كتاب "العدد"
أما عدة الطلاق ففيها بابان
الباب الأول في "كيفية عدة الطلاق"
قوله: في كيفية وقوع اسم القروء على الطهر والحيض وجهان: أحدهما: أنه حقيقة في الطهر، وأصحهما: أنه حقيقة فيهما والوجهان مبنيان على أنه يعتبر في اللفظ خصوص المعنيين، وأنه ليس عبارة عن المعنى المشترك بينهما، وإذا كان وقوعه عليهما كوقوع الحيوان على الإنسان وغيره لم يكن حقيقة في أحدهما، مجازًا في الآخر ولا مشتركًا بينهما، ثم قال: هذا ما يتعلق باللفظ في اللغة، وأما في العدة فالمراد بالأقراء عندنا: الأطهار، ويروى أن الشافعي - رضي الله عنه -، وأبا عبيد القاسم بن سلام تناظرا في القروء وكان الشافعي [يرى] 1 أنه الحيض، وأبو عبيد أنه الطهر، فلم يزل كل واحد منهما يقرر قوله حتى تفرقا وانتحل كل واحد منهما مذهب صاحبه، وتأثر بما أورده من الشواهد، وهذه الحكاية تقتضي أن يكون للشافعي قول قديم أو حديث يوافق مذهب أبى حنيفة في أنه الحيض.
انتهى ملخصًا.
وهذا القول المذكور في آخر كلام الرافعي لم يتعرض له في "الروضة"، وأبو عبيد المذكور ليس في آخره تاء التأنيث بخلاف أبى عبيدة معمر بن المثنى، توفي الأول مجاورًا بمكة شرفها الله تعالى سنة أربع وعشرين ومائتين، وعمره سبع وستون سنة، وأما أبو عبيدة بالتاء توفي سنة عشر ومائتين وقد قارب المائة وهو شيخ الأول.
قوله: ثم الطهر المفسر به القروء هل هو المحتوش بدمين أم مجرد الانتقال إلى الحيض؟
الجزء: 8 - الصفحة: 5
إلى آخره.
هذه مسألة قد اضطرب فيها ترجيح النووي وقد تقدم إيضاحه مع فوائد أخرى في الباب الأول من أبواب الطلاق.
قوله: وإن أعتقت الأمة المطلقة في العدة، فإن كانت رجعية فالقول الجيد وأحد قولي القديم أنه يجب عليها تكميل عدة حرة، وإن كانت بائنة فقولان، القديم وأحد قولي الجديد أنها تقتصر على عدة أمة وهو أصح في ما ذكره صاحب "التهذيب" وجماعة والثاني: من قولي الجديد: تكمل عدة الحرائر واختاره المزني، وصححه أبو إسحاق والمحاملي، وصاحب "المهذب" وغيرهما.
انتهى ملخصًا.
لم يصحح شيئًا في "المحرر" ينافي المسألة الثانية، بل قال: فالقديم وأحد قولي الجديد أنها تقنع بقرءين هذا لفظه.
وحاصله أن في الجديد قولين: أحدهما موافق للقديم، وقد صحح النووي في أصل "المنهاج"، وأصل "الروضة" أيضًا أنها تعتد بعدة أمة وهو غريب، فإن "المحرر" لا ترجيح فيه بالكلية وأما "الشرح" فإن لم يؤخذ منه العكس فلا يؤخذ منه ترجيح لشيء، غير أن ما صححه هو مقتضى إيراده في "الشرح الصغير"، ثم إنه عبر في "الروضة" عند ترجيحه له بأنه الجديد، وذلك يقتضي أن يكون مقابله قديم، وليس كذلك، بل مقابله أيضًا جديد.
قوله: ولو طلق العبد زوجته طلاقًا رجعيًا فعتقت في العدة فقد مر في خيار العتق أن لها أن تفسخ في الحال أو تؤخر وأنها وإن فسخت فتستأنف عدة أخرى أو تبني على تلك العدة؟ فيه خلاف يذكر فيما إذا طلق الرجعية طلقة أخرى، وعن أبى إسحاق وغيره القطع بأنها تبني ويجري الطريقان فيما لو أخرت الفسخ حتى راجعها الزوج، ثم فسخت قبل الدخول.
قال في "التتمة": والمذهب أنها تستأنف لأن الفسخ سبب لانقضاء
الجزء: 8 - الصفحة: 6
العدة.
انتهى كلامه.
وما نقله عن "التتمة" من تصحيح الاستئناف قد صححه النووي في أصل "الروضة" إذا علمت ذلك، فاعلم أن هذه الطريقة التى نقلها عن أبى إسحاق في آخر كلامه غلط عجيب لا يلائم ما قبلها، لأنه تكلم أولًا هل تبني أو تستأنف؟ ثم شرع بعد ذلك في كلام آخر، وهو التفريع على البناء وعلى الاستئناف فكيف يصح أن يحكى طريقة بالبناء والاستئناف في أثناء هذا التفريع، فإن الكلام ليس فيه، فراجع لفظه تجده غير منتظم، وبتقدير أن لا يكون عائدًا على ما قبله، بل على أصل المسألة، فلا تصح أيضًا لأنه إن أراد ما إذا فسخت قبل الرجعة فقد نقل هو عن أبى إسحاق فيه عكسه وهو القطع بالبناء، وإن أراد الفسخ بعدها، فقد حكى أيضًا أن فيه الطريقين وأحدهما: ما نقله عن إسحاق وهو القطع بالبناء، وبتقدير انتظام الكلام وصحة الحكم، فالتعليل الذي ذكره لتلك الطريقة لا يوافق حكمها ولا يلائمه، فتلخص أن الواقع هنا في الرافعي تعليلًا وتركيبًا غير مستقيم، ولما أشكل ذلك على النووي حذف هذه الطريقة من "الروضة".
واعلم أن استمداد الرافعي من "التتمة" أمر غير خاف خصوصًا في هذه المسألة، فإنه لم يصرح عن أحد بنقل إلا عنه، وقد اتضح الحال بحمد الله تعالى، وتحرر لى بمراجعة "التتمة" أنها طريقة منقولة عن أبى إسحاق في التفريع على قول البناء كما هو مقتضى سياق الرافعي، فإنه قال: وإذا قلنا تبنى، فهل تبنى على عدة أمة أو حرة؟ فيه طريقان: إحداهما: أنه على الخلاف فيما إذا عتقت المعتدة والثانية قالها أبو إسحاق: أنها تكمل عدة حرة لأن الفسخ سبب لوجوب العدة، فإذا وجد في أثناء العدة وجب التكميل، هذا كلامه، وهو كلام صحيح فحصل في كلام الرافعي تحريف بالنسبة إلى الحكم، وتحريف وإسقاط بالنسبة إلى التعليل فافهمه، واشكر الله تعالى على ما يسر لك من الوقوف على حال هذه المواضع المكتسبة من
الجزء: 8 - الصفحة: 7
هذه الأبواب الشاسعة.
قوله: ولو وطيء أمة إنسان على ظن أنها زوجته الحرة وجب ثلاثة أقراء اعتبارًا باعتقاده، وقيل قرءان، وقيل قروء، ثم قال: ولو وطيء حرة على ظن أنها أمته المملوكة فقد قطع قاطعون بأنه يلزمها ثلاثة أقراء وأن الظن يؤثر في الاحتياط لا في المساهلة وأجرى المتولي الوجهين، إن اعتبرنا بحالها وجب ثلاثة أقراء، وإلا فيكفيها قرء واحد والأشبه النظر إلى ظن الرجل واعتقاده فإن العدة إنما تجب رعاية لحقه، فكما يؤثر الظن في صفة العدة وقدرها.
انتهى كلامه.
وما ذكره من ترجيح النظر إلى ظن الواطئ ذكر ما يخالفه في "الشرح الصغير" فقال: ولو وطيء حرة على ظن أنها مملوكة فالمشهور القطع بأن عليها ثلاثة أقراء، وقال في "التتمة": فيه وجهان، هذا لفظه، ولم يذكر غير ذلك.
قوله: والمستحاضة المتحيرة تعتد بثلاثة أشهر في الأصح، ولا يلزمها الاحتياط لعظم المشقة والمفهوم مما قالوه تصريحًا وتلويحًا: أن الأشهر ليست متأصلة في حقها، وإنما تعتد بها لاشتمال كل شهر على حيض وطهر غالبًا، وأشار بعضهم إلى أنها متأصلة كما في حق الصغيرة والمجنونة.
انتهى.
والتعبير بالمجنونة تبعه عليه في "الروضة" وصوابه الآيسة، فإن المجنونة إن كانت ممن تحيض، وعرف حيضها فعدتها به وإلا فمتحيرة.
قوله: ولو ولدت المرأة ولم تر حيضًا قبل الولادة ولا نفاسًا بعدها فتعتد بالشهور لظاهر الآية، وكمن انقطع دمها بلا سبب ظاهر، لأن الحمل لا يكون إلا لذوات الأقراء؟ فيه وجهان، وينسب الأول للشيح أبي حامد.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
الجزء: 8 - الصفحة: 8
أحدهما: أن هذه المسألة قد ذكرها الرافعي بعد هذا في موضعين بوجه جازمًا به، أحدهما: في أثناء النوع الثالث قبيل الشرط الثاني في الكلام على ما إذا مات عن زوجته أو طلقها وهي حامل من زنا فقال: وتنقضى العدة مع الحمل في عدة الوفاة، وفي عدة الطلاق إذا كانت المرأة من ذوات الأشهر، أو كانت من ذوات الأقراء، ولم تر دمًا، أو قلنا: ما رأته الحامل ليس بحيض.
انتهى.
فجزم هنا بأنها تعتد بالأشهر.
والموضع الثاني: بعد هذا الموضع بنحو ورقتين في الكلام على المدة التي يلحق فيها الولد فقال معترضًا على مسألة نقلها ما نصه: ولك أن تقول هذا إن استمر في الأقراء لا يستمر في الأشهر، فإن التى تحمل من النساء لا تعتد بالأشهر، هذا لفظه وهو عكس ما تقدم، وذكر المسألة أيضًا في آخر العدد نقلًا عن "فتاوى البغوى" وحاصل ما نقله الخلاف فيها، وهو الموضع الأول المبدوء به في صدر هذه المسألة، فقال: الصحيح الاعتداد بالأشهر لدخولها في قول الله تعالى: ﴿وَاللَائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4] هذا لفظه، ولم ينقل في آخر العدد ما نقله عنه هنا من زوائده، وصحح أيضًا في "الفتاوى" ما صححه في "الروضة" من زوائده فقال: هذا هو الصحيح عند أصحابنا، وقال بعضهم: حكمها حكم من انقطع حيضها بلا سبب، والصواب الأول، قال: ولا فرق بين أن ترى نفاسًا أم لا، هذا كلامه.
الأمر الثاني: أن تقييد الرافعي بقوله ولا نفاسًا بعدها يقتضى أن وجود النفاس كوجود الحيض قبل ذلك ففي كونه مانعًا من الاعتداد بالشهور، وقد ظهر لك مما نقلناه عن "فتاوى النووي" أن الأمر ليس كذلك فاعلمه.
قوله: وإذا طلقت الصغيرة اعتدت بالأشهر فإن حاضت في أثنائها انتقلت إلى الأقراء وهل يحسب ما مضى قروءًا؟ فيه وجهان.
الجزء: 8 - الصفحة: 9
أحدهما: وبه قال ابن سريج: نعم؛ لأنه طهر يعقبه حيض، والثاني: وبه قال أبو إسحاق: لا.
كما ذات الأقراء إذا آيست قبل تمامها تعتد بثلاثة أشهر ولا تحسب ما مضى شهرًا، وهذا أقرب إلى ظاهر النص.
انتهى كلامه.
وهذا الخلاف حكاه أيضًا في "الشرح الصغير" وجهين، وصرح بالتصحيح فقال ما نصه: فيه وجهان: أظهرهما: المنع، وحكاه في "المحرر" قولين فقال: فيه قولان يبنيان على أن المعتبر في القروء الانتقال من الطهر إلى الحيض أو الطهر المحتوش بدمين، والأظهر الثاني، ووقع هذا الاختلاف أيضًا بين "الروضة" و"المنهاج".
واعلم أن الرافعي لما ذكر في الطلاق السنى والبدعى هذه المسألة أعنى أن القرء ما هو؟ قال: فيها قولان أو وجهان بالترديد من غير ترجيح.
قوله: أما الأمة إذا كانت صغيرة أو آيسة فبم تعتد؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: بشهرين، والثاني: بشهر ونصف والثالث: بثلاثة أشهر لأن الماء لا يظهر أثره في الرحم إلا بعد هذه المدة إذ الولد يتخلق في ثمانين يومًا، ثم يبين الحمل بعد ذلك.
انتهى كلامه.
وما ذكره في آخر كلامه من كون الولد يتخلق في الثمانين أى يتصور قد خالفه في كتاب الرجعة فجزم بأنه لا يتصور إلا بعد أربعة أشهر ولحظتين، وقد سبق ذكر لفظه هناك، ولم يذكر النووي التعليل المذكور فسلم من الاختلاف ولا يمكن حمل كلامه هنا على أن المراد بالتخليق هو المضغة، لأن الله تعالى في كتابه قسم المضغة إلى مخلقة وغير مخلقة، والمراد بالمخلقة المصورة التى نفخ فيها الروح، ويدل له ما رواه البخاري عن أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إن الله تعالى وكل في الرحم ملكًا فيقول: يا رب نطفة يا رب مضغة، فإذا أراد أن يخلقها قال: يا رب ذكر أو أنثى؟
الجزء: 8 - الصفحة: 10
يا رب شقي أو سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ "، وروى البخاري أيضًا قبيله عن عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو الصادق المصدوق: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمة أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكًا بأربع كلمات، فيكتب عمله وأجله ورزقه وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح".
وقد تكلم الخطابي على أن المراد بقوله يجمع خلقه فروى بسنده إلى عبد الله بن مسعود أن النطفة إذا وقعت في الرحم فأراد الله تعالى أن يخلق منها بشرًا سارت في بدن المرأة تحت كل ظفر وشعرة ثم تمكث أربعين ليلة، ثم تنزل دمًا في الرحم فذلك جمعها.
واعلم أن مسلمًا روى في صحيحه حديثًا آخر معارض لما سبق، وهو أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكًا فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها، ثم قال يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضى ربك ما يشاء" وفي الجمع بينهما نظر، والمعروف للأصحاب ما قاله الرافعي في الرجعة، وقد وافقه على المذكور هنا، وهو أن التخليق والتصوير يحصل بمضى الثمانين جماعة منهم الماوردي في كتاب العدة، والقاضي أبو الطيب في كتاب الرجعة من "تعليقه" وذكر نحو ذلك صاحب "البيان" في الكلام على من تباعد حيضها فقال: لأن الحمل يتبين بثلاثة أشهر، وذكر في "النهاية" مثله، وذكر الماوردي أيضًا في الكلام على عدة الأمة، أن المضغة تتصور وتتخلق عند بعض الشهر الثالث.
قوله: وهل النظر في سن اليأس إلى جميع النساء، أم إلى نساء عشيرتها؟ فيها قولان، نظم "التهذيب" يشعر بترجيح القول الثاني، وإيراد أكثرهم يقتضي ترجيح الأول.
انتهى ملخصًا.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا فقال: إنه الأصح عند الأكثرين
الجزء: 8 - الصفحة: 11
يعني الأول، ورجح في "المحرر" الثاني، فقال بعد حكاية القولين ما نصه: الثاني أقرب إلى الترجيح، واستدرك عليه النووي فصحح في "المنهاج" الأول فلذلك سلم من التعارض.
قوله: والمجبوب الذكر الباقى الأنثيين قد تقدم أنه يلحقه الولد فتعتد امرأته عن الوفاة بوضع الحمل، ولا تجب عدة الطلاق عليها، لأنه إنما تجب بعد الدخول ولا يتصور منه دخول.
انتهى كلامه.
وهو صريح أو كالصريح في أنها لا تعتد بالحمل عن الطلاق، وقد تابعه عليه أيضا في "الروضة" وهو عجيب، فإن المعنى المقتضي لاعتدادها به في عدة الوفاة، وهو استدخال الماء هو بعينه يقتضي الاعتداد به عن الطلاق وقد صرح في أول الباب بخلاف ما ذكره هنا فقال: وأما مجبوب الذكر الباقى الأنثيين فلا يوجد منه الدخول، فلا تجب عدة الطلاق على زوجته إذا كانت حائلًا فإن ظهر بها حمل، فقد ذكرنا في اللعان أنه يلحقها الولد فعليها العدة بوضع الحمل هذا لفظه وهو الصواب.
قوله: وكذلك تبقى سائر أحكام الجنين في الذي خرج بعضه دون بعض كنفي توريثه وسراية العتق إليه من الأم وعدم إجزائه عن الكفارة، ووجوب الغدة عند الجنابة على الأم، وتبع الأم في البيع والهبة وغيرهما، وفي [وجه] إذا صرخ واستهل كان حكمه حكم الولد المنفصل في جميع ما ذكرنا إلا في العدة ونسب هذا إلى القفال في "البسيط" انتهى كلامه.
وما ذكره هاهنا من أن الجنين إذا خرج بعضه لا يكون حكمه حكم ما لو انفصل جميعه، ذكر مثله أيضًا في كتاب الفرائض، وخالفهما في الكلام على دية الجنين، وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى فراجعه، ووقعت هذه المواضع أيضًا في "الروضة".
قوله: فإن لم يظهر الحمل ولكنها ترتاب وتتوهمه لثقل وحركة تجدهما
الجزء: 8 - الصفحة: 12
نظر: إن كان ذلك قبل تمام الأشهر والأقراء فليس لها أن تتزوج حتى تزول الريبة، فلو تزوجت كان التزويج باطلًا للتردد في انقضاء العدة، وإن كان بعد إنقضاء الأقراء أو الأشهر وتزويجها لم نحكم ببطلان النكاح إن تحققنا حملها تبين البطلان.
انتهى.
وما ذكره في القسم الأول من بطلان النكاح مطلقًا يقتضى القول به فيما إذا نكحت بعد تمام الأشهر أو الأقراء، وبان أن لا حمل بها، وهو خلاف القواعد، بل تنبغي الصحة، كما لو باع الأب ظانًا حياته أو شاكًا فيها، ثم بان موته على أن المسألة فيها كلام مذكور في باب الزنا.
قوله: في المسألة قال الشيخ أبو على: وهذا فاسد لأن العقود لا تتوقف (على الجديد) والقول بالوقف هنا منقول عن الجديد.
انتهى كلامه.
وما ذكره هنا من نفي قول الوقف عن الجديد ليس كذلك، بل هو ثابت فيه أيضًا وقد أوضحته في كتاب البيع فليراجع.
قوله: وإن حصلت الريبة بعد انقضاء العدة، وقبل التزويج فالمذهب القطع بصحة نكاحها، ووجه البطلان أنه لو صح لجعلناه موقوفًا، والوقف باطل عندنا، وأجيب بأن المنكر في الجديد هو التوقف في العقود ابتداء، وقد يتخلف وجه الصحة إلى أن يوجد ذلك الشرط كالوقف على إجازة المالك إذا باع الفضولي وهاهنا لا يتوقف في [الانعقاد]، بل يحكم بأن النكاح منعقد بناء على الظاهر ثم إن بان خلافه غيرنا الحكم.
انتهى كلامه.
وما ذكره في تفسير الوقف الباطل عندنا غير صحيح لأنه يقتضى البطلان في من باع مال أبيه معتقدًا حياته أو شاكًا فيها مع أن الصحيح فيها الصحة وهما من قولي وقف العقود أيضًا، بل صواب العبارة في الوقف الممتنع أنه الوقف على شيء حادث كالإجارة المتقدم ذكرها، وأما الموقوف على مقارن العقد فليس منه، ولهذا يعبر عنه بوقف التبين.
الجزء: 8 - الصفحة: 13
قوله: وعن مالك أنه قال: هذه جارتنا امرأة محمد بن عجلان امرأة صدق وزوجها زوج صدق حملت ثلاثة أبطن في اثنتي عشرة سنة تحمل كل بطن أربع سنين، وروى العتيبي أن هرم بن حيان حملت به أمه أربع سنين.
أما رجل صدق وامرأة صدق منونان على الوصف بالمصدر للمبالغة بمعنى صادق كقولك رجل عدل، وامرأة عدل أى: عادل وعادلة وفي تأويله مذاهب للنحاة مشهورة.
وأما هرم فهو بهاء مفتوحة وراء ساكنة وحيان بياء بنقطتين من تحت وهرم المذكور من كبار التابعين الصلحاء الزهاد، وقد ذكره النووي في آخر "فتاويه" وقال إنه قد اشتهر في كتب الرقائق أنه لما دفن أرسل الله تعالى سحابة فأمطرت حوالي القبر.
ولم يصب القبر منه شيء.
قوله: فرعان: أحدهما: لو أتت بولد إلى أن قال ما نصه، وإن قلنا بالثاني لحقه إذا أتت به لدون أربع سنين.
انتهى.
وهذا الذي قاله يقتضي أنه إذا كان لأربع سنين لا يلحقه، وليس كذلك بل الصواب، وهو الذي ذكره هو في أوائل هذا الباب أن الأربع حكمها حكم ما دونها وأنه يلحقه إذا أتت به لأربع سنين فأقل، وقد مشى النووي على هذا الموضع فلم يتفطن له في "الروضة".
قوله: وهل تجب العدة في النكاح الفاسد من آخر وطأة أو من وقت التفريق بينهما بانجلاء الشبهة، وظهور الفساد؟ فيه خلاف، الأصح على ما ذكر في "التهذيب": أنها تحسب من وقت التفريق.
انتهى.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، والأصح ما صححه البغوى، كذا صححه النووي في أصل "الروضة"، ثم إنه عبر بالأصح فاستفدنا منه أن الخلاف وجهان كما تقرر لك من اصطلاحه، ولا يؤخذ ذلك من كلام الرافعي.
الجزء: 8 - الصفحة: 14
قوله: وإذا ولدت المرأة وطلقها زوجها ثم اختلفا فقال الزوج: طلقتك بعد الولادة فأتت في العدة ولي الرجعة، وقالت المرأة: بل قبله، نظر: إن اتفقا إلى آخره.
هذه المسألة فيها كلام سبق في كتاب الرجعة فليراجع.
الجزء: 8 - الصفحة: 15
الباب الثاني في "تداخل العدتين"
قوله: وإذا طلق زوجته فشرعت في العدة بالأقراء أو بالأشهر ثم وطئها وطء يوجب العدة فتستأنف العدة ويتدرج فيها ما بقي بحيث يكون مشتركًا واقعًا عن الجهتين جميعًا، ثم قال: وقل إن عدة الطلاق تنقطع بما طرأ من الوطء ويسقط باقيها وتتمحض العدة الواجبة عن الوطء وهذا ما حكاه أبو الحسن العبادي عن الحليمي قال: وقياسه أن لا تثبت الرجعة في البقية لكن الإجماع صد عنه.
انتهى كلامه.
وهذا الإجماع الذي حكاه وارتضاه، تابعه عليه في "الروضة" أيضًا وليس كذلك فقد ذكر بعد هذا بأسطر في نظيره أنه لا رجعة فإنه ذكر أنها إذا حبلت من هذا الوطء فتعتد بالحمل، ويدخل فيه البقية على أشبه الوجهين، فعلى هذا له الرجعة في أظهر الوجهين، ثم قال: والثاني لا رجعة له بناء على أن عدة الطلاق قد سقطت وهي الآن معتده عن الوطء هذا لفظه.
قوله: وإن كانت حاملًا من الزوج ووجب عليها عدة الآخر من وطء الشبهة فراجعها الزوج فتنقطع عدته في الحال وتبقى عدة الشبهة مؤخرة إلى أن تضع وتعود إلى أقرائها وهل له وطؤها في الحال؟ فيه وجهان؛ قيل: نعم؛ لأنها منكوحة وليست في الحال في عدة غيره، وقيل: لا.
لأنها معرضة للعدة ولا يليق تسلطه عليها في الحال، والمنع من الاستقبال، ومال صاحب "التتمة" إلى ترجيح الثاني ومنهم من يرجح الأول.
انتهى ملخصًا.
لم يصحح في "الشرح الصغير" أيضًا شيئًا منهما، وقال في "الروضة" من زوائده الراجح الجواز.
قوله: ولو وطئت بشبهة وظهر بها حمل واحتمل كونه من الزوج ومن الواطئ فمات هذا الولد في زمن الإشكال وكان للأم ولدان آخران، أو كان
الجزء: 8 - الصفحة: 16
لكل واحد من الزوج والواطئ ولدان فلها السدس، فإن كان لأحدهما ولدان دون الآخر فهل لها الثلث للشك في كونهما أخوين للميت أم السدس لأنه اليقين؟ فيه وجهان.
انتهى.
قال في "الروضة" الأصح أو الصحيح السدس.
قوله: ولو أوصى إنسان لهذا الحمل بشيء أو سمى الموصى أحدهما، إما الزوج أو الواطيء فقال: أوصيت بحمل فلان هذا فإن ألحقه القائف بغير المسمى بطلت الوصية.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على الجزم ببطلانها والمتجه تخريجها على الإشارة والعبارة، فإن غلبنا العبارة بطلت أو الإشارة فتصح.
قوله: وإذا فرعنا على أن الحربيتين تكفي لهما عدة واحدة فهل نقول إنها للواطيء الثاني، ونسقط بقية عدة الأول لضعف حقوق الحربي وبطلانها بالاستيلاء عليه أو على زوجته أو نقول تدخل بقية العدة الأولى في الثانية؟ وجهان.
وأرجحهما على ما قاله في "الروضة" من زوائده هو الأول.
قوله: وإذا طلق زوجته طلاقًا رجعيًا ولم يهجرها في العدة، نظر: إن كان يطؤها قال المتولي: لا تشرع في العدة مادام يطؤها لأن العدة لبراءة الرحم وهي مشغولة، وإن لم يطأها ولكن كان يعاشرها معاشرة الأزواج ففي انقضاء العدة ثلاثة أوجه: ثالثها: وهو الذي أخذ به الأئمة أنها تنقضى في المطلقة البائنة دون الرجعية، لأن في المخالطة بها شبهة وفي الفرع فائدتان: إحداهما: قال البغوى في "الفتاوى": الذي عندى أنا وإن حكمنا بعدم الانقضاء فلا رجعة له للاحتياط من الجانبين، وفي "فتاوى القفال" ما يوافقه، وأما صحة إيقاع الطلاق عليها فتستمر إلى انقضاء العدة، وبه صرح الرويانى في "الحلية".
انتهى ملخصًا.
الجزء: 8 - الصفحة: 17
ذكر مثله في "الروضة" وفيما ما ذكره من عدم ثبوت الرجعة كلام يتوقف على ما قاله فيها البغوي في "فتاويه" فلنذكره فنقول: قال ما نصه: قال أصحابنا: لا يحكم بانقضاء العدة، وإن مضت لها أقراء وله الرجعة.
قال شيخنا: والذي عندى أنه لا يحكم بالانقضاء كما ذكروه، لكن بعد مضي الأقراء لا رجعة أخذًا بالاحتياط في الجانبين، هذا كلام البغوى في "فتاويه".
إذا علمت ذلك فتعود إلى المقصود وهو أمران:
أحدهما: أن ما وقع في الفتاوى المذكورة من التعبير بقوله قال شيخنا: يحتمل أن يكون كلام تلميذ البغوي الجامع لفتاويه، فيكون الشيخ هو البغوي، ويحتمل أن يكون من كلام البغوي نفسه فيكون المراد بالشيخ هو القاضي الحسين، ولا شك أن المراد هو الأول، أعني البغوي، فإن القاضي الحسين قد ذهب إلى ثبوت الرجعة بعد مضي الأقراء، سواء كان يطأها أم لا كذا ذكره في "تعليقه" وفي "فتاويه" أيضًا في أواخر كتاب الطلاق، ولأجل هذا صرح الرافعي بالبغوي عوضًا عن التعبير بالشيخ، وهو تصرف حسن فتفطن له، واعلم مستنده.
الأمر الثاني: أي ما نقله الرافعي عن البغوي من عدم ثبوت الرجعة، ولم ينقل خلافه بل قواه بكلام القفال، قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" وهو يشعر بأن هذا هو المنقول المعمول به لا غير ولهذا جزم به الرافعي في "الشرح الصغير" فقال ما نصه: ثم قال الأئمة لا رجعة للزوج بعد انقضاء الأقراء وإن لم تنقض العدة بسبب المعاشرة أخذًا بالاحتياط في الطرفين، هذه عبارته، وجزم به أيضًا في "المحرر" وتبعه عليه النووي في "المنهاج" وليس تقدم نقله عن "فتاوى البغوى" أن الرجعة تثبت إلا أن الرافعي اقتصر على نقل آخره دون أوله، وكأنه انتقل نظره أو سقط ذلك من النسخة التى وقف عليها، ويمكن أن يقال: إنما لم يصرح الرافعي في
الجزء: 8 - الصفحة: 18
"الكبير" بثبوت الرجعة لأنه مقتضى القول ببقاء العدة فسكت عنه لذلك، ولم يحتج إلى التصريح به، وصرح بمقالة البغوى لكونها على خلاف الأصل، وحينئذ فيكون كلام "الشرح الصغير" و"المحرر" و"المنهاج" غلطًا حصل من الإلباس الواقع في "الشرح" و"الروضة" وهذا هو الظاهر الموافق للمنقول، وعلى كل حال فالفتوى على ثبوت الرجعة، وقد وقع هنا في كلام "الكفاية" لابن الرفعة ما وقع للرافعي بزيادة غلط آخر فاحش، وقد نبهت على ذلك في "الهداية" فراجعه.
وإذا قلنا: لا تنقضي العدة فأراد المطلق تزويجها في العدة من الولى فالقياس جوازه جزمًا.
واعلم أن ما نقله في أول المسألة عن المتولي قد سبقه إليه القاضي الحسين في "تعليقه"، وقال: إنه لا خلاف فيه.
قوله: وأما إذا خالط المعتدة أجنبى عالمًا فلا يؤثر وطؤه، وإن خالط بشبهة فيجوز أن يمنع الاحتساب كما سبق أنها في زمن الوطء بالشبهة خارجة عن العدة.
انتهى.
وتوقفه في هذه المسألة وهى مسألة المحافظة غريب، فقد ذكرها قبل ذلك وحكى فيها خلافًا فقال ما معناه وإذا نكح معتدة على ظن الصحة ووطئها لم يحسب زمن استفراشه إياها [من] عدة الطلاق ومن أي وقت يحكم [بانقطاع] العدة، فيه وجوه، أصحها: من وقت الوطء، لأن النكاح الفاسد لا حرمة له.
والثاني: من حين يخلو بها ويعاشرها، وإن لم يطأ.
والثالث: من وقت العقد إن اتصل به رفاق وإلا فلا، والرابع: من وقت العقد وإن لم يتصل به رفاق.
قوله: الثانية من نكح معتدة جاهلًا ووطئها لم تحرم عليه مؤبدًا، وعن
الجزء: 8 - الصفحة: 19
القديم أنها تحرم، ثم قال: ونقل القاضى الروياني إجراء القول القديم في كل وطء يفسد النسب كوطء زوجة الغير أو أمته بالشبهة.
انتهى كلامه.
وما نقله من الروياني ذكر نحوه أيضًا المقدسي في "التهذيب"، والتقييد بإفساد النسب يقتضي أنها لا تحرم بلا خلاف إذا كان وطؤها لا يخشى منه إفساد كما لو وطيء صغيرة أو آيسة أو من تبين حملها، أو غير مدخول بها إذا مات عنها زوجها.
قوله: ولو خالع الممسوسة ثم جدد نكاحها ومات بعد التجديد، فقد حكى صاحب الكتاب وجهين في اندراج تلك البقية تحت عدة الوفاة، وهذا يشعر بلزوم البقية وإنما التردد في أنها هل تدخل في عدة الوفاة أم لا؟ ثم قال: والذي أورده صاحب "التهذيب" وغيره أن تلك البقية تسقط كما لو مات عن الرجعية يسقط ما بقي من عدتها وتكفيها عدة الوفاة بلا خلاف.
انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره من نفي الخلاف ليس كذلك، ففي "الذخائر" للقاضي مجلي حكاية وجهين في أنها هل تندرج أو تسقط.
الجزء: 8 - الصفحة: 20
قال -رحمه الله-:
القسم الثاني في "عدة الوفاة" والسكنى
وفيه بابان
الأول: في عدة الوفاة
قوله: لكن ثبت أن سبيعة الأسلمية ولدت بعد وفاة زوجها بنصف شهر فقال لها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "حللت فانكحى من شئت"، وغسل أبا بكر زوجته أسماء بنت عميس -رضي الله عنها-، وكان أوصى بذلك.
انتهى.
أما سبيعة فبضم السين تصغير سبعة بفتحها وضم الباء وقد تسكن للتخفيف وهى اللبؤة أى أنثى الأسد قاله الجوهرى، وأما عميس فتصغير العمس بفتح العين المهملة وسكون الميم وبالسين المهملة وهو التجاهل أى إظهار الجهل بالشيء وأنت عارف به.
قوله: وإذا قلنا في المفقود بالقول القديم وهو أن المرأة تمكث أربع سنين ثم يحكم الحاكم بوفاة زوجها وتعتد عدة الوفاة اقتصرت المدة إلى ضرب القاضي، وقيل: لا بل يكفي مضيها، ثم قال: وإذا ضرب المدة فهل يكون ذلك حكمًا بوفاته أم لابد من استئناف الحكم؟ فيه وجهان: أظهرهما: أنه لابد من الحكم.
انتهى.
وهذه المسألة فرد من أفراد تصرفات الحاكم، وقد اختلف كلام الرافعي وكلام "الروضة" في أن تصرفه حكم أم لا؟ وقد تقدم ذكره مبسوطًا في النكاح في بيان الأولياء فليراجع.
قوله: وإذا حكم الحاكم بالفرقة فهل تعتد ظاهرًا وباطنًا أم ظاهرًا فقط؟ وجهان، أو قولان.
انتهى.
هذه المسألة فرد من أفراد قاعدة وهي ما إذا حكم الحاكم في المسائل المختلف فيها، فهل ينفذ حكمه ظاهرًا وباطنًا حتى يحل للمحكوم له ذلك أم لا؟ وجهان، والأكثرون مائلون إلى النفوذ في الباطن أيضًا، كذا ذكره
الجزء: 8 - الصفحة: 21
الرافعي في كتاب دعوى الدم، وفي كتاب الدعاوى، وقد جزم الرافعي في الموضعين المذكورين وفي غيرهما بأن الخلاف وجهان، فعلم منه الراجح مما تردد فيه الرافعي هنا، وذكر في "الروضة" هنا مثل ما ذكر الرافعي، ثم شرع من زوائده في ذكر الأصح من الخلاف فلم يتجوز له لكونه مذكورًا في غير مظنته فلم يكمل الكلام، وذكر مبتدأ بلا خبر وترك بياضًا ليلحقه إن يحرر له -رحمه الله تعالى-.
قوله: وإذا أرضعت المتزوجة ولدها من غير الزوج في بيت زوجها ولم يقع خلل في التمكين فعلى الزوج نفقتها وسواء وجب عليها الإرضاع أم لا وإن خرجت للإرضاع بغير إذنه سقطت نفقتها، وإن خرجت له بإذنه فوجهان بناء على ما لو سافرت بإذنه لحاجتها، وإذا كان الإرضاع واجبًا كاللبأ أو عند فقد غيرها فعليه أن يأذن.
انتهى.
وما ذكره من كون الخروج للإرضاع بغير إذن الزوج مسقطًا للنفقة إن كان المراد به حالة وجود الزوج في البيت أو حالة غيبته ولكن خرجت للاستقرار فغربت وإن أراد مطلق الخروج حتى يتناول الخروج للمرة الواحدة في غيبة الزوج، فقد ذكر في كتاب النفقات في الباب الثاني في مسقطات النفقة في نظير المسألة ما يخالفه، فإنه نقل عن البغوى أن الخروج في غيبة الزوج إلى بيت أبيها لزيارة أو عيادة لا على وجه النشوز لا يكون مسقطًا للنفقة وارتضاه ولم يخالفه، والخروج لإرضاع الابن كزيارة الأب فكل منهما طاعة وبر وصلة رحم لا على جهة النشوز، وقد تابعه في "الروضة" على الموضعين وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى والصواب هو المذكور هناك، فإن المقصود وهو الاستمتاع لم يقع فيه خلل، غاية ما في الباب أن يكون صدر منها ذنب وإذا تقرر الاستحقاق عند عدم الإذن فمع الإذن أولى، والتخريج على السفر تخريج عجيب، فإن الاستمتاع يتعذر به بخلاف الخروج للإرضاع.
الجزء: 8 - الصفحة: 22
قوله: روي عن أم عطية أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لا تحد المرأة فوق ثلاث إلا على زوج فإنها تحد أربعة أشهر وعشرًا، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عصب، ولا تكتحل ولا تمس طيبًا إلا إذا طهرت نبذة من قسط أو أظفار".
وعن أم سلمة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "المتوفي عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشقة ولا الحلى إلا الشيء اليسير، وقوله من قسط أو أظفار هما نوعان من البخور، والمعنى لا تمس طيبًا إلا إذا طهرت من الحيض تمس شيئًا يسيرًا منهما لقطع الروائح الكريهة، والممشقة المصبوغة بالمشق وهو المعرة ويقال شبه المغرة وهو شبه الطين الأحمر، وقد تحرك العين.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره في آخر كلامه من جواز القليل منها للحائض إذا طهرت، ذكر مثله النووي في "شرح مسلم" فقال هما نوعان من البخور وليسا من مقصود الطيب، رخص لها فيه لإزالة الرائحة الكريهة لا للطيب هذا كلامه، وقد أسقط النووي هذه المسألة من "الروضة" وهى مسألة مهمة نفيسة، ويظهر إلحاق المحرمة إذا طهرت من حيض أو نفاس بالمعتدة، بل أولى لقصر زمن الإحرام، ولأن الطيب فيه أخف بدليل وجوب إزالته إذا شرعت في العدة بخلاف الإحرام.
الأمر الثاني: في الكلام على هذه الألفاظ وهى العصب والنبذة والقسط والأظفار والمشق والمعزة فالعصب بعين مفتوحة وصاد ساكنة مهملتين وبالباء الموحدة نوع من برود اليمين.
والنبذة بضم النون وبالذال المعجمة هى: القطعة.
والقسط بقاف مضمومة وسين ساكنة وطاء مهملتين: طيب معروف، وكذلك الأظفار بالظاء المعجمة، وهو جمع لا واحد له من لفظه وقيل مفرده ظفر حكاه ابن الأثير في "النهاية"، قال: وروي قسط ظفار أى بالإضافة،
الجزء: 8 - الصفحة: 23
وروى أيضًا بالوطف كما سبق، والمشق بميم مكسورة وشين معجمة ساكنة، وقد فسرها الرافعي بالمعرة وهى ميم مفتوحة، وعين معجمة ساكنة وقد تفتح كما ذكره الجوهري، والعامة تنطق به مضموم الميم، وأما الدمام فهو بدال مهملة مكسورة وميمين بينهما ألف وهو كل شيء يطلى به الوجه.
قوله: وعن عائشة وحفصة -رضي الله عنهما- أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا" قال الأئمة إلا على زوج مستثنى من قوله: "لا يحل وظاهره لا يقتضى إلا الجواز لكن أجمعوا على أنه أراد الوجوب، ثم قال ولا إحداد على المعتدة عن الوطء بالشبهة والنكاح الفاسد وأم الولد، وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا يحل لامرأة" الحديث، قد يحتج به لتحريم الإحداد على الموطوءة بالشبهة وأم الولد.
انتهى كلامه.
وما ذكره من الإجماع على وجوب الإحداد ليس كذلك ففي "الشامل" عن الحسن البصري أنه مستحب لا واجب، وما ذكره أيضًا من أنه قد يحتج بالحديث المذكور على هذين تبعه في "الروضة" أيضًا على خلاف الغالب من حاله وهو غريب جدًا، فإنه لا إشعار له بذلك بالكلية، والظاهر أن الرافعي سها من حديث إلى حديث فتابعه عليه النووي غير متأمل له.
واعلم أن القاعدة الأصولية أن ما كان ممنوعًا منه لو لم يكن واجبًا فإذا دل دليل على جوازه كان ذلك نفسه دليلًا على وجوبه كالركوعين في الخسوف، فإن زيادة الركوع الثاني والقيام الثاني في غير الكسوف لا تجوز ولما دل الدليل على جواز فعلهما في تلك الصلاة، وهو فعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - له كان فعلهما واجبًا فيها.
هكذا ذكر هذه القاعدة جماعة منهم الإمام فخر الدين في "المحصول" وغيره.
وإذا استحضرت هذه القاعدة استفدت من الحديث المذكور وجوب الإحداد على المتوفي عنها زوجها وجهًا؛ لأن الإحداد حرام، وقد جاز في هذه الصورة فيكون واجبًا.
الجزء: 8 - الصفحة: 24
قوله: ويجوز لها التنظيف بغسل الرأس والامتشاط ودخول الحمام وقلم الأظفار والاستحداد وإزالة الأوضاح فإنها ليست من الزينة.
انتهى.
وما ذكره من التعليل بنفي الزينة ذكره في "الروضة" أيضًا، لكنه صرح في الباب الثالث من أبواب الجمعة بأن هذه الأمور من الزينة؛ فإنه قال: يستحب للذاهب أمور.
. . . ثم قال: الثالث: التزين: فيستحب التزين للجمعة بأخذ الشعر والظفر والسواك وقطع الروائح الكريهة وبلبس أحسن الثياب.
هذا كلامه.
الجزء: 8 - الصفحة: 25
الباب الثاني: في السكنى
قوله: والأصح أنها -أي: المتوفي عنها زوجها تستحق السكنى؛ لما روي أن فريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري قتل زوجها فسألت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن ترجع إلي أهلها وقالت: إن زوجي لم يتركني في منزل ملكه، فأذن لها في الرجوع.
قالت: فانصرفت حتي إذا كنت في الحجرة أو المسجد دعانى فقال: "امكثي في بيتك حتي يبلغ الكتاب أجله".
فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرًا 2. انتهى.
فريعة: بفاء مضمومة، وراء مهملة مفتوحة، وبالعين المهملة، يجوز أن تكون تصغيرًا للفرعة بفتح الفاء وبالراء مفتوحة وساكنة، اسم للقملة، وهو الذى اقتصر عليه الجوهري.
ويجوز أن تكون من قولهم: فلانة فراعة قومها فهي فارعتهم إذا كانت أجمل منهم، ثم حذفت الألف لتصغيره تصغير الترخيم.
وهذا هو الظاهر إلا أن يثبت الأول بخصوصه.
قوله: ومنها: المعتدة عن النكاح بما سوى الطلاق من أسباب الفراق في الحياة كالتي فسخ نكاحها بالردة أو بالإسلام أو بالرضاع ففيها طرق: أحدها: إطلاق قولين في استحقاقها السكنى كما في عدة الوفاة في
الجزء: 8 - الصفحة: 26
قول: تستحق كالمطلقة تحصينًا للماء.
وفي قول: لا تستحق لأن إيجاب السكنى إنما ورد في المطلقة فيبقى حكم غيرها علي الأصل.
والثاني: إن كان لها مدخل في ارتفاع النكاح بأن فسخت بخيار العتق أو بعيب الزوج، أو فسخ هو بعيبها فلا سكنى لها قطعًا، وإن لم يكن لها مدخل في ارتفاع النكاح كما إذا انفسخ بإسلام الزوج أو ردته أو الرضاع من الأجنبي ففي استحقاقها السكنى القولان.
والثالث: في "تعليقة إبراهيم المروروذي التفصيل المذكور في الطريق الثاني مع القطع باستحقاق السكنى في القسم الأول.
والرابع: في "التهذيب" أن الفرقة إن كانت بالعيب أو الغرور فلا سكنى لها، وإن كانت بسبب رضاع أو صهرية أو خيار عتق فوجهان: المذهب منهما: أنها كالمطلقة.
قال: والملاعنة تستحق قطعًا كالمطلقة.
والخامس: القطع بأنها تستحق.
قال في "التتمة": وهذا هو المذهب.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور:
أحدها: أن الرافعي قد اختلف كلامه في الترجيح في هذه المسألة اختلافًا عجيبًا؛ فصحح في "المحرر" الاستحقاق فقال بعد ذكره الوجوب في حق المطلقة ما نصه: والأظهر أن المعتدة عن سائر أسباب الفراق في الحياة كالمطلقة.
هذا لفظه.
وكلام "الشرح الصغير" هنا يشعر به؛ فإنه اقتصر على التصحيح المنقول عن "التتمة"، وصرح أيضًا بتصحيحه في الباب الثاني من أبواب النفقات من الشرحين معًا، لكن في الملاعنة خاصة ولم يصرح بغيرها.
الجزء: 8 - الصفحة: 27
ثم خالف ذلك كله في الكلام على ثبوت الخيار بعيوب النكاح فقال: إنها إن كانت حائلًا فالمشهور أنها لا تستحق [وقيل: فيه قولان، وإن كانت حائلًا لم تستحق] 3 في أصح القولين، وقيل: لا تستحق قطعًا.
وقد ذكرت لفظه هناك لمعني آخر يتعلق به، فراجعه.
الأمر الثاني: أن الرافعي سوى هنا بين الحائل والحامل وخالف بينهما في النكاح، وقد وقع الأمران معًا في "الروضة" على كيفية غريبة جدًا فإنه بالغ في عدم الاستحقاق في الحائل حتى نفى الخلاف عنها، وقد بسطته هناك فراجعه.
الأمر الثالث: أن تعبيره في الطريق الثاني بقوله: في القسم الأول، غلط بين بل صوابه القسم الثاني، وقد تفطن له في "الروضة" فقال: والثالث: إن كان لها مدخل فلا سكني وإلا فلها السكني قطعًا.
الأمر الرابع: أن الذي نقله عن "التهذيب" هنا مخالف لما نقله عنه في خيار النكاح فتأملهما.
نعم هذا الإختلاف قد وقع في "التهذيب" أيضًا، فاعلمه.
قوله: والأمة المعتدة وغير المعتدة حكمهما في استحقاق [السكني] كحكمهما في استحقاق النفقة، فإن كان قد سلمها قبل ذلك ليلًا أو نهارًا استحقت، وإلا فلا علي الصحيح.
ثم قال ما نصه: وزاد الإمام فبني استحقاق السكني على أنه هل يجب عليها ملازمة المسكن في العدة وبنى وجوب الملازمة على أنها في صلب النكاح تكون في المسكن الذي يعينه الزوج أو السيد إن بنوا لها بيتًا؟ ، وفيه خلاف.
فإن قلنا: تكون في المسكن الذي عينه الزوج، فعليها ملازمة المسكن، وإلا فإذا طلقها وهي في البيت الذى عينه السيد ففي وجوب
الجزء: 8 - الصفحة: 28
ملازمته وجهان: وجه الوجوب: أنه المسكن الذى تراضوا به وكانت في صلب النكاح فيه.
وأظهرهما: المنع لأن العدة فرع النكاح وأثره، فإذا لم تستحق إسكانها في صلب النكاح لم تستحقه في العدة.
انتهى كلامه.
وهذا الكلام الذي نقله الرافعي عن الإمام قد حذفه من "الروضة" وهو مشتمل على مسألتين:
إحداهما: أن الأمة إذا بوأها السيد بيتًا أي: هيأه لإقامتها وطلب الزوج إخراجها عنه.
وهذه المسألة قد ذكرها الرافعي قبل كتاب الصداق في الفصل الرابع المعقود لأحكام نكاح الأمة، وحكي فيها قولين وصحح أن المجاب هو الزوج.
المسألة الثانية: ولم يقع لها ذكر في "الروضة" أنه هل يجب على الأمة المعتدة ملازمة المسكن أم لا؟ .
إن قلنا: فيما تقدم: إن المجاب هو الزوج، أوجبنا عليها الملازمة، وإن قلنا يجاب السيد فوجهان: أظهرهما أنه لا يجب عليها ذلك.
هذا حاصل كلام الإمام؛ وحينئذ فيؤخذ منه أن الصحيح: وجوب الملازمة.
قوله: فليس للزوج ولا لأهله إخراج المعتدة من المسكن الذى طلقت فيه.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة"، لكن محل هذا في الطلاق البائن، فإن كانت جعية فللزوج أن يسكنها حيث شاء.
ذكره [الماوردي] في "الحاوي" والشيخ في "المهذب" وغيرهما من العراقيين كما قاله ابن الرفعة وجزم به النووي في تعليقه على التنبيه.
الجزء: 8 - الصفحة: 29
نعم: في "النهاية": أنه يتعين عليها ملازمة المسكن.
قوله: وإن وجد سبب الفراق بعد خروجها من المنزل على قصد السفر لغرض مهم كالتجارة والحج والاستحلال عن المظلمة ولكن لم تفارق عمران البلد فالأصح عند الجمهور: أنه يلزمها العود إلى المنزل.
ثم قال: وحكي وجه غريب فارق بين أن يكون السفر سفرًا لحج فلا يلزمها الانصراف، وبين أن يكون غيره فيلزم.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على حكايته وجهًا وعلى استغرابه أيضًا، وهو غريب؛ فقد نص عليه الشافعي في "الأم"، بل لم يذكر -كما قاله ابن الرفعة- في "المطلب" غيره فقال -أعني الشافعي-: ولو أذن لها أن تخرج إلى حج وخرجت من منزله ففارقت المصر أو لم تفارقه ثم مات عنها أو طلقها كان لها أن تمضي في وجهتها وتقيم فيه مقام الحج وتعود مع الحاج فتكمل بقية عدتها في منزله.
ولو أذن لها إلى سفر يكون مسيرة يوم وليلة غير حجة الإسلام فخرجت من منزله ولم تبلغ السفر حتى طلقها أو مات عنها كان عليها أن ترجع فتعتد في منزله.
هذا لفظ الشافعي بحروفه.
قوله: ولو أذن لها في الانتقال إلى المسكن الثاني ثم عادت إلى الأول لنقل متاع وغيره وطلقها فالمسكن الثاني تعتد فيه؛ وهو كما لو خرجت عن المسكن لحاجة وطلقها وهي خارجة.
قال الإمام: وهذا إذا كانت قد دخلت الثاني دخول قرار، فأما إذا لم تدخله على قصد القرار بل كانت تتردد بينهما وتنقل أمتعتها فإن طلقها وهي في المسكن الثاني فتعتد فيه، وإن طلقها وهي] 4 في الأول ففيه احتمالان: انتهى كلامه.
وهذا الذى نقله الرافعي هنا عن الإمام أسقطه من "الروضة".
الجزء: 8 - الصفحة: 30
قوله: وإن حدث سبب الفراق في الطريق تخيرت بين العودة والمضى؛ فإن اختارت المضى إلى القصد وانقضت حاجتها قبل تمام مدة المسافرين ففي "التهذيب" و"الوسيط" وغيرهما أن لها أن تقيم إلى تمام مدة المسافرين.
وهذا ما حكاه القاضي الروياني عن بعضهم وغلط قائله، وقال: نهاية سفرها قضاء الحاجة لا غير.
انتهى كلامه.
ومقتضاه رجحان الأول، وعبارة "الشرح الصغير" أظهر في اقتضاء رجحانه؛ فإنه قال: ففي "التهذيب" وغيره أن لها إتمام هذه المدة ومنهم من نازع فيه.
إذا علمت ذلك فقد ذكر في "المحرر" ما يقتضي الجزم بالثاني فإنه قال: تخيرت بين المضي والانصراف؛ فإن اختارت المضي فلها أن تقيم إلى أن تنقضي حاجتها ثم عليها الانصراف.
هذا لفظه، وقال: في "الروضة": إنه الأصح الذي قطع به صاحب "المهذب" والجرجاني.
قوله: ولو أحرمت بعد الطلاق بغير إذن فحكمه أنه لا يجوز لها الخروج .. إلى آخره.
ولم يتعرض هنا لجواز التحليل، وقد بينه في كتاب الحج فقال: لا يجوز للزوج ذلك إلا أن تكون رجعية فله تحليلها بعد الرجعة.
قوله: ويروي أن فاطمة بنت أبي حبيش بت زوجها طلاقها فأمرها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم 5.
قال سعيد بن المسيب: كان في لسانها ذرابة فاستطالت على أحمائها.
انتهى.
الجزء: 8 - الصفحة: 31
وما ذكره الرافعي من كون فاطمة هذه هي بنت أبي حبيش غلط وإنما صوابه: فاطمة بنت قيس.
وحبيش: [مصغر حبش] 6 بحاء مهملة وباء موحدة وشين معجمة.
والذرابة: بفتح الذال المعجمة وبالباء الموحدة: هى الحدة، يقال منه لسان ذرب، وفيه ذرابة.
قوله: وفي البائن بطلاق أو فسخ قولان: القديم: ليس لها الخروج، والجديد جوازه [كالمتوفى عنها.
قال المتولي: هذا في الحائل أو الحامل، أما الحامل: إذا قلنا تعجل نفقتها] 7 فهي مكفية فلا تخرج إلا لضرورة.
انتهى.
وما نقله عن المتولي من منع الخروج تابعه عليه في "الروضة".
ولا شك في جواز الخروج لبقية حوائجها كشراء القطن وبيع الغزل، وكذلك إذا أخذت النفقة دراهم فخرجت لتحصل القوت.
قوله: فرع: عن أبي إسحاق إن زنت المعتدة عن الوفاة وهى بكر في عدتها فعلى السلطان تغريبها ولا تؤخر إلى انقضاء العدة لا كتأخير الحد لشدة الحر والبرد لأنهما يؤثران في الحد ويعينان على الهلاك، والعدة لا تؤثر في الحد.
وعن "الحاوي" وجه أنها لا تغرب لحق الزوج.
انتهى كلامه.
وحاصله حكاية خلاف في التغريب من غير ترجيح، وقد صحح في "الروضة" أنها تغرب في هذه الحالة، ولم ينبه على أنه من زياداته، بل أدخله في كلام الرافعى، وهو غريب، فتفطن له.
قوله - نقلًا عن "الوجيز" -: وعليه ألا يخرجها من ملكه إلا إذا كان نفيسًا
الجزء: 8 - الصفحة: 32
لا يليق بحالها، فله أن ينقلها إلى موضع آخر.
انتهى.
استدرك عليه الرافعي فقال: وقوله: إلا إذا كان نفيسًا يقتضي حصر الإخراج فيه، ومعلوم أن له أن يخرجها لسائر الأعذار -أي: من الحريق والغرق والهدم وغيرها- كما سبق، ويحسن أن يحمل ["إلا" على "لكن"] ويجعل هذا استثناء منقطعًا.
انتهى كلامه.
وهذا التأويل الذي ذكره تأويل عجيب؛ فإن الاستثناء المنقطع ضابطه ألا يصدق المستثنى منه على المستثنى.
وأما ما يرد على الكلام من عدم الحصر ونحوه فليس مسوغًا لجعله منقطعًا؛ فإن الأول صادق عليه سلمنا أنه يصح انقطاعه وتقديره بقولنا لكن فليس الأمر كما توهمه من ذلك يكون دافعًا لإيراد هذه الصورة عليه؛ فإن لفظه مع التصريح بلكن لا يؤخذ منه إلا استثناء المنزل النفيس فيبقى الإيراد باقيًا.
قوله: ولا يجوز للزوج مساكنة المعتدة في الدار إلا أن يكون فيها محرم.
ثم قال: واشترط الشافعي البلوغ [قال القاضي أبو الطيب: لأن من لم يبلغ لا تكليف عليه ولا يلزمه إنكار الفاحشة، وقال الشيخ أبو حامد: يكفي حضور المراهق.
انتهى.
ذكر في "الشرح الصغير" نحوه أيضًا فقال ما نصه: واشترط الشافعي البلوغ] 8، ووجه بأن من لم يبلغ لا تكليف عليه فلا يلزمه إنكار الفاحشة.
وقيل: يكفي حضور المراهق.
انتهى.
وقد اختلف كلام النووي في هذه المسألة؛ فوافق في "الروضة" على اشتراط البلوغ، وجزم في "فتاويه" بأنه يكفي المميز، وكذلك في "المنهاج".
الجزء: 8 - الصفحة: 33
وعبارة "المحرر": نعم لو كان في الدار محرم لها من الرجال أو محرم له من النساء أو زوجة أخرى أو جارية فلا بأس بشرط أن يكون المحرم مميزًا.
هذا لفظه، والظاهر مخالفته لما في "الشرح"، ولكن يحتمل أنه احترز بالرجال عن الصبيان وبالمميز عن المجانين.
ويؤيده أن الرافعي قال: ولابد في المحرم ومن في معناه من التمييز فلا عبرة بالمجنون هذا لفظه.
قوله: والحكاية عن الأصحاب أنه لا يجوز أن يخلو رجلان بامرأة واحدة، ويجوز أن يخلو رجل بنسوة إذا كن تقيات، وقد يفرق بأن استحياء المرأة من المرأة كبير من استحياء الرجل من الرجل.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذا الذى ذكره من امتناع خلوة الرجلين بالمرأة مقتضاه أنه لا فرق بين أن تبعد مواطأتهم على الفاحشة أم لا.
وقد اختلف فيه كلام النووي فقال في "شرح المهذب" في باب صفة الأئمة ما نصه: أما إذا خلا رجلان أو رجل بامرأة فالمشهور تحريمه لأنه قد يقع اتفاق رجال على فاحشة بامرأة.
وقيل: إن كانوا ممن تبعد مواطأتهم على الفاحشة جاز.
وأما الأمرد الحسن فلم أر لأصحابنا فيه كلامًا، وقياس المذهب التحريم؛ لأن الصحيح تحريم النظر إليه مطلقًا.
انتهى كلامه.
وقال في "شرح مسلم" في باب تحريم الخلوة بالأجنبية -وهو في الربع الأخير من الكتاب- ما يخالف هذا؛ فإنه لما ذكر قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على مغيبة إلا ومعه رجل أو رجلان" 9.
قال: المغيبة: بضم الميم وكسر الغين المعجمة وإسكان الباء: هى المرأة
الجزء: 8 - الصفحة: 34
التى غاب عنها زوجها عن منزلها.
ثم قال ما نصه: ثم إن ظاهر هذا الحديث جواز خلوة الرجلين أو الثلاثة بالأجنبية، والمشهور عند أصحابنا تحريمه؛ فيتأول الحديث على جماعة تعبد المواطئة منهم على الفاحشة لصلاحهم أو مروءتهم أو غير ذلك.
هذا لفظه.
الأمر الثاني: أن ما ذكره من جواز خلوة الرجل بالنسوة قد جزم بامتناعه في كتاب صلاة الجماعة في الكلام على صلاة النسوة في جماعة، وقد ذكرت لفظه هناك فراجعه.
وذكر المسألة في "الشرح الصغير"، في هذا الباب فقط كما ذكرها في "الكبير"، وقد وقع هذا الاختلاف أيضًا في "الروضة" وكذلك في "شرح المهذب" أيضًا فقال فيه في باب صفة الأئمة: وإن أم بأجنبيات خاليات فطريقان: قطع الجمهور بالجواز.
وحكى أبو الفتوح في كتاب الخناثى وجهين، ونقل الإمام وصاحب "العدة" في أول كتاب الحج في الكلام على الاستطاعة أن الشافعي نص على التحريم، لكن المذهب ما سبق؛ لأن النساء المجتمعات لا يمكن الرجل في العادة من مفسدة ببعضهن.
انتهى كلامه.
وذكر مثله أيضًا في كتاب الحج من "الشرح المذكور" فقال في الكلام على الاستطاعة: جزم القفال وإمام الحرمين بأنه لا يجوز أن يصلى رجل بنسوة لا محرم له فيهن، وحكاه عن النص.
وهذا الذى قالاه ضعيف، والمشهور الجواز.
ثم قال بعده بدون صفحة: وإذا كان مع الخنثى نسوة من محارمه جاز، وإن كن أجنبيات فلا، لأنه يحرم عليه الخلوة بهن.
ذكره القاضي أبو الفتوح، وصاحب "البيان" وغيرهما.
هذا لفظه من غير مخالفه له، ومقتضاه: التحريم جزمًا على عكس ما صححه قبله في الحج وفي الصلاة، وقد جزم الإمام في الحج بتحريم خلوة
الجزء: 8 - الصفحة: 35
الرجل بالنساء.
وقال في هذا الباب: ولا تزول الخلوة عند اجتماع رجلين بامرأة على ظاهر ما ذكره الأصحاب، وليس كخلوة رجل بامرأتين.
قوله: وإذا كانت المرأة تسكن منزل نفسها ففي "المهذب" و"التهذيب" أنه يلزمها أن تعتد فيه، لكن لها أن تطالبه بأجرة المسكن؛ لأن السكني عليه، والأولي ما ذكره صاحب "الشامل" وغيره وهو: أنها إن رضيت بالإقامة فيه بإجارة أو إعارة جاز وهو الأولي، وإن طلبت أن ينقلها فله ذلك وليس عليها بدل مسكنها بالإعارة ولا بالإجارة.
انتهى كلامه.
ومقتضى كلام "المحرر" و"المنهاج" الجزم بأنه يجب عليها ملازمته على خلاف المذكور هنا وفي "الروضة".
قوله: فإن لم يكن تركة ولم يتبرع الوارث بالإسكان ففي "التهذيب" أنه يستحب للسلطان أن يهيء لها مسكنًا من بيت المال خاصة إذا كانت تزن بريبة.
ولفظ الروياني في "البحر" أن السلطان لا يلزمه أن يكتري لها إلا عند الريبة فيلزمه.
انتهى كلامه.
وتزن: بتاء بنقطتين من فوق مضمومة ثم زاي معجمة مفتوحة ثم نون مشددة، ومعناه: تتهم، يقال: أزنه بالشيء على وزن أمده إذا اتهمه به، وأزنته أنا على وزن أعلمته أي: اتهمته.
قوله: فلو تبرع الوارث بإسكان المتوفي عنها زوجها من ماله حيث لا تركة لزمها الإجابة.
ثم قال: فلو أسكنها أجنبي متبرع قال الروياني: إن لم يكن المتبرع ذا ريبة فهو كالوارث، فعليها أن تسكن حيث يسكنها.
انتهى.
الجزء: 8 - الصفحة: 36
وهذا الذى نقله عنه الرافعي من وجوب القبول من الأجنبي وأقره عليه قد ذكر نحوه أيضًا في التكفير عن الميت وتبعه عليه في "الروضة" فقال في الباب الثاني من كتاب الأيمان واللفظ "للروضة" ما نصه: فإن لم تكن تركة فتبرع أجنبى بالإطعام أو الكسوة عنه من مال نفسه جاز على الأصح، فإن تبرع بها الوارث جاز على الصحيح، وقيل: لا؛ لبعد العبادات على النيابة.
هذه عبارته: والإيجاب فيه نظر، خصوصًا في المسألة الأولى؛ فإن القبول فيه فاته، وإنما أوجبنا في الوارث لأن له غرضًا صحيحًا في حفظ ماء مورثه، وقد ذكر الرافعي نظير هذا في وفاء الدين عن الميت المعسر فقال نقلًا عن الإمام: إن أعطاه الوارث وجب على رب الدين قبوله، وإن أعطاه الأجنبي فلا.
ذكره في باب القسامة، وفيه كلام يأتيك في موضعه فراجعه.
وذكر النووي من زوائده هنا أن ما قاله الروياني فيه نظر، ولم يذكر غير ذلك.
قال -رحمه الله-:
القسم الثالث: في الاستبراء
وفيه فصول:
الفصل الأول: في قدره وحكمه
قوله: وإن كان الحمل من زنا ففي حصول الاستبراء بوضعه وجهان:
أحدهما -وهو الذى أورده أبو الفرج السرخسي-: لا يحصل؛ لأن اشتغال الرحم به لا يوجب منعًا؛ فالفراغ منه لا يفيد حلًا.
وأصحهما: على ما ذكر أبو سعد المتولي، وهو الذى أورده في "الكتاب" -أنه يحصل؛ لإطلاق الخبر.
انتهى.
والأصح ما صححه المتولي؛ فقد قال الرافعي في "الشرح الصغير"
الجزء: 8 - الصفحة: 37
والنووي في أصل "الروضة" و"زيادات المنهاج": إنه الأصح.
قوله: وكما لا يجوز الوطء قبل الاستبراء لا تجوز سائر الاستمتاعات كاللمس والقبلة والنظر بالشهوة إن ملكها بغير السبي؛ لأنها قد تكون حاملًا من سيدها أو من وطء شبهة فتكون أم ولد لغيره.
وتبين أنه لم يملكها.
وإن ملكها بالسبى ففي حل الاستمتاع بها في غير الوطء وجهان: أظهرهما: الحل؛ لما روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما-.
أنه قال: وقعت في سهمي جارية من سبي جلولاء، فنظرت إليها فإذا عنقها مثل إبريق الفضة فلم أتمالك أن وثبت عليها فقبلتها والناس ينظرون ولم ينكر عليّ أحد 10. انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن ما ذكره الرافعي في تعليل التحريم في غير المسبية تعليل عجيب؛ فإنه ليس كل وطء شبهة تصير به الجارية أم ولد للواطئ بل هو خاص بوطء الأب جارية ابنه ووطء الشريك، وأما وطء الأجنبي فلا تصير به الجارية أم ولد إلا إذا ملكها على رأي مرجوح.
نعم لو علل بأن الموطوءة بشبهة حامل بحر -وذلك يمنع الملك بالبيع ونحوه على الصحيح- لكان أحسن، ومع ذلك فيستثنى منه ما إذا ملكت بالوصية؛ فإن الذى يظهر -كما قاله ابن الرفعة في "المطلب"- أن حملها لا يمنع تملكها كما لا يمنع تمليك الأمة دون الحمل.
الأمر الثاني: أن تعليل ذلك باحتمال مصيرها أم ولد يقتضى الحل في مسائل أخرى غير المسبية؛ وذلك حيث لا يمكن مصيرها أم ولد؛ بأن تكون الجارية ممن لا يمكن أن تحمل، أو كانت حاملًا من الزنا، أو اشتراها وهي مزوجة وطلقها زوجها قبل الدخول، أو كانت في ملكه فزوجها ثم طلقها زوجها بعد الدخول وأوجبنا الإستبراء بعد انقضاء العدة، وقد صرح بمساواة هذه الأمور [للمسبية] الماوردي في "الحاوي".
الجزء: 8 - الصفحة: 38
الأمر الثالث: أن المسبية قد نص عليها الشافعي وأجاب فيها بعكس ما صححه الرافعي فقال في كتاب السير في باب الرجل يأسر جارية ما نصه: قال الشافعي: وإذا اشترى الرجل جارية من المغنم أو وقعت في سهمه أو في سوق المسلمين: لم يقبلها ولم يباشرها ولم يتلذذ بشيء منها حتى يستبرئها.
هذا لفظه، ومن "الأم" نقلته.
وجلولاء: بفتح الجيم والمد: قرية بنواحي فارس، والنسبة إليها جلولي، على غير قياس: قاله الجوهري.
قوله: إحداها: ما يحصل به الاستبراء لو وقع بعد الملك وقبل القبض هل يعتد به؟
نظر إن ملك بالإرث اعتد به، وإن ملك بالهبة فلا؛ لتوقف الملك على القبض.
. . . إلى آخره.
وهذا التقسيم قد تابعه عليه في "الروضة"، وهو سهو؛ لأن الجديد أن الموهوب لا يملك إلا بالقبض كما ذكره هو في التعليل، فكيف يصح التقسيم في المملوك قبل القبض ومورد التقسيم لابد أن يكون مشتركًا بين أقسامه وأقسام أقسامه كما قررناه فيما ألفناه في علم الأصول؛ فالصواب أن يجعل مورد التقسيم مصبه بعد العقد لا بعد الملك.
وقد وقع في "الروضة" فيما هو أشد من ذلك؛ فإنه تابع الرافعي على هذا التقسيم وحذف التعليل الذى ذكره الرافعي؛ فاقتضى أنا إذا فرعنا على حصول الملك بدون القبض لا يصح الاستبراء أيضًا، وهو عكس ما ذكره الرافعي وغيره.
قوله: الثانية: إذا وقع الحيض أو وضع الحمل في زمان الخيار المشروط، وقلنا الملك للمشترى أو بالتوقف فوجهان: أظهرهما: أنه لا يكفي لأن الملك غير لازم في تلك الحالة.
انتهى ملخصًا.
وما صححه هنا من عدم الإكتفاء قد ذكر ما يخالفه في كتاب البيع في
الجزء: 8 - الصفحة: 39
الكلام على خيار الشرط فإنه قال فيما إذا اشتراها وشرط الخيار له فقط أن في حل الوطء طرقًا الصحيح منها أنه يبني على أقوال الملك.
والصحيح أن الملك للمشترى؛ فيكون الصحيح حل الوطء، ويلزم مما قاله من الحل أن الاستبراء يكفي في زمن الخيار وإلا لكان الوطء ممتنعًا لفقدان الاستبراء.
وقد وقع الموضعان كذلك في "الشرح الصغير" و"الروضة".
واعلم أن السبب في وقوع هذا الاختلاف أن الإمام والغزالي يذهبان إلى الاكتفاء بوقوع الحيض أو الحمل في زمن خيار الشرط، إذا قلنا: الملك للمشتري لأنهما صححا ذلك في هذا الباب، فلما تكلم الغزالي في "الوجيز" في البيع على الوطء أجاب بحله بناء على ما يراه في هذا الباب فلما تكلم الغزالي في "الوجيز" في البيع على الوطء أجاب بحله بناء على ما يراه في هذا الباب] 11 فشرح الرافعي ما قاله، ثم إنه في هذا الباب لما أشبع الكلام على المسألة رأي أن الجمهور على خلاف ما قالاه فخالفهما غير مستحضر لما سبق منهما في البيع، ثم اختصر في "الروضة" الموضعين على ما هما عليه.
وقد حاول ابن الرفعة في "شرح الوسيط" الجمع بين الموضعين بأن المراد بالحل المذكور في البيع هو ارتفاع التحريم المستند إلى ضعف الملك وانقطاع سلطة البائع فيما يتعلق بحقه خاصة وإن كان التحريم باقيًا لمعنى آخر وهو الاستبراء.
الجزء: 8 - الصفحة: 40
الفصل الثاني: في السبب
قوله: الثانية: إذا اشتري جارية مزوجة أو معتدة عن زوج أو وطء شبهة، وأجاز المشتري أيضًا البيع أو كان عالمًا بحالها فلا استبراء في الحال لأنها مشغولة بحق الغير.
فإن طلقها زوجها قبل الدخول أو بعده وانقضت العدة أو انقضت عدة الشبهة فهل يجب الاستبراء على المشتري؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجب لأن الموجب للاستبراء حدوث الملك ولم يكن حينئذ في مظنة الاستحلال.
وأظهرهما الوجوب؛ لأن الموجب قد وجد ولا تعد في تراخي الحكم عن السبب.
ثم قال: وقد يقال بوجوب الاستبراء وبرد الخلاف إلى أنه هل يدخل في العدة؟ ويقرب منه ما حكيناه عن "التهذيب" من قبل.
انتهى كلامه.
وما ذكره في آخره بحثًا قد تابعه عليه في "الروضة"، وهو عجيب؛ فإنه إنما يأتي فيمن تجب عليها العدة -وهي المطلقة بعد الدخول-، وهو قد حكي القولين في المدخول بها وغير المدخول بها مع أن المذكور في "الحاوي" و"التنبيه" و"التهذيب" لنصر المقدسي هو الجزم في غير المدخول بها بوجوب الاستبراء، وحكاية القولين في المدخول بها، وصرحوا بأن الخلاف في دخول الاستبراء في العدة.
واعلم أنه لو طلق زوجته الأمة طلاقًا رجعيًا ثم اشتراها وجب الاستبراء؛ كذا جزم به الرافعي في كتاب الرجعة فينبغي استحضاره.
قوله: ولو اشتراها من شريكين [وطئاها] في طهر واحد فهل يكفي
الجزء: 8 - الصفحة: 41
استبراء واحد لدلالته على البراءة أم يجب استبراآن كالعدتين من شخصين؟ فيه وجهان.
ويجريان فيما لو وطئاها وأرادا تزويجها.
انتهى.
والصحيح لزوم استبراءين.
كذا صححه الرافعي في كتاب العدد في آخر باب تداخل العدتين.
واقتضى كلامه أن مقابله ضعيف؛ فإنه نقله عن حكاية الروياني فقط.
قوله: لو وطئها قبل الاستبراء أو استمتع وقلنا بتحريمه أثم ولا ينقطع الاستبراء لأن الملك لم يمنع الاحتساب؛ فكذا المعاشرة، بخلاف العدة؛ فلو أحبلها بالوطء في الحيض فانقطع الدم حلت له لتمام الحيضة وإن كانت طاهرة عند الإحبال لم ينقض الاستبراء حتى تضع الحمل.
هذا لفظه في "الوسيط".
انتهى.
وهذه المسألة قد ذكرها القفال في "فتاويه" وجزم بأن الوطء والاستمتاع يقطعان الاستبراء، ويستمر تحريم الوطء إلى أن ينعزل عنها وتستبرئ بعد ذلك.
ثم ذكر بعد ذلك كلامًا حاصله مجيء احتمال في ذلك وأنه كان يذهب إليه في نظيره من العدة لما كان مقيمًا بهراة وقبل انتقاله إلى مرو.
واعلم أن ما نقله الرافعي -رحمه الله- عن "الوسيط" صحيح إلا أنه عبر عن الطاهر بالحايل -أعني بالياء- فاعلمه.
قوله: ولو اشترى الأمة الموطوءة ثم أعتقها قال الأئمة: لا استبراء عليها ولها أن تتزوج في الحال ولم يطردوا فيها الخلاف المتقدم في المستولدة؛ لأن المستولدة لها حق الحرية وفراشها يشبه فراش النكاح.
انتهى كلامه.
وما ادعاه من عدم طردهم للخلاف ذكره في "الشرح الصغير" أيضًا،
الجزء: 8 - الصفحة: 42
وكذلك النووي في "الروضة".
وليس الأمر كما قالاه؛ ففد نقل القاضي حسين في "تعليقه" عن بعضهم جريان الخلاف فيها.
وصرح به أيضًا في "النهاية" و"البسيط" و"الذخائر"؛ فحكوا في الصورتين ثلاثة أوجه:
والغريب أن الغزالي في "الوجيز" قد حكي هذه الأوجه، وأغرب من ذلك أن الرافعي أيضًا قد نقلها عنه في الكلام على ألفاظه وبسطها فقال: وقوله: فلو استبرأها ثم أعتقها، أراد في المستولدة والقنية جميعًا؛ ألا تراه ذكر من بعد وجهًا ثالثًا فارقًا فقال: وقيل: يمتنع ذلك -يعني التزويج- في المستولدة دون الرقيقة، وهو في وجهة اللفظ راجع إلى الجارية الموطوءة، وهذا اللفظ ينتظم المستولدة وغيرها.
هذه عبارة الرافعي.
قوله: وفي جواز تزويج أمّ الولد خلاف مذكور في باب أمهات الأولاد، والأصح الصحة.
انتهى.
وقد ذهل النووي في "الروضة" فتابع الرافعي على تعبيره بالأصح فاقتضي أن الخلاف في المسألة وجهان، وليس كذلك بل الخلاف على ما ذكره هو في ذلك الباب إنما هو قولان.
قوله في المسألة: ولو استبرأها ثم أعتقها فهل يجوز تزويجها في الحال أم تحتاج إلى استبراء جديد؟ فيه وجهان.
ثم قال: ويشبه أن يبني الخلاف على أن فراش أم الولد هل ينقطع بمجرد الاستبراء؟ وقضية قولنا لا ينقطع وجوب الاستبراء.
انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره الرافعي غريب جدًا؛ فقد صرح هو بالمسألة قبل هذا بأسطر قلائل وصحح وجوب الاستبراء، وعبر بلفظ الأصح، وذكر هذا البناء بعينه ولم يتوقف فيه كما توقف هاهنا فقال: لو مضت مدة الاستبراء
الجزء: 8 - الصفحة: 43
[على أم الولد ثم أعتقها سيدها أو مات عنها فهل تعتد بما مضى أم يلزمها الاستبراء] 12 بعد العتق؟ قال المتولي: فيه وجهان.
وكذلك حكاه الروياني عن القفال، وقال في "التهذيب" فيه قولان: أصحهما أن عليها الاستبراء، لا تعتد بما مضى كما لا تعتد بما تقدم من الأقراء على ارتفاع النكاح، والخلاف مبني على أن أم الولد هل تخرج عن كونها فراشًا بالاستبراء أو الولادة.
هذا لفظه.
وأغرب من ذلك أن النووي حكي وجهين فقط ولم يذكر البناء الذى أشار إليه الرافعي، ثم شرع من زياداته يذكر ترجيحًا فلم يتحرر له؛ فإنه قال: قلت: أصحهما هذا لفظه، ثم ترك بياضًا يسع كلمة واحدة.
هذا مع أنه ذكر قبله بأسطر مثل ما ذكره الرافعي أيضًا من التصحيح والبناء؛ فانظر كيف غفلا في هذا الزمن اللطيف؛ فسبحان من لا يسهو.
واعلم أن مقتضى هذا البناء أن الصحيح أن أم الولد لا يزول فراشها بالاستبراء ووضع الحمل حتى إذا أتت بولد بعد ذلك يلحقه، بخلاف الأمة إذا استبرأها.
وهذا الذى اقتضاه بناؤه قد اختلف فيه كلامه وكلام "الروضة" اختلافًا عجيبًا، وسأذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى.
قوله: الثانية: إذا أعتق مستولدته أو مات وهي في نكاح أو عدة زوج فلا استبراء عليها لأنها ليست فراشًا للسيد.
وخرج ابن سريج قولًا أنه يلزمها الاستبراء إذا مات السيد وهي في نكاحه أو عدته بعد فراغ عدة الزوج، وحكاه السرخسى قولًا قديمًا، وحكى القول به عن الإصطخري.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذا الكلام يوهم أنا إذا أوجبنا الاستبراء في [الزوجة] والمعتدة فإنما يجب بعد فراغ العدة منهما معًا حتى لا يحرم على الزوج أن
الجزء: 8 - الصفحة: 44
يطأها ولكن إن فارقها بطلاق أو غيره اعتدت منه ثم تشرع في الاستبراء.
والذى أوهمه كلامه ليس الأمر فيه كذلك بل تحرم على الزوج على هذا القول بمجرد الموت أو العتاق.
كذا ذكره إمام الحرمين فإنه جعل موت السيد وهى متزوجة كعتقه لها.
ثم قال: وفيهما قول مخرج أنه يجب الاستبراء كما سنضيفه.
ثم قال في التفريع على وجوب الاستبراء: وإن جري العتق في أثناء النكاح فهو بمثابة ما لو جري وطء شبهة في أثناء النكاح فلابد من استعقاب سبب العدة للعدة، كذلك إذا جري العتق في أثناء النكاح فالوجه استقبال الاستبراء على الاتصال بالعتق.
هذا كلامه.
ولا شك أن الرافعي إنما فرع على المعتدة فذكر أن الاستبراء لا يتقدم على العدة بل يتأخر عنها؛ وكأنه ترك التفريع على المزوجة لوضوحه.
وقد اختصره في "الروضة" اختصارًا فاسدًا فإنه عبر بعبارة تقتضي العود إليها معًا فقال: إذا أعتق مستولدته أو مات وهي في نكاح أو عدة زوج فلا استبراء.
وخرج ابن سريج قولًا أنه يلزمها الاستبراء بعد فراغ عدة الزوج.
هذه عبارته.
الأمر الثاني: أن ما ذكره الرافعي من أنا إذا فرعنا على وجوب الاستبراء فشرط كونه بعد العدة قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" ومحله إذا كانت من ذوات الأشهر.
فإن كانت من ذوات الأقراء كفاها الحيض الواقع في العدة.
كذا جزم به الرافعي بعد هذا بنحو ورقة في الكلام على ما إذا مات السيد والزوج جميعًا في الحال الثاني منه وهو موت الزوج أولًا، فاعلمه
الجزء: 8 - الصفحة: 45
والعجب من إطلاق الحكم في موضعه، وذكر تفصيله الذى لا شعور للذهن به في بعض تفاريعه التي قد يغرب الشخص عنها ولا ينظر فيها، ولكن الظاهر أن الرافعي لم يقف في الموضع الأول على التفصيل، ثم وقف عليه بعد ذلك.
على أن الرافعي قد ذكر بعد الموضع الثاني بنحو صفحة ما يقتضي موافقة الأول فقال في أثناء كلام: وعن أبي إسحاق رواية وجه أنه يشترط أن يكون الحيض بعد مضي شهرين وخمسة أيام من هذه المدة لئلا يقع الاستبراء وعدة الوفاة في زمان واحد.
قال الأئمة: وهذا غلط من قائله؛ لأن الاستبراء إنما يجب على تقدير تأخر موت السيد وحينئذ فتكون عدة الوفاة منقضية بالمدة المتخللة ولا يتصور الاجتماع.
هذا كلامه، فاقتضي أن الاجتماع حيث أمكن ممتنع، ولكن هنا غير ممكن.
قوله في المسألة: وأشعر إيراد التتمة بتخصيص الوجوب بما إذا أعتقها أو مات عنها وهي في نكاح زوج انتهى وهذه الطريقة قد أسقطها النووي من "الروضة".
قوله: والمستولدة المزوجة إذا مات سيدها وزوجها جميعًا فلها أحوال:
أحدها: أن يموت السيد أولًا وقد مات وهي مزوجة.
وقد ذكر أنه لا استبراء عليها على المذهب.
فإذا مات السيد بعده اعتدت عدة حرة.
الحال الثاني: أن يموت الزوج أولًا فتعتد عدة أمة، ثم إن مات السيد وهي في عدة الزوج كفاها ذلك، وإن مات بعد خروجها من العدة لزمها الاستبراء علي الأصح تفريعًا على عودها فراشًا للسيد.
الجزء: 8 - الصفحة: 46
الحال الثالث: أن يموت السيد والزوج معًا فلا استبراء لأنها لم تعد إلى فراش السيد، ويجيء فيها الخلاف المذكور فيما إذا أعتقت وهي معتدة، وهل تعتد عدة أمة أو عدة حرة؟ وجهان: أصحهما عند الغزالي: عدة أمة، وقطع البغوي بعدة حرة احتياطًا.
الحال الرابع: أن يتقدم أحدهما ويشكل السابق.
. . . إلى آخر ما قال.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذا التعبير قد تابعه عليه في "الروضة" وقد أهملا قسمًا خامسًا؛ وهو ألا يعلم هل ماتا معًا أو أحدهما قبل الآخر، وقد صرح به الإمام في "النهاية" وقال: إن الوجه فيه الأخذ بالأحوط وهو أربعة أشهر وعشرًا مع مراعاة الحيضة ..
الأمر الثاني: أن الراجح من الوجهين الأخيرين هو ما قاله البغوي؛ فقد ذكر الماوردي في كتاب العدة بأن الطلاق والعتق إذا وقعا معًا بأن علقا على شيء واحد فإنها تعتد عدة الحرائر جزمًا، ومسألتنا مثلها، والذي قاله الغزالي إنما يأتي إذا فرعنا على أنها إذا أعتقت في أثناء العدة تتم عدة أمة، أما إذا قلنا: تتم عدة حرة، فهاهنا أولى؛ لأن الحرية مقارنة.
قوله: في القسم الرابع وفيه صور:
أحدها: أن يعلم أنه لم يتخلل بين موتهما شهران وخمسة أيام فتعتد بأربعة أشهر وعشرًا من موت آخرهما موتًا لاحتمال تأخر موت الزوج، ولا استبراء عليها على الصحيح؛ لأنها عند موت السيد زوجة أو معتدة.
فإن أوجبنا الاستبراء فحكمه كما نذكره إن شاء الله في الصورة الثانية.
انتهى كلامه.
وما ذكره تفريعًا على إيجاب الاستبراء من أن حكمه كالحكم في الصورة الثانية قد تابعه عليه في "الروضة"، وهو ذهول؛ فإنه قد حكم هناك بالتداخل؛ على ما ستعرفه، والتداخل هنا مردود؛ لأن التفريع على
الجزء: 8 - الصفحة: 47
إيجاب الاستبراء [والاستبراء لحق السيد] 13 والعدة لحق الزوج.
والحقان إذا كانا الشخصان لا يتداخلان على الصحيح سواء كانا عدتين أو استبرائين أو عدة واستبراء.
ولنذكر لفظه في الصورة الثانية فنقول: قال:
الصورة الثانية: أن يعلم أنه تخلل بين الموتين أكثر من شهرين وخمسة أيام فعليها الاعتداد بأربعة أشهر وعشرة أيام من موت آخرهما موتًا، ثم إن لم تحض في هذه المدة فعليها أن تتربص بعدها بحيضة؛ لاحتمال أن الزوج مات أولًا وانقضت عدتها وعادت فراشًا للسيد، وإن حاضت في هذه المدة فلا شيء عليها، وسواء كان الحيض في أول المدة أو آخرها.
انتهى كلامه.
وإذا تأملته اتضح لك ما ذكره من عدم التداخل، وقد صرح به الغزالي في "البسيط" حتى أنه عبر فيه بقوله: ولا يخفى أنهما لا يتداخلان، وذكر في "النهاية" ما يشير إليه أيضًا.
واعلم أن الحاصل من أصل المسألة ستة أقسام، تكلم الرافعي على خمسة منها وأهمل سادسها؛ وهو أن تعلم عين السابق ثم تنشيء، وقياسه الاحتياط.
قوله: ولو تخلل شهران وخمسة أيام بلا مزيد فهل هو كما لو كان التخلل أقل من هذه المدة أم كما لو كان أكثر؟ فيه الوجهان السابقان.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن تعبيره في آخر كلامه بالوجهين ذكر مثله في "الروضة" أيضًا وهو يشير بذلك إلى وجهي الغزالي والبغوي المتقدمين المذكورين فيما إذا مات السيد والزوج معًا هل تعتد عدة حرة أو عدة أمة؟ لأن تردد هذا بين الأكثر والأقل كتردد ذلك بين تقدم العتق وتأخره؛ فاستويا في مراعاة الاحتياط والتيقن.
الأمر الثاني: أن الفتوى على أن حكم ذلك حكم الأكثر فقد نقله المزني في "المختصر" عن الشافعي - رضي الله عنه -[ونقله عنه الماوردي فقال:
الجزء: 8 - الصفحة: 48
قال الشافعي - رضي الله عنه -]: 14 فإن ماتا فعلم أن أحدهما مات قبل الآخر بيوم أو شهرين وخمس ليال أو أكثر ولا يعلم أيهما مات أولًا اعتدت من الأخير منها بأربعة أشهر وعشرًا فيها حيضة؛ فقد نص الشافعي على الشهرين والخمس ليال وعلى الأقل منها وألحقها الأكثر، ثم إن المزني سلم إلحاق الشهرين والخمس ليال بالأكثر، واعترض على الأول فقال: هذا عندي غلط في الأول؛ لأنه لا معني للحيضة.
ثم إن الماوردي سلم للمزني صحة الحكم الذي قاله، وكذلك غيره من الأصحاب.
قوله: ولهذا ولد أمّ الولد يلحقه إذا ولدته بعد ستة أشهر من حين استبرأها، وولد الأمة لا تلحقه.
قاله الروياني.
انتهى كلامه.
وما ذكره في ولد الأمة مسلم، وأما في ولد أمّ الولد فقد اختلف فيه كلامه، وسأذكره واضحًا في الفصل الذي يلي هذا.
قوله: ولو قال السيد: قد أخبرتني بتمام الاستبراء فقد أطلق في الكتاب أنه يصدق السيد.
ووجه بأن الاستبراء من باب التقوى ففوّض إلى السيد وليس ذلك بحال الخصومات ولو لم يكن كذلك لحلنا بين السيد وبينها كلما نحول بين الزوج والمعتدة عن وطء الشبهة واستند فيه إلى وجه آخر توجها بأن الأصل عدم انقضاء الاستبراء.
وهل لها أن تحلفه؟ فيه وجهان.
. . . إلى آخره.
لم يصحح شيئًا من المسألتين في "الشرح الصغير" أيضًا، والأصح في الأولي تصديق السيد.
كذا جزم به الرافعي في "المحرر" وصححه في "الروضة" ولم ينبه فيها على أنه من "زياداته" بل أدخله في كلام الرافعي؛ فتفطن له فإنه غريب.
وأما الثانية: فالأصح فيها أن للأمة التحليف.
كذا صححه في "الروضة" من "زوائده".
الجزء: 8 - الصفحة: 49
الفصل الثالث: فيما تصير به الأمة فراشًا
قوله في أصل "الروضة": ولو نفي الولد مع الاعتراف بالوطء بأن ادعى [الاستبراء] بحيضة بعد الوطء فينظر إن ولدته لدون ستة أشهر من وقت الاستبراء فالاستبراء لغو ويلحقه الولد، فلو أراد نفيه باللعان فقد سبق في كتاب اللعان أن الصحيح جوازه في هذه الصورة.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره من تصحيح الجواز عكس ما ذكره الرافعي؛ فإنه قال ما نصه: فلو أراد نفيه باللعان فقد مر أن الصحيح أن نسب ملك اليمين لا ينفي باللعان، وادعي أبو سعد المتولي أن الصحيح في هذه الصور أن له أن يلاعن؛ لأن من وطئ زوجته في طهر ورماها بالزنا في ذلك الطهر وأتت بولد كان له نفيه باللعان؛ فيبعد أن نلزمه بنسب ولد الأمة في هذه الحالة ولا نلزمه بنسب المنكوحة هذا لفظه؛ ومقتضاه: أن الصحيح خلاف ما قاله المتولي، وقد حذف في "الشرح الصغير" مقاله المتولي واقتصر على المذكور قبله وهو تصحيح عدم النفي؛ فدل على ضعف تلك المقالة كما قلناه؛ وحينئذ فيكون كلام "الروضة" على العكس مما في الرافعي وهو المدعي.
الأمر الثاني: أن كلامه هذا مخالف لما قد سبق منه في الباب الثالث من أبواب اللعان قبل الطرف الثالث بأسطر فإنه قال: فصل: إذا لحقه بسبب ملك يمين في مستولدة أو موطوءة بشبهة لم ينتف عنه باللعان على الأظهر، وقيل قطعًا.
ثم قال بعد ذلك ما نصه: ولو اشترى أمة فوطئها بعد الشراء أتت بولد لستة أشهر فصاعدًا من وقت الوطء ولدون أربع سنين من وقت الشراء فإن
الجزء: 8 - الصفحة: 50
لم يدع الاستبراء بعد الوطء لحقه الولد بملك اليمين.
وهل له نفيه باللعان؟
فيه الطريقان:
فإن ادعي الاستبراء بعد، فإن أتت به لأقل من ستة أشهر من وقت الاستبراء فالحكم كذلك وتلغو دعوي الاستبراء، وإن كان لستة أشهر فأكثر لم يلحقه الولد على الأصح.
هذا لفظه.
وبه يعلم أن المذكور هنا غير صحيح.
واعلم أنا إذا قلنا: ينتفي بدعوي الاستبراء، هل معناه أن دعوي الاستبراء هل تكفي أو لابد مع الدعوي من اليمين؟
لم يتعرض له الرافعي، وفيه نظر.
قوله: ويقرب من هذا الخلاف اختلافهم فيما إذا أتت بولد بعد الولد الذي ألحقناه بالسيد لستة أشهر فصاعدًا هل يلحقه الولد الثاني؟ فأحد الوجهين أنه يلحقه لأنها قد صارت فراشًا فيلحقه أولادها عند الإمكان كما في النكاح.
والثاني: أنه لا يلحقه إلا أن يقر بوطء جديد لأن هذا الفراش يبطل بالاستبراء فلأن يبطل بالولادة كان أولى.
ثم قال: لكنهم مائلون إلى أنه لا يلحق الولد الثاني إلا بالإقرار بوطء جديد لأن الولادة أقوي من الاستبراء، والاستبراء يبطل هذا الفراش كما تقرر.
انتهى كلامه.
وحاصله ترجيح الأصحاب لعدم اللحوق، وهو ظاهر متجه، وقد تبعه عليه في "الروضة" أيضًا وعبر بالأصح.
إذا علمت ذلك فقد خالفه مخالفة عجيبة في أثناء الباب الرابع من أبواب الإقرار؛ فإنه جزم بأنه يلحق، ثم نقل عدم اللحوق وجهًا عن
الجزء: 8 - الصفحة: 51
"التتمة"، وأشعر به حتى قال: إنه لم يره لغيره، وقد تقدم ذكر لفظه هناك وتابعه في "الروضة" أيضًا.
قوله الثالثة: الإقرار بالإتيان في غير المأتي لا يكون كالإقرار بالوطء فلا يلحق به الولد، وفيه وجه ضعيف.
انتهى كلامه.
وما صححه في الإتيان في غير المأتي -أي: في الدبر- من كونه لا يلحقه الولد حتى بالغ فضعف اللحوق: غريب جدًا، فإنه كان قد ذكر ما يقتضيه أيضًا قبل ذلك في أوائل باب قذف الزوج، وصرح في "الروضة" بتصحيحه [لأجل ما فهمه من اقتضاء كلام الرافعي له.
فقد جزم -أعني الرافعي- بالذي ادعى] 15 هنا أنه ضعيف في أوائل الطلاق في الكلام على السبب الثاني من الأسباب التي تقتضي كون الطلاق بدعيًا فقال: ولو أتاها في غير المأتي ففيه تردد للشيخ أبي علي، والأصح أنه يوجب تحريم الطلاق كما يثبت به النسب وتجب به العدة.
هذا لفظه وصححه أيضًا قبل ذلك في أوائل القسم الخامس المذكور بعد ثبوت الخيار للقنية، وعبر بلفظ الأصح فقال: وهل يثبت به النسب؟
فيه وجهان: أصحهما: نعم؛ لأنه قد يسبق الماء إلى الرحم من غير شعور به، وإنما يظهر الوجهان فيما إذا أتي السيد أمته في غير المأتي، أو فرض ذلك في النكاح الفاسد، فأما في النكاح الصحيح فإمكان الوطء كاف في ثبوت النسب.
هذا لفظه.
فانظر كيف جزم باللحاق في موضع ثم صححه في آخر ثم ضعفه في موضع ثالث فقال: إنه وجه ضعيف، ووقع هذا الاختلاف أيضًا في "الشرح الصغير" و"الروضة".
الجزء: 8 - الصفحة: 52