه لخص ذلك في "الوسيط"، ورجح أيضًا فقال: ففي وجوب استيفائه نظر، لأنه لا ولاية له على تلك البقعة، ولكن الصحيح وجوبه لأن سماع الوالي بالمشافهة كسماع قاض آخر شهادة الشهود، هذه عبارة "الوسيط".
فعبر الرافعي بالصحيح كما عبر الغزالي وليس لهما فيه اصطلاح، فقد يكون ذلك من وجهين وقد يكون من احتمالين في المسألة، فأطلق النووي التصحيح ولم يعزه إلى الغزالي مع كونه قد اصطلح على ما اصطلح فلزم ما ذكرناه من الخلل.
الثاني: إيهامه أن هذا الترجيح -المنقول عن الغزالي المشتمل على ما ذكرناه من احتمال الغلط- من الأحكام المشهورة في المذهب المقررة بين أهل المسألة عندهم، وأن الخلاف فيها ضعيف.
قوله: قال -يعني في "الوسيط"-: ولا يكاتب القاضي وليًا غير قاضي؛ لأن الكتاب إنما يثبت بشهادة الشهود، ومنصب سماع البينة يختص بالقضاة.
نعم إن كان الوالي صالحًا للقضاء وجعل له النظر فيه بنفسه وفي تقليده من يراه فيجوز مكاتبته، نص عليه في "المختصر".
انتهى كلامه.
وما ذكره من الجزم بأن سماع البينة يختص بالقضاة قد تابعه عليه في "الروضة" أيضًا، ثم صحح بعد ذلك من "زوائده" خلافه ذكر ذلك قُبيل الباب الرابع في الشاهد واليمين وسأذكر لفظه هناك، وقد صرح بالمسألة بخصوصها جماعة منهم الماوردي في "الحاوي" والروياني في "البحر" والفوراني في "الإبانة" ولنذكر لفظ الماوردي فإنه أبسط، فقال: يجوز أن يكتب إلى أمير البلد بما حكم به، ويجوز أن يكتب أيضًا إلى قاضيها، فإن كتب برفع يد عن عين: فالأمير أولى، وإن كتب باستيفاء دين فالقاضي: أولى لأن القاضي بإلزام الحقوق أخص، قال: ولا فرق في هذين القسمين
الجزء: 9 - الصفحة: 294
بين أن تكون بلد الأمير داخلة في ولاية القاضي أم لا، ثم قال بعد ذلك بنحو كراس: مسألة: قال الشافعي - رضي الله عنه -: وكتاب القاضي إلى الخليفة والخليفة للقاضي والقاضي للأمير والأمير للقاضي إذا تعلقت بأحكام وحقوق لا تثبت إلا بالشهادة بالتحري والأداء، فأما كتبهم في الأوامر والنواهي، والكتب إليهم في الأعمال والأقوال فمقبولة على ما جرت به العادة في أمثالهم من ختمها وإرسال الثقات بها، لأن الهيبة [لا تمنع] 45 من التزوير فيها، وما زور منها يظهر والاستدراك فيها ممكن، انتهى موضع الحاجة من كلامه.
قوله: وإذا ادعى بعين غائبة يؤمن الاشتباه فيها كالعقار والعبد والفرس المعروفين، فالقاضي يسمع البينة ويحكم ويكتب إلى قاضي بلد المال ليسلمه إلى المدعي، وإن لم يؤمن فيها الاشتباه فهل يسمع البينة على عينها وهي غائبة؟ فيه قولان:
أحدهما: لا، وبه قال المزني ورجحه طائفة من الأصحاب منهم أبو الفرج الزاز.
والثاني: نعم، وهو اختيار الكرابيسي والإصطخري، ورجحه ابن القاص وأبو علي الطبري، وأجاب به القفال في "فتاويه".
انتهى.
والمرجح هو السماع، فقد قال الرافعي في "المحرر": إنه أقرب الوجهين، وفي "الشرح الصغير": إنه أرجحهما، وصححه النووي في "الروضة" بعد هذا بقليل ولم ينبه على أنه من "زوائده" بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.
قوله: ثم إن كان الكتاب بسماع البينة فقط انتزع المكتوب إليه المال وبعثه إلى الكاتب ليشهد الشهود على عينه، وفي طريقه قولان: أشهرهما: يسلمه إلى المدعي ويأخذ منه كفيلًا ببدنه، وتختم العين عند
الجزء: 9 - الصفحة: 295
تسليمها بختم لازم، ثم قال: وأخذ الكفيل ختم والختم ليس بحتم، كذلك حكى المتلقي عن أبي بكر الأرغياني الإمام.
انتهى.
وهذه المسألة قد ذكرها الغزالي وجزم أن الختم احتياطًا، وحكى في وجوب أخذ الكفيل وجهين، وجزم في "الروضة" بما قاله الأرغياني ولم يعزها إليه، وما ذكرته من التعبير بالأرغياني وقع كذلك في بعض نسخ الرافعي، وفي بعضها التعبير بالريحاني، وقد سبق إيضاح ذلك في الكلام على الأسماء فراجعه.
قوله: فلو كانت جارية فثلاثة أوجه:
أحدها: أنها كالعبد.
والثاني: لا تبعث أصلًا.
والثالث: تُسلّم إلى الأمين في الرفقة لا إلى المدعي، وهذا حسن.
انتهى.
قال في "الروضة": هذا الثالث هو الصحيح أو الصواب.
قوله: الحالة الثانية إذا كانت العين غائبة عن مجلس الحكم والخصم حاضر فيؤمر بإحضارها ليقيم البينة على عينها ولا تسمع الشهادة على الصفة، هذا هو الجواب في "فتاوى القفال" تشبيهًا بما إذا كان المدعى عليه حاضرًا في البلد لا تسمع الشهادة وهو غائب عن مجلس الحكم.
واعلم أن في هذه الصورة المشبهة بها خلافًا سيأتي من بعد، ويشبه أن يجيء ذلك الخلاف هنا أيضًا، فإن جاء انتظم أن يرتب فيقال: إن لم يسمع البينة على الغائبة فعلى الحاضرة أولى وإلا فوجهان: انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على هذا البحث وهو يقتضي أنهما لم يقفا في ذلك على نقل، وقد صرح الإمام بأن ذلك الخلاف لا يجري هنا وفرق.
قوله: في أصل "الروضة": ثم قال العراقيون والبغوي وغيرهم: إذا
الجزء: 9 - الصفحة: 296
نقل المال المدعى إلى بلد القاضي [الكاتب] 46 ولم يثبت كونه له لزم المدعي مع مؤنة الرد أجرة المثل لمدة الحيلولة، ولم يتعرضوا لذلك في مدة تعطل المنفعة إذا أحضره المدعى عليه وهو في البلد، فاقتضى سكوتهم المسامحة، وقد صرح بهذا الاقتضاء الغزالي، والفرق بين الحالين: زيادة الضرر هناك.
انتهى كلامه.
وهو يوهم أن الغزالي فصل بين إحضاره من البلد أو من بلد آخر، وليس كذلك فاعلمه، بل أطلق الغزالي أن الأجرة لا تجب، حتى استدرك عليه الرافعي، فقال: ينبغى أن تحمل على الغائب عن المجلس دون البلد حتى يوافق كلام الأصحاب.
قوله: ومتى كان للمطلوب عذر مانع من الحضور لم يكلفه، بل يبعث إليه من يحكم بينه وبين خصمه، أو يأمره بنصب وكيل ليخاصم عنه، فإن دعت الحاجة إلى تحليفه بعث إليه من يحلفه، والعذر كالمرض وحبس الظالم والمنع منه.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على إطلاقه، ويظهر أن يكون محله في ما إذا لم يكن معروف النسب أو لم يكن عليه بينة، فإن كان معروفًا، وعليه بينة تسمع الدعوى عليه والبينة وحكم، لأن المرض كالغيبة في سماع شهادة الفرع فكذا في الحكم عليه، وقد صرح بذلك البغوي.
قوله: فإن لم يكن في البلد، نظر إن غاب إلى مسافة بعيدة جاز ويحكم عليه وفي البعيدة وجهان:
أحدهما: مسافة القصر.
وأرجحهما على ما ذكره صاحب "الكتاب": ما فوق مسافة العدوى ومسافة العدوى هي التي يمكن المبكر إليها من الرجوع إلى مسكنه ليلًا.
انتهى.
الجزء: 9 - الصفحة: 297
والراجح: هو الثاني، فقد أطلق في "المحرر" و"الشرح الصغير": أنه أرجح الوجهين، ولم ينقله عن الغزالي كما فعل في "الكبير"، وصححه أيضًا النووي في "المنهاج" و"أصل الروضة".
قوله: وإن لم يكن في مكان المطلوب نائب فثلاثة أوجه:
أحدها وبه أجاب أصحابنا العراقيون: أنه يحضره قربت المسافة أو بعدت.
والثاني: إن كان على دون مسافة القصر فيحضره وإلا فلا.
والثالث: إن كان على مسافة العدوى أحضره، وإن زادت فلا، وهذا أظهر عند الإمام، وهو الذي أورده في "الكتاب".
انتهى.
وهذا الكلام مقتضاه رجحان الأول، لكن كلام "المحرر" مقتضاه رجحان الثالث فإنه قال ما نصه: والذي رجح أنه إن كان على مسافة العدوى فيحضره فإن زادت فلا، وكلام "الشرح الصغير" يقتضي رجحانه أيضًا، وعبَّر في "المنهاج": بالأصح، وأبقى [كلام الرافعي] 47 في "الروضة" على ما هو عليه.
قوله: والمرأة المخدرة هل تكلف حضور مجلس الحكم؟ فيه وجهان:
أحدهما -ويحكى عن القفال: نعم، كسائر الناس.
ثم قال: وأظهرهما وبه قال أبو حنيفة: لا تكلف كالمريض، وسبيل القاضي في حقها كما سبق في المريض، واستشهدوا لهذا الوجه بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في قصة العسيف: "واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" 48 بعث إليها ولم يحضرها.
انتهى كلامه.
الجزء: 9 - الصفحة: 298
وقد سبق في المريض ونحوه أن القاضي يبعث إليه بسماع الدعوى والتحليف.
إذا علمت ذلك ففيه أمور:
أحدها: أن عدم إخراج المخدرة للتحليف محله إذا لم يكن في اليمين تغليظ بالمكان، فإن كان فالأصح في "الروضة": إخراجها، كذا ذكره في كتاب الدعاوي في الباب الثالث المعقود لليمين، وكلام الرافعي هناك يُشعر برجحانه غير أنه لم يصرح به.
الأمر الثاني: أن إرسال أنيس - رضي الله عنه - قد اختلف فيه كلام الرافعي -رحمه الله- اختلافًا عجيبًا على ثلاثة أوجه:
فجعله في كتاب الوكالة: وكيلًا، فقال: ويجوز التوكيل في استيفاء حدود الله تعالى لقوله: "واغد يا أنيس" وذكر الحديث.
وجعله في كتاب اللعان: معرفًا لها ومخبرًا بأنها زنت، فقال في أثناء قوله: فروع مفرقة ما نصه: قال العلماء: وإنما بعث أنيسًا ليخبرها بأن الرجل قذفها ثانية لا ليفحص عن زناها.
وجعله في هذا الباب: قاضيًا، وقد علمت لفظه، ولم يذكر في "الروضة" شيئًا من هذه المواضع، وقد نص الشافعي -رحمه الله- في "الأم" على المسألة، فقال بعد نحو أربعة أوراق من باب اللعان ما نصه: وإنما سأل المقذوف، والله أعلم للحد الذي يقع لها إن لم تقر بالزنا، ولم يلتعن الزوج هذا لفظه بحروفه ومن "الأم" نقلته.
وهذا الباب هو بعد باب الخلاف في خيار الأمة.
الثالث: أن هذا الكلام يقتضي سماع الدعوى في حدود الله تعالى، والمسألة قد اضطرب فيها كلامه وكلام "الروضة" أيضًا، وستعرفه واضحًا
الجزء: 9 - الصفحة: 299
في كتاب الشهادات إن شاء الله تعالى.
قوله: وأما ما لا يتعين له مالك، وحصل اليأس من معرفته، فذكر بعضهم أن للقاضي أن يبيعه ويصرف ثمنه إلى المصالح، وأن له حفظه، قال في "الروضة": وقد قاله جماعة ولا يعرف خلافه.
انتهى.
وقريب من هذه المسألة ما إذا كان عنده مال لشخص وغاب المالك وانقطع خبره، فإنه يدفعه إلى قاض يثق به، فإن تعذر تصدق به على الفقراء بنية الغرامة له إن وجده، كذا نقله الرافعي في كتاب الشهادات عن العبادي والغزالي في غير الكتب الفقهية.
الجزء: 9 - الصفحة: 300
الباب الرابع: في القسمة
قوله: ويشترط في القاسم أن يكون عالمًا بالمساحة والحساب، وحكى أبو الفرج الزاز وجهين في أنه هل يشترط أن يحسن التقويم لأن في أنواع القسمة ما يحتاج إليه؟ . انتهى كلامه.
والراجح منهما: عدم الاشتراط، فقد جزم باستحبابه القاضي البندنيجي والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهم، وحينئذ فإن لم يكن عارفًا سأل من عدلين عن قيمة ما يقسمه إذا احتاج إليه، وسكت في "الشرح الصغير" و"المحرر" عن عدِّه من جملة الشروط، فدل على عدم اشتراطه.
قوله: ولا يشترط في منصوب الشركاء العدالة والحرية، فإنه وكيل من جهتهم كذلك أطلقوه، وينبغي أن يكون العبد في القسمة على الخلاف في توكيله في البيع والشراء.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على هذا البحث وفيه أمران:
أحدهما: أن الخلاف المذكور محله في ما إذا كان التوكيل بغير إذن السيد، كذا ذكره الرافعي في باب معاملات العبيد، وحينئذ فلا يحسن في تقرير هذا البحث نصب الخلاف في اشتراطه الحرية، فإنها لا تشترط جزمًا، بل الصواب نصبه في الافتقار إلى إذن السيد.
الأمر الثاني: أن الرافعي علل هناك عدم الجواز بتعلق العهدة بالعبد، والظاهر: أن ذلك المعنى لا يأتي هنا.
قوله: ولو حكم الشركاء رجلًا ليقسم بينهم، قال أصحابنا العراقيون: هو على القولين في التحكيم، إن جوزناه فالذي حكموه كمنصوب القاضي.
انتهى كلامه.
الجزء: 9 - الصفحة: 301
سكت هو و"النووي" عما إذا لم نجوز التحكيم، والحكم فيه: أنه لا يبطل بل يصح ويكون وكيلًا، حتى لا تشترط فيه العدالة، كذا ذكره في "الشرح الصغير"، ويظهر أنه كان هكذا في "الكبير"، ولكن سقط ذلك من النُّسخ.
قوله: ويجب على الإمام أن يرزق قاسمًا من سهم المصالح، فإن لم يكن فيها فضل فلا يتعين قاسمًا لئلا يغالي في الأجرة، ولئلا يواطئه بعضهم فيحيف، بل يدع الناس ليستأجروا من شاؤوا.
انتهى كلامه.
لم يبين هل المنع من التعيين على جهة التحريم أم لا؟ وقد اختلفوا فيه: فقال القاضي الحسين: إنه حرام، وقال الفوراني: إنه مكروه.
قوله: ولو استأجروا قاسمًا وسمى كل واحد أجرة التزمها، فله على كل واحد ما التزم، هذا إذا استأجروا جميعًا، بأن قالوا: استأجرناك لتقسم بيننا كذا بدينار على فلان وبدينارين على فلان مثلًا، أو وكلوا وكيلًا عقد لهم كذلك.
فلو استأجروا في عقود مرتبة فعقد واحد لإقرار نصيبه، ثم الثاني كذلك، ثم الثالث، فقد جوزه القاضي حسين، وأنكره الإمام وقال: هذا بناء على أنه يجوز استقلال بعض الشركاء باستئجار القاسم لإقرار نصيبه، ولا سبيل إليه لأن إقرار نصيبه لا يمكن إلا بالتصرف في نصيب الآخرين ترددًا وتقديرًا، ولا سبيل إليه إلا برضاهم، لكن يجوز انفراد أحدهم برضى الباقين، فيكون أصيلًا ووكيلًا ولا حاجة إلى عقد الباقين.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" أيضًا وفيه أمور:
أحدها: أن التصور الأول قد ذكره القاضي أبو الطيب، وغيره ومعناه: أن كل واحد يعقد بنفسه خاصة، ويسمى ما عليه، إلا أن لفظ الجميع وقع دفعة واحدة، وليس المراد أن كل واحد يعقد لنفسه ولغيره، وإلا جاء المحذور الآتي بعد هذا من كونه ليس وكيلًا.
الجزء: 9 - الصفحة: 302
الأمر الثاني: أن ما ذكره الإمام من المنع محله في غير صورة الإخبار، كذا صَرّح هو به في "النهاية".
الأمر الثالث: أن المعروف هو ما قاله القاضي حسين، وقد لخص في "الكفاية" بعضه، فقال: ولو استأجر كل واحد منهم القاسم في حقه خاصة دون شركائه، قال الماوردي والبندنيجي وابن الصباغ وغيرهم: جاز بلا خلاف عندنا وعليه نص الشافعي.
هذا كلامه، ثم ذكر عقيبه ما قاله الإمام وأن الغزالي تبعه عليه.
قوله: فلا يُكسر جوهر نفيس، ولا يُقطع ثوب رفيع، ولا يُقسم زوجا خف، أو مصراعا باب إن طلبه أحدهما، فإن تراضيا بقسمته وطلبوها من القاضي، فإن بطلت المنفعة بالكلية لم يجبهم ويمنعهم أن يقتسموها بأنفسهم لأنه سفه، وإن نقصت كَسَيْف يكسر لم يجبهم في الأصح، لكن لا يمنعهم أن يباشروا القسمة.
انتهى كلامه.
وما ذكره هنا من امتناع ذلك على القاضي وأنه لا يمنعهم، وتابعه عليه في "الروضة" أيضًا قد ذكر مثله في كتاب الصلح في قسمة الجدار طولًا، قال: لا يجيبهما إليه؛ لأنه إتلاف ولكنهما يباشرانه بأنفسهما إن أرادا، كما لو هدما الجدار واقتسما نقضه، والذي ذكروه مشكل، لأنه إن لم يكن حرامًا: يمتنع على القاضي ذلك، وإن كان حرامًا: فليس له التمكين منه ويتفرع على ما ذكره فرعان فيهما نظر:
أحدهما: لو كان القاضي أحد الشريكين.
والثاني: لو فوضا القسمة إلى ثالث فهل يكون كالقاضي أم لا؟ وهذه المسألة قد تكلموا أيضًا فيها في البيع فينبغي هناك استحضار ما ذكروه هاهنا فيها.
الجزء: 9 - الصفحة: 303
قوله في "الروضة": وإذا لم يكن في القسمة تقويم كفى قاسم واحد على المذهب، وقيل: قولان: ثانيهما: يشترط اثنان.
انتهى كلامه.
وما ذكره من تصحيح طريقة القطع، قد خالفه في "المنهاج" فجزم بطريقة القولين.
اعلم أن ما في "الروضة" مخالف لكلام الرافعي فإن حاصل المذكور فيه: إنما هو ترجيح طريقة القولين، فإنه قد قال: وإذا لم يكن في القسمة تقويم فيكفي قاسم واحد أم لابد من اثنين؟ فيه قولان، ووجّها بأن منصب القاسم منصب الحاكم أو منصب الشاهد؟ والأصح: الأول، ولم يجب المعظم إلا به وقطع به قاطعون.
هذا لفظه.
فتوهم النووي أنه أراد بقوله: أن المعظم أجابوا به حكاية الطريقة القاطعة وهو كثيرًا ما يتوهم ذلك، ويدفعه هنا حكايته بعد ذلك لطريقة القطع وجزمه أولًا بحكاية قولين؛ ولهذا جزم في "المحرر" بذلك وصححه في "الشرح الصغير" فقال بعد حكاية القولين: والأصح الأول، وقطع به بعضهم.
قوله: وقول "الوجيز": وإن كانت بالإخبار فهل يشترط العدد في القاسم؟ فيه قولان، يجوز أن يعلم لفظ القولين بالواو لقطع من قطع بالاكتفاء بواحد، وتخصيص القولين بقسمة الإخبار لم يتعرض له في "الوسيط" بل أطلقها، وكذلك فعل الروياني، فيمكن أن يقال: أشار بهذا التقييد إلى أن الشركاء لو فوضوا القسمة إلى واحد بالتراضي جاز لا محالة، لأنه وكيل من قبلهم.
انتهى كلامه.
وفيه أمران:
أحدهما: أن مقتضاه أنه لم يقف في ما أفهمه كلام الغزالي على نقل، وقد صرح بذلك الماوردي في "الحاوي" والروياني وغيرهما، وقالوا: إنه
الجزء: 9 - الصفحة: 304
يكفي فيه الواحد بلا خلاف، وسأذكر لك لفظ الروياني عقب هذا.
وقد جزم في "الروضة" بما فهمه الرافعي [فجزم به نقلًا.
الأمر الثاني: أن ما ذكره من كون الروياني أيضًا قد أطلق ذلك ولم يقيده، قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة"] 49 وهو عجيب، فقد صرح الروياني في "البحر" بالتقييد المذكور فقال: فأما العدد، فإن تراضوا فالعدد على ما اتفقوا عليه من واحد أو اثنين.
ثم قال: وإن أمر الحاكم بالقسمة ولم يكن فيها تعديل ولا تقويم فقولان.
هذا كلامه.
وزاد على ذلك فحكى قبله بقليل أن ذلك جائز، وإن كان القاسم عبدًا أو فاسقًا، وكلامه في "الحلية" يشعر أيضًا بما صرح به في "البحر"، وكأن الرافعي اقتصر هنا على "الحلية" غير متأمل له أيضًا.
قوله في "الروضة": ثم إن استأجر الشركاء قاسمًا وسموا له أجرة وأطلقوا، فتلك الأجرة توزع على قدر الحصص على المذهب، وقيل: قولان: ثانيهما: على عدد الرؤوس.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن الرافعي لم يصحح شيئًا من الطريقين بالكلية لا في "الكبير" ولا في "الصغير"، وجزم في "المحرر" بطريقة القولين، وتبعه عليه في "المنهاج".
الثاني: أن تصحيحه لطريقه القطع مناقض لما جزم به في "المنهاج" كما ذكرناه.
قوله: وإذا كان لواحد النصف وللثاني الثلث وللثالث السدس، فيجري القاسم المقسوم على أقل السهام وهو السدس، فيجعله ستة أجزاء في ست
الجزء: 9 - الصفحة: 305
رقاع ويخرجها على الأسماء، فإذا بدأ باسم صاحب النصف فإن خرج الأول باسمه فله الأول والثاني والثالث، فإن خرج الثاني فكذلك، فيعطي معه ما قبله وما بعده.
انتهى.
وما ذكره من أنه يعطي مع الثاني ما قبله وما بعده، تابعه عليه في "الروضة" وهو تحكم، فلم لا أعطي السهمان مما بعده ويتعين الأول لصاحب السدس والثاني لصاحب الثلث، وقد ذكر الرافعي نظير هذا في أمثلة، أو يقال: لا يتعين هذا بل يتبع نظر القاسم، كما قاله الرافعي أيضًا في نظائر لهذا، إلا أن يقال: إذا علمنا الطريق الأول أخذ الجميع بالقسمة.
قوله: فإن خرج الثالث له -أي لصاحب النصف- ففي "شرح مختصر الجويني": أنه يتوقف فيه ويخرج لصاحب الثلث، فإن خرج الأول أو الثاني فله الأول والثاني ولصاحب النصف الثالث والرابع والخامس ويتعين السادس لصاحب السدس، وإن خرج الخامس -أي لصاحب- الثلث فله الخامس والسادس، ثم أهمل باقي الصور، وكان يجوز أن يقال: إذا خرج لصاحب النصف الثالث فهو له مع الذين قبله.
وإن خرج الرابع: فهو له مع الذين قبله، ويتعين الأول لصاحب السدس، وإن خرج الخامس: فهو له مع الذين قبله، ويتعين السادس لصاحب السدس، وإن خرج السادس: فهو له مع الذين قبله، وإذا أخذ صاحب النصف حقه ولم يتعين حق الأخيرين أخرج رقعة أخرى باسم أحدهما فلا يقع تفريق.
انتهى كلامه.
وما ذكره الرافعي تفقهًا على ما قاله الشارح المذكور عند خروج الثالث لصاحب النصف وفي ما سكت عنه وهو باقي الاحتمالات، قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" وهو عجيب، وتحكم بغير دليل، فإنه ذكر في ما إذا خرج الثالث لصاحب النصف: أنه له مع السهمين قبله فيقال له:
الجزء: 9 - الصفحة: 306
لم لا قلت: أنه يعطي سهمًا قبله وسهمًا بعده ويتعين الأول لصاحب السدس والأخيران لصاحب الثلث، أو يعطي مع الثالث سهمين بعده ويتعين الأخير لصاحب السدس والأولان لصاحب الثلث؟ فإن قيل: يراعى ما يمكن معه القرعة في الجميع وقدمه على ما يتعين بحسب الواقع.
قلنا: قد سلك عكس ذلك عند خروج الخامس كما سيأتي، وذكر أيضًا أنه إذا خرج الرابع له -أي: لصاحب النصف- أنه يعطي معه السهمان قبله، وأن الأول يتعين لصاحب السدس والأخيران لصاحب الثلث، وإن كان الرافعي لم يصرح بهما -أي بالأخيرين-، لكن علم ذلك من انحصاره بالواقع.
إذا علمت ذلك فيقال أيضًا للرافعي في هذا القسم: لم لا عكست فجعلت له مع الرابع سهمين قبله، وينحصر الأول لصاحب السدس والأخيران لصاحب الثلث؟ أو جعلت له مع الرابع سهمًا قبله وسهمًا بعده، ويتعين السادس أيضًا لصاحب السدس والأولان لصاحب الثلث؟ .
وذكر أيضًا أنه إذا أخرج الخامس له أي لصاحب النصف أنه يعطي معه سهمان قبله ويتعين السادس لصاحب السدس -أي ويتعين الأولان لصاحب الثلث- وسكت عنه لما ذكرناه.
فيقال له: لم لا أعطيت مع الخامس سهمًا قبله وسهمًا بعده ثم يقرع بين صاحب السدس والثلث؟ لاسيما وهذا الطريق يؤدي إلى الإقراع بين الكل بخلاف ما ذكره هو، وهو إعطاء السهمين قبل الخامس فإنا لا نعمل معه بالقرعة كما سبق.
والذي ذكره هنا عكس ما ذكره عند خروج الثالث، فإنه سلك هناك ما يفضي إلى القرعة وترك الطريق المفضية للتعيين من غير قرعة.
قوله: ويمكن أن يبدأ بصاحب الثلث، فإن خرج له الأول أو خرج له
الجزء: 9 - الصفحة: 307
الثاني دفع إليه الأول والثاني معًا، وإن خرج له الخامس أو السادس فيدفعان إليه معًا ثم يخرج باسم أحد الأخيرين، فإن خرج له الثلث أعطى الثالث والثاني ويتعين الأول لصاحب السدس، والثلاثة الأخيرة لصاحب النصف، وإن خرج الرابع فله الرابع والخامس وتعين السادس لصاحب السدس والثلاثة الأول لصاحب النصف.
انتهى كلامه.
ذكر نحوه في "الروضة" وفيه إشكال يتوقف ذكره على شرح لفظه، فإن تركه ربما أدى بكثيرين إلى فهمه على غير ما هو عليه، فقوله: ثم يخرج باسم أحد الآخرين، هو بفتح الخاء المعجمة تثنية آخر، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ 50.
وأشار الرافعي بهما إلى الاثنين الباقيين وهما صاحب السدس والنصف، وهو عائد إلى الأقسام الأربعة، وهي ما إذا خرج الأول أو الثاني أو الخامس أو السادس.
وتعبيره عقبه بقوله: فإن خرج.
. . . إلى آخره هو بالواو وهو بقية أقسام صاحب الثلث.
إذا علمت ذلك فنعود إلى ذكر الإشكال فنقول: تعبيره بقوله في جواب الأربعة: ثم يخرج باسم أحد الأخيرين، حاصله أنه مخير بين أن يخرج باسم صاحب النصف أو لصاحب السدس وهو مشكل؛ لأنه إذا بدأ باسم صاحب السدس فقد يخرج له الربع؛ وذلك يؤدي إلى تفريق حق صاحب النصف، فإنه لا يبقى له إلا الثلث، والخامس والسادس بخلاف ما إذا بدأ بصاحب النصف، فإنه لا يؤدي إلى محذور.
قوله: أما إذا جرت القسمة بالتراضي بأن نصَّبا قاسمًا أو اقتسما بأنفسهما، ثم ادعى أحدهما غلطًا، فإن لم يعتبر الرضى بعد خروج القرعة
الجزء: 9 - الصفحة: 308
فالحكم كما لو ادعى الغلط في قسمة الإجبار، وإن اعتبرناه وتراضيا.
. . . إلى آخر ما ذكره.
وهذا الخلاف الذي أحال عليه وهو الخلاف في اعتبار التراضي إذا اقتسما بأنفسهما، قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" وليس له ذكر في كلامه في هذا الباب بالكلية، بل في تعليق البندنيجي التصريح بأنه لابد من رضاهما بعد خروج القرعة بلا خلاف، وذكر -أعني: الرافعي- بعد هذا بأوراق وهو في الكلام على القاعدة الثانية حكاية القولين في ما إذا تراضيا بقاسم، ثم نقل عن الشيخ أبي حامد الجزم بالاشتراط في ما إذا اقتسما بأنفسهما، وأسقطه من "الروضة"، وذكر في "المهذب" نحو هذا، وكذلك في "النهاية" أيضًا فقال: لابد في هذه الصورة من الرِّضى؛ إذ لا متوسط بينهما حتى تكون قسمته مستندة لرضاهما، ثم قال: هذا هو الظاهر، وفيه احتمال.
وذكر القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما ما هو أبلغ منه فقالوا: إذا نصبوا من يقسم بينهم وكيلًا عنهم لا بالتحكيم، فلابد من التراضي بعد خروج القرعة بلا خلاف.
وبالجملة: فقد تظافرت النقول على بطلان ما قاله الرافعي هنا، وقد وقع في "التنبيه" هنا شيء غريب، فإنه جزم بعدم الاشتراط وحكى الخلاف في ما إذا نَصَّبا قاسمًا، واعترض عليه في "الكفاية" وقال: إنه لم يره في غير "التنبيه"، وحيث اشترط التراضي فهل هو كخيار العيب حتى يكون على الفور أو كخيار المجلس؟ فيه وجهان حكاهما الماوردي.
قوله: وإذا قُسِّمَت التركة بين الورثة ثم ظهر دين، فإن جعلنا القسمة إقرار حق: فهي صحيحة ثم تباع الأنصباء في الدين إن لم يوفوه، وإن جعلناها بيعًا: ففيه خلاف سبق في آخر الرهن، والأظهر صحته.
انتهى.
الجزء: 9 - الصفحة: 309
تابعه عليه في "الروضة" ومقتضاه أن القسمة صحيحة على القول الأول سواء حصل الوفاء أم لا، والذي قاله العراقيون "والبغوي" أن القسمة تنقض لوفاء الدين.
قوله: ولو جرت قسمة ثم استحق من المقسوم جزء شائع كالثلث [بطلت] 51 القسمة في المستحق، وفي الباقي طريقان.
قال أبو علي بن أبي هريرة: إنه على الخلاف في تفريق الصفقة، وهذا ما أورده في "الكتاب" وبه أخذ أكثرهم.
وقال أبو إسحاق: تبطل القسمة قولًا واحدًا، وبه أجاب الروياني في "الحلية"؛ لأن المقصود من القسمة وهو التمييز لم يحصل.
انتهى.
ذكر نحوه في "الشرح الصغير" أيضًا وفيه أمران:
أحدهما: أن النووي في "الروضة" لما اختصر هذا الكلام لم يذكر في الطريق الأول أنه على الخلاف في تفريق الصفقة، بل عبر بقوله: وفي الباقي طريقان، أصحهما قولان:
أحدهما: تبطل به.
والثاني: تصح ويثبت الخيار، وبهذا الطريق قال الأكثرون.
وقال أبو إسحاق: تبطل فيه قولًا واحدًا.
هذا لفظه من غير زيادة عليه، فلزم منه عدم معرفة الصحيح في المسألة.
الأمر الثاني: أن ما نقله هاهنا عن الأكثرين من تخريجه على تفريق الصفقة حتى يكون الأصح فيه الصحة عجيب جدًا وغلط فاحش، فقد أمعنت النظر في كلام الأصحاب فوجدتهم على ثلاثة أقسام:
قسم لم يصرح بالمسألة بالكلية، وهم جماعة منهم ابن سراقة في "التلقين" والفوراني في "العمد" و"الإبانة".
الجزء: 9 - الصفحة: 310
وقسم ذكرها ولم يصرح فيها بتصحيح، منهم القاضي أبو الطيب والدارمي في "الاستذكار" والشيخ في "المهذب" وابن الصباغ في "الشامل" والبغوي في "التهذيب" والشاشي في "الحلية" وشريح الروياني في كتابه المسمى "بالروضة" وصاحب "البيان" وصاحب "الذخائر" والعراقي شارح ["المهذب"] 52 وغيرهم.
وقسم ذهبوا إلى البطلان وهم الأكثرون، منهم الشيخ أبو حامد في "التعليق" وأبو علي البندنيجي في تعليقته المعروفة المسماة "بالجامع" وعبر فيها: بالمذهب، وسليم الرازي، وعبّر في "المجرد": بالصحيح، والمحاملي وعبّر في "المقنع": بالأصح، والماوردي في "الحاوي" وعبّر: بالجمهور، والشيخ أبو إسحاق في "التنبيه" وأبو نصر البندنيجي في كتابه "المعتمد" جازمًا به، وقال الخوارزمي في "الكافي" والروياني في "البحر": إنه الأصح، وجزم به في "الحلية".
وقال أبو عبد الله الحسين الطبري في "العدة": إنه الصحيح، وقال ابن عصرون في "الانتصار": إنه الأصح، وجزم به في "المرشد" وفي كتابه المسمى "بالتنبيه"، وذكر نحو ذلك جماعة أيضًا، منهم القاضي الحسين في "تعليقه" وأبو منصور التميمي في كتابه المسمى "بالمسافر" فإنهم جزموا ببطلان القسمة بخروج شيء مستحق، ولم يفصلوا بين المعين والشائع، فهذه كتب الأصحاب شاهدة على بطلان ما وقع في الرافعي هنا وتابعه عليه في "الروضة".
والسبب في وقوع الرافعي في ما وقع فيه أن الإمام قال: ذكر العراقيون في ذلك قولين وخرجوهما على تفريق الصفقة.
هذه عبارته من غير زيادة عليها، وهي عبارة توهم الواقف عليها أن العراقيين اقتصروا على هذه
الجزء: 9 - الصفحة: 311
الطريقة، وكأنه أراد أنه وقع ذكرها في كتبهم، وإلا فنقول: العراقيون كلهم -كما قدمته لك قاطبة- تغلط ما نسب إليهم، ثم إن الغزالي تابع إمامه على عادته فشرحه الرافعي مغترًا به وبإيهام كلام الإمام ولم يمعن [النظر في المسألة فوقع فيما وقع، ومما يدل على عدم إمعانه أنه اقتصر من] 53 النقول التي نقلها عن أعلام المذهب في كتبهم المبسوطة والمتوسطة والمختصرة على نقل ذلك عن "حلية الروياني" خاصة، والحاصل: أنه هاهنا لم ينظر غير "النهاية" و"الوجيز" و"الحلية"، وقد أوضحت لك بطلان مستنده وهو كلام الإمام الموهم.
ولا شك أن المصنف قد لا يبسط في بعض الأوقات فيقلد فيقع في الغلط بسبب ذلك، فأحمد الله تعالى على التوفيق إلى الصواب.
واعتمد ما ذكرته فقد راجعت في هذه المسألة من المصنفات ما لعله لم يسمع به الرافعي فضلًا عن وقوفه عليه، وقد ذكرت لك عبارات أكثرها.
نعم صحح الجرجاني في "الشافي" و"التحرير" طريقة ابن أبي هريرة، وهي التخريج على تفريق الصفقة كما وقع في الرافعي، ورأيت مثل ذلك في "تتمة التتمة"، ولا اعلم أحدًا غير هذين إلا كلام الغزالي ومن تبعه لأجل الوهم أو الإيهام الواقع في كلام الإمام.
قوله: وإن استحق معين نظر: إن اختص المستحق بنصيب أحدهما أو كان المستحق من نصيب أحدهما أكثر بطلت القسمة.
انتهى كلامه.
وما قاله من البطلان يستثنى منه ما إذا وقع في الغنيمة عين لمسلم أخذها منه الكفار ولم يعلم بها إلا بعد القسمة، فإنها ترد على صاحبها ويعوض عنها من وقعت في نصيبه من خُمْس الخُمْس ولا تُفْسخ القسمة، كما أوضحوه في بابه.
الجزء: 9 - الصفحة: 312
قوله: القسم الأول: قسمة التعديل فيما يعد شيئًا واحدًا كالأرض تختلف أجزاؤها لاختلافها في قوة الإنبات أو في القرب من الماء والبعد منه، فيكون ثلثها مثلًا بحوزته مثل ثلثها بالقيمة فيجعل هذا بينهما وهذا بينهما إن كانت بينهما بالتسوية، وفي الإجبار على هذه القسمة قولان جاريان عند اختلاف الجنس أيضًا كالبستان الواحد بعضه نخيل وبعضه كرم، والدار المبني بعضها بالآجر وبعضها بالخشب والطين، والراجح منهما عند صاحب "التهذيب": هو عدم الإجبار، لكن العراقيون وغيرهم رجحوا خلافه.
ثم قال: واعلم أنه يشبه أن يكون الخلاف في الإجبار مخصوصًا به، فإن أمكن أن يقسم كل واحد منهما وحده فلا يجبر على قسمة التعديل كما لو كانا شريكين في أرضين يمكن قسمة كل واحد منهما بالآخر ألا يجري الإجبار على التعديل.
انتهى كلامه.
وفي البحث المذكور آخرًا أمران:
أحدهما: في تقريره، فإن معناه بعيد عن الفهم مع كونه سهل التقرير مستورًا بشيء لطيف، وصدر البحث واضح، وأما عجزه فمعناه أنه بتقدير أن لا يكون الخلاف مخصوصًا بهذه الحالة فيجاب أيضًا بتخصيصه ويفتى به، فالحاصل: أن الفتوى عليه، أما مع عدم الخلاف أو مع إثباته، فقد صرح بذلك في "الشرح الصغير" فقال: ويشبه أن يكون [الخلاف في] 54 الإجبار مخصوصًا بما إذا لم يمكن قسمة الجيد وحده والرديء وحده، أو يكون قول الإجبار مخصوصًا به، فإن أمكن قسمة كل واحد منهما وحده فينبغي أن لا يجبر على قسمة التعديل، [هذا] لفظه.
ولما أشكل هذا الموضع على الواقفين عليه تصرفوا في لفظه، ففي بعضها إسقاط هذا اللفظ، وهو فإن لم يكن الخلاف مخصوصًا، وكذلك
الجزء: 9 - الصفحة: 313
أسقطه النووي من "الروضة" أيضًا.
الأمر الثاني: أن ما ذكره الرافعي بحثًا واقتضى كلامه عدم الوقوف عليه وتابعه عليه في "الروضة" غريب جدًا فقد جزم به جماعة كثيرة منهم الماوردي في "الحاوي" والشيخ في "المهذب" والروياني في "البحر" والعمراني في "البيان".
قوله: وأما الأقرحة.
. . . . إلى آخره.
هي بالقاف والراء والحاء المهملتين: مفردها قَراح -بفتح القاف- وهي المزرعة التي لا غراس فيها ولا بناء.
كذا قاله الجوهري في فصل القاف، وذكر أيضًا في فصل الباء الموحدة أن البراح -بفتح الباء- هي الأرض الواسعة لا زرع فيها ولا شجر، فيجوز أن يقرأ كلام الرافعي بالوجهين.
قوله: إحداهما: قسمة المتشابهات إقرار حق أو بيع؟ فيه قولان، قال صاحب "التهذيب" وآخرون: الأصح كونها بيعًا، وقال الغزالي في الرهن: الأصح كونها إقرارًا، قال صاحب "العدة": وعليه الفتوى.
وهذا يوافقه جواب الأصحاب في مسائل مخرجة على القولين.
انتهى.
وحاصله ترجيح الإقرار، وقد ذكر نحوه في "الشرح الصغير" أيضًا وكذلك في "المحرر"، فإنه قال: فيه قولان، ذكر أن الفتوى على الإقرار.
إذا علمت ذلك فقد صح في موضعين من هذا الكتاب أنه بيع على خلاف ما ذكره هنا:
أحدهما: في زكاة المعشرات قبيل الكلام على الخرص بأسطر، فقال ما نصه: ولأن المقاسمة بيع على الصحيح، وبيع الرطب بالرطب لا يجوز، هذا لفظه وذكر أيضًا قبله ما يقتضيه.
الجزء: 9 - الصفحة: 314
والموضع الثاني: في باب الربا في الكلام على طريق المماثلة، فقال: فمن فروعه: أن يريد شريكان في شيء من مال الربا قسمته بينهما، وهو مبني على أن القسمة بيع أو إقرار حق؟ فإن قلنا بالأول، وهو [الصحيح] 55، فلا تجوز قسمة المكيل بالوزن، ولا قسمة الموزون بالكيل، وما لا يباع بعضه ببعض كالعنب والرطب فلا يقسم أصلًا.
وإن قلنا بالثاني: جاز، هذا لفظه.
وقد اختلف كلام النووي أيضًا في المسألة، فقال في "المنهاج" هنا: الأظهر أنها إقرار، وقال في "زوائد الروضة" هنا: إنه المختار، وقال في "شرح المهذب" في الكلام على قسمة لحم الأضحية: الأصح جوازه، قال: لأن الأصح أن القسمة إقرار لا بيع، ثم خالف ذلك كله في باب الربا في الموضع المتقدم ذكره فقال: الأظهر أنها بيع.
قوله: وفي محل القولين طريقان:
أحدهما: أن القولين في ما إذا جرت هذه القسمة بالإجبار، أما إذا جرت بالتراضي فهي بيع لا محالة.
والثاني: أنهما يطردان إن جرت بالتراضي أو بالإجبار، وحكى الطريقين صاحب "التهذيب" وقال: الأصح الأول.
انتهى كلامه.
وما نقله عن صاحب "التهذيب" من تصحيح الطريقة الأولى تابعه على نقله عنه في "الروضة" أيضًا وهو غلط، فإن الصحيح في "التهذيب": تصحيح الطريقة الثانية وهي طريقة القولين مطلقًا، فإنه قال بعد حكاية القولين وتصحيح كونها بيعًا ما نصه: والصحيح أنه لا فرق بين أن تكون قسمتها بالتراضي أو بالجبر، أنه على قولين، وقيل: القولان في ما إذا
الجزء: 9 - الصفحة: 315
اقتسما جبرًا، فإن كان بالتراضي فهو بيع له، قولًا واحدًا.
هذا لفظ البغوي بحروفه فانعكس على الرافعي.
قوله: لا يجوز قسمة الوقف عن الوقف، وأما قسمة الملك عن الوقف، فإن قلنا بيع: لا تجوز، وإن قلنا إقرار، جازت.
قال الروياني [: وهو الاختيار.
انتهى.
قال في "الروضة": هذا الذي اختاره الروياني] 56 هو المختار، قال: وهذا إذا لم يكن فيها رد، وكان رد من أصحاب الوقف، فإن كان من صاحب الملك لم يجز، لأنه يأخذ مقابله جزءًا من الوقف، ذكره صاحب "التهذيب" وغيره.
واعلم أن كثيرًا من الأصحاب ذكر المسألة في كتاب الوقف.
قوله: القاعدة الثانية: قسمة الإجبار لا يعتبر فيها التراضي لا عند إخراج القرعة ولا بعد خروجها، فلو تراضى الشريكان بقاسم يقسم بينهما فهل يعتبر التراضي بعد خروج القرعة أم يكفي الرضا الأول؟ فيه قولان كالقولين في ما إذا حكما رجلًا فحكم بينهما، والذي يميل إليه كلام المعتبرين: أنه يعتبر وذكر أنه المنصوص.
انتهى.
وما ذكره هنا من حكاية الخلاف قولين ذكر مثله في "الشرح الصغير"، ثم خالف في "المحرر" فجعله وجهين، فقال: والقسمة التي يجبر عليها إذا جرت بالتراضي هل يعتبر فيها تكرير التراضي بعد خروج القرعة؟ فيه وجهان رجح منها التكرير.
انتهى.
وعبارة "الروضة": وذكروا عوضًا عن قول الرافعي وذكروا بينهما تفاوت ظاهر.
الجزء: 9 - الصفحة: 316
واعلم أن النووي في "المنهاج" قد انعكست عليه المسألة فجعل الخلاف في ما لا إجبار فيه، [فقال في اختصاره لكلام "المحرر": ولو تراضيا بقسمة ما لا إجبار فيه] 57 اشترط الرضى بعد القرعة على الأصح.
وهذا الكلام فيه اعتراض من وجوه:
منها: ما ذكرناه.
ومنها: أنه ذكر هذه المسألة بعينها قبل ذلك من غير فصل، فقال: ويشترط في الرد أيضًا الرضى بعد خروج القرعة، ثم قال: ولو تراضيا بقسمة ما لا إجبار فيه.
. . . إلى آخره، والذي ليس فيه إجبار هو قسمة الرد فقط؛ لأن قسمة المتشابهات يجبر عليها قطعًا، وكذا التعديل على الصحيح.
ومنها: أنه مع تكراره غاير في الجواب، فجزم به أولًا، وحكى فيه الخلاف ثانيًا وجعله قويًا فإنه عبر بالأصح.
ومنها: أنه جعل الخلاف المذكور قويًا كما بيّناه، وهو عكس ما في "الروضة" فإنه جعل الخلاف ضعيفًا فعبر بالصحيح، والمذكور في "الروضة" هو الصواب، فإنهما في "الشرح" و"الروضة" لم ينقلا مقابله [إلا] 58 عن الإصطخري.
قوله: ولا تجوز المهاياة في الحيوان اللبون ليحلب هذا يومًا وهذا يومًا، ولا في الشجرة المثمرة ليكون ثمرها لهذا عامًا ولهذا عامًا، لما فيه من التفاوت الظاهر.
انتهى.
وطريقهما والحالة هذه ما قاله في "الروضة": أن يتيح كل واحد نصيبه لصاحبه.
الجزء: 9 - الصفحة: 317
قوله: ولو تقدم جماعة في أيديهم دار أو أرض إلى القاضي فطلبوا القسمة قسمها ولم يقيموا عليه بينة، ففيه قولان: أصحهما عند الإمام وصاحب "الكتاب" وإليه ميل ابن الصباغ: أنه يجيبهم، والأصح عند الشيخ أبي حامد وطبقته: أنه لا يجيبهم ويدل عليه أن الشافعي لما ذكر القول الآخر قال: ولا يعجبني هذا القول.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن محل هذا الخلاف ما إذا لم يكن لهم منازع، فإن كان لم يجبهم قطعًا كما صرح به الماوردي والروياني وابن الرفعة وغيرهم، وعللوه بأن قسمة الحاكم إثبات لملكهم واليد توجب إثبات التصرف ولا توجب إثبات الملك.
الثاني: أن الأصح من هذا الخلاف: أنه لا يجيبهم، كذا صححه النووي في "زوائد الروضة" و"تصحيح التنبيه"، وهذه المسألة مخرجة على أن تصرفات الحاكم هل هى حكم أم لا؟ وقد سبق الكلام على هذه القاعدة مطولًا في كتاب النكاح عقب الكلام على الموانع فراجعه.
الجزء: 9 - الصفحة: 318