كتاب الطهارة
قوله: قال الغزالي -رحمه الله-: وفيه ثمانية أبواب.
الباب الأول: في المياه الطاهرة
أراد بالطاهرة التي ترجم لها بقوله: كتاب الطهارة، بعض أنواع الطهارة وهو الطهارة بالماء وإلّا فمن شرطه إدراج التيمم في أبوابه؛ لأنه أحد الطهارات ألا ترى إلى قول الشافعي الرافعي -رحمه الله-: طهارتان فكيف يفترقان؟ فلما أفرده بكتاب دل على أن المراد: الطهارة بالماء انتهى كلامه.
وما ذكره الرافعي هنا ذهول عجيب بل أراد الغزالي جميع أفراد الطهارة ولا تخصيص في كلامه، فإن التيمم عنده وعند إمامه] 1 ليس بطهارة حتى بالغ الإمام فقال مشيرًا للقول بالتطهير: وهذا من ركيك الكلام، وإن ذكره طوائف فإن التراب غير مطهر وإنما تعلقت به إباحة بسبب ضرورة.
هذه عبارته.
قوله: المطهر للحدث والخبث هو الماء من بين سائر المائعات.
اعلم أنه قد عبر في "المحرر" بقوله: ولا يجوز رفع حدث ولا إزالة نجس إلا بالماء المطلق، وتعبيره ناقص فإنه يشترط الماء المطلق أيضًا في طهارة دائم الحدث كالمستحاضة، وفي الكرة الثانية والثالثة، والوضوء المجدد والأغسال المسنونة، وفي غسل الميت والذمية والمجنونة لتحلان لزوجهما، وذلك كله لا تتناوله العبارة المذكورة لأنه لا يرفع حدثًا ولا نجسًا.
وهذه الإيرادات قد لا ترد على عبارة "الشرح" و"الروضة"؛ لأن هذه الأمور وإن لم ترفع فهي طهارة، والطهارة إما عن حدث، أو: خبث، وحينئذ فتكون لام الجر الداخلة على قوله للحدث هي لام التعليل، لا اللام
الجزء: 2 - الصفحة: 5
الزائدة الداخلة على مفعول العوامل الفرعية لتقوية التعدية كما في قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ 2. فاعلمه.
والظاهر أن الرافعي لم يرد شيئًا من ذلك، وإنما أراد ما صرح به في "المحرر" ويدل عليه أن "المحرر" متأخر عن "الشرح" فلو كان ما في "الشرح" أولى عنده مما في "المحرر" لم يعدل عنه في "المحرر" قطعًا فدل على أنهما عنده سواء، ولو عبر بـ (في) فقال: المطهر في الحدث والخبث لكان أظهر في دفع الاعتراض.
قوله: الثاني:
لم قال من بين سائر المائعات، ولم يقتصر على قوله: والمطهر للحدث والخبث هو الماء؟
والجواب أنه لو اقتصر عليه لأشكل بالتراب فإنه مطهر، وليس بماء.
واعلم أنه لو أراد تخصيص الطهورية في الحدث والخبث جميعًا [بالماء] 3 لم يلزم هذا الإشكال لكنه لم يرد التخصيص في الفصلين جميعًا، وإنما أراد التخصيص في كل واحد منهما فوجب الاحتراز انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: في تقرير هذا الكلام فإنه مشكل بعيد عن الفهم لاسيما على المتفقهة، وذلك لعلاقة المعنى الذي يحاوله وتعقيد اللفظ الذي عبر به عنه، وإذا أردت تحقيق ذلك فتأمل كلامه قبل نظرك في تقريرنا له.
والثاني: فيما يرد عليه.
فأما الأول: فلابد من تقديم مقدمة عليه وهي: أن الحكم على متعدد
الجزء: 2 - الصفحة: 6
تارة يكون على الهيئة الاجتماعية كقولك: شرب الماء والمسكر حرام، فإن هذا الحكم وهو التحريم ثابت للمجموع لأن المسكر من جملته وهو على انفراده حرام، ولا يصح أن يكون ثابتًا لكل واحد وإلا لزم تحريم الماء، وتارة يكون على كل واحد كقولك: زيد وعمر وبكر يشبعهم رغيفان أي كل واحد على انفراده لا الهيئة الاجتماعية.
ومن الأول: كل رجل يحمل الصخرة العظيمة، ويسمى الكلى المجموعي.
[ومن الثاني كل رجل يشبعه رغيفان غالبًا ويسمى الكلي التفصيلى] 4 إذا علمت ذلك فقول الغزالي: المطهر للحدث والخبث هو الماء إن أراد كل واحد واحد فلابد من تقييده بقوله: من بين سائر المائعات.
إذا لو لم يقله لكان يرد عليه في الحدث؛ لأن التراب مطهر له في التيمم، ولا يرد في الخبث لأن التراب لا مدخل له فيه.
وإن أراد الهيئة الاجتماعية لم يحتج إلى التقييد بذلك لأن المجموع لا يطهره إلا الماء، إذ من جملته الخبث، والخبث لا مدخل للتراب فيه، وهذا تقدير كلامه فنزله عليه.
وقوله فيه لم يلزم هذا الإشكال، مراده بالإشكال هو السؤال الذي أجاب عنه فاعلمه.
وهذالسؤال لا يرد على "المحرر" لأنه نفي كل واحد منهما فقال: ولا يجوز رفع الحدث ولا إزالة النجس إلا بالماء وهي عبارة حسنة.
[وفي بعض نسخ الرافعي لما لزم هذا الإشكال أي بإثبات ما النافية
الجزء: 2 - الصفحة: 7
وهذه النسخة واضحة] 5.
وأما ما يرد عليه فأمور:
منها: أن ما ذكره من عدم الإيراد على تقدير إرادة المجموع عجيب، فإن التراب مطهر للخبث أيضًا في النجاسة المغلظة، وحينئذ: فليست الطهارة في الخبث مختصة بالماء على الإطلاق بل من بين المائعات خاصة، وكذلك ما يدبغ به كالشب والقرظ ولهذا قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أليس في الماء والقرظ ما يطهر" 6.
ومنها: أن جعل قوله: من بين المائعات قيدًا لإخراج التيمم [لا يستقيم] 7 لما سبق التنبيه عليه من أن التيمم عند الإمام والغزالي ليس طهارة وأيضًا فإنه لا يعلم معه انتفاء التطهير بالجامدات، وهذا موضع بيانه.
فيقول القائل: قد علمنا حكم المائعات فما حكم الجامدات وغيرها.
هل تدخل شرعًا في التطهير أم لا؟
فإنه قد قيل بذلك في أشياء كالشمس والريح والنار ومرور الزمان [وإلقاء الكلب في المملحة] 8 نحوها.
وقد اغتر في "الروضة" بكلام الرافعي فصرح بجعله قيدًا فقال: المطهر للحدث والخبث من المائعات الماء المطلق خاصة هذه عبارته.
وقد تفطن في "المحرر" لذلك فلم يذكره وتبعه عليه في "المنهاج" وهو الصواب.
وإنما أراد الغزالي بما ذكره التنصيص على نفي التطهير عن المائع بخصوصه لأن القول به فيه أقرب من غيره.
الجزء: 2 - الصفحة: 8
قوله: ثم منهم من يفسر المطلق بالباقي على أوصاف الخلقة ومنهم من يفسره بالعاري عن القيود والإضافات انتهى ملخصًا.
فيه أمور:
أحدها: أن الذي يخرج الماء عن الإطلاق تقييده بأحد ثلاثة أشياء: إما بالإضافة كماء الورد والأشنان.
وإما بالصفة: كقوله تعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ وقوله ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ 9 يعني المنى.
وإما بلام العهد: كقوله في الحديث: "نعم إذا رأت الماء" 10 يعني المنى أيضًا.
وإلى هذه الثلاثة أشار الرافعي بقوله: العاري عن القيود والإضافات، إلا أنه لو أفرد لكان أحسن.
واختصره في "الروضة" بعبارة أخرجت الصفة ولام العهد فقال: والمطلق هو العاري عن الإضافة اللازمة وقيل: الباقي على وصف خلقته هذه عبارته.
والغريب أن الرافعي قد عبر أيضًا في "المحرر" بالإضافة فعدل في "المنهاج" إلى التعبير بالقيد، فليته لو فعل ذلك أيضًا هنا.
الأمر الثاني: أن الرافعي لم يصحح شيئًا من التفسيرين في "الشرح الصغير" أيضًا، والصحيح هو التفسير الثاني فقد جزم به الرافعي في "المحرر" ونص عليه الشافعي -رحمه الله- في "البويطي".
وصححه أيضًا النووي في كتبه ولم ينبه في "الروضة" على أنه من زياداته بل أدخله في كلام الرافعي.
وفي "شرح التهذيب" المسمى "بالوافي"، "ونكت المهذب" لابن الصلاح: أنه إنما سمى مطلقًا لأن الماء إذا أطلق انصرف إليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 9
الأمر الثالث: أن التفسيرين معًا يرد عليهما المتغير بطول المكث وبالمجاور، وبما يعسر صون الماء عنه فإنه طهور، وإن كان التغيير كثيرًا يمنع إطلاق الاسم كما ستعرفه.
وكذلك ما حوالي النجاسة العينية فإن الحدين صادقان عليه، ومع ذلك لا يجوز استعماله على القول الجديد الموجب للتباعد كما هو مقرر في موضعه.
قوله: المستعمل طاهر لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "خلق الله الماء طهورًا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه" 11 وهل هو طهور أم لا؟ .
الجزء: 2 - الصفحة: 10
قال في الجديد: لا.
وحكى عن القديم: إنه طهور لأنه ماء باق على إطلاقه، ومنهم: من لم يثبت هذا القول انتهى ملخصًا.
وحاصل كلامه: أن في المسألة طريقتين.
إحداهما: إثبات قولين.
والثانية: القطع بأنه ليس بطهور.
وسبب التردد على ما قاله الأصحاب ونقله النووي في "شرح المهذب": أن عيسى بن أبان -من الحنفية- نقل عن القديم أنه طهور؛ فمنهم من قبل روايته وأثبت قولين؛ لأنه رجل ثقة وقد نقل، ومنهم من لم يقبلها قال: لأن هذا النقل ليس موجودًا في شيء من كتب الشافعي فنقول: أخذه ابن أبان منها ولم يعاصره أيضًا حتى نقول: سمعه منه، ولعله تأول كلام الشافعي في نصرة طهارته ردًا على أبي يوسف حيث ذهب إلى نجاسته فحمله على جواز الطهارة به.
إذا علمت ما قلناه ففيما تقدم أمور:
أحدهما: أن الأصح من الطريقين هو: طريقة القولين؛ فقد صححها الرافعي في "الشرح الصغير" فقال: وفي طهوريته قولان: الجديد: المنع، = غلب على ريحه أو طعمه.
زاد الطحاوى: أو لونه.
وصحح أبو حاتم إرساله قال الدارقطنى فى العلل: هذا الحديث يرويه رشدين بن سعد مرسلا، وقال أبو أسامة عن الأحوص عن راشد قوله: قال الدارقطنى: ولا يثبت هذا الحديث، وقال الشافعي: ما قلت من أنه إذا تغير طعم الماء وريحه ولونه كان نجسا يروى عن النبى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من وجه لا يثبت أهل الحديث مثله وهو قول العامة لا أعلم بينهم خلافًا.
وقال النووى: اتفق المحدثون على تضعيفه.
وقال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت له طعما أو لونا أو ريحا فهو نجس.
الجزء: 2 - الصفحة: 11
والقديم: أنه طهور، ومن الأصحاب من قطع بالمنع، هذا لفظه.
وصححها أيضًا النووي فقال في "شرح المهذب": الصواب طريقة القولين، وقال في "شرح الوسيط" المسمى "بالتنقيح" هنا: إنها أصح الطريقين وأشهرهما، وقال فيه أيضًا قبل باب الاجتهاد: إنها أشهر الطريقين.
الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" لما اختصر كلام الرافعي صحح طريقة القطع فقال: وليس بطهور على المذهب، وقيل: طهور على القديم هذا لفظه.
فانظر كيف عبر بقوله، وقيل: طهور على القديم ولم يقل: وطهور على القديم.
وقد أوضح ذلك في كتاب "الإشارات" الذي هو على "الروضة" "كالدقائق" على "المنهاج" فقال: وأما قولى: وقيل: طهور على القديم فمعناه أن فيه طريقين؛ المذهب: القطع بأنه ليس بطهور، والثانية: على قولين هذا كلامه.
إذا علمت ذلك ففي كلام الروضة مناقشتان.
إحداهما: أن الرافعي لم يصحح شيئا أصلًا، بل صحح في كتاب آخر عكس ما أدخله النووي في كلامه.
الثانية: أن هذا التصحيح مناقض لما ذكره في "شرح المهذب" "وشرح الوسيط" كما تقدم.
والصواب خلاف ما في "الروضة" لأن الجمهور على خلافه كما سبق، ورأيت في كتاب "التقاسيم" للمرعشي أن أبا ثور روى هذا القول أيضًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 12
فعلى هذا يثبت القول بلا محالة لاندفاع ما استندوا إليه في رده وهو عدم المعاصرة، فإن أبا ثور أحد رواة القديم، لكن في هذا النقل وقفة فقد قال سليم الرازي في "التقريب": وقال أبو ثور: سألت أبا عبد الله عن الماء المستعمل فتوقف فيه، وهذا لا يفيد شيئًا، هذه عبارة سليم، وذكر غيره نحوه.
وهذه الحكاية لا تفيد إثبات القول لأمرين.
أحدهما: التوقف.
والثاني: أنه يجوز أن يريد بأبي عبد الله أحمد بن حنبل لا الشافعي.
واعلم أن النووي يدعى أنه لم يزد في كلام الرافعي شيئًا، وأنه لم يذكر تصحيحًا في مسألة إلا إذا ذكره الرافعي فقال في باب الأذان من كتاب "الإشارات" السابق ذكره، ولم أذكر [أن الأظهر] 12 في الفائتة أنه لا يؤذن لها اعتمادًا على [أن الأظهر] 13 قول الرافعي الجديد من حيث إن الغالب تصحيح الجديد؛ بل لأن الرافعي صرح به بعد ذلك، فإن هذا شيء لم أفعله ولا أفعله إن شاء الله تعالى، ولا أصرح بالتصحيح أو الترجيح عن الرافعي إلا إذا صرح به، فإن لم يصرح هو به صرحت به ونبهت على أنه من كلامي؛ هذا لفظه -رحمه الله- بحروفه وهو في غاية العجب، فإنه فعل ذلك في أول مسألة في "الروضة" ثم في المسألة التي تليها إلى غير ذلك مما لا ينحصر مما ستراه إن شاء الله.
الأمر الثالث: أن تعليله للقديم يؤخذ منه أن المستعمل مطلق.
والمسألة فيها وجهان:
أحدهما: نعم؛ ولكن منع من استعماله تعبدًا وهذا هو المذكور أيضًا في
الجزء: 2 - الصفحة: 13
"الشرح الصغير" "والمحرر"، وجزم به أيضًا الرافعي في كتاب التيمم وأشعر كلامه أنه لا خلاف فيه وأنه لا وجه له أيضًا.
وصححه النووي في "شرح التنبيه" المسمى "بتحفة التنبيه" فقال: ومن خطه نقلت: إنه الصحيح عند الأكثرين.
والثاني: هو الذي صححه في "التحقيق" "والفتاوى" "وشرح المهذب" أنه ليس بمطلق ولم يتعرض في "الروضة" لهذه المسألة بالكلية.
الأمر الرابع: أن الشافعي في القديم يقول: إن من قدر على بعض الماء لا يلزمه استعماله بل يتيمم، وهو مشكل على ما قدمناه من كونه يقول في القديم: إن المستعمل طهور، بل كان مقتضاه أنه يلزمه استعمال الناقص ثم يجمعه ويتوضأ به ثانيًا لأنه طهور.
ويؤيد هذا: أن المحرم إذا كان محدثًا وعليه طيب ووجد ما يكفي أحدهما فإنه يجب عليه أن يتوضأ به ثم يجمعه ويغسل به الطيب، فإن تعذر ذلك غسل الطيب، هكذا جزم به النووي في باب التيمم من "التحقيق" "وشرح المهذب"، ونقله في الشرح المذكور عن الأصحاب ولم يذكر في "الروضة" هذا الفرع.
ولقائل أن يقول: ينبغي أن يتعين إزالة الطيب مطلقًا سواء أمكن جمعه أم لا؛ لأن إزالة الطيب على الفور بخلاف الوضوء فالزمن الذي يتوضأ فيه هو تارك فيه لإزالة الطيب.
نعم: إن فرضنا أن الوقت قد ضاق بحيث يتعين الوضوء والصلاة، فلا كلام إلا أن يقال: في التأخير جمع بين المصلحتين كما قالوا: يجوز تأخير الزكاة لانتظار القريب والجار، وإن كان الإخراج على الفور لأجل هذه
الجزء: 2 - الصفحة: 14
المصلحة.
والحديث الذي ذكره الرافعي في أول كلامه صحيح رواه أحمد وصححه، وحسنه الترمذي إلا الاستثناء فإن ابن ماجه قد رواه بإسنادٍ ضعيف وضم إليه اللون.
قوله: في أصل "الروضة": وأما ما اغتسلت به كتابية من حيض لتحل لمسلم فإن قلنا: لا يجب إعادة الغسل إذا أسلمت فليس بطهور، وإن أوجبناها وهو الأصح فوجهان الأصح أنه ليس بطهور.
انتهى.
واعلم أن حكم المجنونة إذا حاضت فغسلها زوجها كحكم الكافرة المذكورة في جميع ما ذكر هنا، كذا ذكره الرافعي في أوائل صفة الوضوء ولم يتعرض لها في "الروضة" هناك ظنًا منه أنها مذكورة هنا مع الذمية فأسقطها معها هناك.
فاعلمه.
وفي المسألة أمور أخرى مهمة يأتي ذكرها في الباب السادس من أبواب النكاح وهو المعقود للموانع في الجنس الرابع منه وهو الكفر فراجعها.
قوله: وسقطت طهورية المستعمل في الكرة الأولى لانتقال المنع، وقيل لتأدي العبادة، ثم قال: وينبغي أن يعلم أن انتقال المنع هو الذي عبر عنه الأصحاب: بتأدي الفرض لأن رفع الحدث فرض، ولا نعني بالفرض في مثل ذلك ما يلحق الإثم بتركه، بل: ما لابد منه، ولذلك نحكم باستعمال ما توضأ به الصبي إلا على وجه لا يعبأ به وباستعمال ما توضأ به البالغ لصلاة النفل.
انتهى كلامه.
والذي ذكره في وضوء البالغ لصلاة النفل غريب جدًا؛ لأن فيه إثمًا بتركه إذ لو صلاها بلا وضوء أثم إجماعًا، فإذا تقرر أن المراد بالفرض هو
الجزء: 2 - الصفحة: 15
النسبة إلى رفع الحدث عند إرادة الصلاة لزم أن يكون هذا الفرض بالنسبة إلى البالغ بمعنى: أنه لابد منه وأن الإثم يلحقه أيضًا بخلاف الصبي، وليس كلام الرافعي في عدم الإثم راجعًا إلى صلاة النفل من حيث هي بل إليها عند إرادة فعلها بلا وضوء؛ لأن صلاة النفل له منها بد، فإن تركها جائز، فتعين أن يكون المراد ما ذكرناه.
قوله: في أصل الروضة: كما لو انغمس جنب في قلتين فإنه طهور بلا خلاف انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذه المسألة لم يذكرها الرافعي وإنما زادها النووي وأدخلها في الأصل فاعلمه.
الثاني: أن ما ادعاه من نفي الخلاف ليس كذلك، بل المسألة ذات وجهين رأيتهما في "التبصرة" للشيخ أبي محمد الجويني فقال: مسألة الماء إذا كان قلتين ولا نجاسة فيه وأردت الاغتسال من الجنابة ولا نجاسة على بدنك فليس الاحتياط أن تنغمس فيه بل الاحتياط أن تغترف وتتنحى وتفرغ 14 على بدنك ليحصل لك الغسل بالإجماع، فإن انغمست فيه ففي صحة الغسل خلاف بين مشايخنا هذا كلامه بحروفه، وحكاها أيضًا صاحب "البيان" عن "الشامل"، ونقله عنه في "شرح المهذب" ثم نازعه في اقتضاء كلام "الشامل" لذلك، وقد ثبت نقلهما من كلام غيره، فلا شك أنهما مخصوصان بالقلتين وإلا لتناول النهر والبحر ولا قائل به.
ووجه الخلاف نقصانهما بما يتشربه البدن قبل تمام الانغماس عند من
الجزء: 2 - الصفحة: 16
يقول بالتجديد.
قوله: ولو انغمس جنب في ماء قليل ثم نوى ارتفعت جنابته بلا خلاف، ومقتضى كلام الأصحاب: أن الماء يصير مستعملًا بالنسبة إلى المنغمس حتى يخرج منه وهو مشكل، وينبغي ألا يصير لارتفاع الحدث انتهى ملخصًا.
أما ما نقله عن مقتضى كلامهم واقتضى كلامه عدم الوقوف على التصريح به فقد صرح به الخوارزمي في "الكافي" فقال: إنه لو أحدث حدثًا آخر في حال انغماسه جاز ارتفاعه به.
وأما الإشكال الذي ذكره فقد أجاب الأصحاب عنه كما قاله النووي في "شرح الوسيط" المسمى "بالتنقيح" بأن صورة الاستعمال باقية والماء في حال استعماله باق على طهوريته.
وقد ذكر صاحب "الحاوي الصغير" أنه يصير مستعملًا بالنسبة إلى المنغمس تبعًا لإشكال الرافعي.
واعلم أن الشيخ أبا محمد الجويني قد ذكر في كتابه المسمى بـ "التبصرة" أنه إذا نوى مع إدخال يده بعد غسل وجهه رفع الحدث ثم أخذ غرفة فغسل بها ساعده لم يصح لأنه قد صار مستعملًا.
وهذا الذي قاله قد استفدنا منه أن انفصال العضو مع الماء يقتضي الحكم على الماء بالاستعمال وإن كان الماء متصلًا بالعضو.
فتفطن هذه الصورة فإنها مقيدة لإطلاقهم وسيأتي عقب هذا ما يقويه أيضًا.
قوله: ولو نزل الجنب في ماء قليل ونوى قبل تمام انغماسه ارتفعت جنابته عن الجزء الملاقى للماء بلا خلاف، ولا يصير الماء مستعملًا، بل له أن يتمم الانغماس ويرتفع عن الباقي على الأصح.
الجزء: 2 - الصفحة: 17
وقال الخضري: يصير مستعملًا، ولا يرتفع إلا عن المغموس حال النية انتهى ملخصًا.
وفيه أمران:
أحدهما: أن ما نقله عن الخضري قد تابعه عليه في "الروضة" إلا أن الخضري قد رجع عنه كذا [رأيته] 15 في "العمد" و"الإبانة" للفوراني، وفي "العدة" لأبي الحسين الطبري وغيرهما، وقد تعرض أيضًا لذلك النووي في "شرح المهذب" وابن الرفعة.
فإن قيل: فإذا تقرر رجوع الخضري فحينئذ فهل يبقى في المسألة خلاف؟ .
قلت: بلى، فقد رأيت في "الفروق" للشيخ أبي محمد الجزم بأنه يصير مستعملًا، ذكر ذلك في باب ما يفسد الماء من الاستعمال.
واعلم أن النووي في أصل الروضة نقل عن النص موافقة الأصح ولم يتعرض له الرافعي وإنما هو من زياداته فاعلمه.
الأمر الثاني: أنه احترز بالانغماس عما إذا تمم الغسل بغير ذلك فإنه لا يرتفع كما أوضحه في "شرح المهذب" فقال: أما لو اغترف الماء بإناء أو يده وصبّه على رأسه أو غيره فلا ترتفع جنابة ذلك القدر الذي اغترف له بلا خلاف، صرح به المتولي والروياني وغيرهما وهو واضح؛ لأنه انفصل.
هذا كلامه.
وقد سبق عن الشيخ أبي محمد ما هو أبلغ منه.
قوله: من زياداته: ولو انغمس جنبان ونوى أحدهما قبل صاحبه ارتفعت جنابة الناوي وصار الماء مستعملًا بالنسبة إلى الآخر على الصحيح، وإن نويا معًا بعد غمس جزء منهما ارتفع عن جزئهما وصار مستعملًا بالنسبة إلى باقيهما على الصحيح انتهى.
وهذا كله قد سبق قريبًا في كلام الرافعي فتأمله.
الجزء: 2 - الصفحة: 18
قوله: أيضًا من زوائده: ولو انفصل] 16 الماء من بعض أعضاء الجنب إلى بعضها فوجهان: الأصح عند صاحبي "الحاوي" و"البحر": لا يصير مستعملًا، والراجح عند الخراسانيين: أنه يصير [مستعملًا] 17 وقال الإمام: إن نقله قصدًا صار وإلا فلا انتهى.
وصورة المسألة: فيما إذا انفصل عن البدن بالكلية.
إذا علمت ذلك ففيه أمور:
أحدها: أنه لم يصرح بتصحيح في "شرح المهذب" أيضًا، والأصح في "الكفاية": أنه لا يصير مستعملًا، وصحح في "التحقيق" عكسه فقال: وبدن جنب كعضو محدث.
وقيل: لا يضر انفصاله إلى باقي بدنه وقيل: إن نقله ضر هذا كلامه.
الثاني: إن ما نقله عن الإمام ليس مطابقًا لما في "النهاية" فإن الإمام بعد حكاية القول بأنه يصير مستعملًا قال ما نصه: وفيه نظر، لأن الماء إذا كان يتردد على البدن ففي الأعضاء تفاوت في الخلقة، وليس البدن سطحًا بسيطًا، وإذا كان كذلك فيقع في جريان الماء بعض التقاذف [لا محالة، فما كان من هذا الجنس فهو محطوط لا اعتبار به قطعًا.
فأما التقاذف] 18 الذي لا يقع إلا على ندور، فإن كان عن قصد فمستعمل وإلا فلا يبعد أن يعذر صاحب الوقعة، فإن الغالب وقوع ذلك في الزمن الماضي ولم يقع عنه بحث من سائل.
وإذا تأملت ما قاله علمت أنه ليس وجهًا ثالثًا كما يوهمه كلام "الروضة" فإن النقل قصدًا لم يرخص فيه أحد، بل حاصله القول بأنه لا يصير.
الأمر الثالث: أن الرافعي قد صرح بالمسألة في أواخر الباب الثاني من
الجزء: 2 - الصفحة: 19
أبواب التيمم فإنه قال تعليلًا لمسألة ما نصه: كما يعذر في التقاذف الذي يغلب في الماء ولا يحكم باستعمال المتقاذف هذا لفظه.
وأسقطها النووي هناك.
وإذا علمت ما ذكره الرافعي علمت أن المسألة [ليست] 19 خاصة بالجنب كما أوهمه كلام "الروضة" وصرح به في "التحقيق" وعلمت أيضًا أن ما يقع على سبيل الغلبة لا يضر عنده، وأما ما يقع نادرًا فلم يتعرض له والقياس فيه ما صححه النووي.
قوله: أيضًا من "زوائده": وأما الماء الذي يتوضأ به الحنفي وغيره ممن لا يعتقد وجوب نية الوضوء؛ فالأصح: أنه يصير مستعملًا، والثاني: لا، والثالث: إن نوى صار وإلا فلا.
انتهى.
وما ذكره من تصحيح مصيره مستعملًا مع انتفاء النية مشكل مخالف للقواعد فإن الأصح في المختلف فيه أنا نراعى اعتقادنا لا اعتقاد الفاعل، ولهذا صححوا صحة الاقتداء بحنفي اقتصد دون ما إذا ترك البسملة، ثم إن المصحح لكونه يصير مستعملًا إن منع الاقتداء ناقض كلامه، وإن لم يمنعه لزم الاقتداء لمن يعتقد بطلان صلاته وهو مخالف لما ذكروه هناك.
ولما ذكر هذه المسألة في "شرح المهذب" عزاها إلى "البيان" خاصة، ثم راجعت البيان فوجدته بناها على جواز الائتمام به ولم يذكر تصحيحًا بالكلية فعلمنا أن الصحيح هو التفصيل، وأن تصحيح الاستعمال مطلقًا ذكره النووي من عنده ذهولا.
فاعلمه.
قوله: في "الزيادات" ولو غسل رأسه بدل مسحه فالأصح أنه مستعمل كما لو استعمل في طهارته أكثر من حاجته انتهى كلامه.
وتصحيح الاستعمال نقله في "شرح المهذب" عن الشاشي صاحب "الحلية" خاصة فأطلق تصحيحه هنا وهناك اعتمادًا عليه لأنَّه لو وجد تصحيحًا لغيره لذكره معه بلا شك.
الجزء: 2 - الصفحة: 20
قال: القسم الثاني: ما تغير عن وصف خلقته.
قوله: ولو تغير بمجاور لم يضر في أصح القولين لأن هذا النوع من المتغير تروح لا يسلب اسم الماء المطلق كتغير الماء بجيفة ملقاة على شط النهر.
انتهى.
والتروح بتاء مثناة مفتوحة هو: تغير الرائحة.
ودعواه أنه لا يسلب الاسم يوهم بأن صورة المسألة في التغير اليسير وليس كذلك بل صورتها في التغير الفاحش، أما اليسير فإنه لا يضر وإن كان بخليط، وضابط الكثير هو المزيل للإسم.
قوله: والأصح أن المشمس مكروه لحديث عائشة 20 وابن عمر، وروى ابن عباس أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "من اغتسل بماء مشمس فأصابه وضح فلا يلومن إلا نفسه" 21. انتهى.
الجزء: 2 - الصفحة: 21
الوضح بالضاء المعجمة البياض، ويكنى به عن البرص قاله الجوهري.
وحديث ابن عباس معروف والباقيان ستعرف الكلام عليهما.
وتعبيره بالمشمس، لا يتناول ما شمس بنفسه لأن فعله شمس، فلو عبر بالشمس لكان صوابًا.
وهل يكره ذلك في الأبرص والميت وغير الآدمي من الحيوانات؟ فيه نظر.
قوله في أصل "الروضة": والمشمس في الأواني مكروه على الأصح: بشرط أن تكون في البلاد الحارة، والأواني المنطبعة، إلا الذهب والفضة على الأصح.
وعلى الثاني يكره مطلقًا.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الرافعي لم يكتف بكون البلاد حارة، بل شرط فيها أن تكون مفرطة الحرارة.
الأمر الثاني: وهو تنبيه حسن نبه عليه "النووي" في كتاب "الإشارات"، الذي هو على "الروضة" "كالدقائق" على "المنهاج".
فقال: وقولي على الأصح راجع إلى البلاد الحارة، والأواني المنطبعة، لا إلى الذهب والفضة.
والذي قاله صحيح معنى ولفظًا، فكأنه قال: الأصح أنه يشترط أن تكون في البلاد الحارة الأواني المنطبعة، إلا الذهب والفضة والمتبادر إلى الفهم أنه عائد إلى استثناء الذهب والفضة ولا يستقيم لأمرين:
أحدهما: أن الرافعي حكى وجهين في اختصاصه بالبلاد الحارة والأواني المنطبعة، ولو كان الخلاف في "الروضة" عائدًا إلى الذهب والفضة، لم يكن كلامه مطابقًا لكلام الرافعي فإنه يكون قد أسقط الخلاف في مسألتين.
الجزء: 2 - الصفحة: 22
الأمر الثاني: أن الرافعي لما ذكر الأواني المنطبعة، قال: واستثنى بعضهم آنية الذهب والفضة وهذا الإستثناء يحتمل أن يكون استدراكًا لما قاله الأصحاب فيكون إطلاقهم محمولًا عليه.
وهو الذي فهمه النووي، ويحتمل أن يكون وجهًا مخالفًا لما عليه الأكثرون وأما جعله وجهًا مع تصحيحه، فغلط محض إذ هو خارج عن كل من هذين ولا إشعار لكلام الرافعي بتصحيحه.
لا جرم: كان الصواب في كلام "الروضة" عود التصحيح إلى المستثنى منه دون المستثنى كما نبه هو عليه بخلاف ما يفهمه كثير من الناس.
نعم: آخر كلام الرافعي يبين أنه أراد حكاية وجه على خلاف ما فهمه النووي من كونه استدراكًا، فإنه قال: ولك أن تعلم قول الغزالي: والإناء المنطبع.
بالواو إشارة لهذا الوجه.
قوله: ولا فرق بين أن يقع ذلك قصدًا أو اتفاقًا، فإن المحذور لا يختلف.
ويؤيده أن المشمس في الحياض والبرك غير مكروه بالإتفاق، لأنه لا يخاف منه مكروه.
انتهى.
وما ذكره: من عدم التفرقة بين القصد والاتفاق قد حذفه من "الروضة"، ولم يذكر ما يدل عليه، بل ما يدل على عكسه فإنه عبر بالمشمس وفعله شمس بالتشديد.
قوله: والطريقة الأولى أقرب إلى كلام الشافعي، فإنه قال: ولا أكره المشمس إلا من جهة الطب، أى: إنما أكرهه شرعًا، حيث يقتضي الطب محذورًا فيه.
انتهى كلامه.
وتعبيره بقوله: شرعًا ذكره يستفاد منه مسألة حسنة، وهى أن كراهة المشمس إذا قلنا بها تكون شرعية لا إرشادية، والمسألة فيها وجهان حكاهما ابن الصلاح في تعليقه على "الوسيط" فقال: فيه وجهان، والفرق
الجزء: 2 - الصفحة: 23
بينهما أن الكراهة الشرعية يتعلق فيها الثواب بالترك بخلاف كراهة الإرشاد فإن فائدتها دنيوية وهي مثل كراهة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لصهيب أكل التمر وهو أرمد 22.
أحدهما: أنه كراهة إرشادية من جهة الطب، وهذا هو طريقة صاحب الكتاب، وأفصح عنه في التدريس وهو ظاهر كلام الشافعي والأظهر.
والوجه الثاني: أنها كراهة شرعية، وهي طريقة صاحب "الحاوي" و"المهذب" وغيرهما هذا كلامه -رحمه الله-.
ونقل عنه النووي في "شرح المهذب" أنه قال: الأظهر الثاني، وهو غلط سببه إسقاط حرف من كلام ابن الصلاح، وهو الواو.
واعلم أن النووي قد صحح في الشرح المذكور الثاني فقال: إنه المشهور، وخالف في "شرح التنبيه" المسمى بالتحفة فقال: ومن خطه نقلته: إن اعتبرنا القصد فشرعية وإلا فإرشادية هذه عبارته وحذف النووي من "الروضة" قول الرافعي شرعًا وكأنه ظن أنه لا فائدة له.
قوله من "زوائده": الراجح من حيث الدليل أن المشمس لا يكره مطلقًا، وهو مذهب أكثر العلماء.
وليس للكراهة دليل يعتمد.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن هذا الذي رجحه هنا قد صححه في "شرح الوسيط" المسمى بـ"التنقيح" فقال: إنه الصحيح المختار.
الجزء: 2 - الصفحة: 24
وقال في "شرح المهذب": إنه الصواب.
لكنه جزم في "المنهاج" بكراهته.
الأمر الثاني: أن ما أشار إليه من عدم ثبوت دليل للكراهة قد أوضحه في "شرح المهذب" فقال: حديث عائشة الذي استدلوا به ضعيف باتفاق المحدثين، ومنهم من يجعله موضوعًا، وأما ما رواه الشافعي في "الأم" بإسناده عن عمر أنه كان يكره الاغتسال بالماء المشمس وقال: إنه يورث البرص 23، فضعيف أيضًا باتفاق المحدثين، فإنه من رواية إبراهيم بن محمد ابن أبي يحيى، وقد اتفقوا على تضعيفه وجرحوه إلا الشافعي، فإنه وثقه ولم يثبت عن الأطباء فيه شيء، هذه عبارته.
وذكر نحوه في "الفتاوى" وغيره فقال: إن الحديث والأثر ضعيفان جدًا.
وما ذكره في الحديث صحيح، وأما الأثر فلا، وما ذكره من الاتفاق على تضعيف إبراهيم المذكور ليس كذلك.
فقد وثقه غير الشافعي جماعة منهم: ابن جريج وابن عدي صاحب "الكامل"، بل لو لم يوثقه إلا الشافعي لكان حجة علينا، ولا يضر الشافعي ومن تبعه تضعيف غيره إياه، وبالجملة فقد رواه الدارقطني بإسناد آخر صحيح، كما قاله المحب الطبري في "شرح التنبيه"، وحينئذ فتندفع هذه المقالات وتثبت الكراهة، كما قال بها إمامنا وبطل ما ادعاه في "الروضة" وغيرها، من عدم ثبوت دليل.
الأمر الثالث: قال في "شرح المهذب": ثبت في الصحيحين عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن الناس نزلوا مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على الحجر أرض ثمود
الجزء: 2 - الصفحة: 25
فاستقوا من آبارها وعجنوا به العجين، فأمرهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يريقوا ما استقوا، ويعلفوا الإبل العجين وأمرهم أن يستقوا من البئر التى كانت تردها الناقة 24.
وفي رواية "البخاري" 25 أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم أن لا يشربوا من مائها، ولا يستقوا منها، فقالوا: قد عجنا منها واستقينا.
فأمرهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يطرحوا ذلك العجين ويهريقوا ذلك الماء، فيكون استعمال هذه الآبار المذكورة في طهارة وغيرها مكروهًا أو حرامًا، إلا لضرورة، لأن هذه سنة صحيحة لا معارض لها، ولا يحكم بنجاستها، لأن الحديث لم يتعرض للنجاسة، انتهى كلامه.
وعبر في "التحقيق" بقوله: يمنع من استعماله، وفي "الفتاوى" بقوله: منهي عنه.
وحينئذ فكان ذكره في "الروضة" لهذه المسألة أولى من المشمس.
وقد ذكر من زياداته كراهة شديد السخونة والبرودة.
وأهمل الرافعي في "الشرح الكبير" هذه الثلاث وذكر في "الشرح الصغير" المسألتين الأخيرتين.
قوله من زياداته: وتزول كراهة المشمس بتبريده على أصح الأوجه، وفي الثالث يراجع الأطباء.
انتهى.
هذه المسألة ذكرها الرافعي في "الشرح الصغير" وقال: أظهر الوجهين بقاء الكراهة، على خلاف ما صححه النووي، ووجهه أن العلة هي انفصال شيء من أجزاء الإناء إلى الماء وتلك الأجزاء هي التي تورث
الجزء: 2 - الصفحة: 26
البرص، وهي باقية.
ووجه ما صححه النووي أن تأثيرها لذلك قد يكون شرطه حرارة الماء، لكونها تفتح المسام.
ولم يصحح شيئًا في "شرح المهذب"، وهو يورث ضعفًا في ما صححه في "الروضة" فإن النووي قد تبع فيه ما لم يتبع في غيره، فلو ظفر فيه لغيره لنقله.
قوله في المتغير بالطاهرات: ويكفي في سلب الطهورية تغير واحد من الأوصاف الثلاث، وفي قول لابد من اجتماعها.
ثم قال: وحكي الموفق ابن طاهر أن صاحب "جمع الجوامع"، حكي قولًا عن رواية الربيع أن التغير في اللون وحده، وفي الطعم والرائحة معًا يمنع الطهورية وفي أحدهما لا يمنع.
انتهى كلامه بحروفه.
وهذا القول الثالث، قد تابعه على حكايته هكذا في "الروضة" وهو مشكل حصل في حكايته تحريف، فإن التغير بالطعم عند الأصحاب أفحش من التغير باللون أو التغير بالرائحة قطعًا.
ولهذا قالوا إذا بقي بعد غسل النجاسة طعمها ضر بخلاف اللون أو الرائحة.
والصواب في حكايته: ما حكاه الرافعي في "الشرح الصغير"، فإنه لما حكى هذه الأقوال الثلاث، عبر عن الثالث بقوله: وقيل الرائحة وحدها لا تؤثر وتغير غيرها يؤثر؛ هذا لفظه، وهو صحيح مناسب وهو يدل على ما قلناه من التحريف.
قوله: والتغير بالتراب المطروح فيه قصدًا فيه وجهان، وقيل قولان: أحدهما: أنه ليس بطهور لأنه تغير بمخالطة مستغني عنه.
الجزء: 2 - الصفحة: 27
والثاني: وهو الأظهر أنه على طهوريته، لأن التراب يوافق الماء في الطهورية، ونص الأصحاب على أن هذا الخلاف لا يجري فى الجص والنورة، وغيرهما واستبعدوا خلاف من خالف فيه.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن الرافعي قد صحح أيضًا في "الشرح الصغير" أن الخلاف في التراب وجهان، وجزم في "المحرر" بأن الخلاف قولان، ووقع هذا الإختلاف أيضًا بين "الروضة" و"المنهاج" مع اختلاف آخر بينهما، وذلك أن النووي عبر في "المنهاج" بالأظهر، وقال في "الروضة": وأما المتغير بالتراب المطروح قصدًا فطهور على الصحيح، وقيل على المشهور.
وقد اصطلح في "المنهاج" و"الروضة" على أن الأظهر والأصح من الخلاف القوي، والصحيح والمشهور: من الخلاف الضعيف، فيكون الخلاف ضعيفًا على ما قال في "الروضة" وقويًا على ما قال في "المنهاج".
الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" قد ذكر في غير التراب نحو ما ذكره الرافعي فقال: وفي الجَصّ والنورة وغيرهما من أجزاء الأرض وجه شاذ أنها لا تضر.
هذا لفظه.
مع أن الشافعي قد نص على ما جعله وجهًا ضعيفًا.
كذا نقله البغوي في "التهذيب" عن رواية "حرملة".
الأمر الثالث: أن محل هذا الخلاف في النورة ونحوها إذا لم تطبخ فإن طبخت ففي "الكفاية" وغيرها أنه يسلب الطهورية بلا خلاف.
الأمر الرابع: أن ذكر القصد بعد التعبير بالمطروح لم يتحرر المراد بما احترز به عنه، إلا أن يقال: احترز به، عما إذا قصد طرح التراب إلى جانب الماء فسقط فيه وعما يطرحه الصبي والمجنون، وفيهما نظر والمتجه
الجزء: 2 - الصفحة: 28
أن ذلك يضر وبه جزم في "الإقليد" فالصواب حذف هذا القيد، وقد حذفه في "المحرر" و"المنهاج".
قوله: والمتغير بالملح المطروح فيه أوجه:
أصحها: يسلب الجبلي منه دون المائي.
والثاني: يسلبان.
والثالث: لا يسلبان.
انتهى.
وتقييد هذه الأوجه في الملح بكونه مطروحًا ذكره الغزالي فتبعه الرافعي هنا وفي "الشرح الصغير" أيضًا، وهو يقتضي أنه إذا وقع من غير طرح، لا يضر مطلقًا كما في نظيره من التراب، وحذف النووي هذا القيد من "الروضة" ولم يذكره أيضًا في "شرح المهذب" ولا في "التحقيق"، وحذفه أيضًا صاحب "الحاوي الصغير" واعترض الشارحون عليه، والمتجه: عدم اعتباره، بخلاف التراب لأن حمل التراب بإثارة الريح كثير فيعفى عنه بخلاف الملح.
قوله: الثاني الأوراق إذا تناثرت في الماء وتروح بها، فإن لم يعرض لها عفونة، واختلاط فهذا ماء متغير بشيء مجاور فيبقى على طهوريته في أظهر القولين كما سبق.
انتهى.
وهذا التخريج الذي ذكره، قد تبعه عليه في "الروضة"، وهو خطأ حصل من غفلة؛ فإن المتغير بمجاورة ما لا يستغنى عنه الماء باق على طهوريته، كما جزم به الرافعي، وقد تعجب أيضًا منه ابن الرفعة في "المطلب".
قوله: قال: وإن تعفنت واختلطت به ففيه ثلاثة أوجه: أظهرها: أنها لا تسلب الطهورية لعسر الإحتراز.
الجزء: 2 - الصفحة: 29
والثاني: تسلب كسائر الغيرات.
والثالث: لا يسلب الخريفي لغلبة التناثر فيه، ولأنها قد امتصت الأشجار رطوبتها ثم قال: فلو طرحت قصدًا فطريقان:
أحدهما: القطع بسلب الطهورية للاستغناء عنه.
والثاني: طرد الخلاف.
انتهى كلامه.
والصحيح طريقة القطع، فقد صححها الرافعي في "الشرح الصغير"، وبه أجاب في "الحاوي الصغير"، وصححه أيضًا النووي في كتبه ولم ينبه في "الروضة" على أنه من زوائده بل أدخله في كلام الرافعي، فتفطن له.
وقال في "الكفاية": إنه المشهور قال: سواء طرحه صحيحًا أو مدقوقًا وفي "الشرح الصغير" في أصل المسألة وجه رابع مفصل، بين أن يكون الشجر على شاطيء الماء أو بعيدًا.
قوله: الثالث: إذا اختلط بالماء مائع يوافق الماء في الصفات، كماء الورد المنقطع الرائحة، وماء الشجر، والماء المستعمل ففيه وجهان:
أحدهما: إن كان الخليط أقل من الماء فهو طهور وإن كان أكثر أو مثله قولان، وأظهرهما: إن كان الخليط قدرًا لو خالف الماء في طعم أو لون أو رائحة لتغير الماء، فهو مسلوب الطهورية وإن كان لا يؤثر مع المخالفة فلا.
ثم قال في آخر المسألة في الكلام على ألفاظ "الوجيز": وقوله في أول هذا الفرع: إذا صب مائع على ماء قليل ينبغي أن يعرف أن الصب لا أثر له.
ثم قال: وكذلك التعرض للقليل ليس للتقييد، بل القليل والكثير في هذا الحكم سواء، ولو حذف لفظ القليل لم يضر.
هذا لفظه.
الجزء: 2 - الصفحة: 30
وما ذكره من كونه لا فرق بين القليل والكثير غلط، بل الصواب اختصاصه بالقليل، كما صور الغزالي، وذلك لأن المستعمل من جملة ما ذكره وقد صحح الرافعي في أوائل هذا الباب أن المستعمل إذا جمع قلتين يعود طهورًا.
وصحح أيضًا في الباب الذي بعد هذا أنه إذا صب على الماء النجس ماء مستعملًا حتى بلغ قلتين يعود طهورًا أيضًا.
وإذا عرفت ما قاله في هذين الفرعين ظهر لك فساد ما ادعاه من عدم التقييد، فإنه يلزم من كونه يقدر مخالفًا عند اتصاله بالماء الكثير، أن يكون كالخل وغيره من المائعات، وحينئذ فلا فائدة في بلوغه قلتين، وكيف يتخيل متخيل أن المستعمل إذا خلط بماء كثير طهور يسلبه الطهورية، وإذا خلط بمثله، أو بماء نجس حتى بلغ قلتين يجعله طهورًا؟ ووقع هذا الكلام العجيب أيضًا في "الروضة" و"شرح المهذب" و"التحقيق"، ولو فرعوا حكم هذه المسألة وهو جعله كالمائع على القول بأنه إذا خلط بماء مستعمل أو نجس لا يعود طهورًا لكان يستقيم، ووراء ما ذكره الرافعي وجوه غريبه:
أحدهما: ما اختاره القفال في "فتاويه" أن المضر من ذلك هو الكثير، وتعرف الكثرة بالعادة.
الثاني: إن كان هو الثلث فصاعدًا فهو كثير مضر، وإن كان دونه فلا، وهذا الذي نقله في "الفتاوي" المذكورة عن أبي يعقوب الأبيوردي.
والثالث: إن بلغ الخليط ثلاثة أضعاف الماء منع؛ وإلا فلا؛ حكاه المصعني بالصاد والعين المهملتين في "نهاية المستفيد في احترازات المهذب".
والرابع: إن بلغ سبعة أضعافه فيمنع، وإلا فلا، حكاه هو وما قبله المحب الطبري شيخ الحجاز في شرحه "للتنبيه"، وفي "التهذيب"
الجزء: 2 - الصفحة: 31
وغيره طريقة قاطعة باختصاص الخلاف بالماء المستعمل أما غيره فيعتبر فيه تقدير المخالفة جزمًا لأن المتوضئ لا يمكنه الاحتراز عن أن يقع في الإناء شيء مما ينفصل عن أعضائه.
قوله: في المسألة: وحيث قلنا ببقاء الطهورية فله استعمال الجميع لاستهلاكه، وقيل: لابد أن يبقى قدر الخليط كما لو حلف لا يأكل ثمرة فاختطلت بثمر.
وأطبقوا على ضعف هذا الوجه، وقيل إن كان الماء وحده يكفي لواجب الطهارة فله استعمال الجميع وإلا فلا.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكر من الإطباق على التغليط لقائل هذا الوجه، ليس كذلك فقد صححه الشيخ أبو محمد الجويني والقاضي أبو الطيب الطبري، وقد نقله عنهما في "شرح المهذب"، ونقل الماوردي أن طائفة وافقته.
الأمر الثاني: أن محل الخلاف في التقنية إنما هو نقصان الوضوء الواحد، فلو كان معه ماء كاف لوضوءين إلا عضوًا، فكمله بمائع صحت صلاته بالوضوءين، والفرق بينه وبين ما إذا نقص عن الوضوء الواحد أنه تيقن استعمال مائع في طهارة معينة، وهنا تيقنه في إحدي طهارتين لا بعينها.
كذا ذكره الشيخ أبو محمد في كتابه "الفروق" ونقله عنه في "شرح المهذب" وارتضاه.
قوله: في أصل "الروضة": فإن جوزنا استعمال الجميع ومعه من الماء ما لا يكفيه وحده ولو كمله بمائع يستهلك فيه لكفاه لزمه ذلك، إلا أن تزيد قيمة المائع على ثمن ماء الطهارة.
انتهى.
الجزء: 2 - الصفحة: 32
فيه أمور:
أحدها: أن تقييد لزوم التكميل بما إذا كان يكفيه ليس بصحيح فإن الناقص عن الكفاية يجب استعماله.
الثاني: أن هذا الشرط المذكور وهو [أن لا تزيد القيمة ليس من كلام الرافعي فاعلمه.
الثالث: أن زيادة المائع] 26 إنما ينبغي اعتبارها بالنسبة إلى المعجوز عنه من ماء الطهارة، لا بالنسبة إلى ماء الطهارة جميعه، فإن ما عدا المعجوز عنه قد سقط الأمر بطلبه لتحصيله إياه.
وكلامه هنا يقتضي الثاني، وذكر مثله في "شرح المهذب" بعبارة هي أصرح من هذه وفي المسألة إشكال نذكره إن شاء الله تعالى في باب الإجتهاد، في الكلام على اشتباه الماء بماء الورد.
قوله من "زوائده" ولو تطهر بالماء الذي ينعقد منه الملح قبل أن يجمد، جاز على المذهب.
انتهى.
محل هذا الخلاف كما نبه عليه جماعة منهم ابن الرفعة في "الكفاية"، ما إذا كان ينعقد بنفسه، فإن كان إنعقاده بسبب سبوخة في الأرض بعيد ما يصل إليها من الأمطار والأنهار، جاز قطعًا.
ويقال: جَمَد الماء -بالفتح- يجمُد -بالضم- وجمودًا إذا تَيبس.
قوله أيضا من "زياداته"، ولو أغلى الماء فارتفع من غليانه بخار تولد منه رشح فوجهان:
المختار منهما عند صاحب "البحر" أنه طهور.
انتهى كلامه.
والأصح: أنه ليس بطهور على خلاف ما قاله صاحب "البحر"،
الجزء: 2 - الصفحة: 33
فإنه قد نقل فيه، أعني في "البحر" أن ظاهر لفظ الشافعي يقتضيه، وأيضًا فإن الرافعي في "شرحه الصغير" قد نقل عن الروياني ما تقدم، من كونه طهورًا ثم قال بعد نقله إياه: ونازعه عامة الأصحاب فقالوا: يسمى بخارًا ورشحًا ولا يسمي ماء على الإطلاق هذه عبارته.
وقد صحح النووي في "التحقيق" و"الفتاوى" و"شرح المهذب" ما قاله الروياني ذهولًا عما نقله الرافعي في "الشرح الصغير" من كونه شاذًا مخالفًا للمعروف في المذهب، وسبب ذلك أن النووي لم يأخذ من "الشرح الصغير" شيئًا، إما لعدم وقوعه له، أو لتوهمه أن كل ما فيه فهو في "الكبير"، ولم يقف على ترجيح لغيره فوقع فيما وقع، فاعلم ذلك واجتنبه.
الجزء: 2 - الصفحة: 34
الباب الثاني في المياه النجسة
وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: في النجاسات
قوله: أما نجاسة الخمر فلوجهين:
أحدهما: أنها محرمة التناول لا لاحترام وضرر ظاهر، والناس مشغوفون بها فينبغي أن يحكم بنجاستها، تأكيدًا للزجر.
الثاني: أن الله تعالي سماها رجسًا.
والرجس والنجس عبارتان عن معبر واحد.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أنه أشار بالدليل الأول إلى حد النجاسة، ذكره في "التتمة"، وهذبه النووي.
فقال: كل عين حرم تناولها في حال الإختيار مع سهولة التمييز لا لحرمتها ولا لإستقذارها ولا إضرارها في بدن أو عقل واحترزوا بالإختيار عن الضرورة، فإنها تبيح أكل النجاسات والتداوي بها بالشروط المعروفة في بابها.
واحترز بسهولة التمييز عن أكل الدود الميت في الفاكهة والجبن ونحوهما.
وبالحرمة -أي: التعظيم والإكرام: عن ميتة الآدمى.
وبالاستقذار: عن المني والمخاط وبالضرر عن الأحجار والنباتات المضرة للبدن أو العقل.
إذا علمت ذلك فقد صرح الرافعي بالقيدين الأولين من قيود المحرم،
الجزء: 2 - الصفحة: 35
وهما عدم الاحترام والضرر، وأما الثالث فأشار إليه بقوله والناس مشغوفون بها.
الأمر الثالث: أن ما ذكره ثانيًا في الدليل على النجاسة استدلال عجيب، فإنهما وإن كانا بمعني واحد في اللغة، إلا أنهما ليسا موضوعين بإزاء المعني الذي هو بصدده بل للتعبد، فإن العرب لم تعرف المعني الشرعي.
واستدل بعضهم عليه بالإجماع، وليس كذلك، فإن ربيعة شيخ مالك ذهب إلي طهارتها، كما حكاه في "شرح المهذب" عنه، ورأيت في "التقاسيم" للمرعشي حكايته أيضًا عن المازني من أصحابنا.
قوله: بل ينبغي أن يكون لفظ الخمر معلمًا بالواو لأن الشيخ أبا علي حكي خلافًا في نجاسة المثلث المسكر الذي يبيحه أبو حنيفة مع الحكم بالتحريم.
انتهى كلامه.
وهذا الوجه أسقطه النووي فلم يذكره في "الروضة".
قوله: والخنزير نجس لأنه أسوأ حالًا من الكلب، فهو أولى بأن يكون نجسًا منه.
وأشار بقوله: لأنه أسوأ حالًا إلى كونه لا يقتني أو لا ينتفع به.
وهذا الاستدلال ينتقض بالحشرات.
قوله: والميتات كلها نجسة لأنها محرمة.
وتحريم ما ليس بمحترم وليس فيه ضرر كالسم، يدل على نجاسته.
انتهى.
وينبغي أن يقول ولا استقذار وإلا يرد المخاط ونحوه، كما سبق إيضاحه.
الجزء: 2 - الصفحة: 36
قوله: واستثنى الغزالي منه السمك والجراد [لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أحلت لنا ميتتان ودمان السمك والجراد] 27 والكبد والطحال" 28 وكذا الآدمي على الصحيح.
ويرد على هذا الحصر الجنين الذي يوجد ميتًا عند ذبح الأم، وكذلك الصيد إذا مات بالضغطة على أحد القولين.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أنه لم يستوف ما يرد عليه من هذه الأنواع، فإن الصيد والبعير الناد إذا ماتا بالسهم، يحلان بلا خلاف، لأنه وجد فيهما الفعل المقتضي لحلهما شرعًا وإن لم توجد الزكاة المعروفة، والذي ينبغي أنه لا يورد شيء من هذه المذكورات، فإن الميتة عرفًا وشرعًا ما لم يوجد فيه فعل مقتض للإباحة، وهنا قد وجد ذلك، وقد أجاب بذلك في "شرح المهذب".
الثاني: أن "النووي" في أصل "الروضة" لم يذكر الصيد إذا مات بالضغطة، وذكر عوضه الصيد إذا لم تدرك ذكاته.
فورد عليه شيئان أيضًا، كونه قد ذكر ما لم يذكره الرافعي، وحذف ما ذكره وهو غريب، لا أدري ما الحامل له عليه.
والضغطة بضاد وغين معجمتين.
هي الضمة الشديدة ونحوها.
يقال: ضغطه يضغطه ضغطًا، إذا زحمه إلى حائط ونحوه، ومنه ضغطة القبر.
الجزء: 2 - الصفحة: 37
والحديث الذي ذكره الرافعي رواه ابن ماجة بإسناد ضعيف، لأجل عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وإن كان الحاكم قد قال في المستدرك في حديث هو في سنده: هذا حديث صحيح الإسناد.
نعم: رواه البيهقي موقوفًا على عمر، وقال: إنه حديث صحيح حكمه حكم المرفوع.
قوله: الثالث: الحيوانات التي لا نفس لها سائلة، هل تنجس الماء إذا ماتت فيه؟
اختلف فيه قول الشافعي، والأصح: لا، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه، فإن في أحد جناحيه شفاء، وفي الآخر داء" 29 وإنه يقدم الداء، وجه الاستدلال أنه قد يقضي المقل إلى الموتي سيما، إذا كان الطعام حارًا، فلو نجسه لما أمر به.
انتهى.
أطلق هذا الحكم، ومحله إذا لم يتغير الماء به، فإن تغير فوجهان: والصحيح أنه ينجس.
فقد قال الرافعي في "الشرح الصغير": إنه المرجح من الوجهين.
وقال النووي في "شرح المهذب" و"التحقيق" و"الروضة" [إنه الأصح.
وسأذكر عبارة "الروضة"] 30 عقب هذه المسألة لأمر نتكلم معه فيه.
والحديث المذكور صحيح، روي أصله البخاري من رواية أبي هريرة، وفيه فليغمسه، ثم لينزعه.
نعم: تقديم الداء رواه أبو داود 31 ولفظه: "فإنه يتقي بجناحه الذي
الجزء: 2 - الصفحة: 38
فيه الداء فليغمسه كله".
والمقل: بالميم والقاف، هو الغمس كما ورد مصرحًا به في الرواية الأخري وحكي في "الوسيط" عن "التقريب"، قولًا فارقًا بين ما تعم به البلوي كالذباب والبعوض فلا ينجس، وما لا تعم كالعقارب والخنافس فينجس.
وهذا القول قد رأيته في "التقريب"، كما حكاه عنه، واختاره أيضًا الرافعي في "الشرح الصغير" وهو متعين لا محيد عنه، لأن محل النص فيه معنيان مناسبان عدم الدم، وعموم البلوي.
فكيف يقاس عليه ما وجد فيه أحدهما.
بل المتجه اختصاصه بالذباب، لأن غمسه لتقديم الداء، وهو مفقود في غيره.
قوله من "زياداته": ولو كثرت الميتة التي لا نفس لها سائلة، فغيرت الماء أو المائع.
وقلنا: لا تنجسه من غير تغير فوجهان مشهوران:
الأصح: تنجسه لأنه متغير بالنجاسة.
والثاني: لا تنجسه، ويكون الماء طاهرًا غير مطهر، كالمتغير.
بالزعفران.
وقال إمام الحرمين: وهو كالمتغير بورق الشجر.
انتهى كلام "الروضة".
وهذا النقل عن الإمام غلط، فإنه -أعني النووي- فرع هذا الخلاف على القول بنجاستها، كما قاله أيضًا غيره.
ولهذا علل ما صححه بقوله: لأنه متغير بالنجاسة.
الجزء: 2 - الصفحة: 39
وإمام الحرمين إنما فرع ما قاله على القول بالطهارة.
فقال: فإن قيل: إذا حكمتم بأن هذه الميتات ليست بنجسة، وذكرتم أن كثيرها وإن غير، فالماء طاهر، فهل يجوز التوضيء به؟
قلنا: أقرب معتبر فيه أن يجعل الماء بها كتغيره بأوراق الأشجار 32 [فإنها بمثابتها على هذا المسلك هذه عبارته والتخريج الذي قاله ظاهر.
قوله: وأما ما نسوه في الماء وليس له نفس سائلة فلا ينجس الماء بلا خلاف، لكن لو طرح فيه من خارج عاد الخلاف.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ادعاه من نفي الخلاف قد ذكره أيضًا في "الشرح الصغير"، وتابعه عليه النووي في "الروضة" وليس كذلك ففي "الإستذكار" للدارمي ثلاثة أوجه حكاها فيما إذا لم يتغير الماء.
أحدها: هذا.
والثاني: أنه ينجسه.
والثالث: إن كثر ذلك الناشيء فينجسه وإلا فلا.
الأمر الثاني: أن حكمه يعود القولين حتى يكون الأصح الطهارة محله في حيوان نشأ من الماء أو المائع كما فرضه هو، ولا يلزم من إعتقاد هذا لكونه اعتقاد ما لم ينشأ فيه، بل الحكم أن طرحه يضر كما جزم به الرافعي في "الشرح" وأجاب به أيضًا صاحب "الحاوي الصغير" والحاصل أنهما مسألتان الناشيء في الماء، وغير الناشيء، اقتصر في "الكبير" على الناشيء، وفي "الصغير" على غيره فتفطن لذلك فإنه مهم وهذا التقدير أولى من جعلهما مسألة واحدة، وإلزامه وكيف يصار
الجزء: 2 - الصفحة: 40
لذلك مع اختلاف التصوير المناسب للتفرقة وكيف يقال بأن إلقاء ما ليس نشؤه منه لا يضر، وقد فرقوا في أوراق الأشجار وغيرها بين أن تلقي قصدًا أم لا، مع أنها طاهرة، فالنجس أولى لغلظ حكمه وقد اختصره في "الروضة" بلفظ أوضح من لفظ الرافعي فقال: فلو أخرج منه وطرح في غيره أو رد إليه عاد القولان انتهى.
والقسمان اللذان شرح بهما كلام الرافعي قد صرح بهما كذلك جماعة منهم القاضي حسين في "التعليق" والجرجاني في "التحرير".
واعلم أن النووي في شرح "الوسيط" المسمي بـ "التنقيح" لما ذكر القولين في أصل المسألة وصحح أنه لا ينجس، قال: وسواء في جريان القول ما مات فيه أو في غيره ثم نقل إليه، وهذا يقتضي أن الأجنبي إذا ألقي فيه بعد موته لا يضر على الصحيح وهو غلط سببه عدم تأمل الفرق السابق، والصواب أيضًا في الناشيء في الماء إذا ألقي في غيره أنه يضر جزمًا لا يتجه غير ذلك ويظهر ترجيح ذلك أيضًا فيما إذا أعيد إليه، وإن كان ما قالوه فيه محتملًا فاعتمد ما ذكرته.
قوله: في أصل "الروضة" فإن قلنا: إن هذه الميتة لا تنجس المائع فهي نجاسة في نفسها خلافًا للقفال، وفي جواز أكلها إذا كانت متولدة من الطعام كدود الخل والتفاح أوجه.
الأصح: يحل أكله مع ما تولد منه ولا يحل منفردًا.
والثاني: يحل مطلقًا.
والثالث: يحرم مطلقًا، والأوجه جارية سواء قلنا بطهارة هذا الحيوان أو بنجاسته.
انتهى كلامه.
وقد اشتمل على حكاية وحيه أنه يجوز أكله منفردًا على القول بنجاسته وهو غلط لم يذكره الرافعي ولا غيره وإنما أغلطه سوء فهم منه لكلام
الجزء: 2 - الصفحة: 41
الرافعي، فإن الرافعي بعد ذكر الخلاف في الطهارة والأكل قال ما نصه: وربما يخطر بالبال أن الخلاف في حل الأكل مبنى على الخلاف فى الطهارة والنجاسة، إن قلنا بالنجاسة: حرم وإلا: فيحل.
وليس الأمر فيه على هذا الإطلاق بل الخلاف منتظم مع حكمنا بالطهارة، فوجه التحريم: الإستقذار ووجه الحل إذا كان يؤكل مع الطعام عسر الاحتراز والتمييز وعند الانفراد لا ينقدح شيء.
هذا لفظه.
وهو صريح في أن تجويز الأكل منفردًا إنما على القول بالطهارة، ومعني قول الرافعي لا ينقدح فيه شيء أي لا ينقدح أن يقال فيه بالحل، وكأنه توهم أن المراد لا ينقدح له توجيه، وكيف يفهم ذلك مع التقسيم السابق.
قوله: وأيضًا فلأنه يتناول الشعر المبان على العضو المبان من الحيوان مع أنه نجس في أصح القولين.
انتهى كلامه.
وهذه المسألة قد أسقطها النووي فلم يذكرها في "الروضة".
وهي مسألة مهمة.
قوله: والمشيمة وجزء الآدمي المُبَان طاهران على المذهب الصحيح.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن المسألتين متقاربتان في المعني لأن المشيمة أيضًا جزء من الأدمي وقد صرح بنجاسة المشيمة ابن القاص في "التلخيص" وأبو عبد الله المعروف بالختن في شرحه، وعلله بكونه جزءًا مبانًا منها وكذلك الشيخ أبو علي السنجي في شرح الكتاب المذكور، ووافقه عليه أيضًا القفال عند شرحه لهذا الموضع، وأبو نصر البندنيجي في "المعتمد" وذكر ابن سريج في كتاب "التذكرة" ما حاصله ذلك أيضًا فإنه قال وجميع ما
الجزء: 2 - الصفحة: 42
خرج من القبل والدبر نجس إلا الولد والمني، وصرح به أيضًا أبو الطيب والبندنيجي في تعليقهما، وادعي أبو الطيب الاتفاق عليه، والبغوي في "التهذيب" وابن الصباغ في "الشامل"، والإمام في "النهاية" والروياني في "البحر" كلاهما في باب الصلاة بالنجاسة وهو المذكور في ترتيب الأقسام للمرعشي وفي "البيان" نقلًا عن ابن الصباغ وفي "البسيط" نقلًا عن الشيخ أبي علي من غير مخالفة منهما، وقطع الشيخ أبو حامد في "تعليقه" بنجاسة الجزء المبان من الآدمي، وكذلك المحاملي في "المقنع" في باب صفة الصلاة، والقاضي أبو الطيب في تعليقه، وصححه الماوردي في كتاب الجنائز، ونقله في "البيان" عن عامة الأصحاب، وعلله بأن الحرمة إنما هي بجملة الأبعاض، ولم ينقل مقابله إلا عن الصيرفي خاصة، ونقله القاضي حسين وابن الصباغ والروياني في "البحر" عن نصه في "الأم".
وقال في "الكفاية": أوضح الطريقين القطع به.
والثانية: على وجهين ثم إن ابن الرفعة عداه أيضًا إلى شعر الأدمي فقال: الأصح فيه النجاسة.
نعم: صحح في "النهاية" أن جزء الأدمي طاهر فتبعه الرافعي ثم النووي.
الأمر الثاني: أن ما ذكرناه من كون الأكثرين على النجاسة محله فيما أبين منه في حال حياته، فأما المنفصل بعد موته فحكمه حكم ميتته بلا شك، وتصوير الأصحاب وتعليلهم يرشدان إلى ما ذكرته، ولهذا قال في "البحر" في أبواب الصلاة: والفرق عند الشافعي بين العضو المبان في حياته، وبين الجملة: أن العضو لا حرمة له بدليل أنه لا يجب غسله وتكفينه ودفنه بخلاف الجملة.
الجزء: 2 - الصفحة: 43
قوله في "الروضة": ويستثنى شعر الآدمي والعضو المبان فيه، ومن السمك والجراد ومشيمة الآدمي فهذه كلها طاهرة على المذهب.
انتهى.
وتعبيره بالمذهب يقتضي أن الجميع فيها طريقان، وليس كذلك فإن السمك والجراد ليس فيه إلا وجهان، والذي أوهم النووي في ذلك أن الرافعي عبر بالمذهب الصحيح وليس فيه اصطلاح فتبعه عليه.
قوله: المنفصل عن باطن الحيوان قسمان:
أحدهما: ليس له استحالة واجتماع في الباطن، وإنما يرشح رشحًا كاللعاب والدمع والعرق فله حكم المترشح منه إن كان طاهرًا فطاهر، وإن كان نجسًا فهو نجس، سئل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: "نعم، وبما أفضلت السباع كلها" 33 حكم بطهارة السؤر وذلك يدل على طهارة اللعاب، وركب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فرسًا معرورًا لأبي فرفضه ولم يحترز من العرق.
انتهى.
أما الحديث الأول فضعيف، فإن الشافعي قد رواه عن إبراهيم بن محمد وإبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن أبيه عن جابر والإبراهيمان ضعيفان جدًا عند أهل الحديث، والعمدة عندنا إنما هو حديث الهرة الآتي وأما الحديث الثاني وهو ركوبه معرورًا فحديث صحيح رواه مسلم 34.
وقوله في الحديث: "معرورًا" هو حال من الراكب، وهو رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا صفة لقوله: "فرسًا" فاعلمه.
الجزء: 2 - الصفحة: 44
قال الجوهري: تقول: اعروريت الفرس: ركبته عريًا -أي: بلا سرج- وهو افعوعل.
انتهى.
فعلى هذا يكون اسم الفاعل منه معروريًا والسؤر في الكلام الرافعي مهموز والمراد به بقية الماء.
قوله: والثاني: ما له استحالة واجتماع في الباطن كالدم والبول والعذرة فهي نجسة من غير المأكول بالإجماع وأما في المأكول فبالقياس عليه.
انتهى ملخصًا.
ودعواه الإجماع ليس كذلك فقد ذهب النخعي كما حكاه العمراني في "البيان" والشاشي في "الحلية" إلى أن البول طاهر من المأكول وغيره.
قوله: وهل يحكم بنجاستها من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فيه وجهان، قال أبو جعفر الترمذي: لا، لأن أبا طيبة الحجام شرب دمه ولم ينكر عليه وروي أن أم أيمن شربت بوله، ولم ينكر عليها.
انتهى.
وما نقله عن أبي جعفر الترمذي في هذه المذكورات ليس كذلك، بل إنما خالف في بعضها، فقد قال الماوردي في "الحاوي": وكان أبو جعفر الترمذي من أصحابنا يزعم أن شعر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وحده طاهر، وأن شعر غيره من الناس نجس، لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين حلق شعره بمنى قسمه بين أصحابه، ولو كان نجسًا لمنعهم منه، قيل له: قد حجمه أبو طيبة وشرب دمه بحضرته، أفنقول أن دمه طاهر؟ فركب الباب وقال: أقول بطهارتها، قيل له: فقد روي أن امرأة شربت بوله.
فقال لها: "إذا لا ينجعك بطنك" 35. أفتقول بطهارة بوله؟ قال: لا، لأن البول متقلب من الطعام والشراب، وليس كذلك الدم والشعر لأنهما من أصل الخلقة.
انتهى كلام
الجزء: 2 - الصفحة: 45
الماوردي ذكره في باب الآنية في أثناء مسألة أولها: قال الشافعي: ولا يطهر بالدباغ إلا الإهاب.
وقد تلخص من ذلك أنا لا نقول بطهارة البول والغائط والقيء على خلاف ما ذكره الرافعي.
نعم: الخلاف ثابت عن غير أبي جعفر الترمذي، حكاه القفال في "شرح التلخيص" في الكلام على الخصائص، ثم تلقاه منه جماعة، وحديث أبي طيبة ضعيف كما قاله في "شرح المهذب"، وأما شرب المرأة البول فرواه الدارقطني، وقال: إنه حديث صحيح 36.
وأبو طيبة بطاء مفتوحة ثم ياء بنقطتين من تحت ساكتة بعدها باء موحدة، وأم أيمن اسمها: بركة، وكانت حاضنة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فكفلت به طفلًا.
واعلم أن الفوراني في كتاب "العمد" قد أشار هنا إلى خلاف صرح به غيره، وهو أن العسل هل يخرج من فم النحلة أم من دبرها؟ ، وحينئذ فلابد من استثنائه وحكي خلافًا في كتاب الزكاة في نجاسة العنبر؛ منهم من قال: إنه نجس؛ لأنه يخرج من بطن دويبة لا يؤكل لحمها.
ومنهم من قال: إنه طاهر؛ لأنه ينبت في البحر ويلفظه وأما الزباد بزاي معجمة بعدها باء موحدة، ثم ألف وهو الطيب المعبر عنه بالزبدة، فقال في "شرح المهذب" هنا: سمعت جماعة من الثقات من أهل الحرة بهذا يقولون إنه عرق سنور بري.
فعلى هذا يكون طاهرًا بلا خلاف، وقال الماوردي والروياني في آخر باب بيع الغرر: إنه لبن سنور في البحر.
قالا: فإذا قلنا بنجاسة ما لا يؤكل لحمه ففي هذا وجهان:
الجزء: 2 - الصفحة: 46
أحدهما: أنه أيضًا نجس كغيره.
والثاني: طاهر كالمسك، والمعروف أن جميع حيوانات البحر طاهرة يجوز أكلها فيكون الزباد على هذا التقدير طاهرًا.
قوله: والقيء.
كذا ذكره النووي في "أصل الروضة" ولم يصرح به الرافعي هنا.
نعم ذكره في "المحرر" وكذلك في "الشرح الصغير" وحكي فيه وجهًا أنه إن تغير كان نجسًا وإلا فلا.
واعلم أن النووي قد ذكر من "زوائده" هنا أن البهيمة إذا أكلت حبًا ثم ألقته صحيحًا، فإن كانت صلابته باقية وهو الذي بحيث لو زرع لنبت كان طاهر العين متنجسًا فيغسل ويؤكل، وإلا كان نجسًا، وقياسه في القيء كذلك فتفطن له، حتي لو ابتلع ماء ثم ألقاه غير متغير وفرعنا على أنه نجس كما صححه الرافعي وغيره طهر بالمكاثرة.
نعم: الرطوبة الخارجة من المعدة نجسة، ونحن لا ندري هل خرج منها شيء مع الماء أم لا؟ وبتقديره فلا يعلم أن الخارج مقدار تغير لو فرضناه مخالفًا.
قوله: وفي خرء السمك والجراد وبولهما وجهان: أظهرهما: النجاسة كغيرهما.
والثاني: لا؛ لجواز ابتلاع السمكة حية وميتة.
انتهى.
الخُرء بخاء معجمة مضمومة هو الرَّوَث فاعلمه لئلا يتصحف بالجزء بالجيم فإنه فيه خلاف كما سبق.
قوله في "أصل الروضة": وفي دم السمك والجراد وجهان أصحهما النجاسة.
انتهى.
الجزء: 2 - الصفحة: 47
وما ذكره من أن الجراد له دم غلط، فقد صرح الأصحاب بأنه لا دم له، ولهذا لم يذكره الرافعي فاعلمه.
قوله: أما الأدمي فلبنه طاهر إذ لا يليق بكرامته أن يكون نشؤه على الشيء النجس.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على إطلاقه ويستثني منه لبن الميتة فإنه نجس، كذا هو في الرضاع من "الحاوي" و"الشامل" وغيرهما وفي البيوع من "الإستقصاء".
لكن في أخر بيع الغرر من "البحر" أنه طاهر يجوز شربه وبيعه.
واختلفوا في لبن الرجل والصغيرة فذهب ابن الصباغ إلى نجاسته من الرجل، وصاحب "البيان" وابن يونس شارح "التنبيه" إلى نجاسته من الصغيرة وتعليل الرافعي يرشد إليهما، ورأيت في "شرائط الأحكام" لابن عبدان وفي "التلقين".
لابن سُراقة وغيرهما من كبار متقدمي الأصحاب ما يدل على الطهارة فإن عبارة الأول: إلا مني الأدميين ولبنهم، وعبارة الثاني: إلا لبن بني آدم.
قوله: والأنفحة طاهرة على أصح الوجهين بشرطين:
أحدهما: أن يؤخذ من السخلة المذبوحة.
والثاني: أن لا يطعم غير اللبن فإن ماتت أو أطعمت غير اللبن فهي نجسة بلا خلاف.
انتهى ملخصًا.
تابعه عليه في "الروضة" وفيه أمران:
أحدهما: أنه لا حاجة إلى الشرط الثاني أصلًا فإن اسم الأنفحة لا يطلق في اللغة إذا أكل الحيوان غير اللبن، قال الجوهري: والإنفحة: بكسر الهمزة وفتح الفاء مخففة كرش الحمل، أي: بالحاء، أو الجدي ما
الجزء: 2 - الصفحة: 48
لم يأكل، فإذا أكل فهو كرش عند أبي زيد، وكذلك المنفحة.
هذا كلام الجوهري.
الأمر الثاني: أن دعوي نفي الخلاف فيما إذا أكل غير اللبن لا تستقيم فقد تقدم أن روث المأكول فيه خلاف وهذا من جملة الأرواث، ويدل عليه كلام الجوهري السابق وكلام غيره أيضًا.
قوله: فأما مني الأدمي فطاهر لقول عائشة: "كنت أفرك المني من ثوب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم يصلي فيه" 37، وفي رواية "وهو في الصلاة" 38، والإستدلال بها أوضح، وحكي بعضهم عن صاحب "التلخيص" قولين في مني المرأة، وحكي آخرون عنه أن مني المرأة نجس، وفي مني الرجل قولان وهو أقوي النقلين عنه.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن هذه الطرق لما اختصرها في "الروضة" عبر بقوله: وأما المني فطاهر وقيل فيه قولان، وقيل: القولان في مني المرأة خاصة.
هذا لفظه.
فأسقط الطريقة الثالثة التي هي أشهر مما قبلها، وهي القائلة بأن مني المرأة نجس، وفي مني الرجل القولان، وزاد طريقة أخري وهي حكاية قولين في الجميع، وحاصله: أنه سها فأبدل طريقة بطريقة، ووقع هذا الوهم المذكور في "شرح المهذب" أيضًا، فإن عادته أن يأخذ مما نصه في "الروضة" وينقله إلى الشرح المذكور.
الأمر الثاني: أن كلام ابن القاص في "التلخيص" موافق لما رجح الرافعي ثبوته عنه، فإنه قال ما نصه: وكل ما خرج من السبيلين فهو
الجزء: 2 - الصفحة: 49
نجس إلا مني الرجل، ثم قال: وفي القديم إنه نجس، قاله بعض أصحابنا.
هذا لفظه ومنه نقلت؛ فاقتضي الجزم بأن مني المرأة نجس وأن القولين في مني الرجل، ورأيت في كتاب "المفتاح" له أيضًا ما هو أصرح من كلامه في "التلخيص"، فقال: وفي المني قولان:
أحدهما: نجس.
والآخر: طاهر ومني المرأة نجس.
هذه عبارته.
الأمر الثالث: أن مني الخصي يلحق بمني المرأة عند من قال بنجاسته كذا حكاه في "الاستقصاء" عن "الخصال" للخفاف ثم رأيته في "الخصال" قبيل البيان عن حال الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها فقال: وكل مني نجس إلا مني الرجل الفحل دون الخادم، هذه عبارته، والحديث الذي ذكره الرافعي رواه الشيخان، وأما رواية "وهو في الصلاة" فرواها ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما.
قوله في "أصل الروضة": وأما الزرع النابت على السرجين فقال الأصحاب ليس هو نجس العين، لكن ينجس بملاقاة النجاسة، فإذا غسل طهر، وإذا سنبل فحباته الخارجة طاهرة.
انتهى.
هذه المسألة ذكره الرافعي في باب الأواني قبل الكلام على إناء الذهب والفضة فاعلمه.
قوله: قلت: القيح نجس وكذا ماء القروح إن كان متغيرًا.
. . . إلى آخره.
هاتان المسألتان ذكرهما الرافعي في شروط الصلاة.
قوله من "زياداته": وليست رطوبة فرج المرأة والعلقة بنجستين في الأصح ولا المضغة على الصحيح، والمِرَّة نجسة وكذا جرة البعير.
انتهى.
الجزء: 2 - الصفحة: 50
فيه أمور:
أحدها: أن رطوبة الفرج والعلقة والمضغة، قد ذكرها الرافعي في الكلام على المني فحكي أن في العلقة والمضغة وجهين، وقال: أصحهما الطهارة.
وأما الرطوبة فلم يصرح فيها بتصحيح ولا بكون الخلاف فيها وجهين أو قولين؟ لكن مقتضي كلامه تصحيح الطهارة فحذف النووي المسائل الثلاث، ثم ذكرها من "زوائده" هنا، وقد ذكرها الرافعي في "المحرر" و"الشرح الصغير" وصحح طهارة الجميع، وصرح في "الشرح الصغير" بأن الخلاف في الكل وجهان، ولم يبينه في "المحرر".
نعم يشترط في العلقة والمضغة على قاعدة الرافعي أن يكونا من الآدمي فإن مني غيره نجس عنده والعلقة والمضغة أولى بالنجاسة من المني، ويدل عليه تردده في "المحرر" و"المنهاج" في نجاستهما مع جزمه فيهما بطهارة المني، وأما على طريقة النووي ففيه نظر، ويقتضي تعليله أنه كذلك أيضًا.
الأمر الثاني: أن رطوبة الفرج طاهرة مطلقًا سواء كان الفرج من امرأة أو بهيمة كما قال في كتبه حتي في "تصحيح التنبيه" و"دقائق المنهاج".
الأمر الثالث: أن الشيخ قد قال في "المهذب" أن المنصوص نجاسة رطوبة الفرج، وقال الماوردي في باب ما يوجب الغسل: إن الشافعي قد نص في بعض كتبه على طهارتها، ثم حكي التنجيس عن ابن سريج فتلخص أن الخلاف فيها قولان لا وجهان.
الأمر الرابع: "أن النووي قد نقل في شرح المهذب" أن المذهب القطع بطهارة المضغة، وقيل: على وجهين، وهو مناقض لجزمه هنا بطريقة الوجهين، وأبلغ منه أنه سوى في "المنهاج" بين العلقة والمضغة في التعبير
الجزء: 2 - الصفحة: 51
بالأصح فجعل الخلاف فيها قويًا، والصواب خلاف ما في "شرح المهذب" لأن المضغة إما كميتة الآدمي وفيها قولان في الجديد شهيران أو كجزءه المنفصل، وفيه طريقان، حاكية للخلاف، وقاطعة بالنجاسة، فكيف يكون الصحيح فيها القطع بالطهارة؟ .
الأمر الخامس: إذا فرعنا على نجاسة رطوبة الفرج فنقل النووي في "شرح المهذب" عن "فتاوى صاحب الشامل" ولم يخالفه: أن المولود لا يجب غسله إجماعًا.
ذكره ذلك في موضعين من باب إزالة النجاسة وقال في آخر باب الآنية من الشرح المذكور إن فيه وجهين حكاهما الماوردي والروياني، وقد حكاهما أيضا الشيخ تقي الدين ابن الصلاح في "فتاويه" ورأيت في "الكافي" للخوارزمي أن الماء لا ينجس بوقوعه فيه على الأصح فيحتمل أن يكون الخلاف مفرعًا [على الخلاف] 39، وأن يكون مفرعًا على القول بعدم وجوب الغسل لكونه نجسًا معفوًا عنه.
الأمر السادس: في بيان هذه الأمور: فأما رطوبة الفرج فليس المراد بها البلل الخارج مع الولد أو غيره فإنه نجس كما جزم به الرافعي في "الشرح الصغير" والنووي في "شرح المهذب"، وقال الإمام: لا شك فيه، بل هي كماء أبيض متردد بين المذي والعرق كما قاله في "شرح المهذب".
والعلقة: دم غليظ يستحيل المني إليه.
والمضغة: لحمة سميت بذلك لأنها صغيرة بقدر ما يمضغ.
وأما المرة: فبكسر الميم وهي إحدى الطبائع الأربع، كما قال الجوهرى، ونجاستها ظاهرة، وذكر في "شرح المهذب" عن "الفروق"
الجزء: 2 - الصفحة: 52
للشيخ أبي محمد كلامًا يوهم أن وعاء المرة أيضًا نجس وهو باطل، ومراد الشيخ ذكر أشياء هي مقر لما يستحيل من النجاسات ولهذا عدّ معها المعدة والمثانة.
نعم: إن انفصلت جاء فيها الخلاف في جزء الآدمي.
وأما الجرة فهو بكسر الجيم كما قاله الجوهري قال: وهو ما يخرجه البعير ليجتر به، ونجاسته واضحة؛ لأنه كالقيء.
قوله: أيضًا من "زياداته": وأما الماء الذي يسيل من فم النائم فقال المتولى: إن كان متغيرًا فنجس وإلا فطاهر، وقال: غيره: إن كان من اللهوات فطاهر أو من المعدة فنجس.
ويعرف كونه من اللهوات بأن ينقطع إذا طال نومه وإذا شك فالأصل عدم النجاسة انتهى كلامه.
وهو عجيب يوهم اختلافًا في المسألة، ولا شك أنه توهم ذلك فإنه في "التحقيق" جعله وجهين، وليس كذلك بل هو مقالة واحدة، فإن الخارج من المعدة يكون متغيرًا بخلاف الخارج من غيرها هكذا ذكره الأصحاب حتى الرافعي في "الشرح الصغير" فإنه ذكر أنه إنما يكون نجسًا إذا خرج من المعدة.
ثم قال: ويعرف كونه من المعدة بصفرته ونتنه إلا أن بعضهم قسمه باعتبار المحل، وبعضهم باعتبار الصفات والآثار، وبعضهم جمع كالرافعي.
وكلامه في "شرح المهذب" أقل إيهامًا، وصرح فيه بأن القائل الآخر هو الشيخ أبو محمد في "التبصرة"، ومن جملة كلامه هذا: أن الخارج من المعدة نجس بالإجماع.
الجزء: 2 - الصفحة: 53
قوله في المسألة: وإذا حكم بنجاسته وعمت بلوى شخص به لكثرته منه فالظاهر أنه يلحق بدم البراغيث وسلس البول ونظائره.
انتهى لفظه.
ذكر مثله في "شرح المهذب" وهو غير مستقيم لأن حكم دم البراغيث أنه يعفى عنه في الثوب والبدن ولا يجب غسله، وحكم سلس البول أنه يجب غسله والتطهير منه بحسب الإمكان، وإنما يعفى عن الخارج منه بعد الطهارة [فإلحاق] 40 الماء السائل بأحدهما لا يصح معه إلحاقه بالآخر، ويلزم من ذلك عدم العلم بما قاله.
وقال في "التحقيق": قياس المذهب العفو.
وهذه عبارة جيدة مبينة للحكم فليؤخذ بها.
قوله في "الزيادات" أيضًا: قال المتولى: والوسخ المنفصل من الآدمى فى حمام وغيره له حكم ميتته، وكذلك وسخ غيره.
وفيما قاله نظر ينبغي أن يكون طاهرًا قطعًا كالعرق.
انتهى.
وضعف النووي في "شرح المهذب" كلام "التتمة" فقال: وهو ضعيف، لم أره لغيره.
والذي قاله النووي مردود، فإن الوسخ قد يكون عن تجمد عرق أو انفصال غبار ونحوه، وقد يكون قِطَعًا يسيرة تتفتت من الجلد عند خشونته كما ينبثق كثيرًا في الرجلين وخصوصًا عند تقشف البدن.
فلا يسلم أن المتولى أراد القسم الأول، بل الظاهر أنه يريد الثاني، والتخريج الذي قاله فيه صحيح.
وأما قوله في "شرح التهذيب": إنه لم يره لغيره.
فغريب، فإن صاحب "البحر" قد جزم به أيضًا، وهو كثير النقل عنه.
الجزء: 2 - الصفحة: 54
الفصل الثاني في الماء الراكد
قوله: ذهب أبو عبد الله الزبيري إلى أن القلتين ثلاثة مائة مَنٍ.
ثم قال: والمذهب أن القلتين مائتان وخمسون منًا وهو خمسمائة رطل.
انتهي كلامه.
واعلم أن هذا النقل عن الزبيري قد وقع للقفال، فتابعه عليه جماعة ممن جاء بعده، فرأيته في "تعليق القاضي الحسين"، وكذلك في "شرح التلخيص" له فقال: ومن أصحابنا من قال: وهو أبو عبد الله الزبيري ذكره في كتابه الملقب بـ"الكافي" أن القلتين ثلثمائة منًا.
هذه عبارته.
ونقله عنه أيضًا الفوراني في "الإبانة"، وفي "العمد".
وكذلك أبو الحسين الطبري في ["العدة"] 41، والإمام، ثم الغزالي في "البسيط" و"الوسيط" و"عقود المختصر" فتابعهم الرافعي ثم المصنف في "الروضة".
وقد راجعت كلام الزبيري في كتابه "الكافي" فرأيت فيه الجزم بأن القلتين خمسمائة رطل على وفق المذهب، ذكر ذلك في موضعين من كتابه في أوله وبعد التيمم.
قوله: والأصح أن هذا التقدير تقريب، فلا يضر نقصان القدر الذي لا يظهر نقصانه تفاوت في التغير بالقدر المغير من الأشياء المُغيِّرة.
انتهي.
فيه أمران:
أحدهما: أنه قد اعترض عليه في "الروضة" فقال من "زياداته":
الجزء: 2 - الصفحة: 55
الأشهر تفريعًا على التقريب أنه يعفي عن نقص رطلين، وقيل: ثلاثة ونحوها، وقيل: مائة رطل.
انتهي كلامه.
وما ذكره هاهنا تفريعًا على التقريب قد خالفه في "التحقيق" فصحح ما قاله الرافعي فقال: وهو تقريب في الأصح، فلا يضر نقصان ما لا يظهر تفاوت بنقصه.
وقيل: يعفي عن رطلين، وقيل: ثلاثة، ويقال: مائة.
هذا لفظه.
وكلامه في "شرح المهذب" يقتضي أن الراجح ما ذكره في "الروضة".
الأمر الثاني: أن هذا الذي جزم به الرافعي هو بحث أبداه الإمام فقال: إذا قلنا بالتقريب فالأقرب أنه لا [يضر] 42 نقصان قدر لو طرح على [باقيه] 43 شيء من الزعفران مثلًا [لو] 44 قدر طرحه على الكامل لم يظهر تفاوت في التغير.
فإن كان قدرًا يظهر التفاوت بسببه ضر.
هذا كلامه.
فجزم به الرافعي، وعبر عنه بعبارة قلقة، وتبعه عليه في "الروضة"، وقد [تحرر] 45 أن الصواب خلافه.
قوله من "زوائده": وإذا وقعت في الماء القليل نجاسة وشك هل هو قلتان أم لا؟ فالذي جزم به صاحب "الحاوي" وآخرون أنه نجس لتحقق النجاسة،
الجزء: 2 - الصفحة: 56
ولإمام الحرمين فيه احتمالان.
والمختار، بل الصواب الجزم بطهارته لأن الأصل طهارته وشككنا في نجاسة منجسه، ولا يلزم من النجاسة التنجيس.
انتهي كلامه.
ومراده "بالقليل" هو القليل عرفًا لا المصطلح عليه.
إذا علمت ذلك فما ذكره هو وغيره من إطلاق المسألة ليس بجيد، بل الصواب، أن يقال: إن جُمع شيئًا فشيئًا، وشك في وصوله قلتين، فالأصل القلة.
وإن كان كثيرًا وأخذ منه شيء، ثم شك فالأصل بقاء الكثرة.
وإن ورد شخص على ماء يحتمل القلة والكثرة فهذا موضع التردد.
قوله: أما القليل فيتنجس بملاقاة النجاسة تغير بها أم لا، لما روي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا" 46 ويروى "نجسًا" 47. انتهى.
استثنى النووي -رحمه الله- في أصل "الروضة" ما لا نفس له سائلة، وما لا يدركه الطرف والهرة إذا تنجس فيها ثم غابت على ما في الثلاثة من الخلاف المعروف.
إذا علمت ذلك ففيه أمران:
أحدهما: أن استثناء الهرة يدل على أن الضم باقٍ على الحكم بتنجيسه، وإلا لم يصح استثناؤه.
الجزء: 2 - الصفحة: 57
وحينئذ فيكون الأصحاب قد أخذوا بالأصل في الموضعين، أي: في بقاء طهارة الماء، وبقاء نجاسة الفم، وليس في "الشرح" و"الروضة" ما يخالف هذا فاعتمده فإنه أمر مهم مُنقاس قد غفل عنه من غفل.
الأمر الثاني: أنه يستثنى مع ذكره أمور:
منها: غسالة النجاسة بالشروط المعروفة.
ومنها: اليسير من الشعر الذي حكمنا بتنجيسه فلا ينجس الماء القليل كما صرح به النووي من "زياداته" في باب الأواني ونقله عن الأصحاب.
قال: ولا يختص الاستثناء بشعر الآدمي في الأصح.
ثم قال: إن اليسير يعرف بالعرف.
وقال الإمام: لعله الذي يغلب إنباته.
وقال في "المهذب": يعفي عن الشعرة والشعرتين [وفي "تحرير الجرجاني": يعفي عن الشعرتين] 48 والثلاث.
ومنها: القليل من دخان النجاسة إذا حكمنا بتنجيسه فإنه يعفي عنه كما جزم به الرافعي في آخر صلاة الخوف، لكنه لم ينص على الماء بخصوصه وإنما أطلق العفو، ومقتضاه أنه لا فرق وهو ظاهر أيضًا، ووراء ذلك وجهان آخران مشهوران حكاهما في "الكفاية":
أحدهما: العفو قليلًا كان أو كثيرًا.
والشافي: التنجيس مطلقًا.
وفيه كلام آخر يأتي في صلاة الخوف.
ومنها: الحيوان إذا كان على منفذه نجاسة ثم وقع في الماء لا ينجسه
الجزء: 2 - الصفحة: 58
على أصح الوجهين كما ذكره الرافعي أيضًا في باب شروط الصلاة للمشقة في صونه، ولهذا لو كان مستجمرًا نجسه كما جزم به الرافعي: وادعي في "شرح المهذب" أنه لا خلاف فيه، لكنه حكي في "التحقيق" وجهًا بخلافه.
ومنها: الصبي إذا أكل شيئًا نجسًا ثم غاب واحتمل طهارة فمه، فإنه كالهرة في عدم التنجيس كذا ذكره ابن الصلاح في "فتاويه" وهي مهمة نفيسة ولهذا قال الغزالي: إن هذا الخلاف لا يجري في حيوان لا يعم اختلاطه بالناس، وخالفه المتولي فحكاه فيما إذا أكل السبع جيفة ثم غاب.
واعلم أن الحديث السابق وهو حديث القلتين رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وصححه الطحاوي وابن منده وابن خزيمة وابن حبان والحاكم، وزاد أنه على شرط الشيخين.
وأما رواية: نفي التنجيس.
فرواها أبو داود وابن حبان ولفظها: "فإنه لا ينجس"، وإسنادها صحيح كما قاله البيهقي، وجيد كما قاله يحيى بن معين.
وفي رواية: "إذا بلغ الماء قلتين من قلال هجر لم ينجسه شيء".
رواه الشافعي في "الأم" والمختصر والبيهقي في "السنن الكبير".
قوله: وإذا تغير بعض الماء فظاهر المذهب نجاسة جميعه، وخرج وجه أنه لا ينجس إلا القدر المتغير وهو ظاهر لفظ الكتاب.
انتهى.
اعلم أن الرافعي قد جزم بعد هذا في الكلام على الجارى بموافقة الوجه الثاني، وسأذكر لفظه هناك، وصححه هنا في "الروضة" من "زوائده"، وإن كان لفظه يوهم أنه وجه آخر، فتفطن له.
وقال في "الشرح الصغير": إنه الأقوى.
الجزء: 2 - الصفحة: 59
فعلى هذا يكون المتغير كنجاسة جامدة، فإن كان الباقي دون القلتين فنجس، وإلا فطاهر.
قوله: ثم لو طال مكث الماء وزال تغيره بنفسه عاد طهورًا.
. . إلى آخره.
ينبغي أن يعلم أنه لابد في هذه الحالة أيضًا من تقدير الواقع مخالفًا للماء.
وحينئذ فإن غيره ضر، وإلا فلا لأنه لا يزيد على ما إذا لم يغيره حالة الوقوع.
قوله في أصل "الروضة": فإن لم توجد رائحة النجاسة لطرح المسك فيه، أو طعمها لطرح الخل، أو لونها للزعفران؛ لم يطهر بالاتفاق.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ادعاه في المسك من الاتفاق لم يذكره الرافعي وليس كذلك أيضًا فقد حكاه فيه الخوارزمي في "الكافي" وجهين وقياس الباقي كذلك.
الأمر الثاني: أنه أشار بالمسك ونحوه إلى كون ذلك ممازجًا للماء فإن لم يكن ممازجًا كما لو ألقى فيه عودًا فزالت الرائحة فإنه يطهر كذا رأيت هذا الضابط بتمثيله في "فتاوي القفال" فتفطن له.
قوله: وإن طرح فيه التراب فلم يكف التغير فهل يعود طهورًا؟ فيه قولان] 49.
الجزء: 2 - الصفحة: 60
أحدهما: نعم لأن التراب لا يغلب عليه شيء من الأوصاف الثلاثة حتى يفرض سترها، فإذا لم يصادف تغيرًا أشعر ذلك بالزوال.
وأصحهما: لا يعود طهورًا؛ لأنه وإن لم تغلب هذه الأوصاف إلا إنه يكدر الماء، والكدورة من أسباب الستر فلا يدري معها أن التغير زائل أو مغلوب انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن النووي قد وافق في "الروضة" وفي أكثر كتبه على أنه لا يطهر، ثم خالف في "النكت" التي على "التنبيه" فصحح أنه يطهر وهذا التصحيح لا يلتفت إليه فاعلمه.
الثاني: أن التعليل الذي ذكره الرافعي في أخر كلامه يشعر بأن محل الخلاف إنما هو في حال كدورة الماء حتى إذا صفا ولم يبق فيه تغير فإنه يعود طهورًا بلا خلاف، والأمر كذلك فقد صرح به القفال في "فتاويه" والمتولي في "التتمة" والنووي في "شرح المهذب"، وحذف أعني النووي التعليل المذكور من "الروضة"، وأرسل الخلاف.
قوله: وذكر بعضهم أن هذا الخلاف مفروض في تغير الرائحة وأما لو تغير اللون لم يؤثر طرح التراب فيه بحال، والأصول المتعمدة ساكنة عن هذا التفصيل انتهى كلامه.
فأما البعض الذي أشار إليه ولم يصرح باسمه فهو العجلي شارح "الوسيط"، وسبب عدم التصريح به: معاصرته له؛ على أنه قد صرح أيضًا بالنقل عنه في الطلاق في المسألة السريجية وعظمه في أثناء النقل عنه.
وأما دعواه أن الأصول ساكتة عنه فعجيب، فقد صرح المحاملي
الجزء: 2 - الصفحة: 61
في "المجموع" بجريان الخلاف في الأوصاف الثلاثة، وصرح الروياني في "البحر" بالخلاف في اللون وسكت عما عداه إلا أن مقتضاه التعميم.
وصرح القاضي الحسين والفوراني والمتولي بالخلاف فيه وفي الطعم، واقتضى كلامهم: عدم القول به في الرائحة على عكس ما قاله العجلي.
وقد استدرك في "الروضة" هنا على الرافعي فقال: بل صرح المحاملي والفوراني بجريان الخلاف في التغير بالأوصاف الثلاثة وأضاف إليهما في "شرح المهذب" المتولي أيضًا، وقد ظهر لك أن ما نقله عن الفوراني والمتولي ليس الأمر فيه كذلك، وقد نقله في "المطلب" عنهما على الصواب.
قوله: وأما ما لا يدركه الطرف كنقطة الخمر والبول التي لا تبصر والذبابة التي تقع على النجاسة تم تطير عنه، لفظه في المختصر يشعر بأنه لا يؤثر، ونقل عن "الأم" عكسه واختلف الأصحاب فيها على سبعة طرق إحداها: قولان في الماء والثوب.
والثانية: تؤثر فيهما قطعًا.
والثالثة: لا قطعًا.
والرابعة: تؤثر في الماء، وفي الثوب قولان.
والخامسة: تؤثر في الثوب وفي الماء قولان.
والسادسة: يؤثر في الماء دون الثوب.
والسابعة: عكسه.
وظاهر المذهب عند المعظم هو التنجس.
الجزء: 2 - الصفحة: 62
ويتحصل من هذه الطرق أربعة أقوال.
أحدها: أنها تنجسهما كغيرها من النجاسات.
والثاني: لا لتعذر الاحتراز.
والثالث: تنجس الثوب دون الماء؛ لأن الماء له قوة تدفع النجاسة.
والرابع: عكسه لأن صون الماء بالتغطية ممكن بخلاف الثوب؛ ولأن وقوع ذلك غالبًا إنما هو بطيران الذباب، وفي طيرانها ما يجففها فيؤثر في الماء بخلاف الثوب حتى لو كان الثوب رطبًا كان كالماء عند صاحب هذه المقالة.
انتهى كلام الرافعي ملخصًا.
فيه أمران.
أحدهما: أنه لم يصح هو ولا النووي في "الروضة" شيئًا من الطرق، وإنما صححا أصل الحكم، والصحيح طريقة القولين فقد صححها الرافعي في "الشرح الصغير" والنووي في "التحقيق" "وشرح المهذب".
الأمر الثاني: لم يصرح الرافعي ولا النووي في "الروضة" بغير الماء المطلق كاللبن ونحوه، والماء المتغير بالطاهرات، ولا شك أنه يستفاد من كلام الرافعي السابق اختلاف في أن العلة في عدم تنجيسه للماء المطلق هل هي المشقة أو ما فيه من القوة الدافعة للنجاسة؟ فعلى الأول يتناول الماء وغيره، وعلى الثاني يختص بالماء.
وقد صرح في "المنهاج" بأن ذلك كله لا ينجس فقال: ويستثني ميتة لا دم لها سائل فلا تنجس مائعًا على المشهور، وكذا في قول نجس لا يدركه طرف.
قلت: ذا القول أظهر والله أعلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 63
وتقرير ما ذكرناه أن الرافعي في "المحرر" لم يعبر فيما لا دم له يسيل بالمائع بل بالماء فعبر به النووي ثم نبه عليه في "الدقائق" فقال: وقوله مائعًا أحسن من قول "المحرر" ماء؛ لأن المائع أعم والحكم سواء هذه عبارته.
ثم حكم على ما لا يدركه الطرف بما حكم به على ما لا نفس له سائلة حيث عبر بقوله: وكذا -أي: هذا الحكم- وهو: عدم تنجيس المائع ثابت فيما لا يدركه الطرف، ونقل في "الكفاية" عن بعض شراح "التنبيه" أنه ينجس به بلا خلاف.
ثم قال: ولست أعتقد صحته ثم استدل عليه بشيء فيه ضعف، وقد تحرر أمره واتضح بما ذكرناه.
قوله: بل لو كمل الماء الناقص عن القلتين بماء ورد وصار مستهلكًا فيه ثم وقعت فيه نجاسة تنجس وإن لم يتغير، وإنما لا تقبل النجاسة قلتان من محض الماء.
انتهى.
تابعه عليه في "الروضة" وهو مشكل، فإنهم قد جعلوا المائع المستهلك في الماء بمثابة الماء في جواز الطهارة به، وبالغوا فيه فأوجبوه كما تقدم فلم لا جعلوه بمثابته في عدم تنجيس الماء عند بلوغه به قلتين؟ .
قوله: ولو كوثر الماء النجس عاد طهورًا ثم قال: والعبرة بضم الماءين لا بخلطهما حتى لا يضر تمييز الصافي منهما عن الكدر.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" لكن ذكر بعد هذا في الكلام على ما إذا غمس كوزًا فيه ماء نجس في ماء كثير ما يعرفك أن الماءين إذا كانا على الأرض واتصلا بفتح حاجز فلابد من اتساعه ولا يكفي الضيق.
قوله: لو أضيف إليه ما يغمره ويغلب عليه ولكن لم يبلغ به قلتين لم يطهر
الجزء: 2 - الصفحة: 64
في أظهر الوجهين، فإن قلنا: يطهر لم تعد طهوريته.
انتهى.
والأكثرون على أنه يطهر وقد نبه عليه ابن الرفعة في "الكفاية".
قوله: إذا وقع في الماء الراكد الكثير نجاسة جامدة فهل يجوز الاغتراف مما حوالي النجاسة [أم يجب] 50 التباعد عنها بقدر قلتين؟ فيه قولان: القديم وهو ظاهر المذهب على خلاف الغالب أنه يجوز الاغتراف من أي موضع شاء ولا يجب التباعد لأنه طاهر كله بدليل حديث القلتين.
والجديد: أنه يجب لأن ما دون القلتين مما يجاور النجاسة لو كان وحده لكان نجسًا فكذلك إذا كان معه غيره وأثر الكثرة رفع النجاسة عما وراء ذلك القدر.
انتهى.
وما ذكره [من] 51 كون الفتوى على القديم تبعه عليه في "الروضة" أيضًا، لكن رأيت في "شرح الفروع" "وشرح التلخيص" كلاهما للشيخ أبي علي السنجي أن الشافعي نص في "اختلاف الحديث" على أنه لا يجب التباعد وهو من الجديد قال: وحينئذ فالفتوى إنما هي على الجديد، وقد نقله عنه أيضًا النووي في "شرح المهذب" وقال: إن القلتين يشترطان من كل جانب على الصحيح، وقيل: توزعان على الجوانب الأربعة.
قوله: وينبغي أن يبحث عن القولين في مسألة التباعد أهما في جواز الاستعمال بعد الاتفاق على الطهارة أم في الطهارة والنجاسة والتباعد يترتب عليهما؟ ثم قال: هذا فيه نظر وتأمل [وقد صرح بعض المعلقين عن الشيخ أبي محمد بالأول] 52. انتهى.
الجزء: 2 - الصفحة: 65
فيه أمور:
أحدها: أن الرافعي نفسه قد صرح في تعليل القولين بالثاني، كما تقدم نقله عنه، فكيف يستقيم معه أن يبدي ما أبداه من التردد.
ثم إن المسألة مشهورة مصرح بها في كتب العراقيين والخراسانيين وقد نبه عليه النووي في "شرح المهذب"، وفي "الروضة" أيضًا فقال: هذا التوقف عجيب فقد صرح بالأول أي بالطهارة جماعات منهم الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب وصاحب "الحاوي" والمحاملي وصاحب "الشامل" "والبيان" وآخرون وهو الصواب.
قال: وقطع بالثاني جماعة منهم القاضي الحسين وإمام الحرمين والبغوي وغيرهم حتى قال هؤلاء الثلاثة: لو كان قلتين فقط كان نجسًا على قول التباعد.
قلت: وجزم أيضًا الدارمي في "الاستذكار" وأبو الحسين الطبري في "العدة" بأنه طاهر.
والفوراني في "الإبانة" والخوارزمي في "الكافي" بأنه نجس.
الأمر الثاني: أن الشيخ أبا محمد قد نص على أنه نجس وقطع به على خلاف المنقول عنه هاهنا كذا رأيته في موضعين من كتاب "التبصرة" له ونقله عنه ابن الصلاح أيضًا فيما جمعه من الفوائد في رحلته إلى بلاد الشرق.
الثالث: أن الشافعي قد نص على المسألة وجعل الذي يجب التباعد عنه نجسًا، كذا رأيته في "شرح التلخيص" للقفال فقال ما نصه: قال الشافعى: وما حوالي الجيفة نجس حتى يتباعد عنه بقدر قلتين ويستعمل ما
الجزء: 2 - الصفحة: 66
وراء ذلك هذا لفظه.
ورأيت في "فتاويه" أيضا نحوه، وقد انقطع النزاع بذلك.
قوله في الزيادة المتقدم ذكرها: إن صاحب "الحاوي" والقاضي أبا الطيب ممن صرحا بالطهارة.
وليس كما قال في النقل عنهما.
فأما القاضي أبو الطيب فلم يصرح بشيء فإنه قال في تعليقه: فقد اختلف أصحبنا في كيفية استعماله على وجهين:
أحدهما: قاله أبو العباس ابن القاص وأبو إسحاق المروزي: أنه يجب أن يستعمل من موضع يكون بينه وبين النجاسة قدر قلتين ووجهه: أنه لا حاجة إلى أن يستعمل الماء وفيه نجاسة.
والوجه الثاني: قاله أبو العباس ابن سريج والاصطخري وهو الصحيح وعليه عامة أصحابنا: أنه يستعمل منه كيف شاء هذا كلامه.
وأما الماوردي فقال:
أحدهما: لا يجوز أن يستعمل من هذا الماء إلا من مكان يكون بينه وبين النجاسة قلتان اعتبارًا بأن ما قارب النجاسة كان أخص بحكمها.
والثاني: يجوز لأن الماء الواحد لا يتبعض حكمه وإنما يجري عليه حكم واحد في النجاسة أو الطهارة.
هذا موضع الحاجة من كلامه وهو وإن لم يكن صريحًا في كونهما في النجاسة فلا إشعار له بالطهارة أصلًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 67
الفصل الثالث في الماء الجاري
قوله: قال الغزالي: النهر المعتدل إذا وقعت فيه نجاسة مائعة لم تغيره فطاهر؛ إذ الأولون لم يحترزوا عن الأنهار الصغيرة.
قال الرافعي في شرحه له: كلام الغزالي هنا في الماء القليل وكأنه اختيار للقول القديم الذي حكاه صاحب "التلخيص" وغيره أن الماء الجاري لا ينجس إلا بالتغير، وذلك القول قد اختاره طائفة من الأصحاب ووجهوه بشيء آخر غير ما ذكره في الكتاب، وهو أن الماء الجاري وارد على النجاسة فلا ينجس إلا بالتغير كالماء الذي زالت به النجاسة.
انتهى كلامه ملخصًا من تفرق كبير.
وكلامنا معه موقوف على مقدمة.
فنقول: اختلف الأصحاب في محل القديم فقال في "التتمة": محله في الماء الذي يجري على النجاسة الواقفة وينفصل عنها، وقال: إن صاحب "التلخيص" رواه هكذا على القديم.
وقال القاضي أبو الطيب: محله في الجرية التي اشتملت على نجاسة جامدة تجري بجريان الماء لا قبلها ولا بعدها.
وكذا ذكره في "المهذب".
وقال الخوارزمي محله في النجاسة المائعة التي [لم] 53 تغير الماء.
وقال في "شرح المهذب": القديم جار في المائعة والجامدة الواقفة والجارية.
والحق: ما قاله في "التتمة" لاسيما وقد نقلوه صريحًا عن تصوير الشافعى، وتعليل الرافعي يدل له أيضًا، واستبعد في "الكفاية" تصوير
الجزء: 2 - الصفحة: 68
القاضي قال: لأن الجرية شبيهة بالماء الراكد.
إذا علمت ذلك فقد صرح الغزالي عقب هذا بأن القليل المار على النجاسة نجس، وألحق أيضًا الجارية بالجامدة وسأذكر لفظه عقب هذا، وحينئذ فيبطل قول الرافعي: إنهم وجهوه بأن الجاري وارد على النجاسة إلى آخره، فإن هذا تعليل ممن صور القديم بالماء المار عليها، وأخذ الرافعي حكمًا من قائل وتعليلًا من آخر، فلزم الجمع بين متنافيين، وهذا كله نشأ من تنزيل الرافعي كلام "الوجيز" على اختيار القديم.
قوله: في المائعة أيضًا وهذا إذا لم تغير الماء حسًا أو تقديرًا فإن غيرته فالقدر المتغير نجس وحكم غيره معه كحكمه مع النجاسة الجامدة.
انتهى كلامه.
وقد سبق في الماء الراكد أنه إذا تغير بعضه تنجس جميعه على ظاهر المذهب وحكى وجهًا موافقًا لما جزم به هاهنا.
وقد ذكر هو وغيره أن كل جرية من الماء الجاري لها حكم ماء مستقل فلزم حينئذ أن تكون المسألتان على حد سواء، وقد صرح هو به بعد هذا في آخر الفصل فقال: الثالث قضية كلام الأكثرين تلويحًا وتصريحًا أنه لا فرق بين الحريم وغيره لا في الماء الراكد ولا في الجاري؛ لأنه إن كان طاهرًا فلا معنى لوجوب الاجتناب، وإن كان نجسًا فليزمه نجاسة ما يجاوره بملاقاته حتى يتعدى إلى جميع الراكد وإلى جميع الجاري مما في عرض النهر هذه عبارته.
قوله: قال الغزالي: وإن كانت جامدة فإن كانت تجري بجريان الماء فما فوق النجاسة وهو الماء الذي لم يصل إلى النجاسة وما تحتها وهو الذي لم تصل النجاسة إليه طاهر، وما على يمينها وشمالها فيه طريقان: قيل: بطهارته، وقيل: بتخريجه على قولي التباعد.
الجزء: 2 - الصفحة: 69
وإن كانت النجاسة واقفة فالحكم ما سبق إلا أن ما يجري على النجاسة وينفصل عنها فهو نجس فيما دون القلتين.
انتهى كلام الغزالي.
وفيه أمور:
أحدهما: أن ما ذكره من طهارة الجريان التي بعد النجاسة والتي قبلها قد وافقه عليه الرافعي والنووي، وإطلاقه لا يستقيم، كما نبه عليه البغوي في "التهذيب"، ونقله عنه في "شرح المهذب" فقال: إن الجرية التي تعقب جرية النجاسة تغسل المحل فهي في حكم غسالة النجاسة.
والذي قاله البغوي ظاهر متعين حتى لو كانت نجاسة مغلظة فلابد من سبع جريات عليه، ثم إن ما عدا السابعة من تلك الجريات نجس أيضًا على تفاوت بين تلك الغسلات في عدد ما يجب الغسل منها وهو مذكور في حكم غسالة الكلب واضحًا فليراجع منه.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد ذكر عقب هذا أن منهم من أجرى خلاف التباعد فيما بعد النجاسة دون ما قبلها؛ لأن ما بعدها مستمد مما قبلها، وإن في كلام العراقيين ما يقتضي طرده في جميع الجوانب وهاتان الطريقتان لم يذكرهما في "الروضة".
الأمر الثالث: أن الطريقتين اللتين فيما على جانبي النجاسة لم يصحح الرافعي منهما شيئًا في هذا الكتاب وتبعه عليه في "الروضة" وصحح الرافعي في "الشرح الصغير" طريقة التخريج وعبر بالأظهر، وصحح النووي في "شرح الوسيط" المسمى "بالتنقيح" طريقة القطع، وهو الصواب فقد نقلها في "النهاية" عن الأكثرين.
وصرح -أعني الإمام- بأن الخلاف المذكور محله في الباقي من هذه
الجزء: 2 - الصفحة: 70
الجرية لا من غيرها، والطريقتان المذكورتان وهما الساقطتان من "الروضة" جاريتان أيضًا كما قاله الرافعي فيما يسامت النجاسة في العمق أو على وجه الماء.
الأمر الرابع: أنا قد استفدنا من لفظ الغزالي المذكور في أول المسألة أن الماء القليل إذا كان جاريًا لا ينجس إذا كانت النجاسة مائعة.
أو جامدة تجري بجريانه وأنه ينجس إذا كانت النجاسة جامدة وهو يمر عليها.
إذا تقرر هذا، فقد اعترض الرافعي في آخر الفصل على الغزالي فقال: إنه: لا يمكن أن تكون مسائل الفصل مفروضة في القليل وإلا كان خلاف التباعد جاريًا فيما على يمين النجاسة ويسارها مع قلة الماء وهو بعيد، بل الوجه الحكم بالنجاسة عند القلة، وكذلك ذكره صاحب "التهذيب" وغيره.
هذه عبارته.
وقد ظهر لك أن الاعتراض مردود وأن كلام الغزالي على العكس مما توهمه.
قوله: أما النهر العظيم فيجتنب فيه حريم النجاسة خاصة ولا يعود فيه الخلاف الذي ذكرناه في التباعد عما حوالي النجاسة في النهر المعتدل، كذا قاله الغزالي في "الوجيز" وحكى في [البسيط] 54 وجهًا أنه [لا] 55 يجري خلاف التباعد فيه أيضًا، ووجهًا آخر أنه لا يجب اجتناب الحريم ثم ذكر في "الوجيز" أن هذا الحريم مجتنب في الماء الراكد، وجزم في "البسيط" بأنه لا يجتنب وفرق بينه وبين الماء الجاري على أحد الوجهين بأن الراكد لا حركة له حتى ينفصل البعض عن البعض في الحكم، فكما يجوز الاغتراف مما بعد النجاسة يجوز الاغتراف من جوارها.
الجزء: 2 - الصفحة: 71
ثم قال: وقضية كلام الأكثرين تصريحًا وتلويحًا أنه لا فرق -أى في عدم الوجوب- بين الحريم وغيره لا في الماء الراكد ولا في الجاري.
انتهى ملخصًا.
وفيه أمران:
أحدهما: أن الصحيح جريان [خلاف] 56 التباعد في النهر العظيم على وفق الوجه المنقول عن "البسيط" مخالفًا لما جزم به في "الوجيز"، فقد صرح الرافعي في "الشرح الصغير" بأن الأكثرين قالوا به ونقل الفرق عن الإمام والغزالي خاصة، وصحح النووي في أصل "الروضة" الفرق بينهما كما قاله في "الوجيز" فاعلمه واجتنبه، فإن الرافعي لم يصحح في "الكبير" شيئًا، وقد بين في "الصغير" أن الأكثرين على خلافه.
وسبب وقوع النووي فيما وقع فيه أن الرافعي ذكر في أول الفصل أنه يشرح كلام الغزالي على ما هو عليه إلى آخر الفصل، ثم يتعقبه فلم يتعقب هذا ولا التزم القول بما فيه على ما هو عليه إلى آخر الفصل فلم يستحضر النووي حالة الاختصار ما قدمه أو استحضره فظن بسكوته عليه أنه المعروف فوقع فيما وقع.
ولا شك أن سكوت الرافعي وهم، ولم يتعرض في "شرح المهذب" لشيء من هذا بالكلية.
الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" قد اختصر موضع الخلاف بقوله: وفيه وجه: أنه يجب اجتناب الحريم خاصة وبه قطع الغزالي وطرده في حريم الراكد أيضًا.
هذه عبارته من غير زيادة عليها.
فدعواه أن الغزالي قطع به عجيب، فإن الرافعي قد نقل عنه أنه ذكر الخلاف في "البسيط"، وأما في "الوجيز" فإنه جزم ولم يقطع.
الجزء: 2 - الصفحة: 72
وقد تقدم في الخطبة أن الرافعي قد فرق بينهما.
ثم إن النووي قد أوهم كلامه أيضًا [القطع] 57 بذلك في الراكد، مع أن الرافعي قد نقل عنه أنه جزم في "البسيط" بعدم وجوب الاجتناب كما تقدم، فليته اقتصر على الحذف من الأصل ولم يزد فيدعي القطع.
قوله: ولابد من بيان العظيم والحريم، أما العظيم فقد قال الغزالي: إنه الذي يمكن التباعد فيه عن كل جانب من جوانب النجاسة بقدر قلتين والمعتدل ما لا يمكن فيه ذلك.
وقال الإمام: المعتدل هو الذي يفرض تغيره بالنجاسات المعتادة، والعظيم هو الذي يمكن تغيره بها.
قال: والبعرة في النهر المعتدل كالجيفة في الوادي، وأما الحريم فقال الغزالي: ما يتغير شكله بسبب النجاسة؛ أي بتحريكه إياها وانعطافه عليها والتفافه بها.
انتهى.
وهذا الخلاف الذي ذكره في "تفسيره العظيم" لم يصحح منه شيئًا في "الشرح الصغير" أيضًا، وصحح في "الروضة" ما قاله الغزالي ولم ينبه على أنه من زوائده بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.
قوله من زياداته: ولو توضأ من بئر ثم أخرج منها دجاجة منتفخة لم يلزمه أن يعيد صلاته إلا ما تيقن أنه صلاها بالماء النجس ذكره صاحب "العدة".
انتهى كلامه.
وهذه المسألة التي اقتضى كلامه أن الرافعي لم يذكرها واقتصر على نقلها عن صاحب "العدة" قد ذكرها الرافعي في قاعدة شاملة لها ولغيرها من النجاسات في شروط الصلاة في الضرب الخامس.
الجزء: 2 - الصفحة: 73
الفصل الرابع في إزالة النجاسة
قوله: أما نجس العين فلا يطهر بحال إلا الخمر فتطهر بالتخلل، وجلد الميتة فيطهر بالدباغ، والعلقة والمضغة والدم الذي هو حشو البيض إذا نجسناهن فاستحالت حيوانًا.
انتهى.
أهمل دم الظبية إذا استحال مسكًا، وإن كان قد ذكر المسك كما ذكر الجميع.
قوله: وأما غيره فالنجاسة تنقسم إلى حكمية وعينية فالحكمية وهي التي لا نجس مع يقين وجودها؛ كالبول إذا جف على المحل ولم يوجد له رائحة ولا أثر، فيكفي إجراء الماء على موردها، ولا يجب فيها عدد لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "حُتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء" 58. انتهى.
هذا الحديث رواه البخاري ومسلم بمعناه ولفظه عن أسماء أن امرأة سألت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ذلك فقال: "تحته ثم تقرصه بالماء" وفي رواية: "فلتقرصه ثم لتنضحه بماءٍ" 59.
والحت بالتاء المثناة هو الحك.
والقرص بالصاد المهملة هو القطع، ومعناه اقطعية واقلعيه بظفرك.
وقد تلخص من كلام الرافعي أن الحكمية هي التي لا يشاهد لها عين ولا يدرك لها طعم ولا لون ولا رائحة.
الجزء: 2 - الصفحة: 74
قوله: وأما العينية فلا يكفي فيها إجراء الماء بل لابد من محاولة إزالة أوصافها الثلاثة أو ما وجد منها، فإن بقى طعم لم يطهر؛ لأنه سهل الإزالة وبظهر تصويره فيما إذا دميت لثته أو تنجس فوه بنجاسة أخرى.
انتهى.
وتصوير الرافعي بهذا يشعر بأن اختيار المحل بالذوق لا يجوز ويدل عليه أن المجتهد في الأواني لا يجوز له ذلك كما نقله في "شرح المهذب" عن العمراني وأقره، وقد تقدم الكلام فيه هناك واضحًا فراجعه.
قوله: وإن بقى اللون وحده فإن كان سهل الإزالة فلا يطهر، وإن كان عسر الإزالة كدم الحيض يصيب الثوب وربما لا يزول بعد المبالغة والاستعانة بالحت والقرص فيطهر؛ لما روى عن خولة بنت يسار قالت: سألت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن دم الحيض فقال: "اغسليه" فقلت: أغسله فيبقي أثره، فقال: "يكفيك ولا [يضرك] 60 أثره" 61.
ثم قال بعد ذلك وقول الغزالي وإن بقى لون بعد الحت والقرص فمعفو عنه.
فيه مباحثتان: إحداهما: أن الاستعانة بالحت والقرص هل هي شرط أم لا؟ ظاهر كلامه يقتضي الاشتراط، وبه يشعر نقل بعضهم، لكن الذي نص عليه المعظم خلافه.
انتهى كلامه.
وهذا الذي نقله عن الجمهور من أنهم قالوا: إن اللون إذا كان لا يزول
الجزء: 2 - الصفحة: 75
بمجرد الماء وأمكن إزالته بالحت والقرص لا يجب الاستعانة على إزالته بهما على خلاف ما يقتضيه كلام الغزالي، وقد تابعه عليه النووي في "الروضة" وخالفه في "شرح الوسيط" المسمى "بالتنقيح" وهو كتاب محرر عمدة، ومن أواخر ما صنف فقال فيه في أثناء كلامه على المسألة: إن الأمر [كما] 62 قال الغزالي، وذكر مثله في "التحقيق" أيضًا فإنه قال: ولا يضر بقاء لون أو ريح عسر زواله، ثم قال بعد ذلك: وإذا أمكن إزالته، بأشنان ونحوه وجب.
وكلامه في "شرح المهذب" مضطرب فإنه ذكر أولًا أن الاستعانة على إزالته واجبة، ونقله عن الأصحاب قاطبة، ثم نقل عن الرافعي بعد ذلك بقليل أنه لا يجب وأقره عليه وهو يقتضي انفراد الرافعي به، وكأنه أراد أن يردفه بما ينبه على غلطه فنسى.
فلنكشف القناع عن هذه المسألة ونبين وجه الصواب فيها طالبين من الله التوفيق.
فنقول: الأثر له حالان:
أحدهما: أن يتوقف زواله على الاستعانة بشيء من حت أو قرصٍ؛ فالموجود فيه لأئمة المذهب هو الوجوب، فقد صرح به القاضي الحسين في "التعليق" والمتولي في "التتمة" والإمام في "النهاية" وهو مقتضى كلام الغزالي المتقدم، ونقله عنه ابن الرفعة في "الكفاية" ولم يحك غيره ونقله في "شرح المهذب" عن الأصحاب كما تقدم، وأوضحه في "البيان" فقال: فإن غسله وبقى له أثر لم يزله الماء ولا يزول إلا بالقطع عفي عنه هذا كلامه.
وقال ابن الصلاح: الحت هو الحك بعود أو نحوه، والقرص تقطيعه
الجزء: 2 - الصفحة: 76
بالظفر والصحيح وجوبه، هذا كلامه.
واستفدنا من كلامه حكاية وجه نحن ننازعه في ثبوته.
والظاهر أنه أخذه من كلام الرافعي هذا الذي قد تصدينا لدفعه.
وحكى الروياني في "البحر" [وجهين] 63 في وجوب الاستعانة بالأشنان ونحوه، ولا يلزم منه عدم وجوب الحت والقرص.
الثاني: ألا يتوقف زوال الأثر عليه فيستحب فعله للخروج من خلاف داود، فإنه أوجبه لظاهر قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "حتيه" الحديث وقد صرح باستحبابه في هذه الحالة الماوردي في "الحاوي" وغيره، ونقله أيضًا ابن الرفعة.
فإذا علمت هذا ظهر لك أن المسألة في الحقيقة لا خلاف فيها، وأن الكلام المختلف محمول على حالين.
فالمعظم الذين نقل الرافعي عنهم الاستحباب مرادهم فيما إذا لم يتوقف الزوال عليه.
وإيجاب الغزالي له وكذلك الأصحاب أيضًا كما نقله عنهم في "شرح المهذب" وغيره إنما هو فيما إذا لم توقف عليه كما تقدم من عبارة الغزالي وبه يندفع هذا التعارض العجيب.
ويدل عليه أنه لو كان في المسألة خلاف محقق فلا جائز أن يكون محله عند عدم التوقف؛ لأن الواجب شرعًا إنما هو الإزالة وقد حصلت، وأيضًا فإنه لا يعرف ذلك إلا عن الظاهرية ولا يعرف خلاف فيه عندنا إلا ما أوهمه النقل السابق، ولا جائز أن يكون عند التوقف؛ لأن الأثر إذا كان يزول بالحت والقرص فلا عسر فيه قطعًا، فكيف يكون [مستحبًا] 64 عند الجمهور
الجزء: 2 - الصفحة: 77
مع اتفاقهم على أن الذي يعفي عنه إنما هو العسر؟ وقد جزم به أيضًا الرافعي قبيل هذا الكلام كما تقدم نقله عنه.
وليت شعري كيف استقام له عدم الوجوب مع السهولة، وكيف استقام له أيضًا الجمع بين الكلامين، ومن تأمل ما ذكرناه علم صحته ولم يختلج في صدره خلافه.
فلله الحمد.
وحديث خولة رواه أحمد وأبو داود ولكن في إسناده ابن لهيعة، وقد ضعفوه لسوء حفظه، ووثقه بعضهم 65.
وخولة بخاء معجمة مفتوحة ويسار بياء مثناة من تحت مفتوحة بعدها سين مهملة.
قوله: في الروضة: وإن بقيت الرائحة فقولان: وقيل: وجهان أظهرهما: يطهر.
انتهى كلامه.
لكن إذا قلنا: لا يطهر فإنه يعفي عنه كدم البراغيث، كذا نقله الرافعي عن "التتمة" وأقره ولم يحك خلافه، وحذفه النووي فلم يذكره في "الروضة" وهو غريب.
نعم: ذكر جماعة غير الرافعي أنه على هذا القول لا يعفي عنه.
قوله: ثم أطلق الأكثرون القول بطهارة ذي اللون العسر، ويجوز أن يقال: إنه نجس معفو عنه.
انتهى.
وما ذكره بحثًا واقتضى كلامه عدم الوقوف على نقله قد صرح به في "البحر" في باب ما يفسد الماء وهو [بعد] 66 التيمم، فقال: فإن تعذر
الجزء: 2 - الصفحة: 78
إزالة اللون فهل نحكم بطهارة الثوب أم بالعفو مع النجاسة؟ وجهان هذه عبارته.
قوله: وروي في اللون أيضًا وجه أنه لا يطهر المحل ما دام باقيًا ذكره في "التتمة" ونسبه إمام الحرمين إلى صاحب "التلخيص" فلو أعلمت على قول الغزالي فمعفو إشارة إلى هذا الوجه لم يكن به بأس.
انتهى.
ذكر في "الروضة" نحوه أيضًا وفيه أمران.
أحدهما: أن الخلاف في اللون قولان حكاهما المزني في "جامعه الكبير"، كذا ذكره المرعشي في كتابه المسمى "ترتيب الأقسام".
الثاني: أن ما توهمه الرافعي من كون المراد من هذا الوجه هو عدم العفو حتى أنه قال: ينبغي لأجله إعلام العفو الواقع في كلام الغزالي بالواو ليس كذلك ولا ثبوت له في "التتمة" ولا في "النهاية".
أما "التتمة": فقد صرح -أعني المتولي- في آخر الكلام بأنه نجس معفو عنه، وكأن الرافعي نظر إلى أوله دون آخره.
وأما "النهاية" فالذي فيها عدم الطهارة ولا يلزم منه عدم العفو.
نعم: ذهب غير هذين إلى أنه لا يعفي عنه، ويتلخص من كلام الروياني وغيره من الأصحاب في العفو عنهما مقالات: ثالثها: يعفي عن اللون دون الريح.
رابعها: عكسه.
خامسها: يعفي عن لون الدم دون لون غيره.
سادسها: يعفي عن الريح في الأرض دون غيرها.
سابعها: في الأواني خاصة.
الجزء: 2 - الصفحة: 79
قوله: وإن بقى اللون والرائحة معًا فلا يطهر المحل لقوة دلالتهما على بقاء العين، وفيه وجه ضعيف.
انتهى كلامه.
وهذا التعليل الذي ذكره قد حذفه من "الروضة" وهو يدل على أن صورة المسألة فيما إذا بقيا في محل واحد فإن بقيا متفرقين لم يضر، والمسألة قريبة مما إذا كان على ثوبه أو بدنه دماء متفرقة كل منها قليل، ولو اجتمعت لكثرت، وفيها احتمالان للإمام وميله إلى العفو، وكلام التتمة يقتضي الجزم بخلافه.
قوله: وهل يطهر الثوب قبل العصر؟ على وجهين بنوهما على أن الغسالة طاهرة أو نجسة؟ فإن قلنا: إنها طاهرة فلا حاجة إلى العصر وهو الأصح وإلا فيجب، وعلى هذا فهل يكتفي بالجفاف؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم لأنه أبلغ، ونضوب الماء في الأرض كالعصر في الثوب انتهى ملخصًا.
تابعه في "الروضة" "وشرح المهذب" على إطلاق محل الخلاف في العصر ومحله فيما إذا صب الماء عليه في إجانة ونحوها وبقيا معًا.
فأما لو صبه عليه وهو في يده فجرى عليه فلا حاجة إلى العصر كذا صرح به البندنيجي في "تعليقه"، وذكره أيضا الروياني في "البحر" والخوارزمي في "الكافي" وغيرهم.
ويقال: نضب الماء بفتح الضاد المعجمة ينضب بالضم نضوبًا إذا غار في الأرض قاله الجوهري.
قوله: وهذا كله إذا ورد الماء على المحل، فإن عكس والماء قليل لم يطهر.
وقال ابن سريج: يطهر ومحله فيما إذا قصد بالغمس إزالة النجاسة،
الجزء: 2 - الصفحة: 80
فأما لو ألقته الريح فإنه ينجس الماء بلا خلاف.
قال الأئمة: ومن هذا نشأ ظن من نقل عن ابن سريج: أنه يشترط النية في إزالة النجاسة.
انتهى كلامه.
ودعواه أنه لا خلاف في نجاسة الماء غريب فقد نقل في الباب السابق عن الروياني: أن القليل كالكثير لا ينجس إلا بالتغير على وفق ما قاله مالك، واختاره أيضًا الغزالي في "الإحياء" وسنعود في أول صفة الوضوء إلى كلام يتعلق بما نحن فيه.
قوله: أيضًا وإذا صار بالأرض بول فيجب أن يصب عليها من الماء ما يغلب عليه ويغمره هذا ظاهر المذهب، وروى وجه أنه يجب سبعة أضعاف البول، ووجه بأنه يجب لبول الواحد ذنوب ولبول الاثنين ذنوبان، وعلى هذا أبدًا.
ثم قال: وسائر النجاسات المائعة كالبول فتطهر الأرض عنها بالمكاثرة من غير تقدير على ظاهرة المذهب.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن التقدير في هذه المسألة بالوجهين السابقين وفيه بعد لاسيما الثاني فتأمله.
الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" قد عبر عن ظاهر المذهب المذكور ثانيًا: بأئمة المذهب وهو سهو على اصطلاحه فإن الرافعي لم يذكر فيها شيئًا من الطرق.
قوله: وفي القديم قول: إن الأرض النجسة تطهر بزوال أثر النجاسة بالشمس والريح ومرور الزمان فخرج [أبو زيد] 67 والخضري وآخرون منه
الجزء: 2 - الصفحة: 81
قولان أن النار تطهر.
انتهى.
تابعه النووي في "الروضة" على حكاية هذا القول عن القديم ورأيت في "التقريب" للإمام القاسم ابن القفال الكبير الشاشي أن الشافعي نص في "الإملاء" على أن الأرض تطهر بالشمس ثم رأيت مثله في كتاب التيمم من "شرح التلخيص" للقفال المروزي.
وفي "السلسلة" للشيخ أبي محمد "والمهذب" للشيخ أبي إسحاق وغيرهم: وحينئذ فيكون التطهير بها وبالنار قولًا واحدًا جديدًا لا قديمًا؛ لأن "الإملاء" من الكتب الجديدة كما قاله الرافعي في مواضع كثيرة، منها: صلاة الجماعة.
وأن الجديد إذا أطلقوه في مقابلته أرادوا به "الأم".
قوله من "زوائده": ولو سقيت سكين ماء نجسًا ثم غسلها طهر ظاهرها، وهل يطهر باطنها بمجرد الغسل أم لا يطهر حتى يسقها مرة ثانية بماء طهور؟ وجهان:
قطع القاضي الحسين [والمتولى] 68 بأنه يجب سقيها.
واختار الشاشي الاكتفاء بالغسل وهو المنصوص.
قال الشافعي في "الأم" في باب صلاة الخوف: لو أحمى حديدة ثم صب عليها سمًا نجسًا أو غمسها فيه فشربته ثم غسلت بالماء طهرت؛ لأن الطهارات كلها إنما جعلت على ما يظهر ليس على الأجواف.
هذا نصه.
قال المتولي: وإذا شرطنا السقي جاز أن يقطع به الأشياء الرطبة قبل السقي كما يقطع اليابسة.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "شرح المهذب" وهذا الذي نقله عن النص قد صرح بتصحيحه في "التحقيق" وغيره، ولفظه في "التحقيق": ولو سقي
الجزء: 2 - الصفحة: 82
سكينًا ماء نجسًا أو طُبخ به لحم طهرا بالغسل، وقيل: يشترط لطهارة باطنها سقيها ماءً طهورًا وطبخه به.
هذه عبارته.
وما ذكر هنا من طهارة باطنها بمجرد غسل الظاهر لا يجتمع مع ما ذكروه في الآخر فإنهم قالوا: إذا عجن اللبن بمائع نجس ثم طبخه وفرعنا على الجديد، وهو أن النار لا تطهر فإن كان رخوًا طهر ظاهره وباطنه بالغسل، وإن صلبًا متحجرًا طهر ظاهره، ولا يطهر الباطن إلا بأن يدق حتى يصير ترابًا ثم يفاض الماء عليه.
وقد ذكره النووي هكذا قبيل ذلك بقليل ولا وجه إلا التسوية والقياس هو المذكور في الآجر.
ونقل البندنيجي في باب صلاة الخوف من "تعليقه" هذا النص المذكور في السكين ثم قال: وهذا خلاف أصوله لأنه يقول في الآخر كذا وكذا.
قوله: فيها أيضًا: فكالدهن لا يمكن تطهيره على الأصح.
انتهى.
هذه المسألة ذكرها الرافعي -رحمه الله- في أوائل البيع مبسوطة، ومحل الخلاف كما قاله في "الكفاية" فيما إذا تنجس ببول أو خمر ونحوهما مما لا دهنية فيه، فإن تنجس بودك الميتة لم يطهر بلا خلاف.
قوله: أيضًا من زوائده: قال المتولي: ولو غُسل ثوب عن نجاسة فوقعت عليه نجاسة عقب عصره هل يجب غسل جميع الثوب أم يكفي غسل موضع النجاسة؟ وجهان، الصحيح: الثاني.
انتهى كلامه.
وهذا التصحيح من كلام النووي؛ لأن للمتولي على خلاف المتبادر من كلامه فتفطن له، وقد ذكره في "شرح المهذب" على الصواب.
قوله: إلا في بول صبي لم يطعم ولم يشرب سوى اللبن فيكفي فيه الرش
الجزء: 2 - الصفحة: 83
لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إنما يغسل من بول الصبية ويرش على بول الغلام" 69 انتهى.
تابعه عليه في "الروضة" وفيه أمور:
أحدها: أن تعبيره بقوله: سوى اللبن لا يستقيم إطلاقه فقد ذكر النووي في "تهذيب الأسماء واللغات" وفي النكت التي له على التنبيه" أن تحنيك الصبي بالتمر في أول ولادته لا يضر.
وذكر الشيخ تاج الدين في "الإقليد" نحوه، وكلامه في "شرح المهذب" يدل على ما هو أعم منه، فإنه عبر بقوله: لم يأكل غير اللبن للتغذي، وذكر نحوه في "شرح مسلم" وهذه العبارة تدل على أن السفوف والأشربة ونحوها مما يستعمل للإصلاح لا يضر، وعبر في "الكفاية" بقوله: لم يطعم ما يستقل به كخبز ونحوه، وكأنه أراد ما ذكره ابن يونس "شارح التنبيه" بقوله: لم يستقل بالطعام أي يكفيه الطعام عن اللبن، وقال ابن يونس "شارح التعجيز": المراد أن يكون غير اللبن غالبًا في غذائه.
وقال الموفق حمزة بن يوسف الحموني "في شرح التنبيه" معنى قوله: يطعم: أى يستقل بجعل الطعام في فيه والعمدة هنا على ما في "شرح المهذب".
الثاني: أن كلامه يقتضي أن الخنثى ملحق في ذلك بالأنثى وهو كذلك.
فقد صرح به البغوي في "التهذيب" ونقله عنه في "الروضة"، وأقره وجزم به في "التحقيق" وجزم به أيضًا الخوارزمي في "الكافي".
الجزء: 2 - الصفحة: 84
الثالث: أن إطلاق المصنف وغيره يقتضي أنه لا فرق في اللبن بين أن يكون من آدمي أو غيره وهو متجه.
الرابع: أنه يقتضي أنه لا فرق بين الرضاع في الحولين وبين ما بعده، والقواعد تأباه، ولهذا فإن الأعراب الذين لا يتناولون إلا اللبن يجب الغسل من بولهم بلا شك، وقد صرح بنقل ذلك عن الشافعي بعض من علق على "الوسيط" ممن هو في طبقة شيوخنا فقال: قال الشافعي: والرضاع بعد الحولين بمنزلة الطعام والشراب.
واعلم: أن الحديث السابق ذكره صحيح صححه ابن خزيمة والحاكم وقال البخاري والترمذي: إنه حسن ولكن لفظهم فيه مخالف للمذكور هنا، واللفظ المعروف فيه: "يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام".
قوله: وهل يلتحق بول الصبية ببول الصبي؟ فيه وجهان أصحهما: لا للخبر، والفرق من جهة المعنى أن بول الصبية أصفر ثخين وطبعها أحر فبولها بالمحل ألصق انتهى.
تابعه في "الروضة" على حكاية الخلاف وجهين مع أنه قولان، فأما التفرقة: فهي المعروف من نصه وأما الإلحاق: فنقله البيهقي في "سننه" ثم ابن الصلاح ثم النووي في "شرح المهذب" ولفظ الشافعي: ولو غسل بول الجارية كان [أحب إلى] 70 إحتياطيًا، وإن رش عليه ما لم تأكل الطعام أجزأ إن شاء الله تعالى.
واعلم أن ابن ماجه في "سننه" قد نقل عن الشافعي فرقًا لطيفًا فقال، حدثنا أحمد بن موسى بن معقل، أبو اليمان المصري قال: سألت الشافعي
الجزء: 2 - الصفحة: 85
عن ذلك فقال: إن الله لما خلق آدم خُلقت حواء من ضلعه القصير فصار بول الغلام من الماء والطين وبول الجارية من اللحم والدم هذا كلامه.
قوله: ولوغ الكلب ما ولغ فيه والولوغ المصدر انتهى.
اعلم أن الأول بالفتح، والثاني بالضم.
قوله: وقاعدة الفرع: أنه يغسل من ولوغ الكلب سبعًا إحداهن بالتراب لما رواه أبو هريرة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه وليغسله سبعًا أولاهن أو أخراهن بالتراب" 71. انتهى.
اعلم أن تجويز التعفير في غير الأولى والأخرى مردود استدلالًا ونقلًا.
أما الأول؛ فلأن الروايات الواردة في هذا الباب أربعة.
إحداها: أولاهن رواها مسلم.
والثانية: إحداهن بالحاء المهملة رواها الدارقطني [من رواية علي] 72 ولم يضعفها، وذكر المصنف في "المسائل المنثورة" أنها رواية ثابتة.
والثالثة: رواها أبو داود 73 "فاغسلوه سبع مرات السابعة بالتراب" وهذه الرواية هي معنى ما رواه مسلم "وعفروه" الثامنة بالتراب، قال الأصحاب: وإنما سميت ثامنة باعتبار استعمال التراب معها.
الجزء: 2 - الصفحة: 86
والرابعة: رواها الدارقطنى 74 أيضًا بإسناد صحيح كما قاله في "شرح المهذب": "أخراهن أو أولاهن" أعني بصيغة أو، وهذه الرواية هي التي اقتصر الرافعي عليها، وحينئذ فقول: "إحداهن" إن لم يثبت، وهو مقتضى كلامه في "شرح المهذب" وكلام غيره أيضًا فواضح وإن تثبت فهي مطلقة، وقد قيدت بالأولى في رواية وبالأخرى في أخرى فلا يجوز التعفير فيما عداهما لاتفاق القيدين على نفيه ولكن يتخير بينهما لأنهما؛ لما تعارضا ولم يكن أحدهما أولى من الآخر تساقطا وبقى التخيير فيما حصل فيه التعارض لا في غيره، ويدل عليه التصريح بالتخيير بينهما في رواية صحيحة كما سبق.
وأما الأمر الثاني: وهو النقل فلأن الشافعي قد نص على تعين الأولى أو الأخرى على وفق ما ذكرناه فقال في "البويطي" ما نصه قال: يعني الشافعي: وإذا ولغ الكلب في الإناء غسل سبعًا أولاهن أو أخراهن بالتراب ولا يطهره غير ذلك، وكذلك روى عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. هذا لفظه بحروفه ومن "البويطي" نقلت.
وذكر في "الأم" قريبًا منه أيضًا، وقد اطلع على هذا النص جماعة من الأصحاب فجزموا في كتبهم بمقتضاه منهم الزبيري في "الكافي" والمرعشي في كتابه المسمى "بترتيب الأقسام"، وابن جابر كما نقله الدارمي في "الاستذكار" عنه، فثبت أن هذا هو مذهب الشافعي وأنه هو الصواب من جهة الدليل أيضًا فتعين الأخذ به واطراح ما عداه، فلله الحمد والمنة على التوفيق لذلك.
قوله: في "الروضة": وفيما سوى الولوغ وجه شاذ أنه يكفي غسله مرة كسائر النجاسات.
انتهى كلامه.
وهو يقتضي أن صاحب هذا الوجه يقول: إنه إذا تطاير شيء من
الجزء: 2 - الصفحة: 87
اللعاب لا مع الولوغ يكفي فيه مرة وليس كذلك، فإن الرافعي نقل عن صاحبه الوجه أنه دائر مع اللعاب لا مع الولوغ [فقال: وفيه وجه أن غير اللعاب كسائر النجاسات قياسًا.
وعند مالك لا يغسل من غير الولوغ؛ لأن الكلب طاهر عنده والغسل من الولوغ تعبد هذا لفظه.
واعلم أن النووي في "شرح المهذب" قد رجح هذا الوجه الذي صرح في "الروضة" بشذوذه فقال: وهذ الوجه متجه وقوى من جهة الدليل لأن الأمر بالغسل سبعًا من الولوغ إنما كان لتنفيرهم عن مؤاكلة الكلاب هذه عبارته وحينئذ فيحمل الشذوذ على أنه من جهة النقل.
قوله: الثانية هل يلحق الخنزير بالكلب في هذا التغليظ؟ فيه قولان.
الجديد وبه قطع بعضهم أنه يلتحق به لأنه نجس العين فكان كالكلب، بل أولى بالتغليظ؛ لأنه لا يجوز اقتناؤه بحال.
والقديم أنه كسائر النجاسات؛ لأن التغليظ في الكلب إنما ورد فطمًا لهم عما يعتادونه من مخالطتها.
انتهى.
تابعه عليه في "الروضة" وفيه أمران:
أحدهما: أن ما صححه من طريقه القولين قد خالفه في "شرح المهذب" فقال: فيه طريقان.
أحدهما: فيه قولان وهي طريقة ابن القاص.
ثم قال: والطريق الثاني: يجب سبع قطعًا وبه قال الجمهور وتأولوا نصه في القديم هذه عبارته، فثبت بذلك حينئذ أن الراجح خلاف ما في "الرافعي" "والروضة".
الأمر الثاني: أن النووي قد رجح في الشرح المذكور أنه يكفي مرة واحدة فقال: واعلم أن الراجح من حيث الدليل أنه يكفي غسلة واحدة بلا
الجزء: 2 - الصفحة: 88
تراب، وبه قال أكثر العلماء الذين قالوا بنجاسة الخنزير، وهذا هو المختار، لأن الأصل عدم الوجوب حتى يرد الشرع لاسيما في هذه المسألة المبينة على التعبد.
هذا لفظه.
وذكر مثله في "شرح الوسيط" المسمى "بالتنقيح" ولم يتعرض لذلك في باقي كتبه.
قوله: الثالثة هل يقوم الصابون والأشنان مقام التراب؟
فيه ثلاثة أقوال:
أظهرها: لا، لظاهر الخبر؛ ولأنها طهارة متعلقة بالتراب فلا يقوم غيره مقامه كالتيمم.
والثاني: نعم.
والثالث: إن وجد التراب لم يعدل إلى غيره، وإلا عدل للضرورة، وقيل: يجوز فيما يفسده التراب كالثياب دون الأواني.
انتهى كلامه ملخصًا.
فيه أمور:
أحدها: أن الأصحاب قد أدخلوا الرمل في اسم التراب وصححوا بجواز التيمم به إذا لو كان ناعمًا له غبار كما ستعرفه، وأوضحه النووي في فتاويه فقال: لو سحق الرمل وتيمم به جاز وإذا تقرر هذا تعين أن يكون مجزئًا في الولوغ أيضًا؛ لأن مشروعية التراب إما للاستطهار أو الجمع بين توني الطهور أو للتعبد بإطلاق الاسم وكل منهما موجود في الرمل فيلزم القول بجوازه فاعلمه فليس في كلامهم هنا ما ينفيه.
الأمر الثاني: أن النووي في "أصل الروضة" وفي أكثر كتبه قد وافق الرافعي على عدم الإجزاء في الصابون والأشنان، وخالف في التصنيف المسمى "برؤوس المسائل".
فقال فيه: الأصح الإجزاء، والعمل على ما قاله في غيره.
الجزء: 2 - الصفحة: 89
والقائل بالإجزاء لا يخصه بالصابون والأشنان بل يعديه إلى كل مزيل صرح به الرافعي في المسألة التي ذكرها بعد هذه المسألة، ونقله في "الروضة" إلى هنا.
هو وقد صرح القاضي حسين بأن الدقيق يجري على هذا القول، وصرح غيره بإجزاء.
النخالة أيضًا.
كذا رأيته في "المفتاح" لابن القاص و"التهذيب" لأبي علي الزجاجي وهو المعروف "بزيادة المفتاح" و"البحر" للروياني.
و"البلغة" للجرجاني "والعدة" لأبي الحسين الطبري، ولك أن تتوقف في جواز استعمال الدقيق ونحوه.
الأمر الثالث: أن الرافعي في "الشرح الصغير" قد حكى هذه الثلاثة الأوجه على عكس ما جزم به هاهنا.
قوله: ومنهم من بناه على الخلاف فيما إذا غمس الإناء الذي ولغ فيه الكلب في ماءٍ كثير هل يطهر أم لا يعتد بذلك إلا غسلة واحدة؟ انتهى والأصح حسبانه مرة فقد قال الرافعي في "الشرح الصغير": إنه الأظهر وصححه النووي في "شرح المهذب" و"التحقيق"، واختصر في "الروضة" [هذا الموضع بقوله: -ولا يكفي غمس الإناء والثوب في الماء الكثير.
في الأصح هذا] 75 لفظه من غير زيادة ويتوجه عليه ثلاث اعتراضات.
أحدها: أنه لم ينبه على أن التصحيح المذكور من زوائده.
والثاني: أن الرافعي قد نص على أنا إذا قلنا: لا يطهر حسبت مرة وذلك لا يؤخذ من كلام "الروضة".
والثالث: أن الخلاف المذكور قولان لا وجهان فإنه في "شرح المهذب"
الجزء: 2 - الصفحة: 90
قد حكى في المسألة خمسة أقوال.
الأول والثاني: ما ذكره الرافعي.
والثالث: يحسب ستًا وتجب سابعة بتراب.
والرابع: إن كان الكلب أصاب نفس الإناء حسبت غسلة وإن أصاب الماء الذي في الإناء [فتنجس الإناء] 76 تبعًا له حسبت سبعًا.
لأنه تنجس تبعًا فطهر تبعًا.
والخامس: إن كان الإناء ضيق الرأس حسبت مرة، وإن كان واسعًا طهر، ثم قال: والأظهر حسبانه مرة.
وفي "الكفاية" وجه سادس أنه إن مكث الإناء مقدار -غسله سبع مرات طهر وإلا فلا، ويأتي مما سيأتي وجه سابع أنه يحسب سبعًا ويبقى التعفير فقط حتى إذا أصاب الأرض لم يحتج إلى شيء إذا مزجه بمائع كفي.
قوله: السادس لا يكفي ذر التراب على المحل؛ بل لابد من مائع يمزجه به.
انتهى.
- لم يبين -رحمه الله- كيفية المزج ولا مقدار التراب الممزوج.
فأما كيفية المزج: فإنه مخير بين أن يجعل التراب في الماء أو الماء في التراب، أو يأخذ الماء الكدر من موضع ثم -يغسل به، كذا قاله في "شرح المهذب"، ولو وضع التراب على المحل وأورد عليه الماء لم يكف كذا رأيته في "التبصرة" للشيخ أبي محمد وهو مقتضى، كلام غيره، وجزم ابن الرفعة في "الكفاية" بالجواز، ولا شك أن العكس كذلك أيضا إلا أن الذي ذكره مردود.
الجزء: 2 - الصفحة: 91
وأما الثاني وهو مقدار التراب فالمعروف أنه: ما يكدر الماء ويصل بواسطته إلى جميع أجزاء المحل، وقيل: ما يطلق عليه الاسم؛ حكاه في "شرح المهذب".
- قوله: ثم ذلك المائع إن كان ماء حصل الغرض وإن كان غيره، كالخل وماء الورد وغسله ستًا بالماء فوجهان.
أحدهما: يكفي لأن المقصود من تلك الغسله هو التراب.
وأصحهما: لا.
انتهى كلامه.
ذكر مثله النووي في "شرح المهذب" "والروضة" وهو يشعر بأن هذا الخلاف إنما هو فيما إذا اقتصر على ست غسلات بالماء حتى إذا غسله بالماء سبعًا فإنه يكفي التراب الممزوج بالمائع جزمًا -وقد صرح به بعضهم لكن صرح النووي في "شرح الوسيط" المسمى "بالتنقيح" بأن الخلاف في المسألتين، وأن الصحيح فيهما عدم الإجزاء.
غير أنه جعل الخلاف في المسألة الثانية مرتبًا على الخلاف في الأولى، فاعلم ذلك واجتنب الإيهام الحاصل في هذين الكتابين.
والظاهر أن الرافعي كان يريد ذكره هكذا فتركه نسيانًا، أو قاله ولكن سقط من المسودة، وإلا فكيف يترك الكلام على ما احترز عنه وهو في محل النظر، ويدل عليه كلام "الشرح الصغير" "والمحرر" "والتحقيق" "والمنهاج" يقتضي ما في "الشرح الوسيط" أيضًا، فإن فيها تصحيح عدم الإجزاء من غير تقيد بشيء.
نعم: لو مزج التراب أولًا بالمائع ثم استعمله مع الماء جاز قطعًا كما نبه عليه ابن الصلاح في "مشكل الوسيط" قال: ولا يتجه فيه خلاف إلا
الجزء: 2 - الصفحة: 92
وجه بعيد في أن التراب تزول طهوريته تزول بالخل ونحوه.
قوله من "زوائده": ولو كانت نجاسة الكلب عينية كدمه فلم يزل إلا بست غسلات مثلًا، فهل يحسب ذلك ستًا أم واحدة أم لا يحسب شيئًا؟
فيه ثلاثة أوجه، أصحها: واحدة.
انتهى.
كذا ذكره أيضًا في "التحقيق" "وتعليقه على الوسيط" وهذا التصحيح لم ينقله في المبسوطات عن أحد بل إنما قاله تفقها على ما بينه فيها فقال في "شرح المهذب" بعد حكاية الأوجه: ولم أر من صرح بأصحها، ولعل أصحها أنه يحسب مرة كما قال الأصحاب: يستحب غسل النجاسة من غير الكلب ثلاث مرات، فإن لم تزل عينها إلا بغسلات استحب بعد زوال العين غسله ثانية وثالثة، فجعلوا ما زالت به العين غسلة واحدة هذه عبارته.
قلت: وقد ذكر القاضي الحسين هذه المسألة -في تعليقه قبيل باب سنن الوضوء بأسطر وصحح حسبانها من السبع واستدل- بدليلين متعينين فقال: والثاني وهو الصحيح: أنه يحسب، كما لو ولغ الكلب في الإناء، فالغسلة الأولى لإزالة العين؛ لأنه حصل هناك عين من النجاسة، وإن كنا لا نراه لم يحسب ذلك من السبع، فكذلك هاهنا، ثم قاسه أيضًا على العدد المأمور به في الاستنجاء، وقد صححه أيضًا الرافعي في "الشرح الصغير" فلتكن الفتوى عليه.
قوله: وكذلك لما تعجبوا من إصغاء رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الإناء للهرة قال: "إنها ليست بنجسة إنها من الطوافين عليكم" انتهى كلامه.
الجزء: 2 - الصفحة: 93
والإصغاء هو الإمالة، تقول: صغى بفتح الأول والثاني، يصغو ويصغي بكسر الغين صغوًا بضم الصاد والغين وتشديد الواو، وصغى بكسر الغين أيضًا، يصغي صغًا على وزن يهوي هوى، وصغيًا بضم الصاد وكسر الغين وتشديد الياء إذا مال، وأصغيت إلى فلان إذا ملت بسمعك إليه، وأصغيت الإناء أملته قاله الجوهري.
واعلم أن هذا الحديث قد رواه مالك في "الموطأ" والشافعي وأبو داود والترمذي.
عن كبشة بالباء الموحدة الساكنة والشين المعجمة بنت كعب بن مالك وكانت تحت أبي قتادة قالت: دخل أبي قتادة فسكبت له وضوءًا فجاءت هرة تشرب منه فأصغى لها الإناء حتى شربت، قالت كبشة: فرآني أنظر إليه فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ فقلت: نعم، فقال: إن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إنها ليست بنجسة إنها من الطوافين عليكم والطوافات" 77 قال الترمذي: حسن صحيح.
وحاصله أن الإصغاء صدر من أبي قتادة لا من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كما ذكره الرافعي، وقد اختلفوا في رواية الحديث، فرواه بعضه كما ذكرناه.
ورواية مالك وكانت تحت ابن أبي قتادة ورواية ابن ماجه بعض ولد أبي قتادة وفيها والطوافات بالواو، ورواه الدارمي بأو ورواية الربيع عن الشافعي
الجزء: 2 - الصفحة: 94
في موضع وكانت تحت أبي قتادة أو ابن أبي قتادة وقال فيه: أو الطوافات، فأتى بأو في الموضعين، قال البيهقي: الشك من الربيع، وقد رواه عنه في موضع آخر مجزومًا بأنه ابنه واختلفوا في معنى أو الأخيرة، فقيل: للشك وقيل: إشارة إلى النوعين الذكور والإناث كما في رواية الواو وجمعها بالواو والنون مع أنها لا تعقل لتنزيلها منزلة من يعقل.
والطوافون كما قاله أهل اللغة هم: الخدم والمماليك، وقيل: هم الذين يخدمون برفق وعناية، فشبهها بمن يطوف على أهل البيت للخدمة في كثرة البلوى بها ومشقة الاحتراز، كما سقط الاستئذان في الأوقات الثلاثة المذكورة في القرآن عن الخدم لأجل ذلك.
قوله: فلو أكلت فأرة وغابت واحتمل ولوغها في ماءٍ كثير أو ماءٍ جارٍ ثم ولغت في ماء قليل فلا ينجس على أظهر الوجهين.
استشكل الرافعي في "الشرح الصغير" هذه المسألة فقال: وليعلم أن الهرة تشرب الماء بلسانها وتأخذ منه الشيء القليل ولا تلغ في الماء بحيث يطهر فمها عن أكل الفأرة، فلا يفيد احتمال مطلق الولوغ احتمال عود فمها إلى الطهارة هذا كلامه وهو إشكال صحيح.
فإن قيل: كيف حكمنا بطهارة الماء مع أن الأصل نجاسه الفم؟
قلنا: لأن الأصل طهارة الماء أيضًا فلما تعارض رجح الثاني، باحتمال الولوغ في الماء الكثير أو الماء الجاري كما قلناه فتمسكنا بالأصل في الموضوعين وقد تقدم ذكر ذلك في الكلام على الماء الراكد فراجعه.
قوله: في "الروضة" غسالة النجاسة إن تغير بعض أوصافها بالنجاسة فنجسة وإلا فإن كانت قلتين فطاهرة بلا خلاف.
الجزء: 2 - الصفحة: 95
قلت: ومطهرة على المذهب، والله أعلم.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ادعاه من عدم الخلاف ليس على إطلاقه، فقد حكى الخوارزمي في "الكافي" وجهان أن غسالة ولوغ الكلب لا تطهر بذلك.
والثاني: أن هذا الخلاف الذي ذكره في كونها مطهره أم لا محله فيما إذا كان قليلًا فجمعه كما ذكره في "شرح المهذب" وزاد فصحح طريقة القطع، والقياس طريقه الوجهين وبها جزم في "الشرح الصغير".
فأما إذا كان كثيرًا عند الغسل فطهور بلا خلاف فكان صوابه أن يقول: فإن بلغ القلتين.
قوله: ولو لم تتغير [أى] 78 ولم يزد وزنها وكان قليلًا ففيه ثلاثة أقوال:
الجديد: أنه إن لم يطهر المحل فالغسالة نجسة وإلا فطاهرة غير مطهرة؛ لأن البلل الباقي على المحل بعضها، والماء الواحد القليل لا يتبعض في الطهارة والنجاسة.
انتهى.
هذا التعليل قد أسقطه من "الروضة" مع أنه يؤخذ منه مسألة حسنة مهمة، وهي أن الماء إذا انفصل متغيرًا، والنجاسة غير باقية على المحل فإن المحل لا يطهر، والذي اقتضاه كلامه قد صححه القاضي حسين في "شرح التلخيص" وكذلك صاحب "التتمة" فقال: والثاني وهو الصحيح أن المحل نجس يجب غسله.
وإنما قلنا ذلك لأن الماء انفصل عن المحل وقد بقى جزء منه في المحل والمنفصل ينجس وكان الباقي على المحل نجسًا أيضًا.
وعلى هذا إذا وقع البول على الثوب فصب الماء عليه بالوزن فانفصل الماء زائدًا في الوزن فنعلم أن الزيادة بول فالماء نجس؛ لأن زيادة الوزن
الجزء: 2 - الصفحة: 96
بسبب النجاسة فنعجله كالتغير وفي المحل وجهان على ما ذكرنا، هذا كلام "التتمة" ونقله عنه في "شرح المهذب" وأقره.
وأجاب أيضًا بنجاسته ابن الصلاح في "مشكل الوسيط" وقال: إن مقابله ضعيف لا يتصور القول به.
وحمل كلام الغزالي الموهم للطهارة على تغير يحدث في الغسالة بعد انفصالها عن الحل، فإن الساقط في الماء ربما كان ذا أجزاء مجتمعة لا تغير الماء إلا بعد تحللها فيتأخر تأثر الماء به.
وهذا الذي نبه عليه ابن الصلاح في آخر كلامه مسألة حسنة أيضًا.
واختار في "الإقليد" طهارة المحل عند انفصال الغسالة متغيرة، وحاول تضعيف ما قاله ابن الصلاح فلم يذكر طائلًا والصواب النجاسة.
قوله: فإن زاد وزنها بعد الانفصال عما كانت فهي كالمتغيرة في أصح الوجهين.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على اعتبار المقدار الذي كان عليه الماء قبل الغسل في الزيادة والنقصان وليس بجيد، بل لابد من مراعاة المقدار الذي يتشربه المغسول حتى إذا انفصلت عن الثوب بقدر ما كانت أو أقل بمقدار تشرب الثوب أكثر منه كانت نجسة أيضًا.
وكلام الرافعي في هذه المسألة يؤخذ منه طريقان:
أصحهما: القطع بالنجاسة.
والثاني: على الخلاف فيما إذا لم يتغير، وقد صرح بهما في "الروضة" وهو اختصار حسن.
قوله: الثالث الخلاف المذكور محله في المستعمل في واجب الإزالة، أما المستعمل في مندوبها ففيه وجهان:
الجزء: 2 - الصفحة: 97
أظهرها: أنه ظاهر الطهور.
والثاني: أنه كالمستعمل في واجبها فيعود فيه القول الأول والثالث دون الثاني انتهى كلامه.
والمندوب المشار إليه هو الكرة الثانية والثالثة، فأما إذا غسل نجاسة يستحب غسلها ولا يجب كدم البراغيث ونحو ذلك، فإن غسالته كغيرها بلا شك وليس نظير ما لو توضأ بنية قراءة القرآن ونحوها مما يستحب فيه الوضوء؛ حيث قلنا: إن غسالته لا تكون مستعملة على الصحيح بل مطهره لأن الحدث هناك لم يرتفع، والنجاسة هنا قد زالت فاعلم ذلك، ولهذا مثل في "أصل الروضة" بالكرة الثانية والثالثة فقط.
نعم: يتجه إلحاق النجاسة المشكوك [فيها] 79 إذا لم يتحققها بعد ذلك [بوضوء] 80 الاحتياط.
واعلم أن قول الرافعي: إنه يأتي في مسألتنا القول الأول والثالث صحيح لأن الأول يقول بأنه غير طهور بخلاف الثالث، فاعلمه واحذر ما توهمه فيه من توهم.
الجزء: 2 - الصفحة: 98
الباب الثالث في الاجتهاد
قوله: وهل يقبل قول الصبي المميز أي في الإخبار عن نجاسة الماء؟ فيه وجهان.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن الصحيح من الوجهين أن إخبار الصبي لا يقبل، كذا جزم به الرافعي في باب الأذان وفي كتاب الشفعة وصححه أيضًا في كتاب التيمم في الكلام على الإخبار بالمرض المخوف، ونقله عن الأكثرين في باب استقبال القبلة.
لكنه في التيمم حكى الخلاف في الصبي المراهق فقط وتبعه عليه في "الروضة" وهو يقتضي أن غير المراهق لا يقبل خبره فيه جزمًا فهل هو لمعنى يخص التيمم أم أشار به إلى التمييز أم هو حكاية وجه لم يذكره هناك أم الإطلاق في غيره محمول عليه؟ فيه نظر.
ويدل على الاحتمال الأخير أن الخوارزمي في "الكافي" حكى الخلاف المذكور في الأواني في المراهق فقط وجزم في غيره بأنه لا يقبل.
والمعروف من كلام الأصوليين والمحدثين والفقهاء جريان الخلاف عند وجود التمييز.
الأمر الثاني: أن النووي قد وافق الرافعي في هذه المواضع على إطلاق تصحيح عدم القبول ثم خالف ذلك في باب الأذان من "شرح المهذب" فنقل عن الجمهور أن إخبار الصبي يقبل فيما طريقه المشاهدة فعلى هذا يقبل خبره في رؤية المتنجس ونحوه بخلو الموضع عن الماء وطلوع الفجر وغروب الشمس وما أشبهه، بخلاف ما طريقه النقل كالإفتاء والتداوي ورواية
الجزء: 2 - الصفحة: 99
الأخبار ورواية التنجس عن غيره.
وهذا الذي ذكره النووي سبقه إليه المتولي فقلده هو فيه والصواب ما تقدم.
الأمر الثالث: أن هذه المسألة ذات قولين للشافعي فينبغي التعبير بها لا بالوجهين فقد رأيت في "العمد" للفوراني [في القبلة أن الخضري نقل عن نص الشافعي] 81 أنه لا يقبل فأخبره القفال أن أبا زيد نقل له عن نص الشافعي أنه يقبل.
قوله: من زوائده ويقبل الأعمى بلا خلاف.
انتهى.
وما أطلقه من عدم الخلاف قد ذكر مثله في "شرح المهذب" بالنسبة إلى الأذان أيضًا وليس كذلك، فإن في قبول رواية الأعمى بما سمعه حال العمى وجهين أصحهما عند الجمهور أنها تقبل، واختار الإمام خلافه، كذا ذكره الرافعي في الباب الثالث في مستند علم الشاهد.
وحينئذ فإن روى التنجس أو دخول الوقت عن غيره ففيه الوجهان فاعلمه.
قوله: في "أصل الروضة" ويشترط أن يعلم من حال المخبر أى بنجاسة الماء أنه لا يخبر إلا عن حقيقة.
انتهى.
مراده بذلك ما قاله في "المنهاج" وهو أن يكون المخبر مبينا للسبب أو يكون فقيهًا موافقًا في الاعتقاد، وذكر في "المحرر" قريبًا من ذلك.
ولما ذكر الرافعي ما ذكره في "الروضة" علله بأن المذاهب مختلفة في أسباب النجاسة فقد يظن ما ليس بمنجس منجسا والعجب من ترك النووي لهذه العلة فإنها تفهم بعض المراد.
الجزء: 2 - الصفحة: 100
قوله: وإذا اشتبه عليه ماء وبول أو ماء وماء ورد لم يجتهد في أصح الوجهين ثم قال: فعلى هذا يعرض عنهما في الصورة الأولى ويتيمم وفي الثانية يتوضأ بهذا مرة وبهذا مرة.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
[أحدهما] 82 أنه قد تقدم قبيل الباب الثاني في المياه النجسة أنه إذا كان معه ماء لا يكفيه وعنده مائع كماء ورد وغيره وجب عليه التكميل إن كان بحيث لو قدر مخالفًا له في أوسط الصفات لم يغيره، وكأن ذلك المائع لا تزيد قيمته على ثمن ماء الطهارة.
[وتقدم هناك أن زيادة المائع إنما ينبغي اعتبارها بالنسبة إلى المعجوز عنه، فإذا لم يوجبوا عليه التكميل هناك عند زيادة قيمته؛ لأن فيه زيادة على ما أوجبه الشارع فلأن لا يجب الوضوء الكامل به بطريق الأولى لاسيما مع استعمال الماء الكامل لفرض كامل.
فالصواب الانتقال إلى التيمم.
وقد ذكروا في التيمم أنه لا يجب عليه شق الثوب للاستقاء به إذا زاد الأرش على ثمن الطهارة] 83.
الأمر الثاني: أن الرافعي -رحمه الله- لم يشترط للتيمم في هذه المسألة خلطًا ولا صبًا مع اشتراطه ذلك فيما إذا اجتهد فلم يظهر له شيء كما ستعرفه في المسألة الآتية وهو كالصريح في عدم الاشتراط.
وتابعه في "الروضة" أيضا على ذلك وهو صحيح فإن الأصحاب في مسألة التخير قد انتهى أمرهم في تعليل وجوب إتلاف الماءين بصب أو خلط
الجزء: 2 - الصفحة: 101
قبل التيمم إلى كونه ينسب إلى تقصير ما في الاجتهاد، قالوا: وليست العلة مجرد وجود الماء الطاهر؛ لأن هذا الماء معجوز عنه شرعًا فصار كما لو كان عليه سبع أو أمسكه للعطش، ولهذا عبر النووي في "شرح التنبيه" المسمى "بالتحفة" بقوله: والفرق أنه ينسب إلى تقصير في الاجتهاد وهذه عبارته.
وإذا علم أن العلة هي التقصير في الاجتهاد فهذا المعنى على ضعفه لا يأتي في مسألة الماء والبول؛ لأنه ممنوع من الاجتهاد فيه رأسًا فتفطن لذلك، وقد وقع في "التنبيه" "والمحرر" و"شرح المهذب" اشتراط الصب أو الخلط في مسألة الماء والبول أيضًا وقد ظهر لك عدم الاشتراط مما تقدم وهو الصواب فليؤخذ به.
قوله: فإن اجتهد فلم تلح له علامة بل تحير تيمم لعجزه عن الوضوء، ثم إن كان تيممه بعد صب ماء في الإناءين فلا قضاء عليه ويعذر في صبه لدفع القضاء.
وفي معنى الصب ما لو جمع بينهما لتنجسا فإن تيمم قبل ذلك قضى؛ لأن معه ماءً طاهرًا بيقين.
انتهى.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" وكذلك النووي في "الروضة" "والتحقيق" وغيرهما.
وفيه أمور:
أحدها: أن هذا الكلام يشعر بأن التيمم قبل الخلط أو الصب صحيح وإنما هما شرط لعدم القضاء فقط، وبه صرح القاضي حسين في "تعليقه" والمتولي في "التتمة" والماوردي في "الحاوي" وعزاه إلى جمهور الأصحاب.
الجزء: 2 - الصفحة: 102
وصحح النووي في "شرح المهذب" أن ذلك شرط لصحة التيمم وبه جزم في "شرح التنبيه" [المسمى "بتحفة التنبيه" وليس كذلك فستعرف من كلامه هو في مسألة تغير الاجتهاد ما يبطله] 84.
الأمر الثاني: أنه لا حاجة إلى صبهما ولا إلى صب أحدهما في الآخر بل يكفي صب أحدهما فقط؛ لأنه قد تقدم الآن من كلام الرافعي أن العلة فيه هو أنه إذا لم يفعل ذلك يكون قد تيمم ومعه ماء طاهر بيقين، وهذا المعنى ينتفي بما إذا صب أحدهما؛ لأنه إذا صبه احتمل أن يكون الباقي هو الطاهر واحتمل أن يكون هو النجس، فليس معه ماء طاهر بيقين، فإذا لم يكن فلا إعادة لأنها هي العلة في القضاء كما تقدم.
ولهذا المعنى شرط صاحب "الحاوي الصغير" في وجوب القضاء في نحو ما ذكرناه بقاءهما معًا فقال: إن بقيا وهي دقيقة غفل عن سرها ومستندها شراح "الحاوي".
الأمر الثالث: أن النووي قد صحح في كتبه فيما إذا انصب أحد الإناءين أو صبه أنه لا يجتهد، بل يتيمم ويصلي ولا يعيد، سواء أراق الآخر أم لا.
وأنت إذا تأملت هذا الكلام مع ما قاله فيما إذا تحير وجدته في غاية الغرابة لأنه عند التحير لم يكتف بصب أحدهما مع أنه مأمور بصبه غير متعد فيه، فاكتفي به في الموضع الثاني مع تعديه؛ لأن الفرض أنه صبه قبل الاجتهاد وترك الواجب عليه، وهذا كله مما يوضح أن الصواب عند التحير الاكتفاء بإتلاف أحد الماءين.
وقد حكى الجرجاني في "التحرير" في مسألتنا وجهًا أنه يكفي صب
الجزء: 2 - الصفحة: 103
واحد فيبقى معه ما يشك في نجاسته فيستعمله، وحاصل ما ذكره إلحاق هذه المسألة بتلك على وفق ما أشرت إليه.
قوله: ولو أداه اجتهاده إلى طهارة أحد الإناءين فصلى به الصبح ثم تغير اجتهاده عند الظهر إلى طهارة الثانى، فإن لم يبق من الأول شيء فقولان المنصوص أنه لا يستعمله بل يتيمم؛ لأنه إن غسل ما أصابه الماء الأول فيلزم نقض الاجتهاد بالاجتهاد وإلا فيكون مصليًا مع يقين النجاسة.
انتهى ملخصًا وفيه أمور:
أحدها: أن أئمة المذهب نقلوا هذا النص والتخريج فيما إذا بقى من الأول شيء، كذا نقله الشيخ أبو حامد وصاحب "الحاوي" "والتتمة" "والشامل" وغيرهم.
والحالان أعنى حال البقاء وعدمه وإن استويا في هذا الحكم إلا أن النص إنما هو فيما ذكرناه، والآخر بالقياس عليه.
الأمر الثاني: ما نبه عليه صاحب "الشامل" فقال: وعندي أن ما قالوه ليس نقضًا للاجتهاد لأنا لا نبطل طهارة ولا صلاة وإنما أمرنا بغسل ما أطابه بالماء الأول لحكمنا عليه بالنجاسة وهذا بعينيه موجود في الباقي فإنهم حكموا بتنجيسه مطلقًا ولم يجعلوه نقضًا للاجتهاد هذا كلامه وهو صحيح لا شك فيه.
الأمر الثالث: -وهو خاص بالنووي- أن الاجتهاد إنما يكون بين إناءين موجودين حتى لو انصب أحدهما فلا اجتهاد عنده، وحينئذ فلا تجيء هذه المسألة.
الجزء: 2 - الصفحة: 104
قوله: والقول الثاني خرجه ابن سريج من تغير الاجتهاد في القبلة أنه يتوضأ بالثاني ولا يتيمم؛ لأن هذه قضية مستأنفة فلا يؤثر فيها الاجتهاد الماضى، لكن لابد من إيراد الماء على جمميع المواضع التي أصابها الماء الأول، وغسلها لإزالة النجاسة.
انتهى.
ذكر نحوه في "الروضة" أيضًا، وهذا الكلام يقتضي أن ابن سريج يقول والحالة هذه: إنه لابد من الإيراد على موارد الأول؛ لأنه جعله من تتمة كلامه وهو ظاهر كلام الغزالي وبعضهم.
وليس -كذلك بل هو قائل بعدم الوجوب كما صرح بنقله عنه الروياني في "البحر" وكذلك الماوردي في "الحاوي" وجعله إلزامًا له ولأجل ذلك إن صاحب "الشامل" "والمهذب" "والتتمة" لما حكوا هذا القول عنه لم ينقلوا الإيراد، وكلامه في "شرح المهذب" يقضي اتفاق الأصحاب على أنه لابد من الإيراد وأن ابن سريج قائل بذلك وأوهم نقل ذلك عن "الشامل" وكله غلط فاعلمه.
قوله: ثم على النص لا يقضي الصلاة الثانية المؤداة بالتيمم، لأنه ليس معه ماء طاهر بيقين، وقيل: يلزمه قضاؤها؛ لأن معه ماء طاهرًا بحكم الاجتهاد.
وأما الصلاة الأولى فلا حاجة إلى قضائها لا على النص ولا على التخريج.
انتهى.
سكت -رحمه الله- عن قضاء الثانية على المخرج، وقد ذكره في "أصل الروضة" وجزم بأنه لا يجب تبعًا "للوسيط" "والتتمة" وغيرهما لكن في نظيرة من القبلة وجهان والقياس مجيئهما؛ لأن مستند ابن سريج هو التخريج منها كما سبق.
وقد رأيت ذلك -أعني الوجهين- مصرحًا بهما
الجزء: 2 - الصفحة: 105
في "البحر".
وحكى ابن الصلاح في "فوائد رحلته" عن "التقريب" ثلاثة أوجه.
أحدها: يستعمل الثاني ويعيد الصلاتين معًا.
والثاني: يستعمله ويعيد الأولى فقط.
والثالث: إن ضبط ما أصابه من الماء الأول غسله بالثاني ولا يعيد وإلا تركه وتيمم، وهذا الئاني ذكر نحوه في "شرح المهذب".
قوله: الحالة الثانية: أن تبقى من الأول بقية تكفيه لطهارته فيجب إعادة الإجتهاد للصلاة الثانية؛ لأن معه ماء مستيقن الطهارة وإذا أعاد فتغير اجتهاده فالحكم كما سبق إلا أن الصلاة الثانية المؤداة بالتيمم يجب قضاؤها على النص؛ لأن معه ماء طاهر بيقين، وقيل: لا يجب.
انتهى.
وفيه أمور:
أحدها: أنه أطلق إعادة الاجتهاد ومحله كما قاله البغوي في "التهذيب" والنووي في "شرح المهذب" فيما إذا أحدث، فإن كان باقيًا على طهارته فيصلى بها.
الأمر الثاني: أنه ساكت عن عدد ما يعيده، وقد نقله في "الشامل" من جملة النص، فقال: ويعيد كل صلاة صلاها بالتيمم.
هذا لفظه ويتجه إلحاقه بما إذا وهب ماء بعد الوقت وستعرفه في التيمم إلا أن تلف أحد الماءين هنا كتلف الماء بجملته هناك لما سبق من أن بقاء أحد الماءين لا يوجب القضاء.
الأمر الثالث: لم يتعرضوا هنا للصب ولا للخلط بل صححوا التيمم مع بقائهما ولكن -أوجبوا الإعادة.
وهذا يدل على أن الصب والخلط
الجزء: 2 - الصفحة: 106
المذكورين في المجتهد إذا لم يظهر له شيء إنما هما شرط للقضاء خاصة لا لصحة التيمم كما يقوله النووي، فتفطن لهذه النكتة يتضح لك ما ذكرناه من قبل.
- قوله: والشيء الذي لا يتيقن نجاسته ولا طهارته والغالب في مثله النجاسة فيه قولان لتعارض الأصل والظاهر.
أظهرهما الطهارة عملًا بالأصل.
ويدل عليه ما روى أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حمل أمامة بنت أبي العاص في صلاته 85، وكانت هي بحيث لا تحترز عن النجاسات.
ثم قال: فمن ذلك ثياب مدمني الخمر وآنيتهم وثياب القصابين والصبيان الذين لا يتوقون النجاسة.
والمقابر المنبوشة حيث لا تتيقن النجاسة انتهى.
فيه أمور: أحدها: أن ما ذكره من تخريج ثياب الصبيان على القولين قد تابعه عليه في "الروضة" [ثم] 86 خالفه في "شرح التنبيه" المسمى "تحفة التنبيه" فقال: وأبعد بعضهم فطرده في ثياب الصبيان، والصواب طريقة العراقيين وهي القطع بالطهارة.
الأمر الثاني: أنه عبر في "الروضة" بقوله ومقبرة شك في نيشها هذا لفظه.
وعبر به الرافعي في شروط الصلاة ولكن الشك في النبش لا يقتضي أن الغالب النجاسة، وذكر الرافعي المسألة في التيمم في الكلام على طهارة التراب فقال: ولو تيمم بتراب المقابر التي عم فيها النبش وغلب اختلاط صديد الموتى به ففي الجواز قولًا يقابل الأصل والغالب.
الأمر الثالث: أن النووي في "الروضة" قد عبر بقوله: فمن ذلك
الجزء: 2 - الصفحة: 107
ثياب مدمني الخمر وأوانيهم.
ثم قال: وأواني الكفار المتدينين باستعمال النجاسة كالمجوس والمنهمكين في الخمر إلى آخره.
ثم نبه في كتاب "الإشارات" الذي هو على "الروضة" "كالدقائق" على "المنهاج" على جواب عن اعتراض يورد عليه فقال: قد يتوهم من لا فكر له أن ذكر المنهمكين في الخمر تكرر وأنه لا حاجة إليه لتقدم ذكره، وهذه غفلة من زاعمها فإن المراد بمدمني الخمر المذكورين أولًا هم المسلمون ثم ألحق بهم أواني الكفار الذين يتدينون باستعمال النجاسات وإنما ذكروا لئلا يتوهم من إنضمام الكفر إليه مصيره نجسًا بلا خلاف؛ لأن الإسلام من حيث الجملة مظنة التحرز.
والحديث الذي ذكره الرافعي في حمل أمامة [رواه الشيخان وفيه أنه إذا قام حملها وإذا سجد وضعها وأمامة] 87 هي بنت زينب ابنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يحبها.
تزوجها على - رضي الله عنه - بعد وفاة فاطمة بوصية فاطمة -رضي الله عنها- له في ذلك.
الأمر الرابع: أن هذه القاعدة ليست على القولين مطلقًا كما أطلقه، بل قد يجزم بمقتضى الأصل كمن ظن طهارة أو حدثًا أو أنه صلى أربعًا، وقد يجزم بالظاهر [كالبينة والخبر ومسألة الظبية] 88.
قوله: ولو رأى ظبية تبول في الماء الكثير وكان بعيدًا عن الماء فانتهى إليه فوجده متغيرًا وشك أنه تغير بالبول أو بغيره فهو نجس، نص عليه الشافعي وأصحابه.
انتهى كلامه.
وهذه المسألة شرطها أن يتعقب التغير للبول فإن لم يتعقبه بأن غاب عنه زمانًا ثم وجده متغيرًا لم يحكم عليه بالنجاسة؛ لأن إحالته على السبب الظاهر قد ضعف بطول الزمان، صرح بهذا الشرط الإمام أبو عبد الله
الجزء: 2 - الصفحة: 108
الجرجاني المعروف بالختن ختن الإسماعيلي على ابنته في شرحه "لتلخيص ابن القاص" فإنه ذكر مسألة ما إذا جرح الصيد وغاب عنه ثم وجده ميتًا وأجاب بأنه لا يحل.
ثم قال: ونظيره من مسألة الماء أن يبول الصبي فيه ولا يتعقبه التغير حتى يمضي زمان ثم يوجد متغيرًا؛ فلا يحكم بأن التغير عن البول، وكذلك البول في الجناية؛ لأن الشافعي قال: ولا يحكم بأن موت المجني عليه منها حتى تشهد بينة بأنه لم يزل ضمينًا منها إلى أن مات فالمسائل الثلاث كلها سواء تجمعها نكتة واحدة، هذا لفظه ومن شرحه نقلت.
وهو شرح غريب عزيز الوجود.
وفي كلام الرافعي والنووي إشعار [بعيد] 89 بهذا اللفظ، وقد نقله القفال أيضًا في "شرح التلخيص" عن الأصحاب.
لكن ذكر الدارمي في "الاستذكار": أنه لو رأى نجاسة حلت في ماء فلم تغيره فمضى عنه ثم رجع فوجده متغيرًا لم يتطهر به.
قال في "شرح المهذب": وفيما قاله نظر.
انتهى.
وذكر ابن كج في "التجريد" أنه يرجع في ذلك إلى أهل الخبرة.
واعلم أن جماعة قد شرطوا شرطا آخر غير هذا وهو رؤية الماء قبل بول الظبية عن قرب غير متغير، فإن لم يعهده أصلًا أو طال عهده به فهو طاهر كذا رأيته في "شرح التلخيص" للقفال وفي القطعة التي شرحها القاضي الحسن منه أى من "التلخيص"، ومن خط تلميذه الذي [أملاها] 90 عليه وهو الإمام محمد بن أحمد بن أبي بكر [الأصبهانى] 91 نقلت ذلك، وذكر في "الروضة" نحوه.
الجزء: 2 - الصفحة: 109
قوله "من زوائده": فلو وجد قطعة لحم ملقاة فإن كان [في البلد] 92 مجوس ومسلمون فنجسة وإن تمحض المسلمون فإن كانت في خرقة أو مكتل فطاهرة، وإن كانت مكشوفة فنجسة انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: [أن] 93 ما أطلقه من التنجيس عند وجود مجوس يقتضي أن الثلاثة كافية في ذلك مع كثرة المسلمين والقواعد تدفعه؛ بل لابد من النظر إلى الحصر وعدمه كما في اشتباه المحرم ونحوه، وقد جزم بذلك صاحب "البيان" في كتاب البيع في آخر باب ما ينهي عن بيع الغرر، فقال نقلا عن الشيخ أبي حامد: وإن وجدها في بلاد الإسلام في موضع أكثر أهلها المسلمون فيجوز أكلها؛ لأنه يغلب على الظن أنها ذبيحة مسلم، قال يعني الشيخ أبا حامد بخلاف ما إذا وجد الماء متغيرًا ولم يعلم بأي شيء تغير فلا يحكم بنجاسته؛ لأن أصله على الإباحة.
الأمر الثاني: أن هذا التفصيل قد نقله في "شرح المهذب" عن القاضي الحسين ولكن بالنسبة إلى جواز الأكل وتحريمه [وهو] 94 ظاهر، وأما الحكم عليه بالنجاسة حتى ينجس رطبًا يلاقيه فلم يذكره أحد ولا يصح القول به؛ لأن الأصل عدمه وكيف يحكم بالنجاسة مع الشك، وقد نصوا على أنه لو اشتبه عليه الطاهر من مكانين أو ثوبين أو إناءين [ونحو ذلك فأصابه ذلك من أحدهما لم يحكم بتنجيسه مع أنه لو صلى في أحد المكانين أو الثوبين أو توضأ بأحد الإناءين] 95 لم تصح صلاته، فتخلص أن ما في "الروضة" غلط نشأ من سوء تصرفه في العبارة.
واعلم أن المكتل بكسر الميم وفتح التاء المثناة من فوق شبه الزنبيل يسع خمسة عشر صاعًا قاله الجوهري.
الجزء: 2 - الصفحة: 110
الباب الرابع في الأواني
وهي ثلاثة أقسام:
القسم الأول: المتخذ من الجلود
قوله في أصل "الروضة": ويعتبر في الدباغ تطيب الجلد وصيرورته بحيث لو وقع في الماء لم يعد الفساد والنتن.
انتهى.
وتعبيره بقوله: "لو وقع" تحريف غير صحيح؛ بل الصواب وهو الواقع في النسخ الصحيحة من الرافعي "نقع" بالنون -أى: وضع في الماء وترك حتى يبتل باطنه وتخرج خاصيته إلى الماء ومجرد الوقوع في الماء لا عبرة به، فإن النتن قد لا يعود بالوقوع ويعود بالنقع.
قوله: وإذا أوجبنا استعمال الماء في أثناء الدباغ فلم يستعمل فإنه يكون نجس العين، وهل يطهر بمجرد نقعه في الماء أم لابد من استعمال الأدوية ثانيًا؟ فيه وجهان.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الأصح هو الثاني وقد صححه في "التحقيق" "والروضة" من "زوائده" فقال: قلت: أصحهما الثاني وبه قطع الشيخ أبو محمد.
والآخر احتمال لإمام الحرمين.
والمراد نقعه في ماء كثير والله أعلم هذا كلام الروضة.
الأمر الثانى: أن ما توهمه النووي من أن المراد الماء الكثير غلط عجيب بل لا فرق بين [الكثير والقليل] 96 الطاهر والنجس فإن الكلام إنما هو في طهارة العين وتتميم الدباغ ولهذا صحح وجوب استعمال الأدوية.
ثانيًا:
الجزء: 2 - الصفحة: 111
مضافًا للماء مع أن التطهير بعد ذلك لابد منه.
قوله: والجديد أن الدباغ يطهر ظاهر الجلد وباطنه حتى يصلى فيه وعليه ويباع ويستعمل في الأشياء الرطبة واليابسة؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "إيما إهاب دبغ فقد طهر"، ولقوله -عليه الصلاة والسلام-: "هلا أخذتم إهابها فدبغتموه- فانتفعتم به".
والقديم أنه يطهر ظاهره فقط حتى يصلي عليه ولا يصلي فيه ولا يباع ولا يستعمل في الأشياء الرطبة لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا تنتفعوا من -الميتة بإهاب ولا عصب" ظاهره المنع مطلقًا خالفنا في ظاهر الجلد جمعًا- بينه وبين الأخبار المجوزة للدباغ.
انتهى.
اعترض عليه في "الروضة" فقال: قلت: أنكر جماهير العراقيين وكثير من الخراسانيين هذا القديم، وقطعوا بطهارة الباطن وما يترتب عليه والله أعلم، وما ذكره من انكسار الجماهير لهذا القول صحيح، وأما المترتب عليه فلا، لأن من جملة ما يترتب عليه بطلان البيع، ولم يقطعوا بفساده بل حكوا في الصحة قولين مع القطع بطهارة الباطن كذا ذكره أبو على الطبري في "الإفصاح" والشيخ أبو حامد والبندنيجي في تعليقهما والمحاملي في "المجموع" والدارمي في الاستذكار والماوردي والبغوي في "التهذيب" والشيخ أبو إسحاق في "المهذب" و"التنبيه" وابن الصباغ في "الشامل" والجرجان في "البلغة".
"والشافي" وأبو خلف الطبري في "شرح المفتاح" والروياني في "البحر" وأبو عبد الله الحسين الطبري في "عدته" والشاشي في "الحلية" والعمراني في "البيان" واعترف بهما في "شرح المهذب" وزاد فقال: إنهما مشهوران والصحيح منهما عند الأصحاب هو الجديد هذه عبارته.
ثم علل القديم بعلة ذكرها جماعة ممن تقدم ذكرهم الآن وهي أن الأصل
الجزء: 2 - الصفحة: 112
تحريم الميتة، غير أن الشرع أباح الانتفاع بجلودها بعد الدباغ فيبقى البيع على الأصل ثم قال: هذا هو الصواب في تعليله، وأما ما يوجهه به كثير من الخراسانيين من نجاسة الباطن فضعيف.
ونقل ابن الصلاح في "مشكل الوسيط" عن صاحب التقريب أنه نقله عن نصه في "الجديد"، والقديم جواز الصلاة فيه.
والحديث الأول رواه الترمذي بهذا اللفظ وقال: حديث حسن، وفي مسلم 97: "إذا دبغ الإهاب فقد طهر" وهو معنى رواية الترمذي.
والحديث الثاني رواه الشيخان 98 والجميع من رواية أبي هريرة.
وأما الحديث الأخير فرواه الترمذي وقال: إنه حسن ثم نقل عن أحمد أنه مضطرب.
وقال البيهقي في "كتاب المعرفة": إنه مرسل.
قوله من "زياداته": وتجوز هبة الجلد قبل الدباغ كما تجوز الوصية به انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما جزم به من جواز هبته قد جزم به أيضًا في "التحقيق"، ونقله في شرح المهذب عن الماوردي والروياني وأقرهما، ثم خالف ذلك في كتاب الهبة من أصل "الروضة" فقال في الركن الرابع منها: إن الأصح المنع وهذا الثاني هو المعروف وهو مقتضى إطلاق "المنهاج".
الأمر الثانى: أن القائل بالجواز محله في الهبه علي سبيل نقل اليد.
وأما على سبيل التمليك فلا يتصور فيه الخلاف وقد أشار الروياني إلى ذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 113
القسم الثانى: المتخذ من العظم
- قوله: من "زوائده": قال أصحابنا: يعفي عن اليسير من الشعر النجس في الماء والثوب الذي يصلي فيه وضبط اليسير العرف -والأصح أن هذا العفو يعم الجميع، وقيل: يختص بشعر الآدمي.
انتهى.
وما صححه من تعميم العفو لجميع الشعور حتى يتناول ما لا تعم به البلوى كشعر الذئب والدب والنمر ونحوها مردود باطل؛ بل الأكثرون خصوا ذلك بشعر الآدمي منهم الفوراني والماوردي وابن الصباغ والإمام والغزالي والجرجاني والبغوي -والروياني في "البحر" والعمراني في "الزوائد" وأطلق جماعة قليلة الخلاف فتوهم النووي من إطلاقه التعميم فصرح به- نعم ألحق القاضي الحسين الحمار المركوب بالآدمي في ذلك لعموم البلوي به.
وتوهم النووي في "شرح المهذب" أنه عداه إلى سائر الشعور فتمسك في التخريج به وهو خطأ.
قوله: وإذا قلنا: ينجس شعر الآدمي بالموت والإبانة فهل يستثنى شعر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيه وجهان انتهى كلامه.
لم يصحح شيئًا منهما في "الشرح الصغير" أيضًا، والصحيح عنده وعند النووي أن حكمه -عليه الصلاة والسلام- في طهارة المنفصل منه ونجاسته كحكم غيره فمقتضاه أن يكون الشعر كذلك أيضًا، وقد صرح به الشيخ أبو حامد في "تعليقه" ناقلًا له عن الجمهور فقال: إن أبا جعفر الترمذي إنفراد بطهارته -يعني الشعر- قال: وعامتهم خالفوه وصحح النووي في مسألتنا الطهارة فقال في "التحقيق" "والروضة": إنه الصحيح وفي "شرح المهذب": إن مقابله غلط ولم ينبه في "الروضة" على أنه من زياداته بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.
قوله من "زوائده": ولو باع جلد ميتة بعد دباغه وعليه شعر وقلنا: يجوز
الجزء: 2 - الصفحة: 114
بيع الجلد ولا يطهر الشعر بالدباغ فإن قال: بعتك الجلد دون شعره صح، وإن قال مع شعره ففي صحة بيع الجلد القولان في تفريق الصفقة.
وإن قال: بعتك هذا وأطلق صح، وقيل: وجهان انتهى.
وما ذكره من الصحة إذا باعه دون شعره غير مستقيم فقد قال هو وغيره في كتاب البيع: إنه لابد من رؤية وجهي الجلد في صحة بيعه.
ولا شك أن الشعر مانع من الرؤية لأنَّه ليس جزءًا من المبيع.
فإن فرض ذلك في شعرات يسيرة متفرقة ففي الصحة نظر أيضًا لانتشار منابتها.
القسم الثالث: المتخذ من الذهب والفضة
قوله: واستعماله مكروه كراهة تنزيه في "القديم".
وكراهة تحريم في "الجديد".
انتهى.
ورأيت في "شرح التلخيص" للشيخ أبي على أن الشافعي نص في رواية حرملة كما في "القديم".
قوله: ومن الاستعمال المحرم التجمر بمجمرة الفضة التي احتوى عليها ولا حرج في إتيان الرائحة من بعد.
انتهى.
وليس فيه ولا في "الروضة" بيان لضابط البعد وقد بينه في "شرح المهذب" فقال نقلًا عن الأصحاب: قالوا: ولا بأس إذا لم يجثو عليها وجاءته الرائحة من بعيد.
وينبغي يكون بعدها بحيث لا ينسب إلى أنه متطيب بها.
هذا كلامه.
وفي "الكفاية" لابن الرفعة: أن المحرم إنما هو الاحتواء فقط، وأنه لا يحرم الشم مع القرب، وهو في ذلك تابع للقاضي حسين في "تعليقته".
قوله: وهل يحرم اتخاذ أواني النقدين؟ فيه وجهان: أحدهما: لا.
الجزء: 2 - الصفحة: 115
لفائدة جمع المال وإحرازه كي لا يتفرق.
وأصحهما: التحريم قياسًا على آلات الملاهي.
ثم قال: واحتجوا لهذا الوجه أيضًا بأنه لا خلاف في وجوب الزكاة فيها.
ولو كان اتخاذها مباحًا لكان وجوب الزكاة فيهما علي القولين في الحلي المباح.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن حكاية الخلاف وجهين قد تبعه عليه في "الروضة" ونقله في "شرح المهذب" عن الأكثرين.
والصواب حكايته قولين.
فقد رأيت في كتاب ["التقريب" للإمام القاسم ابن الإمام القفال الكبير الشاشي في كتاب] 99 الزكاة: أن التحريم نص عليه في رواية حرملة والمزني.
وأن الجواز نص عليه في كتاب الغصب، وحينئذ تكون المسألة على قولين.
وقد صرح بهما هكذا جماعة كبيرة.
الأمر الثاني: أن ما ادعاه من عدم الخلاف في الزكاة ليس كذلك، بل فيه خلاف مشهور حكاه جماعة كبيرة منهم الماوردي في "الحاوي"، والمرعشي في كتابه المسمى "ترتيب الأقسام" والجرجاني في "التحرير".
الأمر الثالث: أن الحلى المكروه ملحق بالمحرم في وجوب الزكاة وليس ملحقًا بالمباح حتى يجري فيه القولان.
وحينئذ فنقول: لا يلزم من وجوب الزكاة فيها حصول المدعي وهو التحريم؛ لأنها قد تكون مكروهة عند القائلين بالجواز، فلذلك أوجبوا فيها الزكاة.
قوله: وفي جواز تزيين الحوانيت والبيوت والمجالس بها أى بأواني الذهب والفضة وجهان.
انتهى.
لم يصرح الرافعي هنا ولا في "الشرح الصغير" بتصحيح.
والصحيح
الجزء: 2 - الصفحة: 116
هو التحريم كذا ذكره النووي في "شرح المهذب" وغيره، وصححه أيضًا في "الروضة" ولم ينبه على أنه من زياداته بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.
قوله: ولا خلاف أن ما نفاسته -أي من الأواني- بسبب صنعته لا يحرم استعماله ولا يكره.
انتهى.
وما ذكره من نص الخلاف قد تبعه على أيضًا في "الروضة".
لكن ذكر صاحب "البيان" أن صاحب "الفروع" أشار إلى وجهين في تحريمه.
قوله: ولو اتخذ إناء من حديد أو غيره وموهه بالذهب والفضة تمويهًا لا يحصل منه شيء بالعرض على النار.
فقال قائلون: إن قلنا التحريم لعين الذهب والفضة وهو الجديد فلا منع.
وإن قلنا لمعنى الخيلاء وهو القديم منع.
وقال آخرون: معنى الخيلاء معتبر.
لكن من جوز قال: الموه لا يكاد يخض.
ولو اتخذ إناء من ذهب أو فضة وموهه بنحاس أو غيره جرى الخلاف إن قلنا التحريم لعين الذهب والفضة حرم.
كان قلنا لمعنى الخيلاء فلا.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن هذا الكلام مقتضاه تصحيح الجواز في المسألة الأولى.
والمنع في الثانية.
ولما اختصر النووي هذا الكلام حكى في المسألتين وجهين من غير ترجيح البتة، ثم صحيح منهما الجواز من "زياداته" وهو اختصار عجيب فاعلمه.
الأمر الثاني: أن ما اقتضاه كلام الرافعي في المسألة الأولى من ترجيح
الجزء: 2 - الصفحة: 117
الجواز قد صرح بتصحيحه في غير هذا الكتاب فقال في "المحرر": إنه الظاهر وفي "الشرح الصغير": إنه الأظهر، وصححه أيضًا النووي هنا في باقي كتبه "كشرح المهذب" "والتحقيق" "والمنهاج".
إذا علمت ذلك فقد ذكر الرافعي في باب زكاة النقدين في الكلام على حلى الذهب ما يخالف ذلك فقال: هل يجوز للرجل تمويه الخاتم والسيف وغيرها بالذهب تمويهًا لا يحصل منه شيء؟ فيه وجهان.
ثم قال: وبالتحريم أجاب العراقيون هنا.
والذي قاله مقتضاه تصحيح المنع؛ لأن تصحيح أئمة المذهب معمول به فضلًا عن قطعهم، وصححه أيضًا النووي في الباب المذكور من "شرح المهذب"، وفي باب ما يكره لبسه أيضًا فقال: الثانية: لو كان الخاتم فضة فموهه بذهب أو موه السيف وغيره من آلات الحرب أو غيرها بذهب تمويهًا لا يحصل منه شيء فطريقان أصحهما وبه قطع العراقيون التحريم للحديث، والثاني فيه وجهان هذا كلامه في الموضعين مع أنه قد صرح بالذهب في باب الأوانى، وصحح فيه الجواز كما تقدم نقله عنه فليته مع تصحيحه المنع صحيح طريقة الوجهين بل صحيح طريقة القطع به، هذا مع أن آلات الحرب أولى بالتجويز من غيرها لجواز تصليتها.
ووجه الجمع بين الكلامين أن يقال: الذي جوزه هنا هو الأواني والذي منعه هناك هو الملبوس ولا يلزم من المنع فيه لاتصاله بالبدن وشدة ملازمته له أن يمتنع غيره.
فانقل ذلك واعمل بمقتضاه فإن كان كلام "المنهاج" وغيره يوهم التعميم وذكر أيضًا في الزكاة من "شرح المهذب" عقب هذا الموضع أن تمويه سقف بيته وجداره بالذهب أو الفضة حرام بلا خلاف قال: ولكن إن حصل منه شيء حرمت استدامته وإلا فلا وتابعه ابن الرفعة في "الكفاية"
الجزء: 2 - الصفحة: 118
على ذلك، وليس كذلك، فإن الرافعي في "الشرح الصغير" قد صرح بجريان الوجهين فيهما، ذكر ذلك في الزكاة إلا أن حكايته غريبة.
الأمر الثالث: أن تصحيح النووي للجواز في المسألة الثانية يتجه أن يكون المراد به إنما هو الاستعمال فقط، ولهذا صوّر المسألة بذلك حتى لو اتخذ الإناء ليفعل به ذلك كان حرامًا، ولهذا قالوا: لا يستحق الصانع الأجرة ونحوها، إذ لو جاز للزم أن يقال: يصح الاستئجار على عمله ثم نعطيه لمن يموهه بالرصاص ونحوه ولا أثر للفرق بين أن يقصد اتخاذه على هيئة أم لا.
وإذا صح أن اتخاذه لذلك حرام اتجه أن يقال أيضًا بتحريم استمرار بقائه وإن جاز استعماله.
قوله: ولو غشى ظاهره وباطنه بالنحاس قال الإمام: الذي أراه القطع بجوار استعماله والذي يجئ على قول من يقول أن التحريم لعينهما أن يقول التحريم ههنا.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أنه ليس المراد بالغشية التمويه بل تصفيحه، ولقد أعله في "النهاية" بقوله: فإنه الإناء من النحاس وقد أدرج فيه ذهب يسير.
الثاني: أن قول الرافعي والذي يجئ إلى آخره هو من عنده لا من تتمة كلام الإمام وهو واضح، ولهذا جزم في "البسيط" بالجواز وقال: إنه لا خلاف فيه.
الثالث: أن النووي في "الروضة" قد اختصر هذا الموضع بقوله فطريقان.
قال الإمام: لا يحرم، وقال غيره: على الوجهين انتهى.
فإن
الجزء: 2 - الصفحة: 119
كانت حكايته للطريقتين لتوهمه أن ذلك من كلام الإمام فعجيب، وأيضًا سواء كان هذا البحث له أو للرافعي كيف يصح أن يقول فيه: وقال غيره كذا وكذا؟
قوله: في "الروضة": فرع.
المضبب بالفضة فيه أوجه:
أحدها: إن كانت الضبة صغيرة وعلى قدر الحاجة لا يحرم استعماله ولا يكره، وإن كانت كبيرةً فوق الحاجة حرم، وإن كانت صغيرة فوق الحاجة أو كبيرة قدر الحاجة فوجهان، الأصح يكره.
والثاني: يحرم والوجه الثاني: إن كانت الضبة تلقى فم الشارب حرم وإلا فلا.
والثالث: يكره ولا يحرم.
والرابع: يحرم في جميع الأحوال قلت: أصح الأوجه وأشهرها الأول والله أعلم، ومعنى الحاجة غرض إصلاح موضع الكسر.
انتهى كلام "الروضة".
وفيه أمور:
أحدها: أن هذا التصحيح الذي ذكره من زياداته قد صرح به الرافعي فإنه حكى وجهين فيما إذا كانت الضبة في موضع الاستعمال، وقال: إن معظم العراقيين وهو أوفق للمعنى على أن حكمها كحكم غيرها، ثم ذكر ما إذا كانت الضبة في غير موضع الاستعمال وجزم فيه بالوجه الأول من الوجوه المذكورة في "الروضة"، وذكر الباقي على سبيل التضعيف.
الثاني: أن الرافعي لما أن ذكر أن الصغيرة التي للحاجة لا تحرم ولا تكره استدل عليه بأن حلقه قصعة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كانت من الفضة، وكذلك قبيعة سيفه
الجزء: 2 - الصفحة: 120
فعلمنا أن الحلقة من مسائل الحاجة وهذه مسألة حسنة لا تؤخذ من كلام "الروضة"، وقد ذكر الرافعي أيضًا بعد ذلك ما يدخل فيه هذا وغيره فقال: ونعني بالحاجة الأغراض المتعلقة بالتضبب سوى التزيين هذا لفظه، ولم يذكره في "الروضة" وهذا غريب جدًا.
الثالث: أن الرافعي قد صرح بأن موضع الاستعمال كالشرب فقال: ومن نصر هذا الوجه فمن شرطه أن يقول: لو كان الاستعمال في غير الشرب وكانت الضبة على الموضع الذي يمسه المستعمل ويلاقيه يحرم أيضًا ولا يساغ غير ذلك هذا لفظه ولم يذكره في "الروضة" أيضًا فاعلمه.
الأمر الرابع: أن استدلال الرافعي على الضبة المختلف فيها تقبيعة سيف رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عجيب، فإن هذا من آلات الحرب وتحليتها بالفضة جائز قطعًا والقبيعة بقاف مفتوحة وباء موحدة مكسورة قال الجوهري: هو ما على طرف مقبض السيف من قصبة أو غيرها.
وحديث القبيعة رواه أبو داود والترمذي وقال: إنه حسن.
والقصعة بفتح القاف هي ما يشبع طعامها عشرة أنفس.
والصحفة ما تشبع خمسة.
قوله: قال بعضهم: الضبة الكبيرة ما تستوعب جزءًا من الإناء كأسفله أو عروته أو شفته.
وقال بعضهم: المرجع فيه إلى العادة.
وقال الإمام: لعل الوجه أن يقال: هو ما يلمع على البعد للناظر، وأشار إليه الغزالي.
انتهى ملخصًا.
صحح في "الشرح الصغير" الوجه الأول وقال النووي في "زيادات
الجزء: 2 - الصفحة: 121
الروضة": إنه أشهر الأوجه، قال: ولكن الأصح اعتبار العروة.
والمراد بالعروة ما جعل في الإناء ليعلق به أو يمسك كأذن الإبريق ونحوه.
قوله: الخامسة: قدر الضبة المجوزة لو اتخذ منه إناء صغيرًا كالمكحلة وطرف العالية هل يجوز؟ حكى فيه وجهان للشيخ أبي محمد أظهرهما التحريم؛ لأنه يقع عليه اسم الآنية.
انتهى.
وهذه المسألة قد تكلم من الأصحاب فيها قديمًا ابن سريج فمن بعده، وقد رأيت ذلك في كتاب "التقريب" للإمام القاسم ابن الإمام القفال الكبير الشاشي ذكر ذلك في كتاب الزكاة فقال: وقد بلغنا عن أبي العباس أنه ذكر الخبر وهو أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أهدى -أى إلى مكة- جملًا لأبي جهل في أنفه بُرة من فضة فقال: فيه دليل على أنه لا بأس باتخاذ مثل المكحلة وملعقة العالية ونحوها مما لم يكن فيه سرف هذا كلامه في "التقريب".
قوله: وذكر في "التهذيب" أنه لو اتخذ للإناء حلقة من فضة أو سلسلة أو رأسًا يجوز؛ لأنه منفصل عن الإناء لا يستعمله.
ولك أن تقول: لا يسلم أنه لا يستعمله تبعًا للإناء.
ثم هب أنه لا يستعمله لكن في الاتخاذ من غير استعمال خلاف سبق فليكن هذا على الخلاف.
انتهى.
واعلم أن الحلقة والسلسلة لا وقفة في جوازهما وقد سبقا في كلام الرافعي في أثناء الاستدلال على المضبب.
وأما الرأس فإن جماعة قد وافقوا صاحب "التهذيب" على جوازه وعللوه بأنه منفصل عن الإناء لا يستعمله، كذا ذكره في "شرح المهذب" ثم قال: وينبغي إلحاقه بالمضبب في التفصيل والخلاف.
الجزء: 2 - الصفحة: 122
وقال في "الروضة": قد وافق البغوي جماعة ولا نعرف فيه خلافًا.
قلت: وقد ظهر من تعليلهم الرأس بالانفصال أنه شئ مستقل يغطي الإناء.
ويزيده إيضاحًا، كلام الخوارزمي في "الكافي" فإنه قال: لو اتخذ لكوزه رأسًا من فضة فيجوز؛ لأنه منفصل عنه لا يستعمله وقت الشرب، فعلى قياسه لو كان الذي يوضع فيه الكوز من فضة يحتمل أن يجوز؛ هذه عبارته.
وعلى هذا فضابط الاستعمال المحرم أن يتعلق ببدنه كأكل منه أو شرب أو نحوهما، وذلك مفقود في غطاء الكوز وفيما يجعل فيه، وهكذا الحرير أيضًا إنما يحرم منه ما يعلق ببدنه كالجلوس عليه والجلوس تحته لوقاية الحر والبرد وستره عن الناس ويصير هذا نظير ما قالوه في الأعيان النجسة كجلود الميتة أنه يحرم استعمالها في ما يتعلق ببدنه دون غيره حتى يحرم الامتشاط.
بمشط العاج وليس الجلد النجس دون جعل الأشياء فيه.
ووقع في مشط العاج كلام مهم تعرفه قبيل صلاة العيد، وحينئذ فيكون غطاء العمامة وكيس الدراهم ونحو ذلك من الحرير أولى بالجواز من غطاء الكوز وما يوضع فيه.
قوله: من "وائده": ولو أثبت الدراهم في الإناء بالمسامير فهو كالضبة وقطع القاضي حسين بجوازه.
انتهى.
وقد تتبعت ما نقله هنا عن القاضي في "تعليقتيه" معًا وفي "فتاويه" و"شرح الفروع" والقطعة التي شرحها من "التلخيص" وكلام الناقلين عنه فلم أظفر به.
الجزء: 2 - الصفحة: 123
الباب الخامس في صفة الوضوء
وفرائضه ست:
الفرض الأول: النية:
اعلم أن بعضهم قد زاد سابعًا وهو الماء الطهور وغلطه النووي في "شرح المهذب" وقال: الصواب أنه شرط لصحته لا فرض آخر، فلهذا لم يعده هنا لكنه في "الروضة" قد جعل التراب في التيمم من جملة أركانه والماء الطهور هنا كالتراب هناك.
قوله: ولا تجب النية في إزالة النجاسة ويحكي عن ابن سريج اشتراط النية فيها، وبه قال أبو سهل الصعلوكي.
انتهى.
وهذا النقل عن ابن سريج ليس بثابت كما نبه عليه الرافعي في إزالة النجاسة، وقد تقدم ذكر لفظه هناك.
وحكى ابن الصلاح فيما جمعه من "الفوائد في رحلته إلى بلاد الشرق" أن في المسألة ثلاثة أوجه: ثالثها: إن كانت النجاسة على الثوب لم تجب النية لأن الإزالة لا تجب لإمكان صلاته في غيره، وإن كانت على البدن وجبت لوجوب إزالتها وهو وجه فيقاس.
قوله: ولو اغتسلت الذمية أو المجنونة من الحيض أو النفاس لحق الزوج ثم أفاقت المجنونة أو أسلمت الكافرة وجبت عليهما الإعادة في أصح الوجهين؛ لأنهما ليستا من أهل العبادة وإنما صح في حق الزوج للضرورة انتهى.
هاتان المسألتان سبق الكلام عليهما في باب المياه، وهل يشترط أن تنوي
الجزء: 2 - الصفحة: 124
الذمية عند اغتسالها والزوج عند تغسيله لزوجته المجنونة؟ فيه وجهان في "شرح المهذب" من غير تصريح بتصحيح.
أصحهما في "التحقيق": أنه يشترط ولو امتنعت المسلمة من الغسل فغسلها الزوج قهرًا.
فهل يشترط نيته أو لا؟ قال في "شرح المهذب": الظاهر أنه على الوجهين في المجنونة، وجزم في باب الحيض من "الكفاية" بأن الذي ينوي في غسل الذمية إنما هو الزوج.
قوله: وفي صحة طهارة الكافر الأصلي ثلاثة أوجه: ثالثها: يصح الغسل دون الوضوء.
ثم قال: أما المرتد فلا تصح منه الطهارة بحال، ولم يجروا فيه الخلاف المذكور في الكافر الأصلي.
انتهى.
تبعه أيضًا في "الروضة" على نفي الخلاف عن المرتد فقال: ولا تصح طهارة مرتد بلا خلاف.
وليس كما قالا فقد حكى [الماوردي في الحاوي وجهًا] 100 أنه يصح [غسله، وحكى النووي في "التحقيق" وجهًا أنه يصح] 101 وضوءه وغسله وعزاه في "شرح المهذب" إلى "النهاية".
قوله: ولو توضأ المسلم ثم ارتد لم يبطل وضوءه في أصح الوجهين ثم قال: وأما التيمم ففيه وجهان أيضًا لكن الأصح فيه البطلان؛ لأن التيمم لاستباحة الصلاة، فإذا ارتد خرج عن أهلية الاستباحة إلى آخره.
تابعه النووي على إطلاق عدم البطلان في الوضوء وينبغي استثناء وضوء دائم الحدث؛ وأن يكون كالتيمم في بطلانه بالردة، فإن المذهب أنه كالتيمم في كونه لا يرفع الحدث، ولكن يبيح الصلاة كما قاله في "الروضة" من زياداته قبيل باب المستحاضة.
وقد سبق أن علة بطلان التيمم كونه للاستباحة، وأيضًا فقد قال الإمام
الجزء: 2 - الصفحة: 125
في "النهاية": إن التيمم إذا كان معه غسل فإنه يرفع الحدث كالمسح على الخفين، وعلى هذا فينبغي استثناؤه أيضًا من التيمم.
قوله في "الروضة": أما وقت النية فلا يجوز أن يتأخر عن غسل أول جزء من الوجه.
انتهى.
وهذا التعبير فاسد فإن أول الوجه من جهة أعلاه هو ابتداء الجبهة ومن جهة أسفله هو منتهى الذقن، ولا يجب اقتران النية بشئ منهما، وقد ذكره الرافعي على الصواب فقال عن أول غسل الوجه أى مغسول فتوهم النووي أنه لا فرق بين غسل الأول وأول الغسل فعبر بالعكس فلزم الخلل.
قوله: فإن قارنت النية ما قبل الوجه من السنن لم يصح وضوؤه على أصح الوجهين.
انتهى.
استدرك عليه في "الروضة" فقال: هذا في المضمضة والاستنشاق محله إذا لم ينغسل معهما شئ من الوجه فإن انغسل أجزأه إن كان نيته الوجه وكذا إن لم يكن على الصحيح وقول الجمهور.
قال: لكنه يحتاج إلى إعادة غسل ذلك الجزء مع الوجه على الأصح انتهى كلامه.
والذي قاله النووي -رحمه الله- من تصحيح الاعتداد بالنية عند مقارنتها للجزء المذكور مع تصحيح كونه لا يقع على الفرض غلط عجيب وكلام متدافع، فإن تصحيح النية يقتضي الاعتداء بالمغسول وإلا فيؤدي إلى [الاكتفاء] 102 بنية لم تقارن غسلًا مفروضًا والتفريع على عدم صحة ذلك يثبت أن صحة النية والاعتداد بذلك الجزء عن الوجه متلازمان وهو الموجود لأئمة المذهب كما ستعرفه.
وقد راجعت كلام النووي في "شرح المهذب"
الجزء: 2 - الصفحة: 126
لكون ما يزيده في "الروضة" يلخصه غالبًا منه فلما راجعته وجدته بعد أن صحح إجزاء النية عند اقترانها بالجزء المذكور، نقل عن البغوي وجوب إعادة غسل ذلك الجزء فراجعت "التهذيب" فوجدته قد عبر بقوله: وقيل: إن انغسل في المضمضة والاستنشاق شئ من بشرة وجهه صح وضوؤه وإلا فلا.
وهذا ضعيف لأنه وإن انغسل فلم يغسله عن الفرض بدليل أنه لا يجوز الاقتصار عليه بل يجب غسله ثانيًا في الفرض هذه عبارته فراجعت "تعليقة" القاضي الحسين لأن البغوي لخص "التهذيب" من كلام لشيخه المذكور في "تعليقته" المذكورة فرأيته قد حكى الخلاف في صحة النية عند اقترانها بسنة ثم قال ما نصه: وقال القفال: إن انغسل بالمضمضة ظاهر شفته يصح الوضوء؛ لأنه صار مؤديًا جزءًا من الفرض وإن لم ينغسل شئ من شفتيه لا يجوز لأنه محض سنة وهذا على الطريق الذي يقوله أنه لو ترك لمعة وغسلها المرة الثانية يحصل الوضوء وسنذكره هذا لفظ القاضي.
ووجه التخريج الذي ذكره أنه قد غسل ذلك الجزء مقترنًا بنية الوضوء إلا أن غسله إنما كان عن السنة لا عن الفرض.
فأشبه غسل اللمعة في المرة الثانية أو الثالثة والصحيح فيها الإجزاء فيكون كذلك في مسألتنا، فاختصر البغوي كلام شيخه المذكور بما سبق وعلمنا من تضعيف البغوي لهذه المقالة أن الصحيح عنده في مسألة اللمعة عدم الإجزاء فإنه لم يصحح فيها شيئًا هناك بل ولا شيخه المذكور أيضًا فوقف النووي على كلام البغوي خاصة ولم يطلع أيضًا على مدركه ومستنده فإنه لم يراجع عليه من أصوله ما راجعت، ولا تتبعت، فلزم الوقوع في الخطأ الصريح، وقد صرح أيضًا رفيق البغوي في الأخذ عن القاضي الحسين وهو صاحب "التتمة" بصحة النية وبإجزاء المغسول عن الفرض وكذلك الروياني في "البحر" وصحح أبو علي
الجزء: 2 - الصفحة: 127
الطبري في "الإفصاح" والماوردي في "الحاوى" صحة الوضوء بهذه النية ولم يوجبا إعادة شيء وكذلك ابن الرفعة في "كفايته" مع تتبعه واتساع باعه، وبالغ ابن الصباغ في "الشامل" فجزم بالصحة عند انغسال شئ من الشفة ولم يوجب إعادةً.
ولا شيئًا آخر وغلط ابن الرفعة في "المطلب" تبعًا لصاحب "الذخائر".
في النقل عنه في هذه المسألة أي عن ابن الصباغ وسبب الغلط تحريف لفظة منه أي من الجارة للضمير بلفظ نبه أعنى بالنون والباء فتفطن لذلك وفي ما أشرت إليه تنبيه لمن أحب الوقوف عليه وقد طال الكلام في هذه المسألة وذلك لإيضاح وجه الغلط فلله الحمد على التوفيق لذلك.
ونبه في "الذخائر" على شيء متعين وهو أنه حيث وقع شئ عن الوجه في هذه الحالة فلا تجزئ المضمضة ولا الاستنشاق لتقدم بعض غسل الوجه عليهما وتقديمها عليه شرط.
قوله: فينوي أحد ثلاثة أمور: أحدها: رفع الحدث أو الطهارة عنه.
والثاني: استباحة الصلاة أو غيرها مما لا يباح إلا بطهارة.
الثالث: فرض الوضوء أو أداء الوضوء.
انتهى ملخصا.
فيه أمور:
أحدهما: أن هذا الحصر قد تابعه عليه في "الروضة" ويرد عليه كيفيات:
إحداها: أن ينوي الطهارة للصلاة أو لغيرها مما يتوقف على الوضوء فإنه يصح كما ذكره الشيخ في "التنبيه" وكذلك في "المهذب" وغاير بينها وبين ما إذا نوى الطهارة عن الحدث ووافقه عليه النووي في شرحه له وحكى اتفاق الأصحاب عليه إلا أن في هذه الصورة نظر، فإنه لو نوى
الجزء: 2 - الصفحة: 128
الطهارة ولم يقل عن الحدث لا تجزئه على الصحيح كما صرح به في "زوائد الروضة" وأفهمه كلام الرافعي وعلله في "شرح المهذب" بأن الطهارة قد تكون من حدث وقد تكون عن خبث، وهذا نفسه يأتي في صورتنا والتعرض فيها للصلاة ونحوها لا يزاحم هذا المعنى ولا يأتي هذا الإشكال في الاستباحة لأن الاستباحة؛ تتوقف على الحدث والخبث معا فيندرجان في نيتها بخلاف الطهارة.
الكيفية الثانية: أداء فرض الطهارة ذكرها جماعة منهم سليم الرازي في "التقريب".
الثالثة: أن ينوي الوضوء فقط فيصح كما صححه في "التحقيق" "وشرح المهذب" وفرق الماوردي بينه وبين ما إذا نوى الجنب الغسل بأن الوضوء لا يطلق على غير العادة بخلاف الغسل.
الأمر الثاني: أن نية الرفع والاستباحة ونحوهما لا إشكال فيها في غير الوضوء المجدد وأما المجدد فالقياس فيه الاقتصار على نية الطهارة والوضوء والتجديد ونحو ذلك على خلاف ما يقتضيه إطلاقه، إلا أن يقول قائل: تصح بالجميع كالصلاة المعادة غير أن ذلك مشكل خارج عن القواعد فلا يقاس عليه.
الأمر الثالث: ذكر الرافعي في نية الصلاة أنه لابد من قصد فعل الصلاة ولا يكفي إحضار نفس الصلاة غافلا عن الفعل.
والذي ذكره يتجه مثله هنا عند نية الوضوء والطهارة ونحوهما.
قوله: ولو نوى رفع بعض الأحداث صح وضوؤه على الأصح؛ لأن الحدث لا يتجزأ فإذا [ارتفع البعض ارتفع الكل، وقيل: لا لأنه لا يتجزأ فإذا] 103 نفي البعض نفي الكل، وقيل: إن لم ينف ما عداه صح وإن نفاه فلا، وقيل: إن نوى الأول صح وإلا فلا، لأن الأول هو الذي أثر في المنع وبعض
الجزء: 2 - الصفحة: 129
الطهارة، وقيل عكسه؛ لأن الآخر أقرب، وذكر بعضهم أن الخلاف فيما إذا نواه ونفي غيره فإن لم ينف صح بلا خلاف انتهى.
وهذه الطريقة أسقطها النووي من "الروضة".
واعلم أن هذه المسألة تشبه مسألة ذكرها الرافعي في الطلاق في آخر الباب الأول، وهي أنه إذا وطئ امرأتين واغتسل من الجنابة وحلف أنه لم يغتسل عن الثانية لم يحنث.
ورأيت في "شرح التلخيص" للشيخ أبي علي السنجي قبل كتاب الزكاة أن المرأة إذا كانت جنبًا فحاضت ثم اغتسلت وكانت قد حلفت أنها لا تغتسل عن الجنابة فالعبرة عنده بالنية فإن نوت الاغتسال عنها تكون مغتسلة عنهما وتحنث، وإن نوت عن الحيض وحده لم تحنث لأنها لم تغتسل عن الجنابة، وإن كان غسلها مجزئًا عنهما معًا.
قال: ورجح القفال الحنث هذا كلامه.
وقد ظهر لك أن الرافعي صور مسألة اليمين بحالة اتحاد النوع، وقد يؤخذ منها التخصيص أيضًا في الوضوء حتى إذا نوى ما عدا الأول من إفراغ النوع متعمدًا لم يصح كما لا تحنث في اليمين وهو متجه.
قوله في أصل "الروضة": فإن لم يكن الحدث المنوي واقعًا منه بأن قال: ولم يتم فنوى حدث اليوم، فإن كان غالطًا صح وضوؤه قطعًا، وإن تعمد لم يصح في الأصح.
انتهى.
وما ادعاه من عدم الخلاف ليس كذلك فقد خرجه الإمام والغزالي في "البسيط" على الخلاف في المسألة السابقة وهي ما لو نوى رفع بعض الأحداث، وستقف في التيمم على كلام آخر متعلق بالمسألة فراجعه.
قوله: فإن نوى ما يستحب له الوضوء كقراءة القرآن للمحدث وسماع الحديث وروايته والعقود في المسجد وغيرها فوجهان أظهرهما لا يصح
الجزء: 2 - الصفحة: 130
وضوؤه لأن هذه الأشياء مباحة مع الحدث فلا يتضمن قصدها قصد رفع الحدث، والوجهان جاريان فيما إذا كان الوضوء مستحبًا في ذلك الفعل لمكان الحدث كما ذكرناه من الأمثلة، وفيما إذا كان لا باعتبار الحدث كتجديد الوضوء، فإن القصد منه زيادة النظافة وقطع بعضهم في الثاني بنفي الصحة.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن تعبير الرافعي بالقعود يشعر بأن المار في المسجد لحاجة أو نحوها لا يستحب له ذلك، وكلام "الروضة" أيضًا يشعر به فإنه عبر بالجلوس وليس كذلك، فقد صرح في "شرح المهذب" باستحبابه في هذه الحالة، ولهذا عبر في "المحرر" بالدخول وسيأتي في الغسل ما يعضده أيضًا، والمسألة شبيهة بأن المأمور بتحية المسجد من أراد الجلوس أو كل من دخل؟ ولعلنا نذكره إن شاء الله تعالى في موضعه.
الأمر الثاني: في باقي الأمور التي استحبوا لها الوضوء وأرادها الرافعي بقوله وغير ذلك، وقد جمعها النووي في "شرح المهذب" "والتحقيق" فقال: يندب عند نوم وغضب وغيبة وأذان وإقامة وغسل جنابة ودرس علم ووقوف بعرفة وسعى وزيارة قبر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وفصد وحجامة وقئ وقهقهة مصلٍ وحمل ميت ومسه وأكل لحم جزور ولجنب أراد أكلًا وشربًا أو نومًا أو جماعًا أو خطبة لغير جمعة انتهى كلامه.
وتخصيص الغيبة ليس بجيد فقد قال في نواقض الوضوء من "شرح المهذب" الصحيح أو الصواب استحبابه من الكلام القبيح كالغيبة والنميمة والكذب والقذف والفحش وقول الزور.
وأيضًا فقد رأيت في "شرح فروع ابن الحداد" للقاضي الحسين بخط
الجزء: 2 - الصفحة: 131
تلميذه المعلق عنه استحباب الوضوء لزيارة القبور مطلقًا.
الأمر الثالث: في بيان الحالة التي يستحب فيها تجديد الوضوء والأصح أنه يستحب لكل من صلى به صلاة ما فرضا كانت أو نفلًا، ولا يستحب لغيره، كذا ذكره في "الروضة" في باب النذر من زوائده.
وحكى في "شرح المهذب" هنا وجوهًا أخرى.
أحدها: لا يستحب إلا إذا أدى به فرضًا.
والثاني: يستحب إذا فعل بالوضوء ما قصده لأجله.
والثالث: يستحب مطلقًا إذا فرق بينهما تفريقًا كبيرًا، فلو وصله بالأول كان في حكم غسلة رابعة؛ كذا قاله الإمام وغيره وصرحوا بكراهة التجديد إذا لم يرد بالأول شيئا.
والرابع: إن صلى بالأول أو سجد لتلاوة أو شكر أو قرأ القرآن في مصحف استحب وإلا فلا، والمراد بالأخير ما يتوقف عليه الوضوء، وبالثاني ما يتوقف عليه أو يندب له مع مراعاة ما سبق من فعل ما قصد.
واعلم أن تجديد التيمم والغسل غير مستحب على الصحيح، وتجديد الوضوء لماسح الخف يأتيك في بابه، وأما تجديد الوضوء المكمل بالتيمم لجراحة فإنه يستحب كما جزم به في "الذخائر" نقلًا عن القفال.
قال في "الكفاية": وفيه نظر لأنا إذا لم نستحب له الإتيان بالتيمم لم يكن المأتى به طهارة كاملة، والإتيان ببعض الطهارة غير مستحب اللهم إلا أن يقال: لما لم يكن استعمال الماء في الباقي والتيمم عنه غير مشروع صار ذلك البعض كالمفقود.
الأمر الرابع: في بيان محل الخلاف في صحته بنية التجديد وقد صوره
الجزء: 2 - الصفحة: 132
في "التتمة" بما إذا نوى ذلك مع علمه بأنه محدث، وكلام ابن الصباغ في أثناء فرع ابن الحداد خصهما بما إذا نوى ذلك وهو يعتقد أنه متطهر.
الأمر الخامس: أن النووي في "الروضة" قد وافق الرافعي على جريان الوجهين في الوضوء المجدد فقال: ولو نوى تجديد الوضوء فعلى الوجهين وقيل: لا يصح قطعًا، وناقض ذلك في "شرح المهذب" فقال: ولو نوى تجديد الوضوء أو الجنب غسلًا مسنونًا ففي ارتفاع حدثه طريقان:
أحدهما: أنه على الوجهين فيما يستحب له الطهارة.
والثاني: وهو المذهب القطع بأنه لا يرتفع حدثه ولا جنابته؛ لأن هذه الطهارة ليس استحبابها بسبب الحدث فلا يتضمن رفعه بخلاف الطهارة لقراءة القرآن.
قوله: ولو شك في الحدث بعد يقين الطهارة فتوضأ احتياطًا ثم تبين أنه كان محدثًا فهل يعتد بهذا الوضوء؟ فيه هذان الوجهان؛ لأن الوضوء والحالة هذه محبوب للاحتياط لا للحدث بخلاف العكس فإنه يصح.
انتهى.
والأصح من الوجهين المحال عليها أنه لا يصح وحينئذ فيقال: إذا كان وضوء الاحتياط غير صحيح فما الفائدة في استحبابه لأنَّه إن كان محدثًا فحدثه لا يرتفع وإن كان متطهرًا فلا حاجة إليه ولاسيما إذا لم يكن قد أدى به قبل الشك شيئًا من الصلوات، فإنه لا يستحب التجديد والحالة هذه وليس عن هذا الإشكال جواب شاف.
والصواب في هذه المسألة ما قاله الشيخ عز الدين ابن عبد السلام في "القواعد الكبرى" أن طريق الشاك في ذلك والحالة هذه أن يحدث ثم يتطهر قال: فإن لم يفعل لم [يحصل] 104 الورع على المختار لعجزه عن جزم
الجزء: 2 - الصفحة: 133
النية قال: وكذلك [إذا] 105 التبس عليه المني بالمذي فطريقه أن يجامع ثم يغتسل، وفي "شرح التعجيز" لمصنفه حكاية وجه ثالث في أصل المسألة أنه إن احتاط لشكه في أنه أحدث لم يصح أو في أنه تطهر صح؛ لأن نية رفع الحدث قويت بأن الأصل بقاء الحدث.
قوله: ولهذا ذكروا وجهين في اشتراط الإضافة إلى الله تعالى كما في الصوم والصلاة وسائر العبادات.
انتهى.
واعلم أن جريان الخلاف في الوضوء إنما أشار إليه الإمام بحثًا ثم رده فإنه.
قال: الوضوء من القربات، فلذلك أوجب الشافعي فيه النية، وإذا كان كذلك انقدح ذكر خلاف في أنه هل يشترط أن يضيفه إلى الله تعالى كما في الصلاة؟ لكن قد قطع أئمة المذهب بأنه لو نوى أداء الوضوء لفريضة الوضوء صحت نيته وارتفع حدثه، فالوجه أن يكتفي بما ذكره الأئمة هذا لفظه.
فأثبت الغزالي الوجهين فتابعه الرافعي عليه، وقد نبه ابن الرفعة أيضًا على هذا الذي نبهت عليه فثبت أن الوجهين لا أصل لهما.
قوله: والأولى ألا نجعل اعتبار النية في الوضوء على سبيل القربات بل نعتبرها للتمييز، ولو كان الاعتبار على وجه القربة لما جاز الاقتصار على أداء الوضوء وحذف الفريضة؛ لأن الصحيح أنه يشترط التعرض للفرضية في الصلاة وسائر العبادات.
انتهى كلامه.
وهو يقتضي وجوب التعرض للفرضية في الحج والعمرة، وليس كذلك فقد صرح الماوردي والبندنيجي وغيرهما كما قاله ابن الرفعة في صفة الصلاة
الجزء: 2 - الصفحة: 134
بأنه لا يجزئ فيهما؛ لأن من عليه فرضهما لو أحرم بالنفل لم يقع له بل للفرض، وأما الصوم فقد اختلف فيه كلام النووي كما تعرفه واضحًا في موضعه.
قوله: قال الشيخ أبو على: الموجب للطهارة هو الحدث وقيل: دخول الوقت، وقيل: أحدهما يشترط الآخر.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور:
أحدها: أن هذه المسألة قد أسقطها النووي فلم يذكرها في الروضة.
الثاني: أن الأصح فيها وجوبه بالحدث والقيام إلى الصلاة معًا كذا صححه النووي في "التحقيق" وفي "شرح مسلم" في باب جواز أكل المحدث للطعام ولم يذكره الرافعي البتة.
الثالث: ذكر الرافعي كلامًا حاصله أنه إذا توضأ قبل الوقت ناويًا للفرض إن أراد بالفرض ما يأثم الشخص بتركه، فإنه يتخرج على هذا الخلاف، وأما إذا أراد ما لابد منه في إيقاع الصلاة، فإنه يصح جزمًا وأن الصبي إذا نوى الفرض صح وضوؤه بالمعني الثاني دون الأول، ولم يذكر في الروضة شيئًا من ذلك، بل اختصر كلام الرافعي فقال: الأمر الثالث: فرض الوضوء أو أداء الوضوء وذلك كان قطعًا وإن كان الناوي صبيًا.
هذا لفظه.
ومما يتخرج أيضًا على هذا الخلاف ما إذا نوى أداء الوضوء] 106 اقبل الوقت وأراد بالآداء معناه المصطلح عليه، وقد يقال من فوائده أيضًا ما لو شرع في الوضوء ثم أراد قطعه باللمس مثلًا وقلنا بالصحيح وهو أنه لا يجوز قطع الواجب الموسع بعد الدخول فيه.
أما قطعه بما له فيه غرض صحيح فلا إشكال في جوازه وسيأتي نظير مسألة الكتاب في أول باب الغسل فراجعها.
الجزء: 2 - الصفحة: 135
قوله: كما لو كبر الإمام وقصد مع التحريم إعلام القوم لا يضر، انتهى كلامه، لم يتعرض في "الروضة" هنا لذكر هذه المسألة لكنها تؤخذ من كلامهم هناك.
قوله: ولو اقتصر على نية رفع الجنابة حصلت الجمعة في أصح القولين انتهى.
ذكره نحوه في "الشرح الصغير" أيضًا وخالفهما في "المحرر" فجزم فيه بعدم الحصول، فقال؛ ولو اغتسل لجمعة وجنابة حصلا أو لأحدهما حصل فقط، وهذا هو الذي صححه النووي في كتبه ونقله في "الروضة" وغيرها عن الأكثرين وحينئذ تكون الفتوى عليه.
واعلم أن في صحة الغسل بالنسبة إلى الجمعة عند الاقتصار على نيتها كلامًا ستعرفه في باب غسل الجنابة.
قوله: ولو نوى رفع الجنابة وغسل الجمعة فإن قلنا: لو اقتصر على غسل الجنابة لم تحصل الجمعة، فقضيته ألا يصح الغسل أصلًا كما نوى بصلاته الفرض والنفل جميعًا، وإن قلنا: تحصل.
فوجهان كالوجهين في ضم نية التبرد إلى رفع الحدث أصحهما أنه لا يضر.
انتهى كلامه ملخصًا.
وكله مدخول، فأما ما قاله في التفريع على القول الأول من عدم الصحة فقد جزم في "المحرر" بعكسه، وقد تقدم ذكر لفظه.
وأما تعليله بالتشريك بين الفرض والنقل فيشكل عليه ما إذا نوى بصلاته الفرض والتحية فإنه يصح.
وأما ما قاله في التفريع على القول الثاني فضعيف وقياسه على التبرد ممنوع؛ لأن ذاك تشريك بين عبادة وغيرها وما نحن فيه عبادتان.
لا جرم أن الشافعي -رحمه الله- قد نص على أنهما يحصلان له إذا
الجزء: 2 - الصفحة: 136
نواهما.
كذا رأيته في "شرح التلخيص" للقفال في باب النية وهو أوائل الكتاب ثم رأيته منصوصًا عليه في "مختصر البويطي" فقال ما نصه: ومن اغتسل بعد طلوع الفجر يوم الجمعة ينويه للجمعة والجنابة والحيض والعيد أجزأه ذلك إن شاء الله تعالى، هذا لفظ الشافعي بحروفه ومنه نقلت ولم يتعرض في "الروضة" لهذا البناء لكنه يتجه وهو إثبات الخلاف.
واعلم أن النووي في "الروضة" عبر بقوله حصلا على الصحيح ولم يصرح بمقابله وقد ظهر لك أن مقابله عدم الحصول في كل منهما للتشريك.
واعلم أن لمسألة التشريك نظائر منها إذا كبر للإحرام ونوى إعلام القوم فإنه لا يضر كما سبق قريبًا.
ومنها: إذا خطب يوم الجمعة على قصد الكسوف والجمعة فإنه لا يصح كما جزم به الرافعي والنووي وغيرهما ولا أعلم فيه خلافًا، ولهذا عبر الشافعي بقوله: خطب للجمعة وتعرض للكسوف، وتبعه الأصحاب على هذا التعبير.
ومنها: إذا صام في يوم عاشوراء مثلًا عن قضاء أو نذرٍ أو كفارة وأطلق أو نوى معه الصيام عن عاشوراء، أفتى قاضي القضاة شرف الدين البارزي بالصحة ووقوعه عنهما وهو مردود فإن القياس ألا يصح لواحد منهما.
ومنها: إذا كبر المسبوق تكبيرةً واحدةً وقصد التحرم والهوى فإنه لا يصح.
ومنها: إذا صلى الفائتة في ليالي رمضان ونوى معها صلاة التراويح، وقد ذكرها ابن الصلاح في "فتاويه" وقال: إن التراويح لا تحصل بل تحصل الفائتة، قال: والأفضل أن يصليها بعد التراويح وما ذكره من
الجزء: 2 - الصفحة: 137
حصول الفائتة ممنوع؛ لأن التشريك مقتضى للإبطال كما سبق.
وأما ما ذكره من استحباب تأخير الفائتة إلى ما بعد التراويح فممنوع أيضًا؛ لأن القضاء على الفور إما وجوبًا أو استحبابًا فكيف يؤخرها عن التراويح؟
قوله: فيما لو نوت المستحاضة ونحوها فريضة أو نافلة ثم النظر في كون المستباح فرضًا أو نفلًا أو مطلق الصلاة وفيما يباح لها إذا نوت النفل كما سيأتي في التيمم.
انتهى كلامه.
هذه المسائل أسقطها من "الروضة".
قوله: من "زياداته" ولو نسى اللمعة في وضوئه أو غسله ثم نسى أنه توضأ أو اغتسل فأعاد الوضوء والغسل بنية الحدث أجزأه بلا خلاف.
انتهى كلامه.
وليس كما قال من نفي الخلاف فقد رأيت في "شرح الفروع" للشيخ أبي على السنجي أن بعض أصحابنا ذهب إلى تخريجه على تفريق النية وفي ظني أنه ذكره في الكلام على الغسل.
واللمعة بضم اللام كذا قاله النووي في "الإشارات" التي على "الروضة"، قال الجوهري: واللمعة بالضم قطعة من البيت فكأن ما ذكره النووي مأخوذ من هذا.
قوله: الثانية: إذا فرق النية على أعضاء الوضوء فنوى عند غسل الوجه رفع الحدث عنه وعند غسل اليدين رفع الحدث عنهما وهكذا فوجهان:
أصحهما عند المعظم أنه يصح؛ لأنه يجوز تفريق أفعاله فجاز تفريق النية عليها.
وقيل: إن نوى رفع الحدث عن المغسول ونفي غسل سائر الأعضاء لم يصح وإلا فيصح، والمشهور أنه لا فرق.
انتهى ملخصًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 138
لم يصرح هنا بما إذا نوى عند كل عضو رفع الحدث وأطلق ولم يخصه بذلك العضو، وقد صرح بها ابن الصلاح في "مشكل الوسيط" وقال: إنها تتخرج أيضًا على هذا الخلاف وحينئذ فيكون للتفريق ثلاث صور.
قوله: من زوائده؛ ولو نوى الطهارة ولم يقل عن الحدث لم يجزئه على الصحيح المنصوص.
اعلم أن الشافعي قد نص في "البويطي" على الصحة فقال ما نصه: وإن نوى به الطهارة ولم ينو به صلاة مكتوبة ولا نافلة ولا جنازة ولا قراءة مصحف أجزأه أن يصلي به.
انتهى.
وقد نقل الأصحاب هذا النص ونقله هو أعني النووي في "شرح المهذب" وفي غيره من كتبه ولم ينقل نصًا يقتضي عدم الصحة ولم ينقله غيره أيضًا من المطلعين على النصوص كصاحب "البحر" وغيره؛ فكأنه في "الروضة" قد انعكس عليه ذلك، وبتقديره فكان يلزم أن يجعل الخلاف قولين.
واعلم أن الإجزاء في هذه المسألة قوي لأنه محلى بالألف واللام وهى للعموم عند الشافعي وأصحابنا كما أوضحته في "شرح منهاج الأصول"، وأيضًا فلأنه إذا لم يكن عليه نجاسة تعين الحدث بحسب الواقع وأيضًا فإن رفع الحدث شامل للأصغر والأكبر فتكون الطهارة أيضًا شاملة للحدث والنجس.
قوله.
فيها: لو نوت مغتسلة عن حيض تمكين زوج من وطء فأوجه الأصح يستبيح [الوطء والصلاة وكل شئ يقف على الغسل.
والثاني: لا يستبيح شيئًا.
والثالث: يستبيح الوطء] 107 وحده.
انتهى.
الجزء: 2 - الصفحة: 139
وهذه المسألة التي ذكرها من "زوائده" في غير موضعها قد ذكرها الرافعي في موضعها وهو باب الغسل فإنه قال: أما إذا نوى المغتسل استباحة فعل نظر إن كان مما يتوقف على الغسل كالصلاة والطواف فالحكم ما سبق في الوضوء، ومن هذا القبيل ما إذا نوت الحائض استباحة وطء الزوج [في أصح الوجهين] (1)، والثاني أن غسلها بهذه النية لا يصح للصلاة وما في معناها انتهى كلامه.
فاستفدنا منه الأوجه الثلاثة لأنه قد ذكر في الوضوء وجهًا أنه لا يصح بنية الاستباحة ثم أحال الغسل عليه فعلم منه ومن الوجهين الذين بعد الأوجه الثلاثة وقد اختصره في "الروضة" هناك بلفظ غير وافٍ كما ستعرفه.
وقول الرافعي تمكين الزوج وهو قريب مما ذكره الخوارزمي في "الكافي" فإنه قيد المسألة بما إذا نوت الوطء الحلال وهو يقتضي أن الاغتسال للوطء المحرم غير صحيح وفيه نظر.
الفرض الثانى: غسل الوجه
قوله: وحكى في الصدغين وجه أنهما من الوجه انتهى.
وهذا الذي حكاه وجهًا واقتضى كلامه استغرابه من جهة النقل نص عليه الشافعى، ورواه عنه البويطي والمزني كذا ذكره ابن الصلاح في "النكت" التي له على "المهذب" وصححه.
وحكى الماوردي عن أبي العياض البصري وجهًا ثالثًا أن ما استعلى منه عن الأذنين فهو من الرأس وما انحدر عنها فمن الوجه وصححه الروياني.
والصُدغ بضم الصاد كذا ضبطه الجوهري ويقال: بالسين أيضًا.108
الجزء: 2 - الصفحة: 140
قوله: ويدخل في حد الوجه موضع العمم؛ لأنه في تسطيح الجبهة وهذا إن استوعب الغمم جميع الجبهة، فإن لم يستوعب فوجهان أصحهما: أنه من الوجه أيضا.
. . . إلى آخره.
واعلم أن كلامهم يدل على أن هذا التردد محله فيما إذا اتصل الغمم بشعر الرأس، فإن انفصل عنه وجب غسله اتفاقًا وهو ظاهر.
قوله: وأما موضع التحذيف وهو الذي ينبت عليه الشعر الخفيف بين ابتداء العذار والنزعة ففيه وجهان أظهرهما عند المصنف أنه من الوجه، والذي عليه الأكثرون وهو الذي يوافق نص الشافعي أنه من الرأس.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما رجحه هنا قد رحجه أيضًا في "الشرح الصغير" فقال: إنه أظهر الوجهين وأوفقهما للنص وكذلك في "التذنيب" فقال: إنه الأرجح عند المعظم ثم خالف هذه الكتب كلها في "المحرر" فقال: أظهر الوجهين أنه من الوجه وهو غريب لتعبيره بالأظهر فيه وفي عكسه، والأول هو المفتى به للتصريح بنقله عن الأكثرين وهو الذي صححه النووي في كتبه.
الأمر الثاني: أن الخلاف في المسألة قولان، فإن الروياني في "البحر" نقل عن نصه في "الإملاء" أنه من الرأس، ونقل الإمام عن النص أنه من الوجه، وقد نقل النووي في "شرح المهذب" هذين النصين ثم قال: فحصل أنهما قولان لا وجهان خلافًا لما قاله سائر الأصحاب.
والنزعة بفتح النون وفتح الزاي أيضًا وحكيت لغة بإسكان الزاي.
قاله في "شرح المهذب".
الجزء: 2 - الصفحة: 141
قوله: في قولنا: من كذا إلى كذا وكلمتا "من" و"إلى" إذا دخلتا في مثل هذا الكلام قد يراد بهما دخول ما أوردتا عليه وقد يراد خروجه.
نظير الأول: حضر القوم من فلان إلى فلان.
ونظير الثاني: من هذه الشجرة إلى هذه الشجرة كذا ذراعًا انتهى كلامه.
واعلم أن هذه المسألة التى أجملها وهي غاية الابتداء والانتهاء في دخولهما خلاف عند النحاة والأصوليين والفقهاء، وقد بسط الأصوليون كلامهم فيها كما حررته في "شرح منهاج الأصول".
فأما غاية الابتداء فقد اختلفوا فيها على مذهبين، وأما غاية الانتهاء ففيها مذاهب.
أحدها: أن ما بعد الحرف مخالف في الحكم لما قبله أي ليس داخلًا فيه بل محكوم عليه بنقيض حكمه، لأن ذلك الحكم لو كان ثابتًا فيه أيضًا لم يكن الحكم فقهيًا منتهيًا، فلا تكون الغاية غاية وهو محال، وهذا مذهب الشافعي والجمهور كما قاله في البرهان.
والثاني: أنه داخل فيما قبله.
والثالث: إن كان من الجنس دخل وإلا فلا، نحو: بعتك الرمان إلى هذه الشجرة فينظر هل هي من الرمان أم لا؟
والرابع: إن لم يكن معه "من" دخل كما مثلناه فإن كان معه فلا نحو: بعتك من كذا إلى كذا.
والخامس: إن كان منفصلًا عما قبله بفصل معلوم بالحس كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْل﴾ [البقرة: 187]، فإنه لا يدخل وإلا فيدخل
الجزء: 2 - الصفحة: 142
كقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6] فإن المرفق ليس منفصلًا عن اليد بفصل معلوم غير مشتبه بما قبله وما بعده كفصل الليل من النهار بل بجزء مشتبه فلما كان كذلك لم يكن تعيين بعض الأجزاء بأولى من الآخر فوجب الحكم بالدخول وفي المحصول والمنتخب أن هذا التفصيل هو الأولى ومذهب سيبويه أنه إن اقترن "بمن" فلا يدخل، وإلا فيحتمل الأمرين، وقد نقله عنه في "البرهان" واختار الآمدي أن التقييد بالغاية لا يدل على شئ ولم يصحح ابن الحاجب شيئًا، وفائدة الخلاف ما إذا قال له: على من درهم إلى عشرة، أو قال: بعتك من هذا الجدار [إلى هذا الجدار] 109 والمفتي عليه عندنا أنه لا يدخل الجدران في البيع ولا الدرهم العاشر في الإقرار، وفي الفرق نظر.
قوله: ويجب غسل باطن الحاجبين والعزارين والأهداب ونحوها وإن كثفت لأن كثافتها نادرة والنادر ملحق بالغالب.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الإيجاب مشكل؛ لأنها وإن كانت نادرة لكنها إذا وقعت تدوم، وقاعدتنا أن النادر الدائم كالغالب وهذا البحث لا يأتي في لحية المرأة لأنه يستحب حلقها.
الأمر الثاني: أن النووي في "تصحيح التنبيه" قد نفي الخلاف في وجوب غسل الباطن في الخدين والأهداب ولحية المرأة والخنثى، وليس كذلك فإن فيها وجهين مذكورين في "الروضة" وغيرها.
قوله: الثاني: لو كان بعضه خفيفًا وبعضه كثيفًا ففيه وجهان أصحهما أن للخفيف حكم الخفيف وللكثيف [حكم الكثيف] 110 توفيرًا لمقتضى كل واحد
الجزء: 2 - الصفحة: 143
منهما.
والثاني: للكل حكم الخفيف وهو الذي ذكره في "التهذيب" وعلله بأن كثافة البعض مع خفة البعض نادرة فصار كشعر الذراع إذا كثف، ولك أن تمنع ما ذكره وتدعي أن الكثافة في البعض والخفة في البعض أغلب من كثافة الكل انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذا الخلاف إنما يأتي عند تمييز الخفيف من الكثيف فأما إذا لم يتميز فلا يأتي بالضرورة لكن ماذا يكون حكمه؟ لم يبينه، وقد بينه الماوردي فقال: حكمه حكم الخفيف بلا خلاف.
الثاني: أن ما نقله الرافعي هنا عن "التهذيب" غلط، والمذكور فيه إنما هو العكس فإنه قال ما نصه: كان كان بعض لحيته خفيفًا والبعض كثيفًا يجب إيصال الماء إلى باطن الخفيف دون الكثيف، وإذا نبتت للمرأة لحية كثيفة يجب إيصال الماء إلى باطنها لأنه نادر كما إذا كثف شعر الذراع يجب إيصال الماء إلى ما تحته في غسل اليد، هذا لفظ "التهذيب" بحروفه ومنه نقلته.
وسبب غلط الرافعي -والله أعلم- أن البغوي عبر بقوله: يجب إيصال الماء مرتين فانتقل نظر الرافعي وقت الكتابة من الأولى إلى الثانية، أو أنتقل نظر الناسخ فسقط من النسخة التي وقف عليها.
وكلام الرافعي هنا مما يعرف به جلالة قدره فإن فهمه لم يقبل هذا الكلام الغلط بل بحث فيه ورده.
واعلم أن الوجه ثابت كان ثبت غلط النقل عن "التهذيب"، فقد جزم القاضي الحسين بذلك في القطعة التي شرحها من "التلخيص" وعلله بكونه نادرًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 144
قوله: القسم الثاني: الشعر الخارج عن حد الوجه من اللحية طولًا وعرضًا لا يجب غسل باطنه قولًا واحدًا بل ظاهره في أصح القولين؛ لأنه تابع للوجه وتحصل به المواجهة.
انتهى.
وما ذكره في نفي الخلاف عن الباطن محله في الشعر الكثيف، أما الخفيف فالقولان جاريان في ظاهره وباطنه، كذا صرح [به جماعة وقال النووي] (1) في "شرح المهذب": إنه الصواب، وإن كلام من أطلق محمول عليه.
قوله من "زوائده": قال أصحابنا: يجب غسل جزء من رأسه ورقبته وما تحت ذقنه مع الوجه ليتحقق استيعابه، ولو قطع أنفه أو شفته لزمه غسل ما ظهر بالقطع [في الوضوء] (2) والغسل على الأصح.
انتهى.
وهاتان المسألتان في الرافعي مجزوم بهما، وحكى الدارمي وجهين متعلقين بالمسألة الأولى فقال وهل ويجب في نفسه أو لغيره على وجهين.
الفرض الثالث: غسل اليدين
قوله: قال الله تعالى: ﴿وأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ 113 وكلمة "إلى" قد تستعمل بمعنى "مع" كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ 114 وقوله: ﴿منْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ 115 وهو المراد هنا لما روى "أنَّ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه" 116 وروى أنه أدار الماء على مرفقيه ثم111112
الجزء: 2 - الصفحة: 145
قال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" انتهى كلامه.
واعلم أن الناس قد اختلفوا في أن اليد تطلق حقيقة على ماذا؟ فقال بعضهم: إلى الكوع واختاره القاضي أبو الطيب، وقيل: إلى المنكب وهو رأى الجمهور كما أو صحته في "شرح منهاج الأصول".
إذا علمت ذلك فما ذكره الرافعي تبعًا لغيره من حمل "إلى" هنا على معنى "مع" فاسد من جهة المعنى على القولين معًا.
أما على القول الأول فلأن الآية تفسير دالة على وجوب الغسل إلى الكوع ووجوب المرفق دون ما بينهما وهو الساعد ولا قائل به.
وأما على القول الثاني فلأنه يصير التقدير واغتسلوا إلى المنكبين مع المرفق ولا قائل به أيضًا مع ما فيه من ذكر ما لا فائدة له وهو المرفق.
فالصواب أن "إلى" باقية على حقيقتها اللغوية وهي الغاية وجعلها المحققون غاية الترك -أي واتركوا منها- إلى المرفق؛ لأن ما قبل الغاية لابد أن يكون متكررًا، وغسل اليد يتكرر قبل المرفق فلا يصح أن يكون هو المعني بخلاف الترك، والغاية لا تدخل في المعنى على المشهور فلا يدخل المرفق في الترك وحينئذ فيجب غسله وهو المدعى.
والحديث الأول رواه البيهقي بإسناد ضعيف.
والحديث الثاني هو معنى الأول.
قوله: الثالث: أن يكون القطع من مفصل المرفق فهل يجب غسل العظم، = وقال ابن الجوزى: هذا الحديث ضعيف، قال أحمد: القاسم بن محمد ليس بشيء، وقال أبو حاتم: متروك الحديث.
والشيخ الألبانى صحح الحديث بشواهده، وهو كما قال.
الجزء: 2 - الصفحة: 146
فيه طريقان: أحدهما: القطع بالوجوب، والثاني: قولان أصحهما الوجوب.
واختلفوا في مأخذ القولين، منهم من قال: مأخذهما أن المرفق في اليد السليمة يغسل تبعًا أم مقصودًا، فمن قائل: تبعًا وضرورة لاستيعاب غسل اليد إلى المرفق، ومن قائل: يغسل مقصودًا كسائر أجزاء محل الفرض.
ومنهم من قال: بل مأخذهما الخلاف في حقيقة المرفق، فمن قائل: المرفق عبارة عن طرف الساعد ولم يبق، ومن قائل: المرفق مجموع العظمتين وقد بقى أحدهما.
انتهى.
فيه أمران:
الأمر الأول: أن القائل بأن المرفق عبارة عن طرف عظم الساعد يقتضي قوله ألا يوجب غيره ولكن إنما أوجب غسل رأس العضد تبعًا وضرورة، والقائل بأنه عبارة عن المجموع يقول بأنه مقصود بالإيجاب وحينئذ فليس ذلك خلافًا كما زعمه الرافعي، وإنما هو اختلاف في التعبير اعتقد أنه خلاف محقق، وقد أشكل على ابن الرفعة ذلك فقال: ولم يظهر لي فرق بين الطريقين فأدرك -رحمه الله- عدم انتظامه دون السبب في وقوعه.
الأمر الثاني: أن الأصح من الطريقين هى طريقة القولين كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير" وجزم بها في "المحرر" وتبعه عليه النووي في "المنهاج" وصحح في "الروضة" طريقة القطع بالوجوب ولم ينبه على أنه من زياداته، بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له، فإن مخالف لما في أصله مناقض لما ذكره في غيره.
قوله: لأن للمعترض أن يقول: الإطالة في الوجه أن يغسل إلى اللبب
الجزء: 2 - الصفحة: 147
وصفحة العنق.
انتهى.
قال الجوهري: اللبب بكسر اللام صفحة العنق وهما لبتان هذا كلام الجوهري، ولفظ الرافعي موهم.
الفرض الرابع: مسح الرأس
قوله: لأن من أمر يده على هامة اليتيم صح أن يقال: مسح رأسه؛ ولأن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مسح في وضوئه بناصيته وعمامته ولم يستوعب.
انتهى.
هامة هي الرأس وجمعها هام أي بلا هاء والحديث المذكور في مسلم من رواية المغيرة بن شعبة.
قوله: وشرط الشعر المسموح ألا يخرج عن حد الرأس فلو كان مسترسلًا خارجًا عن حده أو جعدًا كائنًا في حد الرأس لكنه بحيث لو مد لخرج عن حده لم يجز المسح عليه؛ لأن الماسح عليه غير ماسح على الرأس.
واعلم أن كل شعر مد في جهة النبات يكون خارجًا عن حد الرأس وإن كان في غاية القصر، وكأن المراد المد في جهة الرقبة والمنكبين وهي جهة النزول.
انتهى كلامه.
وهذا التأويل والحمل الذي ذكره الرافعي قد أسقطه النووي من "الروضة" وإسقاطه له عجيب، فإن فهم المسألة متوقف عليه، وقد عبر في "الروضة" عن المسترسل بالسبط، وهو خلاف عادته في قصد الإيضاح، والسبط بفتح الباء وكسرها يقال: سبط شعره بالكسر سبط سبطًا بالفتح فيهما والجعد بإسكان العين هو المنقبض وفعله جعد بالضم.
قوله: وهل يشترط ألا يجاوز منبته؟ فيه وجهان: أحدهما: يشترط ذلك فلا يجوز المسح على ما جاوز منبته وإن كان في
الجزء: 2 - الصفحة: 148
حد الرأس فإنه كالغطاء لما تحته كالعمامة.
وأصحهما أنه لا يشترط لوقوع اسم الرأس عليه.
انتهى كلامه.
هذان الوجهان لم يتحر محلهما فإن المجاوزة إن أريد بها الارتفاع عن المنبت وهو البشرة حتى لا يجزئ ذلك على وجه، فالقول به عسر جدا بعيد ولا أظن أحدًا يقول به، فإن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان له شعر طويل وكان يمسح عليه.
وإن أريد بها انتتاف الشعر من أصله بدليل تشبيهه بالعمامة فحكاية الخلاف في إجزائه بعيدة فضلا عن تصحيحه.
ولما ذكر في "شرح المهذب" هذه المسألة قال: إن ظاهر نصه في "الأم" أنه لا يجزئ، فإنه قال: لو مسح شيئًا من الشعر على منابت الرأس قد أزيل عن منبته لم يجزئه، لأنه شعر على غير منبته فهو كالعمامة هذا نصه.
وتأوله الشيخ أبو حامد والمحاملي على ما إذا كان الشعر مسترسلًا خارجًا عن محل الفرض فعقصه في وسط رأسه وهو تأويل ظاهر، هذا كلامه في "شرح المهذب".
وإذا تأملت هذا النص وتشبيهه بالعمامة وجدته منطبقًا على ما ذكره الرافعي تصويرًا وتعليلًا، والظاهر المتبادر إلى الفهم أن المراد به الشعر المنتق كما أشرنا إليه لا التأويل الذي ذكره أبو حامد ومن تبعه.
وإذا علمت ذلك فنرجع إلى كلام الرافعي فنقول: قول من قال فيه: إنه لا يجزئ مراده حالة الانتتاف وهو الذي قلنا: أنه مراد الشافعي، وقول من قال: يجزئ إنما تكلم في الشعر المجاور للمنبت، وحينئذ فلا خلاف بينهما إذ لم يتطابقا على تصوير واحد كما فهمه الرافعي.
وقد حكى أيضًا في
الجزء: 2 - الصفحة: 149
"شرح المهذب" وجهين فيما إذا كان في حد الرأس، ولكنه لو مد لخرج عن حدها.
وحمل الخلاف على هذه الصورة صحيح أيضًا إلا أن الرافعي لم يردها فإنه قد ذكرها وجزم فيها بالمنع ثم ذكر هذه المسألة التي حكى فيها وجهين وصحح الإجزاء.
قوله في "زياداته": ولا تتعين اليد للمسح بل يجوز بأصبع أو خشبة أو خرقة أو غيرها.
انتهى.
هذه المسألة ذكرها الرافعي قبل هذا الموضع بأسطر فقال: ولو بل رأسه ولم يمر اليد ولا غيرها مما يمسح به فهل يجزئه؟ هذه عبارته.
قوله: أيضًا في "الزوائد": ولو كان له رأسان أجزأه مسح أحدهما، وقيل: يجب مسح جزء من كل رأس.
انتهى كلامه.
ومقتضاه أن الثاني وجه ثابت وليس كذلك بل هو احتمال للدارمي كذا ذكره في "شرح المهذب".
الفرض الخامس: غسل الرجلين
قوله: ولو اجتمع عليه حدث أصغر وأكبر وقعا معًا أو سبق الأصغر ففيه وجوه أصحهما ويجزئه الغسل ثم قال: أما إذا سبق الأكبر الأصغر فطريقان أحدهما طرد الخلاف، والثاني: الاكتفاء بالغسل بلا خلاف انتهى.
والأصح طريقة الخلاف، كذا صححه النووي في "الروضة" ولم ينبه على أنه من "زياداته" بل أدخله في كلام الرافعي فاعلمه.
الجزء: 2 - الصفحة: 150
الفرض السادس: الترتيب
قوله: لاسيما أن الغسل هو الأصل في حق المحدث وإنما حط عنه تخفيفًا.
انتهى.
هذا التعليل قد أسقطه من "الروضة" وحاصله أن الحدث الأصغر يعم جميع البدن والمرجح اختصاصه بأعضاء الوضوء ففي "التحقيق" أنه أصح الوجهين، وفي آخر صفة الوضوء من "شرح المهذب": إنه أرجحهما، قال: وفائدة الخلاف فيما إذا اغتسل.
قوله: في "الروضة": من اجتمع عليه حدثان أكبر وأصغر فيه أوجه.
الصحيح يكفيه غسل البدن بنية الغسل وحده ولا ترتيب عليه.
والثاني: تجب نية الحدثين إن اقتصر على الغسل.
والثالث: يجب وضوء مرتب وغسل البدن.
والرابع: يجب وضوء مرتب وغسل باقي البدن.
انتهى.
وهذا التعبير الذي وقع في حكاية: الرابع فاسد فإنه يجب غسل هذه الأعضاء عن الجنابة، ولا يكفى غسلها عن الوضوء ولو كان الواجب هو الوضوء لكان يكفي غسلها بنية.
والرافعي عبر بقوله: يشترط أن تكون أعضاء الوضوء مغسولة على الترتيب لأن الترتيب، من خواص الوضوء والتداخل إنما يأتي فيما يشترك فيه الشيئان، والتعبير المذكور صحيح فإنه لم يوجب وضوءًا مرتبًا بل غسلًا على ترتيب الوضوء.
قوله: فيها أيضًا: أما إذا غسل المحدث جميع بدنه فإن مكث زمنًا يأتي فيه الترتيب أجزأه على الصحيح، وإن لم يمكث أو غسل أسافله قبل أعاليه لم يجزئه على الأصح.
[قلت] 117: الأصح عند المحققين الإجزاء انتهى.
الجزء: 2 - الصفحة: 151
واعلم أن الرافعي قد ذكر في الصورة الأولى طريقة قاطعة أنه يجزئه ولم يذكرها في "الروضة".
قوله في المسألة: هذا كله إذا نوى رفع الحدث، فإن نوى الجنابة: فوجهان أحدهما: لا يجزئه لأنه نوى طهارة غير مرتبة، وأصحهما الجواز، والنية لا تتعلق بخصوص الترتيب نفيًا وإثباتًا.
انتهى.
وما ذكره من الصحة قد تابعه في "الروضة" على إطلاقه وهو مشكل بل ينبغي عدم الصحة عند التعمد، كما إذا نوى رفع حدث ليس عليه بل أولى.
وقد رأيت في "شرح فروع ابن الحداد" للقاضي الحسين وفي "التهذيب" للبغوي تصوير المسألة بذلك فتعين ما ذكرته.
قوله: والوضوء الذي جوز صاحبه أن يكون حدثه أكبر كما إذا خرج منه بلل واحتمل أن يكون منيًا وأن يكون مذيًا ففيما يلزمه ثلاثة أوجه.
أصحها أنه يتخير بين أن يغتسل أخذًا بأنه مني وبين أن يتوضأ ويغسل الثوب أخذًا بأنه مذي؛ لأنه إذا أتى بموجب أحدهما بقى الآخر مشكوكًا فيه انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن النووي قد تابعه في "الروضة" وفي أكثر كتبه على تصحيح التخيير ثم خالف في "شرح التنبيه" المسمى "بالتحفة" وفي "رؤوس المسائل" فقال: أظهرهما أنه يجب عليه العمل بموجبهما لكن الفتوى على التخيير، فإن الأكثرين كما قاله في "شرح المهذب" ذهبوا إليه.
الثاني: ذكر الشيخ عز الدين في "القواعد الكبرى" أن الورع لا يحصل بالاغتسال وقد تقدم بسطه في الركن الأول.
الجزء: 2 - الصفحة: 152
وللمسألة نظائر:
منها: إذا شكت المرأة هل عليها عدة طلاق أو وفاة أو كان عليه زكاة ولم يدر أنها بقرة أو شاة أو دراهم فيلزمه الجميع، كما لو كان عليه صلاة ولم يعرف عينها فإنه يلزمه الخمس، كذا نقله الشيخ عز الدين في "القواعد" أيضًا عقب الموضع الذي تقدم نقله عنه الآن، ثم استشكله الشيخ بأن الصلوات تيقنا شغل ذمته بها وشككنا في السقط بخلاف هذا.
والإشكال الذي ذكره الشيخ صحيح ثم إنا نحتاج إلى الفرق بينه وبين مسألتنا، ولعل الفرق أن موجب الأكبر والأصغر من جنس واحد وهو الغسل فأمكن الاكتفاء بالأقل عند الاشتباه بخلاف مسألة الزكاة.
وهذا الفرق قد ذكروا مثله في اللقيط، فإن الشافعي قد نص على قولين فيما إذا قذفه قاذف ونازعه في الحرية ونص في منازعة الجاني على أن القول قول اللقيط ولهذا قال في "التنبيه" في الجنايات: فيحلف ويقتص منه، وقيل: فيه قولان كالقذف وفرق الرافعي وابن الرفعة وغيرهما بما قلناه.
ومن النظائر أيضًا: مسألة الإناء المعروفة وهي: إذا كان عنده إناء من ذهب وفضة زنته ألف، ستمائة من نوع وأربعمائة من نوع، ولم يدر أيهما الأكثر وعسر عليه التمييز بالنار والامتحان بالماء، فيجب عليه إخراج زكاة ستمائة ذهبًا وستمائة فضة، وكذلك لو تعذر عليه إحضار آلات السبك يجب عليه المجموع أيضًا؛ لأن الزكاة على الفور صرح به الرافعي نقلًا عن الإمام.
والفرق بين هذه وبين مسألة الشك في الخارج أنه في الزكاة تيقن شغل ذمته بذهب وفضة فوجب عليه أن يبرئها بيقين ولا تتيقن البراءة إلا بما قلناه بخلاف الشك في الخارج، فإن الواجب أحدهما خاصة.
قوله: ويجري هذا الخلاف يعني الأوجه الثلاثة المذكورة في المسألة المتقدمة فيما إذا أولج خنثى مشكل في دبر رجل منهما بتقدير ذكورة الخنثى
الجزء: 2 - الصفحة: 153
جنبان وإلا محدثان.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" وفيه أمران.
أحدهما: أن الرجل المولج فيه محدث على كل حالٍ بالإخراج من دبره فينبغي أن يقال: إنه جنب ومحدث وإلا فمحدث.
فإن قيل: على تقدير ذكورة الخنثى فقد وجب على الرجل المولج فيه أكبر الأمرين فلا يجب أصغرهما.
قلنا: الأكبر يجب بالإيلاج والأصغر إنما يجب بالنزع.
والثاني: أن الأصح من تلك الأوجه هو التخيير بين الوضوء والغسل وحينئذ فيكون الأصح هو التخيير هنا أيضًا لكنه أعاد المسألة في أوائل الغسل وجزم بالوجه الثاني وهو وجوب الوضوء، واقتصر الرافعي في "الشرح الصغير" على المذكور في هذا الباب وهو القياس وجعلها قاعدة عامة فقال: ويجري هذا الخلاف في كل وضوء جوز صاحبه أن يكون حدثه أكبر ومثل بهذه المسألة.
قال -رحمه الله-: القول في سنن الوضوء
قوله: يسن الاستياك مطلقًا لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "السواك مطهرة للفم مرضاة للرب" 118 ولا يكره إلا بعد الزوال للصائم خلافًا لأبي حنيفة ومالك وأحمد.
انتهى.
الجزء: 2 - الصفحة: 154
فيه أمران أحدهما: أن النووي -رحمه الله- قد وافق في "الروضة" وفي أكثر كتبه على الكراهة المذكورة في حق الصائم، ورجح في "شرح المهذب" خلافه فإنه حكى قولًا آخر أنه لا يكره ثم قال: وهو المختار.
وفي كتاب الصيام عن القاضي حسين أنه يكره في الفرض ولا يكره في النفل خوفًا من الرياء بتقدير الترك.
الأمر الثاني: أن تعبيره بالصائم يقتضي أن الكراهة تزول بغروب الشمس والمسألة فيها وجهان:
أحدهما: ما ذكرناه.
والثاني: أنها تبقى إلى الفطر.
كذا حكاهما في "شرح المهذب" وقال: إن الأصح هو الأول، ونقل الثاني عن الشيخ أبي حامد، ثم ذكر أيضًا في كتاب الصيام من الشرح المذكور فرعًا يقتضي موافقة الشيخ أبي حامد، فإنه قال: ذكر صاحب "البيان" أنه يكره للصائم إذا أراد أن يشرب أن يتمضمض ويمجه وكأن هذا سببه بكراهة السواك للصائم بعد الزوال لكونه مزيلًا للخلوف هذا كلامه.
ونقل في "شرح التنبيه" المسمى "بالتحفة" كلام الشيخ أبي حامد ولم يذكر غيره.
فإن قيل: ينبغي رجحان هذا لأن الخلوف من أثر الصوم فلا يزال، وإن كان بعد الوقت فالجواب أن إطلاق الصائم عليه بعد الغروب إنما هو على سبيل المجاز؛ لأنَّه اسم فاعل قد انقضى فلا يدخل في قوله -عليه السلام-: "لخلوف فم الصائم" 119 فإن الخلوف إذ ذاك ليس من فم الصائم حقيقة.
الجزء: 2 - الصفحة: 155
والحديث الذي ذكره الرافعي صحيح رواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والنسائي والبيهقي في سننهما بأسانيد صحيحة وذكره البخاري في "صحيحه" في كتاب الصيام تعليقًا فقال: وقالت عائشة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "السواك مطهرة للفم مرضاة للرب" وتعليقات البخاري إذا كانت بصيغة جزم كالمذكور هنا صحيحة.
والمطهرة في الحديث بفتح الميم وكسرها كل إناء يتطهر به فشبه السواك به لأنه يطهر الفم.
قاله في "شرح المهذب".
قوله: لنا أنه يزيل أثر العبادة وهو خلوف الفم وأنه مشهود له بالطيب قال -عليه الصلاة والسلام-: "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" 120 وإذا كان كذلك فيكره إزالته كدم الشهيد انتهى كلامه.
فيه أمران.
أحدهما: أن مقتضاه أن دم الشهيد يكره إزالته وليس كذلك بل هو حرام، وبتقدير أن يكون المراد وهو الحرمة على خلاف ما تقتضيه العبارة فيقال له: كيف يصح قياس المكروه على الحرام؛ لأن هذا القياس إن لم يكن صحيحًا فلا كلام، فإن كان لزم استواء المقيس والمقيس عليه في الحكم.
الثاني: أن الرافعي قد أشار بطيب دم الشهيد إلى قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إنهم يأتون يوم القيامة وأوداجهم تشجب دمًا اللون لون الدم والريح ريح المسك" وحينئذ فلك أن تقول: ما الحكمة في تحريم إزالة هذا مع أن رائحته مساوية لرائحة المسك وعدم تحريم إزالة الخلوف مع كونه أطيب من ريح المسك؟ والخلوف بضم الخاء هو المتغير، والحديث الذي ذكره الرافعي رواه الشيخان من حديث أبي هريرة وقد وقع خلاف بين الشيخ
الجزء: 2 - الصفحة: 156
تقي الدين ابن الصلاح والشيخ عز الدين بن عبد السلام في أن رائحة المسك للخلوف هل هي في الآخرة فقط أم في الدنيا والآخرة؟ وصنف كل منهما في ذلك تصنيفًا، ولخص النووي في "شرح المهذب" كلامهما.
فالذي قاله الشيخ عز الدين إنهما في الآخرة لأنَّه قد ثبت في مسلم "لخلوف فم الصائم عند الله يوم القيامة" 121 وقال ابن الصلاح فيهما لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "لخلوف فم الصائم حين يخلف" 122 بفتح الياء وضم اللام روى هذه الزيادة ابن حبان في صحيحه قال: ولما روى الإمام الحافظ أبو بكر السمعاني من حديث جابر أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال "أعطيت أمتي في رمضان خمس خصال" ثم قال: "وثانيها أنهم يمسون وخلوف أفواههم عند الله أطيب من ريح المسك" 123 قال: وهو حديث حسن.
ولأن المراد بكونه عند الله أطيب من ريح المسك إنما هو الثناء عليه والرضا به وهو لا يختلف، هكذا فسره خلائق لا يحصون من الشافعية والمالكية والحنفية منهم الخطابي والبغوي وأبو عثمان الصابون وأبو بكر السمعاني وأبو حفص ابن الصغار الشافعيون، وأما رواية يوم القيامة فلأنها محل الجزاء كما قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات: 11] انتهى تلخيص ما قاله ابن الصلاح.
قوله: وإنما خص بعد الزوال لأن تغير الفم بسبب الصوم حينئذ يظهر.
انتهى كلامه.
وهذا المعنى الذي ذكره يلزم منه التفرقة بين من تسحر ومن لم يتحر وبين من تناول بالليل شيئًا وبين غيره، ولهذا قال الطبري في "شرح التنبيه" أو تغير
الجزء: 2 - الصفحة: 157
فمه بعد الزوال بسبب آخر كنوم أو وصول شيء كريه الريح إلى فمه فاستاك لذلك لم يكره.
قوله: ويتأكد في مواضع عند الوضوء والصلاة لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -["لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" 124 ومنها تغير النكهة وكان - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] 125، إذا استيقظ استاك وروى: "يشوص فاه بالسواك" 126، ومنها قراءة القرآن واصفرار الأسنان وإن لم يحصل في الفم تغير.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن النووي في "الروضة" قد زاد على هذه الأمور دخول المنزل والاستيقاظ من النوم للحديث الصحيح لكن الاستيقاظ قد ذكره الرافعي عند أسباب التغير كما نقلناه عنه واستدلاله بالحديث يشعر بأن النظر إلى المظنة لا إلى وقوع التغير حقيقة فاعلمه، وزاد في "الرونق" إرادة النوم.
الأمر الثاني: أن لفظ الصلاة لا يتناول سجدة التلاوة والشكر كما صرح به الرافعي في الأوقات المنهي عنها وفي غيره ومع ذلك فحكمهما حكم الصلاة في الشرائط والمستحبات، وحينئذ فيكون المتجه استحباب السواك لهما وكذلك للطواف أيضًا.
الأمر الثالث: أن مقتضى كلامه وقد صرح به في "شرح المهذب" أيضًا أنه لا فرق بين أن يصلي بالوضوء أو بالتيمم أو بلا طهارة بالكلية كفاقد الطهورين ولا بين أن يصلي الفرض أو النفل حتى لو أراد أن يصلي صلاة
الجزء: 2 - الصفحة: 158
ذات تسليمات كالضحى والتراويح والتهجد استحب أن يستاك لكل ركعتين وإطلاقه أيضًا يقتضي أن صلاة الجنازة كغيرها وهو ظاهر.
والحديثان المذكوران رواهما الشيخان.
والفكهة ريح الفم، ويشوص بالشين المعجمة والصاد المهملة معناه يغسل وينظف قاله الجوهري.
قوله: والأحب أن يكون يابسًا لين بالماء دون ما لم يلين.
انتهى.
ذكر في "الروضة" أيضا مثله وتقييده بالماء يشعر بأن هذا الاستحباب لا يحصل بالتليين بالريق وفيه نظر والمتجه حصوله وكذا غمه في ماء الورد ونحوه لاسيما عند عدم الماء ورأيت في شرح الكفاية للصيمري أنه يكره] 127 غمسه في وضوئه وأنه يستحب غسله للاستياك به ثانيًا.
قوله: نعم لو كان جزءًا منه كأصبعه الخشنة ففيه ثلاثة أوجه أظهرها لا يجزئ لأنه لا يسمى استياكًا، ثم قال: والثاني يجزئ والثالث: إن فقد غيرها أجزأ وإلا فلا.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن التقييد يجزئه والتمثيل بأصبعه يؤخذ منه أن صورة المسألة في الأصبع المتصلة، فإن انفصلت وقلنا بطهارتها اتجه الإجزاء وإن كان دفنها واجبًا على الفور.
وإن قلنا بنجاستها ففي الإجزاء نظر يجري في كل آلة النجسة فلا يبعد القول بالإجزاء ووجوب غسل الفم لأجل النجاسة وإن عصى باستعمالها.
الجزء: 2 - الصفحة: 159
الثاني: أن التقييد بذلك للاحتراز أيضًا عن أصبع غيره فإنها تجزئ قطعًا كما قاله النووي في "شرح المهذب" و"دقائق المنهاج".
والثالث: أن النووي في "الروضة" قد اختصر كلام الرافعي اختصارًا فاسدًا، فإنه حذف التقييد المذكور فقال: ولا يحصل بأصبع خشنة في أصح الأوجه وذكر مثله في "التحقيق" "والفتاوى" أيضًا.
فاعلم ذلك.
الرابع: أنه قد وافق في هذه الكتب على تصحيح عدم الإجزاء وخالف في "شرح المهذب" فقال المختار إجزاؤه مطلقًا، قال: وبه قطع القاضي حسين والمحاملي في "اللباب" والبغوي واختاره في "البحر" انتهى.
ورأيته مقطوعًا به أيضا في "الرونق" لأبي حامد.
واعلم أن لهذه المسألة نظائر.
منها: إذا استنجى باليد وفيه وجوه أصحها: أنه لا يجوز ولا يجزئ، وثانيها: نعم، وثالثها: يجوز في يد نفسه دون غيره، ورابعها: عكسه.
ومنها: ستر العورة باليد فإن كان بيد غيره جاز قطعًا وكذا بيد نفسه على الصحيح، ومنها: السجود على اليد وهو جائز على يد غيره قطعًا ويمتنع على يده قطعا.
ومنها: ستر الرأس باليد في الإحرام وهو جائز مطلقًا.
قوله: وفي "النهاية" "والوسيط": يستحب السواك طولًا وعرضًا فإن اقتصر على إحدى الجهتين فالعرض أولى؛ لما روي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "استاكوا عرضًا" 128 وقال آخرون يستاك عرضًا لا طولًا.
ورووا في الخبر "استاكوا عرضًا لا طولًا".
الجزء: 2 - الصفحة: 160
فعلى الأول لا يتعين العرض في إقامة هذه السنة وإنما هو أولى.
وعلى الثاني هو متعين.
انتهى.
قلت: إن النووي في "الروضة" قد اختصر هذا الكلام كله بقوله: ويستحب أن يستاك عرضًا هذا لفظه من غير زيادة عليه فحذف أمرين:
أحدهما: المقالة الأولى وهي مقالة الإمام والغزالي.
والثاني: أن الاستياك بالعرض هل هو متعين لإقامة السنة أم لا؟ وهي مسألة مهمة.
والحديث الأول رواه أبو داود في مراسيله ولفظه: "إذا استكتم فاستاكوا عرضًا".
قوله: ولو نسى التسمية في الابتداء أتى بها في الأثناء ثم قال: فإن تركها عمدًا فهل يشرع التدارك؟ فيه احتمال.
انتهى.
ذكر الرافعي في الضحايا ما يقتضي أنه يأتي بها سواء تركها عمدًا أو نسيانًا، وصرح به في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة" فقال: قد صرح أصحابنا بالتدارك في حالة التعمد أيضًا، قال: وممن صرح به المحاملي في "المجموع" والجرجان في "التحرير" انتهى.
لكن كلام "المحرر" يدل على أنه لا يأتي بها فإن قيد الإتيان بها بالترك نسيانًا فقال: فإنه نسى في الابتداء سمى إذا تذكر في الأثناء وذكر نحوه في "الحاوي الصغير" ولفظ الشافعي في "الأم" يوافقه فإنه قال: فإن سهى عنها سمى متى ذكر إن ذكر قبل أن يكمل الوضوء هذه عبارته، وذكره كذلك أيضًا جماعات منهم الماوردي والبغوي وصاحب "البيان".
قوله: من زوائده قال أصحابنا: وتستحب التسمية في ابتداء كل أمر ذي
الجزء: 2 - الصفحة: 161
بال من العبادات وغيرها.
انتهى.
وهذه الزيادة قد ذكرها الرافعي قبل هذا بألفاظ قلائل وعبر بلفظ، البال كما عبر به النووي مراعاة للحديث فحذفه من "الروضة" ذهولًا ثم استدركه.
قوله: ومن سننه غسل اليدين إلى الكوعين قبل غسل الوجه كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يفعل ذلك في وضوئه.
انتهى.
والحكم الذي ذكره صحيح والحديث ثابت في الصحيحين لكن تعبيره بقوله قبل غسل الوجه تعبير عجيب تبعه عليه في "الروضة"، والظاهر أنه إنما إذا أراد التعبير بقوله قبل المضمضة فإنه لم يتعرض لبيان وقته في غير هذا الموضع والمنقول فيه وهو الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة ما ذكرناه فلنذكره مع وقت باقي السنن المتقدمة على غسل الوجه فإن الرافعي لم يستوف ذلك وهو أمر مهم.
فنقول: قال الشافعي في "المختصر" وإذا قام الرجل إلى الصلاة من نومٍ أو كان غير متوضئ فأحب أن يسمى الله ثم يفرغ من إنائه على يديه ويغسلهما ثلاثًا ثم يتمضمض إلى آخره، هذا لفظ الشافعي وعليه جرى أئمة المذهب عند شرحهم له المتقدمون منهم والمتأخرون وعبارة الشيخ أبي حامد في "التعليق" فأما الهيئة فالتسمية أولا ثم غسل الكفين ثم المضمضة وذكر جماعة مع ذلك وقت السواك فقالوا: يبتدئ به قبل هذه الأشياء ومن هؤلاء القفال الكبير الشاشي في كتاب "محاسن الشريعة" والماوردي في "الإقناع" والغزالي في ["الوسيط"] 129 فإنهم قالوا: السواك ثم التسمية ثم غسل الكفين ثم المضمضة، وذكر في "البيان" نحوه، وقد صرح الرافعي بحكم
الجزء: 2 - الصفحة: 162
المضمضة مع الاستنشاق، وصحح أن الترتيب بينهما مستحق كما سيأتى، وأما غسل اليد فلم يصرح بحكمه في الشرح بل عبارته موهمه فإنه قال: ومن سننه غسل اليد قبل غسل الوجه هذا لفظه وتبعه عليه في "الروضة" وذكر في "المحرر" ما يدل على تقديمه على المضمضة.
ولكن أهمله في "المنهاج" فقال: ومنها غسل اليدين إلى الكوعين في أول الوضوء هذه عبارة "المحرر".
وقد سبق من النص وكلام الأصحاب قريبًا ويأتيك أيضًا من الأحاديث الصحيحة ما يوافقه، وهل ذلك على سبيل الاستحقاق أو الاستحباب؟ فيه وجهان أصحهما في "الروضة": أنه على سبيل الاشتراط كذا حكاه في "شرح المهذب" وحاوله في "الروضة" فانعكس عليه كما ستعرفه.
وأما التسمية: فليس في كلام الرافعي والنووي تصريح بتقديمها على غسل اليدين ولا مقارنتها، وقد سبق من نص الشافعي المذكور وغيره أنها متقدمة ولكن المتجة أن ذلك ليس على سبيل الاشتراط بل لو قيل باستحباب المقارنة لم يبعد وهو ما اقتصر عليه في "الكفاية" ناقلا له عن بعضهم استنتاجا من كلام "التنبيه" وكأنه أراد به الشيخ تاج الدين فإنه جزم به في "الإقليد".
وأما: السواك فقد تقدم عن "الوسيط" "والبيان" وغيرهما أنه متقدم على الجميع، وكلام الرافعي والنووي يشير إليه، وقال الإمام: الظاهر أنه بعد غسل الكفين وقبل المضمضة كذا ذكره في "مختصر النهاية" في باب السواك ولم يتعرض له في "النهاية" وتابعه عليه ابن الصلاح في "مشكل الوسيط" وعبر بالظاهر كما عبر ولا شك أنه أخذه منه.
الجزء: 2 - الصفحة: 163
ويدفعه ما رواه مسلم في "صحيحه" 130 عن ابن عباس أنه بات عند نبي الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذات ليلة فقام نبي الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من آخر الليل فنظر إلى السماء من آخر الليل ثم تلا هذه الآية في آل عمران ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَار﴾ 131 حتى بلغ ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ثم رجع إلى البيت فتسوك وتوضأ، ثم قام فصلى ثم اضطجع ثم قام فخرج فنظر إلى السماء فتلا هذه الآية ثم رجع فتسوك فتوضأ ثم قام فصلى.
قوله: ثم من يدخل يديه في الإناء ولم يتقين طهارتهما يكره له ذلك قبل الغسل قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا فإنه لا يدري أين باتت يده 132.انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن تعبيره بقوله: ولم يتيقن طهارتها يدخل فيه أربعة أقسام وهي تيقن النجاسة وظنها وتوهمها واستواء الأمرين.
ودخولها صحيح إلا القسم الأول؛ لأن إدخال اليد عند تيقن النجاسة مفسد للماء وحينئذ فيكون استعماله محرمًا لا مكروهًا، فإن المراد كراهة الإدخال عند إرادة الاستعمال بلا شك، فإن لم يرد استعماله فيكون شبيهًا بالبول في الماء القليل وسيأتي حكمه في باب الاستنجاء.
الأمر الثاني: وقد سبق في الطهارة: أن الماء إذا طهر إحدى اليدين فإنه لا يجوز نقله إلى تطهر الأخرى على المعروف، وإذا استحضرت ما قالوه وجدته هنا شيئًا يقع فيه كل مغترف ولا يمر بالبال فتأمله، ولا أظن أحدًا هنا
الجزء: 2 - الصفحة: 164
يوجد: ما تقتضيه تلك المقالة، وحينئذ فيكون مخالفًا له والصواب ما دل عليه كلامهم هنا.
الأمر الثالث: هذه الغسلات هي الثلاث الندوبة في أول كل وضوء، ولكن طلب تقدمها على الغمس عند الشك، كذا صرح به جماعات منهم البندنيجي والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ وفي كلام الرافعي أيضًا إشعار به.
الأمر الرابع: إنما قال في الإناء ليحترز عن البركة ونحوها والراد إناء فيه دون قلتين بلا شك وقد نبه عليه في "الدقائق".
نعم الماء وإن كثر فحكمه حكم الماء القليل.
الأمر الخامس: أن استدلال الرافعي بالحديث المذكور يشعر بأن الكراهة لا تزول إلا بالغسل ثلاث مرات، والأمر كذلك، فقد نص عليه الشافعي في البويطي فقال: فين لم يغسلها إلا مرة أو مرتين أو لم يغسلها أصلًا حين أدخلهما في وضوئه فقد أساء.
هذا لفظه بحروفه ومن البويطي نقلته.
وجزم به في "الروضة" فقال: نص عليه البويطي وصرح به الأصحاب للحديث الصحيح.
واعلم أن التقييد بالثلاث رواه مسلم، وأما البخاري فروى الحديث بدون هذه الزيادة.
قوله: فإن تيقن طهارة يديه فهل يكره له الغمس قبل الغسل؟ فيه وجهان: أظهرهما لا بل يتخير بين تقديم الغمس وتأخيره.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن هذا الكلام يشكل على ما سبق عن البويطي والأصحاب، فإنه إذا غسل مرةً أو مرتين فقد تيقن طهارة يده، وقد قالوا: إذا تيقن طهارة اليد لا يكره الغمس على الصحيح بالجمع بين عدم الكراهة عند
الجزء: 2 - الصفحة: 165
المتيقن وبين بقاء الكراهة إلى التثليث كيف يصح وليس عنه جواب شاف.
الأمر الثاني: بل يتخير بين تقديم الغمس وتأخيره أشار به إلى مسألة حسنة، وهو أنه كما لا يكره الغمس قبل الغسل عند تيقن الطهارة على الصحيح لا يستحب له أيضًا في هذه الحالة تقديم الغسل على الغمس ويباح له ما يشاء؛ لأنه أضرب عن المكروه [وجعله مخيرًا فامتنع أن يكون التخيير في أصل الجواز لأن المكروه] 133 أيضا جائز فتعين ما قلناه من إرادة الإباحة، وقد صرح النووي في "تصحيح التنبيه" بهذه المسألة وحكى فيها وجهين وصحح عدم الاستحباب كما قلناه.
وأسقط النووي هذه المسألة من كلام الرافعي لظنه أن الكلام المذكور لا فائدة له ولم يذكرها أيضًا من زوائده، وذكر قريبًا من ذلك في "شرح المهذب" وأما في "التحقيق" فذكر خلافًا واحدًا ولم يبين هل هو خلاف في الكراهة أو الاستحباب فتلخص أنه لم يصرح بهذه المسألة إلا في "تصريح التنبيه".
الأمر الثالث: أن النووي قد ذكره في "تصريح التنبيه" أنه إذا تيقن الطهارة لا يكره الغمس بلا خلاف، فإنه عبر بالصواب وقد اصطلح في خطبة الكتاب على أنه يعبر بالصواب حيث لا خلاف ودعوى عدم الخلاف غريب فإنه مشهور لاسيما أنه عبر عنه في "الروضة" بالأصح وقد اصطلح فيها على أن الأصح من الخلاف القوي.
وفي "الحاوي" أن الصحيح من المذهب الذي عليه الجمهور استحباب تقديم الغسل عند تيقن الطهارة، وذكر في النهاية نحوه أيضًا.
قوله: والمضمضة والاستنشاق مستحبان ثم أصل الاستحباب يتأدى بإيصال الماء إلي الفم والأنف، سواء كان بغرفة واحدة أم أكثر، انتهى كلامه.
الجزء: 2 - الصفحة: 166
تابعه في الروضة على تفسير المضمضة والاستنشاق بما ذكره وهو يقتضي أمرين:
أحدهما: أن إدارة الماء في فيه ليست بشرط وهو أصح الوجهين في "زوائد الروضة" لكن نص الشافعي على أنها تشترط كذا حكاه في "البيان" عن الشيخ أبي حامد.
الثاني: أن مج الماء لا يشترط حتى يحصل ذلك مع ابتلاعه، وبه صرح القاضي أبو الطيب والمتولي وجزم به النووي في "شرح المهذب" وفي كلام جماعة ما يشعر باشتراطه وجذب الماء بالنفس إلى الفم ثم تثره كالإدارة والمج في المضمضة، [وذكر العلماء من فوائد غسل الكفين والمضمضة] 134 والاستنشاق أولًا معرفة أن الأوصاف الثلاث التي للماء وهي اللون والطعم والرائحة هل تغيرت أم لا؟ .
قوله: وأصح القولين وبه قطع بعضهم: أن الفصل بين المضمضة والاستنشاق أفضل من الجمع لما روى عن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده قال: رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يفصل بين المضمضة والاستنشاق 135. ورواه عثمان وعلي -رضي الله عنهما- كذلك ولأنه أقرب إلى النظافة، فعلى هذا يأخذ غرفة يتمضمض منها ثلاثًا وأخرى يستنشق منها ثلاثًا لأن عليًا رواه كذلك، وقيل: يفعلهما بست غرفات انتهى ملخصًا.
ومصرف بصاد مهملة مفتوحة ثم راء مشدودة مكسورة بعدها فاء وحديثه رواه أبو داود ولم يضعفه 136، فيكون حجة عنده وأما رواية ذلك
الجزء: 2 - الصفحة: 167
عن عثمان وعلي فرواها ابن السكن في كتابه المسمى "بالسنن الصحاح المأثورة"، وأما الرواية الأخيرة عن على فأنكرها ابن الصلاح.
قوله: وإن قلنا بالجمع ففي كيفيته وجهان أصحهما أنه يأخذ غرفة يتمضمض بها ويستنشق ثم ثانية كذلك ثم ثالثة كذلك، روى ذلك عن عبد الله بن زيد.
ثم قال: والثاني أنه يأخذ غرفةً واحدة يتمضمض منها ثلاثا ويستننشق ثلاثًا وعلى هذا وجهان.
أحدهما يخلط فيتمضمض ويستنشق مرة بما معه ثم يفعل ذلك ثانيًا وثالثًا.
والثاني يقدم المضمضة على الاستنشاق.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن المرجح من هذين الوجهين الأخيرين هو الخلط كذا رجحه الرافعي في "الشرح الصغير" فقال أحسنهما أنه يخلط وصحح النووي في "الروضة" الوجه الثاني منهما وهو تقديم المضمضة ولم ينبه على أنه من زياداته بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.
الأمر الثاني: أن تفريع هذين الوجهين أعني الأخيرين على قول الجمع ذكره أيضًا في "الشرح الصغير" وهو تفريع فاسد فإن الأخير منهما وهو تقديم المضمضة من تفاريع قول الفصل [137 وهو إنما يفرع على قول الجمع وقد تبعه النووي في "الروضة" على ذلك وزاد فصححه كما تقدم، وما = ومثل هذا من أبي داود يُعد تضعيفا للحديث المذكور.
وقال النووي في "تهذيب الأسماء واللغات": اتفق العلماء على ضعفه.
الجزء: 2 - الصفحة: 168
نقله الرافعي عن عبد الله بن زيد من كونه يفصل بثلاث غرفات.
رواه عنه البخاري في "صحيحه" 138، وأما أصل الجمع فرواه عنه الشيخان.
قوله: فالمبالغة في المضمضة أن يبلغ الماء إلى أقصى الحنك ووجهي الأسنان واللثاث ويمر الأصبع عليها وتصعيد ماء الاستنشاق بنفسه إلى الخيشوم مع إدخاله الإصبع وإزالة ما هناك من أذى.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن النووي في "الروضة" قد أسقط اللثاث.
الثاني: أنه قيد الأصبع المذكور [ثانيًا باليسرى] 139.
قوله: لكن لو كان صائمًا لا يبالغ فيهما كيلا يصل الماء إلى الدماغ والبطن، وقد روى عن لقيط بن صبرة قال: قلت: يا رسول الله أخبرني عن الوضوء فقال: "أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا" 140 انتهى.
لم يبين الرافعي ولا النووي في "الروضة" هنا حكم المبالغة والحالة هذه هل هي حرام أو مكروهة؟ والصحيح كراهتها كذا جزما به في كتاب الصيام في الكلام على ما إذا بقى بين أسنانه طعام وجزم به هنا النووي في "شرح المهذب" وحكى ابن الرفعة فيه وجهين من غير ترجيح.
أحدهما: أنهما مكروهة، وعزاه إلى البندنيجي وابن الصباغ.
الجزء: 2 - الصفحة: 169
والثاني: أنها محرمة وعزاه إلى كتاب الصيام من تعليقة القاضي أبي الطيب.
ولقائل أن يقول: ما الفرق على الصحيح هنا بينه وبين القبلة إذا خشى الإنزال؟ فإن الأصح تحريمها مع أن العلة في كل منهما هو خوف الفساد.
ولقيط بلام مفتوحة مكسورة قاف مكسورة ثم ياء بنقطتين من تحت وصبره بصاد مهملة مفتوحة بعدها باء موحدة وصبرة جده فإنه لقيط بن عامر بن صبرة العقيلي يكنى أبا رزين، وحديثه هذا رواه الترمذي في كتاب الصيام وقال: إنه حسن صحيح، ورواه أيضًا أبو داود والنسائي وغيرهم بأسانيد صحيحة.
قوله: قلنا: ورد في رواية الرُّبيع بنت معوذ أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مسح رأسه مرتين 141. انتهى.
الرُّبيع بضم الراء وفتح الباء وتشديد الياء المكسورة، ومعوذ بضم الميم وفتح العين وتشديد الواو وبالذال المعجمة، وهو معوذ ابن عفراء وحديثها هذا رواه البيهقي وضعفه، فإنه من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل وهو ضعيف عند أكثر أهل الحديث.
قوله: وما لا يجب إيصال الماء إلى باطنه ومنابته من شعر الوجه يستحب تخليله، وعن المزني أن التخليل واجب ورواه ابن كج عن بعض الأصحاب فإن أراد المزني فتفرداته لا تعد من المذهب إذا لم يخرجها على أصل الشافعي.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن مراد قائل هذا كما قال في "الروضة": إنما هو وجوب
الجزء: 2 - الصفحة: 170
إيصال الماء إلى المنبت.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد ذكر في حق المزني في كتاب الخلع ما يخالف هذا فقال في الباب الثاني عنه نقلًا عن الإمام من غير مخالفة له ما نصه: وأرى كل اختيار للمزنى تخريجًا فإنه لا يخالف أصول [أصول الشافعي لا كأبي يوسف ومحمد فإنهما يخالفان أصول] 142 صاحبهما انتهى.
وقد أسقط النووي هذين الموضعين فلم يذكرها في "الروضة" وقد رأيت في "النهاية" وكأنه في نواقض الوضوء عكس، ما نقله الرافعي في الخلع عنه فقال إن خرج يعني المزني فتخريجه أولى من تخريج غيره، وإلا فالرجل صاحب مذهب مستقل وقد تقدم التنبيه على ذلك في ترجمة المزني.
قوله: في أصل الروضة ولو لم يرد نزع ما على رأسه من عمامة أو غيرها مسح ما تحت الرأس ويسن تتميم المسح على العمامة.
انتهى كلامه.
والمراد بقوله: ولو لم يرد ذكره الشيخ في "المهذب" فتابعه النووي في شرحه له ثم عبر به في "الروضة" ومقتضاه أنه لا فرق في ذلك بين أن يعسر عليه تنحية ما على رأسه أم لا، والذي جزم به الرافعي أن محله عند العسر فقال: ولو عسر عليه تنحية ما على رأسه من عمامة وغيره إلى آخره هذه عبارته.
وذكر نحوه في "المحرر" "والشرح الصغير" "والمنهاج" وكذلك في "الكفاية" فقال: لو كان به أذىً منعه من الاستيعاب إلى آخره.
قوله: أيضًا في "الروضة": ولا يكفي الاقتصار على العمامة قطعًا انتهى كلامه.
وما ادعاه من عدم الخلاف ليس كذلك، فقد رأيت في "البحر" عن محمد بن نصر المروزي من كبار أصحابنا أنه يكفي سواء أوضع العمامة علي طهر أم لا ولم يتعرض الرافعي لعدم الخلاف.
الجزء: 2 - الصفحة: 171
قوله: في الكلام على مسح الأذنين والأحب في إقامة هذه السنة أن يدخل مسبحته في صماخيه ويديرهما على المعاطف ويمر إبهاميه على ظهورهما ثم يلصق كفيه وهما مبلولتان بالأذنين استطهارًا.
انتهى كلامه.
وما ذكره من الكيفية المحبوبة قد أسقطها جميعها من "الروضة".
واعلم أن الرافعي قد ذكر قبل ذلك بقليل أنه يستحب مسح الصماخين بماء جديد، ثم ذكر هذه الكيفية فكأنه أراد أنها جامعة لجميع ما سبق وإلا لزم مسح الصماخين ست مرات.
قوله: ومن المستحبات مسح الرقبة روى أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "مسح الرقبة أمان من الغُلّ" 143 وهل هو سنة أم أدب؟ فيه وجهان، والسنة والأدب مشتركان في أصل الاستحباب.
لكن السنة تأكد شأنها والأدب دون ذلك انتهى.
الصحيح عند الرافعي: أنه سنة كذا صححه في "الشرح الصغير".
واعلم أن النووي قد خالف في أصل الاستحباب فقال من زوائده: ذهب كثيرون من أصحابنا إلى أنها لا تمسح؛ لأنه لم يثبت فيها شيء، ولهذا لم يذكره الشافعي ومتقدمو الأصحاب وهذا هو الصواب انتهى.
واعلم أن مقتضى كلام الحموي أن فيه قولين وأن الجديد منهما عدم استحبابه، فإنه قال: هذا مع أن مسح الرقبة ليس سنة على الجديد.
هذه عبارته في كتاب المسمى "بإزالة التمويه في مشكل التنبيه".
الجزء: 2 - الصفحة: 172
والغُل بضم الغين، والحديث المذكور موضوع كما قاله في "شرح المهذب".
قوله في "الروضة": الثالثة عشرة: تخليل أصابع الرجلين بخنصر يده اليسرى من أسفل الرجل مبتدئًا.
بخنصر الرجل اليمنى وخاتمًا.
بخنصر اليسرى وقيل: يخلل ما بين كل أصبعين من أصابع يده ويبقى الإبهامان انتهى.
ما ذكره من استحباب التخليل.
بخنصر اليد اليسرى قد خالفه في "شرح المهذب" فإنه حكى فيه ثلاثة أوجه.
أحدها: هذا.
والثاني: عن القاضي أبي الطيب أنه بخنصر يده اليمنى.
والثالث: قاله الإمام إنهما سواء ثم قال: وما قاله [الإمام هو الراجح المختار وذكر في "التحقيق" أيضًا أنه المختار.
قوله: ] 144 معظم الأئمة ذكروا التخليل في أصابع الرجلين وسكتوا عنه في اليدين لكن قال ابن كج: إنه يستحب فيهما وفي جامع أبي عيسى الترمذي = آخر: لم يصح عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليس هو سنة بل بدعة ولم يذكره الشافعي ولا جمهور الأصحاب وإنما قاله ابن القاص وطائفة يسيرة وتعقيه ابن الرفعة بأن البغوي من أئمة الحديث وقد قال باستحبابه ولا مأخذ لاستحبابه إلا خبر أو أثر؛ لأن هذا لا مجال للقياس فيه.
انتهى كلامه.
ولعل مستند البغوي في استحباب مسح القفا ما رواه أحمد وأبو داود من حديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده أنه رأى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يمسح رأسه حتى بلغ القذال وما يليه من مقدم العنق.
وإسناده ضعيف وكلام بعض السلف الذي ذكره ابن الصلاح يحتمل أن يريد به ما رواه أبو عبيد في كتاب الطهور عن عبد الرحمن بن مهدي عن المسعودي عن القاسم بن عبد الرحمن عن موسى بن طلحة قال: من مسح قفاه مع رأسه وقي الغل يوم القيامة.
قلت: فيحتمل أن يقال: هذا وإن كان موقوفا فله حكم الرفع؛ لأن هذا لا يقال من قبل الرأى فهو على هذا مرسل.
انتهى كلام الحافظ.
الجزء: 2 - الصفحة: 173
عن ابن عباس أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إذا توضأت فخلل أصابع يديك ورجليك" انتهى كلامه.
كذا نقل في "الروضة" مثله ومقتضى كلام "المنهاج" استحباب التخليل فيهما وصرح به في "الدقائق".
والحديث المذكور رواه الترمذي وقال: إنه حسن [وقال في "علله": سألت عنه البخاري فقال: إنه حسن] 145 ونقل في "الروضة" تحسينه عن الترمذي ولم ينبه على أنه من زوائده، بل أدخله في كلام الرافعي قوله: وإن كانت الأصابع ملتحمة لم يجب فتقها ولا يستحب انتهى كلامه.
وهو يوهم جواز الفتق وليس كذلك وقد استدركه عليه في "الروضة".
قوله: قال في القديم: الموالاة [واجبة لأنه -عليه الصلاة والسلام- توضأ على سبيل الموالاة] 146، وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به؛ ولأنه عبادة ينقضها الحدث فتعتبر فيها الموالاة كالصلاة وفي الجديد إنها سنة لما روي أن رجلًا توضأ وترك لمعةً في عقبة فلما كان بعد ذلك أمره النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بغسل ذلك الموضع 147 ولم يأمره بالاستئناف ولم يبحث عن قدر المدة وعن ابن عمر أنه كان يتوضأ في سوق المدينة فدعى إلى جنازة وقد بقى من وضوئه فرض الرجلين [فذهب معها إلى المصلى ثم مسح على خُفَّيه ولأن أفعال الوضوء] 148 يجوز أن يتخللها الزمان اليسير، وكذلك الزمان الكبير بخلاف الصلاة.
انتهى.
واعلم أن القياس الأول ينتقض بالطواف والقياس الأخير ينتقض بالأذان والحديث الأول بعض حديث طويل أخرج أصله ابن ماجه وغيره وضعفه البيهقي، والحديث الثاني المعروف منه أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمره بإعادة الوضوء كذا رواه الإمام أحمد وقال: إسناده جيد وأبو داود والبيهقي وزاد: وأد الصلاة.
الجزء: 2 - الصفحة: 174
وأما الأمر بإعادة المتروك خاصة فنقله في "شرح المهذب" موقوفًا على ابن عمر والقصة عن ابن عمر قال البيهقي: إنها صحيحة ونقلها في "البيان" عن ابن عمر] 149 عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
قوله: والتفريق الكثير أن يمضي من الزمان ما يجف المغسول مع اعتدال الهواء ومزاج الشخص وقيل: يؤخذ الكثير والقليل من العادة، وقيل: إذا مضى قدر ما يمكن إتمام الطهارة فقد كثر التفريق.
انتهى.
اعلم أن الرافعي قد قال في الباب السادس في السجدات: وأما ضبط طول الفصل فيحتاج إليه هنا، وفيما إذا تيقن أنه ترك ركنًا وذكره بعد السلام وفي قدره قولان:
أظهرهما: يرجع إلى العرف.
والثاني: ما يزيد علي ركعةٍ ولنا وجه أن الطويل قدر الصلاة التي هو فيها انتهى.
وقال في الحج: إن التفريق الكثير لا يضر الطواف في أصح القولين ثم قال: قال الإمام: والكثير هو ما يغلب على الظن تركه الطواف هذا كلامه من غير زيادة عليه.
والقياس أن يأتي في كل باب ما أمكن إتيانه مما قيل في غيره.
قوله: الرابعة عشرة: أن يحافظ على الدعوات الواردة في الوضوء فيقول في غسل الوجه: اللهم بيض وجهي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، وعند غسل اليد اليمنى اللهم أعطني كتابي بيميني وحاسبني حسابًا يسيرًا، وعند غسل اليسرى: اللهم لا تعطني كتابي بشمالي ولا من وراء ظهري، وعند مسح الرأس: اللهم حرم شعري وبشري على النار، وروي اللهم: احفظ رأسي وما حوى وبطني وما وعى، وعند مسح الأذنين اللهم اجعلني من القوم الذين يسمعون القول فيتبعون أحسنه، وعند غسل الرجلين: اللهم ثبت قدمي على
الجزء: 2 - الصفحة: 175
صراطك يوم تزل الأقدام.
ورد بها الأثر عن السلف الصالحين.
انتهى.
اعترض عليه في "الروضة" فقال: قلت: هذا الدعاء لا أصل له ولم يذكره الشافعي والجمهور والله أعلم.
وما ادعاه من كونه لا أصل له ذكره أيضًا في "شرح المهذب" "والمنهاج" وغيرهما وليس كذلك، فقد روى من طرق.
منها: عن أنس أنه قال: دخلت على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وبين يديه إناء من ماء فقال لي: "يا أنس ادن مني أعلمك مقادير الوضوء" فدنوت من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلما أن غسل يديه قال: "بسم الله والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله" فلما استنجى قال: "اللهم حصن فرجي ويسر لي أمري" فلما أن تمضمض واستنشق قال: "اللهم لقني حجتي ولا تحرمني رائحة الجنة" فلما أن غسل وجهه قال: "اللهم بيض وجهي يوم تبيض الوجوه" فلما أن غسل ذراعيه قال: "اللهم أعطني كتابي بيمينى" فلما أن مسح بيده على رأسه قال: "اللهم غشنا برحمتك وجنبنا عذابك" فلما أن غسل قدميه قال: "اللهم ثبت قدمي يوم تزول فيه الأقدام" ثم قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "والذي بعثني بالحق نبيًا ما من عبد قالها عند وضوئه لم يقطر من خلال أصابعه قطرة إلا خلق الله منها ملكًا يسبح الله تعالى بسبعين لسانًا يكون ثواب ذلك التسبيح له إلى يوم القيامة" رواه ابن حبان في "تاريخه" 150 في ترجمة عباد بن صهيب 151.
وقال أبو داود فيه: إنه صدوق قدري، وقال أحمد: ما كان بصاحب كذب، وفي هذا الحديث ذكر أصل الدعاء وإن كان مخالفًا في الكيفية لبعض ما في "المحرر"، وهمزة أعطني للقطع لا للوصل وقدمي بتشديد الياء على التثنية.
الجزء: 2 - الصفحة: 176
قوله في "الروضة": الخامسة عشرة: ترك الاستعانة وهل تكره؟ فيه وجهان انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن الرافعي قد صحح في الشرحين الكبير والصغير عدم الكراهة وعبر فيهما بالأظهر ولم ينقله عنه في "الروضة" بل حذف التصحيح المذكور ثم ذكره من "زياداته" وهو في غاية الغرابة.
الثاني: أن مقتضى هذا الكلام اختصاص ذلك بما إذا طلب المتوضئ الإعانة حتى لو أعانه غيره وهو ساكت لا يكون خلاف الأولي فإن الشيء للطلب ولهذا لو حلف لا يستخدمه فخدمه ساكتًا لا يحنث وهذا مخالف لما يقتضيه كلام الرافعي فإن عبارته الخامسة ألا يستعين في وضوئه بغيره.
روى أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "أنا لا أستعين على وضوئي بأحد" 152 قاله لعمر - رضي الله عنه - وقد بادر ليصب الماء على يديه، ولأنه نوع من التنعم والتكبر وذلك لا يليق بحال المتعبد، والأجر على قدر النصب، وهل تكره الاستعانة؟ وجهان:
أظهرهما: لا.
لأنه -عليه الصلاة والسلام- قد استعان بأسامة والربيع بنت معوذ، وكذلك بالمغيرة لأجل جبة ضيقة الكمين انتهى.
فاستدلاله بالحديث والمعني يدلان على أنه لم يرد بالاستعانة حقيقتها وإنما أراد الاستقلال بالأفعال.
الثاني: أن الاستعانة بأسامة والمغيرة ثابتة في الصحيحين 153 لكن دعواه أن الاستعانة بالمغيرة لأجل ضيق الجبة تبع فيه الإمام والغزالي، وقد أنكر ابن الصلاح عليهما ذلك وقال: إن الثابت في الصحيحين أنه كان لابسها لكن لم يستعن لأجلها، فإنه استعان في غسل وجهه به فلما انتهى إلى غسل يديه ضاقت كماه، فلم يستطع أن يخرج يديه منهما فأخرجهما من أسفل
الجزء: 2 - الصفحة: 177
الجبة وغسلهما.
هذا كلامه.
وأما الاستعانة بالربيع فرواه الشافعي وأبو داود والترمذي 154. قال ابن الصلاح: وهو حسن.
والرُّبيع بضم الراء على التصغير، وأما حديث عمر فرواه البزار بإسناد ضعيف.
الثالث: أن الخلاف كما قاله في "الروضة" محله فيما إذا استعان بمن يصب عليه، فإن استعان في غسل الأعضاء كره قطعًا وإن استعان في إحضار الماء فلا بأس ولا يقال: إنه خلاف الأولى ثم قال: وحيث كان له عذر فلا بأس وتعبيره آخرًا بقوله فلا بأس ليس بجيد، فقد ذكر قبل ذلك من زوائده أن من لا يقدر على الوضوء إلا بالاستعانة كالأقطع فإنه يجب عليه أن يستعين ولو بأجرة المثل فإن لم يجد صلى وأعاد.
قال في "الكفاية": ولابد أن تكون الأجرة فاضلة عن قضاء ديونه وعن كفايته وكفاية من تلزمه كفايته ليومه وليلته.
قوله: الثانية هل يستحب ترك التنشيف؟ فيه وجهان: أظهرهما: نعم لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان لا ينشف أعضاءه وعن عائشة قالت: كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصبح جنبًا فيغتسل ثم يخرج إلى الصلاة ورأسه يقطر ماء 155. والثاني: لا يستحب ذلك، وعلى هذا فقيل: لا يستحب التنشيف أيضًا، وقد روى عن فعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التنشيف وتركه وكل حسن ولا ترجيح ومنهم من قال: يستحب التنشيف لما فيه من الاحتراز عن التصاق الغبار وإذا
الجزء: 2 - الصفحة: 178
قلنا باستحباب الترك ففي كراهته ثلاثة أوجه:
أظهرها: لا؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغتسل فأتى ملحفة ورسية فالتحف بها حتي رؤى أثر الورس في عكنه 156.
والثاني: نعم لأنه إزالة أثر العبادة فأشبه إزالة الخلوف عن فم الصائم.
والثالث: حكى عن القاضي الحسين أنه إن كان في الصيف كره وإن كان في الشتاء لم يكره لعذر البرد.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
الأمر الأول: فيما صدر به كلامه هل هو صوابه النشف على وزن الضرب أو التنشيف على وزن التكريم.
[والجواب] 157 أن المعروف في كتب اللغة إنما هو الأول وأن فعله مخفف مكسور على وزن علم.
قال الجوهري: نشف الثوب العرق بالكسر، ونشف الحوض الماء تنشفه تنشيفًا شربه وينشفه كذلك، وأرض نشفة بينة النشف بالتحريك إذا كانت تنشف الماء، وقال في "ديوان الأدب" في باب فعل يفعل بكسر العين في الماضي وفتحها من المضارع من كتاب السالم: نشف الثوب العرق أى شربه، وضبطه الهروي في الغربين بنحوه وقال المطرزي في المغرب: نشف الماء أخذه من أرض بخرقة أو غيرها من باب ضرب ومنه كان للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خرقة ينشف بها إذا توضأ 158، وبهذا صح قوله
الجزء: 2 - الصفحة: 179
في غسل الميت ثم ينشفه بثوب أى ينشف ماءه حتى يجف، وينشف الثوب العرق يشربه من باب ليس هذا كلامه، وضبطه ابن الأَثير في "النهاية" بالتجفيف أيضًا لكنه لم يبين هل هو بالكسر أو الفتح، وقال القاضي عياض في "المشارق": نشف الماء ونشفته أنا بكسر الشين سواء هذا لفظه.
فالكل متفقون على التجفيف وإن اختلفوا بالنسبة إلى الكسر أو الفتح فإن قيل: المخفف المتعري يجوز تشديده للمبالغة فهل يصح ذلك هنا؟ قلنا: لا؛ وذلك لأنه يلزم منه أن يكون المستحب تركه إنما هو المبالغة في التنشيف لا تركه أصلا وليس كذلك.
الأمر الثاني: أن الملحفة بكسر الميم مأخوذة من الالتحاف، وأما الورسية فقد وقع في رواية البيهقي بواو مفتوحة ثم راء ساكنة ثم سين مكسورة ثم ياء مشدودة والذي جزم به الجوهري وغيره من أهل اللغة بخلافه فقالوا ملحفة ورسية بكسر الراء وبعدها ياء ساكنة ثم سين مفتوحة ثم هاء -أي مصبوغة بالورس- وهو نبت أصفر يصبغ به يخرج من شجر باليمن والعكن بفتح الكاف جمع عكنة بسكونها هو الانطواء في البطن ويعكن الشئ إذا ركن بعضه على بعض.
الأمر الثالث: أن ما ذكره من الخلاف محله إذا لم يكن له حاجة إلى التنشيف بحرٍ أو بردٍ أو التصاق نجاسة، فإن كان فلا كراهة قطعًا، قال في "شرح المهذب": ولا يقال أيضًا: إنه خلاف المستحب.
الأمر الرابع: أن جميع ما ذكره الرافعي من الأَحاديث الدالة على = من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
قال الترمذي: حديث عائشة ليس بالقائم، ولا يصح عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في هذا الباب شيء.
وقال الألباني: ضعيف.
الجزء: 2 - الصفحة: 180
التنشيف وعلى عدمه ضعيفة، قال الترمذي: لا يصح عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في هذا الباب شيء.
نعم صح حديث ميمونة وفيه إشعار باستحباب تركه، وكذلك خروجه ورأسه تقطر.
الأمر الخامس: أن النووي في "الروضة" وفي غيرها قد وافق الرافعي على استحباب ترك التنشيف ثم خالف في "شرح مسلم" فقال: الذي نختاره ونعمل به أنه مباح تركه وفعله سواء، فإن المنع والاستحباب يحتاجان إلى دليل.
قوله: الثالث ألا ينفض يديه فهو مكروه، لما روي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إذا توضأتم فلا تنفضوا أيديكم فإنها مرواح الشيطان" 159 انتهى.
استدرك في "الروضة" فقال: في النقض أوجه:
الأَرجح أنه مباح تركه وفعله سواء.
والثاني مكروه.
والثالث: تركه أولى انتهى.
وهذا الذي رجحه من استواء الأمرين قال في "شرح المهذب" أنه الصحيح لكنه خالف ذلك في غيرها فصحح في "التحقيق" أنه خلاف الأولى وجزم به في "المنهاج" والفتوى على ما في "المنهاج" فقد نقله ابن كج في "التجريد" عن نص الشافعي قال: قال الشافعي: وأحب إذا توضأ ألا ينفض يديه انتهى وادعى النووي في "التنقيح" أنه لا نص فيها للشافعي وأما الحديث فقال في "شرح المهذب" إنه ضعيف لا يعرف.
الجزء: 2 - الصفحة: 181
فأما دعواه الضعف فمسلم، وأما عدم المعرفة فلا، فقد رواه ابن حبان في "تاريخه" وابن أبي حاتم في "علله" وضعفاه.
قوله: ويندب أن يبدأ في اليد والرجل بأطراف الأصابع ويختم بالمرفق والكعب إن كان يصب الماء عليها بنفسه وإن صب عليه غيره [بدأ بالمرفق والكعب.
انتهى كلامه.
وما ذكره فيما إذا صب عليه غيره] 160.
قد تابعه عليه في "الروضة" ثم نقل ذلك في "شرح المهذب" في الكلام على غسل اليدين عن الماوردي وشيخه أبي القاسم الصيمري وأقرهما ثم نقله عنهما أيضًا في الشرح المذكور في الكلام على غسل الرجلين ثم قال: فالأكثرون على استحباب الابتداء بالأصابع وهو المختار، ونص عليه الشافعي في "الأم" فقال: وينصب قدميه ثم يصب عليهما الماء بيمينه أو يصب غيره انتهى كلامه.
وذكر نحوه أيضًا في "شرح التنبيه" المسمى بـ "التحفة" وقال: إنه الصواب وقد سوى بين المسألتين في "التحقيق" في الكلام على السنن، وقال: إنه يبدأ بأصابع يديه ورجليه ولم يفصل بين أن يصب عليه غيره أم لا، وقد ظهر أن الفتوى علي غير ما في "الشرح" و"الروضة".
قوله: وأن يقول بعد الوضوء مستقبلًا القبلة: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره من استحباب الاستقبال في هذا الدعاء قد أسقطه من "الروضة" وإسقاطه عجيب.
الجزء: 2 - الصفحة: 182
الأمر الثاني: أن النووي قد زاد في "الروضة" لفظة "أشهد" مع قوله: وأن محمدًا فقال: وأشهد أن محمدًا وزادها أيضًا الرافعي في "المحرر".
والدعاء المذكور روى أوله مسلم في "صحيحه" 161 ولفظه: عن عمر أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "من توضأ فقال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء" وفي رواية للترمذي بعد قوله: "ورسوله": "اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين" 162، وأما باقي الدعاء فرواه الحاكم في "المستدرك" من رواية أبي سعيد الخدري ولفظه: "من توضأ ثم قال: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك كتب برق ثم طبع بطابعٍ فلم يكسر إلى يوم القيامة" 163، وهذا حديث صحيح الإسناد.
وقوله في الحديث: "برق" هو بفتح الراء والباء فيه بمعنى في أي رق كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ﴾ وقد ورد التصريح بها أعني بفي في رواية.
والطابع بفتح الباء وكسرها هو الخاتم ومعنى لم يكسر أنه لا يتطرق إليه إبطال.
قوله: في "أصل الروضة": فرع التفريق اليسير بين أعضاء الوضوء لا يضر بلا خلاف، وكذا الكثير على الجديد المشهور، ولو فرق بعذر كنفاذ الماء
الجزء: 2 - الصفحة: 183
لم يضر على المذهب، وقيل فيه القولان ثم قال ما نصه: وحيث جاز التفريق لا يجب تجديد النية في الأصح.
انتهى.
وهو في جريان خلاف التجديد في التفريق اليسير والكبير لقدر مع أنه لا يجب فيها نية التجديد بلا خلاف كما ذكره في "شرح المهذب" وكلام الرافعي مستقيم فإنه عبر بقوله وإن فرعنا على الجديد فاقتضى ذلك إرادة التفريق الكثير بغير عدم لأنه محل الجديد والقديم فأبدله النووي بقوله: وحيث جاز التفريق ذهولًا فوقع فيما وقع.
قوله من زياداته: ولو قدم المضمضة والاستنشاق على غسل الكف لم يحسب الكف على الأصح انتهى لفظه.
وهذا الذي ذكره غلط عجيب انعكس فيه المراد عليه؛ وذلك لأن الحكم في هذه المسألة أن غسل الكف محسوب؛ لأنه قد فعل في وقته إذ لا يشترط قبله شيء من الأفعال، وهل تحسب المضمضة والاستنشاق؟ على وجهين أصحهما: لا.
والخلاف ينبني على أن النيتين هل يشترط فيها الترتيب كما يشترط في الأركان أم لا؟ والصحيح الاشتراط كذا ذكره في "شرح المهذب" وغيره وهو واضح، وقد تقدم الوعد في أوائل الباب بذكر هذا الموضع.
قوله أيضًا من "زياداته": ويرتفع الحدث عن كل عضو بمجرد غسله وقال إمام الحرمين يتوقف على فراغ الأعضاء.
انتهى.
ويظهر أن تكون فائدة الخلاف فيما إذا أحدث في أثنائه فأراد هو أو غيره أن يتوضأ بماء كان قد استعمل في الأعضاء السابقة على الحدث، فإن قلنا بالأول لم يجز وإن قلنا بمقالة الإمام جاز، أما لو استعمله بدون حدث فإنه لا يصح عند الإمام أيضًا بدليل أنه يوافق على مصير الماء مستعملًا في مسألة غمس اليد بعد غسل الوجه.
الجزء: 2 - الصفحة: 184
الباب السادس في الاستنجاء
وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: في آداب قضاء الحاجة
قوله في أصل "الروضة": ومنها ألا يستقبل الشمس ولا القمر بفرجه لا في الصحراء ولا في البنيان وهو نهى تنزيه قال جماعة ويتجنب الاستدبار أيضًا، والجمهور اقتصروا على النهي عن الاستقبال.
انتهى كلامه.
وفيه أمران:
أحدهما: أن تعبيره يقتضي أن الصحيح عند الرافعي أنه لا يتجنب الاستدبار وليس كذلك بل حاصل ما في الرافعي الجزم بالنهي عنه أيضًا فإنه نقل عن الغزالي أن كلامه يقتضي أن الصحيح عند الرافعي لا يتجنب ذلك ثم قال ما نصه وأكثر الكتب ساكتة عن استدبارهما وإن كان المنع من استقبالهما مشهورًا لكنه صحيح حكاه في "البيان" عن الصيمري ورأيته في "الشافي" لأبي العباس الجرجاني وفي الخبر ما يدل عليه هذا لفظه.
فانظر كيف نقله واستدل عليه ولم ينقل خلافه، وزاد على ذلك فقال: إن القول به صحيح وجزم به أيضًا الرافعي في كتابه المسمى "بالتذنيب" وزاد على ذلك فصرح بكراهته وبكراهة الاستقبال أيضًا ذكر ذلك في أواخر الكتاب في أوائل الفصل السابع، ووافقه عليه النووي في "مختصره" أعني "مختصر التذنيب" ولم يخالفه كما خالفه في غيره، غير أن النووي قد صرح في أكثر كتبه بما يقتضيه كلام "الروضة" من عدم الكراهة فقال في "شرح المهذب": الصحيح المشهور وبه قطع الجمهور أنه لا يكره، وقال
الجزء: 2 - الصفحة: 185
في نكت "التنبيه": إنه المذهب.
وقول الجمهور: والصواب وكأنه في هذه الكتب اعتمد على ما في "الروضة" نقلًا عن الرافعي وقد علمت ما فيه.
الأمر الثاني: أن ما نقله في "الروضة" عن الجمهور من تنصيصهم على النهي عن الاستقبال قد نقل عنهم عكسه في كتبه المبسوطة فقال في "شرح الوسيط" المسمى "بالتنقيح": لم يذكر الشافعي والأكثرون أن قاضي الحاجة يترك استقبال الشمس والقمر فالمختار أنه مباح تركه وفعله سواء انتهى.
وذكر نحوه في "شرح المهذب" وقال في "التحقيق": إن الكراهة لا أصل لها وهذا كله يدل على أن ما نقله في الروضة عن الجمهور من التصريح به ليس كذلك ولم يصرح به الرافعي كما تقدم، وإنما هو من فهم النووي وحينئذ فيكون الصواب عدم اجتناب الأمرين على خلاف ما في "الروضة" وأكثر المختصرات فاعلمه.
قوله: [الثالث إن كان في بناء] 164 أو بين يديه ساتر فالأدب ألا يستقبل القبلة ولا يستدبرها وإن كان في الصحراء ولم يستتر بشئ حرم عليه استقبال القبلة واستدبارها ولا يحرم ذلك في البناء.
انتهى كلامه بحروفه.
وهو صريح في أنه لا يحرم الاستقبال ولا الاستدبار، إذا كان في البنيان وإن لم يستتر بشيء وأما في الصحراء فيفصل فيها بين وجود السترة وعدمها وحينئذ فيكون الجواز متعلقًا بالمفهوم من اسم البنيان والتحريم متعلقا باسم الصحراء بشرطه.
إذا علمت ذلك ففيه أمور:
أحدها: أن النووي في "الروضة" قد تابع الرافعي على ذلك وهو المفهوم من كلامه في "المنهاج" وغيره، ثم صرح في أكثر كتبه بما يخالفه
الجزء: 2 - الصفحة: 186
فقال في "شرح المهذب" الصحيح أنه إن كان بين يديه ساتر فيرتفع ثلثي ذراع وقرب منه على ثلاثة أذرع جاز استقبال القبلة، سواء أكان في الصحراء أم في البنيان ومن أصحابنا من اعتبر الصحراء والبنيان فأباح في البنيان مطلقًا وحرم في الصحراء مطلقا.
انتهى.
وذكر في "شرح مسلم" كما في "شرح المهذب" وقاله: إنه الصحيح المشهور عند أصحابنا، وذكر نحو ذلك أيضًا في "التحقيق" وفي "شرح الوسيط" المسمى "بالتنقيح".
الثاني: أنه إذا جلس في بيت مهيأ لذلك فلا يشترط الساتر المذكور صرح به النووي في "شرحى الهذب" و"مسلم" وغيرها.
الثالث: لم يصرح الرافعي بكون الاستقبال والاستدبار في البنيان مكروها أم لا، فإنه عبر بقوله: فالأدب وكذلك النووي في "الروضة"، وقد صرح أعني الرافعي بحكمه في كتابه المسمى بـ "التذنيب" وجزم فيه بكراهة الأمرين ذكر ذلك في أواخر الكتاب في أوائل الفصل السابع، ونقله النووي في "شرح المهذب" عن المتولي فقط ثم قال: ولم يتعرض الجمهور للكراهة التي ذكرها المتولي والمختار عدمها انتهى.
والذي قاله النووي هو الظاهر نقلًا ودليلًا.
الرابع: أن محل ذلك كله فيما إذا لم يكن عليه مشقة في التحول فإن كان لم يكن ذلك مكروهًا ولا خلاف الأولى هذا حاصل ما ذكره النووي في "شرح التنبيه" المسمى بـ "التحفة" وفي "شرح مسلم" أيضًا.
الخامس: قد أقروا أنه إذا أراد أن يقضي حاجته في الصحراء فإنه يستتر عن العيون، والمراد بالصحراء هناك ما لا يمكن تسقيفه، فإذا
الجزء: 2 - الصفحة: 187
جلس فيه فيستتر بالستر المذكور في الاستقبال، وإذا جلس فيما يمكن تسقيفه فهو ساتر، هكذا جزم به الرافعي في الشرحين والنووي في "الروضة" قبيل هذه المسألة وحينئذ فإذا كان بينه وبين حائط الذي يمكن تسقيفه أكثر من ثلاثة أذرع كان كافيًا في السترة المأمور بها عن العيون دون السترة المأمور بها في تحريم الاستقبال، وكثيرًا ما تلتبس المسألتان، وذكر النووي في "شرح المهذب" "والتحقيق" ضابط السترة المذكورة في الصحراء والبنيان ولم يذكر ضابط السترة عن العيون بل ذكر أنه يستتر عن العيون ولم يزد عليه وهو عجيب موهم قوله: وسبب المنع في الصحراء فيما ذكر أن الصحراء لا يخلو من حصل من ملك أو جني أو إنسي فربما وقع بصره على عورته وأما في الأبنية في الحشوش فلا يحضرها إلا الشياطين، ومن يصلي فيكون خارجًا عنها فيحول البناء بينه وبين المصلي انتهى كلامه.
وما ذكره في الفرق بين الصحراء والبنيان ضعيف، وقد أوضح النووي ضعفه في "شرح التنبيه" المسمى بـ"التحفة" فقال: وهذا التعليل ضعيف فإنه لو قعد مستقبلًا للحائط: قريبًا منه ووراءه فضاء واسع جاز، وصرح به إمام الحرمين وصاحب "التهذيب" وغيرهما ولو صح هذا التعليل لحرم هذا، والتعليل الصحيح ما ذكره القاضي الحسين وصاحب "التهذيب" "والبحر" وغيرهم أن جهة القبلة معظمة يوجب صيانتها في الصحراء ورخص فيها في البنيان للمشقة هذا كلامه وهو واضح.
والحشوش جمع حش بفتح الحاء المهملة وبالشين المعجمة المشدودة وهو المرحاض، وأصل الحش في اللغة البستان وإنما سمى المرحاض، به لأنهم كانوا يقضون حاجتهم في البساتين لعدم الأخلية عندهم.
الجزء: 2 - الصفحة: 188
قوله: ومنها ألا يبول في الماء الراكد لما روى أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم" 165، ويروى في "الراكد" وهذا المنع يشمل القليل والكثير لما فيه من الاستقذار ثم إن كان قليلًا ففيه شئ آخر وهو أنه تنجيس للماء وتعطيل لفوائده فإن كان بالليل زاد شئ آخر وهو ما قيل: إن الماء بالليل للجن فلا ينبغي أن يبال فيه ولا يغسل خوفًا من أذى يصيبه من جهتهم.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" كما نقله في "شرح المهذب" عن جماعة أنه إن كان قليلًا كره وإن كان كثيرًا فلا ثم قال: وفيه نظر، وينبغي أن يحرم البول في القليل قطعًا لأن فيه إتلافًا عليه وعلى غيره وأما الكثير فالأولى اجتنابه انتهى، والذي يتجه في هذه المسألة وتتعين الفتوى به أنه إن كان في الوقف ولم يكن في هذه غيره ولم يكن متطهرًا فإنه حرام؛ لأنه بمنزلة الصب وإن لم يكن كذلك نظر إن لم يكن له بأن كان في غدير ونحوه فيحرم أيضًا؛ لأن فيه إتلافًا على غيره.
نعم: إن كان هناك ما يمكن تكميله به فيبلغ قلتين ففيه نظر والمتجه التحريم لما فيه من تكليف الغير ذلك، ولاحتمال تلف ما يكمل به، وإن كان الماء له نظر إن أمكن التكميل كره، وإن لم يمكن فيفصل فيه بين الوقت وخلافه كما سبق، وجزم ابن الرفعة في "الكفاية" بالكراهة وفي "الحاوي الكبير" إذا كان ليلًا لما قيل من أن الماء بالليل للجن، والحديث المتقدم رواه الشيخان من رواية أبي هريرة.
قوله: ومنها ألا يبول في الجحرة لما روى قتادة عن عبد الله بن سرجس أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عنه، فقيل لقتادة: ما بال الجحرة؟ قال: يقال: إنها مساكن الجن 166. انتهى.
الجزء: 2 - الصفحة: 189
الجحرة بالجيم مكسورة بعدها حاء مهملة مفتوحة جمع جحر، وسرجس بسين مهملة مفتوحة وراء ساكنة ثم جيم مكسورة ثم سين مهملة أيضًا، والحديث المذكور صحيح رواه أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم بأسانيد صحيحة، وقال الحاكم: إنه على شرط الشيخين.
قوله: ومنها ألا يجلس تحت الأشجار المثمرة صيانة لها عن التنجيس انتهى.
تابعه في "الروضة" على التعبير بالمثمرة ولم يبينا هل المراد بها حقيقتها وهي التي عليها الثمرة أو المراد التي من شأنها أن تثمر؟ وقد نبه في "شرح المهذب" على أن المراد الثاني فقال: لا فرق بين وقت الثمرة وغيرها.
قوله: ومنها ألا يبول في مهاب الريح استنزاهًا من البول وحذرًا من رشاشة.
روى أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يتمخر الريح 167. أي ينظر أين مجراها فلا يستقبلها.
= والبيهقي في "الكبرى" (483)، وابن الجارود في "المنتقى" (34) من حديث عبد الله ابن سرجس بسند ضعيف، فإن قتادة كان مدلسًا وقد عنعن هذا الحديث ثم في سماح قتادة بن عبد الله بن سرجس خلاف مشهور.
الجزء: 2 - الصفحة: 190
انتهى.
والتمخر بالخاء المعجمة والراء المهملة قاله الجوهري، وذكر الحديث وفسره بما ذكره الرافعي، وحكى من كلامهم استمخرت الريح إذا استقبلتها بأنفك، وذكر الخطابي في "غريب الحديث" في أواخر الكتاب أن سراقة ابن مالك - رضي الله عنه - قال لقومه: إذا أتى أحدكم الغائط فليكرم قبلة الله ولا يستدبرها وليتق مجالس اللعن الطريق والظل واستمخروا الريح واستشبوا على سوقكم وأعدو النبل ثم قال: قوله: استمخروا الريح أى استقبلوها فقال: امتخر الفرس الريح إذا استقبلها يستروح، ومنه مخور السفينة وهو قطعها الماء بالريح.
قال الله تعالى: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ قال أبو عمر ابن العلاء تقول العرب في الرجل الأَحمق: إنه والله لا يتوجه تريد أنه لا يستقبل الريح إذا قعد لحاجته، وذلك لأنه إذا استدبرها وجد ريح ما يبرز منه فهو لحمقه لا يتوجه هذا لفظه ثم قال: استشبوا أى اتكئوا على سوقكم ومنه شبوب الفرس وهو أن يرفع يديه ويعتمد على رجليه، وما ذكره في تفسير الاستمخار ناقلًا له عن أهل اللغة عكس ما قاله الرافعي إلا أن الذي قاله قد قاله الجوهري بعينه كما سبق وكأنه أخذه منه، وكلام الجوهري ظاهره التدافع فإنه كيف يصح ما ذكره في الحديث مع تعقيبه بأنه يقال: استمخرت الريح إذا استقبلتها بأنفك فإن هذا عكس الاستدبار، وهذا الحديث روى معناه ابن أبي حاتم في علله وقال أسنده عبد الرزاق ولفظه عن سراقة بن مالك أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إذا أتى أحدكم = رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فسأله عن التغوط فأمره أن يتنكب القبلة ولا يستقبلها ولا يستدبرها ولا يستقبل الريح.
الحديث رواه الدارقطني وروى الدولاني في الكنى والإسماعيلي في حديث يحيى بن أبي كثير عن خلاد عن أبيه مثله وإسناده ضعيف.
الجزء: 2 - الصفحة: 191
الغائط فلا تستقبلوا القبلة واستمخروا الريح" 168 واعلم أن ما ذكره الرافعي استدلالًا وتعليلًا يؤخذ منه أنه لا يمتنع البول في مهاب الريح مستدبرًا وهو وارد على "الروضة" فإنه لم يزد على قوله ولا يبول في مهب ريح.
قوله: وأن يعتمد إذا جلس على اليسرى لما روى عن سراقة بن مالك قال: علمنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا أتينا الخلاء أن نتوكأ على اليسرى 169. انتهى.
وهذا الذي ذكره لا يعلم منه الكيفية المطلوبة، وقد بينها جماعة منهم الشيخ في "التنبيه" فقال: إنه ينصب قدم الرجل اليمنى أى يضع أصابعها على الأرض ويرفع الباقي ويعتمد على اليسرى، وسببه إن استعمال الرجل إنما هو بالاعتماد، فإذا اعتمد على اليسرى دون اليمنى كان مستعملًا في هذا المحل لما يليق به، وهذا التعليل يشمل أيضًا البول قائمًا وقاعدًا إلا أنه إذا بال قائمًا فإنه يفرج رجليه ففي صحيح ابن خزيمة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فعل ذلك، وعلل في "المهذب" الاعتماد على اليسرى بكونه أسهل لخروج الخارج، وقال الماوردي: إنه أنجح له.
قال غيره: لأن المعدة في الجانب الأيسر والصواب في التعليل ما ذكرناه، والحديث المذكور رواه البيهقي ولفظه علمنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا أردنا الخلاء أن نعتمد اليسرى وننصب اليمنى.
لكنه توقف في تصحيحه.
قوله: ومنها أن يعد النبل إن كان يستنجي بالأحجار لما روى أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال "اتقوا الملاعن الثلاث واعدوا النبل" 170 والنبل أحجار الاستنجاء جمع نبلة وأصلها الحصاة الصغيرة.
انتهى.
قال الجوهري: النبل بضم النون وفتح الباء من باب الأضداد تطلق على
الجزء: 2 - الصفحة: 192
الكبار والصغار وهو جمع نبيلة، ثم قال: والنبل بضم النون وفتح الباء حجارة الاستنجاء، وفي الحديث: "اتقوا الملاعن وأعدوا النبل" والمحدثون يقولون: النبل أى بفتحها، يقال: سميت بذلك لصغرها هذا كلامه.
وقال ابن الأثير في "غريب الحديث": النُبل بضم النون جمع نبلة والمحدثون يفتحون النون والباء كأنه جمع نبيل في التقدير، والنبل بالفتح يطلق على الكبار من الإبل والصغار وهو من الأضداد، وقال صاحب "التعجيز" هنا في شرحه له: النبل بضم الباء جمع نبيل كسرير وسُرر فتخلص أنه يقال على ثلاثة أوجه قال في "شرح المهذب": والحديث المذكور [ليس بثابت بل المعتمد ما روته عائشة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ] 171 "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار" 172 رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والدارقطني وقال: أعني الدارقطنى: إسناده حسن صحيح.
قوله: ومنها ألا يستنجي بالماء في موضع قضاء الحاجة تحرزًا من عود الرشاش إليه.
انتهى كلامه.
ويعلم من هذا التعليل الذي ذكره الرافعي إخراج الأخلية المعتادة من هذا الحكم لانتفاء المعنى، وقد حذف النووي من الروضة تعليل الرافعي ثم أورد عليه دخول الأخلية وهو صنيع عجيب.
قوله: وألا يستصحب شيئًا عليه اسم الله تعالى كالخاتم والدراهم، وكذلك ما كان عليه قرآن وألحق باسم الله تعالى اسم رسوله تعظيمًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 193
وكان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا دخل الخلاء وضع خاتمه 173. لأنه كان عليه: محمد رسول الله انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن كل معظم يلحق بما تقدم في الأمر بالنزع صرح به الإمام ونبه عليه في "الكفاية" وحينئذ فتدخل أسماء جميع الأنبياء والرسل وأسماء الملائكة.
الأمر الثاني: أن الرافعي لم يفرق في اسم الله تعالى بين أن يكون مختصًا به كالله والرحمن، أو غالبًا فيه كالخالق، أو يطلق عليه وعلى 174 غيره على السواء كالحي والسميع والبصير، فإن الجميع من أسماء الله تعالى ويحتمل أن يقال: إذا أتى بغير المختص مريدًا به غير الله تعالى فلا يكره حمله، وهذا الكلام يأتي أيضًا في اسم رسوله حتى يعم جميع أسمائه كأحمد والمدثر والمزمل والحاشر والطيب والطاهر وحتى يأتي التردد فيما إذا كان اسمه مثلًا محمدًا فنقشه على الخاتم ونحوه مريدًا به نفسه فهل يؤمر أيضًا بإزالته لكون الاسم في نفسه معظمًا أو لا نظرًا إلى المقصود به الآن، وقد نص الشافعي على كتابة اسم الله تعالى في وشم نعم [الزكاة مع أنها تتمرغ في النجاسات.
وعلله الرافضي بأن المقصود] من ذلك إنما هو التمييز، وهذا التعليل يقتضي عدم الكراهة هنا بطريق الأولى، لأن المدلول وهو الذات المقدسة مراده هناك بخلاف ما نحن فيه، لكن ذكر النووي في
الجزء: 2 - الصفحة: 194
التنقيح ما يخالفه فقال: لعل المراد المختص بذلك لا لفظة أحمد ومحمد بمجردها بل لابد من شئ يشعر بأن المراد رسول الله، وكذلك أسماء الله تعالى هذا كلامه.
الثالث: أن الحديث الذي ذكره الرافعي رواه الترمذي بهذا اللفظ وقال: إنه حسن صحيح غريب.
وأخرجه ابن حبان أيضًا في "صحيحه" وقال الحاكم: إنه علي شرط الشيخين، وكذا قال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد في آخر "الاقتراح"، وأما استدلاله بأنه كان مكتوبًا عليه محمد رسول الله فرواه الشيخان 175 وصرح الحاكم 176 في روايته أن هذا هو سبب النزع.
وروى ابن حبان في صحيحه عن أنس قال: كان نقش خاتم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثلاثة أسطر محمد سطر ورسول سطر والله سطر 177. وفي حفظي أنها كانت تقرأ من أسفل فصاعدًا ليكون اسم الله تعالى فوق الجميع.
قوله: وخير الصيمري بين نزع الخاتم وضم كفه عليه.
ثم قال: نعم، قيل: إنه لو غفل عن النزع حتى اشتغل بقضاء الحاجة ضم كفه عليه.
انتهى ملخصًا.
وقد أسقط في "الروضة" الوجه الصائر إلى التخيير وجزم بالضم عند الغفلة والذي نقله الرافعي عن الصيمري قد رأيته في كتابه المسمى بالكفاية وفي شرحها له أيضًا.
قوله من "زوائده": والسنة أن يقول عند دخول الخلاء: بسم الله اللهم إنى أعوذ بك من الخبث والخبائث، ويقول إذا خرج؛ غفرانك الحمد لله الذي
الجزء: 2 - الصفحة: 195
أذهب عني الأذى وعافاني 178، وسواء هذا في البنيان والصحراء انتهى.
اعلم أن الشيخ أبا حامد في "التعليق" قد صرح بأن الذكر الأول خاص بالبنيان ونقله في "التبيان" عنه وأقره وهو ظاهر بخلاف الذكر الثاني وهو ذكر الخروج وكلام "الروضة" لا ينافيه فليحمل عليه.
لكن صرح في "شرح المهذب" بأنه لا فرق.
واعلم بأنه قد ذكر في "الشرح الصغير" الذكرين بدون قوله: وعافاني وذكر الجميع في "المحرر" إلا أنه عبر بقوله: أخرج عني الأذى فعدل عنه في "المنهاج" إلى أذهب ليوافق الحديث، فإن ابن ماجه قد أخرجه كذلك من رواية أنس لكن بإسناد فيه ضعف غير أنه لائق بالحال، والحديث من فضائل الأعمال.
قوله: ويستحب ألا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض.
انتهى.
ذكر مثله في "شرح المهذب" فقال: وقولنا لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض ليس بواجب اتفاقا بل هو مستحب، وجزم في "نكت التنبيه" بأنه مخرج على الوجهين في كشف العورة في الخلوة حتى يكون الصحيح فيه المنع وهو تباين فاحش، والأول هو مقتضى كلامه في بقية كتبه، ومقتضى كلام غيره أيضًا.
وأما الثاني: فجزم به المحب الطبري في "شرح التنبيه"، وذكره ابن الرفعة في "الكفاية" بحثًا ولم ينقله عن أحد، ورأيت في كلام بعض الفضلاء من المتأخرين نقلًا عن بعض الأئمة أنه إذا كشف زائدًا عن الحاجة
الجزء: 2 - الصفحة: 196
هل يأثم على الكل أو على الزائد فقط؟ فيه خلاف وهو يشعر بالتحريم ونبه النووي في النكت المذكوره على فائدة حسنة وهي "التنبيه على شرح التنبيه" للجيلي فقال فيه ما نصه: ولا يغتر بما في "شرح التنبيه" للجيلي في شئ من المواضع ولا يؤخذ منه شئ حتى ينظر في مصنفات أصحابنا قال وأخبرني شيخنا عز الدين عن شيخه الشيخ تقي الدين بن الصلاح أنه قال: لا يجوز لأحد أن يطالع فيه معتمدًا لنقله انتهى كلامه.
وقد اشتهر في مصر أن الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد هو أول منبه على ذلك وقد ثبت تقدمه وتقويته.
والسبب في وقوع النقول المنكرة في التصنيف المذكور أن مؤلفه لما أبرزه أقبلت الناس عليه لحسنه وحسن تقريره وكثرة فوائده فحسده عليه بعض من لعنه الله وغضب عليه فألحق فيه أشياء منكرة في الأحاديث وغيرها فأفسده.
قوله من "زياداته": والسنة أن يبول في مكان لين لا يرتد عليه فيه بوله ويكره في قارعة طريق.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أنه لم يصرح هنا بحكم الغائط في الطريق وهو حرام على ما دل عليه كلامه في الشهادات فإن الرافعي قد نقل هناك عن صاحب العدة أشياء كثيرة من المحرمات وعد منها التغوط في الطريق، واعترض هو والنووي عليه في بعضها وارتضيا بعضها وهذه المسألة من المسائل التي ارتضياها، لكن قال في "شرح المهذب" "وشرح مسلم" ظاهر كلام الأصحاب أن النهي عنه للتنزيه وينبغي أن يكون محرمًا لهذه الأحاديث ولما فيه من إيذاء المسلمين، قال: وفي كلام الخطابي وغيره إشارة إلى تحريمه ثم جزم في "شرح المهذب" أيضًا بعد ذلك بالكراهة صرح بذلك في أثناء الاستدلال على المسألة وهو المفهوم من باقي كتبه وكتب الرافعي أيضًا، بل
الجزء: 2 - الصفحة: 197
ذكر النووي في "نكت التنبيه" ما يقوى التحريم فقال: والنهي عن التخلي في الظل الذي يجمع فيه الناس نهي تحريم، صرح به الخطابي والبغوي في "شرح السنة" لأنه إيذاء لهم.
واعلم أن المعنى ولفظ الحديث يدلان على اختصاص النهي في الطريق ونحوه بالغائط دون البول على خلاف ما قاله في "الروضة" وهو المذكور في "الإقناع" لابن المنذر.
الأمر الثاني: أن الغزالي في "الوجيز" قد ذكر النهي عن البول في الطريق وعبر عنها بالشوارع ونسى الرافعي شرح ذلك أو تعرض له ولكن سقط من النسخ ولهذا ذكره في "المحرر".
الجزء: 2 - الصفحة: 198
الفصل الثاني: فيما يستنجي [منه]
179
قوله: وما يوجب الغسل كالمني والحيض لا يمكن الاقتصار فيه على الأحجار انتهى.
استدرك عليه في "الروضة" فقال: صرح صاحب "الحاوى" وغيره بجواز الاستنجاء من دم الحيض، وفائدته فيمن انقطع حيضها فأرادت أن تتيمم لسفر أو مرض فإنها تستنجي به وتتيمم وتتخلى بلا إعادة.
انتهى كلامه.
وهذا الذي استدركه ذكره أيضًا في "التحقيق" و"شرح المهذب" وليس على إطلاقه، فإن الشافعي قد نص عليه وجوزه للبكر دون الثيب كما نقله عنه الروياني وغيره.
قال ابن الرفعة بعد نقله أيضًا هذا النص: فأما جوازه للبكر فلما قلناه وأما منعه للثيب فلما ذكروه في استنجائها من أنها إذا بالت وتحققت وصول البول إلى مدخل الذكر تعين الماء؛ لأن الحجر لا يصل إليه وحينئذ فالحيض قد نجس مدخل الذكر، فإن كانت بكرًا لم يجب عليها إزالة ما وراء العذرة؛ لأنه في حكم الباطن، وأما الظاهر فيجب عليها إزالته وإزالته بالحجر ممكنة، وأما الثيب فيجب عليها إزالة النجاسة مما يبدو منها عند القعود وإزالته بالحجر لا تمكن وفي هذا التقرير كلام مهم ستعرفه في آخر الباب.
ولقائل أن يقول: سلمنا أن الثيب لا يمكنها إزالة جميع ما يجب عليها بالحجر لكن إزالة البعض به ممكنه فينبغي تخريجه على الخلاف فيما إذا قدر على إزالة بعض النجاسة، والأصح كما قاله في باب التيمم من "الروضة" و"التحقيق" و"شرح المهذب" وجوبه ولو قيل بصحته للبكر فاقدة للماء
الجزء: 2 - الصفحة: 199
وواجدة له لكان متجهًا، وتكون فائدته أنها لو نزلت في ماءٍ قليل أو حملها مصل لكانت كالمستجمر في جريان الخلاف.
قوله: وإن أوجب الطهارة الصغرى فإن لم يكن ملوثًا كدود وحصاة فقولان نص عليهما في "الجامع الكبير" وجعلهما الغزالي وغيره وجهين انتهى.
وما ذكره هنا من كون الخلاف قولين قد خالفه [في "المحرر" فجزم بأنه وجهان، والصواب هو المذكور هنا ولهذا خالفه] 180 في "المنهاج" فإنه عبر بالأظهر وحكم البعرة الجافة كحكم الحصاة والدودة كذا نقله من زوائده عن "الشامل" وغيره.
قوله: وإذا كان ملوثًا فينظر إن كان نادرًا كالدم والقيح ففيه قولان أصحهما يجوز فيه الاقتصاد على الحجر وبه قطع بعضهم.
انتهى ملخصًا.
تابعه أيضًا النووي على تصحيحه في "الروضة" و"شرح المهذب" وغيرهما وخالف في "شرح مسلم" فقال في باب المذي ما نصه: أصح القولين في مذهبنا أنه يتعين الماء.
هذه عبارته.
وذكر النووي في "التحقيق" و"شرح المهذب" أن دم الاستحاضة [من النادر فإن فيه القولان والذي قاله مشكل فإن الاستحاضة] 181 وإن كانت نادرة لكنها دائمة، والقاعدة أن النادر والدائم كالغالب، ولهذا أسقطوا القضاء عن المستحاضة وعللوه بذلك.
وإن انتشر الغائط أكثر من المعتاد بأن تعدى المخرج وما حواليه نظر إن لم يجاوز الأليتين فيجزئ الحجر في الأظهر، وقطع بعضهم به وبعضهم بأنه لا يجزئ انتهى.
الجزء: 2 - الصفحة: 200
تابعه في "الروضة" على إطلاق المسألة قال في "الكفاية": ومحله فيما إذا كان المجاوز متصلًا فإن تقطع تعين الماء في المنقطع وإن كان في باطن الأليتين ونقله في "شرح المهذب" عن حكاية الإمام عن الصيدلاني وارتضاه.
قوله: وإن جاوزهما تعين الماء لأنه نادر بمرة وقيل: ما لم يجاوز على الخلاف.
انتهى.
تابعه أيضًا في "الروضة" على إطلاق المسألة ومحلها إذا كان المجاوز متصلًا فإن تقطع أعطينا كل واحد حكمه قاله في "الكفاية" وفي "شرح المهذب" ونقله الروياني عن الأصحاب والقاضي الحسين في "شرح التلخيص" في الكلام على إزالة النجاسة عن النص، وحينئذ فيستنجي بالحجر فيما لم يجاوز بل مقتضى النص جواز الحجر مع الاتصال أيضًا وفي "الحاوي" وجه أنه يجب غسل الجميع.
واعلم أن التعبير بالأليتين غير مستقيم، بل الصواب التعبير: بالصفحتين لأن الأليتين هو ما ينطبق عند القيام ولهما ظاهر وهو ما يبدو عند القيام وباطن أي ينطبق وهو المسمى: بالصفحة.
والحكم دائر معها، ولهذا عبر بها في "المحرر" و"المنهاج".
وقول الرافعي بمرة الباء بمعنى في.
أي: وقع في مرة واحدة هذا أصله، ثم توسعوا فأطلقوه على النادر جدًا سواء وقع مرةً واحدة أم أكثر، وهذا هو معنى قولهم أيضًا نادر في كرة.
قوله: والبول كالغائط والحشفة كالأليتين، وقال أبو إسحاق المروزي: إذا جاوز البول الثقب تعين [الماء] 182 قطعًا انتهى.
والذي قاله الرافعي قد تبعه عليه في "الروضة" وهو غير مطرد، فإنه
الجزء: 2 - الصفحة: 201
إنما يأتي في الرجل السليم الذكر، فأما المرأة ومن قطع ذكره من أصله فلا ينطبق عليهما ما قاله ولم يتحريا في ضابط الانتشار المانع من الحجر فيهما، وأما مقطوع الحشفة فيتجه فيه الجزم، فإن مقدارها يقوم مقامها ولا يتخرج على الخلاف في أن الغسل والحر ونحوها هل تتعلق بمقدارها أم بمجموع ما بقى؟ .
قوله في "أصل الروضة": وحيث اقتصر على الحجر فشرطه ألا تنتقل النجاسة وألا يجف ما على المخرج.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أنه قد أهمل شرطًا ثالثًا وهو ألا يطرأ على المحل نجاسة أجنبية حتى لو عاد إليه من الأَرض رشاش نجس تعين الماء، وهذا الشرط ذكره الرافعي في كتبه كلها حتى في "المحرر" ولم يذكره النووي في الأصل بل ذكره من زياداته في آخر الباب وكأنه والله أعلم انتقل نظره حالة اختصار الرافعي من هذه الشرط إلى اشتراط عدم الجفاف فإن كلًا منهما في أوله ويشترط.
الأمر الثاني: أن ما ذكراه من اشتراط عدم النقل قيده في "النهاية" بتقييد لابد منه فقال: وسر هذا الفصل يتضح بأمر وهو أن المقتصر على الأحجار لو كلف ألا ينقل النجاسة في محاولة رفعها أصلًا لكان ذلك تكليف أمر يتعذر الوفاء به وذلك لا يليق بالفرائض التي لسبب مرخص، فكيف يليق بما مبناه على نهاية التخفيف، فالقدر الذي يعسر مع رعاية الاحتياط المصون منه في النقل يجب أن يعفي عنه وهو بمثابة إلقاء الجيرة [على محل الخلع فإنه لابد من أخذ أطراف من المواضع الصحيحة حتى تستمسك الجبيرة فإذًا ما ذكره] 183 الأصحاب من النقل ومنعه عنوا به ما لا ضرورة إليه.
وهذا الذي ذكرته لم أره منصوصًا عليه ولكن لابد منه، هذا لفظه.
الجزء: 2 - الصفحة: 202
قوله: وأما قول الغزالي في "الوجيز": وقيل: المذي نادر فيقتضي إثبات خلاف، ولكلامه في "الوسيط" إشعار به أيضًا لكن الذي تشتمل عليه كتب الأصحاب قديمها وحديثها عدّه من النجاسات النادرة من غير تعرض للخلاف فيه.
انتهى كلامه.
وما ذكره عجيب جدًا فقد جزم المحاملي في "المقنع" بأنه معتاد فقال في نواقض الوضوء ما نصه: سواء كان معتادًا كالبول والغائط والمذي والريح أو نادرًا كسلس البول هذه عبارته.
وذكر مثله في "المجموع" أيضًا في الباب المذكور وزاد أيضًا الودي.
وكذلك العمراني في "البيان" فقال: فأما المعتاد فهو كالغائط والبول والريح، والمصوب: [والمذي والودي هذه عبارته.
وقد اغتر النووي بما قاله له الرافعي فجزم في "الروضة" وغيرها بكونه نادرًا] 184 وجزم في "شرح المهذب" بأن الودي نادر على خلاف ما في "البيان" والذي أوقع الرافعي فيما تقدم هو العجلي شارح "الوجيز" فإنه قال: وقوله في "الوجيز": وقيل: المذي نادر، ليس هذا إشارة إلى وجهين بل المنقول في الكتب أنه نادر.
الجزء: 2 - الصفحة: 203
الفصل الثالث: فيما يستنجى به
قوله: كالمقابس والحممة والغضا انتهى.
المقابس جمع مقباس بكسر الميم وبالباء الموحدة، قال الجوهري: القبس شعلة من نار وكذلك المقباس، قال والحممة: الفحم والرماد وكل ما احترق من النار الواحدة حممة، والغضا: بغين وضاد معجمتين شجر له شوك.
[قوله] 185 ولا يجوز الاستنجاء بما كتب عليه علم كحديث وفقه.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذا الكلام يوهم الجواز في الجلد، وقد سكت الجمهور عنه ولا شك في المنع؛ لأنه امتهان للكتب؛ وأما الجلد بعد انفصاله عن الكتاب فقد رأيت في عقود المختصر للغزالي ما حاصله المنع في جلد المصحف [فإنه قال: ويجوز بكل مدبوغ إلا ما كان على المصحف ثم أخذ منه] 186 فإن استنجى متعمدًا فقد أعظم ويجب عليه الزجر ويستغفر الله هذه عبارته.
الأمر الثاني: أنه لابد من تقييد العلم بالمحترم سواء كان شرعيًا كما سبق أو لم يكن كالحساب والطب والنحو والعروض ونحوها؛ لأنها تنفع في العلوم الشرعية وإن كان أهل هذه العلوم غير داخلين في الوصية للعلماء على ما أوضحوه هناك، فأما غير المحترم كالمنطق والفلسفة ونحوهما فلا أثر له.
قوله: وفي جزء الحيوان المتصل به كاليد والعقب وذنب الحمار ونحوه
الجزء: 2 - الصفحة: 204
وجوه:
الصحيح: أنه لا يجوز.
والثاني: يجوز بيد نفسه لا بيد غيره.
والثالث: عكسه.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن مقتضى إطلاقه أنه لا فرق بين ما يجوز قتله كالفأرة وبين غيرها وهو كذلك فقد رأيته مصرحًا به في "العمد" للفوراني.
الأمر الثاني: أن ما ذكره من تقييد الجزء بالمتصل يقتضي الجواز بالمنفصل الطاهر كيد الآدمي، وفيه نظر، والقياس: المنع.
قوله في "أصل الروضة": كما يجوز الاستنجاء بالديباج قطعًا.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أنه ليس كما قال من دعوى عدم الخلاف ففيه وجه أنه لا يجوز الاستنجاء به حكاه الماوردي في "الحاوي" ولم يتعرض الرافعي لنفي الخلاف.
الثاني: أنه ينبغي التفصيل فيه بين الرجال والنساء.
قوله أيضًا في "الروضة": وفي الجلد الطاهر أقوال: أظهرها إن كان مدبوغًا جاز الاستنجاء وإلا فلا.
انتهى.
أسقط النووي هنا طريقتين ذكرهما الرافعي.
إحداهما: الجواز في المدبوغ قطعًا.
والثانية: وقد صار إليها كثيرون كما قاله الرافعي المنع في غيره قطعًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 205
الفصل الرابع: في كيفية الاستنجاء
قوله: والمسألة الثانية في كيفية الاستنجاء وجهان.
أظهرهما: وبه قال ابن أبي هريرة: أنه يمسح بكل حجر جميع المحل بأن يضع واحدًا على مقدم الصفحة اليمين فيمسحها به إلى مؤخرها ويريده إلى الصفحة اليسرى فيمسحها به من مؤخرها إلى مقدمها فيرجع إلى الموضع الذي بدأ منه ويضع الثاني على مقدم الصفحة اليسرى ويفعل به مثل ذلك ويمر الثالث على الصفحتين والمسربة [إلى مؤخرها ويديره إلى الصفحة اليسرى فيمسحها به من مؤخرها إلى مقدمها فيرجع به ووجهه ما روى أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "وليستنج بثلاثة أحجار يقبل بواحد ويدبر بواحد ويحلّق بالثالث" 187.
والثاني قاله أبو إسحاق: إن حجرًا للصفحة اليمنى وحجرًا للصفحة اليسرى وحجرًا للوسط.
وحكى في التهذيب وجهًا ثالثًا وهو أنه يأخذ واحدًا يضعه على مقدم المسرية ويديره إلى مؤخرها ويضع الثاني على مؤخرها ويديره إلى مقدمها ويحلق بالثالث وكأنه أراد بالمسربة جميع الموضع، وعلى هذا الوجه يمسح بالحجر الأول والثاني جميع الموضع كأنه صفحة واحدة ويطبق الحجر الثالث على المنفذ، وبهذا فارق الوجه الأول فإنه على ذلك الوجه يطبق الحجرين الأولين ويمسح بالثالث جميع الموضع وهذا الخلاف [في الإيجاب على ما
الجزء: 2 - الصفحة: 206
نقل عن الشيخ أبي محمد.
وقال المعظم الخلاف في] 188 الأولوية لثبوت الروايتين جميعًا زاد في الروضة على هذا فقال: قلت: وقيل: يجوز العدول من الكيفية الثانية إلى الأولى دون عكسه -والله أعلم- انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن ما ذكره الرافعي في الوجه الأول أن الإدارة فيه تكون عند ابتداء الصفحة اليسرى لم يتعرض له في "الروضة" بل أوهم كلامه غير المراد فإنه عبر بقوله أصحهما يمسح بكل حجر جميع المحل فيضعه على مقدم الصفحة اليمنى ويديره على الصفحتين إلى أن يصل موضع ابتدائه، هذه عبارته.
إلا أن ما ذكره بعد ذلك في الكلام على الإدارة ظاهره مخالف المذكور هنا.
الأمر الثاني: أنه لم يبين تفصيل الكيفية على قول أبي إسحاق، وقد اختلفوا في ذلك فقال الماوردي: وقال أبو إسحاق: إنه يمسح بالحجر الأول الصفحة اليمنى من مقدمها إلى مؤخرها ويمسح بالحجر الثاني الصفحة اليسرى من مؤخرها إلى مقدمها، ثم يمسح بالثالث جميع المحل وهو المسربة وقال البغوي في التهذيب قال أبو إسحاق: يأخذ حجرًا يضعه على مقدم صفحته [اليمنى ويدير إلى مؤخرها ثم يأخذ الثاني فيضعه على مقدم صفحته] 189 اليسرى ويدير إلى مؤخرها انتهى وهذا بالنسبة إلى الحجر الثاني عكس ما نقله عنه الماوردي.
واعلم أن ما نقله عنه الماوردي أيضًا من أن الحجر الثالث يكون لجميع المحل قد صرح به أيضًا في التتمة فقال: وقال أبو إسحاق: يستعمل حجرًا في الصفحة اليمنى وحجرًا في الصفحة اليسرى وحجرًا يمسح به الجميع،
الجزء: 2 - الصفحة: 207
هذا لفظه.
وذلك يخالف ما نقله عنه الرافعي من تخصيص الثالث بالوسط.
الأمر الثالث: أن ما ذكره من ثبوت الحديثين غريب، فإن الحديث الأول ليس بثابت ولا يعرف في كتب الحديث، كذا قاله ابن الصلاح في مشكل الوسيط وتابعه عليه المصنف في "شرح المهذب" وغيره.
وأما الثاني فرواه الدارقطني والبيهقي عن سهل بن سعد الساعدي وقالا: إسناده حسن ولفظه: أو لا يجد أحدكم ثلاثة أحجار حجران للصفحتين وحجر للمسربة.
الأمر الرابع: في ضبط المسربة، اعلم أن المعروف في اللغة أن المسربة لا تطلق على مجرى الغائط وإنما تطلق على الشعر المستدق المستطيل من الصدر إلى السرة، ويقال حينئذ بفتح الراء وضمها حتى أن الجوهري في "الصحاح" وابن سيده في "المحكم" والقزاز في "جامعه" وأمثالهم في التصانيف الكبار المعتمد عليها لم يطلقوا المسربة على مجرى الغائط بالكلية.
نعم: ذكر الصغاني في "العباب" أن المسربة بالفتح مجرى الغائط وبالوجهين الشعر المذكور وذكر ابن الأثير في النهاية أن الشعر المشار إليه يقال فيه مسرُبة بالضم وأن مجرى الغائط يقال بالفتح والضم قال: كأنه من السرب وهو المسلك وما ذكره مخالف لكلامهم من وجهين ظاهرين، وقد اغتر النووي بهذا فجزم في "لغات التنبيه" بأن مجرى الغائط يجوز فتحها وكسرها ثم خالف ذلك في "شرح المهذب" على وجه عجيب فقال: والمسربة مجري الغائط وهو بضم الراء، وقيل: يجوز فتحها هذا لفظه.
الأمر الخامس: أن هذا الذي حكاه في "الروضة" من زوائده، واقتضى كلامه أنه وجه ثالث نقله ابن الصلاح في "مشكل الوسيط" عن الغزالي بحثًا وكذلك نقله هو في "شرح المهذب" فقال: وقال الغزالي في درسه ينبغي
الجزء: 2 - الصفحة: 208
أن يقال من قال بالأول لا يجيز الثاني، ومن قال بالثاني يجيز الأول هذه عبارته.
قوله: ينبغي أن يضع الحجر على موضع طاهر بقرب النجاسة لأنه لو وضعه عليه لأبقى شيئًا منها ونشرها وحينئذ يتعين الماء ثم إذا انتهى إلى النجاسة أراد الحجر قليلًا قليلًا حتى يرفع كل جزء منه جزءًا من النجاسة، فلو أمره من غير إدارة ونقل النجاسة من موضع إلى موضع تعين الماء، وإن لم ينقل فقيل: لا يجزئه لأن الجزء الباقي من المحل يلقى ما تنجس من الحجر، والاستنجاء بالنجس لا يجوز والأظهر الجواز؛ لأنه تضييق لباب الرخصة.
انتهى.
وما ذكره من أنه يشترط الوضع على موضع طاهر وأنه يضر النقل الحاصل من عدم الإدارة قد تابعه في "الروضة" عليهما ثم خالفهما في "شرح المهذب" فقال بعد نقل هذه الكيفية ما نصه هكذا ذكره إمام الحرمين والغزالي والرافعي وغيرهم، ولم يشترط العراقيون شيئًا من ذلك وهو الصحيح، فإن اشتراط ذلك تضييق للرخصة غير ممكن إلا في نادرٍ من الناس مع عسر شديد، وليس لهذا الاشتراط أصل في السنة هذا كلامه.
وما أطلقه في "شرح المهذب" عن الإمام ليس كذلك، فقد قال في "النهاية": والمقتصر على الأحجار لو كلف ألا ينقل النجاسة في محاولة رفعها لكان ذلك تكليف أمر يتعذر الوفاء به فيجب العفو عن القدر الذي تعسر الاحتراز منه مع رعاية الاحتياط، وهذا لم أره منصوصًا ولكن لابد منه، هذا كلامه.
قوله: لأن مس الذكر باليمين مكروه.
انتهى.
لم يتعرض في "الروضة" للكراهة بل اقتصر على استحباب مسكه باليسار.
الجزء: 2 - الصفحة: 209
قوله: الخامسة الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر أو ما في معناه فقد أثنى الله تعالى على أهل قباء بذلك وأنزل فيه قوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ 190 الآية، وفيه من طريق المعنى أن العين تزول بالحجر والأثر بالماء فلا يحتاج إلى مخامرة عين النجاسة وهي محمومة.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
الأول: أن فحوى كلامهم تصويرًا وتعليلًا يدل على أن استحباب الجمع يختص بالغائط، وقد رأيته مجزومًا به في "كتاب محاسن الشريعة" للقفال الكبير الشاشي وهو ظاهر فتأمله، لكن رأيت في "التقريب" لسليم الرازي التصريح بأنه لا فرق، ورأيت في "عقود المختصر" للغزالي نحوه أيضًا.
الأمر الثاني: أن المعنى وسياق كلامهم يدلان على الاكتفاء في هذا الاستحباب بما دون ثلاثة أحجار إذا حصلت إزالة العين.
الثالث: إذا لم نجوز الحجر في المجاوز والنادر ففي كلام "المهذب" وشرحه إشارة إلى أنه لا يستحب الجمع والمتجه الاستحباب.
ويلزم القول به أيضًا في سائر النجاسات نظرًا للمعنى السابق.
الرابع: أن التعليل بقلة مخامرة النجاسة يقتضي أنه لا تشترط الطهارة في هذا الحجر خصوصًا عند فقدان الطاهر، وقد رأيت التصريح بعدم اشتراطه مطلقًا في كتاب "الإعجاز" للجيلي نقلًا عن الغزالي في بعض كتبه.
الخامس: أن هذا الحديث الذي ذكره الرافعي قد رواه البزار في مسنده من رواية ابن عباس لكن بإسناد ضعيف 191 ولفظه: "فسألهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
الجزء: 2 - الصفحة: 210
عن ذلك فقالوا: إنا نتبع الحجارة الماء"، وأنكر النووي في "شرح المهذب" هذه الرواية فقال: هكذا رواه الفقهاء في كتبهم وليس له أصل في كتب الحديث، بل المذكور فيها أنهم قالوا: كنا نستنجي بالماء 192. وليس فيها مع الحجر، كذا رواه جماعة منهم الإمام أحمد في مسنده وابن خزيمة في صحيحه.
هذا كلامه.
قوله في "الروضة": وأما الرجل فمخير في فرجيه بين الماء والحجر وكذا المرأة البكر، وبهذا الثيب، فإن مخرج بولها فوق مدخل الذكر والغالب أنها إذا بالت نزل البول إلى مدخل الذكر، فإن تحققت ذلك تعين الماء وإلا جاز الحجر على الصحيح.
انتهى كلامه.
والإتيان بلفظ كذا في الثيب فاسد، وصوابه أن يقول: وأما الثيب بلفظ أما فإن التعليل الذي بعده لا يلائمه أصلًا، وكلام الرافعي -رحمه الله- مستقيم فإنه عبر بأما كما ذكرته، والعلة في تعيين الماء عند التحقق هو الانتشار وعلله في "الكفاية" بعد هذا بقليل بكون الحجر لا يأتي على ذلك.
قوله -عقب ذلك-: ثم القدر المغسول من الرجل ظاهر ومن المرأة ما يظهر إذا جلست على القدمين، وفي وجه تغسل الثيب باطن فرجها كما تخلل أصابع رجليها؛ لأنه صار ظاهرًا بالثيابة.
انتهى كلامه.
ولقائل أن يقول هذه المسألة المختلف فيها إن كانت مع تحقق إيصال الماء فكيف يسوي بين البكر والثيب في الاقتصار على غسل ما يظهر عند الجلوس؟ وأيضًا فكيف يجب الماء مع أن الحجر يأتي على هذا المقدار ولهذا
الجزء: 2 - الصفحة: 211
قال في "شرح المهذب": قال الشافعي والأصحاب: ويلزم الثيب أن توصل الحجر إلى الموضع الذي يجب إيصال الماء إليه في غسل الجنابة وهو ما يظهر عند جلوسها على قدميها هذا كلامه وإن لم يكن مع تحقق إيصال الماء فالواجب غسل المنفد فينبغي أن يتأمل وقد أبرزنا ما في غضونه من الإشكال فإن لاح للناظر أمر فهو مستند لما ذكرته.
ولعلنا نزداد فيه علمًا.
قوله من زياداته: فإن قدم الوضوء أو التيمم على الاستنجاء صح الوضوء دون التيمم في أظهر الأقوال.
والثاني: يصحان.
والثالث: لا يصحان.
انتهى كلامه.
والفرق بينهما كما قاله الأصحاب ومنهم الشيخ في "المهذب": إن الوضوء يرفع الحدث وارتفاعه يحصل مع قيام المانع، وأما التيمم فلا يرفع الحدث ولكن يبيح الصلاة ولا استباحة مع قيام المانع، وإذا كان هذا هو المدرك لزم استثناء وضوء دائم الحدث، وألا يصح فعله قبل الاستنجاء لكونه لا يرفع الحدث على المذهب، كما نقله في "الروضة" من زياداته قبيل باب المستحاضات.
الجزء: 2 - الصفحة: 212
الباب السابع: فى الأحداث
وفيه فصلان:
الفصل الأول: في أسبابها
قوله: نواقض [الوضوء] 193 عندنا أربعة.
اعلم أنه يرد عليه أمران نبه عليهما المحاملي في "اللباب".
أحدهما: شقاء دائم الحدث كالمستحاضة وسلس البول.
والثاني: انقضاء مدة المسح ونحوه لنزع الخف، قال في "شرح المهذب": ولعل الأصحاب إنما تركوهما هنا لذكرهم لهما في بابهما.
قوله: أحدها: خروج الخارج من أحد السبيلين.
اعلم أن فرج المرأة مشتمل على سبيلين سبيل للبول وسبيل للحيض وهو مدخل الذكر، والوضوء ينتقض بالخارج من الثاني كما ينتقض بالأول، وقد ذكر الرافعي ذلك في مواضع منها في هذا الباب عقب هذا الموضع بصفحة فقال: أما المشكل فإن خرج الخارج من فرجيه جميعًا فهو محدث؛ لأن أحدهما أصلى هذا كلامه، ومنها في باب الغسل قبيل الطرف الثاني فقال: ولو أولج رجل في فرج مشكل، والمشكل في فرج امرأة فالمشكل جنب؛ لأنه جامع أو جومع والرجل والمرأة لا يجنبان لكن ينتقض وضوء المرأة بالنزع هذا لفظه.
إذا علمت ذلك كله علمت أن تعبيره بقوله أحد السبيلين مستقيم في الرجل أما في المرأة فلا.
قوله: وقد يفرض خروج الريح من الإحليل أيضًا لأدرة فينتقض الوضوء به.
انتهى.
الجزء: 2 - الصفحة: 213
والإحليل كما قاله في الصحاح مخرج البول ومخرج اللبن من الضرع والثدي هذه عبارته وهو موافق للمراد هنا، وعبر النووي في "شرح المهذب" بقوله: مجرى البول أعنى بالجيم، وقال في "لغات الروضة": إنه رأس الذكر والأُدرة بضم الهمزة وسكون الدال وفتح المهملتين هو نفخة في الخصية تقول منه رجل آدر على وزن آخر قاله الجوهري.
فإن قيل: إذا كان خروج الريح من القبل ناقضًا فلم فرقتم في النوم بين أن يكون قاعدًا أم لا؟ والجواب ما قاله النووي في "التنبيه" وغيره أن خروج الريح من القبل نادر فلم يرفع به الأصل بخلاف الدبر.
قوله: وأما قول الغزالي في الكتاب: وينتقض بالخارج طاهرًا كان أو نجسًا.
فقد يتوهم منه أن المراد بالطاهر المني وليس كذلك، بل المراد به الدود والخصي وسائر ما هو طاهر العين، وأما المني فلا يوجب خروجه الحدث، وإنما يوجب الجنابة ولا تغتر بتعميم الأئمة القول بأن الخارج من السبيلين ناقض [للطهارة فإن هذا ظاهر.
يعارضه قولهم: إن من أنزل بمجرد النظر أو بالاحتلام قاعدًا] 194 يكون جنبًا غير محدث.
وحكى في "البيان" عن القاضي أبي الطيب أن خروج المني يوجب الحدثين: الأصغر لأنه خارج، والأكبر لأنه مني والمذهب المشهور هو الأول، والشئ منهما أوجب أعظم الأمرين بخصوصه لا يوجب أدونهما بعمومه كزنا المحصن لمّا أوجب أعظم الحدين؛ لأنه زنا المحصن لا يوجب أدناهم لأنه زنا.
انتهى كلامه.
وما ذكره من صرف كلام الغزالي عن المني إلى ما ذكره دال على توهمه عدم الخلاف وهو عجيب وذهول عن كلام الأصحاب خصوصًا الإمام، فقد نص -أعني الإمام- على أن المني المجرد ناقض للوضوء، فإنه صور الجنابة المجردة بما إذا أولج في بهيمة أو دبر رجل أو لف على ذكره خرقة وأولج في
الجزء: 2 - الصفحة: 214
امرأة ثم قال ما نصه: فإن قيل: إذا أنزل المني فهلا عد هذا مما يقتضي الجنابة المحضة؟ قلنا: المني لا يتصور خروجه وحده بل يخرج معه رطوبة يتعلق بخروجها وجوب الوضوء هذه عبارته، ذكر ذلك في آخر باب ما يوجب الغسل، وتابع الغزالي فيه إمامه على عادته، ثم إن الإمام عقب ذلك حكى الخلاف في أن من أحدث وأجنب يكفيه الغسل أم لابد من الوضوء معه؟ ثم قال: والذي أراه أن الذي لا يدرج الوضوء تحت الغسل، إنما يقول ذلك إذا تميز الحدث عن الجنابة فأما إذا كان انتقاض الوضوء يتقدم كالمس المتصل بالوقاع فالأظهر الاندراج انتهى.
ويلزم من إندراج الوضوء في هذه الصورة التي ذكرها الإمام أن يندرج أيضًا في المقارن وهو خروج المني بطريق الأولى.
فتخلص مما قاله الإمام أن الوضوء لا يجب في خروج المني جزمًا مع القول بأنه ناقض، وذكر مثله القاضي أبو الطيب فإنه صرح في "شرح الفروع" بكونه ناقضًا مع أنه في تعليقه في مسألة من وجب عليه وضوء وغسل قد صور الجنابة المجردة بإنزال المني كما سبق وصرح أيضًا بكون المني ناقضًا ابن سريج في كتاب الودائع وإطلاق الشافعي في "الأم" يقتضيه فإنه قال: ودلت السنة على أن الوضوء من المذي والبول مع دلالتها على الوضوء من خروج الريح فلم يجز إلا أن يكون جميع ما خرج من ذكر أو دبر رجل أو امرأة أو قبل المرأة موجبًا للوضوء ثم قال: وكل ما خرج من واحد من الفروج ففيه الوضوء انتهى.
وجزم الماوردي بأن الحيض ناقض للوضوء ونقل الإجماع عليه مع أنه ناقض للطهارة الكبرى كالمني.
ونقل ابن عطية في "تفسيره" الإجماع على أن المني ناقض للوضوء، واستدلال الرافعي على عدم النقض بأن الشئ مهما أوجب إلى آخره قد تعقبه الماوردي بالحيض واستشهاده بالزنا غير
الجزء: 2 - الصفحة: 215
مستقيم، فإن مطلق الزنا لا يوجب شيئًا، بل إن كان زنا بكر أوجب الجلد، وإن كان زنا ثيب أوجب الرجم، فأهون الحدين وجب لكونه زنا بكر، وعموم الزنا مشترك بين ما يوجب الأهون والأعظم، وقد وافق ابن الرفعة على النقض بالمني.
وذكر أن المراد بما استند إليه الرافعي من تصوير الجنابة المجردة ويزعم لأجله أن المشهور عدم النقض إنما هو تصوير جنابة لا يجب معها فعل الوضوء بل الغسل كاف بلا نزاع قال: ونحن نقول في الذي استشهد به لذلك: لا لأنه لم يوجد نقض الطهارة الصغرى؛ بل لأنه قد وجد في حال واحد ما يقتضي إيجاب فعلين في محل واحد في آن واحد، وذلك لا يمكن فلا يخاطب به ولا سبيل إلى إسقاطهما فتعين الإتيان بأعمهما وإدراج الآخر فيه.
قال: وبهذا فارق ما إذا تقدم الحدث الأصغر على الأكبر أو تأخر حيث أوجبنا الوضوء والغسل على رأى لأنه حال وجود حائل سبب وجوب أحدهما أو شرطه لم يوجد سبب وجوب الآخر أو وشرطه، هذا كلامه إلا أنه وقع له في أثناء الكلام على المسألة أغلاط نبهت عليها في "كتاب الهداية".
قوله في "أصل الروضة": فرع: إذا انسد السبيل المعتاد وانفتحت ثقبة تحت المعدة وخرج منها المعتاد وهو البول والغائط نقض قطعًا.
انتهى.
وليس كما قال من دعوى عدم الخلاف فقد حكى الرافعي في "الشرح الصغير" عن ابن عبدان طرد القولين فيه، وحكاهما الماوردي في "الحاوى" عن ابن أبي هريرة أيضًا.
وقد حكى النووي أيضًا هذا الخلاف في "التحقيق" و"شرح المهذب" ولم يتعرض الرافعي لدعوى عدم الخلاف، وإنما زاده النووي في "الروضة" وزاد فيها دعوى ذلك في عدم النقض في عكسه، وهو ما إذا انفتح فوق المعدة مع انفتاح الأصلي ثم اعترض عليه بأن فيه خلافًا وهو عجيب.
الجزء: 2 - الصفحة: 216
قوله: ولو انفتحت فوق المعدة وقد انسد السبيل المعتاد أو تحت المعدة والمعتاد منفتح فهل تنتقض الطهارة في الصورتين؟ فيه قولان: أصحهما: لا.
أما في الصورة الأولي فلأن ما يخرج من فوق العدة أو من حيث يحاذيها لا يكون مما أحالته الطبيعة؛ لأن ما تحيله تلقيه إلى أسفل.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره من إطلاق الخلاف قد تبعه عليه في الروضة ومحله كما قاله الماوردي في الانسداد العارض، فإن كان أصليًا فينتقض بالخارج من [المنفتح بلا خلاف.
سواء كان فوق المعدة أم تحتها.
وسواء ندر الخارج] 195. أم لا.
قال: وحكم الأصلي والحالة هذه أنه لا وضوء من مسه ولا غسل من الإيلاج فيه.
قال النووي في "شرح المهذب": ولم أر في كلام الأصحاب تصريحًا بموافقته ولا مخالفته انتهى.
وإذا لم يصرح الأصحاب بخلاف ما قاله وجب الرجوع إليه؛ لأنه ثقة وقد نقل.
الأمر الثاني: أن هذا التعليل يعلم منه مسألة مهمة نفيسة قل من تعرض لها وهي أن حكم المعدة حكم ما فوقها، وقد حذف النووي من "الروضة" ذلك ثم حاول ذكر المسألة من زوائده فعبر بقوله: ومرادهم بتحت المعدة ما تحت السرة وبفوقها السرة ومحاذاتها وما فوقها والله أعلم هذا كلامه، وهو تعبير عجيب كالمتدافع؛ لأنه يوهم أن المعدة لا حقيقة لها وأن المعدة من جملة ما فوق المعدة فلنذكر كلامًا يعرف منه مراده فنقول: المعدة من المكان المنخسف تحت الصدر إلى السرة وهذا التفسير صحيح مشهور لا شك فيه، وقد ذكره الأطباء والفقهاء واللغويون وذكره شراح "التنبيه" كابن يونس وابن
الجزء: 2 - الصفحة: 217
الرفعة فقال: والمعدة الموضع الذي يستقر فيه الطعام أشار إليه في المجمل وهي بفتح الميم وكسر العين، ويجوز إسكان العين مع فتح الميم وكسرها، ومحلها ما بين فوق السرة إلى المنخفض تحت الصدر الذي يخرج منه النفس هذا كلامه.
وهو واضح، وأما تعبير النووي فعجيب ولو قال: حكم المعدة حكم ما فوقها لاستقام.
قوله: وهل يجوز الاقتصار في الخارج من المنفتح على الأحجار؟ قال الإمام: فيه ثلاثة أقوال، والغزالي فيه ثلاثة أوجه: أظهرها: لا وهما مسبوقان بهذا الاختلاف.
انتهى ملخصًا.
لم يصح شيئًا في "الشرح الصغير" أيضًا أعني في أنها أوجه أو أقوال.
وقد اختلف فيه كلام النووي فجزم في "شرح المهذب" بأنها أوجه وصحح في أصل "الروضة" أنها أقوال فزاد ونقض.
قوله في [أصل] 196 "الروضة" وإذا انفتح له مخرج ونقضنا الوضوء بالخارج منه فلا يجب الغسل بالإيلاج فيه على الأصح، ثم قال: ولا يثبت للإيلاج فيه شئ من أحكام الوطء سوى الغسل على وجه وقيل يثبت المن وسائر أحكام الوطء.
انتهى.
لم يصحح الرافعي شيئًا من هذا الخلاف الأخير، وإنما حكى الأول عن الإمام والثاني عن الحناطى.
قوله من "زوائده": لو أخرجت دودة رأسها من فرجه ثم رجعت ينقض على الأصح.
انتهى.
الجزء: 2 - الصفحة: 218
واعلم أن النووي في "شرح المهذب" قد علل النقض بالخروج ومقابله بعدم الانفصال، وتعليل الثانى ذكره أيضًا الماوردي والروياني وغيرهما فاعلمه، [وإذا كان ذلك هو العلة علم منه أنه لا فرق بين أن يعود أم لا فاعلمه] 197، وفائدته على ذلك الوجه في جواز مس المصحف ونحوه مما لا يتوقف على إزالة النجاسة، أما الصلاة ونحوها فممتنع لأنه حامل لما هو متصل بالنجاسة.
قوله: أيضًا من زوائده: ومن له ذكران ينتقض بكل منهما والله أعلم، وهذا الإطلاق غير صحيح فإنه قد بين في "شرح المهذب" مستنده في ذلك فقال: ومن له ذكران فخرج من أحدهما شئ انتقض وضوؤه، ذكره الماوردي هذا كلامه.
والماوردي قيد ذلك بما إذا كان يبول منهما فقال: لو كان له ذكران يبول منهما غمس أحدهما انتقض وإيلاجه يوجب الغسل، ولو خرج من أحدهما بلل نقض ولو كان يبول من أحدهما فالحكم له والآخر زائد لا يتعلق به نقض انتهى.
وهذا القيد متعين لابد منه.
قوله: الناقض الثاني زوال العقل بالجنون أو الإغماء أو السكر الذي لا شعور معه، ثم قال: وحكى في "التتمة" وجهًا ضعيفًا أن السكر لا ينقض الوضوء.
انتهى.
ومحل هذا الوجه إنما هو في السكران المتعدي بسكره فإن صاحب "التتمة" علله بكونه يعامل معاملة الصاحي فيما عليه وماله، والذي يعامل بذلك إنما هو المتعدي وعجب من الرافعي حيث لم يقيد ذلك أو يعلله بالعلة المقتضية للتقييد وقيد الفوراني في "الإبانة" الخلاف بما إذا لم يغش عليه فإن
الجزء: 2 - الصفحة: 219
غشى عليه نقض، وذكر نحوه في "العمد".
قوله: لما روى أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "العينان وكاء السه فإذا نامت العينان استطلق الوكاء فمن نام فليتوضأ" 198. انتهى.
الوكاء بكسر الواو وهو الخيط الذي يربط به الشئ والسه بسين مهملة مفتوحة بعدها هاء أصله سَتَه وهو العجز، وقد يراد به حلقة الدبر، كذا قاله الجوهري وجعل منه هذا الحديث ثم قال: وروى وكاء الست بحذف الهاء وبالتاء.
ومعنى الحديث أن اليقظة وكاء الدبر أي الحافظة لما فيه من الخروج، فإن الإنسان يحس بما يخرج منه ما دام مستيقظًا فإذا نام زال الضبط، والحديث المذكور حسن رواه أبو داود وابن ماجه ولفظهما "العينان وكاء السه فمن نام فليتوضأ".
قوله من زياداته: ولو شك في النوم أو في أن التمايل بعد النوم ممكنًا هل كان بعد الاستيقاظ أم قبله لا ينتقض وضوؤه.
انتهى.
وهاتان المسألتان قد ذكرهما الرافعي بعد هذا في الكلام على الشك في الحدث.
قوله: في "أصل الروضة": فإن لمس شعرًا أو سنًا أو ظفرًا أو عضوًا مبانًا من امرأة أو بشرة صغيرة لم تبلغ حد الشهوة لم ينتقض وضوؤه على الأصح.
انتهى.
الجزء: 2 - الصفحة: 220
واعلم أن ما قاله في الصغيرة من جزمه بطريقة الوجهين فمسلّم، وأما الباقي فقد خالفه في "شرح المهذب" فحكى فيه طريقتين.
إحداهما: حكاية وجهين.
والثانية: القطع بعدم النقض، ثم صحيح هذه الطريقة وهو مخالف لما في "الروضة" في إثبات الخلاف وفي قوته.
قوله: ولو لمس ميتة انتقض على الصحيح.
انتهى.
تابعه في "الروضة" وفي أكثر كتبه كشرح "المهذب" و"التحقيق" على تصحيح الانتقاض حتى بالغ في "شرح المهذب" فقال: الصحيح المختار طريقة القطع به ثم خالف في "رؤوس المسائل" فصحح أنه لا ينتقض فقال: والأصح أن لمس المحارم والصغيرة التي لا تشتهي والميتة واليد المقطوعة لا ينقض هذا لفظه والفتوى على الأول فإن الأكثرين رجحوه.
قوله في أصل "الروضة": [ومس الذكر المقطوع والأشل والمس باليد الشلاء وناسيًا ناقض على الصحيح.
انتهى.
لم يذكر الرافعي خلافًا في الذكر الأشل.
قوله: في أصل "الروضة"] 199 ولنا وجه شاذ أن المرأة لا تزال ملموسة.
انتهى.
وهذه المقالة الضعيفة لم يحكها الرافعي في "الشرح الكبير" ولا في "الصغير" وجهًا بل إنما حكاها فيهما قولًا.
قوله: لنا في النقض بمس الذكر حديث بسرة بنت صفوان أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "من مس ذكره فليتوضأ" 200 وفي رواية: "من مس فرجه" انتهى.
الجزء: 2 - الصفحة: 221
بُسرة بالباء الموحدة المضمومة والسين المهملة الساكنة واحده اليسر وهي جدة مروان بن الحكم والد عبد الملك أى أم أمه، وهذا الحديث قد صححه الإمام أحمد والترمذي وابن حبان والدارقطني والحاكم وقال: إنه على شرط الشيخين، وقال الترمذي في كتاب العلل: قال البخاري: إنه أصح شئ في الباب.
قوله: وقال أحمد: تنتقض الطهارة سواء مس بظهر الكف أو ببطنها لنا أن الأخبار الواردة في الباب جرى في بعضها لفظ المس، وفي بعضها لفظ الإفضاء ومعلوم أن المراد منهما واحد والإفضاء في اللغة هو المس ببطن الكف.
انتهى.
وكأنه يشير بقوله أن المراد بهما واحد إلى أن الإفضاء مس مقيد فيحمل المطلق على المقيد وبه صرح غير الرافعي أيضًا وهو ممنوع، فإن المس عام هنا لوقوعه صلة للموصول الذي هو من صيغ العموم والفعل يعم بعموم فاعله فكأنه قال كل ماس يجب عليه الوضوء.
والإفضاء فرد من أفراد العموم، وذلك لا بخصيص على المشهور عند الأصوليين.
نعم: طريق الاستدلال أن يقال: مفهوم الشرط المستفاد من حديث الإفضاء يدل على أن غير الإفضاء لا ينتقض فيكون مخصصًا لعموم المس = و (27336)، وابن حبان (1116)، والحاكم (474)، والدارقطني (1/ 147)، والطيالسي (1657)، والطبراني في "الكبير" (24/ 194) حديث (488) وفي "الأوسط" (1457) من حديث بسرة بنت صفوان -رضي الله عنها-.
قال الترمذي: حسن صحيح.
وقال الألباني: صحيح.
الجزء: 2 - الصفحة: 222
المستفاد من الحديث الآخر وغاية ذلك أن يكون المفهوم مخصصًا لعموم المنطوق وهو جائز كما أوضحته في "شرح منهاج الأصول".
قوله في "أصل الروضة": ولو كان له كفان عاملتان تنقض كل واحدة منهما، وإن كانت إحداهما عاملة نقضت دون الأخرى، وقيل في الزائدة خلاف مطلق.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أنه أهمل قسمًا ثالثًا من كلام الرافعي وهو ما إذا كانتا معًا غير عاملتين وقد سوى الرافعي بينه وبين العاملتين في النقض.
الأمر الثاني: أن ما صححه من عدم النقض بالزائدة التي لا تعمل، قد صحح عكسه في "التحقيق" فقال: وتنقض كف زائدة، ويقال: إن عملت هذا لفظه.
وليس في "شرح المهذب" تصريح بموافقة أحد الموضعين، فإنه قال ما نصه: ثم الجمهور أطلقوا الانتقاض بالكف الزائدة، وفصل البغوي بين العاملة وغيرها انتهى.
وهو كالمطلق بين المقيد بقيدين متنافيين ويؤيد ما قاله في "الروضة": إنه لو كان له ذكران أحدهما عامل فمس الآخر لم ينتقض الوضوء به على ما اقتضاه كلام "الروضة" في باب الغسل وصرح بتصحيحه في "شرح المهذب" و"التحقيق" وهو مشكل على ما تقدم نقله عن "التحقيق" من تصحيح الانتقاض بكف غير عامل، ويقوى ما في "الروضة" فليعمل به، وهذا إذا لم يكن الذكران على سنن واحد، فإن كانا كذلك فحكمهما حكم الأصبع الزائدة إذا كانت على سنن الباقي، فعلى هذا ينتقض أيضًا هكذا
الجزء: 2 - الصفحة: 223
رأيته في "العمد" للفورانى، ولم يذكر النووي ذلك، وهل يعرف عمل الذكر بالبول أو بالجماع؟ فيه وجهان في زيادات "الروضة" قبيل الصيال من غير ترجيح وقد تكلمنا قريبًا علي كلام من "زوائد الروضة" وذلك الكلام يؤخذ منه أنه يعرف بالبول، وكذلك تعرف أيضًا من الكلام الذي نقلناه الآن من باب الغسل، وستعرف لفظه هناك إن شاء الله تعالى.
قوله: وحكم فرج المرأة في المس حكم الذكر لما روى عن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "ويل للذين يمسون فروجهم ولا يتوضؤون" قالت عائشة: بأبي أنت وأمي هذا للرجال أفرأيت النساء قال: "إذا مست إحداكن فرجها فلتتوضأ" 201. انتهى.
وليس فيه ولا في "الروضة" بيان محل النقض من فرج المرأة وقد نبه عليه الإمام فقال: هو ملتقى الشفرين على المنفذ ونقله عنه أيضًا في "الكفاية" مقتصرًا عليه فاعلم ذلك فإنه أمر مهم، وليس المراد الناتئ جميعه طولًا وعرضًا على قياس فرج الرجل.
والحديث المذكور ضعيف كما قاله البيهقي وغيره وقولها: بأبي أنت وأمي أي أفديك بأبي وأمي من كل مكروه.
قوله: وقال في الجديد ينتقض بمس حلقة الدبر وهي ملتقي المنفذ ثم قال: ومن الأصحاب من جزم به ونفي الخلاف فيه.
انتهى.
أسقط النووي هذه الطريقة فلم يذكرها في "الروضة".
قوله: وفي فرج البهيمة قولان حكى عن القديم أن مسه كمس فرج
الجزء: 2 - الصفحة: 224
الآدمي ثم قال: وهذا القول في القبل دون الدبر، فإن دبر الآدمي لا يلحق في القديم بالقبل فمن غيره أولى.
انتهى.
فيه أمور:
أحدهما: أن القول المحكي في النقض بفرج البهيمة قول جديد لا قديم فقد نقله الفوراني والداوودي شارح "المختصر" والقاضي الحسين في تعليقه وإمام الحرمين والغزالي في "البسيط"، وصاحب "العدة" عن رواية يونس ونقله الشيخ أبو حامد في "التعليق"، والبندنيجي في "الذخيرة"، والماوردي في "الحاوى" وسليم الرازي في "المجرد" و"التقريب"، والشيخ في "المهذب" والروياني في "البحر" عن رواية ابن عبد الحكم، ونقله عنهما معًا الدارمي في "الاستذكار" وكلاهما من أصحاب الشافعي في الجديد كما تقدم إيضاحه في أول الكتاب والذي أوقع الرافعي في هذا هو الغزالي [فإنه نقله في "الوسيط" عن القديم وكأنه توهم أن يونس من رواة القديم] 202، ويدل على هذا التوهم عبارته في "البسيط" فإنه قال نصه: وأما فرج البهيمة فإنه بعيد جدًا فنص في الجديد على أنه لا ينتقض الطهر بمسه وحكى يونس ابن عبد الأعلى قولًا للشافعي أنه ناقض هذا لفظه وهو دليل لما قلناه.
ورأيت في "شرح التلخيص" للقاضي حسين نحوه أيضًا.
واعلم أن المراد هنا بابن عبد الحكم إنما هو أبو محمد عبد الله بن عبد الحكم بن أعين المصري كذا صرح به الشيخ أبو حامد في "تعليقه" ونقله عنه النووي في "تهذيب الأسماء واللغات" وهي فائدة حسنة، وصرح بذلك لئلا يتوهم أنه ابنه محمد فإنه كان [ملازمًا للشافعي ومشهورًا بصحبته ومعدودًا في أصحابه وإن كان] 203 في آخر الأمر قد انتقل إلى مذهب أبيه لمعنى سبق ذكره في ترجمته.
الأمر الثاني: أن هذا القول ليس خاصًا بالقبل كما زعمه الرافعي لأنه إنما
الجزء: 2 - الصفحة: 225
استنبطه على تقدير كون القول قديمًا وقد ثبت خلافه، وقد أشار النووي إلى هذا في "الروضة"، وكذلك في "شرح المهذب" ونقل فيه عن الدارمي أن حكم الطير كحكم البهيمة.
[الأمر الثالث: أن الرافعي حكى طريقة قاطعة بأن مزج البهيمة] 204 لا ينتقض وأسقطها من "الروضة".
قوله: روى أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مس زبيبة الحسن أو الحسين ولم يرو أنه توضأ انتهى.
الزبيبة بضم الزاي وفتح الباء تصغير الزب وهو الذكر وألحقت الياء فيه كما ألحقت في عسيلة ودهينة، قال النووي في "تهذيب الأسماء واللغات": وذكر في "الصحاح": لهذا اللفظ معانٍ: منها اللحية ولم يذكر منها الذكر بالكلية.
قوله: وفي الذكر المبان وجهان أصحهما أنه كالمتصل لشمول الاسم له انتهى.
ذكر مثله في "الروضة".
وفيه أمران:
أحدهما: أنه يوهم أن البعض المبان لا ينتقض لتقييده بالذكر؛ ولأنه قياس البعض المبان من المرأة فإنهم قالوا فيه: إنه لا ينتقض لكونه لا يصدق عليه اسم المرأة وهذا بعينه موجود في الذكر بخلاف ما إذا مس جزءا منه قبل القطع فإنه يصدق أن يقال: مس الذكر كما لو حلف لا يمس زيدًا، وهذا الذي أوهمه كلامه من عدم النقض قد جزم البغوي في "التهذيب" بخلافه، ونقله عنه النووي في "شرح المهذب" ولم يخالفه إلا أنه مشكل.
الأمر الثاني: أن تعبير الرافعي بالذكر وتعليله ببقاء الاسم يقتضيان أن فرج المرأة إذا قطع لا يكون ناقضًا [وهذا هو الظاهر لأن الموضع الناقض هو ملتقى الشفرين كما تقدم] 205 وتلك الجلدة لا تتميز غالبًا بحيث يطلق
الجزء: 2 - الصفحة: 226
عليها اسم الفرج.
قوله في "الروضة": وأما الممسوس فرجه فلا ينتقض قطعًا.
قلت: وفيه قولان كالملموس، والله أعلم.
وما ذكره من عدم الخلاف لم يذكره الرافعي بل زاده من عنده وأدخله في كلام الرافعي ثم اعترض بسببه عليه وهو غريب، وقد سبق في أول الباب مثله ويأتيك نظيره أيضًا في مواقيت الصلاة وغيره.
قوله: وإن مس المشكل أحد الفرجين وصلى الصبح مثلًا ثم توضأ ومس الآخر وصلى الظهر ففي المسألة وجهان.
أحدها: يقضيهما جميعًا؛ لأن إحدى صلاتيه واقعة مع الحدث.
وأظهرهما] 206 أنه لا يقتضي واحدة منهما كما لو صلى صلاتين باجتهادين إلى جهتين.
انتهى.
وما ذكره من عدم وجوب القضاء مطلقًا قد تابعه عليه في "الروضة" وهو غير موافق للقواعد المتقدمة، بل الذي ينبغي أن يتعين قضاء الثانية؛ لأن اللمس الناقض وهو مس الفرج الأصلي إن كان هو المس الثاني فواضح، وإن كان هو الأول فالطهارة الواقعة بعده إنما فعلت للاحتياط؛ لأنه لا يجب عليه أن يتوضأ لشكه في أنه أصلي أو زائد، وطهارة الاحتياط لا ترفع الحدث على الصحيح فتعين أن يكون تصوير المسألة بما إذا كان وضوؤه بعد حدث وقد رأيت تصويرها بذلك في شرح التلخيص للقاضي حسين، وذكر مثله المحب الطبري في شرح التنبيه وهو يوضح ما ذكرناه.
قوله في "الروضة" في المسألة: ولو مس أحدهما وصلى الصبح ثم مس الآخر وصلى الظهر من غير وضوء أعاد الظهر قطعًا فقط.
انتهى.
قال في "الذخائر": الذي يقتضيه النظر وجوب إعادتهما معًا كما لو تحقق أنه نسى عضوًا في إحدى طهارتيه.
الجزء: 2 - الصفحة: 227
قوله: ولو مس المشكل فرج مشكل وذكر مشكل آخر انتقض طهره إما باللمس أو بالمس.
انتهى.
والمشكل المذكور ثانيًا قد أبدله في الروضة بلفظ نفسه فقال: ولو مس المشكل فرج نفسه.
والتصوير الذي ذكره وإن كان صحيحا إلا أنه مسألة أخرى.
قوله: ولو مس أحد المشكلين فرج صاحبه ومس الآخر ذكر الأول انتقض أحدهما لا بعينه، ولكل منهما أن يصلي؛ لأن الأصل في حقه الطهارة ثم قال: فلو اقتدى أحدهما بالآخر ثم بان أن الإمام رجل قال بعضهم: لا تصح صلاة المقتدي بلا خلاف، ولا يتخرج على القولين فيما إذا اقتدى الخنثى بالخنثى ثم بانت ذكورة الإمام.
انتهى.
وهذه المسألة [الأخيرة] 207 قد حذفها النووي من "الروضة".
قوله: خلافًا لمالك حيث قال: إذا استيقن الطهارة وشك في الحدث فإنه يأخذ بالحدث إن كان خارج الصلاة احتياطًا بخلاف المصلى، ثم قال: وحكى في التتمة وجهًا عن بعض الأصحاب يوافق مذهب مالك.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على حكاية هذا الوجه وهو سهو، فإن صاحب "التتمة" إنما نقله عن الحسن البصري، وكذلك نقله عنه أيضًا الماوردي في "الحاوي" والبندنيجي في "الذخيرة" وسليم الرازي في "التقريب" غير [أن صاحب التتمة نقله] 208 عن الحسن ولم يصرح بالبصري، والباقون صرحوا به.
نعم: حكى صاحب "التعجيز" في شرحه له وجهًا أنه يأخذ بالحدث مطلقًا سواء في الصلاة أو خارجها.
الجزء: 2 - الصفحة: 228
قوله في "أصل الروضة" ولو تيقن بعد طلوع الشمس حدثًا وطهارة ولم يعلم أسبقهما فثلاثة أوجه: أصحها وقول الأكثرين: إنه إن كان قبلهما محدثًا فهو الآن متطهر، وإن كان متطهرًا فهو الآن محدث، إن كان ممن يعتاد التجديد وإلا فمتطهر أيضًا.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أنه قد خالف ذلك في "شرحي المهذب" و"الوسيط" فصحح وجوب الوضوء مطلقا فقال: الأظهر المختار لزوم الوضوء بكل حال.
قال القاضي أبو الطيب: وهو قول عامة أصحابنا.
ثم الجمهور أطلقوا المسألة، وقال المتولي والرافعي: صورتها فيمن عادته تجديد الوضوء، أما من لم يعتده فالظاهر أن طهارته تكون بعد الحدث فيكون الآن متطهرًا هذا كلامه في الشرحين، وخالف في "المنهاج" فصحح أنه يأخذ بضد ما قبله.
وذكر في "الروضة" من زوائده كلامًا فيه [ميل إلى] 209 ما صرح به في الشرحين السابقين.
الثاني: أنه قد اتضح بما ذكره النووي في هذين الشرحين أن القيد للمتولي والرافعي وأن الجمهور لم يقيدوه به، مع أنه في "الروضة" نقله عن الجمهور وهو غريب، والأمر في هذا الثاني على خلاف ما في الروضة لكن القوى من جهة المعنى ما ذكره فيها، وأما الأول فالفتوى على ما فيها لذهاب الأكثرين إليه وللمسألة نظائر.
منها: ما إذا قامت بينة بأنه أقر لرجل بدين في اليوم الفلاني، وقامت بينة أخرى بأن المقر له أقر في ذلك اليوم بأنه لا يستحق على المقر شيئًا وجُهل السابق منهما، قال ابن الصلاح في "فتاويه": يقضي بسبق البراءة ثم
الجزء: 2 - الصفحة: 229
الاعتراف بالشغل؛ لأنه لابد من حمل كلامهما على الصدق فلا يضار إلى تصديقهما بتقدير تأخر الإقرار النافي عن الإقرار المثبت بناء على احتمال طرءان البراءة لأنا تيقنا الشغل والأصل بقاؤه فتعين العكس، وذكرها أيضًا في "مشكل الوسيط" هنا وزاد على ذلك فقال: أما إذا شهدت بالبراءة فإنا نحكم بها؛ لأن معها زيادة علم.
ومنها: إذا أحرم بالعمرة ثم أحرم بالحج وشك هل أحرم قبل الطواف فيصح الحج أو بعده فلا يصح، ففي "الحاوي" أن الأصحاب قالوا: يصح لأن الظاهر في الإحرام بعد وقوعه صحته.
ومنها: لو أحرم وتزوج وشك هل سبق التزويج الإحرام فيصح أم لا فيبطل، فإنه يصح، نص عليه الشافعي هكذا نقل المسألتين النووي في فتاويه وغيرها وفيهما نظر؛ لأن الأصل عدم وقوع النكاح في الزمن السابق على الإحرام وعدم وقوع الإحرام بالحج قبل الطواف، بل المتيقن هو الزمن الذي قبل الشك ثم الأقرب إليه فالأقرب.
قوله: والمشهور أن الشك هو التردد على السواء، فإذا حدث له هذا التردد في الحدث أو الطهارة بعد تيقن عكسه لم يلتفت إليه، هو إن كان الحادث هو الظن فإنه يؤخذ به في رفع الحدث لا في رفع الطهارة.
انتهى.
وما ذكره في رفع يقين الحدث بظن الطهارة، تبعه عليه صاحب "الحاوي الصغير" ومقتضى كلام الأصحاب أنه لا يؤخذ بالظن المذكور وأنه لا فرق هنا بين التساوى والرجحان، وبه صرح في "الدقائق" فقال: الشك هنا وفي معظم أبواب الفقه هو التردد سواء المستوى والراجح، وقال في "الذخائر": الذي ذهب إليه الأصحاب في المسألتين جميعًا وهما تعين الطهارة وظن الحدث وعكسهما إنما هو الأخذ باليقين قال: ويحتمل عندي
الجزء: 2 - الصفحة: 230
إجراء القولين في تعارض الأصل والظاهر، وقال في "الكفاية": إن ما قاله الرافعي لم نره لغيره.
نعم: ذكر في "الشامل": أنا إنما [قلنا: ينقض الوضوء بالنوم مضطجعًا لأن الظاهر خروج وحينئذ يصدق] 210 أن يقال: رفعنا يقين الطهارة بظن الحدث بخلاف عكسه، وسبب الفرق أن الصلاة في ذمته بيقين فتأمل ما ذكرته نقلًا واستدلالًا فإنه مهم.
ولا شك أن الرافعي قصد ما ذكره ابن الصباغ فانعكس عليه ويؤيده أيضًا أن المرأة إذا جومعت أنزلت وخرج منها ماء الرجل بعد اغتسالها فإنه يجب عليها إعادة الغسل؛ لأن منيها يختلط بمنيه فيكون الظاهر خروج منيها أيضًا، كذا علله الرافعي فتفطن له، ولم يتعرض في "الروضة" لذلك بالكلية، بل اقتصر على ذكر الشك وكان الصواب أن يذكره وينبه عليه.
قوله: وينكشف حال الخنثى ببوله من أحد الفرجين إن كان له ما يشبه آلة الرجال وآلة النساء فإن لم يكونا له بل كانت له ثقبة يخرج منها البول فلا دلالة فيه لبوله.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن القسم الثاني من قسمى الخنثى قد ذكره أيضًا الرافعي في كتاب الفرائض وأسقطه من "الروضة" هنا، وحكمه كما في كتاب الفرائض أنه مشكل يوقف أمره حتى يبلغ فيخبر عن نفسه بما يميل إليه طبعه قال: ولا دلالة في بول هذا، وهذا الذي قاله البغوي قد نقله عنه النووي في "شرح المهذب" وأقره عليه وما اقتضاه كلامه من انحصار الدلالة في الميل ليس كذلك بل يعرف أيضًا بالحيض وبالمني المتصف بصفة أحد النوعين كما سيأتي.
الأمر الثاني: أن الأنثيين خارجان عن مسمى الفرج كما صرحوا به في
الجزء: 2 - الصفحة: 231
نواقض الوضوء في الكلام على مس الفرج والتعبير بالفرج ههنا يقتضي أن جملة الرجال إذا نقض منها الأنثيان كان الخنثى مشكلا بالشروط الآتية، وليس كذلك فإن الاستدلال ينقص الخلقة والحالة هذه على الأنوثة أقوى من الاستدلال بباقي العلامات وقد رأيت ذلك مصرحًا به في كتاب أحكام "الخناثا للإمام" جمال الإسلام أبي الحسن علي بن المسلم بلام مشددة مفتوحة السلمي الدمشقي الشهير بالشهرزوري تلميذ الغزالي توفي سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، وبعد أن صرح به جعل الضابط في ذلك أن يكون العضوان تأمين على العادة وقد ذكرت لفظه في كتاب [الإيضاح] 211 فراجعه.
قوله: ولو بال منهما جميعًا ففيه وجهان.
أحدهما: أن دلالة البول قد سقطت.
وأصحهما: لا بل يؤخذ بالذي سبق خروجه فإن استويا فبالذي تأخر انقطاعه، فإن اتفقا فيهما سقطت دلالته.
انتهى.
تابعه في "الروضة" و"شرح المهذب" على إطلاق سقوط الدلالة في هذه الحالة ومقتضاه أنه لا فرق بين أن يستويا في العدد أم لا، والقياس اعتبار أكثر المرات في الخروج والسبق والانقطاع حتى إذا بال بفرج مثلًا مرتين وبالآخر ثلاثًا أخذنا بصاحب الثلاث وهكذا قياس سبقهما وانقطاعهما، وقد جزم بما ذكرناه الماوردي في كتاب الرضاع وابن المسلم في تصنيفه في أحكام الخناثا.
قوله: وكذلك المني والحيض في وقتهما فإن أمنى بفرج الرجال فرجل أو بفرج النساء أو حاض فامرأة بشرط أن يتكرر خروجه ليتأكد الظن ولا يتوهم كونه اتفاقيًا.
انتهى.
الجزء: 2 - الصفحة: 232
فيه أمور:
أحدها: أن اشتراطه التكرار في المني والحيض وسكوته عنه في البول يقتضي عدم اشتراطه فيه، والمتجه استواء الكل في ذلك حتى إذا بال مثلًا من فرج الرجال مرة واحدة عقب وضعه ثم مات فلا يرث إرث الذكور.
الأمر الثاني: هل يكفي في التكرر مرتان أم كيف الحال؟ يظهر إلحاقة بما قيل في كلب الصيد، وقد ذكر الرافعي أنه لابد فيه من التكرار بحيث يغلب على الظن تأدب الجارحة ثم قال "ويرجع في عدد ذلك إلى أهل الخبرة عند الجمهور، وقيل: يشترط ثلاث مرات، وقيل: يكفي مرتان.
الأمر الثالث: أن التعبير بالحيض يوهم أن الدم المذكور يعطي أحكام الحيض من تحريم الصوم وإسقاط الصلاة وغيرهما مع أنه لا يثبت له شئ منها كما ذكر في "شرح المهذب" لجواز كونه رجلًا والخارج دم فساد قال: وهكذا الحكم إذا أمنى من الذكر وحاض من الفرج وحكمنا ببلوغه وإشكاله، وما ذكروه يشعر بأن الدم الخارج منه قبل إمكان سن البلوغ يرجح أيضًا الأنوثة، وإن كان دم فساد كما في المسألة المذكورة، وحكى ابن المسلم في دلالة الحيض وجهين قال: إنهما محكيان أيضًا في المني.
أحدهما: أنهما يدلان.
والثاني: ألا نحكم بهما بل يتوقف حتى ينظر هل يوجد الأخر كما قلنا في المبتدأة إذا رأت الدم أنا لا نحكم بكونه حيضًا بل نتوقف إلى مضى يوم وليلة هذا كلامه ولم يبين المدة التي يصير إليها على هذا الوجه.
قوله: ولو أمنى من الفرجين جميعًا فوجهان:
أحدهما: يستمر الإشكال.
وأصحهما: لا بل إن أمنى منهما على صفة منى الرجال فرجل أو على
الجزء: 2 - الصفحة: 233
صفة منى النساء فامرأة.
ثم قال فإن أمنى من فرج النساء على صفة منى الرجال أو من فرج الرجال على صفة منى النساء أو أمنى من فرج الرجال على صفة منيهم ومن فرج النساء على صفة منيهن استمر الإشكال.
انتهى كلامه.
[قلت] 212 وهو يشتمل على ثلاث مسائل يستمر الإشكال فيها ذكرها أيضًا كذلك في "شرح المهذب".
إحداها: أن يمنى بفرج النساء خاصة ولكن على صفة منى الرجال.
الثانية: أن يمنى بفرج الرجال خاصة ولكن على صفة منى النساء.
الثالثة: أن يمنى من فرج الرجال على صفة منى الرجال ولكن يمنى مع ذلك أيضًا من فرج النساء [على صفة منى النساء] 213.
وقد اختصر في "الروضة" هذه المسائل اختصارًا فاسدًا فقال: إن أمنى من أحدهما بصفة ومن الآخر بالصفة الأخرى فلا دلالة.
هذه عبارته، فأسقط المسألتين الأولتين وهما أهم مما ذكره، واقتضى كلامه فيهما عكس الحكم، فإن اشتراطه الإمناء من الآخر بالصفة الأخرى يقتضي أنه إذا أمنى من فرج الرجال بصفة منى النساء أو بالعكس لا يكون مشكلًا وليس كذلك وهذا كله نشأ من إسقاط حرف واحد وهى الهمزة من "أو" في أول المسألة الثانية حتى اعتقد أنها "الواو" وأن ما دخلت عليه قيد في المسألة واعتقاده ذلك عجيب فإن كلام الرافعي على هذا التقدير يؤدي إلى عىٍ واضح وتطويل بلا فائدة فإنه لا يبقى لما قبل الثالثة على هذا التقرير فائدة بالكلية.
قوله: وقيل لا دلالة في المني.
انتهى.
الجزء: 2 - الصفحة: 234
هذا الوجه غير ثابت، إنما الخلاف الثابت في اللبن هل يدل على الأنوثة أم لا؟ كما ذكره في "شرح المهذب" فتحرف [على الرافعي بالمني فتبعه] 214 عليه في "الروضة" ويدل عليه أن الرافعي في أوائل باب الرضاع حكى في اللبن وجهًا ثالثًا أنه يعرض على القوابل فإن قلن إنه لا يكون إلا لامرأة حكم بأنوثته، ورابعًا أنه يدل عليها عند فقدان سائر الأمارات، وأسقطهما النووي من "الروضة" ولم يزد على قوله ولبن الخنثى لا يقتضي [الأنوثة] 215 على المذهب وكأنه توهم سبقهما في هذا الباب فإن الرافعي بعد ذكر هذا الخلاف عبر بقوله: وظاهر المذهب أن اللبن لا يقتضي الأنوثة، وقد أشرنا إلى الخلاف فيه في كتاب الطهارة انتهى.
وهذا يعين لك [أنه تحرف] 216 عليه اللبن بالمني، وقد ذكر الماوردي في باب رضاع الخنثى وجهًا أنه لا دلالة في الحيض أيضًا.
قوله: أما تعارض البول مع الحيض أو مع النبي ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يحكم بمقتضى البول لأنه دائم متكرر فيكون أقوى.
وأصحهما: أنه يستمر الإشكال ويتساقطان.
انتهى.
أغفل -رحمه الله- ههنا تعارض المني مع الحيض وقد ذكره في أوائل باب الحجر في ضمن تعليل وجزم بتعارضهما وسأذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى لمعنى يتعلق به فراجعه، وحكى في "شرح المهذب" هنا ثلاثة أوجه:
أحدها: ما ذكرناه.
والثاني: أنه رجل.
والثالث: أنه امرأة.
الجزء: 2 - الصفحة: 235
ثم قال: والأول هو الأصح الأعدل الذي صححه الرافعي، وما ذكره من تصحيح الرافعي له كأنه اشتبه عليه فإن الرافعي لم يذكره هنا بالكلية كما قدمناه، وتبعد إرادته للمذكور في الحجر فإنه جازم به لا مصحح وذاكر له في غير موضعه، والعادة تقتضي التنبيه عليه.
نعم: ذكر ابن الرفعة في "شرح الوسيط" كلامًا قد تظن صحته، والمنقول والدليل يخالفانه فقال: وما ذكروه في هذه المسألة يقتضي أنه لو بال من فرج وحكمنا برجولته ثم حاض في أوانه قضينا بأنه مشكل إذ البول يتقدم إمكان الحيض وما اقتضاه كلامهم مشكل؛ لأنه نقض للاجتهاد بالاجتهاد فتفرض المسألة فيما إذا كان البول المتقدم من ثقبة تحت الأنثتين ثم بال من فرج الرجال مقارنًا للحيض فأما إذا تقدم البول فالظاهر أن العمل عليه ثابت [قال] 217 وقد حكى القاضي الحسين عن النص أنه إذا احتلم أو حاض قبل الخمسة عشرة ثم أقر بمالٍ فإنا نوقف إقراره على بلوغها فإن لم [يتبين] 218 حاله عمل بإقراره وإن حاض في المسألة الأولى أو أمنى في المسألة الثانية لغى إقراره.
انتهى ملخصًا.
وما نقله عن القاضي الحسين قد رأيته في كتاب الفرائض من تعليقه وفيه كلام ذكرته في ["الاستيعاب"] 219.
وما ذكره من تأويل هذه المسألة على هذه الصورة ليس كذلك بل صورتها ما ذكر هو أنه مقتضى كلامهم أولًا، كذا صرح به الرافعي في الحجر في الكلام الذي تقدم قريبًا الوعد بذكره هناك.
والجواب عما قاله من أن الاجتهاد لا ينتقض بالاجتهاد: أن النقض الممتنع إنما هو في الأحكام الماضية ونحن لا نتعرض لها، وإنما عبرنا الحكم لانتفاء المرجح الآن وصار كالمجتهد في القبلة وغيرها إذا غلب على ظنه دليل فأخذ به ثم عارضه دليل آخر بعد ذلك فإنه يتوقف عن الأخذ به في
الجزء: 2 - الصفحة: 236
المستقبل، ولا ينقض ما مضى.
قوله: ولا دلالة في نبات اللحية ونهود الثدي ونزول اللبن، وقيل: يؤخذ بها ولا في عدد الأضلاع، وقيل إن نقص من الأيسر واحد فرجل وإن استويا فامرأة.
انتهى.
ولم يبين هو ولا النووي في "الروضة" أن الاختلاف في اعتبار هذه الأشياء هل محله عند فقدان العلامات السابقة أم لا؟ وقد بينه الإمام في "النهاية" ونقله عنه في "شرح المهذب" فقال: ولا يعارض النهود ونبات اللحية شيئًا من العلامات المتفق عليها.
هذا كلامه.
وقياس اللبن والأضلاع كذلك؛ لأنهما دون النبات والنهود عند الأصحاب.
قوله: ومن الأمارات الميل الطبعي فإذا أخبر بعد بلوغه وعقله بميله إلى الرجال فهو إمرأة أو إلى النساء فرجل ثم قال: وهذا إذا عجزنا عن الأمارات السابقة وإلا فالحكم بها لأنها محسوسة معلومة والميل [غير معلوم.
لأنه ربما يكذب في إخباره.
انتهى.
وتعليله الإخبار عن الميل] 220 باحتمال الكذب ونفي [احتمال ذلك] 221 عن باقي العلامات يقتضي أن صورة المسالة في البول والمني والحيض أن يكون بالمشاهدة لا بإخباره وهو في غاية البعد، وقد رجعوا إلى إخبار المرأة عن الحيض إذا علق الزوج الطلاق [به] 222.
قوله: فروع، أحدها: إذا بلغ ووجد من نفسه أحد الميلين لزمه أن يخبر به فإن أخر عصى.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وفيه أمران:
الجزء: 2 - الصفحة: 237
أحدهما: أن التعبير بالإخبار يقتضي الاكتفاء بذكر ذلك لواحد وهو بعيد جدًّا، والقياس اعتبار شاهدين أو ما يقوم مقامهما كإخبار الحاكم وكما في بلوغه وإسلامه وغير ذلك.
الأمر الثاني: إن إطلاق إيجاب الإخبار على الفور فيه نظر، والقياس [يقتضى] 223 تخصيصه بما إذا دعت إليه الحاجة.
قوله: وإذا أخبر الخنثى بميله لزمه، ولا يقبل رجوعه إلا أن يخبر بالذكورة ثم يلد أو يظهر [به] 224 حمل فيبطل إخباره.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على إطلاق عدم الرجوع ومحله فيما عليه، أما فيما له فيقبل رجوعه قطعًا، وقد نبه عليه إمام الحرمين والنووي في "شرح المهذب".
قوله: ولو حكمنا بقول الخنثى ثم ظهرت علامة غير الحمل فيحتمل أن يوجع إليها، ويحتمل أن يستصحب الأول انتهى.
قال في "شرح المهذب": الذي يقتضيه كلام الأصحاب [هو الاحتمال الثاني.
وقال في "الروضة": إنه الصواب [ومقتضى] 225 كلام الأصحاب] 226 [انتهى] 227 هذا الذي ذكراه يقتضي أنهما لم يظفرا في المسألة بنقل وهو غريب فقد جزم الماوردي في باب رضاع الخنثى وهو قبيل النفقات بالاحتمال [الثاني] 228 وهو العدول إلى الأمارة، وكذلك الروياني في كتاب الفرائض من "البحر"، وجزم الرافعي أيضًا في النكاح في أول الباب الثامن المعقود لمثبتات الخيار بما يقتضيه أيضًا، ذكر ذلك في الكلام على ثبوت الخيار بخروجه خنثى واضحًا فتأمله وهذا هو الصواب الجاري على القواعد.
الجزء: 2 - الصفحة: 238
قوله من "زياداته": قال أصحابنا: إذا أخبر الخنثى بميله عملنا به فيما له وفيما عليه ولا نرده للتهمة كلما لو أخبر صبى ببلوغه للإمكان.
انتهى كلامه.
وهذا الذي جزم به من القبول عند التهمة ذكر في الفرائض ما يقتضيه أيضًا، وصرح بتصحيحه في آخر باب الحضانة من زياداته.
إذا علمت ذلك فقد صحح في "التحقيق" هنا أنه لا يقبل فقال ما نصه: ويجب الصدق في الميل وتعجيله ويقبل قوله فيما له وعليه إلا في ثبوت حق له سابق بجنابة ونحوها في الأصح.
انتهى.
وذكر نحوه في "شرح المهذب" أيضًا فقال: قال البغوي وغيره يقبل، وقال الإمام: ظاهر المذهب أنه لا يقبل، وهذا هو الظاهر.
انتهى.
وذكر في "الروضة" في كتاب الجنابات في باب ما يشترط فيه مساواة القتيل للقاتل نحوه أيضًا ولم يصرح الرافعي في هذه المسألة بتصحيح إلا في "الشرح الصغير" في كتاب الجنايات فإنه صحيح أنه لا يقبل كما يقتضيه كلام "الكبير" "والروضة" هناك، والفتوى على القبول ففي "الحاوى" و"البحر" كلاهما في كتاب النكاح أن عدم القبول حكاه الرَّبيع [عن نصه وأن المشهور] 229 في أكثر كتبه أنه يقبل لأن أحكامه لا تتبغض.
وفي "الكفاية" أنه المشهور والله أعلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 239
الفصل الثاني: في حكم الحدث
قوله في أصل "الروضة": ويحرم على المحدث مس حاشية المصحف وما بين سطوره وحمله بالعلاقة قطعًا.
انتهى.
وهذه المسائل الثلاث التي ادعى فيها عدم الخلاف فيها وجه حكاه صاحب "التتمة" وحكاه القاضي الحسين في المسألة الثالثة بل حكى ابن الصلاح فيما جمعه من الفوائد في رحلته إلى بلاد الشرق أن صاحب التقريب حكى وجهًا أن المحدث يجوز له مس المصحف [ولم يتعرض الرافعي لدعوى عدم الخلاف.
قوله: وهل يحرم مس الجلد] 230 والخريطة والصندوق والعلاقة وجهان ثم قال: [ومنهم من جزم بالجواز في غير الجلد وخصص الخلاف بالجلد] 231 ومنهم من جزم بالمنع في الجلد وخصص الخلاف بما سواه.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن هاتين الطريقتين قد أسقطهما النووي من "الروضة" فاعلمه.
وتعبيره في الجلد بالصحيح وفيما عداه بالأصح يقتضي التفاوت بالضعف والقوة لا بالكثرة والقلة.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد ذكر تعليلًا حاصله أن التحريم في ظرف المصحف شرطه أن يكون معدًا له حتى لو كان في جراب مثلًا فإنه لا يجرم وهل الورق الأبيض في أول المصحف كالحاشية أو الجلد؟ فيه نظر.
قوله في أصل "الروضة": ولا يحرم حمل المصحف في جملة متاع على
الجزء: 2 - الصفحة: 240
الأصح، انتهى.
هذه المسألة شرطها ألا يكون المصحف هو المقصود بالحمل كذا صرح به الأصحاب، ومنهم الرافعي ولكن حذفه النووي من "الروضة"، وقال سليم الرازي في "المجرد": وشرطه أن يقصد نقل المتاع لا غير وهذه العبارة أبلغ من عبارة الرافعي.
قوله: وأما ما أثبت فيه شئ من القرآن لا للدراسة كالدراهم الأحدية والحيطان المنقوشة وكتب الفقه والأصول والتفسير فوجهان، أصحهما: أنه لا منع.
ثم قال: وفصل بعضهم في التفسير فقال: إن كان القرآن أكثر حرم وإلا فوجهان.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن النووي قد اعترض عليه في "الروضة" فقال: مقتضى هذا الكلام أن الأصح أنه لا يحرم إذا كان القرآن أكثر وهذا منكر بل الصواب المقطع بالتحريم؛ لأنه وإن لم يسم مصحفًا ففي معناه قال: وقد صرح بهذا صاحب "الحاوى" وآخرون ونقله صاحب البحر عن الأصحاب انتهى.
ولأجل ذلك جزم أيضًا بالتحريم فيما إذا كان القرآن أكثر في "التحقيق" "وشرح المهذب" والتبيان وغيرها وقال: إنه لا خلاف فيه وهذا الذي اقتضى كلام النووي أن أحدًا لم يقل به حيث عبر بقوله منكرًا إلى آخره عجيب ففي "الحلية" للشاشي التصريح باختيار ما قاله الرافعي فإنه قال ما نصه، وقيل في تفسير القرآن: أنه إن كان القرآن أكثر حرم حمله، وإن كان التفسير أكثر فعلى الوجهين، ولا اعتبار بالكثرة عندى في ذلك، وإنما الاعتبار بالمقصود هذه عبارته، ومنها أخذ الرافعي ما ذكره.
الجزء: 2 - الصفحة: 241
الأمر الثاني: أن مقتضى كلام النووي تسليم الجواز عند التساوى وهو قياس المذكور في الحرير ونحوه.
والدراهم الأحدية هي التي كتب عليها قل هو الله أحد.
قوله: أما الصبي المميز فهل يجب على الولي والمعلم منعه من مس المصحف والألواح وحملهما؟ فيه وجهان: أصحهما: لا.
لأن تكليفهم استصحاب الطهارة مما تعظم فيه المشقة.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن محل الخلاف كما أفهمه التعليل المذكور وكلام الأصحاب إنما هو في الحمل المتعلق بالدراسة، فإن لم يكن لغرض ألبتة أو كان لغرض آخر منعوا منه جزمًا وهو ظاهر.
الأمر الثاني: أن تقييده بالمميز للاحتزار عن غيره فإنه لا يجب منعه كذا رأيته في آخر باب الوضوء من تعليق القاضي الحسين فاعلمه.
وذكر في "شرح المهذب" عقب كلام نقله عن القاضي المذكور ما يوهم الوجوب فقال: ولا يمكن المجنون والصبي الذي لا يميز من حمل المصحف لئلا ينتهكه، ثم ذكر في التحقيق ما هو أظهر منه فقال: وعلى الولى منعه ولا أصل لما ذكره ولم أجد تصريحًا بتمكين المميز في حال الجنابة، والقياس المنع؛ لأنها نادرة وحكمها أغلظ.
قوله من "زياداته": ويكره إحراق الحاشية المنقوشة بالقرآن انتهى.
وما ذكره هنا من الكراهة قد جزم به أيضًا في "شرح المهذب" و"التحقيق" وغيرهما، وجزم به أيضًا في "التبيان في آداب حمله القرآن" في آخر الباب السابع منه فقال: ولو كتب القرآن على الحلوى وغيرها من الأطعمة فلا بأس بأكلها، قال القاضي ولو كان على خشبة كره إحراقها.
هذا كلامه، ثم
الجزء: 2 - الصفحة: 242
ذكر بعده في الباب التاسع في أثناء فصل ما يخالفه فقال: وقد قدمنا أنه إذا كتب على الأطعمة فلا بأس بأكلها وأنه إذا كتب على خشبة لم يجز إحراقها، والصواب ما ذكره آخرًا وهو الحرمة لا الكراهة فإنه نقله أولًا عن القاضي، والذي ذكره القاضي -أعني الحسين- في تعليقه إنما هو الحرمة كذا نقله عنه ابن الرفعة في "الكفاية" واقتصر عليه.
قوله من "زوائده": ومن لم يجد ماءً ولا ترابًا يصلي لحرمة الوقت ويحرم عليه مس المصحف وحمله.
انتهى.
وما ذكره هنا في الصلاة والمصحف قد ذكره الرافعي في آخر التيمم.
قوله أيضًا من "زياداته": ولو خاف علي المصحف من غرق أو حرق أو نجاسة أو كافر ولم يتمكن من الطهارة أخذه مع الحدث للضرورة.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: لم يبين هل الأخذ والحالة هذه واجب أو مستحب أو مباح وقد نبه عليه في "التحقيق" و"شرح المهذب" فقال إنه واجب.
الأمر الثاني: إذا عجز عن الوضوء ولكن قدر على التيمم، فقال القاضي أبو الطيب في تعليقه: لا يجب عليه أن يتيمم؛ لأنه لا يرفع الحدث، قال في "شرح المهذب" وفيما قاله نظر وينبغي أن يجب عليه ذلك؛ لأنه وإن لم يرفع الحدث فإنه كالوضوء في استباحة الصلاة وغيرها.
قلت: وعجب منه في هذا الكلام الدال على عدم وقوفه على نقل مخالف لما قاله القاضي يستند إليه في الرد عليه، وقد صرح الأصحاب في باب التيمم في الكلام على النية بالمسألة وجزموا بوجوبه وجعلوا نية التيمم
الجزء: 2 - الصفحة: 243
له كنية سجدة التلاوة ونحوها مما لا يباح إلا بالطهارة ولكنهم ألحقوها بالتيمم للنافلة؛ لأن الشارع لم يوجبه وقد ذكره هو والرافعي في كتبهما كذلك، وتعبيره في الروضة بقوله: ولم يتمكن من الطهارة فيه إشعار به.
الجزء: 2 - الصفحة: 244
الباب الثامن في الغسل
قوله: وهل يجب الغسل بخروج الحيض أو بانقطاعه؟ فيه أوجه:
أحدها: بخروجه كما يجب الوضوء بخروج البول والغسل بخروج المنى.
وثانيها: بالانقطاع لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لفاطمة بنت أبي حبيش: "إذا أقبلت الحيضة فدعى الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي" 232.
وثالثها وهو الأظهر: أن الخروج يوجب عند الانقطاع، وكذلك نقول في البول والمني خروجهما يوجب الغسل والوضوء عند الانقطاع بل عند القيام إلى الصلاة.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور:
أحدها: ما الفرق بين الوجه الأول والثالث، فإن الأول وهو القائل بالخروج يسلم أنه لا يصح إلا عند الانقطاع والتكليف به في تلك الحالة تكليف بما لا يطاق، فيكون القائل به يشترط فيه الانقطاع فيرجع إلى الثالث.
[الأمر الثاني] 233 أن هذا الخلاف له فائدتان ذكرهما في "شرح المهذب" إحداهما: وقد نقلها عن صاحب "البحر" وهي في الحائض إذا استُشهدت فإن قلنا لا يجب بالخروج فلا تغسل وإلا فوجهان، وهذه الفائدة قد نقلها عنه في "الروضة" أيضًا في باب غسل الميت.
الفائدة الثانية: وقد نقلها عن صاحب "العدة" وهو أبو المكارم ابن اخت صاحب البحر وهي: إذا قلنا: إن الحائض لا تمنع القراءة، فإن قلنا إن غسل الحيض لا يجب بالخروج اغتسلت عن الجنابة وإلا فلا، لأن عليها
الجزء: 2 - الصفحة: 245
غسلين وغسل الحيض لا يمكن صحته مع جريان الدم فلا يصح الآخر؛ لأن من عليه حدثين لا يمكن ارتفاع أحدهما وبقاء الآخر كمن نام ثم شرع في البول وتوضأ في حال بوله عن النوم.
وله فائدة ثالثة لا تختص بهذا الخلاف وذلك فى التعليق بأن قال: إن وجب عليك غسل فأنت طالق.
الأمر الثالث: أن النووي في "الروضة" قد تابع الرافعي على ما صححه فقال ثم وجوبه بخروج الدم أم بانقطاعه أم الخروج موجب عند الانقطاع؟
فيه أوجه: أصحها الثالث هذا لفظه، ولم يذكر غير ذلك مما ذكره الرافعي ثم إنه خالفه في آخر باب صفة الوضوء من التحقيق فقال ما نصه: وفي موجب الوضوء أوجه.
أحدها: الحدث وجوبًا موسعًا.
والثاني: القيام إلى الصلاة.
وأصحها: أنه يجب بالأمرين والأوجه تجري فى موجب الغسل، وقيل: يجب في الحيض والنفاس بالانقطاع.
انتهى.
وحاصل هذا أن الأصح أن الحيض والنفاس يجب الغسل لهما بالخروج والقيام إلى العبادة ثم خالف الكتابين جميعًا في "شرح المهذب" فقال فيه هنا ما نصه: وفي وقت وجوب الحيض والنفاس أربعة أوجه:
أحدها: بخروج الدم.
والثاني: بانقطاعه.
والثالث: بالقيام إلى الصلاة.
والرابع: بالخروج والانقطاع والقيام إلى الصلاة والأصح وجوبه بالانقطاع هذا لفظه بحروفه.
وهو عكس كل من الموضعين [المتقدمين] 234
الجزء: 2 - الصفحة: 246
وفيه زيادة ونقص فتأمله.
ولم يذكرها في هذا الباب من "التحقيق" وقد سبق الخلاف في موجب الوضوء في بابه واضحًا في الكلام على النية فراجعه.
والحديث المذكور رواه البخاري ومسلم من رواية عائشة، والحيضة المذكورة فيه بكسر الحاء وفتحها فالكسر اسم لحالة الحيض والفتح للمرة من الحيض، وقال [الخطابي] الصواب الكسر وغلط من فتح، وجوز الأَكثرون الفتح بل هو أقوى كما قاله في "شرح المهذب".
وحُبيش بحاء مهملة مضمومة ثم باء موحدة مفتوحة بعدها ياء ساكنة ثم شين معجمة.
قوله: ولو أتت بولد أو ألقت علقةً أو مضغة ولم تر دمًا ولا بللًا ففي وجوب الغسل وجهان، أظهرهما: أنه يجب؛ لأنها لا تخلوا عن بلل وإن قل غالبًا، وأنه يجب الغسل بخروج الماء الذي يخلق الولد منه فبخروج الولد أولى.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور:
أحدها: أن ذكر البلل وقع في الرافعي فتبعه عليه في "الروضة" وهو غريب، وإنما عبر بعضهم بالدم وبعضهم بالنفاس، والنفاس: هو الدم حتى أن ابن الرفعة والنووي في "شرح المهذب" لم يتعرضا له بالكلية لا هنا ولا في باب الحيض، بل عبّرا تارةً بالنفاس وتارة أخرى بالدم وعلى هذا فلو ولدت ولدًا بلا دم ومعه بلل كان على الوجهين.
نعم: علل القاضي الحسين وجه الوجوب بعلتين.
إحداهما: أن ذلك لا يخلوا عن رطوبة وإن قلت، والتعبير بالرطوبة لا
الجزء: 2 - الصفحة: 247
ينافي ما صرح به غيره وصدر هو به كلامه.
الأمر الثاني: وقد نبه عليه في "شرح المهذب" أن شرط الدم المذكور أن يكون بعد الولادة لا قبلها ولا معها؛ لأن هذا هو شرط الدم المحكوم بكونه نفاسًا كما يأتيك في موضعه.
الأمر الثالث: أن هذا التعليل المذكور [ثانيًا] 235 يقتضي جريان الخلاف في هذه الأمور مع وجود البلل والدم فعلى وجه يجب الغسل بالبلل أو الدم فقط وعلى آخر يجب بذلك وبخروج الولد أيضًا.
وفائدة الخلاف فيما إذا نوت الغسل من الولادة، فإن قلنا: إنها موجبة أيضًا صح كما إذا اجتمع على المرأة غسل جنابة وغسل حيض فاغتسلت لأحدهما فإنه يجزئ عنهما، وإن قلنا: إن الموجب إنما هو البلل أو الدم فتكون قد نوت ما ليس عليها، وحكمه أنه لا يصح على أصح الوجهين.
وهذا الخلاف الذي نبهت عليه، وكذلك فائدته قد ذكرها صاحب "التعجيز" في شرحه له.
قوله في "الروضة": ولو أولج الخنثى في بهيمة أو امرأة أو دبر رجل فلا غسل على أحد، وعلى المرأة الوضوء بالنزع منها، وكذا الوضوء على الخنثى والرجل المولج فيه.
انتهى كلامه.
وتعبيره بقوله: وكذا الوضوء على الخنثى والرجل المولج فيه سهو فإنه يدخل في إيجاب الوضوء على الخنثى الصور الثلاث المتقدم ذكرها وهي إيلاجه في البهيمة وفي المرأة وفي دبر الرجل مع أنه لا يجب إلا في الصورة الأخيرة خاصة كما ذكره الرافعي لأنهما بتقدير ذكورة الخنثى جنبان وإلا فمحدثان فالمتيقن هو الأصغر، وأما الأوليان فلا يجب عليه الوضوء
الجزء: 2 - الصفحة: 248
فيهما بلا نزاع، فلو قال: وكذا الوضوء على الخنثى المولج في الرجل، وعلى الرجل المولج فيه لاستقام على أنه هل يجب الوضوء بخصوصه أو الغسل؟ فيه كلام سبق في صفة الوضوء في الكلام على الترتيب فراجعه.
قوله من "زياداته": ولو كان له ذكران يبول بأحدهما وجب الغسل بإيلاجه ولا يتعلق بالآخر حكم في نقض الطهارة.
انتهى.
وهذا الكلام يدخل فيه عدم النقض بمسه ويؤخذ منه أن الذكر الأصلي يعرف بالبول منه، وقد سبق إيضاح ذلك في باب الأحداث فراجعه.
قوله ولا فرق في وجوب الغسل بخروج المني بين أن يخرج منه من الطريق المعتاد أو من غيره مثل أن يخرج من ثقبة في الصلب أو في الخصية كذلك ذكره في "التهذيب" وغيره وهو ظاهر ما ذكره في الكتاب، وقال في "التتمة" حكمه في [الجنابة حكم] 236 النجاسة المعتادة إذا خرجت من منفذ غير السبيلين، ويجوز أن يكون الصلب هنا بمثابة المعدة.
انتهى كلامه.
وهو يقتضي تصحيح الأول، وقد صرح بتصحيحه في "الشرح الصغير" وكذلك النووي في "الروضة"، وجزم بأن الصلب كالمعدة وجزم في "التحقيق" بما قاله في "التتمة" وهو أنه لا يجب إلا حيث نقضنا الوضوء به ولم يحك فيه خلافًا، وقال في "شرح المهذب" "وشرح التنبيه" المسمى "بالتحفة": إنه الصواب.
وهو تباين فاحش إلا أن المذكور في هذين هو الماشي على القواعد فليعمل به.
وما ذكره في "الروضة" من أن الصلب كالمعدة مخالف أيضًا "للتحقيق" و"شرح المهذب" فتأمله.
الجزء: 2 - الصفحة: 249
ثم إنه إنما يأتي في الرجل أما المرأة فما بين ترائبها وهو عظام الصدر قال تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ 237 أي صلب الرجل وتراب المرأة.
قوله: ولو تنبه فرأى شيئًا يحتمل أن يكون منيًا وأن يكون مذيًا لم يلزمه الغسل، ثم قال: وقد حكينا أى في صفة الوضوء وجهًا أنه يلزمه الغسل.
هذا لفظه.
والوجه الذي ذكره لم يتقدم له ذكر لا في صفة الوضوء ولا في غيره فيحتمل أنه أراد الغسل مع الوضوء مرتبًا، وغسل الثوب.
نعم: هذا الوجه وهو لزوم الغسل فقط قد صرح به الشيخ تاج الدين ابن الفركاح في "الإقليد".
قوله: ثم للمني خواص ثلاثة.
إحداها: الرائحة الشبيهة لرائحة العجين والطلع ما دام رطبًا فإذا جف أشبهت رائحته بياض البيض.
والثانية: التدفق بدفعات قال الله تعالى ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾.
والثالثة: التلذذ بخروجه واستعقابه فتور الذكر وانكسار الشهوة ثم قال بعد ذلك: هذا في مني الرجل وأما مني المرأة فقد ذكر الإمام والغزالي إنه لا يعرف إلا بالشهوة لكن مما ذكره الأكثرون تصريحًا وتعريضًا التسوية بينهما في طرد الخواص الثلاث.
انتهى كلامه.
وما ذكره من طرد الخواص الثلاثة في مني المرأة تابعه عليه في "الروضة" وخالفه في "شرح مسلم" فجعل له خاصيتين فقط في باب وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها ما نصه: وأما مني المرأة فهو رقيق أصفر وقد يبيض لفضل قوتها وله خاصيتان يعرف بواحدة منهما.
إحداهما: أن رائحته كرائحة مني الرجل.
الجزء: 2 - الصفحة: 250
والثانية: التلذذ بخروجه وفتور شهوتها عقب خروجه هذا كلامه فأهمل [التدفق] 238، والظاهر أنه قلد فيه ابن الصلاح فإنه ذكر في "مشكل الوسيط" أنه لا يعرف بغيرهما ثم اعترض على الرافعي غير مصرح باسمه فقال: وما ذكره بعض شارحي "الوجيز" من أن الذي ذكره الأكثرون تصريحًا وتعريضًا التسوية بينهما في طرد الخواص الثلاث فليس كما قال، وهذه تصانيفهم.
هذا كلامه.
لكن قد عبر الشافعي في حقها بالتدفق فقال في أثناء كلام نقله عنه الماوردي: أو رأت المرأة الدافق وجب الغسل.
قوله في "أصل الروضة": ولو اغتسلت من جماع ثم خرج منها مني الرجل لزمها الغسل على المذهب بشرطين.
أحدهما: أن تكون ذات شهوة دون الصغيرة.
والثاني: أن تقضي شهوتها بذلك الجماع لا كنائمة ومكرهة.
فإن اختل شرط لم يجب الغسل قطعًا.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن تعبيره بالمذهب يقتضي أن الرافعي حكى طريقين وليس كذلك، بل ذكر أولًا أنه يجب بشرطين، ثم قال: وحكى وجه آخر أنه لا يشترط إعادة الغسل هذه عبارته، ولم يصرح [هو] 239 أعني النووي بحكاية الطريقين في شئ من كتبه.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد علل الوجوب في الحالة المذكورة بقوله وإنما وجب؛ لأنه حينئذ يغلب على الظن اختلاط منيها بمنيه، فإذا خرج منها ذلك المختلط فقد خرج منها منيها انتهى كلامه.
الجزء: 2 - الصفحة: 251
والإيجاب لأجل الظن المذكور مشكل لأن تيقن الطهارة لا يرفع بظن الحدث كما ذكره هو وغيره في الباب السابق وأيضًا فلأنه إذا خرج منه شئ لم يدر هل هو مني أو مذي، وغلب على ظنه أنه مني لكون المذي لا يليق به ففيه احتمالان للإمام حكاهما عنه الرافعي، قال أعني الرافعي إن الأوفق لكلام المعظم أنه لا يأخذ بهذا الظن وهذا الذي ذكره مخالف له أيضًا.
الأمر الثالث: أن ما ادعاه من نفي الخلاف عند فوات الشرطين ليس كذلك، فإن الإمام نقل عن بعضهم أنه يجب ثم خالفه فقال: وعندي في هذا تفصيل وذكر ما تقدم ولم يصرح الرافعي بعدم الخلاف.
قوله أيضًا في "أصل الروضة": فرع إذا استدخلت منيًا في قبلها أو دبرها لم يلزمها الغسل على المذهب.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن الرافعي لم يذكر في هذه المسألة طريقين ولا هو أيضًا في "شرح المهذب".
نعم عبر الرافعي بالمذهب فتابعه عليه في "الروضة" ذهولًا.
الأمر الثاني: أن مقتضى إطلاق "الروضة": أن القائل بوجوب الغسل يوجبه بمجرد الاستدخال ولا يتوقف على الخروج، وكلامه في "شرح المهذب" مضطرب، فإنه قال بعد نقله الوجوب عن أبي زيد المروزى، قال البغوي والرافعي: وعلى هذا لا فرق بين إدخالها قبلها أو دبرها كتغييب الحشفة وهذا وإن كان له أدنى خيال إذا استدخلت في قبلها لاحتمال أنها تلذذت فأنزلت منيها فاختلط به، فإذا خرج المني الأجنبي صحبه منيها لكن إيجابه بخروجه من الدبر لا وجه له ولا خيال، ودليله النصوص في أن الغسل إنما يلزمه بمنيه واتفق الأصحاب على أنها لو أدخلت في فرجها دم
الجزء: 2 - الصفحة: 252
الحيض، أو أدخل الرجل في دبره أو قبله المني وخرجا فلا غسل هذا كلامه فإلحاقه أولًا بالحشفة يقتضي الوجوب قبل الخروج وكلامه الأخير يقتضي عكسه.
الأمر الثالث: أنا قد استفدنا من مجموع هذا الكلام أنه لا فرق بين منيها ومني الرجل، وحينئذ فيكون ذلك مخصصًا لعموم إطلاقهم أولًا أن خروج مني الشخص موجب للغسل، لكن في أثناء ما نقلناه عن "شرح المهذب" ما يقتضي خلافه أيضًا.
قوله: وقيل يجب الغسل من الجنون وقيل: منه ومن الإغماء.
انتهى.
والقائل بوجوبه من الجنون خاصة قد أسقطه من "الروضة".
قوله: فيحرم على الجنب أن يقرأ شيئًا من القرآن قاصدًا به القرآن سواء كان آية أو بعضها لما روى أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن" 240. وروى لم يكن يحجب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن القرآن شئ سوى الجنابة" 241
الجزء: 2 - الصفحة: 253
وروى يحجز انتهى.
ومقتضى هذا الكلام أن الحرف يحرم، وبه صرح الماوردى، ويحتمل أن يريد بالحرف الكلمة.
وقال الشيخ عز الدين في "القواعد": الذي أراه أن القارئ إذا فرق النية فلا يثاب إلا إذا فرقها على الجمل المفيدة، قال: لأنه لا قربة في الإتيان بأحد جزئي الجملة والذي ذكره متجه وقياسه من هنا ألا يحرم.
والحديث الأول رواه الترمذي من رواية ابن عمر بإسناد ضعيف وقد ضعفه البخاري والبيهقي، والحديث الثاني رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم، وقال الترمذي: إنه حسن صحيح، وقال غيره من الحفاظ ومنهم البيهقي: إنه ضعيف؛ لأن مداره على عبد الله بن سلمة بكسر اللام، وقد كبر وخلط وإنما روى هذا الحديث بعد اختلاطه.
وقال الشافعي: وأحب للجنب ألا يقرأ القرآن لحديث لا يثبته أهل الحديث.
[كذا] 242 نقله عنه البيهقي في كتاب "المعرفة" [وسكت عليه] 243.
قوله: ولا يستثني من التحريم شئ من الصور إلا إذا لم يجد الجنب ماءً ولا ترابًا وصلى على حسب الحال ففي جواز قراءة الفاتحة وجهان، أحدهما: نعم لأنها ركن في الصلاة.
وأظهرهما: أنه لا يجوز كغيرها وينتقل إلى الذكر انتهى.
تبعه عليه في "الروضة" ولكنه صحيح الأول وفيه أمران: = وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وقال الذهبي: صحيح.
وقال الألباني: ضعيف.
قلت: وهو كما قال الشيخ الألباني فإن مداره على عبد الله بن سلمة وقد قال البخاري: لا يتابع على حديثه.
الجزء: 2 - الصفحة: 254
أحدهما: أن كلامه يقتضي أن المتيمم في الحضر لا يلتحق بفاقد الطهورين في جريان وهو خلاف المنقول.
ففي "تعليق" القاضي الحسين و"الكافي" للخوارزمي أنه يلتحق به.
الأمر الثاني: أنه يقتضي أيضًا تحريم تمكين الكافر الجنب من ذلك إذا قرأ بنفسه أو أقرأناه حيث جاز لنا تعليمه، وهو ما إذا رجى إسلامه لكنهم قد صححوا جواز تمكينه من المكث في المسجد وقياسه جواز تمكينه من القراءة إلا أن يفرق بينهما بأن حرمة القرآن أشد من حرمة المسجد، ولهذا ذكر النووي في نواقض الوضوء في "شرح المهذب" و"التحقيق" أنه يمنع من مس المصحف.
قوله: لما فرغ -يعني: الغزالي- من ذكر موجب الجنابة ذكر حكمها، وأما حكم الحيض والنفاس فيأتي في بابهما ولا يفرض في الموت [مثل هذه الأحكام.
انتهى.
وما ذكره في الموت] 244 غير مستقيم لأنه يحرم به قبل وجود الغسل أمور: منها الصلاة عليه ودفنه وفي تحميله المصحف نظر.
قوله: ويحرم على الجنب مع حرم على المحدث شيئان.
أحدهما: قراءة القرآن.
ثم قال: الثاني: المكث في المسجد.
انتهى كلامه.
واحترز بالمسجد عن المدرسة والرباط ومصلى العيد ونحوها فإنها لا تدخل في التحريم، وذكر في "الروضة" قبل الكلام على سجود السهو أن الدارمي حكى وجهين في مصلى العيد وأنه طردهما في دخول الكافر إياه بغير إذن.
قلت: والقياس طردهما في الربط والمدرس إذا وقفت على الصلاة أيضًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 255
قال في "الكفاية": وقضية ذلك أن يجريا في تحية المسجد أيضًا.
نعم: كلام الرافعي يقتضي أيضًا الجواز فيما بعضه مسجد، فإن وقف حصة شائعة من أرض فإنه يصح كما دل عليه كلام "الشامل" في الشفعة، وصرح به ابن الصلاح في فتاويه، وقال قسمتها واجبة مع أنه يحرم على الجنب المكث فيها قبل القسمة تعليقًا للتحريم كما قاله في الفتاوي المذكورة والمتجه إلحاقها أيضًا بالمسجد في أمر الداخل بالتحية ونحوه بخلاف صحة الاعتكاف وصحة الصلاة فيها للمأموم إذا تباعد عن إمامه أكثر من ثلاثمائة ذراع.
نعم لو كانت الأَرض مما لا يجب قسمتها ففي بطلان الوقوف نظر.
قوله: ثم قد يعذر في المكث عند الضرورة كما لو نام في المسجد فاحتلم ولم يمكن الخروج للخوف من العسس أو نحوه، وليتيمم في هذه الحالة تطهيرًا أو تخفيفًا للحدث بقدر الإمكان، ولا يتيمم بتراب المسجد انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أنه لم يبيّن [هل التيمم] 245 في هذه الحالة واجب أو مستحب؟ فإنه عبر بلام الطلب التي هي محتملة [لمما] 246، وقد بين الرافعي في "الشرح الصغير" مراده، وصرح بكونه مستحبًا فقال ويحسن أن يتيمم إن وجد غير تراب المسجد انتهى.
ويؤيد كونه مستحبًا لا واجبًا، ما قاله القاضي أبو الطيب [في تعليقه أنه إذا احتاج إلى حمل المصحف ولم يتمكن من الوضوء] 247: لم يجب عليه التيمم.
وقد توهم النووي أن مراد الرافعي هو الوجوب فصرح به في "الروضة"
الجزء: 2 - الصفحة: 256
وأدخله في كلام الرافعي فاعلمه.
[قلت] 248: لكن الذي قاله النووي متجه في المعنى وقد رأيته مصرحًا به في "فتاوى القفال" وهو ظاهر كلام "التتمة" فإنه قال: إلا أنه إن قدر أن يتيمم بتراب المسجد فعليه أن يتيمم لأنه قائم مقامه عند عدمه قاله في الباب السادس في الطهارات المعتبرة في الصلاة في الفصل الثالث منه.
وأما ما تقدم نقله عن القاضي فقد تقدم الكلام فيه في أواخر نواقض الوضوء، وقد أحسن ابن الرفعة في هذه المسألة، فإنه لما لم يقف فيها على نقل صريح عبر بعبارة الرافعي بعينها فقال: وليتيمم.
ولو أجنب وهو خارج المسجد والماء في المسجد لم يجز أن يدخل ويغتسل في المسجد؛ لأنه مكث لحظة مع الجنابة.
قال البغوي: فإن كان معه إناء تيمم ثم دخل وأخرج فيه الماء للغسل، وإن لم يكن إناء صلى بالتيمم ثم يعيد، وقال في "شرح المهذب" إن ما قاله البغوي فيه نظر وينبغي أن يجوز الغسل فيه إذا لم يجد غيره ولم يجد إناء ولا يكفي التيمم حينئذ؛ لأنه مكث لطيف لضرورة، والذي قاله ظاهر.
الأمر الثاني: أنه لم يصرح بحكم التيمم بتراب المسجد هل هو على التحريم أو الكراهة لكن فيه إشعار بالتحريم، [وقد صرح النووي في "شرح المهذب" بذلك أعني بالتحريم] 249، كذا ذكره في الفصل المعقود لأحكام المساجد وهو في هذا الباب، وفي تعليق القاضي الحسين وجه أنه لا يحرم، وستقف إن شاء الله تعالى على المسألة مبسوطة في الحج في الكلام على مبيت مزدلفة.
والعسس: جمع عاس كخادم وخدم، وحارس وحرس وهو الذي يطوف بالليل.
الجزء: 2 - الصفحة: 257
قوله: والعبور وإن لم يكن حرامًا فهو مكروه إلا لغرض.
انتهى كلامه.
وما ذكره من كراهة الدخول عند انتفاء الغرض قد تبعه عليه أيضًا في "الروضة" ثم خالف في "شرح المهذب" فقال في أوائل الفصل المعقود لأحكام المساجد السابق ذكره قريبًا ما نصه: ولا كراهة في العبور سواء أكان لحاجة أم لغيرها، لكن الأولى ألا يعبر إلا لحاجة ليخرج من خلاف أبي حنيفة، وهذا مقتضى كلام الأصحاب تصريحًا وإشارة، وقال المتولي والرافعي: إن عبر لغير غرض كره، وإن كان لغرض فلا هذا كلامه، والأمر كما قاله في "شرح المهذب".
قوله: ثم إن نوى الجنب رفع الجنابه أو نوت الحائض رفع حدث الحيض صح الغسل.
انتهى.
تبعه عليه في "الروضة" ومقتضاه أنه لا يصح أحدهما بنية الأخر وهو كذلك في أصح الوجهين إن تعمد، فأما إذا غلط فيصح جزمًا، كذا ذكره في أخر باب نية الوضوء من "شرح المهذب" وهو نظير ما ذكروه في الحدث الأصغر.
وهل يصح اغتسال [النفساء] 250 بنية الحيض؟ سكت عنه الرافعي ومقتضى كلام "الكفاية" أنه لا يصح.
ولقائل أن يقول قد عللوا إيجاب الغسل بكونه دم حيض مجتمع ومقتضي ذلك أنه يصح.
قوله: وإن غلط الجنب وظن أن حدثه هو الأصغر فنواه لم ترتفع الجنابة عن غير أعضاء الوضوء، وفي أعضاء الوضوء وجهان أظهرهما: أنها ترتفع عنها إلا الرأس فلا في أصح الوجهين؛ لأن فرض الرأس في الوضوء وهو
الجزء: 2 - الصفحة: 258
الذي نواه إنما هو المسح والمسح لا يجزئ عن الغسل.
انتهى ملخصًا.
ورأيت في "شرح الفروع" للشيخ أبي علي السنجي استدراكًا حسنًا فقال: قلت: وإن كان الرجل كثيف اللحية؛ بحيث لا يلزمه إيصال الماء إلى ما تحتها في الوضوء ينبغي ألا يجوز غسل ذلك الموضع عن الجنابة؛ لأنه ليس في ضمن نية وجوب غسل ذلك الموضع إلا أن يقول قائل: إنه يخرج على وجهين لأن إيصال الماء إليه في الوضوء مستحب، فيكون كمن توضأ بنية التجديد، ويحتمل مواضع تطويل الغرة في الوضوء أيضًا هذين الوجهين انتهى.
والاستدراك الذي قاله صحيح والأصح في التجديد أنه لا يكفي.
واعلم أنه قد سبق لنا خلافه فيما إذا مسح زيادة على الواجب هل يقع الزائد نفلًا أو واجبًا، فإن قلنا: يقع نفلًا لم يرتفع حدث الرأس؛ لأنه لا يتصور معها التبعيض الذي لم يتعين موضعه الأمر بغسل الباقى، وحينئذ يكون لعدم الارتفاع مدركان.
أحدهما: هذا.
والثاني: ما ذكره الرافعي والقائل بارتفاعه عن الرأس لا يتصور إلا برفعه عن الجميع فيكون ذلك بناء على أن الجميع، يقع فرضًا فاعلمه.
قوله في "الروضة": ولو نوت الحائض استباحة الوطء صح على الأصح.
انتهى.
هذه المسألة قد سبق الكلام عليها في باب صفة الوضوء في الكلام على غسل الوجه.
قوله: وإن لم يتوقف الفعل المنوي على الغسل كالعبور في المسجد والأذان وغسل الجمعة والعيد فالحكم ما ذكرناه في الوضوء.
انتهى كلامه.
وحاصل هذا الكلام أنه لا يصح غسله على الصحيح؛ لأنه الذي صححه
الجزء: 2 - الصفحة: 259
هناك فقال: وإن نوى ما يستحب له الوضوء كقراءة القرآن للمحدث فوجهان:
أظهرهما: لا يصح وضوءه؛ لأن هذه الأفعال مباحة مع الحدث فلا يتضمن قصدها رفع الحدث.
والثاني: يصح؛ لأنه قصد أن يكون ذلك الفعل على أكمل أحواله ولا يكون كذلك إلا إذا ارتفع الحدث هذا كلامه حينئذ، فكلامه هناك لا إشكال في دلالته على عدم صحة الغسل عن الجنابة، وأما بالنسبة إلى الجمعة فقد يؤخذ منه عدم صحتها أيضًا، كما في نظيره من الوضوء فإن الحكم فيه كذلك، وقد لا يستلزم ذلك أن يكون اللفظ ساكتا عنه لأنا نعقل حصول غسل الجمعه بدون [غسل] 251 الجنابة كما في عكسه على ما سبق إيضاحه في الكلام على نية الوضوء ولا نعقل ذلك في نظيرة من الوضوء.
وبالجملة فليس في الرافعي "والروضة" تصريح بهذه المسألة، وقد صرح بها في "المحرر" وجزم بالحصول، وقد ذكرت لفظه في الكلام على نية الوضوء، فإن الرافعي قد ذكر هذه المسائل هناك وحكى الماوردي وغيره وجهًا أنها لا تحصل؛ لأن القصد أن يكون على أكمل أحواله فإذا لم يرتفع الحدث لم يكن على الأكمل.
[قوله] 252 الثاني: استيعاب جميع البدن بالغسل قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "تحت كل شعره جنابة فبلوا الشعور وأنقوا البشرة" 253 انتهى.
الجزء: 2 - الصفحة: 260
وهذا الحديث الذي استدل به وجزم برفعه إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضعيف بالاتفاق ضعفه الشافعي ويحيى بن معين والبخاري وأبو داود والمتأخرين كابن الصلاح والنووي وغيرهم.
نعم: روى علي - رضي الله عنه - أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسله فعل به كذا وكذا من النار" قال على فمن ثم عاديت رأسي وكان يجز شعره رواه أبو داود ولم يضعفه، فيكون صحيحًا أو حسنًا عنده على قاعدته، وقال القرطبي في "شرح مسلم" إنه صحيح، والنووي في باب صفة الوضوء من "شرح المهذب" في الكلام على المضمضة: إنه حسن إلا أنه ناقضه أعني النووي في الشرح المذكور أيضًا فقال هنا: إنه ضعيف.
قوله في "أصل الروضة" وكذا ما يبدو من الثيب إذا قعدت لقضاء الحاجة على أصح الأوجه، وعلى الثاني لا يجب غسل ما وراء ملتقى الشفرين، وعلى الثالث يجب في غسل الحيض والنفاس خاصة لإزالة دمها، ولا يجب ما وراء ذلك ما ذكرناه قطعًا.
انتهى كلامه.
وحاصله أن هذه الأوجه محلها فيما يبدو عند القعود وأن ما وراءه وهو باطن الفرج لا يجب بلا خلاف.
إذا علمت ذلك ففيه أمران:
أحدهما: أن الرافعي لم يحك الثالث فيما يبدو بل حكاه في الباطن فإنه قال: وكذلك ما ظهر من الثيب بالافتضاض وهو ما يبدو عند القعود لقضاء الحاجة دون ما وراء ذلك في أظهر الوجوه؛ لأنه صار في حكم الظاهر كالشقوق.
= ضعفه الترمذي والدارقطني والحافظ ابن حجر والألباني وغيرهم.
وهذا الحديث مداره على الحارث بن وجيه وهو ضعيف.
الجزء: 2 - الصفحة: 261
والثاني: لا يجب غسل ما وراء ملتقى الشفرين، كما لا يجب غسل باطن الفم.
والثالث: يجب عليها غسل باطن الفرج في غسل الحيض والنفاس خاصة لإزالة دمها هذا كلام الرافعي وحاصله أنه حكى في الظاهر وجهين مطلقين، وفي الباطن أيضًا وجهين:
أحدهما: قائل بعدم الوجوب مطلقًا.
والثاني: مفصل، وهذا القائل يوجب غسل المنفذ خاصة لإزالة الدم والتعليل المذكور يدل عليه بخلاف القائل بوجوبه في الظاهر، وهو الذي يبدو عند القيام، فإنه يوجب غسل ما يبدو من أعلى الفرج إلى أسفله.
وقد ذكر في "شرح المهذب" نحو ما ذكره الرافعي بإيضاحٍ وزيادة فقال: وإن كانت ثيبًا وجب إيصاله إلى ما يظهر في حال قعودها لقضاء الحاجة؛ لأنه صار في حكم الظاهر هكذا نص عليه الشافعي وجمهور الأصحاب.
[وحكى] 254 القاضي الحسين والبغوي وجهًا ضعيفًا أنه يجب على الثيب إيصاله إلى داخل فرجها بناء على نجاسته.
ووجها أنه يجب في غسل الحيض والنفاس لإزالة النجاسة ولا يجب في الجنابة وقطع إمام الحرمين بأنه لا يجب على الثيب إيصاله إلى ما وراء ملتقى الشفرين هذا كلامه، واستفدنا منه أربعة أوجه.
الأمر الثاني: أن دعواه عدم الخلاف فيما وراء المذكور ليس كذلك فقد استفدنا من كلام الرافعي أن فيها وجهين ومن كلامه في "شرح المهذب" ثلاثة أوجه، وقد سبق في باب الاستنجاء في الكلام على استنجاء المرأة كلام يتعلق بما نحن فيه أيضًا فراجعه، وكلام "الكفاية" أيضًا في هذه المسألة موهم.
الجزء: 2 - الصفحة: 262
واعلم أن ما نقله في "شرح المهذب" عن البغوي والقاضي من كون الوجوب مفرعًا على النجاسة قد نقل في "الكفاية" عن "التتمة" عكسه.
قوله: ويسامح بباطن العقد التي على الشعرات وحكى الروياني وجهًا [أخر] 255 أنه يلزمه قطعها.
انتهى.
ووقع في بعض نسخ "الروضة" كذلك وفي بعضها زيادة على المذكور هنا فصحح فيها خلاف ذلك.
قوله: وذهب أبو حنيفة إلى وجوب المضمضة والاستنشاق ثم قال: وذكر إمام الحرمين أن في بعض تعاليق شيخه حكاية وجه موافق لمذهب أبي حنيفة.
انتهى.
وهذا الوجه مذكور في "الشرح الصغير" أيضًا، وقد أسقطه النووي من "الروضة" على أنه ساقط أيضًا من بعض نسخ الرافعي ولعله السبب في السقوط من "الروضة".
قوله في "الروضة": ولو كان على بدنه نجاسة فغسل غسلة واحدة بنية الحدث والنجس طهر عن النجس ولا يطهر عن الحدث على المذهب [فإن] 256 الأصح أنه يطهر عن الحدث أيضًا والله أعلم.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن تعبيره بالمذهب يشعر بأن الرافعي حكى في المسألة طريقين أو طرق وليس كذلك، فإنما حكى وجهين ثم قال إن ظاهر المذهب أنه لا يطهر.
الأمر الثاني: أن ما صححه هنا من زوائده قد ذكره كذلك أيضًا في أكثر كتبه وجزم في هذا الباب في "شرح مسلم" بأنها لا تكفي وهو الذي جزم به في كتاب الجنائز من "الروضة" و"المنهاج"، فإن الرافعي قد قال هناك
الجزء: 2 - الصفحة: 263
في "الشرحين" و"المحرر": إن أقل الغسل استيعاب بدنه بالماء بعد إزالة ما عليه من النجاسة وأقره في "الروضة" و"المنهاج" عليه مع أن الاكتفاء بالغسلة في الميت أولى لأن النية لا تجب في غسله لا جرم أن النووي في "شرح المهذب" هناك أحال الأمر فيه على المذكور في الجنابة.
الأمر الثالث: قد تقدر أن التثليث مستحب في طهارة الحدث والخبث فهل يقول الرافعي بعدم الإندراج أيضًا في المستحب كما قال به الواجب حتى يغسل العضو.
ستّا أم لا؟ فيه نظر:
قوله: فنقول إن تجردت الجنابة عن الحدث الأصغر أو اجتمعا وقلنا بالصحيح وهو الاكتفاء بالغسل فالوضوء محبوب ولا يحتاج إلى إفراده بنية، فإن أوجبنا الوضوء امتنع عنده من محبوبات الغسل ولابد من إفراده بالنية انتهى ملخصًا.
واعلم أنا إذا جعلناه من المندوبات وقلنا: لا يحتاج إلى الإفراد بالنية فمقتضاه أن نية الغسل كافية في حصوله كما تكفي نية الوضوء في حصول المضمضة والاستنشاق، وبه صرح النووي في بعض كتبه وابن الرفعه [في "الكفاية"] 257 ورأيته في "شرح مفتاح ابن القاص" لأبي خلف الطبري وهو باطل لأن نية الغسل على هذا التقدير لابد أن تقارن ابتداء هذا الوضوء كما في غيره إذ لو تأخرت النية إلى فراغه لم يكن المأتي به وضوءًا بالكلية فلابد أن تكون نية الغسل في أوله، ولا شك أن نية الغسل فقط غير كافيه بل لابد أن ينوي غسل الجنابة أو رفع الحدث أو استباحة [الصلاة ونحوها] 258 من الأمور المعروفة في موضعها، فإذا أتى بذلك ارتفعت الجنابة عن المغسول من أعضاء الوضوء بلا نزاع لوجود النية والغسل معها إذ لا ترتيب في الغسل فلا يتصور شمول نية الغسل له أعني للوضوء وليس ذلك كالمضمضة
الجزء: 2 - الصفحة: 264
والاستنشاق فإن محلهما غير محل الواجب إذا لا يجب إيصال الماء إلى باطن الفم والأنف بخلاف ما نحن فيه، والصواب في هذه المسألة أن نقول: إن تجردت الجنابة عن الحدث الأصغر نوى بوضوئه نية الغسل، وإن اجتمعا كما هو الغالب نوى به رفع الحدث الأصغر ليخرج من الخلاف، وقد ذكره في "الروضة" من زوائده وسبقه ابن الصلاح في "مشكل الوسيط" إلى بعضه ولكنه لم يهذبه فذكره في "الروضة" مهذبًا.
والذي قالاه مخالف في الحقيقة لقول الرافعي أنه لا يحتاج إلى إفراده بنية، ونقل النووي في "شرح المهذب" عن الأصحاب أنه لا فرق في حصول نية الغسل بين أن يقدم الوضوء كله أو بعضه أو يؤخره أو يفعله في أثناء الغسل، ولكن الأفضل تقديمه، فإن سلم للرافعي هذا فأخره المغتسل صح أن يقال: إنه لا يحتاج إلى إفراده بالنية؛ لأنه من سننه ونية الغسل قد تقدمت، ولكن ظاهر كلام الرافعي يشعر بالتقديم لا غير ولم يرد في الأَحاديث الصحيحه غيره وهو قياس ما ذكره في سنن الوضوء من اشتراط تقديم غسل الكفين على المضمضة ثم هي على الاستنشاق، وعللوه بأنه الوارد في الأحاديث.
ثم إنه إذا أخره وقد اجتمع عليه الحدثان فلا يتجه القول بأنه ينوي به رفع الحدث الأصغر كما أطلقه النووي لأنه يعتقد أنه قد ارتفع بغسل الجنابة فيكون متلاغيًا.
وقد ذكر الشافعي في "المختصر" كلامًا حاصله أنه لا يأتي بالوضوء بعد ذلك، وسأذكر لفظه بعد ذلك بنحو ورقه وقد ذكر الداوودي شارح المختصر كلامًا غريبًا فقال في أول الباب قوله: أي قول الشافعي: ثم يتوضأ وضوءه للصلاة أي يقدم غسل أعضاء وضوئه على غيرها من الأَعضاء على
الجزء: 2 - الصفحة: 265
ترتيب الوضوء لكان بنية غسل الجنابة؛ لأن ذلك وضوء هذا لفظه بحروفه والذي نقلناه عن الرافعي واستشكلناه منطبق عليه وينحل به إن كان موافقًا عليه.
قوله: الرابع: يفيض الماء على رأسه ثم على الشق الأيمن ثم على الشق الأيسر، الخامس: تكرار البدن ثلاثًا فإن كان بتغميس في الماء انغمس ثلاث مرات.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن هذا الكلام يوهم أن غسل الرأس والجسد يفعل مرة ثم مرة ثانية ثم ثالثة كذلك، والأخبار الصحيحة دالة على أنه يغسل رأسه ثلاثًا أولا ثم باقي جسده كذلك.
قال في "الكفاية" وهو ما نص عليه الشافعي والأصحاب كافة.
الأمر الثاني: أنهم لما نصوا على التيامن في غسل الميت اختلفوا في كيفيته على قولين: أصحهما: أنه يبدأ بمقدم شقه الأيمن وهو الذي يلي [الظهر ثم بمؤخر] 259 شقه الأيسر.
والثاني: أنه يبدأ بمقدم شقه الأيمن ثم بمؤخره ثم يفعل بشقه الأيسر كذلك، وسكتوا هنا عن ذلك والمتجه طرده فيه أيضًا.
الأمر الثالث: ذكر الرافعي -رحمه الله- في "الشرح الصغير" أن ما ولغ فيه الكلب إذا وضعه في ماء جارٍ فجرى عليه سبع مرات كفي بخلاف الراكد [إذا تقرر ذلك فقول الرافعي هنا ينغمس ثلاثًا كلام غير محرر بل تحرير] 260. المسألة أن يقال: إن كان جاريًا كفي بعد تمام انغماسه أن يمكث زمنًا يمر عليه من الماء غير ما انغمس فيه ثم مثله وهو زمن لطيف، وإن كان راكدًا فلابد من انغماسه ثلاثًا إلا أنه لا يكفي انغماسه وهو في موضعه في
الجزء: 2 - الصفحة: 266
حصول التثليث في الأعضاء والحاصلة في الماء، بل لابد من انفصاله بجملته ثم انغماسه ويتجه أن يلحق انتقاله بانفصاله، وقد اختصر في "الروضة" كلام الرافعي بقوله: فإن اغتسل في نهر إلى آخره فزاد الكلام خللًا؛ لأن النهر لا يكون إلا جاريًا.
قوله: السابع إذا اغتسلت الحائض أتبعت أثر الدم المساه أو طيب آخر لحديث عائشه المشهور 261، والأولى المسك.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره محله في غير المعتدة التي وجب عليها الإحداد أما المذكوره فإنها تطيب المحل بقليل من قسط أو أظفار كما سيأتيك واضحًا في العدة فراجعه.
الأمر الثاني: أن الأصح في "شرح المهذب" وغيره أن استعمال الطيب يكون بعد الغسل، والحديث المذكور في الصحيحين.
قوله: في المسألة فإن لم تجد الطيب فالطين؛ لأنه يقطع الرائحة، فإن لم تجد كفي الماء انتهى.
عبر في "الروضة" في آخر الكلام بقوله: فإن لم تفعل -أي عوضًا عن تجد- ليس تعبيرًا صحيحًا.
قوله: والأَحب ألا ينقص ماء الوضوء عن مد وماء الغسل عن صاع لما روى أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع 262. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن صورة المسألة أن يكون الشخص معتدل الخلقة كما كان -عليه الصلاة والسلام- فلو كان ضئيلًا أو متفاحش الطول أو العرض فيستحب له أن يستعمل في الوضوء ما يكون نسبته إلى جسده كنسبة المد إلى جسد
الجزء: 2 - الصفحة: 267
النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وكذا قياس الغسل قاله الشيخ عز الدين في القواعد، والحديث المذكور رواه البخاري ومسلم من حديث أنس.
الأمر الثاني: أن الرافعي لم يصرح بحكم الزيادة إلا أن كلامه وكلام غيره يشعر بأنها إذا لم يكن فيها سرف لا تكون مكروه بل مستحبة لأن المستحبات المطلوبة في الوضوء والغسل لا تتأتي إلا بالزيادة قطعًا، وقال في "الكفاية": إن كلام الأصحاب يدل على أن المستحب الاقتصار على الصاع والمد لأن الرفق محبوب وعليه يدل ما روى أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: "سيأتى أقوام يستقلون هذا فمن رغب في سنتى وتمسك بها بعث معى في حضرة القدس" 263 هذا كلامه وهو مردود رددناه عليه في "الهداية"، نعم الإسراف مكروه [وفي "شرح المهذب" وجه أنه حرام.
قوله: ويستحب أن يقول في آخره: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله.
انتهى.
واقتصاره على هذا عجيب، بل المقتضى لاستحباب الذكر هو القياس على الوضوء مقتضى لاستحباب جميع ما سبق هناك وهو المذكور في "التحقيق"، وقد زاد في "أصل الروضة" على ما ذكره الرافعي وحده لا شريك له وأشهد إلى أخره.
قوله من "زوائده": ولو ترك المغتسل المضمضة أو الاستنشاق أو الوضوء قال الشافعي - رضي الله عنه - والأصحاب: فقد أساء ويستحب أن يتدارك ذلك
الجزء: 2 - الصفحة: 268
انتهى كلامه.
وما نقله عن الشافعي من استحباب إعادة الوضوء سهو بل حاصل كلامه أنه يأتى بالمضمضة والاستنشاق دون الوضوء، فقد قال في "المختصر": فإن ترك الوضوء للجنابة أو المضمضة والاستنشاق فقد أساء ويجزئه ويستأنف المضمضة والاستنشاق.
هذا نصه بحروفه، والغريب أن النووي قد ذكر هذا النص بعينه في "شرح المهذب" وأوضحه فقال: قال القاضي الحسين والمتولي والروياني وآخرون: وآمره باستئناف المضمضة والاستنشاق دون الوضوء لمعنيين.
أحدهما: الخلاف في المضمضة والاستنشاق وكان موجودًا في زمانه فإن أبا حنيفة وغيره ممن تقدم يوجبونهما فأحب الخروج من الخلاف والوضوء لم يكن أوجبه أحد وإنما حدث خلاف أبي ثور وداود بعده.
الثاني: أن الماء قد وصل إلى موضع دون موضعهما فأمره بإيصاله إليهما هذا كلامه.
ثم ذكر بعد ذلك عن الأصحاب: أنه يستحب استئناف الوضوء لكن استحباب المضمضة والاستنشاق آكد.
قوله: من زياداته أيضًا ولا يجب الترتيب في أعضاء الغسل لكن يستحب أن يبدأ بأعضاء الوضوء ثم بالرأس وأعالى البدن.
انتهى.
وهذه الكيفية إما مخالفة للكيفية التى ذكره هو وغيره قبل ذلك استحبابها.
ولا حاجة إليها؛ لأن الرافعي قد ذكرها قبل ذلك.
قوله في "الزيادات" أيضًا: ولو أحدث في أثناء غسله جاز أن يتمه ولا
الجزء: 2 - الصفحة: 269
يمنع الحدث صحته لكن لا يصلي حتى يتوضأ.
انتهى كلامه.
وما ذكره من إيجاب الوضوء قد ذكر مثله في "شرح المهذب" هنا وإيجابه لا يستقيم إلا في صورة خاصة أو على وجه ضعيف سبق في صفة الوضوء في الكلام على غسل الرجل إنه قال في الكتابين هناك: ومن اجتمع عليه حدث أكبر وأصغر فالصحيح أنه يكفيه غسل جميع البدن بنية الغسل وحده ولا ترتيب عليه.
والثاني: يجب نية الحدثين إن اقتصر على الغسل.
والثالث: يجب وضوء مرتب وغسل جميع البدن.
والرابع: وضوء مرتب وغسل الباقى.
ولو غسل جميع بدنه إلا رجليه ثم أحدث، فإن قلنا بالوجه الثالث وجب وضوء كامل للحدث وغسل الرجلين للجنابة يقدم أيهما شاء فتكون الرجل مغسولة مرتين، وإن قلنا بالرابع وجب غسل الرجلين بعد أعضاء الوضوء ويكون غسلهما واقعًا عن الحدث والجنابة جميعًا، وإن قلنا بالصحيح الأول فعليه غسل الرجلين عن الجنابة، وغسل سائر أعضاء الوضوء عن الحدث، ثم يتخير في تقديم غسل الرجلين وتأخيرهما وتوسيطهما.
انتهى كلامه ملخصًا.
وإذا علمت ما قاله هناك اتضح لك ما قدمناه، وهو أن المذكور هنا لا يستقيم إلا على غير الصحيح أو في صورة خاصة، وهى ما إذا أحدث بعد فراغ أعضاء الوضوء.
قوله فيها أيضًا: ولو غسل يديه إلا شعرة أو شعرات ثم نتفها، قال الماوردي: إن كان الماء وصل إلى أصلها أجزأ وإلا لزمه إيصاله إليه، وفي
الجزء: 2 - الصفحة: 270
فتاوى ابن الصباغ يجب غسل ما ظهر وهو الأصح، وفي "البيان" وجهان:
أحدهما: عند التحقق يجب.
والثاني: لا لفوات ما وجب غسله كمن توضأ وترك رجله فقطعت انتهى كلامه.
وهذا النقل عن "البيان" ليس مطابقا لما فيه، فإنه إنما فرض المسألة فيما إذا بقى أطراف عسرة فقطع ما لم يغسله والتردد فيه واضح، وأما النتف فالذى قاله الماوردى فيه متجه وقد يوافقه عليه صاحب "البيان".
الجزء: 2 - الصفحة: 271