كتاب الغصب
وفيه بابان:
الباب الأول: في الضمان
وفيه ثلاثة أركان:
الركن الأول: الموجب
قوله: وللأصحاب -رحمهم الله- في التعبير عن معنى الغصب عبارات.
إحداها: أنه أخذ مال الغير على جهة التعدي.
ثانيها: الاستيلاء على مال الغير بغير حق، هذه أعم من الأولى، لأن من استعمل ثوبا لغيره يظنه لنفسه، فإن الغصب يثبت في حقه مع إنتفاء العدوان وهو الإثم.
ثالثها: كل مضمون على ممسكه مغصوب.
وهذه أعم من الأوليين، ويدخل فيها المقبوض بالشراء الفاسد، والوديعة إذا تعدى فيها المودع، والرهن إذا تعدى فيه المرتهن.
وأشبهها وأشهرها العبارة الأولى، والثابت في الصور المذكورة إنما هو حكم الغصب لا حقيقته.
انتهى ملخصا.
فيه أمور:
أحدها: أن المودع إذا تعدى فقد انفسخت الوديعة، وحرم عليه الاستيلاء عليها وصار ضامنا، فقد ثبت فيها حقيقة الغصب [بخلاف المرتهن فإن الثابت فيه إنما هو حكم الغصب] 1 وهو الضمان، وأما الاستيلاء فثابت له
الجزء: 6 - الصفحة: 24
لبقاء الرهن.
الأمر الثاني: أن تعبيره في العبارة الثانية بقوله: بغير حق؛ إن أراد بالحق ما وجب له كالمستأجر ونحوه فيلزم فسادها.
وأن تكون الثالثة أعم منها لدخول الوكيل والمستعير، والمودع وغير ذلك.
وإن أراد بالحق الجائز فلزم أن لا تكون أعم من العبارة الأولى بل مساوية لها.
وقد ذكر في "المطلب" هذا الاعتراض وأقره، [وأقرب] 2 شيء فيه أن يقال: إن أراد بالحق المسوغ في نفس الأمر وحينئذ فلا اعتراض.
الأمر الثالث: أن التعبير بالمال مخرج للاختصاصات كجلد الميتة والسرجين وحق التحجر، ونحو ذلك.
وقد ذكر في "الروضة" هذا الاعتراض ثم قال بعده: والاختيار: أنه الإستيلاء على حق الغير بغير حق هذا لفظه.
وتعبيره بقوله: بغير حق ذهول، والصواب: عدوانًا، فقد تقدم الفرق بينهما وموافقته عليه، وإنما نقصد الإنتقاد على من عبر بالمال.
قوله: والإتلاف أيضًا مضمن، وقد يكون بالمباشرة، وقد يكون بالتسبب.
ثم قال: ومن التسبب الإكراه على إتلاف مال الغير.
انتهى.
واعلم أن المكرِه يعني الأمر، وإن كان يجب عليه، لكن ينبغي أن يتفطن إلى أن المتلف يطالب أيضًا على الصحيح، كما ذكره في الجنايات في الكلام على الإكراه على القتل.
ثم إذا غرم فيرجع به على المكرِه على الصحيح أيضًا.
قوله: أما إذا كان جامدًا وشرقت الشمس فأذابته إلى آخره.
الجزء: 6 - الصفحة: 25
يقال: شرقت الشمس تشرق بالضم شروقا وشرقًا إذا طلعت، كما تقول مثله في غربت وهذا هو المراد هنا، وأشرقت إشراقًا إذا أضاءت.
قوله: ولو فتح قفصا عن طائر فطار في الحال فطريقان، أظهرهما: قولان:
أصحهما: الوجوب.
والثانية: يجب قطعًا، وقيل: إن اضطرب ثم خرج وجبت، وإن خرج من غير إضطراب لم تجب.
وإن وقف ثم طار فطريقان أيضًا.
أظهرهما: القطع بعدم الضمان.
والثانية: على قولين، واختار جماعة الضمان مطلقًا.
منهم الروياني.
انتهى ملخصًا.
اختصره في "الروضة" بقوله: فثلاثة أقوال:
أظهرها: إن طار في الحال ضمن، وإلا فلا.
والثاني: يضمن مطلقًا.
والثالث: لا يضمن مطلقًا، هذا لفظه من غير زيادة عليه، وفيه خلل من ثلاثة أوجه:
أحدها: في إسقاط الوجه المفصل بين أن يضطرب أم لا.
وثانيها: في إسقاط الطريقين.
وثالثها: أن جزمه بحكاية الخلاف فيما إذا وقف ثم طار، عكس ما صححه الرافعي، فإن الصحيح فيه طريقة القطع.
واعلم أن ما نقله الرافعي عن اختيار الروياني صحيح، لكنه في "الحلية" فتفطن له.
وأما في "البحر" فعكس حتى بالغ فقال: إنه غلط.
الجزء: 6 - الصفحة: 26
قوله: ولو حبس المالك عن ماشيته حتى تلفت، فلا ضمان لأنه لم يتصرف في المال، كذا قالوه، ولعل صورته فيما إذا لم يقصد منعه عن الماشية، وإنما قصد حبسه فأفضى إلى إهلاكها؛ لأن المتولي قال: ولو كان له زروع ونخيل، وأراد سوق الماء إليها فمنعه ظالم عن السقي حتى فسدت ففي الضمان الوجهان فيما لو فتح الزق عن جامد فذاب بالشمس وضاع.
انتهى كلامه.
واعلم أن الأصح في مسألة الزق: أنه يضمن: لكن الأصح ههنا في المنع من السقي وشبهه كالمنع من الرعي: عدم الضمان، والفرق عدم التصرف في المال، قاله في "الروضة".
قوله: وبطرد هذه القاعدة ذهب بعضهم إلى أنه إذا غصب هادي القطيع فتبعه القطيع، أو البقرة فتبعها العجل، يضمن القطيع والعجل.
انتهى كلامه.
لم يذكر في هذه المسألة غير هذه المقالة وقد أعاد المسألة في كتاب السرقة، وحكى فيها وجهين من غير ترجيح.
وتبعه عليه في "الروضة".
قال في "المطلب": والراجح هو: الضمان، قال: ويشهد له قول الأصحاب أنه إذا كان في يده دابة وخلفها ولد فأتلف شيئًا ضمنه كما يضمن ما تتلفه أمه، فلو لم يكن في يده لم يضمنه.
إذا علمت ذلك فقد صحح النووي في أصل "الروضة" هنا أنه لا يضمن القطيع والعجل، فاعلم ذلك.
قال في "المطلب": الذي يظهر فيما إذا غصب أم النحل فتبعها النحل أنه يضمنه وجهًا واحدًا لاطراد العادة بتبعه لها، والنحل هنا: بالنون والحاء المهملة.
والهادي: بالدال المهملة هو: الذي يمشي أولها فتتبعه.
الجزء: 6 - الصفحة: 27
قوله في أصل "الروضة": فرع لو نقل صبيًا حرًا إلى مسبعة فافترسه سبع فلا ضمان هذا هو المذهب والمعروف في كتب الأصحاب، وذكر الغزالي فيه وجهين، وليس بمعروف.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن إنكاره هذين الوجهين غريب لم يذكره الرافعي، فقد حكاهما الإمام في كتاب الجنايات، والغريب أن الرافعي نقلهما عنه هناك في أول الطرف الثاني المعقود لاجتماع العلة، والشرط.
فإنه قد ذكر المسألة هناك وبسطها فراجعها.
ولما اختصر النووي كلام الرافعي هناك عبر بالأصح.
واصطلاحه في هذا اللفظ أنه للخلاف القوي.
وأغرب من هذا أن الشيخ قد جزم في "المهذب" بأنه إذا ألقى حرًا مشدودًا في مسبعة فقتله السبع، وجب فيه دية شبه العمد فانظر إلى الكتاب وشهرته والمفروض فيه الحكم، وهو الرجل والواجب وهو دية شبه العمد؛ وكيفية الجواب وهو الجزم لا التردد.
الأمر الثاني: أن الوجهين في الصبي محلهما إذا لم يقدر على الحركة والانتقال من الموضع، فإن قدر فلم يفعل، فلا ضمان على الواضع كما لو فتح عرقه فلم يعصبه حتى مات كذا قاله الرافعي هناك.
قوله: لكن لو ركب دابة الغير، أو جلس على فراشه، ولم ينقله فأصح الوجهين أنه يكون غاصبًا.
ثم قال: ويشبه أن تكون المسألة مصورة فيما إذا قصد الراكب والجالس الاستيلاء، أما إذا لم يقصده ففي "التتمة" أن في كونه غاصبًا وجهين.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
الجزء: 6 - الصفحة: 28
أحدهما: أن صاحب "التتمة" إنما حكى الوجهين في كونه ضامنًا، ولم يحكهما في كونه غاصبًا.
بل لا يصح منه حكايتهما في ذلك، فإنه قد صرح بعد هذا بأن شرط الغصب في المنقولات حصول الاستيلاء، فإن لم يوجد لم يكن غاصبًا، وإن وجد الضمان، فقال: لو كان بين يديه شيء من المنقولات فأخذه إنسان لينظر هل يصلح له ليشتريه أو ليعمل لنفسه مثله، وتلف في تلك الحالة ضمنه.
ولو دخل دارًا لينظر هل تصلح له ليشتريها أو يبني لنفسه مثلها فانهدمت في تلك الحالة لا ضمان عليه على الصحيح.
قال: وهذه المسألة تعلقت بها الحنفية في أن الغصب هو النقل، وليس الموجب [هو] 3 التفرقة، قالوا: لأنا لا نقول: إن الضمان الثابت في المنقولات ضمان غصب؛ لأن ضمان الغصب ضمان عدوان.
وإذا لم يقصد منع المالك لا يوصف بالعدوان ولكن قبض ارتفاق.
وما نقله عن المتولي في رفع المنقول من الضمان قد نقله عنه أيضًا الرافعي بعد هذا بقليل وسنذكره، ونذكر أن المشهور خلافه.
الأمر الثاني: أن الرافعي لم يصحح شيئًا فيها إذا لم يقصد الاستيلاء كما تقدم، بل كلامه يشعر بأن الصحيح أنه ليس بغاصب، فإنه قد غاير بين المسألتين في الحكم مع اشتراكهما في الوجهين.
وقد اختصر النووي في "الروضة" ذلك على غير وجهه، وصحح أنه غاصب مطلقًا.
فقال: أصحهما أنه غاصب سواء قصد الإستيلاء أم لا.
قوله: في المسألة قال: يعني صاحب "التتمة"، وهذا إذا كان المالك غائبًا،
الجزء: 6 - الصفحة: 29
أما إذا كان حاضرًا فأزعجه، وجلس على الفراش ضمن وكذا إن لم يزعجه، وكان بحيث يمنعه من رفعه والتصرف فيه.
وقياس ما سيأتي في نظيره في العقار، أن ألا يكون غاصبًا إلا لنصفه.
انتهى كلامه.
وما ذكره الرافعي بحثًا، وتابعه عليه في "الروضة" قد صرح به القاضي الحسين لكن فيما إذا كان المالك [يزجره فلم ينزجر وهي فرد مما دخل في كلام الرافعي] 4 والباقي مثله أيضًا.
قوله: وإن دخل الدار لا على قصد الإستيلاء، ولكن لينظر هل تصلح، أو ليتخذ مثلها لم يكن غاصبًا.
قال في "التتمة": لكن لو انهدمت في تلك الحالة، هل يضمنها؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، كما لو أخذ منقولًا من بين يدي مالكه لينظر هل يصلح له ليشتريه أو مثله فتلف في تلك الحالة يضمنه.
وأصحها: لا، بخلاف المنقول، وفرق بينهما بأن اليد على المنقول حقيقة فلا يحتاج في إثبات حكمها إلى قرينة، وعلى العقار حكمية، فلابد في تحقيقها من قرينة قصد الإستيلاء.
وهذا الفرق كأنه راجع إلى الأصح، وإلا فوجهان في المنقول على ما سبق، انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما قاله المتولي من الضمان في رفع المنقول خلاف المعروف.
فقد خالفه فيه القاضي الحسين في "تعليقته" فقال: لو رفع كتاب شخص من بين يديه إن قصد الإستيلاء ضمن، وإن قصد أن ينظره ويرده في الحال لم يضمن، وإن خطا به خطوات ضمن.
الجزء: 6 - الصفحة: 30
وكذلك الإمام فقال: إذا رفعه لينظره لم يضمن على المذهب الظاهر.
وتبعه الغزالي في "البسيط".
فقال: إنه ظاهر المذهب، وذكر البغوي في "فتاويه" ما يوافقه.
وطرد الإمام والغزالي ذلك في النقود المغصوبة التي يتناولها الصيارفة للنقد وكأن مأخذه أن العرف يقتضي ذلك، فلا يعد استيلاء بخلاف الركوب ونحوه.
نعم: ذكر القاضي الحسين في "فتاويه" أن الفتوى على وجوب الضمان.
ورأيت في ما وقفت عليه من "تعليقته" في الغصب أنه إذا خطا به خطوات لا يقصد الإستيلاء فإنه لا ضمان على خلاف النقل الأول عنه فينبغي تحريره من نسخ.
الأمر الثاني: أن قول الرافعي في الكلام على ما قاله صاحب "التتمة" وإلا فالوجهان إلى آخره لا يستقيم، فإن الوجهين السابقين في كلام الرافعي، إنما هما في كون ذلك غصبًا وهما في كلام "التتمة" في الضمان.
قوله: وقول "الوجيز": وكل يد أثبتت على؛ هكذا يوجد في الأكثر، وتقرأ لكن الابتناء متعد كالبناء.
فالوجه أن يقال ابتنت فقد تستعمل اللازمة الابتناء فيمكن أن تراعي الصورة وتقرأ ابتنت.
انتهى كلامه بحروفه.
وتقريره مشكل.
قوله: ولو زوج الجارية المغصوبة عند الزوج، ففي مطالبة الزوج بالقيمة طريقان:
قيل: هو كالمودع.
ومنهم من قطع بأنه لا يطالب لأن كون الزوجة في حيالة الزوج، ليس
الجزء: 6 - الصفحة: 31
لكون المال في يد صاحب اليد.
قال في التهذيب: وهو المذهب.
انتهى كلامه.
والصحيح طريقة القطع كما قاله في "التهذيب" كذا صححه النووي في أصل "الروضة".
قوله: ولو قال الغاصب للمالك] 5 أعتقه عني ففعل جاهلًا، ففي نفوذ المعتق وجهان إن نفذ ففي وقوعه عن الغاصب وجهان:
قال: في "التتمة" الصحيح المنع.
انتهى كلامه.
والصحيح في المسألة الأولى هو النفوذ كما هو مقتضى كلامه في "الشرح الصغير" فتأمله.
والصحيح في الثانية ما قاله صاحب "التتمة" كذا صححه النووي في أصل "الروضة".
الجزء: 6 - الصفحة: 32
الركن الثاني: "في الموجب فيه"
قوله: ولا تراق خمور أهل الذمة إلا إذا تظاهروا بشربها أو ببيعها.
انتهى كلامه.
وتقييده بالشرب والبيع تابعه عليه في "الروضة" أيضًا، وكذلك هو في "المحرر" و"المنهاج" والصواب ما ذكره في "المطلب" و"الكفاية" وهو الإظهار من غير تقييد، حتى يتناول الهبة والنقل وغيرهما، وتلك علة إطلاق الرافعي وغيره في باب عقد الجزية، أنهم يمنعون من إظهار المنكر.
وقد سكت الرافعي -رحمه الله- وكذلك النووي من إراقة النبيذ في حق المسلم والكافر، لأن الأكثرين كما قاله الرافعي في حد الخمر أنه لا يطلق عليه اسم الخمر إلا مجازًا.
وقد بين الماوردي في "الأحكام السلطانية" حكمه فقال: ينهى متولي الحسبة عن المجاهرة به، ويزجر عليه ولا يريقه عليه، إلا أن يأمر بإراقته حاكم من أهل الإجتهاد لئلا يتوجه عليه الغرم لأنه عند أبي حنيفة مال.
واعلم أنه حيث جازت الإراقة جاز كسر الأواني إذا لم يقدر على الإراقة إلا بذلك.
قال في "الإحياء": وكذلك لو كانت في قوارير ضيقة الرؤوس، ولو اشتغل بإراقتها لأدركه الفساق ومنعوه.
قال: ولو لم يخف ذلك لكن كان يضيع فيه زمانه ويتعطل شغله فله كسرها.
قال: وللولاة كسر الظروف التي فيها الخمور زجرًا وتأديبًا دون الآحاد، وقد فعل ذلك في زمنه -عليه الصلاة والسلام-، هذا كلام الغزالي، وهو من النفائس المهمات.
قوله: وآلات الملاهي كالبربط والطنبور وغيرهما لا يجب في إبطالها
الجزء: 6 - الصفحة: 33
شيء لأنها محرمة الاستعمال.
انتهى.
واعلم أن آلات الملاهي فيها ما لا يحرم كالدف، وكذا الشبابة على رأى الرافعي، وحينئذ فلابد من استثنائه، والبربط ببائين موحدتين مفتوحتين وراء وطاء مهملتين.
قال ابن الأثير: هو ملهاة تشبه العود، وهو فارسي معرب.
والطنبور بطاء مهملة مضمومة معرب أيضًا الطناجير بكسر الطاء لغة فيه، قاله الجوهري.
قوله: فرع: قال في "التتمة" لو نقل حرًا صغيرًا أو كبيرًا بالقهر من موضعه إلى موضع آخر فإن لم يكن له غرض في الرجوع إلى الموضع الأول فلا شيء عليه، وإن كان واحتاج إلى مؤنة فهي علي الناقل لتعديه.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" أيضًا، وما ذكره المتولي قد خالفه فيه القاضي الحسين في "تعليقته" فقال: إنه لا يجب إلا إذا كان النقل إلى برية مهلكة فعليه رده إلى العمران حسبة من حيث الأمر بالمعروف، ولا يختص به بل جملة المسلمين فيه سواء هذا كلامه.
وذكر إمام الحرمين مثله أيضًا.
فقال: ولا يجب علي ناقل الصبي رده إلى المكان الذي أخذه منه، بل يجب على كل من عرف ذلك مطلقًا أن ينقذه بنقله إلى مأمن.
وهل يرجع عليه بمؤنة نقله، فيه خلاف كالخلاف في اتخاذ المضطر الطعام هذا كلامه.
قوله: وحيث كان الصيد للمالك كصيد العبد، ففي وجوب الأجرة لزمان الاصطياد وجهان: أشبههما الوجوب لأنه ربما كان يستعمل في غير ما استعمل به، فلا تدخل الأجرة فيما اكتسبه انتهى.
الجزء: 6 - الصفحة: 34
والوجهان محلهما فيما إذا لم تنقص قيمة الصيد عن الأجرة، فإن نقصت وجب الناقص قطعًا كذا نبه عليه النووي من "زياداته" وهو واضح.
واعلم أنه إذا كان أغلى منافع العبد هو الاصطياد، فإن الواجب هو أجرته دون ما عداه من صنائعه.
كذا قاله الرافعي قبل هذا، وحينئذ فيشكل الجمع بين الاصطياد والأجرة.
قوله: سنذكر أن المغصوب إذا تعذر رده بإباق يغرم الغاصب قيمته للحيلولة، ويلزمه مع ذلك أجرة المثل للمدة التي تمضي قبل بذل القيمة، وفيما بعده وجهان:
أحدهما: أنها لا تجب؛ لأن القيمة المأخوذة نازلة منزلة المغصوب فكأن المغصوب عاد إليه.
وأصحهما الوجوب.
انتهى كلامه.
قال الماوردي: في "الحاوي" وهذا إذا لم يستعمله غير الغاصب في تلك المدة فإن استعمله غيره، ضمن الأجرة للمغصوب منه وجهًا واحدًا.
وما قاله فائدة حسنة ينبغي التفطن لها فإن كلام المصنف ربما يوهم خلافها.
الجزء: 6 - الصفحة: 35
الركن الثالث: "في الواجب"
قوله: فإن أظهر العبارات في حد المثلى هي العبارة الثانية، وهي: كل مقدر بكيل أو وزن، ويجوز السلم فيه، لكن الأحسن أن يقال: المثلى: كل ما حصره الكيل أو الوزن ويجوز السلم فيه.
ولا يقال كل مكيل أو موزون، لأن المفهوم منهما ما يعتاد كيله أو وزنه، فيخرج عنه الماء والتراب وهما مثليان.
انتهى كلامه.
وما ادعاه الرافعي من أن الأحسن هو التعبير بما حصره إلى آخره مردود؛ لأنا نقول: قولهم: كل مقدر بكيل أو وزن لا يتعين حمله على الاعتياد حتى يرد ما قاله، بل المراد منه ما لو قدر لكان يقدر بالكيل أو الوزن حتى يخرج المذروع والمعدود والماء والتراب إذا قدرا فإنما يقدران بذلك.
ونزيد على هذا فنقول: لو لم يكن المراد ما قلناه لكانت عبارته التي اختارها غير مستقيمة أيضًا، لأن قوله: ما حصره وزن؛ إن أراد به ما أمكن وزنه، فكل مال كذلك.
وحينئذ فيجب تفسيره بما قلناه، وإذا آل الأمر إليه وجب حمل العبارة المشهورة عليه واندفع الاعتراض الحامل على العدول عنها إلى غيرها.
قوله: وينشأ من اختلاف العبارة الخلاف في الصفر والنحاس والحديد والآنك وفي القطن والعنب والرطب، وسائر الفواكه الرطبة، والأظهر: أنها جميعًا [مثلية] 6 انتهى ملخصًا.
فيه أمور:
أحدها: أن الآنك بهمزة مفتوحة ممدودة، نون مضمومة وكاف هو: الرصاص ووزنه أفعل كأفلس.
الجزء: 6 - الصفحة: 36
قال الجوهري: ولم يجيء على هذا الوزن من الواحد إلا هذا و"آشد".
والصُّفر: بضم الصاد، وأبو عبيدة يقوله بالكسر.
الثاني: أن ما ذكره في القطن لا فرق فيه بين منزوع الحب وبين غيره، ولم يستحضر في "المطلب" ما قاله الرافعي هناك.
فقال: أعتقد أن محله بعد إخراج حبه منه أما قبله فيظهر القطع بأنه متقوم.
الثالث: أن ما رجحه هاهنا في الرطب والعنب قد ذكر في موضعين من زكاة المعشرات ما يخالفه فقال في الكلام على ما إذا أتلف المالك الثمرة بعد الخرص ما نصه: فإن قلنا: الخرص غيره فيضمن لهم قيمة عشر الرطب أو عشر الرطب؟
فيه وجهان مبنيان على أن الرطب مثلى أو متقوم، والذي أجاب به الأكثرون إيجاب القيمة، وهو المذكور في الكتاب، لكن الثاني هو المطابق لقوله في الغصب.
والأظهر أن العنب والرطب مثلي.
انتهى كلامه.
وذكر قبله بنحو ورقتين مثله أيضًا وزاد عليه فنقله عن نص الشافعي.
وحينئذ يكون المفتى به أنه متقوم لتنصيص الشافعي عليه، وذهاب الأكثرين إليه.
وأما الذي قاله فقد زيفه الغزالي، ولهذا عبر بالأظهر، كما عبر به هو ووقع هذا الاختلاف في "الروضة" وفي "الشرح الصغير" غير أن ذكر فيه هناك وفي "التذنيب" أن الأولى بالترجيح أنه مثلي وعليه اقتصر في "المحرر" وهو مردود لما قلناه.
قوله: وأما الحبوب والأدهان والألبان والسمن والمخيض والخل الذي ليس فيه ماء فهي مثلية بالاتفاق.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
الجزء: 6 - الصفحة: 37
أحدهما: أن ما ادعاه من الإتفاق في السمن واللبن ليس كذلك ففي "البحر" أنهما كالسكر، والسكر فيه خلاف مشهور منشأه: الخلاف في جواز السلم فيه، وفي جواز بيع بعضه ببعض.
الأمر الثاني: أن ما ذكره في الخل يقتضي أن خل التمر ليس بمثلي لما فيه من الماء.
وقد صرح به بعد هذا بنحو ثلاثة أوراق في أثناء قوله: قال: ولو اتخذ من الرطب تمرًا، فقال: وأما القسم الثاني وهو أن يكون مثليًا ثم يصير متقومًا كما لو غصب تمرًا فاتخذ منه الخل بالماء فإن كان المتقوم أكثر قيمة غرمها وإلا غرم المثل، وقيل: يغرم المثل مطلقا.
انتهى ملخصًا.
وما ذكره ههنا واقتضاه كلامه السابق، من كونه متقومًا ليس كذلك، فإن الصحيح على ما ذكره في كتاب السلم جواز السلم فيه.
وحينئذ فيوجد فيه الضابط المذكور للمثلي والذي أوقع الرافعي في هذا الاختلاف أن طريقة الإمام أنه لا يجوز السلم فيه فمثل به ههنا على قاعدته.
فتابعه عليه الرافعي ذاهلًا عما قاله في السلم من مخالفته لكلام الأكثرين.
قوله: والدراهم والدنانير الصحاح مثلية لكن قضية العبارة الثانية إثبات خلاف فيها؛ لأن في السلم فيها اختلافًا تقدم، وأيضًا فإنهم جعلوا المكسرة على الخلاف في التبر لتفاوت القراضات في الجرم، ومثل ذلك يفرض في الصحاح فيلزم مجئ الخلاف فيها.
انتهى كلامه.
وما ادعاه من مجيء الخلاف مردود، وقد أجاب ابن الرفعة في "المطلب" عن الأمرين فقال ما حاصله: أما الأول فإن من لا يرى جواز السلم فيها، قد لا يشترط في المثلى صحة السلم فيه.
الجزء: 6 - الصفحة: 38
وأما الأمر الثاني: فلأن الرواج لا يختلف بكون الدرهم الصحيح صغيرًا أو كبيرًا بخلاف القراضة، وقد ذكر في "الروضة" أيضًا ما يوافق هذا فقال: الصواب المعروف الذي قطع به الأصحاب أنها مثلية.
قوله: وإذا غصب مثليًا وتلف في يده والمثل موجود فلم يسلمه حتى فقد أخذت منه القيمة.
وفي القيمة المعتبرة عشرة أوجه:
أحدها: أقصى قيمة من الغصب إلى التلف.
والثاني: من وقت تلف المغصوب إلى إعواز المثل.
والثالث: وهو الأصح من يوم الغصب إلى إعواز المثل.
والرابع: أقصاها من وقت الغصب إلى وقت تغريم القيمة.
والخامس: أقصاها من وقت انقطاع المثل إلى وقت المطالبة بالقيمة.
والسادس: أقصاها من وقت تلف المغصوب إلى وقت المطالبة.
والسابع: قيمة اليوم الذي تلف فيه المغصوب.
والثامن: قيمة يوم الإعواز.
والتاسع: قيمة يوم المطالبة، وقيل يبدل لفظ المطالبة والتغريم بالحكم بالقيمة والمرجع بها إلى شيء واحد.
والعاشر: إن كان منقطعًا في جميع البلاد فالاعتبار بقيمة يوم الإعواز، وإن فقد في تلك البقعة فالاعتبار بقيمة يوم الحكم بالقيمة.
وفيم علق عن الشيخ أبي حامد أن المعتبر قيمة يوم أخذ القيمة لا يوم المطالبة ولا يوم التلف.
فهذا وجه حادي عشر إن كان ثابتًا.
ثم قال: ولو غصب مثليًا فتلف والمثل مفقود فالقياس أن يجب على
الجزء: 6 - الصفحة: 39
الوجه الأول والثالث أقصى القيم من يوم الغصب إلى التلف.
وعلى الثاني والسابع والثامن قيمة يوم التلف.
وأن يعود الرابع والسادس والتاسع مخالفًا وعلى الخامس أقصى القيم من يوم التلف إلى يوم التغريم.
وعلى العاشر إن كان مفقودًا في جميع البلاد، وجبت قيمته يوم التلف وإلا فقيمته يوم التغريم.
انتهى كلامه.
وقد تلخص من كلامه في هذه المسألة الأخيرة ستة أوجه:
أحدها: أقصا القيم من يوم الغصب إلى التلف، وهو الحاصل من الوجه الأول والثالث.
وثانيها: قيمة يوم التلف وهو ما يحصل من الثاني والسابع والثامن.
وثالثها: أقصا القيم من الغصب إلى المطالبة وهو الرابع بعينه.
ورابعها: الأقصا من التلف إلى المطالبة، وهو الحاصل من الخامس والسادس، إذ لا فرق بين لفظ التغريم، ولفظ المطالبة كما سبق من كلام الرافعي.
وخامسها: وهو التاسع قيمة يوم المطالبة.
وسادسها: إن كان مفقودًا في جميع البلاد فقيمة يوم التلف، وإلا فقيمة يوم التغريم، وهذا هو الحاصل من العاشر.
إذا علمت ذلك فقول الرافعي -رحمه الله- وعلى الخامس أقصا القيم من التلف إلى التغريم يوهم إيهامًا ظاهرًا أنها سبعة أوجه وليس كذلك، بل الحاصل منه ستة أوجه وإيهامه من وجهين:
أحدهما: قطعه عن السادس.
والثاني: تعبيره فيه بالتغريم، وتعبيره في السادس، وما ضمه إليه
الجزء: 6 - الصفحة: 40
بالمطالبة فراجعه.
ومراد الرافعي ما ذكرناه وهو ستة فقط.
واختلاف اللفظين لا يضر، لأنه قد بين أن المراد منهما شيء واحد.
وأما قطعه عنه فلأن هذا الوجه هو السادس بعينه من غير زيادة عليه بخلاف الخامس فإنه ليس إياه، بل مستفادًا منه.
واعلم أن الوجه الحادي عشر الذي توقف الرافعي في إثباته، قد نقله سليم الرازي في "تعليقه" عن الشيخ أبي حامد والبندنيجي في تعليقه عنه، فثبت إذن هذا الوجه والتفريع عليه لا يختلف، وحينئذ فيتلخص في مسألتنا سبعة أوجه لكن الرافعي لم يفرع عليه لتوقفه فيه، وإنما فرع على العشرة فقط.
وقد استفدنا من ثبوت هذا الوجه منع كون المراد من التغريم والمطالبة شيئًا واحدًا.
قوله في "الروضة" من "زوائده": ولو قال المستحق: لا آخذ القيمة، بل أنتظر وجود المثل، فله ذلك، نقله في "البيان" ويحتمل أن يجيء فيه الخلاف، في أن صاحب الحق إذا امتنع من قبضه، هل يجبر ويمكن الفرق ولو لم يأخذ القيمة حتى وجد المثل تعين قطعا، هذا لفظه.
فيه أمران:
أحدهما: [أن العمراني فرض المسألة فيما إذا لم يوجد المثل كما يشعر به] 7 كلام النووي، وحينئذ فهذا البحث الذي ذكره النووي، وهو تخريجه على الخلاف في امتناع صاحب الحق متوقف على تصويره.
ولم يتقدم له ذكر خلاف في إجبار المستحق بالكلية، حتى ولا عند الانتقال فاعلمه.
الجزء: 6 - الصفحة: 41
ويحتمل أنه أراد الحق المؤجل، ولكن سقط من لفظه ذلك.
والذي نقله عن "البيان" قد نقله أيضًا في "البحر" عن أبي إسحاق.
الأمر الثاني: أن القطع الذي ادعاه في المسألة الأولى صحيح.
وأما في الثانية: وهي ما إذا قارن التلف تعذر المثل فلا.
فقد حكى ابن داوود شارح "المختصر" في باب التيمم وجهًا أنه لو ظفر بالمثل بعد ذلك قبل الطلب، فلا يلزمه إلا القيمة.
قوله: ولو أتلف مثليًا أو غصبه وتلف عنده، ثم ظفر المالك به في بلد آخر فهل يطالبه بالمثل؟ الذي ذكره الأكثرون أنه إن كان مما لا مؤنة لنقله كالنقد طالبه به، والا فلا، لما فيه من المؤنة والضرر.
ولكن للمالك أن يغرمه قيمة بلد التلف وحكى الإمام رداءه وجهين:
أحدهما: يطالبه بالمثل مطلقا.
والثاني: عن رواية الشيخ أبي علي، أنه إن كان قيمة ذلك البلد مثل قيمة بلد التلف، أو أقل طالبه بالمثل وإلا فلا.
وذكر أبو عاصم العبادي مثل هذا.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن تعبيره بقوله عن رواية الشيخ أبي علي [صريح في أنه حكاه عن غيره وليس كذلك فقد قال الإمام: وذكر الشيخ أبو علي] 8 في اختلاف الأمكنة طريقة في ذوات الأمثال فقال: ما ذكره الشافعي والأصحاب من أن التلف عليه إذا ظفر بمتلف المثلِ في غير مكان الإتلاف، يغرمه القيمة لا المثل، إنما هو إذا كانت قيمة المكان الذي ظفر صاحب الحق بالمتلف فيه أكثر من قيمة مكان الإتلاف، فلذلك قال الشافعي ما قال فأما إذا
الجزء: 6 - الصفحة: 42
استوت القيمة، ولم يتفاوت السعران أو كانت قيمة المثل في مكان اللقاء أقل فيلزمه المثل.
وهذه الطريقة ادعاها الشيخ أبو علي ولم يردد فيها قولًا.
والذي ذكره الأئمة في الطرق إطلاق القول بأن المثل لا يطالب به، في غير مكان الإتلاف من غير تعرض للتفصيل.
ولو كان الحكم مفصلًا عندهم كما ذكره [الشيخ لفصلوه فإن التفصيل في مثل ذلك ليس مما يعزب عنه نظر الناظر على ظهوره، هذا كلام الإمام، وقد تخلص منه أن قول الرافعي: إن الإمام رواه وجهًا غير صحيح] 9.
الأمر الثاني: أن هذا الذي قاله الشيخ أبو علي قد جزم به البندنيجي في تعليقه، وكذلك أبو الطيب في تعليقه أيضًا، والماوردي في "الحاوي" وابن الصباغ في "الشامل" وغيرهم.
وقد نقله الرافعي أيضًا عن "العبادي"، كما سبق وذكر أبو علي الدبيلي في كتاب "أدب القضاء" له عن الشافعي نحوه، فإنه قال: قال الشافعي: لا؛ لأنا لو حملناه على المثل لكان في ذلك ضرر وإتلاف مال لاختلاف الأسعار، هذا لفظه.
والتعليل صريح في تصوير المسألة واختصاصها بما ذكره الشيخ أبو علي، فقد تظافرت النقول على ما قاله.
وكذلك المعنى، لأن المنع ليس بعيدًا بل هو لمعنى وهو الضرر، والضرر مفقود هنا ولم يعارض ما ذكرناه من التصريح والمعنى، إلا إطلاق من أطلق، وحمل ذلك الإطلاق على ما ذكرناه سهل لا مانع منه.
فتلخص أن الحكم كما قاله الشيخ، وأن نقل الرافعي لكلام الإمام موهم، فكان ينبغي أن يقول أطلق الأكثرون، وقيد الشيخ أبو علي وغيره.
الجزء: 6 - الصفحة: 43
قوله: وإذا أخذ القيمة ثم اجتمعا في بلد التلف، هل للمالك رد القيمة وطلب المثل؟ وهل لصاحبه استرداد القيمة وبذل المثل؟
فيه الوجهان، فيما إذا غرم القيمة لا إعواز المثل والذي أورده صاحب الكتاب منهما 10 أن عليه المثل وأخذ القيمة، مع أنه جعل الأظهر في مسألة الإعواز المنع.
وهذا لا وجه له، بل الخلاف في المسألتين واحد باتفاق الناقلين، فإما أن يختار فيهما النفي أو الإثبات.
انتهى كلامه.
قال ابن الرفعة في "المطلب": أما النقل فهو كما قال الرافعي، وأما الفقه فيجوز أن يختلف، ويكون الغزالي لاحظ في إثبات الخلاف في حال تعذر المثل بناءه على أن الواجب قيمة المغصوب أو قيمة المثل.
ورجح أن الواجب قيمة المغصوب، فلا يكون لوجود المثل بعد أخذها معنى.
وما نحن فيه القيمة مأخوذة بدلًا عن المثل اتفاقًا.
فلذلك قال: إن له استرجاعها وبذل المثل قال: وهذا بحث دقيق.
انتهى.
ويؤيد ما قاله ابن الرفعة أن الغزالي في "الوسيط" قال: هنا إن القيمة للحيلولة، وفي الإعواز لم يذكر ذلك.
قوله: في أصل "الروضة" الحال الأول أن يكون متقومًا، ثم [يصير مثليًا كمن غصب رطبًا وقلنا: إنه متقوم] 11 فصار تمرًا، ثم تلف عنده فوجهان:
أحدهما: وبه قطع العراقيون يضمن مثل التمر لأنه أقرب إلى الحق.
وأشبههما: وبه قطع البغوي إن كان الرطب أكثر قيمة لزمه قيمته كي لا
الجزء: 6 - الصفحة: 44
تضيع الزيادة.
وإن كان التمر أكثر أو استويا لزمه المثل.
واختار الغزالي أنه يتخير بين مثل التمر، وقيمة الرطب.
انتهى كلامه.
وذكر الرافعي نحوه أيضًا، فيه أمران 12:
أحدهما: أن التعليل الذي ذكره لكلام البغوي ورجع به قوله على قول العراقيين، يبين أن الذي نقله عنهم، هو وجوب المثل، بدون أرش النقص، وإلا فلم يصح الرد عليهم بكون الزيادة تضيع.
إذا علمت ذلك فاعلم أن العراقيين لم يقولوا بذلك فضلًا عن كونهم قطعوا به، فإن المحاملى من العراقيين، وقد ذكر أنه إذا غصب نخلة فأطلعت وجف رطبها وتلف أنه يجب عليه المثل، وأرش ما نقص من الرطب، وكذلك ذكر الماوردي في "الحاوي" وسليم الرازي في "المجرد" وابن الصباغ في "الشامل".
قوله: وأما القسم الثاني، وهو أن يكون مثليًا، ثم يصير متقومًا كما لو غصب حنطة وطحنها، وتلف الدقيق عنده أو جعله خبزًا وأكله وقلنا.
لا مثل للدقيق والخبر، فعلى جواب العراقيين يضمن المثل.
وعلى ما أورده في "التهذيب" إن كان المتقوم أكثر قيمة غرمها، وإلا غرم المثل.
وعن القاضي حسين أنه يغرم أقصى القيم وليس للمالك مطالبته بالمثل؛ لأن التلف حصل وهو متقوم، وعلى هذا فإذا قيل: من غصب حنطة في الغلاء وبقيت عنده إلى التلف وغرمه للمالك في وقت الرخص، هل يغرمه المثل أو القيمة.
الجزء: 6 - الصفحة: 45
لم يصح إطلاق الجواب بالمثل، ولا بالقيمة بل الصواب أن يفصل فيقال: إن تلفت وهي حنطة غرمه المثل، وإن صارت إلى حالة التقويم ثم تلفت فالقيمة وكأن القاضي قد لقن المسأله للرئيس أبي علي المنيعي ليغالط بها فقهاء مرو ويغلط من أطلق الجواب منهم.
انتهى كلامه.
والمنيعي هو بميم مفتوحة، ثم نون مكسورة بعدها ياء ساكنة ثم عين مهملة بعدها ياء النسب.
وهذا الرئيس المذكور هو حسان بن سعيد بن حسان بن محمَّد بن أحمد ابن عبد الرحمن بن محمَّد بن منيع بن خالد بن عبد الرحمن بن محمَّد بن منيع بن خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المخزومي صاحب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان في أول أمره تاجرا إلى أن نمى ماله [وتزايدت النعم عليه وعلت منزلته وصار مشارًا إليه عند السلاطين وأنفق أموالًا جزيلة] 13 في بناء المساجد والربط وأنواع الخيرات ومنها جامع مرو الذي كان إمام الحرمين خطيبه.
وكان علي قدم عظيم من الاجتهاد في العبادة والتواضع والبر، وكثرة الصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى قال فيه السلطان: في مملكتي من لا يخافني وإنما يخاف الله.
روى الحديث عن جماعة، وروى عنه جماعة منهم البغوي صاحب "التهذيب".
قال عبد الغافر الفارسي لو تتبعنا ما ظهر من آثاره وحسناته لعجزنا، توفي يوم الجمعة السابع والعشرين من ذي القعدة سنة ثلاث وستين وأربع مائة، وكان له ولد فقيه فاضل رئيس كبير يقال له: أبو الفتح عبد الرزاق، ذكرته في كتابي الذي ألفته في طبقات أصحابنا فراجعه.
قوله: فإن لم يجد المثل إلا بزيادة ففي لزومه وجهان.
انتهى.
الجزء: 6 - الصفحة: 46
لم يصرح بتصحيح هنا ولا في "الشرح الصغير" أيضًا والصحيح، كما قاله في "الروضة" عدم اللزوم.
ولم يذكر المسألة في "المحرر" وفيها كلام يتعين الوقوف عليه، سبق ذكره في السلم.
قوله: فإذا غصب متقوما] 14 وتلف عنده لزمه أقصا قيمة من الغصب إلى التلف وإنما تجب القيمة من نقد البلد الذي حصل فيه التلف.
انتهى كلامه.
وما أطلقه من وجوب نقد بلد التلف محمول على ما إذا لم ينقله.
فإن نقله قال في "الكفاية": فيتجه أن يعتبر نقد البلد الذي تعتبر قيمته، وهو أكثر البلدين قيمة، قال: وفي "البحر" عن والده ما يقاربه.
قوله: وإذا كانت الدراهم المبذولة للحيلولة بقيمتها باقية في يد المالك فللشيخ أبي محمد تردد في أنه، هل يجوز للمالك إمساكها وغرامة مثلها أم لا؟ انتهى.
والصحيح أنه لا يجوز، كذا صححه الرافعي والنووي وغيرهما في الرد بالعيب، وغيره من نظائر المسألة.
ولهذا قال في "الروضة" هنا: الأقوى أنه لا يجوز، ولم يصرح بالمسألة في "الشرح الصغير" ولا في "المحرر".
قوله من "زوائده": قال في "البيان": ولو ظهر على المالك دين مستغرق فالغاصب أحق بالقيمة التي دفعها لأنها عين ماله، وإن تلفت في يد المالك رجع الغصب بمثلها وإن كانت باقية زائدة رجع في زيادتها المتصلة دون المنفصلة.
الجزء: 6 - الصفحة: 47
قال القاضي أبو الطيب والجرجاني: هذا إذا تصور كون القيمة مما يزيد انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما نقله عن [البيان فقط قد نص عليه الشافعي في "الأم" مع زيادة أخرى هي أهم مما تعرض له] 15 في "البيان" وهي تقديمه على الغرماء عند تلف القيمة [أيضًا، وقد ذكرت لفظه في باب الكفن فراجعه] 16.
الأمر الثاني: أن ما أحال عليه في آخر كلامه من [إمكان تصور زيادة القيمة] 17 ولم يصوره قد صوره بعض الفضلاء بما إذا كانوا في بلد يتعاملون بالحيوان وإنما قلنا ذلك لأن القيمة إنما تؤخذ نقدًا، والنقد لا زوائد له.
وقال ابن الرفعة في "الكفاية": طريق الجواب عنه: أن يكون المالك قد اعتاض عن القيمة شاة مثلًا، فإن عند القاضي أبي الطيب إذا استبدل من له ثمن في ذمة شخص عنه عينًا، ثم رد المبيع بعيب أن له أن يسترجع العين، كما حكيناه في باب المصراة، أن له أن يسترجع الشاة هنا.
وعلى ذلك يحمل ما قالوه.
قال: وبه صور الروياني المسألة في "البحر".
قوله: فرع! قد مر أن منافع المغصوب مضمونة، فلو كانت الأجرة في مدة الغصب متفاوتة فبم تضمن؟ فيه ثلاثة أوجه: حكاها القاضي أبو سعد بن أبي يوسف أضعفها: أنها بالأكثر في جميع المدة.
وأظهرها: أنها تتضمن في كل بعض من أبعاض المدة بأجرة مثله.
والثالث: أن الأمر كذلك إن كانت الأجرة في أول المدة أقل، وإن كانت
الجزء: 6 - الصفحة: 48
أكثر في الأول ضمنها بالأكثر في جميع المدة، لأنه لو كان المال في يده فربما يلزمه بها في جميع المدة.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على ذلك، وحاصل ما نقله عن الهروي أن المسألة منقولة للأصحاب، وأنهم اختلفوا فيها على ثلاثة أوجه، وأن الهروي حكاها عنهم.
وليس الأمر في شيء من ذلك كذلك فإن الهروي، قد ذكر هذه المسألة في كتابه "الإشراف في شرح أدب القضاء" للعبادي وهو الكتاب المشهور به الذي ينقل الرافعي وغيره عنه، فلما ذكرها صرح بأنها ليست منقولة، وبأن الثلاثة المذكورة إنما هي أقسام وجهات لما قد يتخيل الذهاب إليه في المسألة.
وصرح أيضًا بأن الأول لا يمكن القول به وأن الثاني هو القياس، والثالث يمكن القول به.
هذا حاصل ما قاله فاعلمه، وسأذكر لك لفظه.
فأقول: قال: في الكتاب المذكور بعد أوله بنحو كراس، ما نصه: ومنافع المغصوب عنده مضمونة على الغاصب بخلاف قول أبي حنيفة والاعتبار في ضمانها، وهو أجرة المثل بما إذا لم يتعرض أصحابنا لهذه المسألة والقياس [أن يقال: إن اختلف السعر في مدة الاغتصاب وكان غلاء السعر في النصف الأول من المدة والرخص في النصف الثاني من المدة.
وصورته: في النصف الأول أجرة المثل درهمان وفي النصف الثاني أجرة المثل درهم] 18 فعليه ثلاثة دراهم.
وذكر المصنف -أعني- العبادي أن الاعتبار بيوم الأخذ، فإن فسر الأخذ باستيفاء المنافع فهو ما بينا.
وإن فسر الأخذ بقبض العين فيمكن تصحيحه وهو أن يقال: إذا كان
الجزء: 6 - الصفحة: 49
الغلاء في الشطر الأول من المدة، والرخص في الشطر الثاني يقوم بسعر الشطر الأول من المدة لأن توقع الموجود في منافع الشطر الثاني من المدة يسد مسد نفس الوجود، ولهذا المعنى انعقدت الإجارة على جميع منافع المدة فيمكن أن يقال: لولا الغصب الحائل لعقد المالك على جميع منافع المدة في وقت الغلاء، وإنما احتبس عليه ذلك بسبب الغصب فيشدد على الغاصب، ويضمن منافع المدة باعتبار الغلاء المقترن بصدر المدة.
وأما إذا كان الرخص في الشطر الأول من المدة والغلاء في الشطر الثاني فمنافع الشطر الثاني مقومة بسعر الغلاء [ومنافع الشطر الأول لا يمكن أن تقوم بسعر الغلاء] 19 وقد تلفت قبل سعر الغلاء، فلم يكن لها وجود مع سعر الغلاء.
ولا توقع وجود إلا أن يظن ظان ظنًا ضعيفًا فيقول: وجود منافع صدر المدة، إن لم تصحب الغلاء في آخر المدة فوجود محلها وهو العين صحب وجود الغلاء في آخر المدة، فحصل من هذه المدة التي أشبع في بسطها ثلاثة أوجه في منافع مدة الغصب إذا تقسمها الرخص والغلاء في شطريها.
أحدها: أن الاعتبار في زمن الرخص بسعره وفي زمن الغلاء بسعره، لأن المنافع المعدومة، إنما يقدر لها وجود إذا تقسمها أحد الحاصرين.
إما الزمان أو العمل في إجارة منعقدة في الشريعة يحويها ويجمعها.
والوجه الثاني: الغلاء في صدر المدة يطرح له الرخص في آخر المدة، لأن توقع الوجود يسد مسد نفس الوجود، والغلاء في آخر المدة لا يطرح له الرخص في أول المدة لأن توقع الوجود في صدر المدة منقطع على تاريخ الغلاء.
والوجه الثالث: أن الاعتبار بالغلاء سواء كان في صدر المدة أو في
الجزء: 6 - الصفحة: 50
آخرها, لأن المنافع وإن [لم تصحب زمان الغلاء فمحلها وهو العين صحب زمان الغلاء وهذا أضعف الوجوه الممكنة] 20 هذا لفظ الهروي بحروفه.
وهو كما ذكرته لك، وما ذكره الرافعي هنا عجيب جدًا.
قوله: ولو [اتفقا] 21 على الهلاك، واختلفا في قيمته صدق الغاصب، لأن الأصل براءته وعلى المالك البينة.
وينبغي أن يشهد الشهود أن قيمته كذا، أما إذا أراد إقامة البينة على صفات العبد ليقومه المقومون بتلك الصفات.
فعن صاحب "التقريب" حكاية قول أنها تقبل وتقوم بالأوصاف، وتنزل على أقل الدرجات كما في السلم.
والمذهب: المنع؛ لأن الموصوفين بالصفات الواحدة يتفاوتون في القيمة لتفاوتهم في الملاحة وما لا يجب الوصف.
انتهى كلامه.
وما ذكره هنا من عدم إثبات الصفة بهذه الشهادة.
قد ذكر في كتاب القضاء في الكلام على القضاء بالعين الغائبة ما يخالفه.
فقال: لو شهد أنه غصب منه عبدًا بصفة كذا فمات العبد استحق بتلك الشهادة قيمته على تلك الصفة.
وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى فراجعه.
ووقع الموضعان كذلك في "الروضة".
قوله: ولو ادعى الغاصب به أي بالعبد المالك عيبًا، وأنكر المالك نظر: إن ادعى عيبًا حادثًا فقال: كان أقطع أو سارقًا ففي المصدق منهما قولان:
الجزء: 6 - الصفحة: 51
أحدهما: الغاصب؛ لأن الأصل براءة ذمته وأصحها: المالك؛ لأن الأصل والغالب دوام السلامة.
انتهى كلامه.
تابعه النووي في "الروضة" على حكاية الخلاف قولين.
وخالف في "المنهاج" فجعله وجهين، وسببه أن الرافعي في "المحرر" عبر بالأصح، وليس له فيه اصطلاح كما سبق ذكره غير مرة فتابعه علي التعبير به غير باحث عنه، فوقع في الاختلاف.
الجزء: 6 - الصفحة: 52
الباب الثاني: "في الطوارئ على المغصوب"
قوله: والنوع الثاني: ما له سراية تزداد إلى الهلاك، كما لو عفن الحنطة فأقوال:
أظهرها: عند العراقيين أنه كالهالك.
والثاني: يرده مع الأرش، ورجحه الإمام وصاحب "التهذيب".
والثالث: يتخير المالك بينهما، وبه أجاب طائفة منهم الشيخ أبو محمَّد والمسعودي.
والرابع: يتخير الغاصب.
انتهى ملخصًا.
وقد استحسن في "الشرح الصغير" القول الثالث فقال: وقول تخيير المالك حسن، ولم يرجح شيئًا في "المحرر" بل قال: رجح منهما الأول؛ هذا لفظه بصيغة البناء للمفعول.
وصرح النووي بتصحيحه في "أصل المنهاج" على عادته، ثم إنه في "الروضة" نسب التصحيح إلى الرافعي فقال من "زياداته": قلت: رجح الرافعي في "المحرر" الأول أيضًا والله أعلم.
ولم يذكر ترجيحًا غيره، والحاصل أن لا ترجيح للرافعي إلا في "الشرح الصغير" ولا للنووي إلا في "المنهاج".
قوله في "الروضة": أما إذا جنى المغصوب على نفس أو مال جناية توجب المال متعلقًا برقبته فعلى الغاصب تخليصه بالفداء أو بماذا يفديه؟ فيه طريقان:
المذهب: أنه يفديه بأقل الأمرين من الأرش وقيمة العبد.
وقال الإمام: فيه قولان:
أحدهما: هذا.
الجزء: 6 - الصفحة: 53
والثاني: بالأرش وإن زاد كالقولين فيم إذا أراد السيد فداء الجاني.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره من تصحيح طريقة القطع، لم يذكره الرافعي، فإن الرافعي نقل عن الإمام أنه على القولين.
ونقل عن "التتمة" أن الواجب أقل الأمرين ولم ينقل عن أحد تصحيحًا بالكلية، بل كلام "التتمة" ليس صريحًا في نفي القولين، إذ يحتمل أن يكون اقتصر على الراجح في المسألة من حيث الجملة.
الأمر الثاني: أن كلام الرافعي والنووي يقتضي أنه لا يجد على الغاصب إلا الفداء لكن قد ذكر في البيوع أن من جملة هذه العيوب جنايات الخطأ إذا كثرت، وجناية العمد إذا لم يتب عنها، فإن مات فوجهان.
قال في "المطلب" هنا: ويجوز أن يلتحق عمد الخطأ في هذا بالعمد، فإذا تقرر ذلك فلابد من أرش هذا العيب بعد الفداء.
قوله: ولو سقطت يد العبد بآفة وجب على الغاصب أرش ما نقص وإن كان بجناية فعليه الأكثر من نصف القيمة، ومن أرش ما نقص.
ثم قال: وترددوا فيما إذا قطعت يده قصاصًا أو حدًا؛ لأنه يشبه السقوط بآفة من حيث أنه تلف بلا بدل.
ويشبه الجناية من حيث حصوله بالاختيار.
انتهى.
وقد ذكر الرافعي قبل هذا بنحو ورقتين، وهو في أوائل الكلام على المسألة ما يؤخذ منه ترجيح إلحاقه بالآفة، فإنه قال: ولو اقتص منه في يده غرم بدله، كما لو سقط بآفة سماوية.
هذا لفظه.
فشبهه بالآفة لا بالجناية.
الجزء: 6 - الصفحة: 54
قوله: وللغاصب رد التراب المغصوب إلى الأرض المغصوبة بغير إذن المالك إن كان له غرض في الرد بأن كان قد نقل التراب إلى ملك غيره أو شارع يخاف من التعثر به الضمان، ونحو ذلك.
ثم قال: بعد ذلك وهذا إذا لم يتيسر نقله إلى موات ونحوه في طريق الرد فإن تيسر له لم يرده إلا بإذن؛ قاله في "النهاية".
انتهى كلامه.
واحترز بقوله في طريق الرد عما إذا لم يكن على صور المكان الذي أخذ منه التراب فإن الإمام حكى فيه ترددًا من غير ترجيح فقال: فهذا فيه تردد، ويشعر به كلام الأئمة.
وقد يظهر أنه يلزمه موافقة المالك إذا لم يكن عليه مزيد مشقة على الشرائط التي قدمناها.
ويظهر أنه لا يفعل هذا، فإن هذا استخدام وليس كما لو طلب منه الطرح في الطريق، فإنه اقتصار على بعض ما كان يفعله.
هذا لفظ الإمام.
ويظهر من تقييد الرافعي اختياره لعدم اللزوم.
قوله: وإذا حفر بئرًا فله أن يستقل بطمها ليدفع عن نفسه خطر الضمان إلى آخره، ثم قال: وذكر الإمام أنه إنما يستقل بالطم إذا بقي التراب الأول بعينه، أما إذا تلف ففي الطم بغيره بغير إذن المالك وجهان.
وينبغي مجئ هذا الخلاف في الحالة الأولى أي الكشط بلا حفر، وفيما إذا طلب المالك الرد والطم عند تلف ذلك التراب.
والأصح فيهما جميعًا أنه لا فرق بين ذلك التراب وغيره.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره آخرًا من مجئ الخلاف مع الطلب أيضًا عند التلف، كيف يستقيم مع أن من أتلف مالًا، أو أتلف عبدًا، وطولب بمثله يلزمه مثله، فكيف يقال لا يرد مع الطلب، إلا أن يقال: المراد بالطلب أي
الجزء: 6 - الصفحة: 55
فيما نحن فيه، وهو المذكور آخرًا أن يطلب الرد ظانًا بقاءه فهل يستفيد الغاصب بذلك رد بدله؟ الأمر الثاني: أن التراب إذا تلف فيجب في ذمة الغاصب مثله، والواجب في الذمة إنما يملك بقبض صحيح، فلابد من مراعاته هنا، وحينئذ فكيف يستقيم الرد بدون الإذن؟
قوله: النص فيما إذا نقل التراب أنه يجب عليه الأرش لا التسوية, لأنه نص على ذلك فيما إذا غرس في الأرض المغصوبة, ثم قلع بطلب المالك، ونص فيما إذا باع أرضًا فيها أحجار مدفونة فقلعها أنه يلزمه التسوية.
فقيل: فيها قولان، وقيل: بتقرير النصين، وفرقوا بأن الغاصب متعد فغلظ عليه الأمر بإيجاب الأرش؛ لكن لا متانة لهذا الفرق، لأن مؤنة التسوية قد تزيد على أرش النقصان، والفتوى على وجوب التسوية.
انتهى ملخصًا.
واعلم أن القاضي أبا الطيب، قد نقل في هذا الباب من "تعليقه" وجوب التسوية عن الشافعي -رحمه الله- فقال: أوجب الشافعي على الغاصب تسوية الحفر ورد الأرض كما كانت، هذا لفظه، والنص الذي استند إليه الرافعي وغيره في وجوب الأرش، وهو المذكور في الغراس، نص عليه في "الأم" فقال: قال الشافعي: ولو اغتصب أرضًا فغرسها نخلًا كان على الباني والفارس أن يقلع بناءه وغرسه، فإذا قلعه ضمن ما نقص المقلع الأرض [حتى يرد الأرض] 22 حين أخذها هذا لفظه، ونقله أيضًا في "المطلب".
وليس فيه تصريح، بل ولا إشارة لما قالوه، بل تعبيره بقوله حتى يردها بحالها مشعر بالتسوية.
واعلم أن المتانة بالنون أي القوة لأن المتين هو القوي.
الجزء: 6 - الصفحة: 56
قوله: ولو نقص عين الزيت دون قيمته وجب مثل الذاهب في أصح الوجهين.
وهل العصير كالزيت؟ فيه وجهان:
أصحهما: عند الشيخ أبي حامد والروياني المنع، والفرق أن علاوة العصير باقية والذاهب منه المائية، ولا قيمة لها والذاهب من الزيت زيت، فعلى هذا لا غرم، وإيراد صاحب الكتاب يقتضي ترجيح التحاقه به، وربما يقول من رجحه: الذاهب في الزيت المائية أيضًا، إلا أن مائيته أقل.
ويجري الخلاف، فيما إذا صار الرطب تمرًا.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن الصحيح التحاقه بالزيت، كذا صححه الرافعي في كتاب الفلس.
فقال: نعم: لو كان مكان الزيت العصير، فقد أجابوا، ههنا وفي الغصب بوجهين ورجحوا التسوية بينه وبين الزيت.
ووجه الفرق أن الذاهب من العصير ماء لا مالية له، والذاهب من الزيت متمول، هذا لفظه فاعلمه، ولم يصرح الرافعي في "الشرح الصغير" أيضًا هنا بتصحيح ولم يتعرض للمسألة في "المحرر".
الأمر الثاني: أن النووي قد صحح في "أصل الروضة" هنا عدم التحاق العصير بالزيت حتى لا يغرم الغاصب شيئًا ذهولًا عما قاله في باب الفلس، فوقع في التناقض.
وقد صحح النووي هناك القطع، بأن نقص الزيت كنقص جزء وضعف طريقة الوجهين وجزم هنا بالوجهين، ولم يحك طريقة بأنه كالجزء، فضلًا عن تصحيحها، وهو تباين كبير.
وإن كان كلام الرافعي يوهم نقل شيء منه لكنه صرح باستواء البابين.
الجزء: 6 - الصفحة: 57
وقد سبق هناك ذكر المسألة لغرض آخر فراجعها.
واعلم أن ما سبق كله في العصير، وفي الرطب محله، إذا قلنا: إنهما مثليان فإن قلنا إنهما متقومان.
قال ابن الرفعة: في "المطلب" فالذي يظهر: الجزم بأنه لا غرم.
قال الماوردي: ويجري الخلاف أيضًا فيما إذا صار اللبن جبنًا، هل يرجع بنقص مكيلته؟ وفيما قاله نظر لأن الجبن لا يمكن كيله حتى تعرف نسبة نقصه.
قوله: ولو هزلت الجارية ثم سمنت وعادت القيمة كما كانت ففيه وجهان:
أحدهما: ينجبر الأول بالثاني، كما لو أبق العبد ثم عاد.
وأظهرهما: لا.
ثم قال: وأجرى الوجهان في تذكر الصيغة بعد نسيانها.
والظاهر: الانجبار؛ لأن تذكر الصيغة لا يعد شيئًا متجددًا بخلاف السمن الثاني ثم قال: أيضًا، ويجري الخلاف فيما إذا كسر الحلي أو الإناء، ثم أعاده.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن ما ذكره في الإباق ظاهره: سقوط أرش العيب، وليس ذلك بصحيح، وينبغي تأويله على سقوط القيمة الواجبة بالحيلولة مع أن كلامه في غاية البعد عنه.
الأمر الثاني: أن تفرقته بين عود السمن وتذكر الصيغة واضح لكنه سوى بينهما في كتاب الصداق بالنسبة إلى رجوع الزوج عند الفراق قبل الدخول.
فإنه لما قيد أن الزيادة المتصلة بمنع الرجوع، صحح أن السمن بعد الهزال
الجزء: 6 - الصفحة: 58
مانع وهو واضح، ثم ألحق به أيضًا تذكر الصيغة كما ستقف على عبارته هناك، إن شاء الله تعالى.
ومقتضى ما ذكره هنا أن لا يلتحق به ويرجع الزوج، وهو الصواب.
الأمر الثالث: أن حاصل ما ذكره في المسألة الأخيرة وهي مسألة الكسر: عدم الانجبار، أو أنَّه لا تصحيح فيها أصلًا؟ لأن الخلاف الذي أجراه فيها وفيما قبلها هو الخلاف الذي صدر به كلامه.
والصحيح فيه: أنَّه لا ينجبر، لكنه استدرك في الأول، وأبقى الثاني على حاله فلزم منه ما قلناه.
وقد اختصره النووي بلفظ يقتضي أن الراجح فيه الانجبار، ثمَّ ذكر من "زياداته" أن الراجح خلافه، وهو غلط، وكأنه توهم أن المراد من الخلاف المبني عليه، هو الخلاف في تذكر الصيغة.
قوله: لو زادت قيمة الجارية بتعلم الغناء ثمَّ نسيته نقل الروياني عن النص أن لا يضمن النقص، لأنه محرم.
وعن بعض الأصحاب أنَّه يضمنه ولهذا لو قتل عبدًا مغنيًا يغرم تمام قيمته.
قال: وهو الاختيار.
زاد النووي على هذا فقال: الأصح المختار: هو النص لأنها محرمة.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن هذا الترجيح الذي عزاه إلى الروياني صحيح، فقد ذكره في "الحلية" لكنه خالف في "البحر" في موضع من هذا الباب كما حكاه عنه ابن الرفعة في "الكفاية".
الأمر الثاني: أن ما دل عليه لفظهما من تحريم الغناء قد حصل فيه اضطراب شديد لهما أيضًا سبق إيضاحه في أوائل البيع.
الجزء: 6 - الصفحة: 59
الأمر الثالث: أن هذه المسألة التي نقل الرويانى فيها عن النص أنه لا يضمن، ثم اختار خلافه إنما فرضها في العبد، كذا رأيته في "الحلية"، وحينئذ فلا يلزم من نص الشافعي على عدم الوجوب في الجارية أن يكون كذلك في العبد، ولا من اختيار الروياني للوجوب في العبد أن يجب أيضًا في الجارية.
قوله: وإذا غصب عصيرًا فتخمر عنده، للمغصوب منه تضمينه مثل العصير.
وذكروا أن على الغاصب إراقة الخمر ولو جعلت محترمة، كما لو تخمرت في يد المالك من غير قصد لكان جائزًا، فلو تخللت في يد الغاصب فالخل للمالك على الأصح وعلى الغاصب أرش النقصان.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وفيه أمور:
أحدها: أنه إذا صار خمرًا عند الغاصب وكان المالك قد عصره بقصد الخلية فإنه لا يجب على الغاصب إراقتها، بل لا يجوز له ذلك بلا شك.
[الثاني: أن تغير المحترمة بالتي تخمرت في يد المالك من غير قصد لا ينتظم مع ما قبله بل يقتضي أن الذي يتكلم فيه وهو التخمر في يد الغاصب لا توصف بالمحترمة بالكلية وليس كذلك.
ولا فرق بين التخلل عنده، أو عند المالك إذا كان العصر بقصد الخلية وكأنه أراد أن يقول كما لو عصرت في يد المالك إلى آخره.
فعبر بقوله تخمرت عوضا عن عصرت] 23.
الأمر الثالث: أن كلامه هنا قد آل إلى أن المحترمة هي التي عصرت لا بقصد الخمرية وقد سبق في الرهن ما يخالفه، وسبق التنبيه عليه هناك فراجعه.
الجزء: 6 - الصفحة: 60
قوله: أما إذا أراق الخمر فأخذها رجل فتخللت عنده، أو ألقى الشاة الميتة فأخذها رجل فدبغ جلدها، فهل للمعرض استرداد الحاصل؟ فيه وجهان.
انتهى.
هذه المسألة ذكرها الرافعي في ثلاثة مواضع من غير تصحيح؛ هنا، وفي آخر اللقطة، وفي كتاب الصيد والذبائح، والأصح: أنه ليس للمعرض الاسترداد.
كذا صححه النووي في "أصل الروضة" في الصيد وهنا من "زوائده".
قوله: ولو أراد صاحب الأرض أن يتملك البناء أو الغراس بالقيمة، أو تبقيتهما أو الزرع بالأجرة هل على الغاصب إجابته؟ قال في "التتمة": فيه وجهان.
أحدهما: نعم؛ كالمستعير، بل أولى، فإن الغاصب متعد.
وأظهرهما: لا؛ لتمكنه من القلع بلا غرامة بخلاف المعير.
وهذا ما ذكره الإمام، حكاية عن القاضي الحسين.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على حكاية هذين الوجهين.
واعلم أن الغاصب إذا أراد القلع، فإنه لا يغرم المالك شيئًا، ونظيره من المستعير ما إذا اختار القلع بلا تغريم المعير، أو شرط عليه القلع مجانًا، وليس للمالك الذي هو المعير أن يتملك في هذه الحالة أو يبقي بأجرة بلا خلاف.
فليس لنا في المعير الحكم الذي ادعوه حتى نختلف في مجيئه في الغاصب.
وكيف يعقل إجبار الغاصب على إزالة ملكه أو على تخليته بأجرة يعطيها، وهو يريد أخذ ماله بلا ضرر على المغصوب منه.
الجزء: 6 - الصفحة: 61
قوله في "الروضة": ولو غصب دارًا فزوقها تزويقًا لا يحصل منه غبن، فهل للمالك إجباره على إزالته؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا كالثوب إذا قصره.
انتهى.
لم يطلق الرافعي هنا تصحيحًا، وإنما نقله عن صاحب "التهذيب" فقط.
والتزويق: النقش، وأصله من الزاووق وهو الزئبق، ثم سمى كل نقش تزويقًا، وإن لم يكن بالزئبق.
قاله ابن داود في "شرح المختصر".
قوله: الحالة الأولى: إذا صبغ الغاصب الثوب بصبغة، ولم يكن فصله فينظر: إن كانت قيمة الثوب [مصبوغًا كقيمته قبل صباغته، وكذلك قيمة الصبغ أيضًا.
كما إذا كانت قيمة الثوب] 24 عشرة وقيمة الصبغ عشرة، وهو يساوي بعد الصبغ عشرين فهو بينهما بالسوية.
انتهى.
وتعبيره بقوله: فهو بينهما بالسوية يقتضي أنهما يصيران شريكين في الثوب.
والصبغ شركة شيوع، أي: لكل منها نصف الأمرين وليس كذلك، بل كل منهما مالك لما كان يملكه قبل ذلك، حتى إذا زادت قيمة أحدهما قبل البيع فاز بها من حكمنا بأنها له، ويدل على هذا اختلافهم في أنه هل يجوز للغاصب بيع الصبغ منفردًا وكذلك في بيع المالك الثوب وحده.
ونقل في "المطلب" عن البندنيجي والماوردي والغزالي ما حاصله ذلك أيضًا، أعني: بقاء كل على ما كان وارتضاه.
قوله في المسألة: وإن كانت قيمته بعد الصبغ عشرة انمحق الصبغ ولا حق فيه للغاصب وإن تراجعت القيمة.
انتهى كلامه.
الجزء: 6 - الصفحة: 62
ومقتضاه أن الصبغ ينقل لصاحب الثوب حتى إذا نقص الثوب مثلًا ثلاثة وكانت للصبغ قيمة تجبر ذلك صار الصبغ لمالك الثوب عوضًا عن نقصانه ولهذا قال: وإن تراجعت القيمة، وما دل عليه كلامه مخالف لكلام الشافعي فإنه قد نص على تمكين الغاصب في هذ الحالة من قلع الصبغ وغرامة النقص ولكلام الأصحاب أيضًا وللقياس.
حتى قال في "المطلب" ما ذكره الرافعي لم أر من نقله كذلك.
قال: ويجوز أن يحمل كلامه على ما إذا سلم الثوب إلى ربه راضيًا بذلك ثم ارتفع السعر، وقد يكون لذلك التفات على ما إذا سلم عامل القراض لرب المال العروض المشاعة حيث لم يظهر فيها ربح ثم ارتفع السعر هل يكون له حق أم لا؟ وهنا أولي بثبوت حقه، لأن سبب الزيادة عين ماله، وهي باقية.
وهناك الزيادة في مال رب المال، وقد يعكس ويجعل رضي الغاصب نازلًا منزلة المعاوضة عما نقص من الثوب.
وذكر في "المطلب" أيضًا حملًا آخر لكلامه غير مستقيم.
وقد حذف في "الروضة" ما ذكره الرافعي في آخر كلامه، وهو قوله: وإن تراجعت القيمة.
قوله: وهل للمالك إجبار الغاصب على قلع الصبغ؟ فيه وجهان إلى آخره.
لم يصرح بتصحيحه في "الشرح" ولا في "الروضة" بل نقل كلا عن طائفة.
والراجح هو الإجبار، ففي "المحرر" أنه أظهر الوجهين، وفي "المنهاج" أنه الأصح.
قوله: فروع: أحدها: لو ترك الغاصب الصبغ أي: الذي يمكن فصله على
الجزء: 6 - الصفحة: 63
المالك ففي إجباره على القبول وجهان: وجه الإجبار وصيرورة الصبغ كالصفة التابعة.
وأيضًا فإن المشتري إذا أنعل الدابة ثم اطلع على عيبها فردها مع النعل لكان تعيبها لو نزع النعل يجبر البائع علي القبول ووجه المنع القياس الظاهر.
وذكر الروياني أن ظاهر المذهب هو الإجبار لكن الثاني أقيس وأشبه.
ثم قال: على أنه لو ألحق بما إذا صبغ المشتري الثوب بما زاد في قيمته، ثم اطلع علي عيبه فرده مسامحًا لكان أقرب لما مر أن الصبغ يصير ملكًا للبائع.
وأما النعل ففي دخوله في ملك البائع خلاف.
انتهى كلامه.
قال في "الروضة" الثاني أصح.
وممن صححه صاحب "التنبيه".
قال الجرجاني: ويجري الوجهان فيما لو غصب بابًا وسمره بمسامير للغاصب فتركها للمالك والله أعلم.
وهذه الزيادة التي نقلها النووي عن الجرجاني قد ذكرها الرافعي جازمًا بها في آخر الغصب في المسألة الخامسة من المسائل المنثورة على ما ترجم في "الروضة".
واعلم أن ما ذكره الرافعي من أن الأولى إنما مر القياس على مسألة الصبغ، ليس كذلك بل الأولى قياسه على النعل.
قال في "الكفاية" لأن مسألة الصبغ التي ذكرها في الرد بالعيب مصورة بما إذا كان الصبغ لا يمكن فصله، والكلام هنا في صبغ يمكن فصله أو لا يمكن، فكان القياس على مسألة النعل أولى، لأنه عند إمكان الفصل مشابه له.
وعند عدم الإمكان يثبت هذا الحكهم من طريق الأولى بخلاف ما لو ألحق بالصبغ، فإن حالة إمكان انفصال الصبغ هنا لا يبقى على الإجبار فيها دليل.
الجزء: 6 - الصفحة: 64
قوله: وإن خلط الغاصب المغصوب بما لا يتميز كالزيت بالزيت ونحوه، فالمنصوص وبه قال الأكثرون: أنه كالمالك.
وفي قول مخرج: أنهما يصيران شريكين.
فإن قلنا بالثاني، فينظر: إن خلطه بالمثل فقدر زيته من المخلوط له، وإن خلطه بأجود فيباع المخلوط ويقسم الثمن بينهما على نسبة القيمة، فإن أرادا قسمة عين الزيت على نسبة القيمة.
فالظاهر: أنه لا يجوز لأنه ربا.
وعن رواية "البويطي": أنه يجوز, وبني ذلك على أن القسمة إقرار لا بيع.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن "البويطي" لم ينقل هذا النص في الغاصب، وإنما نقله في المفلس فقال حاكيًا عن الشافعي ما نصه: ومن باع شيئًا مما يكال أو يوزن مما يؤكل أو يشرب مما يختلط بعضه ببعض، ولا يتميز، مثل الحنطة والزيت وما يشبههما فخلطه المشتري بسلعة أخرى ثم أفلس، مثل أن يعطيه مد حنطة قيمته درهمان فيخلطه بمد قيمته أربعة، فالبائع مخير، إن شاء أن يأخذ ثلثي المد، ليس له إلا ذلك بجميع حقه، لأنه لا يصلح أن يأخذ تمام المد لجودة طعام صاحبه الذي خلطه بطعامه، ولا يجوز أن يرجع بثمن ثلث المد الذي بقي له لجودة ما أخذ على طعامه.
وإن شاء ترك وضارب مع الغرماء وكذلك الزيت والسمن والتمر، وكل شيء مثله، هذا لفظ "البويطي" وليس في كتابه غير هذا، ولكن لما تكلم الإمام على التفريع على إلحاقه بالمفلس في كونه شريكًا ذكر حكم المفلس.
وذكر هذا النص فتوهم الرافعي أنه محكي هنا، وهو معذور في هذا التوهم.
الجزء: 6 - الصفحة: 65
قال في "المطلب": وقد أثبت غير القاضي والإمام في الغاصب وجهين أخذًا من من النصين في مسألة الفلس.
قال: وهو التحقيق.
الأمر الثاني: أن القسمة إنما تكون إقرارًا إذا كان أحدهما لا يرد على الآخر شيئًا من ماله في مقابلة زيادة يستوفيها، والمغصوب منه في مثالنا هذا يزيل ملكه عن ثلث صاع فيما يحصل له من الجودة في ثلثي صاع فلا تكون إقرارًا، وهذا الثاني ذكره المتولي.
قوله: وإذا قلنا لا يبالي في نزع اللوح المغصوب بهلاك مال الغاصب فاختلطت السفينة التي فيها اللوح بسفن للغاصب ولا توقف على اللوح إلا بنزع الجميع، فهل ينزع الجميع؟ وجهان.
انتهى.
قال في "الروضة": كذا أطلقوا الوجهين بلا ترجيح وينبغي أن يكون أرجحهما عدم النزع.
قوله: في "الروضة" وإذا غصب خيطًا فخاط به جرح حيوان ومات، فإن كان غير آدمى نزع، وكذا إن كان آدميًا على الأصح.
انتهى.
لم يطلق الرافعي هنا تصحيحًا، وإنما نقله عن الإمام خاصة.
فقال: أصحهما علي ما ذكره في "النهاية" أنه ينزع، وصحح الروياني في "البحر" أنه لا ينزع.
وفصل الماوردي فقال: إن أثر القلع فحشًا لم ينزع، وإلا نزع.
وصححه في "الكفاية".
قوله: أما كلب الصيد والماشية فلا يجوز النزع منه.
قال الإمام: وألحق الكلب الذي لا منفعة فيه بالمؤذيات.
انتهى.
وما ذكره هنا في الكلب الذي لا منفعة فيه قد سبق فيه كلام في كتاب التيمم فراجعه.
الجزء: 6 - الصفحة: 66
قوله: فرعان أحدهما: دخل فصيل في بيت ولم يمكن إخراجه إلا بنقض البناء، نظر إن كان بتفريط من صاحب البيت بأن أدخله فيه نقص البناء ولم يغرم صاحب الفصيل شيئًا وإن كان بتفريط من صاحب الفصيل، فإذا نقض البناء غرم أرش النقصان، وإن دخل الفصيل بنفسه نقض أيضًا وعلى صاحب الفصيل أرش النقصان، وقيل لا؛ لأنه لا تفريط من أحد، والإخراج لابد منه لحرمة الروح.
ثم قال: ولو أدخلت بهيمة رأسها في قدر ولم يخرج إلا بكسرها، فإن كان معها صاحبها فهو مفرط بترك الحفظ، فإن كانت غير مأكولة [تخلص بكسر القدر وعليه أرش النقصان وإن كانت مأكولة] 25 ففي ذبحها وجهان كما في مسألة الخيط، وإن لم يكن معها أحد، فإن فرط صاحب القدر مثل: أن وضع القدر في موضع لاحق له فيه كسرت ولا غرم له، وإن لم يفرط كسرت، وغرم صاحب البهيمة الأرش.
ولم يذكروا التفصيل المذكور في صورة القدر، والفرق بين المأكول وغير المأكول.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على عدم ذكر ذلك، وليس كما قالاه، فقد سوى بينهما الماوردي في ذلك كله بين المأكول وغير المأكول.
وحكى الوجهين، وجعل الروياني من تفريط صاحب القدر أن يجعلها في مكان له فيه حق، ولكن قدر على دفعها فلم يدفعها.
قوله: الثاني غصب زوجي خف قيمتهما عشرة فرد أحدهما، وقيمته ثلاثة وتلف الآخر لزمه سبعة، ولو أتلف أحد زوجي خف قيمتهما عشرة، أو غصبه وحده وتلف فعادت قيمة الباقي إلا ثلاثة ففيه أوجه.
أحدها: يضمن سبعة.
الجزء: 6 - الصفحة: 67
والثاني: خمسة كما إذا أتلف رجل أحدهما وآخر الآخر، فإنه يسوى بينهما حتى يلزمه ثلاثة.
انتهى ملخصًا.
قال في "الروضة": [الأكثرون على ترجيح الأول وعليه العمل، وإن كان الأقوى لزوم الخمسة.
انتهى.
وقال البغوي: إن الأكثرين على لزوم الخمسة، قال في "الروضة"] 26 وصورة المسألة التي قاس عليها الوجه الثاني أن يتلفا دفعة واحدة، فإن تعاقبا لزم الثاني ثلاثة وفي الأول الخلاف.
قوله: من "زياداته" في الصورة الأولى: إذا غصبهما معًا وجه في "التنبيه" و"التتمة" أنه يلزمه ثلاثة وهو غريب.
انتهى كلامه.
وما نقله عن "التنبيه" من وجوب الثلاثة: صحيح، وإن كان قد مثل بمثال آخر.
أما نقله ذلك عن "التتمة" فغلط، فإنه ليس لهذا الوجه ذكر فيها بل فيها عوضه وجه آخر أنه يلزمه خمسة، فتلخص من مجموع الكتابين أن في المسألة ثلاثة أوجه.
وقد ادعى النووي في أصل "الروضة" أنه لا يلزمه إلا سبعة قطعًا.
قوله: وهل عليه مهر مثلها ثيبًا وأرش الافتضاض أو عليه مهر مثلها بكرًا.
ذكروا فيه وجهين ورجحوا الأول انتهى.
وهذه المسألة فيها اضطراب شديد سبق ذكره في البيع في الكلام علي المناهي المقتضية للفساد.
قوله: فإن وطئ عالمًا بالتحريم، وانفصل الولد ميتًا بلا جناية ففي وجوب الضمان وجهان:
الجزء: 6 - الصفحة: 68
أحدهما: وهو ظاهر النص الوجوب لثبوت اليد عليه تبعًا للأم.
ويحكى عن الأنماطي، وأبي الطيب ابن سلمة واختاره القفال.
والثاني: المنع.
وبه قال أبو إسحاق واختاره الشيخ أبو محمد والإمام وصاحب "التهذيب" لأن جنايته غير منتفية وسبب الضمان هلاك رقيق تحت يده.
انتهى.
لم يصرح بتصحيح في الروضة أيضًا، والصحيح: عدم الوجوب.
كذا رجحه الرافعي بعد هذا بنحو ثلاثة أوراق فقال: وإن انفصل الولد ميتا، فالظاهر: أنه لا ضمان، وكذا إذا انفصل ميتًا في يد الغاصب.
هذا لفظه فتفطن له، فإن كلامه هنا يوهم عكسه، ورجحه أيضًا في "الشرح الصغير" هنا فقال أقوى الوجهين: لا يجب شيء.
وصححه أيضًا الماوردي والغزالي.
قوله: في المسألة ويجري الوجهان في حمل البهيمة المغصوبة، فإن أوجبنا الضمان فهو قيمة يوم الانفصال لو كان حيا في ولد الجارية والبهيمة جميعًا، وخرج الإمام وجهًا في ولد الجارية أنه يضمن بعشر قيمة الأم تنزيلًا للغاصب منزلة الجاني.
انتهى.
وما ذكره آخرًا من حكاية هذا الوجه عن تخريج الإمام قد تابعه عليه في "الروضة" وهو غريب، فقد صرح القفال في "فتاويه" بذلك حكمًا وتوجيهًا، فإنه حكى الخلاف فيما إذا غصب عبدًا فذهبت إحدى عينيه، هل يلزمه النقص، أو يجعل كجناية الأجنبي؟
ثم فرع مسألتنا عليها فقال: وإن قلنا يغرم النقص هناك، ففي هذه المسألة يغرم النقص إن دخلها نقص بالإلقاء، وإن لم يدخل فلا شيء وإن جعلنا كجناية الأجنبي فيغرم عشر قيمة الأم، هذا لفظه بحروفه.
قوله: ولو ردها وهي حبلى فماتت في يد المالك من الولادة، ذكر أبو عبد
الجزء: 6 - الصفحة: 69
الله القطان في "المطارحات" أنه لا شيء عليه في صورة العلم؛ لأن الولد ليس منه حتى يقال ماتت من الولادة بولده، وأن في صورة الجهل قولين.
واعلم أن لوجوب الضمان في هذه الصورة مأخذين:
أحدهما: أنه أحبل جارية الغير، إما بالشبهة أو بالزنا، وفي كونه سبب الضمان ما قدمناه في الرهن.
والثاني: أنه حصل نقصان، وإن وجد أثره بعد الرد إلى المالك، كما لو جنى المغصوب عند الغاصب فرده، ثم بيع في يد المالك.
وأطلق صاحب "التتمة" القول بوجوب الضمان للمأخذ الثاني.
انتهى كلامه.
والراجح في حالة الجهل وجوب الضمان كذا صححه الرافعي في الباب الثالث من أبواب الرهن.
وأما في حالة العلم، فقياس المذكور هناك أيضًا: عدم الوجوب فيه كما سبق ذكر لفظه في موضعه فراجعه.
لكن صحح النووي هنا من "زياداته" ما قاله المتولي من الوجوب في المسألتين ذهولًا عما سبق فوقع في التناقض.
قوله: فرع في "ذخيرة البندنيجي": لو وطئ الغاصب بإذن المالك فحيث لا نوجب المهر إذا لم يأذن فهاهنا أولى، وحيث نوجبه فقولان محافظة على حرمة البضع.
وفي قيمة الولد طريقان:
أحدهما: أنه على الخلاف في المهر.
والثاني: القطع بالوجوب لأنه لم يصرح بالإذن في الإحبال، انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على عدم التصحيح في المسألتين وقد تقدم في وطء
الجزء: 6 - الصفحة: 70
المرتهن بإذن الراهن أن الأظهر: وجوب المهر، وتقدم فيه أيضًا الجذم بقيمة الولد، وما نحن فيه مثله فيؤخذ الرجحان من هناك.
قوله: في أصل "الروضة" في الكلام على ما يرجع به المشتري على الغاصب.
الرابع: لا يرجع بقيمة الولد المنعقد حرًا على المذهب.
وقيل قولان، ويرجع بأرش نقص الولادة على المذهب وبه قطع العراقيون، وقيل: وجهان.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن ما ذكره -رحمه الله- في قيمة الولد من كونه لا يرجع على المذهب غلط، سببه: انعكاس كلام الرافعي عليه، والصواب المعروف وهو المذكور في "شرحي الرافعي" و"محرره" وفي "المنهاج" أنه يرجع، وكذلك في "الروضة" أيضًا في الكلام على ما إذا غُر بحرية أمه.
الأمر الثاني: أن الطريقة الحاكية للقولين في ذلك نقلها الرافعي عن الأستاذ أبي إسحاق في "شرح الفروع" وعلله بأن نفع حرية الولد يعود إليه، فيكون على قولي المهر، والذي نقله في "التتمة" عنه القطع بأنه لا يرجع.
الثالث: أن الرافعي لم يصحح شيئًا في الرجوع بأرش نقض الولادة أصلًا فاعلمه، فإنه قال: قطع العراقيون بأنه يرجع به، وعن غيرهم خلافه.
قال الإمام: وسبيله سبيل النقصان الخاص بالآفات السماوية، هذا لفظه.
ونقل في "المطلب" عن الجمهور أنه لا يرجع ونص عليه في "البويطي" الرابع: أن الخلاف في الآفة السماوية قولان كما ذكره في "الروضة"] 27 فكان صوابه أن يقول: وقيل: قولان.
الجزء: 6 - الصفحة: 71
الخامس: أن ما ادعاه من قطع العراقيين بالرجوع غريب جدًا، فإن أكابرهم قد قطعوا بعدم الرجوع كالبندنيجي والماوردي والقاضي أبي الطيب وسليم.
قوله: في المسألة والفرق أن الواهب متبرع والبائع ضامن سلامة الولد بلا غرامة.
انتهى كلامه.
وهذا التعليل الذي ذكره غير صحيح ومناقض لما قدمه فإنه لو كان كما قاله لكان يلزم أن لا يجب للبائع بيعا فاسدًا على المشتري قيمة الولد وليس كذلك كما تقدم في موضعه.
وهذه المسألة قد افترق فيها الغصب والبيع الفاسد، لأن المشتري يرجع على الغاصب بقيمة الولد كما تقدم، ولعل سببه أن الغاصب غار بخلاف المالك إذا باع بيعًا فاسدًا.
قوله: منها حمال أسند خشبة.
. . . إلى آخره.
هذه المسألة قد أعادها في كتاب الجنايات في أول الطرف الثاني المعقود لاجتماع العلة والشرط وأهمل منها هاهنا قسما ذكره هناك وهو ضمان ما يتلف بالجدار الذي له أو لغيره وقد أذن الغير في الإسناد.
قوله: ومنها: لو غصب شاة وأنزى عليها فحلًا فالولد للمغصوب منه، ولو غصب فحلًا وأنزاه على شاته فالولد للغاصب ولا شيء عليه للإنزاء فإن نقص غرم الأرش، وينبغي أن يخرج وجوب شيء للإنزاء على الخلاف في صحة الاستئجار له.
انتهى.
قال في "الروضة": هذا التخريج لابد منه، وإنما فرعوه على الأصح.
والله أعلم.
وهذا الكلام منهما يقتضي عدم الوقوف على نقل هذا التخريج وهو غريب.
الجزء: 6 - الصفحة: 72
فقد صرح به في "البيان" في هذا الباب وهما يكثران من النقل عنه.
فقال: بعد مضي نحو كراسين من أول الباب: فرع: وإن غصب من رجل فحلًا فأنزاه، ثم قال: وأما الأجرة، فإن قلنا: يجوز استئجار الفحل للضراب، لزمه أجرته.
وإن قلنا: لا يجوز، وهو الصحيح، لم يلزمه.
هذا لفظه.
قوله: قال في "التتمة": لو غصب من الغاصب فأبرأ المالك الأول عن ضمان الغصب صح الإبراء، لأنه مطالب بقيمته، فهو كدين عليه.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" أيضًا عليه، وينبغي أن يتفطن إلى أنه خلاف الصحيح، وذلك لأنه لا جائز أن يكون هذا الإبراء بعد تلف المغصوب لأنه بعد التلف دين حقيقي.
فلا يقال كدين عليه فتعين أن يكون قبله.
وحينئذ فالإبراء في هذه الحالة إبراء عن قيمة مأخوذة للحيلولة والصحيح منعه كما ذكره الرافعي وغيره.
قوله: ولو رد الدابة إلى إسطبله قال في "التتمة": يبرأ أيضًا إذا علم المالك أو أخبره من يعتمد خبره.
انتهى.
وهذه المسألة فيها كلام سبق ذكره في العارية.
قوله من "زوائده": ولو غصب مسكًا أو عنبرًا أو غيرهما مما يقصد شمه، ومكث عنده لزمه أجرته.
انتهى كلامه.
وهذه المسألة سبق ذكرها في كلام الرافعي، ذكرها في الباب الأول من النوع الثاني المعقود لضمان المنافع.
الجزء: 6 - الصفحة: 73