كتاب الجنائز
قوله: يستحب لكل أحد ذِكْرُ الموت، قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أكثروا من ذكر هاذم اللذات" 1. يعني: الموت.
انتهى.
الهاذم: بالذال المعجمة هو القاطع كما قال الجوهرى، وهو المراد هنا.
وقد صرح السهيلي في "الروض الأنف" بأن الرواية بالذال المعجمة، ذكر ذلك في غزوة أحد في الكلام على قتل وحشي لحمزة.
واعلم أن الأصحاب قالوا: إنه يستحب لكل أحد الإكثار من ذكر الموت، وعبارة الرافعي تقصر عن إفادة هذا المعنى.
قوله: والمختصر يستقبل به القبلة، وفي كيفيته وجهان:
أحدهما: يلقى على قفاه، وأخمصاه إلى القبلة.
والصحيح: أنه يضطجع على جنبه الأيمن كالموضوع في اللحد، فإن لم يكن لضيق الموضع أو سبب آخر، فعلى قفاه ووجهه وأخمصاه إلى القبلة.
انتهى كلامه.
وقد خالف ذلك في "شرح المهذب" فقال: إذا تعذر الوضع على الأيمن وضع على الأيسر، فإن تعذر فعلى قفاه، وحيث وضع على قفاه فيرفع رأسه قليلًا، كذا ذكره البندنيجى، وجزم به في الشرح المذكور.
قوله: ويستحب أن يكفنه غير الورثة.
انتهى.
الجزء: 3 - الصفحة: 457
قال في "شرح المهذب"، هكذا قالوه، وينبغي أن لا يكفنه من سهمه مطلقًا ليدخل فيه الوارث والحاسد والعدو.
قوله: واستحب بعض التابعين قراءة سورة الرعد أيضًا عند المحتضر.
انتهى.
واقتصاره على نقل ذلك عن من ذكره قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" وهو يوهم أنه لا يستحب عندنا، أو أن أصحابنا سكتوا عنه، وليس كذلك، فقد [صرح] 2 بها من أصحابنا البندنيجي وصاحب "البيان" وأبو عبد الله الطبري صاحب "العدة"، وصاحب "البحر" وغيرهم.
قوله: غسل الميت فرض كفاية، وكذا تكفينه والصلاة عليه ودفنه بالإجماع.
اعلم أن هذا الكلام يشعر بأن الغسل مجمع عليه، وليس كذلك، فإن [في] 3 وجوبه خلافًا، وقد حكى ابن الحاجب قولين في وجوبه عند المالكية.
قوله: وهل يجب غسل الغريق؟ فيه وجهان: الظاهر منهما وهو الذي نص عليه الشافعي أنه يجب لأنا مأمورون بالغسل فلا يسقط الفرض عنا إلا بفعلنا.
انتهى ملخصًا.
ذكر نحوه في "الشرح الصغير" فقال: المرجح وجوبه، ثم عكس ذلك في "المحرر" فقال: ولا يشترط فيه الغسل في أصح الوجهين حتى يجوز أن يغسل الكافر المسلم ولا يجب غسل الغريق.
انتهى لفظه بحروفه.
وقد استدرك النووي في "المنهاج" على "المحرر" وصحح فيه الوجوب.
[قوله] 4 ويكره للغاسل أن ينظر إلى شئ من بدنه إلا لحاجة بأن يريد
الجزء: 3 - الصفحة: 458
معرفة المغسول.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على الكراهة، وخالف في "شرح المهذب" فقال: وإن نظر إليه أو مسه بلا شهوة لم يكره، بل هو تارك للأولى.
وقال بعض أصحابنا: يكره.
هذه عبارته.
قوله: ولا يفغر فاه.
هو بالفاء والغين المعجمة أى يفتحه.
يقال: فغر فاه، أى فتحه، وفُغِر فوه أى انفتح فيستعمل متعديًا وقاصرًا.
قاله الجوهري.
قوله: والغسلة التي بالماء والسدر، والغسلة الواقعة بعدها، وهي المزيلة لذلك هل يحسبان من الثلاث؟ فيه وجهان:
أظهرهما: لا، بل الثلاثة المحسوبة إنما هي بالماء الصرف.
انتهى ملخصًا.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، وجزم في "المحرر" بما حاصله الحسبان فقال: ويستحب التثليث وأن يستعان في الأولى بالسدر والخطمي.
هذا لفظه، وهو صريح فيما قلناه.
وذكر النووي الموضعين كذلك في "الروضة" و"المنهاج" وصحح في "شرح المهذب" كما في "الروضة" وهو الصواب.
قوله: ويستحب أن يجعل في كل ماء قراح كافورًا.
انتهى.
هذه العبارة قاصرة، فإنها لا تقتضي أن تركه مكروه مع أنه يكره الترك كما نص عليه الشافعي في "الأم" فقال في باب عدد غسل الميت وهو بعد أبواب القرعة بين العبيد ما نصه: ولا يغسله بشئ من الماء إلا ألقى فيه كافورًا للسنة فإن لم يفعل كرهته.
هذا لفظه بحروفه.
قوله في "أصل الروضة": فإن خرجت من الميت نجاسة في آخر الغسلات أو بعدها وجب غسل النجاسة قطعًا بكل حال.
انتهى كلامه.
الجزء: 3 - الصفحة: 459
ليس كما قال من دعوى القطع، فقد جزم البغوي في "فتاويه" بأنه لا يجب غسلها إذا كان الخروج بعد التكفين، ولم يصرح الرافعي بدعوى القطع، وإن كان في كلامه إشعار بذلك.
قوله في المسألة: وهل يجب مع غسلها شئآخر؟ فيه أوجه:
أصحها: لا.
والثاني: يجب الوضوء.
والثالث: يجب الغسل.
ثم قال: فإن أوجبنا الوضوء اختص بالخارجة من السبيلين، وإن أوجبنا الغسل ففي إعادة الغسل لسائر النجاسات احتمال لإمام الحرمين.
انتهى.
وهذا الاحتمال ضعيف أو باطل كما قاله في "شرح المهذب" لأنه لا فرق بين هذه النجاسة ونجاسة أجنبية تقع عليه.
وقد اتفقوا على أنه يكفي غسلها، وذكر في "الروضة" أيضًا أن الصحيح الجزم بأنه لا تجب إعادة الغسل.
قوله: ولو وطئت بعد الغسل فإن قلنا بإعادة الغسل أو الوضوء للنجاسة وجب هنا الغسل، وإن قلنا بالأصح لم يجب هنا شئ.
انتهى.
هكذا أطلقه الأصحاب، وينبغي كما قال النووي في زيادات "الروضة" و"شرح المهذب": أن يكون فيه خلاف ينبني على نجاسة باطن فرجها فإنها خرجت على الذكر وتنجس بها ظاهرًا الفرج.
قوله: ولم يتعرض الجمهور للفرق بين أن تخرج النجاسة قبل الإدراج في الكفن أو بعده.
وأشار صاحب "العدة" إلى تخصيص الخلاف في وجوب الغسل والوضوء بما قبل الإدراج.
انتهى كلامه.
الجزء: 3 - الصفحة: 460
وما قاله صاحب "العدة" قد صرح به أيضًا المحاملي في "التجريد" والقاضي أبو الطيب في "المجرد" والسرخسي في "الأمالي" والروياني في "البحر" فاحتج له السرخسي بأنا لو أمرناه بإعادة ذلك لم يأمن مثله في المستقبل فيؤدي إلى ما لا نهاية له.
قال في "شرح المهذب" بعد نقله عن بعض من تقدم: إن إطلاق من أطبق محمول عليه.
قوله: والثاني: المحرمية، وسياق الكلام في الكتاب يقتضي تجويز الغسل للرجال المحارم مع وجود النساء؛ لكن لم أرَ لعامة الأصحاب تصريحًا بذلك، وإنما يتكلمون في الترتيب ويقولون: إن المحارم بعد النساء أولى.
انتهى كلامه.
وحاصله إقرار الغزالي على الجواز، وأنه لم يرَ التصريح بها لأحد، والذي ذكره غريب، فقد صرح هو بعد ذلك بدون ورقتين بنقل المسألة عن جماعة واقتضى كلامه الجزم بالمنع فقال قبيل الكلام على ما يصنع بالمحرم: ولو أن المقدم في أمر الغسل سلمه لمن بعده جاز له تعاطيه بشرط اتحاد الجنس، فليس للرجال كلهم التفويض إلى النساء، وبالعكس ذكره الشيخ أبو محمد وغيره، وقد حكاه المصنف في "الوسيط" بعد إطلاق الغسل المتأخر، وأشعر كلامه بوجهين في اعتبار الشرط المذكور.
هذا لفظه.
ووقع الموضعان كذلك في "الشرح الصغير"، وفي "الروضة" نقلهما ابن يونس صاحب "التعجيز" في شرحه للتعجيز وقال: إن الصحيح منهما هو الجواز.
وقال الإمام: عندي في جواز تفويض المقدم إلى غيره احتمالان.
قوله: وإذا غسل أحد الزوجين صاحبه لف على يده خرقة ولا يمسه، فإن خالف، قال القاضي الحسين: يصح الغسل ولا يبني على الخلاف في
الجزء: 3 - الصفحة: 461
انتقاض طهر الملموس.
انتهى.
زاد في "الروضة" فقال: وأما وضوء الغاسل فينتقض.
قاله القاضي الحسين.
وهذا الذي ذكره مكرر ناقص، فقد ذكر الرافعي في باب النواقص أن مس الميتة ناقض على الصحيح.
قوله: فإن كن -يعني الإماء- متزوجات أو معتدات لم يكن للسيد غسلهن.
انتهى.
استدرك في "الروضة"، "وشرح المهذب" فقال: والمستبرأة كالمعتدة في ذلك.
هذا كلامه.
وما ذكر في المستبرأة غير مستقيم، فإن كان استبراؤها لأجل ملكه لها بالسبي من بلادها فإن الأصح أنه يجوز له أن يستمتع بها جميع الاستمتاعات ما عدا الوطء كالقبلة واللمس والنظر بشهوة.
وحينئذ فيجوز له غسلها بطريق الأولى، وإن ملكها بغير ذلك فلا تحرم عليه الخلوة بها ولا اللمس، والنظر بغير شهوة كما ذكروه في بابه.
وحينئذ فلا يمتنع أيضًا الغسل.
وحكى الرافعي في باب الطهارة وجهًا أنه يجوز للزوج أن يستمتع بزوجته المعتدة عن شبهة غيره.
نعم حكى في "البحر" وجهين في جواز تغسيل السيد لهذه الأمة.
قوله: وهل يجوز لأم الولد والمدبرة والأمة غسل السيد؟ وفيه وجهان: أظهرهما: المنع.
ثم قال: وليس للمكاتبة غسل السيد فإنها كانت محرمة عليه قبل الموت.
انتهى.
الجزء: 3 - الصفحة: 462
وهذا التعليل يقتضى أن تكون الزوجة والمعتدة والمستبرأة كالمكاتبة حتى يمتنع جزمًا، وقد صرح به الشيخ أبو على في "شرح التلخيص" والبغوي وغيرهما، واستثناه في "شرح المهذب"، و"زيادات الروضة".
قوله: الثانية: الخنثى المشكل إذا مات، وليس هناك محرم له، نظر فإن كان كبيرًا فهل يغسل؟ فيه وجهان كالوجهين في ما إذا مات رجل، وليس هناك إلا امرأة أجنبية أو بالعكس.
انتهى.
وهذه العبارة مشعرة بأن الصحيح في الخنثى أنه لا يغسل؛ لأنه الصحيح عند الأكثرين في الصورة المشبهة بها.
وقد تعرض الرافعي لحكم الخنثي في كتاب النكاح، وصرح بتصحيح الأخذ بالأغلظ في حقه، كما دل عليه كلامه هنا، فيجعل في حق الرجال امرأة، وفي حق النساء رجلًا فقال: فرع: في الخنثى المشكل وجهان:
أظهرهما: الأخذ بالاحتياط فيجعل بالإضافة إلى النساء رجلًا، وبالإضافة إلى الرجال امرأة.
وعن القفال: الحكم بالجواز استصاحبًا لما كان في الصغر.
انتهى.
وقد وافق النووي في "الروضة" على ما قاله الرافعي في الموضعين إلا أنه في النكاح نقل من زياداته عن جماعة أنهم قالوا بمقالة القفال.
إذا علمت ذلك فقد خالف في "شرح المهذب" فقال بعد حكاية الخلاف والبناء ما نصه: الصحيح منهما باتفاق الأصحاب، أنه يغسل.
قال: وإذا قلنا به جاز للرجال والنساء غسله على الصحيح.
انتهى.
وهذا الذي قاله هو المذكور في "الحاوي الصغير"، ورأيت في "شرح التعجيز" لابن يونس مصنف الكتاب وجهًا أنه لا يغسل، ولا يُيمم وعزاه إلى "البحر"، ولا ذكر له في "البحر" في كتاب الجنائز.
نعم في زوائد "الروضة" وجه كذلك في ما إذا مات رجل، وليس
الجزء: 3 - الصفحة: 463
هناك إلا امرأة أجنبية وبالعكس وحينئذ فيجري في مسألتنا عند من ألحقها بذلك.
قوله في أصل "الروضة": فإن كان الميت رجلًا غسله أقاربه، وهل تقدم الزوجة عليهم؟ وجهان، ثم ذكر من زياداته أن فيه ثلاثة أوجه:
أصحها: يقدم رجال العصبات ثم الرجال الأجانب ثم الزوجة ثم النساء المحارم.
. . . إلى آخر ما قال.
فية أمور:
أحدها: أن الرافعي قد ذكر كلامًا يؤخذ منه الترجيح في مسألة الزوجة فحذفه النووي فإنه قال: فيه وجهان سنظهر توجيههما، وأشار بذلك إلى عكسه، وهو تقديم الزوج على نساء القرابة، ثم صحح الرافعي فيها -أى في مسألة العكس- عدم التقديم.
الأمر الثاني: أنه أهمل ذكر الوالي، والصواب أن يقول: ثم الوالي ثم الرجال الأجانب.
وقد ذكره كذلك الجرجاني في "التحرير" وفي "الشافي" أيضًا.
الثالث: أن هذا الترتيب الذي ذكره غلط، فإن الترتيب هنا كترتيبهم في الصلاة كما صرح به الرافعي في "المحرر" وأشعر به كلامه هنا.
وحينئذ فإذا فقدنا العصبات قدمنا المعتق [ثم عصبته ثم ذوي الأرحام فيقدم أبو الأم ثم الأخ للأُم ثم الخال] 5 ثم العم للأم.
انتهى.
فيكون الأجانب متأخرين عن الجميع.
قوله: وإن كان الميت امرأة قدم النساء فتقدم نساء القرابة وأولاهن ذات رحم [محرم] 6. انتهى.
الجزء: 3 - الصفحة: 464
ذكر مثله في "الروضة" وهو يقتضي أن بنت العم البعيدة إذا كانت أُمًا من الرضاع مثلًا تقدم على بنت العم القريبة، وكلامهم يشعر بخلاقه، وبأن المراد بتحريمها أن يكون من جهة الرحم، ولهذا لم يعتبروا هنا الرضاع بالكلية.
قوله في المسألة: وبعد نساء القرابة تقدم الأجنبيات.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة"، ويرد عليه ذات الولاء، فإنها مقدمة على الأجنبيات، نص عليه الشافعي، وجزم به في "شرح المهذب".
قوله في المحرم: ولا بأس بالتجمير عند غسله كما لا بأس بجلوسه عند العطار.
انتهى.
هذا الكلام يشعر بعدم الكراهة في المسألتين، فإن [الغالب] 7 استعمال هذه الصيغة في نفي الكراهة وليس كذلك فقد ذكر الرافعي أن المحرم إذا جلس في دكان عطار أو في موضع تجمير بقصد الرائحة أنه يكره في أصح القولين وأما تجمير الميت المحرم فقياس ما تقدم أن يكره أيضًا لأنهم أقاموا فعلهم به بعد الإحرام مقام فعله في حال الحياة، إلا أن يقال: اغتفر ذلك للرائحة الكريهة.
قال في "الروضة": قال أصحابنا: وإذا طيب المحرم أو ألبسه مخيطًا عصى ولا فدية، كما لو قطع عضوًا من ميت.
قوله: وهل تقلم أظفار غير المحرم من المولى ويؤخذ من شاربه وشعر إبطه وعانته؟ فيه قولان:
القديم: لا كما لا يختن.
والجديد: نعم.
ثم قال: والقولان في الكراهة، ولا خلاف في أن هذه الأمور لا
الجزء: 3 - الصفحة: 465
تستحب، كذلك ذكره القاضي الروياني.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن كلامه يوهم الاتفاق على عدم الختان وليس كذلك، بل فيه ثلاثة أوجه مشهورة:
أصحها: ما قاله.
والثاني: نعم.
والثالث: يختن البالغ دون الصبي، وقد حكى النووي هذه الأوجه.
الأمر الثاني: أن ما قاله الروياني من كون القولين في الكراهة قد عزاه في "الروضة" إلى الرافعي نفسه ذهولًا ثم استدرك عليه وبالغ في الاستدراك فقال: قلد الرافعي الروياني في قوله: لا يستحب بلا خلاف، وإنما الخلاف في الكراهة وعدمها وكذا قاله أيضًا الشيخ أبو حامد والمحاملي، ولكن صرح الأكثرون أو الكثيرون بخلافه فقالوا: الجديد أنه يستحب، والقديم يكره؛ ممن صرح بهذا صاحب "الحاوى" والقاضي أبو الطيب، والغزالي في "الوسيط" وغيرهم، وقطع أبو العباس الجرجاني بالاستحباب.
وقال صاحب "الحاوي": القول الجديد أنه مستحب، وتركه مكروه، وعجب من الرافعي كيف يقول ما قال، وهذه الكتب مشهورة لاسيما "الوسيط"؟
وقال جماعة: إن القديم هنا أصح، وهو المختار؛ إذ لم ينقل عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والصحابة فيه شئ معتمد، وأجزاء الميت محترمة فلا تنتهك بهذا.
انتهى كلامه في "الروضة".
فانظر كيف لم ينقله عن الروياني كما نقله الرافعي عنه، بل أوهم أن الرافعي هو قائل ذلك -ثم شنع عليه هنا وفي "شرح المهذب" وهو
الجزء: 3 - الصفحة: 466
اختصار عجيب، وسببه أنه حالة تصنيف "الروضة" حذف الإعزاء إلى "الروضة" ظنًا منه أن الأمر كما قاله، ثم بعد ذلك نظر فوجد الأمر بخلافه فاستدرك على الرافعي ظنًا منه أنه لم يغير كلامه.
نعم صرح بذلك في "الشرح الصغير" ولم ينقله عن الروياني، وما ذكره في "الروضة" أيضًا من كون الإبقاء هو القديم قد عزاه البندنيجي إلى نصه في "الأم" وعامة كتبه.
قوله: ونقل -يعني الروياني- تفريعًا على الجديد أنه يتخير الغاسل في شعر الإبط بين النتف والإزالة بالنورة، ويأخذ شعر العانة بالجلم أو الموسى أو النورة.
وحكى عن بعض الأصحاب أنه لا يزال إلا بالنورة احترازًا عن النظر إلى الفرج.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن الصحيح في شعر العانة هو التخيير أيضًا كذا صححه النووي في أصل "الروضة" فافهمه، وصححه أيضًا من زياداته.
الأمر الثاني: أنه احترز بشعر الإبط والعانة عن الشارب فإنه يقصه كالحياة ويكره حفه في الحى والميت وقد نبه عليه في "الروضة" أيضًا قال: وتفعل هذه الأمور قبل الغسل، قال: ولم يتعرض الجمهور لدفن هذه الأجزاء معه.
وقال صاحب "العدة": ما يأخذه منها يُصَرُّ في كفنه، ووافقه القاضي الحسن، وصاحب "التهذيب" في الشعر المنتف في تسريح الرأس واللحية كما تقدم، وقال به غيرهم.
وقال صاحب "الحاوي": الاختيار عندنا أنه لا يدفن معه إذ لا أصل له.
الجزء: 3 - الصفحة: 467
والجلم: بجيم ولام مفتوحتين هو المقص الذي يحز به ما على البهائم من صوف وشعر ووبر، ونقول لمجموع الشفرتين: الجلمان كقولك مقصان.
قال -رحمه الله-:
القول في التكفين
قوله: وجنسه في حق كل ميت ما يجوز له لبسه في حال الحياة فيجوز تكفين المرأة بالحرير، لكنه يكره لأنه سرف غير لائق بالحال.
انتهى كلامه.
ويؤخذ من هذا التعليل بمقتضى كراهة المزعفر، والمعصفر أيضًا، والأمر فيه كذلك على المذهب وقد نبه عليه النووي في "الروضة" فقال: وأما المزعفر والمعصفر فلا يحرم تكفينها فيه، لكن يكره على المذهب، وفيه وجه: لا يكره.
هذا كلامه.
وذكر مثله في "شرح المهذب" وليس فيها بيان حكم الرجل، ومذهب الشافعي أنه يجوز تكفينه بالمعصفر دون المزعفر، وقد سبق بيان ذلك في باب ما يجوز لبسه وما لا يجوز من "الروضة" على كلام فيه للبيهقي.
قوله: ثم شرط صاحب الكتاب في الثوب الأقل أن يكون ساترًا لجميع البدن، وهكذا ذكر الإمام وكثير من الأصحاب، وحكى آخرون من العراقيين وغيرهم أن الواجب قدر ما يستر العورة، وعلى هذا فيختلف الحال باختلاف حال الميت في الذكورة والأنوثة.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الراجح هو الوجه الثاني وهو ساتر العورة فقد قال الرافعي في "الشرح الصغير": إنه أولاهما لنص الشافعي، وصححه النووي في "شرح المهذب" وفي "زيادات الروضة"، ونقله عن الجمهور، ولم يتعرض لبيان ذلك في "المحرر".
واختار صاحب "الحاوي الصغير" الوجه الأول، وما رجحه الرافعي
الجزء: 3 - الصفحة: 468
والنووي هناك يشكل على ما جزما به في كتاب النفقات من أنه لا يجوز الاقتصار في كسوة العبد على ساتر العورة، وإن كان لا يتأذى بالحر والبرد، وعلله الرافعي بقوله: لأن ذلك يعد تحقيرًا وإذلالًا، فإذا امتنع ذلك في الحي الرقيق فامتناعه في الميت الحر بطريق الأولى لأن الناس يتكلفون للميت ما لا يتكلفون للحي، ويعدون ترك [ذلك] 8 إزراء بالميت لكونه خاتمة أمره.
الأمر الثاني: أن تقييده الاختلاف المتقدم بالذكورة والأنوثة يشعر بأن الاختلاف في الرق والحرية لا أثر له حتى يستوى كفن الحرة والأمة، قال ابن الرفعة في "الكفاية": وهذه المسألة سكت عنها الأصحاب.
قال: والظاهر أنه لا فرق بين الحرة والأمة لأن الرق يزول بالموت؛ والذي قاله من التسوية ظاهر، وما ادعاه من كون الرق يزول بالموت والذي قاله قد صرح به الرافعي في كتاب الإيمان في الباب الثاني المعقود للكفارة، غير أن النووي قد ذكر في "شرح المهذب" كلامًا يشعر بعدم التسوية فإنه قال: والأصح أن الواجب هو ساتر العورة وهو جميع بدن الحرة إلا وجهها وكفيها.
فانظر كيف قيد التعميم بكونها حرة، إلا أن يقال: إن الأمة لا تخرج عن كلامه لأنها بعد الموت حرة كما قلناه، غير أنه على هذا التقدير لا يبقى معنا شئ خط يخرج بهذا التقييد، ورأيت في "شرح التلخيص" للشيخ أبي علي السنجي الجزم بأن الرق لا يزول بالموت يقال ما نصه: لأن السيد يغسل أمته ومدبرته أم ولده إذا متن لا يختلف أصحابنا فيه لأنهن متن في ملكه فيستبيح غسلهن بعد الموت كما كان يستبيح في حال الحياة، والدليل على بقاء الملك بعد الموت أن على السيد الكفن ومؤنة القبر.
هذا لفظه
الجزء: 3 - الصفحة: 469
بحروفه.
قوله: الثالثة: الثوب الواحد على ما وصفناه حق الله تعالى لا تنفذ وصية الميت بإسقاطه [والثاني والثالث حق الميت.
انتهى.
وحاصله أن الذي لا تنفذ الوصية بإسقاطه] 9 إنما هو المقدار الواجب حتى إذا قلنا بالصحيح، وهو الواجب ساتر العورة فقط نفذنا وصيته بإسقاط الزائد.
وقد أوضحه في "الروضة" فعبر بقوله: والثوب الواجب -أعني بالجيم والباء- كذا رأيته في "الروضة" التي هي بخطه، وهو القياس أيضًا.
ووقع في "شرح المهذب" أنه إذا [أوصى] 10 بساتر العورة أنه لا تنفذ وصيته، وكأنه اغتر بجواب الإمام والغزالي بذلك، وهما إنما أجابا به، لأن الواجب عندهما هو ما يعم البدن فتفطن له.
قوله: ولو لم يوصِ وأراد بعض الورثة الاقتصار على ثوب واحد فقيل: لا يجاب قطعًا، وقيل: فيه وجهان.
وظاهر المذهب أنه لا يجاب.
ثم قال: فلو اتفق الورثة على تكفينه في ثوب واحد فقد قال في "التهذيب" يجوز.
وطرد صاحب "التتمة" الخلاف فيه.
انتهى كلامه.
لم يرجح شيئًا من هاتين المقالتين في "الشرح الصغير" أيضًا وقال في "شرح المهذب"، و"زيادات الروضة": إن قول "التتمة" أقيس.
ولم يذكر غيره.
ومقتضاه ترجيح التكفين في الثلاث، وهو الذي اختاره صاحب "الحاوي الصغير" أيضًا.
الجزء: 3 - الصفحة: 470
قوله: الرابعة: محل الكفن رأس مال التركة إن ترك الميت مالا يقدم على الديون والوصايا والميراث.
نعم لا يباع المرهون في الكفن ولا العبد الجاني ولا المال الذي فيه الزكاة فإنه كالمرهون، ثم استدرك النووي على هذا الكلام فقال: يلحق بالثلاثة المبيع إذا مات المشترك مفلسًا وقد ذكره الرافعي في الفرائض.
انتهى.
وهذا الكلام يقتضي أن الاستثناء خاص بهذه الصورة ولأجل ذلك استدرك النووي صورة أخرى، وليس الأمر على هذا الحصر، فإنهما قد صرحا في كتاب الفرائض بأن كل حق تعلق بعين المال فإنه يقدم.
وصرح به أيضًا النووي في "المنهاج" و"تصحيح التنبيه" وحينئذ فتدخل فيه مسائل أخرى.
إحداها: ما أورده على الرافعي وهو المبيع إذا مات المشتري مفلسًا.
الثانية: إذا مات [رب الدين] 11 قبيل قسمة مال القراض فإنه يقدم حق العامل على الكفن لأن الرافعي في كتاب القراض قد صرح بأن حقه متعلق بالعين.
الثالثة: المعتدة عن الوفاة بالحمل سكناها مقدم على التجهيز، لأن الرافعي قد نص في كتاب العدد على امتناع بيعها للجهل بمقدار زمن العدة.
الرابعة: نفقة الأمة المزوجة وإن كانت ملكًا للسيد قال الرافعي: إلا أن حقها يتعلق بها.
قال: كما أن كسب العبد ملك للسيد، ويتعلق به نفقة زوجته.
الخامسة: كسب العبد بالنسبة إلى نفقة زوجته كما ذكرناه.
السادسة: إذا قبض السيد نجوم الكتابة، ثم مات قبل الإيتاء ومال الكتابة باقٍ، ففي "الشرح" و"الروضة" أن حق العبد يتعلق بعينه.
الجزء: 3 - الصفحة: 471
وحينئذ فيقدم.
السابعة: إذا أعطى الغاصب قيمة العبد أو غيره للحيلولة ثم قدر على العبد، فإنه يرده ويرجع بما أعطاه.
فإن كان المعطي تالفًا تعلق حقه بالعبد وقدم به كما نص عليه في "الأم" في كتاب الإقرار بالحكم الظاهر فقال: وإذا أحضر الغاصب العبد الذي غصبه إلى سيده جبرت سيده على قبضه منه، وزاد الثمن عليه، فإن لم يكن عند سيده ثمنه، قلت له: بعه إياه بيعًا جديدًا إن رضيتما حتى يحل له ملكه، فإن لم يفعل بعت العبد على سيده، وأعطيت الغاصب مثل ما أخذ منه، وإن كان لسيده غرمًا لم أشركهم في ثمن العبد لأنه عبد قد أعطى الغاصب قيمته هذا لفظه، ونقله في "المطلب" في الغصب.
قوله: وهل يجب على الزوج تكفين الزوجة ومؤنتها؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم، لأنها في نفقته في حال الحياة، فعلى هذا لو لم يكن للزوج مال فحينئذ يجب في مالها.
انتهى.
وكلامه في "الشرح الصغير" كالصريح أنه إنما يجب على الزوج إذا لم يكن لها مال، على عكس ما جزم به في "الكبير"؛ وذكر مثله أيضًا في "المحرر"، وتبعه عليه النووي في "المنهاج" فقال: ومحله أصل التركة فإن لم يكن فعلى من عليه نفقته من قريب وسيد، وكذا زوج في الأصح.
هذا لفظ "المنهاج"، وهو صريح فيما قلناه، مع أنه قد جزم بعكسه في "الروضة"، وكذلك في "شرح المهذب" وبالغ فيه فقال: قيد الغزالي وجوب الكفن على الزوج بشرط إعسار المرأة، وأنكروه عليه.
هذا لفظه.
وإذا علمت ما تقدم علمت أن ما وقع في "الكبير" و"الروضة" هو الصواب.
الجزء: 3 - الصفحة: 472
قوله: قد ذكرنا أن العدد المستحب في كفن الرجل ثلاثة أثواب، ثم قال: وأما المرأة فيستحب أن تكفن في خمسة أثواب.
انتهى.
واتفقوا على أن الخمسة في حق المرأة ليست كالثلاثة في حق الرجل حتى نقول: يجبر الورثة على الخمسة كما يجبرون على الثلاثة.
كذا قاله إمام الحرمين، ونقله عنه النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة"، وارتضاه.
قوله: وإن كفنت المرأة في خمسة فقولان:
الجديد: إزار وخمار وثلاث لفائف.
والقديم: وهو الأظهر عند الأكثرين: إزار وخمار وقميص ولفافتان.
وهذه المسألة مما يفتى فيه بالقديم.
انتهى ملخصًا.
وجعله هذه المسألة من المأخوذ فيها بالقديم ليس كذلك فقد قال الشيخ أبو حامد والمحاملي: المعروف للشافعي في عامة كتبه أنه يكون فيها قميص.
قالا: والقول الآخر لا يعرف إلا عن المزني، فعلى هذا الذي نقلاه لا يكون التكفين في القميص مختصًا بالقديم، وقد نبه النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة" على ذلك.
قوله: ويبسط أحسن اللفائف وأوسعها، ويدر عليها حنوط، ويبسط الثانية فوقها، ويدر عليها الحنوط، ويبسط الثالثة التي تلي الميت فوقها، ويدر الحنوط أيضًا عليها.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة"، وإنما كان البسط لأحسن اللفائف أولًا لأنه الذي يعلوا على الكفن إذا لف على الميت والحي يجعل أحسن ثيابه أعلاها، فيفعل ذلك بالميت وأما الأوسع فلإمكان لفه على الأضيق بخلاف العكس.
إذا تقرر هذا ففيه أمران:
الجزء: 3 - الصفحة: 473
أحدهما: إنما اعتبر التفاوت في الوسع دون الطول لأن الصحيح استحباب استواء الجميع فيه.
نعم إذا لم نجد إلا المتفاوتة فيه أو فرعنا على استحبابه بدأنا بالأطول فالأطول.
الأمر الثاني: أن النووي في "شرح المهذب" وابن الرفعة في "الكفاية" قد قالا: إن اللفافة التي تلي الأولى في الحسن والسعة تجعل فوق الأولى والتي تلي الثانية في ذلك فوق الثانية، فعلى هذا يكون المراد بالثانية والثالثة إنما هو في المرتبة لا مدلولها من جهة العدد، لأن اللفظ العددي لا إشعار له بحسن ولا سعة.
وعلى هذا فلو قرئ فيها بتاء مثناة من فوق ولام بعد الألف ثم بالمثناة من تحت لكان أحسن، والتقدير: ثم اللفافة التي تتلو الأولى في ذلك، ثم التي تتلو الثانية.
قوله: ثم يلف الكفن عليه بأن يثني من الثوب التي تلي الميت صنفته التي تلي شقه الأيسر على شقه الأيمن.
. . . إلى آخره.
الصنفة: بصاد مهملة مفتوحة ثم نون مكسورة، ثم فاء مفتوحة تليها تاء التأنيث هي الطرف الذي لا هدب له من الإزار، قاله الجوهري.
وقد كرر الرافعي هذه اللفظة، وأبدلها النووي بالطرف طلبًا للإيضاح.
قوله: الثانية: المشي أمام الجنازة أفضل، وبه قال مالك، ويروى مثله عن أحمد، ويروى عنه إن كان راكبًا سار خلفها، وإن كان راجلًا فقدامها.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا ثم خالف -أعني الرافعي- في "شرح مسند الإمام الشافعي"، فجزم فيه بأن الراكب يكون خلفها، وزاد على ذلك فادعى الاتفاق عليه، وهو غلط عجيب، فإنه لا خلاف عندنا
الجزء: 3 - الصفحة: 474
أنه يكون قدامها مطلقًا.
وأما التفصيل فهو مذهب أحمد كما ذكر في الشرحين، وقد صرح أيضًا بالمسألة جماعة منهم الماوردي في "الحاوي" والإمام في "النهاية".
والذي أوقع الرافعي في هذه الدعوى الفاسدة هو الإمام أبو سليمان الخطابي، فإنه ادعى ذلك فوجده الرافعي في كتابه حالة شرحه للأحاديث، فأخذ منه غير مستحضر ما قرر هو وغيره في التصانيف الفقهية وإلا فهذا الكتاب أعني "شرح المسند" متأخر عن "الشرح الكبير".
قوله من "زوائده": قال الصيمري: لا يستحب أن يعد لنفسه كفنًا لئلا يحاسب عليه، وهذا الذي قاله صحيح إلا إذا كان من جهة يقطع بحلها، أو من أثر بعض أهل الخير من العلماء أو العباد ونحو ذلك، فإن ادخاره حسن وقد صح عن بعض الصحابة فعله.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن تصحيح ما قاله الصيمري عجيب لأن أمواله كلها يحاسب عليها، فلو ترك الذي يريد أن يوصي به لانتقل إلى الورثة، وحوسب عليه وعوقب إن كان حرامًا، ولا شئ عليهم.
نعم يصح هذا الكلام على صورة وهي السعي في تحصيله بإيهاب أو غيره إذا لم يكن له مال غيره أصلًا، فتفطن لذلك.
وقال الروياني: عندي أنه يستحب له ذلك -أي إعداد الكفن- ليعرف خلوه من الشبهة.
وهذه المسألة لها التفات إلى مسألة أخرى، وهي ما إذا أوصى بالتكفين في ثوب معين، فهل يجب تكفينه فيه؟ على وجهين حكاهما القاضي الحسين في كتاب السرقة من كتابه المسمى "أسرار الفقه" وهو كتاب صغير الحجم نحو "التنبيه"، ونقلهما عنه في "الكفاية" أيضًا.
الجزء: 3 - الصفحة: 475
قال -أعني القاضي: وهما مبنيان على ما لو قال: اقضِ ديني من هذا المال.
وفي تعيينه وجهان ينبنيان أيضًا على ما لو أوصى بقضاء دينه وبخاص أهل الوصايا.
الأمر الثاني: أن النووي قد أشار بقوله: "وقد صح عن بعض الصحابة" إلى ما رواه البخاري في "صحيحه" عن سهل بن سعد الساعدي - رضي الله عنه - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كانت عليه بردة فطلبها رجل منه فأعطاه إياها، فقال له الصحابة: ما أحسنت سألته وعلمت أنه لا يرد، فقال: أي والله ما سألته لألبسه إنما سألته ليكون كفنى.
قال سهل - رضي الله عنه -: فكانت كفنه 12.
قوله أيضًا من زوائده: إن المنصوص الذي قال به الأكثرون أنه لا يستحب القيام للميت، نص الأكثرون على كراهته، وانفرد صاحب "التتمة" باستحبابه.
انتهى.
خالف في "شرح المهذب" فقال: المختار استحبابه.
قال -رحمه الله-: القول في الصلاة.
قوله: إحداها: إذا وجدنا بعض مسلم علم بموته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم قال: وهذا في غير الشعر والظفر ونحوهما وفي هذه الأجزاء وجهان أقربهما إلى إطلاق الأكثرين أنها كغيرها.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الشرح الصغير"، وكذلك النووي في "الروضة" وخالف ذلك في "شرح المهذب" فقال: الأكثرون على أنه لا يصلى عليها.
قوله: ومتى شرعت الصلاة فلابد من غسل الموجود ومواراته بخرقة.
انتهى كلامه.
الجزء: 3 - الصفحة: 476
ذكر مثله في "الشرح الصغير"، وتابعه عليه في "الروضة" و"شرح المهذب"، ومحله في ما إذا كان الموجود من العورة فإن كان من غيره لم يجب ستره، فقد تقدم في الكلام على الكفن أن الواجب إنما هو ساتر العورة على الصحيح عند الرافعي والنووي، ولا يستقيم أن يقال: هذا الميت كامل، والميت لابد من ستره لظهور فساده، فإن الذي أوجبنا ستره من الميت إنما هو العورة، وهو مفقود، لا جرم أن الماوردي جزم بتخريج هذه المسألة على أن الواجب ساتر العورة أم التعميم، وإيجاب دفن العضو قد تقدم في فصل الشعر الواعد بذكره هاهنا.
قوله: أما إذا احتلج بعد الانفصال وتحرك ففي الصلاة عليه قولان:
أظهرهما: أنه يصلى عليه، ومنهم من قطع به.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على تصحيح طريقة القولين فقال: يصلى عليه على الأظهر، وقيل: قطعًا.
وصحح في "شرح المهذب" طريقة القطع فقال ما نصه: فيه طريقان: المذهب -وبه قطع المصنف والعراقيون: يغسل، ويصلى عليه قولًا واحدًا.
والثاني: فيه قولان، وقيل: وجهان.
قولة في أصل "الروضة": وإن كان الكافر حربيًا لم يجب تكفينه قطعًا، ولا دفنه على المذهب.
انتهى.
لم يصحح الرافعي في الدفن شيئًا بالكلية، بل حكى فيه عن صاحب "التهذيب" وجهين، وإن كلام الوجهين مشعر بعدم الوجوب، وذكر نحوه في "الشرح الصغير" أيضًا.
وسكت عن المستأمن، وكلام "المحرر" يشعر بعدم الوجوب فيه، وفي الحربي.
قوله: ولو استشهد جنب لم يجز غسله في الأصح، ولا خلاف أنه لا يصلى عليه، وإن غسلناه.
انتهى.
الجزء: 3 - الصفحة: 477
وما ادعاه من عدم الخلاف تابعه عليه في "الروضة"، واستدرك في "شرح المهذب" على ذلك فقال: قد سبق لنا وجه أن يصلى على كل شهيد فيجئ ذلك هاهنا.
قوله: فيقدم على المذهب الأخ الشقيق على الأخ للأب وقيل: قولان.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" و"شرح المهذب" وخالف في "المنهاج" فصحح طريقة القولين، ولا يرد ذلك على "المحرر" فإنه عبر بالأصح فقط.
قوله: ثم ابن الشقيق، ثم ابن الأب ثم العم للأبوين ثم للأب، ثم ابن العم كذلك ثم عم الأب ثم ابنه وهكذا.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وهو يوهم أن ابن ابن الشقيق يقدم على ابن الأخ للأب، وليس كذلك كما بينوه في الفرائض.
فإن قلت: يحمل كلامه هنا على ولد الصلب.
قلت: فيلزمه الوقوع في خطأ أفحش من الأول وهو أن العم يقدم فروع الأب.
قوله: قال الإمام: ولعل الظاهر تقديم المعتق على ذوي الأرحام.
انتهى.
وهذا الذي نقله عن الإمام بحثًا، واقتضى كلامه عدم الوقوف على نقله، وتابعه عليه النووي في "الروضة" وقد ذكره القاضي أبو الطيب، ونقله عن الأصحاب، ثم إن عصبة المعتق كالمعتق.
وقد جزم في "المحرر" و"المنهاج" بالأمرين معًا فتأمله وتفطن له.
قوله: فإن كان أحدهما رقيقًا فقيهًا، والآخر حرًا غير فقيه فقد حكى إمام الحرمين فيه وجهين للشيخ أبي محمد لتعارض المعنيين.
قال في "الوسيط": ولعل التسوية أولى.
انتهى.
الجزء: 3 - الصفحة: 478
ذكر نحوه في "الشرح الصغير" وفيه أمران، الصحيح في "زيادات الروضة" و"شرح المهذب" هنا تقديم الحر، وفي الشرح المذكور في صلاة الجماعة أنهما سواء.
قوله: ولو استووا في كل شئ، فإن رضوا بتقديم واحد فذاك، وإلا أقرع.
انتهى.
اعلم أنه لا جائز أن يرد بقوله: (كل شئ) مفهومه عند الإطلاق، بل المراد الصفات السابقة، وهي السن [والفقه] 13 والقراءة والحرية والورع.
وقد أوضحه المصنف في تصحيحه فقال: الصواب أنهما إذا استويا في السن المعتبر قدم الأفقه والأقرأ، والأورع قبل الإقراع بينهما.
ومقتضى ذلك أنه لا يقدم هنا بنظافة الثوب والبدن وحسن الوجه، وطيب الصنعة والصوت ونحوها مما سبق في كتاب الصلاة، وليس كذلك، بل تقدم هنا أيضًا كما ذكره في "شرح المهذب" فإنه قال: فإن اجتمع رجال أحرار قدم أحقهم بالإمامة في سائر الصلوات على ما سبق تفصيله في بابه، فإن استويا أقرع.
قوله: ويقف الإمام عند رأس الرجل وعجيرة المرأة لأنه -عليه الصلاة والسلام- صلى على امرأة فقام وسطها 14، والمعنى فيه محاولة سترها عن أعين الناس.
انتهى.
سكت عن الخنثى، وهو ملحق في ذلك بالمرأة كما قاله في "شرح المهذب"، والحديث المذكور رواه البخاري ومسلم.
قوله في "الروضة": ولو تقدم على الجنازة الحاضرة أو القبر لم يصح على المذهب.
انتهى.
الجزء: 3 - الصفحة: 479
لم يبين أن الخلاف وجهان أو قولان، ولا الأصح من الطريقين أو الطرق.
وحاصل كلام الرافعي أن المشهور تخريجه على القولين في تقديم المأموم [على إمامه] 15، وقيل: يصح قطعًا، وهذه الطريقة حكاها الرافعي بحثًا للإمام، فإنه قال: حكى عن الأصحاب تخريجها على الصلاة.
قال: ولا يبعد ترتيب الخلاف.
انتهى.
والذي بحثه ولم يقف عليه الرافعي -أعني الترتيب- قد جزم به في "التتمة".
قوله: ومنها التكبيرات الأربع، فلو كبر خمسًا ساهيًا لم تبطل صلاته، وإن كان عامدًا فوجهان:
أحدهما: وهو المذكور في "التتمة" و"الوسيط": أنها تبطل كما لو زاد ركعة أو ركنًا في سائر الصلوات.
وأصحها على ما ذكره في "الوجيز"، وبه قال الأكثرون: إنها لا تبطل لثبوت الزيادة عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وقد حكى عن ابن شريح أن الاختلاف المنقول في تكبيرات صلاة الجنازة من الاختلاف المباح، وأن جميعه سائغ.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن ما اقتضاه كلامه من جزم "التتمة" و"الوسيط" بالمنع فهو صحيح بالنسبة إلى "التتمة".
وأما "الوسيط" فلا، فإنه حكى وجهين فيه، وزاد على ذلك فلم يصحح شيئًا فقال: بطلت الصلاة على أحد الوجهين تشبيهًا لكل تكبيرة بركعة.
هذه عبارته.
الجزء: 3 - الصفحة: 480
وكأنه ذهل عن آخر كلامه، أو سقط من النسخة التي وقف عليها، وذكر في "البسيط" مقلد أيضًا.
الأمر الثاني: أن الفوراني، والإمام الغزالي في البسيط، وغيرهم قد عللوا الصحة بأن التكبير ذكر، وزيادة الذكر لا تضر، وهذا التعليل يقتضي أنه لا فرق بين الخامسة، وما زاد عليها، وهو مقتضى كلام الروياني في "الحلية"، فإنه عبر بقوله: ولو زاد لم تبطل خلافًا لبعض المتأخرين.
الأمر الثالث: إن هذه الحكاية عن ابن شريح قد حصل فيها غلط، فإن الماوردي قد نقله عنه فقال: اختلف الصحابة في التكبير على الجنازة فقال قوم.
يكبر أربعًا، وقوم: ثلاثًا، وقوم: خمسًا، فجمع عمر الصحابة واستشارهم فأجمعوا على الأربع.
وكان ابن شريح يعد ذلك من الاختلاف المباح وليس بعضه بأولى من بعض.
وهذا قريب من مذهب ابن مسعود أنه يكبر ما شاء.
انتهى كلام الماوردي.
وهو صريح في أن ابن شريح يجوز الاقتصار على ثلاثة أيضًا، ولم يصرح به الرافعي، بل كلامه يوهم المنع.
وقد جزم المحاملي في "اللباب" بأغرب من هذا فقال: يجوز الاقتصار على تكبيرة واحدة.
وادعى في "شرح المهذب" أن الإجماع قد انعقد على وجوب الأربع، ثم إن النووي لما توهم منع الثلاث عند ابن شريح صرح به في "الروضة" فقال: قال ابن شريح: الأحاديث الواردة في تكبيرات الجنازة أربعًا وخمسًا هي من الاختلاف المباح، والجميع سائغ.
هذه عبارته، وهي غلط من وجهين:
الجزء: 3 - الصفحة: 481
أحدهما: في التقييد بالأربع والخمس.
والثاني: في فهمه أن مراد ابن شريح بالاختلاف هو الاختلاف في الأحاديث لا في المذاهب، والأمر بالعكس كما صرح به الماوردي.
قوله: ولو كان مأمورًا فزاد إمامه على الأربع، فإن قلنا: الزيادة مبطلة للصلاة، فارقه.
انتهى.
وفي إطلاق المفارقة إجمال محلًا وحكمًا، للتوضحة، فنقول: قال الرافعي في سجود التلاوة: إذا سجد للتلاوة في سورة ص بطلت صلاته، فإن كان مأمومًا فسجد إمامه فيها لكونه يعتقدها لم يتابعه بل يفارقه أو ينتظره قائمًا.
انتهى.
وقال في أثناء سجود السهو: لا يجوز العود إلى التشهد الأول بعد انتصابه، فإن انتصب مع الإمام فعاد الإمام لم يجز للمأموم العود، بل ينوي مفارقته فيه، وهل يجوز انتظاره قائمًا حملًا على أنه عاد ناسيًا؟ وجهان: الصحيح: الجواز.
وذكر قبل ذلك بأسطر أن حكم الجاهل كحكم الناسي.
إذا تقرر ذلك فنقول: إذا زاد إمامه، وقلنا: الزيادة مبطلة، فقياس ما سبق في هذه المسائل أنه إن نسي أو جهل أو كان قرأ أو احتمل حاله ذلك فالمأموم بالخيار بين أن يفارقه أو ينتظره.
قوله في المسألة: وإن قلنا: إن الزيادة لم تبطلها لما يفارقه ولا يتابعه في الزيادة في أصح الوجهين وهل يسلم في الحال أو ينتظر سلامه فيسلم معه؟ فيه وجهان: أظهرهما الثاني.
انتهى.
فيه أمور:
أحدهما: أن تعبيره بقوله: "لم يفارقه" زيادة يتدافع معها الكلام، فإنه فرع على عدم المفارقة وجهين في أنه هل يسلم أو ينتظره، والسلام
الجزء: 3 - الصفحة: 482
مفارقة وأما المفارقة بالنية فقط فلا معنى لذكره لأن صلاته قد تكملت، فكان الصواب أن يقول: فإن قلنا: الزيادة لا تبطلها فلا يتابعه.
. . . إلى آخره، وقد ذكر في "المحرر" و"المنهاج" كما أشرنا إليه.
الأمر الثاني: أن ما ذكره هنا من حكاية الخلاف في المتابعة قولين قد ذكر مثله في "الشرح الصغير" وخالف في "المحرر" فحكاه وجهين فقال ما نصه: وأصح الوجهين أنه لو زاد خامسة لم تبطل صلاته، وأنه لو زاد الإمام لم يتابعه المأموم.
انتهى.
ووقع هذا الاختلاف أيضًا للنووي، فإنه عبر في "الروضة" بالأظهر، وفي "المنهاج" بالأصح فقال: ولو خمس إمامه لم يتابعه في الأصح.
الأمر الثالث: أن ما جزم به النووي في هذين الكتابين من الخلاف وجهين كان أو قولين قد خالفه في "شرح المهذب" فإنه حكى طريقة أخرى قاطعة بعدم المتابعة، وصححها فقال: وهل يتابعه؟
فيه طريقان: المذهب: لا يتابعه، وبه قطع كثيرون أو الأكثرون.
والثاني: فيه وجهان، وبعضهم يقول: قولان: أصحهما: لا يتابعه.
هذا لفظه.
الأمر الرابع: أن الخلاف المذكور في المتابعة ليس في التحريم، لأن التفريع على جواز الزيادة.
وحينئذ فيحتمل أن يكون في الوجوب لأجل المتابعة وهو الظاهر، ويحتمل أن يكون في الاستحباب.
الخامس: الخلاف في أنه هل يسلم في الحال أو ينتظر سلامه محله في الاستحباب كما ذكره غير واحد منهم الغزالي في "الوسيط"، ولأجل ذلك جزم في "المحرر" و"المنهاج" بأنه مخير بين الأمرين ولم يتعرضا لهذا الخلاف، وقد توهم في "الروضة" أن الخلاف في الجواز، فإنه عبر
الجزء: 3 - الصفحة: 483
بقوله: وهل يسلم في الحال أم له انتظاره ليسلم معه؟ وجهان: أصحهما الثاني.
هذه عبارته فتفطن لذلك.
وقد ذكر الرافعي في صلاة الجماعة ما يدل لما ذكرناه في هذا، وفي الذي قبله فقال: إذا اقتدى مفترض بمن يصلي على جنازة، وصححنا ذلك فلا يتابعه في التكبيرات والأذكار بينها، بل إذا كبر الإمام الثانية فيتخير بين إخراج نفسه من المتابعة وبين انتظار سلام الإمام.
قوله: والسابق إلى الفهم من قول الغزالي في "الكتاب": "والفاتحة بعد الأولى" أنه ينبغي أن يكون عقبها فتقدمه على الثانية.
ولكن القاضي الروياني وغيره حكوا عن نصه أنه لو أخر قراءتها إلى التكبيرة الثانية جاز.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" وخالف ذلك في "المحرر" فقلد الغزالي فيما ذهب إليه فقال: الركن الرابع: قراءة الفاتحة بعد الأولى.
هذا لفظه.
وأما النووي فإنه جزم في كتاب "التبيان في آداب حملة القرآن" بوجوب قراءتها في التكبيرة الأولى، ذكر ذلك في الباب السادس، وخالف ذلك في "الروضة" فتابع الرافعي على جواز تأخيرها إلى التكبيرة الثانية، ثم ذكر في "المنهاج" ما يخالفه فقال مستدركًا على الرافعي: قلت: تجزئ بعد غير الأولى، والله أعلم.
ومقتضاه أنه يجوز تأخيرها إلى الثالثة أو الرابعة وذكر في "شرح المهذب" نحوه أيضًا فقال: فإن قرأ الفاتحة بعد تكبيرة أخرى غير الأولى جاز.
وذكر فيه أن الصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يجب أن تكون عقب التكبيرة الثانية.
الجزء: 3 - الصفحة: 484
قال: ولا يجزئ الدعاء في غير الثالثة بلا خلاف، وقد استفدنا من مجموع كلامه في "شرح التهذيب" أنه يجوز أن يجمع في التكبيرة الثانية بين القراءة والصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وفي التكبيرة الثالثة بين القراءة والدعاء للميت.
وحينئذ فيكون حاصله أنه يجوز إخلاء التكبيرة الأولى عن ذكر، وترك الترتيب، والجمع بين ركنين في تكبيرة واحدة، قد توقف ابن الرفعة في الحكم المذكور آخرًا فقال: قياس ما حكيناه عن النص من جواز تأخير القراءة إلى الثانية أنه إذا فعله يتعين عليه تأخير الصلاة إلى الثالثة والدعاء إلى الرابعة إن كان الترتيب بين القراءة والصلاة والدعاء شرطًا.
هذا مجموع ما قاله.
فأما تأخير هذين الركنين فقد تقدم أن النووي حكى منعه، حتى ادعى نفي الخلاف في أن الدعاء لا يؤخر عن الثالث.
وأما توقف التعيين على وجوب الترتيب فظاهر الفساد؛ إذ لا منافاة بين اجتماع الكل في تكبيرة واحدة مع الإتيان بالترتيب، فإنه إذا أخر القراءة إلى الثانية يمكنه المحافظة على الترتيب بأن يأتي بها ثم بالصلاة.
واعلم أن ابن الرفعة قد نقل التصريح بتعين القراءة عقب الأولى عن البندنيجي والقاضي الحسين والإمام والغزالي والمتولي، وكلام الرافعي يوهم انفراد الغزالي به.
قوله: السادس: الصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعد الثانية، وفي وجوب الصلاة على الآل قولان أو وجهان كسائر الصلوات وهذه أولى بالمنع.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة"، فأما ذهابة [إلي] 16 طريقة إثبات الخلاف فقد خالفه في "شرح المهذب" فنقل عن الجمهور أنهم قطعوا بعدم الوجوب.
الجزء: 3 - الصفحة: 485
وأما التردد بين القولين والوجهين فقد سبق الكلام عليه في صفة الصلاة.
قوله: ويستحب أن يكون من دعائه في الثالثة: اللهم هذا عبدك وابن عبدك.
. . . إلى آخره.
اعلم أن قوله في أوله: هذا عبدك وقع في "الأم" و"المختصر" بخلاف هذا.
وحينئذ فيصح رفع العبد على أنه مبتدأ خبره خرج.
. . . إلى آخره.
ونصبه على إضمار إرحم ونحوه.
والتعبير بالعبد محله إذا كان ذكرًا؛ فإن كان أنثى عبر بالأمة كما ذكره من زوائده، وإن كان خنثى، فالمتجه التعبير بالمملوك ونحوه.
وقوله: (وابن عبديك) هو بالتثنية على تغليب المذكر على المؤنث.
ووقع في بعض نسخ المزني بالإفراد، ومحل هذا إذا كان له أب.
فأما ولد الزنا فالقياس أن يقول فيه: وابن أمتك.
وقوله: (روح الدنيا) هو بفتح الراء وهو نسيم الريح، ويراد به الفضاء أيضًا.
والسعة: بفتح السين: الاتساع، وإنما عطف على الروح على تقدير إرادة الفضاء لتغاير الألفاظ ويحتمل أن يراد بالروح ما يريح به الشخص نفسه من نعيمها.
وقوله: (ومحبوبها) هو بضمير المؤنث لتعود على الدنيا.
ووقع في "المحرر" بضمير الذكور أي المحبوب الذي للميت.
وقوله: (وأحبائه فيها) المشهور قراءة أحبائه بالجر أي خرج من أحبائه في الدنيا وفارقهم، وتصح قراءته بالرفع على أن تكون الواو للحال لا للعطف أي وفيها أحباؤه.
الجزء: 3 - الصفحة: 486
وقوله: (وما هو لاقيه) أي هول منكر ونكير، كذا نقله في "شرح المهذب" عن القاضي الحسين لكن بلفظ يتناول ما يلقى في القبر، وفيما بعده وذكر صاحب "التعجيز" في شرحه له أن اللذين يأتيان المؤمن في قبره مبشر وبشير 17 أي بالشين المعجمة لا منكر ونكير.
وقوله: (كان يشهد.
. . . إلى آخره) هو تمهيد وتوطئة لقبول شفاعته كما هو المعتاد.
وقوله: (نزل بك.
. . . إلى آخره) أي هو ضيفك وأنت خير من نزله ضيف وأكرمه، وضيف الكرام لا يضام.
وقوله: (ولقه) يجوز فيه كسر الهاء مع الإشباع ودونه، وسكونها وكذلك في (قه) أيضًا.
وأشار بفتنة القبر إلى الحديث: "إنكم تفتنون في قبوركم" 18 أي عند سؤال الملكين.
وقوله: (عن جنبيه) هو تثنية الجنب، وفي بعض نسخ المزني بالإفراد، ورأيت في نسخة "الأم" الموقوفة بالمدرسة الشريفية، وهي أصح نسخة بالديار المصرية بالجيم المضمومة، والثاء المثلثة المشددة وهي أحسن لدخول الجنبين والظهر والبطن.
قوله: وذكر الغزالي في "الوجيز" أنه يستحب الدعاء للمؤمنين والمؤمنات عند الدعاء للميت، وحكى في "الوسيط" فيه ترددًا، وصحح استحبابه، وهذا التردد ليس له في كتب الأصحاب.
لكن ذكر ابن القاص دعاءًا آخرًا، وعليه أكثر أهل خراسان أنه -عليه الصلاة والسلام- كان إذا صلى على الجنازة قال: "اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته
الجزء: 3 - الصفحة: 487
منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان" 19 رواه أبو هريرة.
فيجوز أن يحمل ما ذكره الغزالي على هذا الدعاء فإنه دعاء للمؤمنين والمؤمنات، والدعاء المعروف السابق ذكره قريبًا يختص بالميت، ولا يبعد أن يعد وفيه تردد، فإن قول من قال: يخلص الدعاء للميت في الثالثة، ينافي استحباب هذا الدعاء.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران.
أحدهما: أن معنى هذا الكلام جميعه، وهو كلام الغزالي، والمحمل الذي حمله عليه الرافعي قد صححه الرافعي في "الشرح الصغير" فقال: يستحب أن يدعو للمؤمنين والمؤمنات مع دعائه للميت، ويحسن أن يكون ذلك الدعاء: اللهم اغفر لحينا وميتنا.
. . . إلى آخره.
وحكى في "الوسيط" ترددًا في استحبابه أى الدعاء للمؤمنين.
انتهى.
وذكر مثله في المحرر فجزم باستحباب الجمع بينهما وزاد على ذلك فقال: يستحب تقديم الدعاء الثاني على الأول المشهور وهو "اللهم إن هذا عبدك.
. . ." إلى آخره.
وحذف النووى من "الروضة" جميع ذلك، ولم يزد على أنه روى في الباب دعاءًا آخرًا، وهو "اللهم اغفر لحينا.
. . . إلى آخره".
ولم يتعرض له أيضًا في "شرح المهذب" لعدم وقوفه عليه في "الروضة"، والذي ذكره في "المحرر" متجه، فإن الدعاء بهذا رواه
الجزء: 3 - الصفحة: 488
الأربعة، وصححه الترمذي، ثم نقل عن البخاري تصحيحه، وقال الحاكم وابن دقيق العيد في آخر "الاقتراح": إنه على شرط الشيخين، وإذا كان صحيحًا ولا معارض له فيتعين العمل به وإنما قدمه على الدعاء المشهور وهو: "اللهم إن هذا عبدك" ليضمنه الدعاء للميت أيضًا، وثبوت لفظه بخلاف ذلك، فإن الشافعي التقطه من جملة أحاديث بعضه باللفظ وبعضه بالمعنى.
الأمر الثاني: أن ما ادعاه الرافعي في آخر كلامه من أن قولهم يخلص الدعاء للميت ينافي الدعاء للمؤمنين، كلام عجيب ظاهر الفساد، فإن إخلاص الدعاء للميت" معناه إفراده بالذكر وتنصيصه عليه، وذلك حاصل سواء دعا مع ذلك لغيره أم لا.
قوله: الثاني: إذا لحق المسبوق قبل التكبيرة الثانية وكبر الإمام قبل فراغه من القراءة قطع القراءة في أصح الوجهين ثم قال: وعلى هذا فهل يقرأ بعد الثانية لأنه محل القراءة بخلاف الركوع، أم يقال: لما أدرك قراءة الإمام صار محل قراءته منحصرًا في ما قبل الثانية؟ ذكر في "الشامل" فيه احتمالين، ولعل الثاني أظهر.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما نقله عن الشامل قد تبعه عليه النووي في "الروضة" و"شرح المهذب"، وابن الرفعة في "الكفاية" وهو مردود فإن المذكور في "الشامل" ما نصه: إذا أدرك المأموم الإمام في القراءة دخل معه وقرأ، فإذا كبر الإمام الثانية كبر معه إن كان قد فرغ من القراءة.
فإن لم يفرغ فهل يقطع القراءة أو يتمها؟ ينبني على الوجهين في المسبوق إذا ركع الإمام قبل إتمام القراءة، أصحهما: أنه يتبعه ويقطع القراءة، فكذلك هاهنا إلا أن هاهنا بعد التكبيرة الثانية محل القراءة باقٍ لأنه إذا أدركه في الثانية قرأ المأموم بخلاف الركوع.
الجزء: 3 - الصفحة: 489
والذي يقتضيه ما ذكرته أن يأتي بالقراءة بعد الثانية ويمكن أن يقال: لا يأتي بها لأنه لما أدرك قراءة الإمام صار محل القراءة ما قبل الثانية في حقه، فلا يأتي بها بعد الثانية.
هذا كلامه.
وحاصله أنه لما شبه التكبيرة الثانية هنا بالركوع هناك حتى يأتي الوجهان في أنه يتم الفاتحة أو يقطعها، ويتابع الإمام لاح له بينهما فرق يقتضي ترجيح القراءة هاهنا، وهو أن الإمام بعد التكبيرة الثانية في قيام وهو محل القراءة بدليل ما [إذا] 20 أدركه المسبوق فيها، فلا يبعد أن يجب عليه إتمام القراءة بخلاف المسبوق في الصلوات الخمس إذا أدرك الإمام في الركوع فإنه لا يقرأ فيه، ثم شرع يعارض هذا الفرق فإنه لما أدرك قراءة الإمام صار محل قراءته هو ما قبل الثانية.
هذا هو المفهوم من كلام "الشامل" فتوهم الرافعي أن المراد بالقول المكرر في آخر كلامه وهو قوله: بعد الثانية، إنما هو ثانية المأموم لا الإمام، والمراد العكس.
وكيف يتصور أن يوجب في أثناء الفاتحة ركنًا بل شيئًا قائمًا مقام ركعة، ولا يكون قاطعًا للموالاة فيها.
وقد صرح الماوردي وغيره بأنا إذا أمرنا المأموم بالتكبير سقط عنه بقية الفاتحة.
الأمر الثاني: أن ما ذكره الرافعي من انحصار القراءة في ما قبل الثانية ليس كذلك، فإن هذا المسبوق وغيره من المأمومين، لو أراد تأخير القراءة إلى التكبيرة الثانية جاز كما تقدم قريبًا، فهذه الدعوى مع تلك متناقضتان.
قوله: الثالث: إذا فاته بعض التكبيرات تدارك بعد سلام الإمام، وهل يقتصر على التكبيرات نسقًا أم يأتي بالدعاء والذكر بينهما؟
الجزء: 3 - الصفحة: 490
فيه قولان: أصحهما الثاني.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وفيه أمور:
أحدها: أن هذا الخلاف جعله الرافعي في "المحرر" وجهين، والصواب المذكور هنا، وفي "الشرح الصغير" أيضًا أنهما قولان.
ولهذا عدل النووي في "المنهاج" إلى الوجهين إلا أنه لم ينبه عليه في "دقائقه".
الثاني: أن محل هذا الخلاف إذا رفعت الجنازة فإن اتفق بقاؤها لسبب فلا وجه للخلاف بل يأتي بالأذكار قطعًا، قاله المحب الطبري في "شرح التنبيه"، وهو متجه.
الثالث: ليس في كلامه ما يدل على أن القولين في الاستحباب أم في الوجوب.
وقد صرح صاحب "البيان" بأن القولين في الوجوب، ففي قول: يجب، وفي آخر: لا يجب، وجزم به في "المنهاج"، ونقله عنه في "شرح المهذب" وأقره فيه وفي "الروضة" وقال: إنه ظاهر.
قوله: ويستحب أن لا ترفع الجنازة حتى يتم المسبوقون ما عليهم، فلو رفعت لم تبطل صلاتهم، وإن حولت عن القبلة بخلاف ابتداء عقد الصلاة لا يحتمل فيه ذلك والجنازة حاضرة.
انتهى.
وما ذكره في التحويل عن القبلة ذكر مثله في "الروضة" و"شرح المهذب"، وهو يشعر بأن استقبال الميت للقبلة واجب تنزيلًا له منزلة الإمام كما نزلوه منزلته في امتناع التقديم عليه، ولا شك أن الميت كالعاجز، والعاجز في الصلاة يصلي على جنبه الأيمن، فإن عجز فمستلقيًا علي ظهره ورجلاه إلى القبلة، ولم يشترطوا في الميت شيئًا من ذلك، بل عمل الناس على خلافه.
الجزء: 3 - الصفحة: 491
قوله: ولو تخلف المقتدي فلم يكبر مع الإمام الثانية أو الثالثة حتى كبر الإمام التكبيرة المستقبلة من غير عذر بطلت صلاته كتخلفه بركعة.
انتهى.
وتقييده بقوله: (حتى كبر) ذكر مثله في "الشرح الصغير" و"الروضة" و"شرح المهذب"، وهو يشعر بأنه إذا تخلف عن الرابعة حتى سلم إمامه لا تبطل، ويتأيد بأن الذكر لا يجب فيها، فليست كالركعة بخلاف ما قبلها، وفيه احتمال.
قوله من زوائده: قلت: إذا لم يحضر إلا النساء توجه الفرض عليهن، وإذا حضرن مع الرجال لم يتوجه الفرض عليهن، فلو لم يحضر إلا رجل ونساء، وقلنا: لا يسقط إلا بثلاثة، توجه التيمم عليهن.
والظاهر أن الخنثى في هذا الفصل كالمرأة.
انتهى كلامه.
وما ذكره في آخر كلامه بحثًا قد جزم به القاضي أبو الفتوح في كتابه المعقود للخناثى فقال: فرع: إذا صلى الخناثى لم يسقط فرض الصلاة عن الرجال كما ذكرنا في حق النساء.
هذه عبارته.
ثم قال: فإذا بان الخنثى رجلًا فهل يعتد به؟ فيه وجهان.
وذكره المسألة أيضًا صاحب "البيان" هكذا، وجزم به النووي هاهنا، وفي باب الأحداث من "شرح المهذب"، وقد بسطت المسألة في "الإيضاح".
قوله: بخلاف من صلى مرة لا يستحب له إعادتها، فإن المعاد يكون تطوعًا، وهذه الصلاة لا يتطوع بها.
انتهى.
ومعنى عدم التطوع بها أنه لا يجوز الابتداء بمثلها من غير جنازة بخلاف الظهر ونحوها.
إذا تقرر ذلك فهذا التعليل ينتقض بالنسوة والصبيان، فإن صلاتهم تقع نفلًا، سواء وقعت مع صلاة الرجال أم بعدها، لأن الفرض لا يتوجه
الجزء: 3 - الصفحة: 492
عليهم مع وجود الرجال، فإن قيل: المراد أنها لا تقع تطوعًا من الذكور البالغين.
قلنا: فيلزم استحباب الإعادة في حق غيرهم.
وحينئذ فلا يستقيم الإطلاق المتقدم.
قوله: فإن كان قد صلى منفردًا، وأراد إعادتها في جماعة لم يستحب أيضًا في أظهر الوجهين.
انتهى.
تابعه عليه في "الروضة" وفيه أمران:
أحدهما: أن التعبير المذكور فيه قصور عن الحكم، فإن الحكم أن الإعادة خلاف الأولى، ولا يلزم من نفي الاستحباب أولوية الترك لجواز التساوي، ولهذا عبر في "شرح المهذب" بقوله: أصحها: لا يستحب له الإعادة، بل يستحب تركها.
هذا لفظه.
الثاني: أن هذين الوجهين جاريان في من صلى أولًا منفردًا، ومن صلى في جماعة على خلاف ما يدل عليه كلامه هنا.
وقد صرح به في "شرح المهذب" على الصواب، وحكى وجهًا آخرًا أنه يستحب الإعادة لمن صلى منفردًا دون من صلى جماعة، ووجهًا أنها مكروهة مطلقًا، وفي "الحاوي" أن الإعادة لا تجوز.
قوله: ولك أن تعلم قول الكتاب فلا يفوت بالدفن بالواو لأن أبا عبد الله الحناطي حكى عن أبي إسحاق المروزي أن فرض الصلاة لا يسقط بالصلاة على القبر، وإنما يصلي علي القبر من لم يدرك الصلاة.
انتهى.
وقوله: (وإنما.
. . . إلى آخره) قد استفدنا منه وجهان أن الصلاة على القبر لا تشرع بالكلية لمن أدرك الصلاة، وقد حذفه من "الروضة" لغلط وقع في كثير من نسخ الرافعي.
قوله: وإلى متى تجوز الصلاة على القبر؟ فيه وجوه:
الجزء: 3 - الصفحة: 493
أحدها: إلى ثلاثة أيام.
والثاني: إلى شهر لأنه -عليه الصلاة والسلام- صلى على البراء بن معرور بعد شهر.
والثالث: ما بقي منه شئ في القبر.
والرابع: وهو الأظهر: أنه يصلي عليه من كان من أهل فرض الصلاة يوم الموت، ولا يصلي عليه غيره.
ومنهم من يعبر عن هذا الوجه بكونه من أهل الصلاة أم لا، ولا يقيده بالفرض، والعبارة الأولى أشهر، والثانية أصح عند الروياني.
والخامس: يصلي عليه أبدًا.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور:
أحدها: أن الاستدلال بقصة البراء على العكس من الدعوى، لأن الدعوى هو الجواز في مدة الشهر فقط، ثم استدل بالفعل بعده.
الثاني: أن الرافعي في "الشرح الصغير" قد رجح العبارة المنقولة هنا عن الروياني، وهي كونه من أهل الصلاة والغريب أنه عبر فيه بالأظهر كما عبر في "الكبير" فقال: والرابع أنه من كان أهلًا للصلاة عليه يوم موته فيصلي على القبر، ومن لا لم يصل، وأهلية الصلاة بالتمييز، فلا أهلية للمجنون والصبي الذي لا يميز، وهذا أظهر الوجوه.
هذا لفظه.
وصحح في "المحرر" كما في "الكبير" وصححه أيضًا النووي في كتبه، ونقله في "شرح المهذب" عن الجمهور، فليكن هو المعنى به.
الأمر الثالث: أن المراد بيوم الموت هو وقت الموت، فإنه هكذا صرح به في "المحرر" و"المنهاج".
الأمر الرابع: أن اعتبار الموت يقتضي أنه لو بلغ أو أفاق بعد الموت، وقبل الغسل، لم يعتبر ذلك، والصواب خلافه، لأنه لو لم يكن هناك
الجزء: 3 - الصفحة: 494
غيره لكان يلزمه الصلاة بالاتفاق، وكذا لو كان هناك غيره فترك الجميع فإنهم يأثمون.
بل لو زال المانع بعد الغسل أو بعد الصلاة، وأدرك زمنًا يمكن فيه فعل الصلاة لكان كذلك أيضًا.
الخامس: أن هذا النقل المذكور عن الروياني غلط، فإن اختياره الجواز ما لم يبل الميت، كذا ذكره في "الحلية"، وفي "البحر" مع كونه نقل فيه أن الأشهر اعتبار أهلية الفرض فقال في "الحلية": والاختيار من الأقوال أنه تجوز الصلاة على قبره إلى أن يصير ترابًا.
هذا لفظه.
ولم يذكر فيها غير ذلك.
وقال في "البحر": ومن أصحابنا من قال: يجوز حتى يعلم أنه بلى في قبره، فلا يجوز حينئذ لأنه ذهبت حرمته، وهذا أصح عندى.
ومن أصحابنا من قال: يجوز أبدًا لأن القصد الدعاء حتى يجوز اليوم أن يصلي على قبر آدم -عليه السلام-، وعلى قبر جميع الأنبياء -صلى الله عليهم-.
ومن أصحابنا من قال -وهو الأظهر، واختيار الشيخ أبي زيد المروزى- يصلي عليه من كان فرض الصلاة عليه يوم مات.
هذا لفظه.
وكأن الرافعي وقف على آخر الكلام، وذهل عن أوله فنسب إليه ما نسب.
ومعرور السابق ذكره بعين وراءين مهملات، يقال: عره بشر أي لطخه به فهو معرور، وفيه قوله تعالى: ﴿فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ 21.
قوله في أصل "الروضة": وهذا كله في قبر غير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أما قبره الكريم فلا تجوز الصلاة عليه على الأوجه الأربعة قطعًا، ولا على الخامس على الصحيح.
الجزء: 3 - الصفحة: 495
وقيل: تجوز فرادى.
انتهى كلامه.
وما ذكره من الامتناع قطعًا مردود، فإن في جواز الصلاة لمن كان من أهل الفرض يوم موته -عليه الصلاة والسلام- وجهين حكاهما البندنيجي في "الذخيرة" مع أن أحد الأوجه الأربعة، بل أصحها هو الجواز لمن كان من أهل الفرض.
نعم الامتناع قطعًا إنما محله في هذا الزمان، وقد ذكره الرافعي كذلك.
واعلم أن البندنيجي في الكتاب المذكور عبر "بأهل العصر" ثم قال: والمراد بهم أهل الفرض، فافهمه.
قوله: لأنه يشترط فيها تقدم غسل الميت حتى لو مات في بئر أو في معدن انهدما عليه، وتعذر إخراجه وغسله لم يصل عليه، ذكره صاحب "التتمة".
انتهى كلامه.
ذكر في الروضة مثله، وفيه أمور:
أحدها: أن كلامه يشعر بعدم اشتراط التكفين في صحة الصلاة، والأمر كذلك؛ وقد جزم به في "الروضة" و"المنهاج" من زياداته فيهما، قال: لكن يكره.
الأمر الثاني: أن الفرق بين التكفين والغسل مشكل لا دليل عليه، لأن كلًا منهما واجب، لم ينقل عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ولا عن الصحابة فعل الصلاة إلا بعدهما، فلم جوزناها قبل أحدهما، ومنعناها قبل الآخر؟ .
فإن كان المعنى في اشتراط الغسل هو وجوبه أو عدم نقل الصلاة عنه -عليه السلام- بدونه، أو أن الصلاة على الميت كصلاة الميت نفسه حتى يتوقف على الطهارة، فالتكفين كذلك.
الأمر الثالث: سلمنا أن غسله شرط، لكن إذا تعذر فلم لا يصلى عليه كسائر شروط الصلاة، فإنها إنما تكون شرطًا حال القدرة، وإذا عجز عنها سقط الأمر بها، وبقى الأمر بالصلاة.
الجزء: 3 - الصفحة: 496
قال -رحمه الله-:
القول في الدفن
قوله: فلو بادر بعض الورثة ودفنه في ما خلفه من غير رضى الباقين كان لهم نقله إلى المقبرة، والأولى أن لا يفعلوا لما فيه من الهتك.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على أنه خلاف الأولى، وجزم به في "شرح المهذب" بأنه مكروه، ونقله عن الأصحاب.
قوله: ولو أراد بعضهم دفنه في ملك نفسه لم يلزم الباقين قبوله، فلو بادر إليه قال ابن الصباغ: لم يذكره الأصحاب.
وعندي أنه لا ينقل، فإنه هتك، وليس في إبقائه إبطال حق الغير.
انتهى.
قد ذكر صاحب "التتمة" المسألة وجزم بما قاله صاحب "الشامل" ونقله عنه النووي في "زيادات الروضة" ونقله أيضًا في "البحر" عن بعض المتأخرين، ولم يخالفه.
قوله: وأقل واجب الدفن حفرة تكتم رائحة الميت وتحرسه عن السباع.
انتهى كلامه.
وتعبيره بالحفرة للاحتراز عما إذا وضع الميت على وجه الأرض، وجعل عليه أحجارًا كثيرة ونحوها كاتمة للرائحة حارسة عن السباع.
فإن الراجح على ما دل عليه كلام "الروضة" في آخر باب السرقة أنه لا يكفي إذا لم يتعذر الحفر، فإنه قال: وفي "فتاوى البغوي": لو وضع ميتًا على وجه الأرض ونُضّدت الحجارة عليه كان ذلك كالدفن حتى يجب القطع بسرقة الكفن لاسيما إذا كان لا يمكنهم الحفر.
قلت: ينبغي أن لا يقطع إلا أن يتعذر الحفر لأنه ليس بدفن، والله أعلم.
هذا كلام "الروضة".
الجزء: 3 - الصفحة: 497
قوله: والشق أن يحفر وسط القبر كالنهر أو يبني جانباه باللبن أو غيره، ويجعل بينهما شق يوضع فيه الميت ويسقف.
انتهى.
وحاصله أن للشق صورتين، وتوهم النووي في "الروضة" أنهما صورة واحدة، فأسقط الهمزة وأتى بالواو خاصة فلزمه مع ذلك عي في الكلام، وقد ذكر في "الكفاية" هاتين الصورتين، ونقلهما عن الرافعي.
وقد اغتر في "شرح المهذب" بما في "الروضة" فأثبتهما صورة واحدة بعبارة لا تحتمل الغلط.
قوله: وأولاهم بالدفن أولاهم بالصلاة إلا في المرأة، فإن الزوج أولى، ثم قال: وقدم صاحب "العدة" نساء القرابة على الرجال الأجانب.
انتهى.
تابعه عليه في "الروضة" وفيه أمران:
أحدهما: أنه يقتضي أن الأقرب والأسن يقدمان على الأفقه في الدفن لأنهما مقدمان في الصلاة وليس كذلك.
فأما المسألة الأولى وهي الأقرب مع الأفقه فقد نص الشافعي -رضي الله عنه- على عكسه فقال ما نصه: وأحب إلىّ أن يدخله قبره أفقههم ثم أقربهم به رحمًا.
كذا رأيته في "الأم" بعد أبواب القرعة بين العبيد إذا أعتقوا في باب من يدخل قبر الرجل، وهذا النص نقله أيضًا صاحب "البيان" في كتاب السؤال عما في المذهب من الإشكال ثم نقل عن الأصحاب كافة الجزم بتقديم الأفقه على الأقرب كما هو مقتضى النص، ولم يصرح في "شرح المهذب" بهذه المسألة، وإنما نقل اتفاق الأصحاب على تقديم البعيد الفقيه على الأقرب الذي ليس بفقيه، ولم يتعرض للأفقه.
وأما المسألة الثانية وهي الأفقه مع الأسن فقد صرح بها في "شرح المهذب"، ونقل عن نص الشافعي واتفاق الأصحاب تقديم الأفقه على
الجزء: 3 - الصفحة: 498
الأسن، والفرق بينه وبين الصلاة أن المقصود من الصلاة هو الدعاء.
قال صاحب "الحاوي" وغيره: المراد بالأفقه هنا أعلمهم بإدخال الميت في القبر لا أعلمهم بأحكام الشرع.
الأمر الثاني: أن النووي مع حكاية الخلاف في "الروضة" قد ادعى في "تصحيح التنبيه" أن الرجال أولى بدفن المرأة من النساء بلا خلاف.
واعلم أنه ليس المراد "بالعدة" هنا عدة الطبري، وإن كانت هي المشهورة، فقد رأيت فيها الجزم بالمعروف والمراد "بالعدة" عدة أبي المكارم الروياني ابن أخت صاحب "البحر"، وقد بسطت حال هذا الاصطلاح في الكلام على الأسماء.
واعلم أن ما ذكره الرافعي خاص بالرجل، أم المرأة فليس الأولى بإدخالها القبر من يصلي عليها، بل فيه ترتيب آخر.
قوله: فإن لم [يكن] 22 أحد من المحارم فعبيدها وهم أولى من بنى العم لأنهم كالمحارم في جواز النظر ونحوه على الصحيح.
انتهى كلامه.
تابعه عليه في "الروضة" وهو مشكل حكمًا وتعليلًا فقد قدم أن الصحيح أن الأمة لا تغسل سيدها، وعلله بانقطاع الملك بالموت وانتقاله إلى "الورثة"، وذلك؛ بعينه موجود هاهنا، فالذي قالوه إنما يأتي على وجه ضعيف، وهو تجويز النظر والغسل والخلوة استصحابًا لما كان، وهذا الانتقاد قد استفدناه من كلام الإمام.
قوله: ولو ماتت ذمية في بطنها جنين مسلم ميت جعل ظهرها إلى القبلة ليتوجه الجنين إلى القبلة لأن وجه الجنين على ما ذكر إلى ظهر الأم.
ثم قيل: تدفن هذه المرأة بين مقابر المسلمين والكفار، وقيل: في مقابر المسلمين، فتنزل منزلة صندوق الولد.
الجزء: 3 - الصفحة: 499
وقيل: في مقابر الكفار.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور:
أحدها: أن التعبير بالذمية تعبير ناقص موهم، فإن الحربية والمرتدة كذلك بلا شك.
فالصواب حينئذ التعبير بالكافرة.
الأمر الثاني: أنه لم يبين صورة المسألة فهل محل ذلك إذا نفخ فيه الروح، فإن لم ينفخ دفنت في مقابرهم جزمًا، أو محله إذا لم ينفخ، فإن نفخت فلا يدفن في مقابرهم جزمًا أم لا فرق بين الصورتين؟ وتعبير الرافعي و"الروضة" بالميت يشعر بالأول.
وقد تلخص من كلام الإمام وغيره أن وقت التخلق هو وقت نفخ الروح، ونقل -أعنى الإمام- عن الأصحاب أن من لم يتخطط لا يجب تكفينه، ولا دفنه.
ولكن الأولى أن يوارى بخرقة، ثم ذكر النصوص المعروفة في أمية الولد، وانقضاء العدة ووجوب العدة.
قال: ويبعد عندي أن تثبت أمية الولد ولا يوجب كفنه ودفنه، وإذا تأملت ما نقله علمت أن صورة المسألة ما أشعر به كلام الرافعي، وهو ما إذا نفخ فيه الروح، ويعبر عنه بالتخلق.
الأمر الثالث: أن الصحيح هو الأول فقد قال في "شرح المهذب": إنه الصحيح المشهور، وفي "زيادات الروضة": إنه الصحيح الذي قطع به الأكثرون.
قال: ونقله صاحب "الحاوي" عن أصحابنا، ثم قال: أعني -صاحب "الحاوي": وكذلك إذا اختلط موتى المسلمين بموتى المشركين.
قوله: وأما الإضجاع على اليمين فليس بواجب، بل لو وضع على
الجزء: 3 - الصفحة: 500
الجنب الأيسر مستقبلًا كره، ولم ينبش لذلك، ذكره في "التتمة".
انتهى كلامه.
جزم في "الشرح الصغير" و"الروضة" بما قال في "التتمة" وفي الحكم بعدم وجوب ذلك وقفة ظاهرة لأنه الوارد من فعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والصحابة من بعده وسائر المسلمين خلفًا عن سلف.
وفي "النهاية" ما يخالف "التتمة" فإنه قال: ثم يكون الميت في قبره على جنبه الأيمن في قبالة القبلة وذلك حتم.
هذا لفظه.
والصواب موافقته، وجزم في "شرح المهذب" أيضًا بمقالة المتولي من غير إعزائها إليه، وزاد على ذلك فنقل الاتفاق على استحبابه، وكأنه نقل ذلك من "الروضة" على عادته، ولم يتفطن إلى أن الجزم الذي فيها إنما هو من تصرفه.
قوله: ويجعل تحت رأسه لبنة أو حجرًا، ويقضي بحده إليه، فذلك أبلغ في الاستكانة، ولا يوضع تحت رأسه مخدة، ولا يفرش تحته فراش؛ لأن فيه تضييعًا للمال.
وحكى العراقيون كراهة ذلك عن نص الشافعي، وقال في "التهذيب": لا بأس به؛ إذ روى عن ابن عباس أنه جعل على قبر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قطيفة حمراء 23. انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن الاستكانة هي الخضوع قاله الجوهري.
الثاني: أن ما اقتضاه كلامه من مخالفة البغوي فيهما قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" وليس كذلك، بل إنما خالف في الفراش خاصة، فإنه قال: ويجعل تحت رأسه لبنة، ولا بأس أن يبسط تحت جنبه شئ.
هذه
الجزء: 3 - الصفحة: 501
عبارته.
الثالث: أن تعبيره بجعل هو بضم الجيم على البناء للمفعول فإن ابن عباس راو لا جاعل، والجاعل إنما هو شقران مولى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى لا يستعملها أحد بعده، كذا رواه مسلم في "صحيحه".
وشقران: بشين معجمة مضمومة، وقاف ساكنة.
الرابع: أن التعليل بالتصنيع يقتضي التحريم، ففي الصحيح "نهى عن إضاعة المال" وسيأتي التعرض لمثل هذا في مواضع منها في آخر النفقات.
فإن قيل: سكوت الصحابة على ذلك إجماع منهم على جوازه.
فالجواب: إن في الجزء الأول من الصحيح تخريج الدارقطني عن وكيع أن ذلك خاص برسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وأيضًا فقد نقل في "شرح المهذب" أن الصحابة لم يعلموا بما فعله شقران.
قوله: ويكره تجصيص القبر والكتابة والبناء عليه، ولو بنى عليه هدم إن كانت المقبرة مسبلة، فإن كان القبر في ملكه فلا.
انتهى كلامه.
وحاصله أن البناء على القبر مكروه مطلقًا سواء كان في مقبرة مسبلة أم لا.
وأما الهدم فيفصل فيه بين المسبلة وغيرها، إذا علمت ذلك ففيه أمران:
أحدهما: أن النووي قد تابعه في "الروضة" على كراهة البناء في المقابر المسبلة، وذكر في "المنهاج" من زياداته مثله أيضًا، وخالف ذلك في "شرح المهذب" فجزم بالتحريم فقال: ولا فرق في البناء بين أن يبني قبة أو بيتًا أو غيرهما، ثم ينظر فإن كانت مقبرة مسبلة حرم عليه ذلك.
قال أصحابنا: ويهدم البناء بلا خلاف.
قال الشافعي في "الأم": ورأيت من الولاة من يهدم ما يبنى فيها،
الجزء: 3 - الصفحة: 502
ولم أر الفقهاء يعيبون عليه في ذلك، ولأن في ذلك تضييقًا على الناس.
انتهى كلامه.
وذكر في "شرح مسلم" قبل كتاب الزكاة بنحو ثلاثة أوراق نحوه أيضًا، وجزم به أيضًا في "الفتاوى"، وهو اختلاف عجيب جدًا ولا يمكن حمل الكراهة على التحريم لأنه مع كونه خلاف اصطلاحهم يؤدي إلى تحريم التجصيص والكتابة والبناء في غير المسبلة، ولا قائل به فتعين كونه مكروهًا كراهة تنزيه، ومع ذلك يهدم، ونظير ما قاله في "الروضة" في آخر شروط الصلاة: إن غرس الشجرة في المسجد مكروه، قال: فإن غرست قطعت.
وما اقتضاه كلام النووي من نقل الاتفاق على تحريمه فمردود، فقد صرح جماعة بالكراهة، ونقل ابن الرفعة أن البندنيجي نقله عن الأصحاب.
ثم قال: وكلام غيره يقتضي أنه لا يجوز لأنهم عللوا المنع بأن فيه تضييقًا على الناس، وقالوا: لو بنى عليه هدم.
الأمر الثاني: أن المراد بالمقبرة المسبلة هو المقبرة التي جرت عادة أهل تلك البلد بالدفن فيها، وليس المراد المقبرة الموقوفة، فإن الموقوفة يحرم البناء فيها قطعًا، وقد جزم الرافعي فيه بالكراهة كما تقدم، وتبعه عليه في "الروضة" فدل على ما قلناه، وهذا هو مقتضى كلام ابن الرفعة المتقدم.
وإنما يهدم البناء فيها على القول بكراهته أيضًا لأن الموت معلوم عمومه، فيؤدي البناء إلى التضييق أو إلى البعد في الدفن، فيحصل بسببه تغير في الميت، ومشقة على الناس.
قوله: عثمان بن مظعون.
بالظاء المعجمة المشالة.
الجزء: 3 - الصفحة: 503
قوله: وتسطيح القبر أفضل من تسنيمه لما رواه القاسم بن محمد: قلت لعمتي عائشة: اكشفي [لي] 24 عن قبر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء 25.
وقال ابن أبي هريرة: الأفضل الآن العدول من التسطيح إلى التسنيم، لأن التسطيح صار شعار الروافض.
قال: ومثله ما حكي أن الجهر بالتسمية إذا صار في موضع شعارًا لهم، فالمستحب الإسرار بها مخالفة لهم.
انتهى.
وما نقله الرافعي عنه في التسمية لم يذكره في "الروضة".
والمشرف: هو العالي علوًا كبيرًا.
واللاطئ: بالهمز هو اللاصق بالأرض يقول: لطئ بفتح الطاء وكسرها.
قوله: قال الأصحاب: والانصراف عن الجنازة أربع درجات:
إحداها: أن ينصرف عقب الصلاة فله من الأجر قيراط.
الثاني: أن يتبعها حتى توارى ويرجع قبل إهالة التراب.
الثالث: أن يقف إلى الفراغ من القبر، وينصرف من غير دعاء.
الرابع: يقف بعده عند القبر، ويستغفر الله تعالى للميت، وهذا أقصى الدرجات في الفضيلة، وحيازة القيراط الثاني تحصل لصاحب القسم الثالث.
الجزء: 3 - الصفحة: 504
وهل تحصل للثاني؟ حكى الإمام فيه ترددًا، واختار الحصول.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن هذا التردد وجهان للأصحاب حكاهما الماوردي.
وقال السرخسي في "الأمالي": فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: بالوضع في اللحد.
والثاني: بنصب اللبن عليه.
والثالث: بالفراغ من الدفن.
الأمر الثاني: أن الأصح أنه لا تحصل إلا بالفراغ فقد قال الماوردي: إنه الأصح.
والنووي في "زيادات الروضة": إنه المختار.
وفي "شرح المهذب": إنه الصحيح.
قال: [ويحتج] 26 له برواية الصحيحين: "ومن تبعها حتى يفرغ من دفنها" 27.
ويحتج الآخر برواية في "مسلم" 28 أيضًا: "حتى توضع في اللحد".
الأمر الثالث: أن تقييد القسم الثاني بما إذا كان الرجوع قبل إهالة التراب ليس مطابقًا لكلام الإمام، فإنه يشعر بأنه إذا كان بعده، وقبل تمام الدفن لا يكون الحكم كذلك حتى يحصل جزمًا، وليس كذلك، بل هما سواء، وقد صرح الإمام بذلك فقال: وإن نضد اللبن، ولم يهل التراب بعد أو لم يستكمل بعد، تردد فيه بعض أئمتنا.
هذا لفظه.
الجزء: 3 - الصفحة: 505
قوله: المستحب في حال الاختيار أن يدفن كل ميت في قبر.
انتهى.
تابعه عليه في "الروضة"، وما ذكر من كونه مستحبًا لا واجبًا، محله إذا كان دفنهم في وقت واحد.
فأما إذا دفن واحد ثم أريد نبشه لدفن غيره فهذا حرام، وقد صرح بالتحريم في "شرح المهذب" فقال: لا يجوز أن يدفن ميت في موضع ميت حتى يبلى الأول، صرح به أصحابنا.
وأما قول الرافعي: المستحب في حال الاختيار أن يدفن كل إنسان في قبر فمتأول على موافقة الأصحاب.
هذا كلامه.
والتأويل الذي أشار إليه هو ما ذكرناه من دفنهم في وقت واحد، وقد ذكرها في الشرح المذكور بعد ذلك، وحكى فيها وجهين، واقتضى كلامه تصحيح الجواز.
قوله: ولا يجمع بين الرجال والنساء في القبر إلا عند شدة الحاجة.
انتهى.
تابعه عليه في "الروضة"، ولم يبينا أن ذلك على سبيل التحريم أو الكراهة.
وقد بينه في "شرح المهذب" فقال: إنه حرام، قال: حتى في الأم مع ولدها.
وذكر صاحب "التعجيز" في شرحه له أنه إذا كان بينهما زوجته أو محرمته فلا منع كحال الحياة، ونقله عن ابن الصباغ وغيره، والذي ذكره متجه.
بل في "حلية الروياني" ما حاصله الجواز مطلقًا.
قوله: وهل يجعل حاجز التراب بين الرجلين المدفونين في القبر، وكذا بين المرأتين؟
الجزء: 3 - الصفحة: 506
قال العراقيون: لا يختص، بل يعم الجميع.
وأشار جماعة إلى الاختصاص.
انتهى.
والصحيح كما قاله في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة" هو قول العراقيين.
قال: ونص عليه الشافعي في "الأم".
قوله في أصل "الروضة": القبر يحترم توقيرًا للميت فيكره الجلوس عليه والإتكاء ووطؤه إلا لحاجة كوصوله إلى قبر ميته.
قلت: وكذا يكره الاستناد إليه، قاله أصحابنا، والله أعلم.
انتهى كلامه "الروضة".
وما ذكره من كراهة هذه الأمور قد جزم به أيضًا في "شرح المهذب" في آخر باب الدفن، ثم أعادها في باب التعزية من الشرح المذكور، وجزم بكراهة الاستناد والاتكاء.
ثم قال: وكره الشافعي والجمهور الجلوس عليه ودوسه، وقال الشيخ في "المهذب"، والمحاملي في "المقنع": لا يجوز.
إذا علمت ذلك فقد قال في "شرح مسلم" في أواخر كتاب الجنائز قبيل كتاب الزكاة بثلاث أوراق ما نصه: قال أصحابنا: تجصيص القبر مكروه، والقعود عليه حرام، وكذلك الاستناد إليه والاتكاء عليه.
هذا لفظه، وهو اختلاف عجيب، ولا يخفى أن الفتوى على المذكور في "الروضة"، وذكر الصيمري في "شرح الكفاية" [مثل] 29 ما في "المقنع" و"المهذب" فقال: ولا يحل لأحد أن يمشي على قبر، ولا ينبغي أن يستند إليه.
هذه عبارته.
قوله: الثانية: تستحب زيارة القبور للرجال، وأما النساء فهل تكره
الجزء: 3 - الصفحة: 507
لهن؟ فيه وجهان:
أحدهما: ولم يذكر الأكثرون سواه: نعم.
والثاني: وهو الأصح عن الرويانى: لا تكره إذا أمنت الفتنة.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن إطلاق الكراهة للنساء قد تابعه عليه في "الروضة"، وليس كذلك، بل يستثنى منه قبر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فإن زيارته مستحبة لهن بلا نزاع كما اقتضاه كلامهم في كتاب الحج حيث قالوا: يستحب لكل من حج أن يزور قبره -عليه الصلاة والسلام-.
وصرح باستثنائه هاهنا بعض المتأخرين ممن تكلم على التنبيه وهو الدمنهوري الكثير الاعتراض على التنبيه، وأضاف إليه قبور الأولياء والصالحين والشهداء.
الأمر الثاني: أن الوجه الذي صححه الروياني وهو القائل بعدم الكراهة قد فهم النووي منه أن المراد به الإباحة، فصرح به في "المنهاج" من زوائده، وليس كذلك، فإني قد راجعت كلام الروياني في "البحر" فوجدت حاصله أن حكمهن على هذا الوجه حكم الرجال في الاستحباب، فإنه قال: تستحب زيارة القبور للرجال، ثم تكلم على كراهة ذلك للنساء فقال: وقيل: كانت الكراهة قبل أن يرخص النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في زيارة القبور، فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء، وهذا أصح عندي إذا أمنت الافتتان.
هذه عبارته.
وحاصلها ما ذكرناه لا ما فهمه عنه النووي، ثم فحصت عن ذلك أيضًا فلم أرَ أحدًا قال بالإباحة.
ونقل أيضًا في "زوائد المنهاج" وجهًا لم يذكره في "الروضة" أنه حرام عليهن، وقد ذكره في "شرح المهذب" أيضًا، ونقل عن الشاشي
الجزء: 3 - الصفحة: 508
تفصيلًا استحسنه فقال: إن كانت زيارتهن للبكاء وتجديد الحزن ونحوهما مما جرت به عادتهم حرم؛ فإن كانت للاعتبار كره للشابة دون العجوز، لكن الأحب لهما أيضًا حسم المادة.
الثالث: سكت المصنف على الخنثى، والظاهر أنه في ذلك كالمرأة.
قوله: ولا يجوز نبش القبر إلا في مواضع منها كذا.
. . . إلى آخره.
أهمل التصريح هنا بمسائل:
إحداها -ذكرها في الطلاق: وهي ما إذا قال: إن ولدت ذكرًا فأنت طالق طلقة، وإن ولدت أنثى فطلقتين، فولدت ميتًا لم يعلم حاله ودفن ففي نبشه احتمالان حكاهما الرافعي عن الروياني، وصحح النووي من زياداته نبشه.
والثانية: إذا لحق الأرض المدفون فيها سيل ونداوه فالأصح في "شرح المهذب" أنه يجوز النقل وذكر مثله في "زيادات الروضة" فقال: قال الماوردي في "الأحكام السلطانية": إذا لحق الأرض سيل أو نداوة فقد جوز الزبيري نقله منها، وأباه غيره.
وقول الزبيري أصح.
هذا كلام "الروضة".
فقوله: (إن قول الزبيري أصح) ليس من كلام الماوردي، بل هو من كلام النووي، فإن المسألة مذكورة في آخر "الأحكام السلطانية" بدون هذا التصحيح.
وقد أحسن في "شرح المهذب" حيث صرح بأن التصحيح له.
الثالثة: ذكرها الغزالي في كتاب الشهادات: وهي إذا شهد عليه بشهادة في حياته وكان يعرفه بصورته لا بالنسب، جاز نبشه إذا عظمت الواقعة واشتدت الحاجة، ولم يتغير الميت.
قوله: منها لو وقع في القبر خاتم أو غيره نبش ورد.
انتهى.
الجزء: 3 - الصفحة: 509
ومقتضاه أنه لا فرق بين أن يطلبه صاحبه أم لا، وهو مقتضى إطلاق الأصحاب كما قاله في "شرح المهذب"، قال: وقيده في "المهذب" بحالة الطلب ولم يوافقه الأصحاب على التقييد.
قلت: ووافقه عليه ابن عصرون.
قوله: ولو ابتلع في حياته مالًا ثم مات، وطلب صاحبه الرد شق جوفه ورد.
قال في "العدة": إلا أن يضمن الورثة مثله أو قيمته فلا يخرج، ولا يرد في أصح الوجهين.
انتهى كلامه.
وهذا الذي نقله عن صاحب "العدة" وسكت عليه قد ذكر مثله في "الروضة" ولم يبينا أنه استدراك معمول به، أو مقالة مرجوحة.
والمراد هو الثاني وقد أوضحه في "شرح المهذب" فقال: وهذا النقل غريب، والمشهور للأصحاب إطلاق الشق من غير تفصيل.
هذا كلامه.
قوله: ولو ابتلع مال نفسه ومات، فهل يخرج؟ فيه وجهان:
قال الجرجاني في "الشافي": الأصح أنه يخرج.
انتهى.
وهذا الذي صححه الجرجاني صححه أيضًا العبدري في "الكفاية"، لكن المشهور خلافه، فقد جزم به المحاملي في "المقنع"، وصححه الشيخ أبو حامد والماوردي والقاضي أبو الطيب في "المحرر"، والنووي في "زيادات الروضة"، وهو مفهوم كلام صاحب "التتمة".
قوله: فرع:
لو مات إنسان في السفينة، فإن كان بقرب الساحل أو بقرب جزيرة انتظروا ليدفنوه في البر، وإلا شدوه بين لوحين كيلا ينتضح وألقوه في البحر ليلقيه البحر إلى الساحل لعله يقع إلى قوم يدفنونه.
فإن كان أهل الساحل كفارًا ثقل بشئ ليرسب.
انتهى.
الجزء: 3 - الصفحة: 510
فيه أمران:
أحدهما: أن ما قاله الرافعي في ما إذا كان أهل الساحل كفارًا خلاف مذهب الشافعي، وقد أوضحه النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة" فقال: العجب من الإمام الرافعي مع جلالته كيف حكى هذه المسألة على هذا الوجه، وكأنه قلد فيه صاحبى "المهذب" و"المستظهري"، وهو خلاف نص الشافعي، وإنما هو مذهب المزني لأن الشافعي قال: يلقى بين لوحين ليقذفه البحر.
قال المزني: هذا الذي قاله الشافعي محله إذا كان أهل الساحل مسلمين، فإن كانوا كفارًا ثقل بشئ ليرسب إلى القرار.
قال أصحابنا: الذي قاله الشافعي أولى لأنه يحتمل أن يجده مسلم فيدفنه إلى القبلة.
وعلى قول المزني يتيقن ترك الدفن، وذكر الشيخ أبو حامد وصاحب "الشامل" وغيرهما أن المزني ذكر ذلك في "جامعه الكبير" وأنكر القاضي أبو الطيب عليهم وقال: إنما ذكرها المزني في "جامعه" كما قالها الشافعي.
الأمر الثاني: أن الإلقاء بين اللوحين لا يجب، بل يجوز لهم تثقيله وإلقاؤه في البحر.
كذا نقله الأصحاب عن الشافعي.
قال النووي: وعبارة الشافعي رجوت أن يسعهم قال: وهو بمعناه.
قوله من زياداته: قال أصحابنا: ولا يكره الدفن بالليل.
قالوا: وهو مذهب العلماء كافة إلا الحسن البصري.
قالوا: لكن المستحب أن يدفن نهارًا.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن تمكين الذمي من الدفن نهارًا فيه كلام يأتيك في بابه.
الثاني: أن الذي قاله من اتفاق العلماء وأنه لم يخالف إلا الحسن ليس
الجزء: 3 - الصفحة: 511
كذلك، وقد رأيت في "الذخيرة" للبندنيجي أن الداركي من أصحابنا قال بالكراهة.
الثالث: أن من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس من النهار لا من الليل، ولا شك في لحاقة بالليل لوجود المعنى، وهو مشقة الإجماع، بل هو في المشقة أشد مما بعد الغروب لاسيما إذا جهز وحمل قبل الغروب، ولم يبق بعد الغروب إلا الدفن أو كان البيت مثلًا في المقبرة لأن البيت لا يؤخر لكثرة المصلين.
ولقائل أن يمنع استحباب التأخير إلى النهاية في الصورتين المذكورتين طلبًا للإسراع بالجنازة.
قوله: ولا يكره الدفن في الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها بالإجماع، وأجابوا عن حديث عقبة بن عامر في "صحيح مسلم": ثلاث ساعات نهانا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الصلاة فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا 30. وذكر وقت الاستواء والطلوع والغروب.
وأجاب القاضي أبو الطيب وصاحب "التتمة" بأن الحديث محمول على تحري ذلك، وقصده بخصوصه دون ما قبله وبعده.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذا الجواب قد نقله في "شرح المهذب" عن غيرهما أيضًا، واستحسنه فدل ذلك على موافقته على الكراهة عند القصد المذكور.
الثاني: أن المراد بالأوقات التي يكره تحريها، إنما هي الثلاثة المذكورة في الحديث لا الوقتان الآخران المتعلقان بالفعل، وهما ما بعد صلاة الصبح وصلاة العصر، وإن كانت الصلاة فيهما مكروه أيضًا، فاعلمه، وكلام الكتاب والحديث والمعنى يدل على ذلك والمذكور في "المنهاج" في هذا
الجزء: 3 - الصفحة: 512
الموضع غير مستقيم كما ذكرته في شرحه فتفطن له.
وقوله في الحديث (نقبر) يجوز فيه ضم الباء وكسرها، قاله الجوهري.
قوله فيها: وأما نقل الميت من بلد إلى بلد فقال الشافعى: لا أحبه إلا أن يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس فيجاز.
وقيل: يكره.
وقيل: يحرم وهو الأصح.
انتهى ملخصًا.
وفيه أمران:
أحدهما: أن إطلاقه يقتضي أنه لا فرق بين أن يتغير أم لا، وينبغي القطع بالتحريم عند التغيير.
الثاني: أن التعبير بالبلد لا يمكن الأخذ بظاهرها لا تصريحًا ولا مفهومًا، فإن الصحراء كذلك بلا شك وحينئذ فينتظم منها مع البلد أربع مسائل وهي النقل من بلد إلى بلد، أو إلى صحراء، ومن صحراء إلى بلد أو صحراء.
ثم إن البلدين المتصلين أو المتقاربين يجوز فيهما ذلك بلا شك، ولهذا نقل سعد وسعيد من العقيق إلي المدينة لاسيما أن العادة جارية بالدفن خارج البلد، ولعل الاعتبار في كل بلد بمسافة مقبرتها إلا إذا نقل إلى ما هو أقل منها.
قوله أيضًا من زياداته: قال الشافعي: ولو أن مجتازين مروا بميت عليه أثر الغسل والكفن والحنوط دفنوه، فإن أرادوا الصلاة عليه صلوا بعد دفنه على قبره، لأن الظاهر أنه صلى عليه.
انتهى.
لقائل أن يقول: الأصل عدم ذلك كله، فلم لا يخرج على الأصل، والغالب.
وحينئذ فيكون المرجح وجوب الغسل والصلاة، وهذا البحث في الصلاة أقوى منه في الغسل.
الجزء: 3 - الصفحة: 513
قال -رحمه الله-
القول في التعزية
قوله: لكن تأخير التعزية إلى ما بعد الدفن أحسن لاشتغال أهل الميت بتجهيزه.
انتهى.
وما قاله من استحباب التأخير ليس على إطلاقه بل يستثني منه ما إذا رأى من أهل الميت جزعًا شديدًا، فإنه يختار تقديم التعزية ليصبرهم، هكذا قاله الأصحاب، واستدركه النووي في "زيادات الروضة".
قوله: وإلى متى تشرع التعزية؟ .
فيه وجهان: أظهرهما إلى ثلاثة أيام، فلا يعزى بعدها إلا إذا كان المعزي أو المعزى غائبًا.
والثاني: لا أمد لها.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: لم يبين هو ولا النووي في "الروضة" ابتداء هذا الباب، وقد حكى الخوارزمي في "الكافي" وجهين:
أحدهما: من حين الموت.
والثاني: من حين الدفن.
وصحح الأول ونقله في "الكفاية" عن الماوردي واقتصر عليه، وجزم في "شرح المهذب" بالثاني ونقله عن الأصحاب.
الأمر الثاني: أن كلامهما يوهم مشروعية الثلاث عند قدوم الغائب، فهل هو كذلك أم يختص بحالة الحضور؟ قال المحب الطبري شيخ مكة: لم أرَ فيه نقلًا، والظاهر مشروعية الثلاث بعد الحضور، ذكره في "شرح التنبيه".
الجزء: 3 - الصفحة: 514
قلت: وقولهم في البيع: إن الخيار يمتد امتداد مجلس بلوغ الخبر، يؤيده.
قوله: ويجوز للمسلم أن يعزي الذمي بقريبه الذمي فيقول: أخلف الله عليك ولا نقص عددك.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وعلله الأصحاب بأن فيه تكثيرًا للجزية.
إذا تقرر ذلك ففيه أمران:
أحدهما: أن تعبيره بالجواز يشعر بعدم الاستحباب وبه صرح في "شرح المهذب" وبالغ فقال: وما قالوه مشكل لأنه دعاء ببقاء الكافر ودوام كفره، والمختار تركه.
هذه عبارته.
وكلام جماعة منهم الشيخ في "التنبيه" و"المهذب" كالصريح في أن المسلم تستحب له هذه التعزية بهذا اللفظ فتأمله.
الأمر الثاني: أن مقتضى التصوير بالذمي والتعليل بتكثير الجزية عدم المشروعية إذا كان الكافر حربيًا إما تحريمًا، وهو الظاهر، وإما كراهة، فتفطن له.
وقد استثناه الجيلي شارح "التنبيه".
قوله: والبكاء على الميت جائز قبل الدفن وبعده، وقبله أولى لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "فإذا وجبت فلا تبكين باكية" 31. وجعل -عليه السلام- ولده إبراهيم في حجره وهو يجود بنفسه فذرفت
الجزء: 3 - الصفحة: 515
عيناه.
. . . إلى آخره.
فيه [أمور]:
أحدهما: أن تعبيره بالجواز يشعر بعدم الكراهة بعد الموت وهو كذلك، فإن الجمهور كما قاله في "شرح المهذب" قالوا بأنه خلاف الأولى.
وقيل: يكره للحديث.
الثاني: أن تعبيره بقوله: (قبل الموت أولى) ذكر مثله في "الروضة" أيضًا، ومقتضاه طلب البكاء وبه صرح ابن الصباغ فقال: إنه مستحب، وفيه نظر.
وعبر الشافعي في "الأم" بعبارة حسنة فقال: أرخص فيه.
الثالث: في بيان الألفاظ والأحاديث منها.
البكاء: وهو بالقصر اسم للدمع، وبالمد لرفع الصوت، قاله الجوهري.
وكلام الرافعي يحتمل الأمرين.
ومنها حديث: "فإذا وجبت.
. . ." رواه جماعة بأسانيد صحيحة منهم مالك في "الموطأ" 32.
ومعنى وجبت: أي خرجت روحه؛ وقد ورد الحديث بهذا التفسير.
ومنها حديث إبراهيم رواه الشيخان من رواية أنس.
ومعنى يجود بنفسه أى: يخرجها كالذي يجود بماله فيخرجه، قال تعالى: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ 33 ومصدره على وزن فعول.
وذرفت: بالذال المعجمة أي سالت، يقال: ذرف يذرف ذرفًا كضرب يضرب ضربًا.
قوله: والندب حرام، وهو أن يعد شمائل الميت فيقال: والهفاه واجبلاه
الجزء: 3 - الصفحة: 516
ونحو ذلك.
انتهى.
الشمائل: جمع شِمال بكسر الشين المعجمة على وزن هلال وكتاب، وهو ما اتصف به الشخص من الطباع كالكرم والبخل والشجاعة والجبن ونحو ذلك.
قال الشاعر:
ألم يعلما أن الملامة نفعها قليل ... وما لومي أخي من شماليا
أي من طباعي والبيت ليغوث الحارثى 34، وغلط الجوهري فنسبه لجرير.
إذا تقرر هذا فاعلم أيضًا أن مجرد تعداد الشمائل لا يمكن وصفه بالتحريم، وإلا لدخل المؤرخ والمادح ونحو ذلك، بل لابد معه من شئ آخر كبكاء ونحوه.
وقد صرح بذلك في "شرح المهذب" أعني بتقييده مع البكاء، وذكر الشيخ في "التنبيه" نحوه أيضًا فقال: ويجوز البكاء على الميت من غير ندب ولا نياحة إلا أنه نص على جواز البكاء الغير المقترن بالندب أو النياحة.
والنووي عكس، نعم النياحة لا يشترط في تحريمها مقارنتها لشئ، وقد استفدنا من كلام "التنبيه" تحريم البكاء أيضًا عند انضمامه إلى الندب، وإن كان كل منهما جائزًا على انفراده.
وما نقلناه عن "شرح المهذب" من اشتراط ضم البكاء إلى الندب في التحريم قد خالفه في "الأذكار" فقال: والندب: تعديد النادبة بصوتها محاسن الميت.
الجزء: 3 - الصفحة: 517
قوله: ويستحب لجيران الميت والأباعد من قرابته تهيئة طعام لأهل الميت يشبعهم في يومهم وليلتهم والأباعد.
انتهى.
استدرك في "الروضة" فقال: لو كان الميت في بلد وأهله في غيره استحب لجيران أهله اتخاذ الطعام لهم قال: فلو عبر بقوله: يستحب لجيران أهله اتخاذ الطعام لهم لدخلت هذه الصورة.
والتعبير باليوم والليلة هو عبارة الشافعي، وهو ظاهر إذا مات في أوائل اليوم، فإن مات ليلًا فيتجه اعتبار يوم وليلة مستقبلتين، وإن كان في آخر اليوم فقياسه كذلك أيضًا مع الليلة الثانية لاسيما إذا تأخر الدفن تلك الليلة.
الجزء: 3 - الصفحة: 518
باب تارك الصلاة
قوله: فنقول: تارك الصلاة ضربان أحدهما: تركها جحدًا لوجوبها فهو مرتد تجري عليه أحكام المرتدين إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام يجوز أن يخفى عليه وجوبها، ويجري هذا الحكم في جحود كل مجمع عليه.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن الجحد كافٍ في الحكم بالردة حتى لو أتى بالصلاة، ولكن قال: إنها غير واجبة حكمًا بأنه مرتد.
الثاني: أنه يرد على حصره من نشأ [منفردًا] 35 في بادية بعيدة فإنه لا يكفر أيضًا، وهكذا سائر أركان الإسلام.
وهذا الذي ذكرناه قد استثناه النووي في "تصحيح التنبيه" في الصلاة، وذكر في "شرح المهذب" قبيل صدقة المواشي أنه لا حاجة إلى استثناء الصورتين معًا لأنهما خارجان بلفظ الجحود، فإن أهل اللغة قالوا: إن الجحد إنكار ما اعترف به المنكر.
وذكر أيضًا في الصلاة نحوها أيضًا، وهذا يوقع في اعتراض آخر، وهو استثناء ما لا حاجة إلى استثنائه.
فالصواب تركها [بناءًا] 36 على ما نقله أو ذكرهما [بناء على أن الجحد قد يعم مجازًا.
الثالث: أطلق الرافعي القول بتكفير جاحد المجمع عليه.
قال في "الروضة" و"شرح المهذب": وليس هو على إطلاقه، بل
الجزء: 3 - الصفحة: 519
من جحد مجمعًا عليه فيه نص وهو من أمور الإسلام الظاهرة التي يشترك في معرفتها الخواص والعوام كالصلاة أو الزكاة ونحو ذلك فهو كافرا، ومن جحد مجمعًا عليه لا يعرفه إلا الخواص كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب وغيره من الحوادث التي يجمع عليها أهل العصر فليس كافر، ومن جحد مجمعًا عليه ظاهرًا لا نص فيه، ففي الحكم بتكفيره خلاف يذكر إن شاء الله تعالى -هذا كلامه -رحمه الله-.
لكن تعليل الرافعي قريب العهد بالإسلام بكونه يجوز أن يخفى عليه يخرج إيراد نحو السدس.
ونقل الرافعي في باب حد الخمر عن الإمام أنه خالف في ذلك فقال: ولم يستحسن الإمام إطلاق القول بتكفير المستحل، وقال: كيف يكفر من خالف الإجماع، ونحن لا نكفر من رد أصل الإجماع وإنما نبدعه ونضلله وأَوَّل ما ذكره الأصحاب على ما إذا صدق المجمعين على أن التحريم ثابت في الشرع، ثم حلله فإنه يكون رادًا للشرع وهذا إن صح فليجر مثله في سائر ما حصل الاجماع على افتراضه وتحريمه.
هذا كلامه، ولم يحكه في "الروضة" هناك.
قوله: ومتى يقتل؟ فيه أوجه:
الصحيح: بترك صلاة واحدة إذا ضاق وقتها.
والثاني: إذا ضاق وقت الثانية.
والثالث: إذا ضاق وقت الرابعة.
والرابع: إذا ترك أربع صلوات.
والخامس: إذا ترك من الصلوات قدرًا يظهر به لنا اعتياده الترك، وتهاونه بالصلاة.
والمذهب الأول، والاعتبار بإخراج الصلاة عن وقت الضرورة، فإذا
الجزء: 3 - الصفحة: 520
ترك الظهر لم يقتل حتى تغرب الشمس، وإذا ترك المغرب لم يقتل حتى يطلع الفجر، حكاه الصيدلاني، وتابعه الأئمة عليه.
انتهى ملخصًا.
وما ذكره في أول كلامه من تصحيح القول بالقتل إذا ضاق وقت الأول مع ما نقله في آخر كلامه قد تابعه عليه في "الروضة" و"شرح المهذب" وهو ظاهر التناقض بديهي التنافي، فإن مقتضى الأول أنه يقتل بترك الظهر إذا بقى من وقت العصر مقدارًا يسعها فقط اعتبارًا بالضيق، ولا يتوقف على خروج الوقت، حتى لو بادر شخص فقتله في تلك الحالة فلا قود عليه ولا دية وآخر كلامه يدفع ذلك.
وقد اقتصر في "التحقيق" على اعتبار الضيق، ولم يعرج على الإخراج، وفي "المحرر" و"المنهاج" على الإخراج، وعلى هذا فلو أخرجها شرعًا كما لو بقى مقدار لا يسع ركعة فهل هو كالإخراج الحسى؟ فيه نظر، فتلخص أن هنا ثلاث أمور وهي: ضيق الوقت بحيث لا يبقى إلا مقدار الفعل، ونقصانه عن الركعة، وخروجه بالكلية.
وللنظر مجال في المعتبر منها، والأوجه الثاني وقد جزم به في "الكفاية" في ذيل كلام نقله عن القاضي أبي الطيب فقال: على أنا نقول: إذا ضاق وقت الصلاة بحيث يتحقق فواتها إذا لم يؤدها توجب عليه القتل في تلك الحالة.
هذه عبارته بعد أن نقل عبارة تقتضى الأول، وأخرى تقتضى الأخير.
قوله: الثانية: على اختلاف الوجوه لابد من الاستتابة قبل القتل، فإنه ليس أشد حالًا من المرتد، والمرتد يستتاب، وهل تكفي الاستتابة في الحال أم يمهل ثلاثة أيام؟ قولان: قال في "العدة": المذهب أنه لا يمهل، والقولان في الاستحباب، وقيل: في الإيجاب.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن تارك الصلاة يقتل حدًا، والحدود لا تسقط في ظاهر الحكم
الجزء: 3 - الصفحة: 521
بالتوبة، والمقتول عليه هنا إنما هو التأخير عن الوقت عمدًا كما صرح به هنا في "الروضة" من زياداته، وإن كان ظاهرًا.
وحينئذ فكيف تنفع فيه التوبة؟ وهذا لمن سرق نصابًا ثم رده، فإن القطع لا يسقط.
الثاني: أن تعبيره بقوله: (لابد.
. . . إلى آخره) قد ذكر مثله في "الروضة" أيضًا وهو يشعر بأن الصحيح وجوب استتابة تارك الصلاة، ويدل عليه أيضًا دلالة صريحة ما ذكره في آخر المسألة أن القولين في الاستحباب، وقيل: في الإيجاب.
إذا علمت ذلك فقد خالف فيه النووي في "التحقيق" فقال: ويستتاب ندبًا، وقيل: وجوبًا في الحال، وقيل في قول: ثلاثة أيام.
هذا لفظه.
وعلى ما قاله في "التحقيق" فالفرق بينه وبين المرتد حيث صححوا وجوب استتابته أن الردة مقتضية للخلود في النار، فأوجبنا الاستتابة فيها إنقاذًا له من العذاب الأبدي بخلاف ترك الصلاة.
واذا علمت هذا علمت أن ما حاوله الرافعي من كون هذا أولى من المرتد بوجوب الاستتابة ممنوع.
الثالث: قد تقرر أن تارك الصلاة يقتل حدًا لا كفرًا، والحدود إذا أقيمت كانت مسقطة للعقاب في الدار الآخرة كما صرح به جماعة منهم النووي في "فتاويه"، وحينئذ فلا يبقى على التارك بعد قتله إثم بسبب الترك فاعلمه، فإن كلامهم هنا قد يوهم خلافه، وهذا البحث يؤيد الفرق المتقدم وينفع في الكلام على مسائل من هذا الباب كغسله والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين وطمس قبره وغير ذلك.
قوله: وعن صاحب "التلخيص": أنه ينخس بحديدة ويقال: قم فصل، فإن قام ترك، وإلا زيد في النخس حتى يصلي أو يموت لأن المقصود حمله على الصلاة، فإن فعل فذاك وإلا عوقب كما يعاقب الممتنع من سائر الحقوق ويقاتل.
انتهى كلامه.
الجزء: 3 - الصفحة: 522
وهو يقتضي أن الامتناع من الحقوق كالديون والودائع وغيرها يبيح المقاتلة عليها، والعقاب إلى الموت وهو كلام عجيب مخالف للمذكور في التعزير وغيره فليتأمل، ولم يذكر التعليل المذكور في "الروضة".
قوله: فرعان:
أحدهما: قال حجة الإسلام في "الفتاوي": لو امتنع من صلاة الجمعة وقال: أصليها ظهرًا بلا عذر، لم يقتل لأنه لا يقتل بترك الصوم، فالجمعة أولى لأن لها بدلًا، وتسقط بأعذار كثيرة.
انتهى.
وهذا الذي نقله عن الغزالي وسكت عليه فقد خالفه فيه الشاشي فجزم في "فتاويه" بأنه يقتل، واختاره ابن الصباغ في "فتاويه" أيضًا لأنه لا يتصور قضاؤها، وليست الظهر قضاء عنها هكذا ذكره في "شرح المهذب" حكمًا وتعليلًا، وذكر في "الروضة" نحوه أيضًا، واقتضى كلامه فيهما [الميل] 37 إليه، وصرح باختياره في "التحقيق" فقال: ولو امتنع من الجمعة وقال: أصليها ظهرًا فالأقوى قتله.
هذا كلامه.
وقد ذكر ابن الصلاح في "فتاويه" أن القتل يجب بمجرد ترك الجمعة سواء صلى الظهر أم لا، ولا يسقط القتل إلا بالتوبة لأنه لا قضاء لها بخلاف سائر الصلوات، فإن القتل وإن وجب بمجرد الترك حتى لا يقاد المبادر إلى قتله قبل استتابته لكن يسقط بالقضاء.
قوله من زوائده: ولو قال: تعمدت ترك الصلاة بلا عذر، ولم يقل: ولا أصليها، قتل أيضًا على المذهب لتحقق خيانته، وفيه وجه أنه لا يقتل ما لم يصرح بالامتناع من القضاء.
انتهى كلامه.
وهذه المسألة قد ذكرها الرافعي في كتاب الحج في الكلام على الجماع، وقد ذكرت لفظه هناك فراجعه.
الجزء: 3 - الصفحة: 523