المهمات في شرح الروضة والرافعيكتاب الجمعة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وفيه ثلاثة أبواب:

الباب الأول في شرائطها

قوله: الشرط الثاني: دار الإقامة، وهي الأبنية التي يستوطنها الناس سواء فيه البلاد والقرى والأسراب التي تتخذ وطنًا.
انتهى.
الأسراب بالسين المهملة جمع سرب بفتح السين والراء، وبالباء الموحدة هو بيت تحت الأرض، وهذا إنما يتأتى غالبًا في الأراضي المتحجرة.

قوله: الخامسة: أن يسبق أحدهما ولا يتعين ففيه قولان: أظهرهما في "الوسيط": يستأنفون الجمعة لأنهما غير مجزئتين.
والثاني: يصلون الظهر لأن إحداهما صحيحة، قال الأصحاب: وهو القياس.
انتهى.
والصحيح هو الثاني، فقد اقتصر الرافعي في "المحرر" و"الشرح الصغير" على ترجيحه، وقال النووي في "شرح المهذب"، و"زيادات الروضة": إنه الصحيح الذي عليه الأكثرون.

قوله: وإن نقصوا في الصلاة، ونقص العدد ففيه أقوال: أصحها: أن الجمعة تبطل.
والثاني: يكفي بقاء اثنان مع الإمام.
والثالث: يكفي واحد.
وهل يشترط أن يكون الواحد أو الاثنان؟ على اختلاف، هذين القولين

الجزء: 3 - الصفحة: 371

على صفات الكمال، قال في "النهاية": الظاهر أنه يشترط، وعن صاحب "التقريب": أنه يحتمل خلافه.
انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدها: أن هذا الاحتمال وجه ثابت للأصحاب فقد حكى الماوردي، وغيره في المسألة وجهين.
الثاني: أن الصحيح ما قاله الإمام، كذا صححه النووي في "شرح المهذب" و"الروضة"، ولم ينبه في "الروضة" على أنه من زياداته، بل أدخله في كلام الرافعي فاعلمه.
الثالث: سيأتي أن المفارقة هنا في الركعة الثانية على القولين في المفارقة في سائر الصلوات، لأن الجمعة تدرك بركعة.
والأصح: الجواز فالانفضاض لابد أن يفصل فيه هل هو بإبطال الصلاة أو بالانفراد.
الرابع: أن العدد المعتبر، وهو أربعون لا يتصور انفضاض جميعهم، وبقاء الإمام لأن الصحيح أن الإمام منهم، فتفطن له.

قوله: إحداهما: لو كان إمام الجمعة عبدًا أو مسافرًا، وكانوا أربعين دونه ففي "التهذيب": إن الجمعة تصح.
وقال في "النهاية": إذا قلنا: الإمام معدود من الأربعين فوجهان: أظهرهما: الصحة، لأن العدد قد تم، وجمعة العبد والمسافر صحيحة.
والثاني: لا تصح، لأنه إذا عُدّ من العدد المعتبر فيجب أن يكون على صفات الكمال.
واعلم أنه لو كان ذلك الخلاف في أن الإمام هل هو واحد من العدد المشروط أم لا؟ لكان هذا البناء واضحًا، ولكن ذلك الخلاف في أنه هل

الجزء: 3 - الصفحة: 372

يشترط أن يكون زائدًا على الأربعين أم يكتفي بأربعين أحدهم الإمام، ولا يلزم من الاكتفاء بأربعين أحدهم الإمام أن يكون الإمام واحدًا من العدد المشروط إذا زاد على الأربعين.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن الأصح هي المقالة الأولى حتى يكون الأصح القطع بالصحة، كذا صححه النووي في "الروضة" ولم ينبه على أنه من زياداته، بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.
وصححه أيضًا في أول باب صفة الأئمة في " [شرح] 1 المهذب" لكنه نقله عن الرافعي اعتمادًا منه على ما ذكره في أصل الروضة عنه، وهو كثيرًا ما يفعل ذلك.
الأمر الثاني: أن الإمام في "النهاية" نقل هذا البناء عن شيخه، ثم أبطله، وبالغ في إبطاله، وكلام الرافعي يقتضي أنه للإمام، وهذا الإشكال لم يذكره في "الروضة"، وما ذكرته أولًا من أن الصحة مذكورة في "التهذيب" هو الصواب الموجود في أكثر نسخ الرافعي، ويقع في بعضها "المهذب" أي تصنيف الشيخ أبي إسحاق، وهو تحريف.

قوله: الصورة الثانية: لو بان أن إمام الجمعة كان محدثًا أو جنبًا، فإن تم العدد به لم يصح، وإن تم دونه فقولان.
أظهرهما: الصحة، نص عليه في "الأم"، وصححه العراقيون، وأكثر أصحابنا.
والثاني: لا يصح، لأن الجماعة شرط، والإمام غير مصلٍ بخلاف سائر الصلوات فإن الجماعة فيها ليست شرطًا، وغايته أنهم صلوها فرادى، والمنع هنا أقوى منه في مسألة الاقتداء بالصبي، وقال الأكثرون المرجحون

الجزء: 3 - الصفحة: 373

للأول: لا يسلم أن حدث الإمام يمنع صحة الجماعة، وينوب حكمها في حق المأموم الجاهل بحاله وقالوا: لا يمنع نيل فضيلة الجماعة في سائر الصلوات ولا غيره من أحكام الجماعة على الأظهر.
قال صاحب "البيان": لو صلى الجمعة بأربعين فبان أن المأمومين محدثون صحت صلاة الإمام، بخلاف ما لو بانوا عبيدًا أو نساءًا، فإن ذلك مما يسهل الاطلاع عليه.
وقياس من يذهب إلى المنع أن لا يصحح جمعة الإمام لبطلان الجماعة.
اننهى كلامه.
وما نقله عن صاحب "البيان" وارتضاه، ولكن حاول جريان وجه فيه من قولنا: "إن الجماعة لا تحصل" قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" و"شرح المهذب"، وهو كلام عجيب، نبه عليه أيضًا ابن الرفعة، ولكن في باب صلاة الجماعة فإنه قد تقدم من كلامه في ما إذا بان الإمام محدثًا أن الخلاف مخصوص بما إذا كان الإمام زائدًا على الأربعين، والذي قاله ظاهر، وإلا لزم انعقاد جمعة بما دون الأربعين.
وإذا كان هذا محل هذا الخلاف استحال القول بحصولها للإمام لانتفاء العدد المشروط.
نعم ما ذكره صاحب "البيان" قد أخذه من صاحب "التتمة"، فإنه قد وقع منه ذلك في صلاة الجماعة، وصرح أيضًا بالخلاف الذي حاوله الرافعي بحثًا، ولم يقف على نقله، إلا أنه لم يخصص الخلاف في حدث الإمام لما إذا زاد على الأربعين بل اقتضى كلامه التعميم.
وحينئذ فيكون كلامه في المسألتين منتظمًا من هذا الوجه، وإن كان مشكلًا من جهة فوات العدد، وأما على ما ذكره الرافعي فغير منتظم.

قوله في الكلام على الاستخلاف: ولا يشترط كون الخليفة مقتديًا في

الجزء: 3 - الصفحة: 374

الركعة الأولى، بل يجوز استخلاف المسبوق.
انتهى.
وهذا التعبير يوهم أنه لم يتقدم للمسألة ذكر، وقد سبقت قبل هذا الكلام متصلًا به، وكان حقه أن يقول: وإذا استخلف مسبوقًا، ونحو ذلك من العبادات.

قوله: هذا كله -أى استخلاف المسبوق- محله ما إذا عرف المسبوق نظم صلاة الإمام، وإن لم يعرف فقد ذكروا فيه قولين عن حكاية صاحب "التلخيص" وعن الشيخ أبي على أنهما لابن سريج.
فإن جوزنا راقب القوم إذا أتم الركعة إن هموا بالقيام قام، وإلا قعد.
انتهى كلامه.
والصحيح هو الجواز، كذا صححه النووي في صلاة الجماعة من كتاب "التحقيق" فقال: إنه الأظهر، ونقله في "شرح المهذب" و"الروضة" من زياداته عن تصحيح الشيخ أبي على فقط، ثم قال في "الروضة".
أرجحهما دليلًا أنه لا يصح.
وقال في "شرح المهذب": الأقيس عدم الصحة.
ورأيت في "شرح الكفاية" للصيمري الجزم بالجواز أيضًا، وفرع عليه فقال: إنه بالخيار بين أن يقدم من يسلم بهم، وبين أن يقوم فيقضي ما عليه، ثم يسلم بهم إن كان قدر ما يقضيه ركعة.
فإن كان أكثر فلا.
أي بأن كان في غير الجمعة، أو فيها وكان يصلي الظهر مثلا كالعيد ونحوه، وكان المعني فيه هو التطويل على المأمومين.

قوله: والاستخلاف في الجمعة على القولين في غيرها، لكن لا يستخلف إلا من اقتدى به قبل الحدث، ولا يشترط حضوره للخطبة في أصح القولين، ثم قال ما نصه: فإن كان حضر الخطبة أو لم يحضرها، وجوزنا استخلافه نظر، إن استخلف من أدرك معه الركعة الأولى جاز،

الجزء: 3 - الصفحة: 375

وتمت لهم الجمعة سواء أحدث الإمام في الأولى أم الثانية.
فإن استخلف من أدركه في الثانية قال الإمام: إن قلنا: لا يجوز استخلاف من لم يحضر الخطبة، لم يجز استخلاف هذا المسبوق، وإلا فقولان: أظهرهما وبه قطع الأكثرون: الجواز.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة"، وهو غير مستقيم، فإنه فرض المسألة في من لم يحضرها إذا جوزناه، فكيف يحسن أن يفصل بعد ذلك بين أن يجوز ذلك أو يمنعه؟ . نعم الحكم في النهاية كما ذكره، لكنه جعلها مسألة مستقلة، ولام يذكر هذا التفريع المتدافع.

قوله: فرع آخر: لو أتم الإمام، ولم يتم المأمومون وجوزنا للإمام أن يستخلف، فإن كان في الجمعة لم يجز، لأن الجمعة لا تنشأ بعد الجمعة، والخليفة منشئ.
وإن كانوا في غيرها فوجهان: أظهرهما: المنع، لأن الجماعة قد حصلت في كمال الصلاة، وهم إذا أتموا فرادى نالوا فضلها.
انتهى كلامه.
تابعه النووي في "الروضة" على تصحيح المنع، وعبر بالأصح، ثم ذكر المسألة في صلاة الجماعة من "التحقيق" و"شرح المهذب" على خلاف ما ذكره هنا، فقال في موضعين من "التحقيق": الأصح الجواز.
وصححه أيضًا في "شرح المهذب" ثم قال ما نصه: ولا تغتر بما في "الانتصار" لابن عصرون من تصحيح المنع، وكأنه عبر بقول الشيخ أبي حامد في "تعليقه": لعل أصحهما المنع، هذا لفظه، وهو غريب فإنه قد اتفق هو والرافعي في هذا الباب على أن الأصح المنع كما تقدم نقله عنه.
واعلم أن الرافعي قد ذكر في صلاة الجماعة قُبَيل الشرط الخامس المعقود

الجزء: 3 - الصفحة: 376

للموافقة أنه إذا صلى العشاء خلف من يصلي التراويح فسلم الإمام فالأولى أن يتمها منفردًا، فإن أحرم الإمام فاقتدى به فهو أيضًا على القولين في من أحرم منفردًا ثم اقتدى.
وحاصله تصحيح الجواز، وهو مخالف لما قرره في هذا الباب من شرحيه معًا.

قوله: ولو لم يتمكن المزحوم من السجود فأراد أن يخرج عن المتابعة لهذا العذر ويتمها ظهرًا، ففي صحتها قولان، لأنها ظهر قبل فوات الجمعة.
قال إمام الحرمين: ويظهر منعه من الانفراد لأن إقامة الجمعة واجبة، فالخروج منها عمدًا [مع] 2 توقع إدراكها لا وجه له.
انتهى كلامه.
تابعه عليه في "الروضة" وفيه أمران: أحدهما: أن الكلام في مسألتين: إحداهما: الخروج.
والأخرى: إتمامها ظهرًا، ولم يفصح الرافعي عن حكمها، بل نقله بعبارة توهم اشتباه إحداهما بالأخرى وقد أوضح الإمام ذلك، ونقله عنه في "الكفاية" وزاد عليه، فلنذكره ملخصًا فنقول: لم يذهب أحد من الأصحاب إلى انقطاع القدوة بمجرد ذلك، وإن كان محتملًا، واختلفوا في جواز إخراجه نفسه فجوزه جماعة كثيرة منهم الصيدلاني والقاضي الحسين والبغوي، والخوارزمي في "الكافي"، ونقله القاضي الحسين عن نص الشافعي، وهو الذي نقله الإمام لا غير.
ثم توقف فيه فقال: ويظهر عندي منعه، قال: بخلاف غير الجمعة، وعلله بما سبق، وقد صرح الماوردي بحكاية وجه موافق لما مال إليه الإمام.
وأما المسألة الثانية وهي إتمامها ظهرًا، فقد صرح به الإمام فقال: فإن

الجزء: 3 - الصفحة: 377

جوزنا له الخروج فخرج وأراد أن يتمها ظهرًا فهل يصح؟ فيه قولان، لأنه ظهر قبل فوات الجمعة.
هذا كلامه.
وسبقه إليه القاضي الحسين، وقد ظهر لك أن الرافعي لم ينقل هاهنا إلا بعض كلام الإمام مع مخالفته لنص الشافعي والأصحاب، واقتصاره عليه موقع للعمل به إذا توهم أنه المنقول لا غير.
الأمر الثاني: أن القائل بانتظاره كيف يقول: هل ينتظره قاعدًا أو في الرفع من الركوع إن كان الأول لزم زيادة قعود طويل في غير محله، وهو من المبطلات، وإن كان الثاني لزم تطويل الركن القصير، وهو أيضًا مبطل عند الرافعي والجمهور لاسيما أمره بالعود إليه بعد الهوى.

قوله في "الروضة": فإذا فرغ المأموم من سجوده فللإمام أحوال: أحدها: أن يكون في القيام فيفتتح المأموم القراءة فإن ركع الإمام قبل إتمامها فهل له حكم المسبوق؟ وجهان: قلت: أصحهما عند الجمهور له حكمه.
انتهى.
وهذا الترجيح الذي ذكره النووي قد ذكره الرافعي عقب هذه المسألة وأشار هنا إلى أنه يأتي أيضًا في هذه المسألة، فتفطن له.

قوله: الحال الثاني: ألا يتمكن [المأموم] 3 من السجود حتى ركع الإمام في الثانية فيركع معه وتسقط عنه القراءة في قول يراعي ترتيب صلاة نفسه، فإن قلنا بالأول وهو الراكع معه فخالف وسجد على ترتيب نفسه جاهلًا أو ناسيًا ثم قام بعد السجدتين، وقرأ وركع وسجد فالمفهوم من كلام الأكثرين أنه لا يعتد له بشئ مما يأتي به على غير المتابعة، وإذا سجد الإمام فيسجد سجدتين لتمام الركعة، ولا يكون مدركًا للجمعة، لأن التفريع على

الجزء: 3 - الصفحة: 378

القول بأنه مأمور بالمتابعة على كل حال، فكما لا يحسب له السجود والإمام راكع لكون فرضه المتابعة وجب أن لا يحسب، والإمام في ركن بعد الركوع.
وقال الصيدلاني والإمام والغزالي: إذا فعل ذلك فيتم له من الركعتين ركعة ملفقة، فإن ركوعها من الأولى، وسجودها من الثانية.
والأصح: الإدراك بها.
انتهى.
وما نقله عن هؤلاء الثلاث قد جزم به في "المحرر" وتبعه عليه في "المنهاج" أيضًا، ويترجح الأول بموافقة الأكثرين.
وقد نقله عنهم أيضًا النووي في "شرح المهذب" وبالغ فيه فقال: قطع صاحب "المهذب" والجمهور بأنه لا يعتد له بذلك.
انتهى.
والمتجه كما في "المنهاج" لأنا إنما لم نحسب سجوده والإمام راكع لإمكان متابعته بعد ذلك فيدرك الركعة، ويكون ذلك عذرًا في عدم المتابعة في هذه الحالة، وفي كلامهم شواهد لما ذكرناه.
وأما نقله في "شرح المهذب" عن الأكثرين فالظاهر أنه اعتمد على ما في "الروضة" من أنه المفهوم من كلامهم، لا أنهم صرحوا به.
واعلم أن صورة المسألة ما إذا لم يزل نسيانه أو جهله حتى أتى بالسجود الثاني، فإن زال قبله فعلى المفهوم من كلام الأكثرين تجب متابعة الإمام في ما هو فيه.

قوله في المسألة: وإن قلنا، يراعى ترتيب نفسه، فخالف فرفع، فإن تعمد ذلك بطلت صلاته ويلزمه الإحرام بالجمعة إن أمكنه إدراك الإمام في الركوع.
وإن فعله ناسيًا أو جاهلًا لم يحسب سجوده الأول.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وفيه أمران:

الجزء: 3 - الصفحة: 379

أحدهما: أن التعبير بالتعمد غير مستقيم، فإن المتعمد قد يكون عالمًا بالحكم، وقد يكون جاهلًا به، ويدل عليه تقسيم مقابله، فينبغي أن يقول: عامدًا عالمًا، وقد اقتصر في موضع آخر من مسألة الزحام على لفظ "العلم" فتفطن له.
الأمر الثاني: أن تقييده وجوب الإحرام بالجمعة بحالة إدراك الإمام في الركوع وقع أيضًا في موضع آخر من المسألة، وهو لا يستقيم، بل يلزمه الإحرام بها ما لم يسلم الإمام، فإن التارك عمدًا يلزمه ذلك على الصحيح كما هو مقرر في موضعه من هذا الباب، لا ما لم يتيقن فوات الجمعة، إذ يحتمل أن الإمام قد نسي القراءة مثلًا فيعود إليها.

قوله: وإذا تخلف بالنسيان فالأكثرون على أنه إن سجد في حال قيام الإمام فحكمه حكم الزحام حتى يجئ فيه القولان في أنه يسعى خلفه أو يحبط ما مضى ويركع معه لأنه معذور.
وقيل: في إلحاقه بالزحام وجهان، وكذا لو تأخر لمرض، وإن لم يسجد، بل استمر على نسيانه حتى ركع الإمام في الثانية، فقيل: إنه كالمزحوم، وبه قال الشيخ أبو حامد.
وقيل: يتبعه قولًا واحدًا لأنه مقصر، فلا يعذر في ترك المتابعة، وهذا هو الأظهر عند الروياني.
انتهى ملخصًا.
والطريق الأول هو الصحيح، كذا صححه في "المحرر" و"الشرح الصغير"، واقتصر في "الروضة" على نقل ترجيح الروياني، ولم يذكر اختيار أبي حامد الأول.

قوله من زياداته: قال إمام الحرمين: لو رفع المزحوم رأسه من السجدة الثانية فسلم الإمام قبل أن يعتدل المزحوم ففيه احتمال.
قال: والظاهر أنه مدرك للجمعة.
انتهى كلامه.

الجزء: 3 - الصفحة: 380

وهذه المسألة قد ذكرها الرافعي في الحال الرابع في أول المسألة فقال: بخلاف ما لو رفع رأسه من السجود ثم سلم الإمام في الحال، أى فإنه يدرك الجمعة.

قوله: وهل الجمعة ظهر مقصور أم هي صلاة على حالها؟ اختلف قول الشافعي -رضي الله عنه- في فروع يقتضي اختلافه في هذا الفصل.
انتهى.
لم يصحح شيئًا في "الشرح الصغير" أيضًا، والصحيح أنها صلاة على حالها، كذا صححه النووي في "شرح المهذب"، و"زيادات الروضة" ثم قال في الشرح المذكور بعد ذلك: وعبر بعض أصحابنا بعبارة أخرى فقال: في الجمعة والظهر ثلاثة أقوال: أحدها: كل واحد أصل بنفسه.
والثاني: الظهر أصل، والجمعة بدل، وهو القول بأنها ظهر مقصورة.
والثالث -وهو أصحها- أن الجمعة أصل والظهر بدل، هذا لفظه في "شرح المهذب".
نعم سيأتي بعد هذا بقليل ما يؤخذ منه أن الصحيح عند الرافعي أنها ظهر مقصور.

قوله: ولو شرعوا فيها في الوقت، ووقع بعضها خارج الوقت فاتت الجمعة، ثم قال: لنا أنها عبادة ولا يجوز الابتداء بها بعد خروج وقتها فتنقطع بخروج الوقت كالحج.
انتهى كلامه.
وهذا الكلام صريح في أن من فاته الحج يحصل له التحلل بمجرد [الفوات] 4، لكنه قد قال هو وغيره في كتاب الحج: إن صاحب

الجزء: 3 - الصفحة: 381

الفوات يتحلل بأفعال العمرة وهي الطواف والسعى والحلق، وهو يخالف المذكور هنا.
والأقرب في تصحيح هذا الكلام أن يقال: أراد بذلك أنه قد حصل له بالفوات التحلل الأول، وهو كذلك، إذا فرعنا على أن الحلق ليس بنسك كما نقله في "شرح المهذب" في موضعه، وعلله بأنه لما فاته الوقوف سقط عنه حكم الرمي فصار كمن رمى، ومن رمى أو طاف تحلل على القول بأن الحلق استباحة محظور.

قوله: وإذا وقعت التسليمة الثانية خارجة عن الوقت لا تبطل الجمعة لأنها غير معدودة من الصلاة، بل من متعلقاتها.
انتهى كلامه.
وما ذكره من كون الثانية ليست من الصلاة فقد اختلف فيه كلامه، وكلام النووي.
وقد تقدم إيضاحه في آخر صلاة الجماعة فراجعه.

قوله: فإذا فاتت بعض شرائط الجمعة أتمها ظهرًا إن قلنا: إن الجمعة ظهر مقصور.
وإن قلنا: إنها فرض آخر ففيه وجهان: أحدهما: نعم، لأنها فرض وقت واحد.
والثاني: لا، لأنه يشرع فيها بنية الجمعة، وعلى هذا فهل تبقى صلاته نفلًا أم تبطل من أصلها؟ فيه القولان في ما إذا تحرم بالظهر قبل الزوال، ونظائره.
والظاهر من الخلاف في المسألة أنه يتمها ظهرًا.
انتهى ملخصًا.
واعلم أن الصحيح من هذين الوجهين المفرعين على أنها فرض آخر أنه لا يتمها ظهرًا، كذا جزم به الرافعي في أول الباب، وهذا الترجيح الذي نقلته عنه هنا في آخر كلامه لا ينافيه، لأنه أجاب عن المسألة من حيث هي

الجزء: 3 - الصفحة: 382

لا عن هذين الوجهين [فيحق] 5 أن يكون رجحه لكون الراجح عنده أنها ظهر مقصور، فإنه لم يتقدم له ترجيح ينفيه، بل يتعين هذا لعدم الضرورة إلى دعوى تناقض كلامه.
وقد اشتبه ذلك على النووي فظن أن الترجيح الذي قاله الرافعي في آخر المسألة مفرع على أنها فرض آخر، فتفطن لذلك، فإنه موضع مهم.
نعم صححه في "شرح التهذيب" في مواضع فيتمسك في الترجيح بكلامه هناك.

قوله: وفي "النهاية" حكاية وجهين في أنها تنقلب ظهرًا من غير قصد، أم لابد من قصد الانقلاب.
انتهى.
وهذان الوجهان نقلهما الرافعي في أول الباب عن صاحب "العدة" ونقل عنه أن الصحيح انقلابها بنفسها، وأقره عليه وصححه أيضًا النووي في "شرح المهذب" وفي أصل "الروضة" هناك، وفي زياداته هنا، قال: وهو مقتضى كلام الجمهور.

قوله: وأركان الخطبة خمسة: أحدها: حمد الله تعالى.
وثانيها: الصلاة على النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ولفظ الحمد والصلاة متعينان.
وحكى في "النهاية" عن كلام بعض الأصحاب أنهما لا يتعينان، ولم ينقله وجهًا مجزومًا به.
انتهى كلامه.
وهذا النقل عن الإمام في الحمل صحيح، وأما في [الصلاة] 6 فغلط تبعه عليه في "الروضة"، فإن الإمام قد قال ما نصه: وفي بعض التصانيف إطلاق القول باستحقاق الثناء على الله تعالى، وهو مشعر بأن

الجزء: 3 - الصفحة: 383

الحمد لا يتعين، بل يقوم غيره مقامه، وهذا لا أعده من المذاهب.
هذه عبارته.
وليست الصلاة في ما نقله عنه، بل زاد على هذا فقال عقبه: واتفقت الطرق على أن الصلاة لابد منها، هذا كلامه.
والإمام قد أشار بهذه العبارة إلى الفوراني كما أعلمتك غير مرة، وقد راجعت نسختين من كتاب "الإبانة" له، وهو الذي ينقل منه الإمام عنه فرأيته كذلك فقال: أقل الخطبة خمسة أشياء: الثناء على الله تعالى، والصلاة على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وذكر نحوه في كتابه المسمى "العمد" فثبت غلطه فيما نقله.

قوله في "أصل الروضة": قراءة القرآن ركن على المشهور، وقيل: على الصحيح.
انتهى.
خالف في "المنهاج" فجزم بالثاني، وهو أنه وجهان:

قوله: ويشترط كون الخطبة بالعربية في أصح الوجهين، فعلى هذا لو لم يكن فيهم من يحسن العربية خطب بغيرها، ويجب أن يتعلم واحد منهم الخطبة بالعربية، فإن مضت مدة إمكان [التعلم] 7 ولم يتعلموا عصوا، وليس لهم الجمعة.
انتهى.
وما ذكره من وجوب تعلم العربية على واحد لا على الجميع هو المذكور أيضًا في "التتمة" وغيرها، وبه جزم ابن الرفعة في "الكفاية".
ووقع في "الروضة" بزيادة "كل" فقال: "على كل واحد" وهو غلط، وإن كان له بعض اتجاه من حيث إن الخطاب بلغة لا يفهمها من خوطب مستبعد إذ هو كالعيب.

الجزء: 3 - الصفحة: 384

وأجاب القاضي الحسين بأن الفائدة معرفة كونه يعظمهم.

قوله: وهل يشترط في الخطبة طهارة الحدث، والخبث، فيه قولان: الجديد: نعم.
ثم قال: وقال الإمام: الخلاف مبني على أن الموالاة في الخطبة هل هي شرط أم لا؟ إن قلنا: نعم، فلابد أن يكون متطهرًا لأنه يحتاج إلى الطهارة بعد الخطبة فتختل الموالاة.
وإن قلنا: لا، فلا.
انتهى.
أقره الإمام على ما قاله، وفيه أمران: أحدهما: أن هذا المعنى إنما يأتي إذا كان الخطيب هو الإمام.
أما إذا خطب واحد، وأمَّ آخر، فلا يأتي، مع أنهم لم يخصوا الخلاف بالصورة الأولى، بل هو عام في الصورتين.
الثاني: أن الجمع بين الصلاتين في وقت الأولى يشترط فيه الموالاة، وقد سلم الإمام والجمهور جوازه بالتيمم، لاسيما والتيمم في هذه المسألة يتوقف على الطلب، وكذلك لو أحدث المتوضئ عقب الأولى فتوضأ، ولم يطل الفصل، فإنه يجوز الجمع أيضًا، فدل على أن الطهارة لا تخل بالموالاة.

قوله في المسألة: ثم اختلفوا فقال صاحب "التتمة": إن الخلاف في الحدث يجري في الأصغر والأكبر، وخصه صاحب "التهذيب" بالأصغر، قال: فأما الجنب فلا تحسب خطبته قولًا واحدًا، لأن القراءة شرط، وقراءة الجنب غير محسوبة، وهذا أوضح.
انتهى.
وما رجحه الرافعي هاهنا من تخصيص القولين بالأصغر قد خالفه في "المحرر" فجزم بالتعميم، وقد اختلف أيضًا تصحيح النووي في هذه المسألة فجزم في "نكت التنبيه" لما قاله الرافعي هنا وخالف في "الروضة" فقال:

الجزء: 3 - الصفحة: 385

الصحيح أو الصواب ما قاله في "التتمة"، وهو جريان القولين في الحدثين.
قال: بل قطع الشيخ أبو حامد والماوردي وآخرون بأنه لو بان لهم بعد الفراغ أن الإمام كان جنبًا أجزأهم، ونقلوه عن نصه في "الأم".

قوله: ويشترط في الإمام أن يسمع أربعين من أهل الكمال، لأن مقصود الخطبة -وهو الوعظ- لا يحصل إلا بالإسماع، وهو رفع الصوت بحيث يسمعون، وكما يشترط في صحة النكاح سماع الشهود للخطبة، فلو رفع صوته قدر ما يبلغ، ولكن كانوا كلهم أو بعضهم صمًا فوجهان: الصحيح: لا يصح كما لو بعدوا.
والثاني: يصح كما لو حلف لا يكلم فلانًا فكلمه بحيث يسمع فلم يسمع لصممه، فإنه يحنث انتهى.
كلامه.
فيه أمور: أحدها: أن وجوب إسماع الأربعين ذكره الرافعي والنووي في بقية كتبهما، مع أنهما قد صححا أن الإمام محسوب من الأربعين.
وقياسه الاقتصار على تسعة وثلاثين، فإن أرادوا إسماع نفسه، ومنع كونه أصم إذا كانوا أربعين فقط كان بعيدًا، ولا معنى له أيضًا.
الأمر الثاني: أنه قد تلخص مما ذكره الرافعي وجوب الرفع من الإمام، والسماع من المأمومين، والإسماع شامل لهما وبهذا نفاه الله تعالى عند انعقاد السماع فقال: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ 8. الأمر الثالث: أن ما جزم به من الحنث إذا لم يسمع الصممة قد اختلف فيه كلام النووي، وسأذكر ذلك واضحًا مع بيان ما يفتى به في موضعه إن شاء الله تعالى.
واعلم أن الكلام جميعه إنما هو في إسماع الأركان فقط لا الخطبة

الجزء: 3 - الصفحة: 386

جميعها فتفطن له، فإن الزائد لا يشترط ذكره فضلًا عن إسماعه.

قوله: وكلم أيضًا سليكًا.
هو بضم السين وفتح اللام.

قوله: وإذا قلنا بالجديد وهو أن الكلام لا يحرم فقال في "التهذيب": ففي رد السلام وجهان: أصحهما: وجوبه.
وقال الإمام: لا يجب، وفي استحبابه وجهان.
وأما التشميت ففي استحبابه الوجهان في رد السلام قاله البغوي.
وذكر المصنف في "الوسيط" أن التشميت يجب، وهو خلاف ما أطبق عليه الأئمة، فإنهم قالوا: التشميت محبوب غير واجب بحال، والوجه تأويله.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور: أحدها: أن النووي في "الروضة" لم يصرح أيضًا بتصحيح في مسألة الرد، وقد صحح الرافعي في "الشرح الصغير" أنه لا يجب، بل يستحب.
وصحح النووي في "شرح المهذب" وجوبه، ونقل أعني النووي في "التبيان" تصحيحه عن الأصحاب والفتوى عليه، فإنه ظاهر لفظ الشافعي في "المختصر" وغيره.
الأمر الثاني: أن الرافعي لم يصرح بتصحيح في التشميت، وقد صرح [بتصحيح] 9 استحبابه في "الشرح الصغير"، وصححه النووي في "شرح المهذب" وفي أصل "الروضة".
الأمر الثالث: أن ما نقله الرافعي عن "الوسيط" من وجوب التشميت

الجزء: 3 - الصفحة: 387

غلط، فقد قال الغزالي في "الوسيط" ما نصه: التفريع إن قلنا: يجب الإنصات، ففي من لا يسمع صوت الخطيب وجهان، لأنه ربما يتداعى إلى كلام السامعين، وعلى وجوب الإنصات لا يسلّم الداخل، فإن سلّم لا يُجاب، وفي تشميت العاطس وجهان، لأنه غير مختار.
وإن قلنا: لا يجب، فيشمت العاطس، وفي رد السلام وجهان لأنه ترك المستحب اختيارًا.
هذا لفظ "الوسيط" وذكر في "البسيط" نحوه أيضًا.

قوله: والخطيب إذا صعد المنبر فينبغي لمن ليس في الصلاة من الحاضرين أن لا يفتتحها، سواء صلى السنة أم لا، ثم قال ما نصه: وأما الداخل في أثناء الخطبة فتستحب له التحية خلافًا لمالك وأبي حنيفة حيث قالا: تكره له الصلاة كما للحاضرين.
انتهى.
وما ذكره في آخر كلامه من كراهة الصلاة للحاضرين ذكر مثله في "الشرح الصغير"، ولم يذكره في "الروضة" وهو صريح في أن الحاضرين لا تحرم عليهم الصلاة، بل تكره، ويكون ذلك مبينًا لما أراده أولًا بقوله: "ينبغي" فقد تبعه في "الحاوي الصغير" على عدم تحريمه، وذكر النووي في "شرح المهذب" أن المعروف من مذهب الشافعي هو التحريم، فقال: قال أصحابنا: إذا جلس الإمام على المنبر امتنع ابتداء النافلة، ونقلوا الإجماع فيه.
قال صاحب "الحاوي": إذا جلس الإمام على المنبر حرم على من في المسجد أن يبتدئ صلاة النافلة، وإن كان في صلاة خفف، وهذا إجماع، هذا كلام "الحاوي"، وهو صريح في تحريم الصلاة بمجرد جلوس الإمام على المنبر وأنه مجمع عليه.
وقال البغوي: إذا ابتدأ الخطبة لا يجوز لأحد أن يبتدئ صلاة سواء

الجزء: 3 - الصفحة: 388

كان قد صلى السنة أم لا.
وقال الشيخ أبو حامد: إذا جلس الإمام على المنبر انقطع النفل، فمن لم يكن في صلاة لم يجز أن يبتدئها، فإن كان في صلاة خففها.
وقال المتولي: إذا قلنا: الإنصات سنة، جاز أن يشتغل بالقراءة، وصلاة النفل؛ وإن قلنا: الإنصات واجب، حرم ذلك.
هذا كلامه.
والمشهور المنع من الصلاة مطلقًا سواء أوجبنا الإنصات أم لا.
انتهى ما قاله في "شرح المهذب"، وكأنه لم يطلع على مقالة الرافعي، وسببه أنه لم يصرح به في "الروضة"، وهو لا ينقل غالبًا عن الرافعي في الشرح المذكور إلا مما لخصه في "الروضة" ثم إن صاحب "التتمة" لم ينفرد بذلك، بل سبقه إليه شيخه القاضي حسين في تعليقته.
وجزم الصيمري في "شرح الكفاية" بالتحريم بمجرد الرقي فقال: ولا يجوز لمن رأى الإمام يرقى منبره يوم الجمعة أن يبتدئ صلاة نافلة، هذه عبارته.
وقال الشيخ نصر في كتابه المسمى "بالمقصود": ومن كان قاعدًا في المسجد فليس له إذا جلس الإمام على المنبر وأخذ المؤذنون في الأذان أن ينشئ صلاة نافلة، ولا يطيلها، بل يخففها انتهى.
وقد استفدنا من كلامه أن الإطالة كالإنشاء وهي مسألة حسنة فاعلمها، وتلخص أن المشهور هو التحريم.

قوله: وقول الغزالي: وهل يحرم الكلام على من عدا الأربعين؛ يقتضي الجزم بتحريم الكلام على الأربعين، وهو بعيد ومخالف لما نقلوه، أما بعده فلأنه إذا حضر جَمعْ زائدون على الأربعين وهم بصفة الكمال فلا يمكن أن يقال: إن الجمعة تنعقد بأربعين منهم على التعيين حتى يفرض تحريم الكلام عليهم قطعًا، بل الوجه الحكم بانعقادها بهم أو بأربعين لا على التعيين.

الجزء: 3 - الصفحة: 389

وأما مخالفته للنقل فإنك لا تجد إلا إطلاق القولين في السامعين ووجهين في حق غيرهم.
انتهى ملخصًا.
وما استند إليه في إبطال كلام الغزالي من المعنى، والنقل قد تابعه عليه في "الروضة"، وهو غريب باطل.
أما الأول: وهو فساد ما أبطل به من جهة المعنى فإن الغزالي لم يوجب السكوت على أربعين منهم على التعيين، بل أوجب سكوت أربعين من الحاضرين، وهو أمر معقول كفروض الكفايات كلها، وحينئذ فإن سكتوا ولا كلام، وإلا أتم المتكلمون كلهم.
وأما الثاني: وهو دعواه أنه مخالف لما نقلوه وأنك لا تجد ذلك فغريب جدًا، فقد صرح به الإمام في "النهاية" مع أن استمداد كلام المنكر وهو الرافعي، والمنكر عليه وهو الغزالي منهم غالبًا فقال بعد فراغه مما قاله الناس: والآن قد حان [أن] 10 ننبه على حقيقة المسألة فنقول: كان شيخي وغيره يجعلون الخلاف في وجوب الإنصات خلافًا في وجوب الإسماع، وأنا أقول: من أنكر وجوب الاستماع والإصغاء فليس معه من حقيقة هذه القاعدة شئ، فيجب القطع على مذهب الشافعي بالوجوب، ولو جاز ترك ذلك لما كان في إيجاب حضور أربعين من أهل الكمال معنى وفائدة.
ولو وجب أن يحضروا ويثابوا والإمام رافع صوته، ولا يعتقده ذو بصيرة فيجب القطع بإصغاء أربعين وإسماع الإمام إياهم، وإلا كان قطعًا بمثابة ما لو لم يحضروا، وإذا كان كذلك فنقول: إذا اجتمع في بلده من أهل الكمال مائة ألف مثلًا فيجب الاستماع من أربعين منهم لا بأعيانهم، وفي الباقي ممن أمكن الاستماع منه القولان، ثم قال أيضًا: فنقول: لو تكلم الجميع على وجه انقطعوا به عن السماع خرجوا قطعًا بترك فرض الكفاية، و [لم] 11 تتعطل الخطبة، وإن سمعها أربعين صحت الجمعة.

الجزء: 3 - الصفحة: 390

ثم في تحريم إقدام آحاد الحاضرين على الكلام القولان.
انتهى ملخصًا.
وهو كلام حسن مبين قديم منطبق على ما ذكرنا.

قوله: ولو دخل في أثناء الخطبة صلى السنة وحصلت التحية.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة"، ومقتضى إطلاقه أنه يصلي أربع ركعات إما بتسليمة أو بتسليمتين وكلام "التنبيه" ينفيه، فإنه قال: ولا يزيد على تحية المسجد بركعتين، ولفظ الحديث يدل عليه أيضًا، فإن السنة المتقدمة تؤخر وتكون أداء وإنما اغتفرنا ركعتين لأجل التحية.
فإن حمل كلامه على المتأكد وهو ركعتان فلا [إشكال] 12.

قوله: وورائها واجبات أخر منها نية الخطبة وفرضيتها، حكى القاضي حسين اشتراط ذلك في كمال الصلاة.
انتهى.
نقل عن القاضي أن ذلك تفريع على قولنا: إنها بدل عن الركعتين، وعبر في "الروضة" بقوله: اشترطهما القاضي، وهو غير مطابق، وأيضًا فكلام الرافعي ليس فيه ما يدل على رد ما حكاه القاضي، فإنه حكاه، وسكت عليه، وذكر نحوه في "الشرح الصغير" أيضًا، وكلام النووي في "الروضة" يوهم أن الصحيح خلافه.

قوله: ومنها الترتيب، ذكر صاحب "التهذيب" وغيره أنه واجب، فيبتدئ بالحمد ثم بالصلاة ثم الوصية، وقال صاحب "العدة" وآخرون: لا يجب.
انتهى.
جزم الرافعي في "المحرر" بالاشتراط، وصححه أيضًا في "الشرح الصغير"، وصحح النووي في كتبه عدم الوجوب، ونقله الماوردي في "الحاوي" عن نص الشافعي في "المبسوط"، والروياني في "البحر" عن

الجزء: 3 - الصفحة: 391

نصه في "الأم"، فلتكن عليه الفتوى.
واعلم أن النووي في "الروضة" و"المنهاج" وغيرهما صرح بأن الترتيب شرط، وجعله هو وغيره ركنًا في الوضوء والتيمم والصلاة، ويأتي مثله أيضًا في القيام.

قوله: ومن السنن أن يسلم على من عند المنبر إذا انتهى إليه، ثم إذا صعد وأقبل عليهم بوجهه سلم.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وفيه قصور، نبه عليه في "شرح المهذب" وحاصله أنه يستحب إذا دخل المسجد أن يسلم لأجل إقباله، فإذا انتهى إلى المنبر سلم ثانيًا لأنه يريد مفارقتهم، ثم إذا صعد سلم للإقبال عليهم ثانيًا.

قوله: وقول "الوجيز": ويديم الإمام الجلوس إلى فراغ المؤذن من الأذان، وحد لفظ المؤذن يمكن حمله على ما حكى في "البيان" عن صاحب "الإفصاح" والمحاملي أن المستحب أن يكون المؤذن للجمعة واحدًا، وفي كلام بعض أصحابنا، ما يشعر باستحباب التعدد.
انتهى كلامه.
تابعه عليه في "الروضة" وفيه أمور: أحدها: أن نقله استحباب الواحد عن هذين فقط غريب، فقد نص عليه الشافعي في "الأم" كما نقله عنه الشيخ أبو حامد في "التعليق" فقال ما نصه: والأذان المسنون هو أن يؤذن حين يجلس الإمام على المنبر، فإن أذن مؤذن قبل هذا الأذان أو أذن بين يدي المنبر جماعة كرهته وأجزأه، انتهى كلام الشافعي.
ونقله عنه أيضًا البندنيجي والمحاملي وغيرهما.
الثاني: أن حمل التعبير الواقع في كلام الغزالي على ذلك غير مستقيم

الجزء: 3 - الصفحة: 392

لأنه في "الوسيط" قد عبر بذلك بعد تعبيره بالجميع فقال ما نصه: ويؤذن المؤذنون بين يديه، ثم قال: فإذا فرغ المؤذنون قام الخطيب.
هذا لفظه.
فبطل إرادة هذا المعنى، ودل على أنه أراد الجنس.
الثالث: أن ما نقله من إشارة بعضهم باستحباب التعدد فقد أشار إليه الشافعي في "البويطي" فقال ما نصه: النداء يوم الجمعة هو الذي يكون والإمام على المنبر يكون المؤذنون يستفتحون على المنارة جملة حين يجلس الإمام على المنبر حتى يستمع الناس فيأتون إلى المسجد.
انتهى.
قال في "التتمة": ولو أذن المؤذن في موضع بعيد عن الإمام، ولم يؤذن بين يديه، أو أذن بين يديه لكن الإمام لم يشتغل بالخطبة عقبه لم يكن المؤذن آتيًا بالسنة، وكذا في تعليق القاضي الحسين.

قوله في الخطبة: إن المستحب أن لا تكون مؤلفة من الكلمات المبتذلة، ولا من الغريبة الوحشة.
اعلم أن المبتذلة بالباء الموحدة قبل التاء المثناة، وبالذال المعجمة هي التي كثر استعمالها وألفت والوحش هو الغريب.
قال الجوهري: حوشى الكلام وحشيه وغريبه.
هذا لفظه.

قوله: وثانيهما يقبض السيف ونحوه، ولم يتعرض الأكثرون لذلك، وذكر في "التهذيب" أنه يقبضه باليسرى.
انتهى.
وقد تعرض له القاضي حسين أيضًا، وذكر كما ذكر في "التهذيب" وكذلك الخوارزمي في "الكافي".

قوله من "زياداته": يكره في الخطبة أمور ابتدعها الجهلة منها: الدق على درج المنبر، والدعاء إذا انتهى صعوده قبل أن يجلس، ومنها: المجازفة في أوصاف السلاطين.

الجزء: 3 - الصفحة: 393

فأما أصل الدعاء للسلطان فقد ذكر صاحب "المهذب" وغيره أنه مكروه، والاختيار أنه لا بأس به.
انتهى.
وأما ما ذكره في الدق فقد أفتى الغزالي باستحبابه وعلله بأن فيه تنبيهًا للسامعين.
وأما الدعاء فقد نص أبو بكر الفارسي البيضاوي صاحب كتاب "التبصرة" على استحبابه فقال: ينبغي للخطيب أن يقف على كل مرقاة وقفة خفيفة يسأل الله تعالى فيها المعونة والتسديد، كذا نقله عنه ابن الصلاح في "طبقاته" التي لخصها النووي، ولعله في غير "التبصرة" فقد راجعت نسختين من الكتاب المذكور فلم أجده فيها، ثم راجعت كتاب "الأدلة على الكتاب" وهو له أيضًا فلم أجده.
وأما الدعاء فقد ذكر الشاشي في "الترغيب" أنه لا يجب، ولا يستحب، وهو يوافق ما قاله النووي بحثًا.

قوله من "زياداته": وذكر صاحب "العدة"، "والبيان" أنه يستحب للخطيب إذا وصل المنبر أن يصلي تحية المسجد ثم يصعد، وهذا الذي قالاه غريب وشاذ مردود، فإنه خلاف ظاهر المنقول عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والصحابة.
انتهى.
والذي قاله النووي غريب ضعيف نقلًا وبحثًا، أما بحثًا فلأنه داخل للمسجد فتستحب له التحية وقياسًا على غيره أيضًا، وعدم النفل لا يدل على العدم، فإن الترك قد يكون للعلم بالشئ لأدلة خارجة.
وأما نقلًا فإن الموجود لأئمة المذهب هو استحبابه، وصرح به منهم الشيخ أبو حامد في "التعليق" والبندنيجي في "تعليقه" الذي قال في خطبته إنه تهذيب المذهب، والروياني في "البحر" وسليم الرازي في "المجرد" والجرجاني في كتبه "التحرير" و"الشافي" و"البلغه"، وصاحب

الجزء: 3 - الصفحة: 394

"الاستقصاء"، وكذلك صاحب "العدة" و"البيان" كما تقدم.
ونقل القمولي شارح "الوسيط" أن الشيخ عز الدين بن عبد السلام كان يصليها لما ولى خطابة الجامع العتيق بمصر.
فهذه نقول متظافرة على استحبابها، ويؤيده أنه في "شرح المهذب" لم ينقل ذلك عن أحد مع تتبعه فيه للنقول، فيقال للشيخ محي الدين من الذي نص على عكسه حتى تطلق القول بأن ما قالاه شاذ غريب، وكلامه هنا يقتضي أنه لم يرَ استحبابها إلا لهذين المتأخرين صاحب "البيان" و"العدة".
نعم في "الحاوي" للماوردي أنها لا تستحب.

الجزء: 3 - الصفحة: 395

الباب الثاني فيمن تلزمه الجمعة

قوله: ولا جمعة على صبي ولا على مجنون ومسافر.
اعلم أن شرط السفر المسقط للجمعة أن يكون مباحًا، وقد نبه عليه في "الروضة" من زياداته في باب صلاة المسافرين.
والمغمى عليه حكمه حكم المجنون في عدم اللزوم، وقد استدركه النووي في "الروضة" هنا.

قوله: وأما [المرضى] 13 فقد أطلق كثيرون أنه ليس لهم بعدما حضروا الانصراف.
وقال الإمام: إن حضر قبل الوقت فالوجه القطع بأن له ذلك، وإن دخل الوقت وفاتت الصلاة لزمه الجمعة، وإن كان يتخلل زمان بين دخول الوقت وبين الصلاة، فإن لم يلحقه مزيد مشقة في الانتظار حتى تقام الصلاة لزمه ذلك، وإن لم تلحقهم لم تلزمه، وهذا تفصيل فقيه، فلا يبعد أن يكون كلام المطلقين محمولًا عليه.
انتهى ملخصًا.
ذكر نحوه في "الشرح الصغير" أيضًا، وهذا التفصيل الذي قاله الإمام قد جزم به في "المحرر" وتبعه عليه النووي في "المنهاج".

قوله: فأما إذا أحرم الذين لا تلزمهم الجمعة بالجمعة ثم أرادوا الانصراف قال في "البيان": لا يجوز ذلك للمسافر والمريض، وفي العبد والمرأة وجهان حكاهما الصيمري.
انتهى.
والأصح أنه لا يجوز لهما أيضًا الانصراف، كذا صححه النووي في

الجزء: 3 - الصفحة: 396

"شرح المهذب" و"زيادات الروضة" وعلله بأن صلاتهما قد انعقدت عن فرضهما فتعين إتمامها، وقد قدمنا أن من دخل في فرض لأول الوقت لزمه إتمامه فهنا أولى.

قوله: والوحل الشديد عذر في أصح الوجهين، ثم قال: والثاني ليس بعذر لأن له علة دافعة وهي الخفاف والصنادل.
انتهى.
الصنادل بالصاد المهملة والنون والمفرد صندل وهو في اللغة البعير الضخم الرأس، كما قاله الجوهري.
لكن مرادهم الإبل كيف كانت، والمعنى أن الذاهب إلى الجمعة يمكنه الاستعانة على دفع الوحل بالركوب، وبلبس الخفاف ونحوها.

قوله: أما المريض فإن كان للمريض من يتعهده ويقوم بأمره نظر إن كان قريبًا وهو مشرف على الموت فلهما التخلف عن الجمعة، وكذلك إن كان غير مشرف، ولكنه كان يستأنس به كما قاله في "التهذيب"، وإن كان أجنبيًا لم يجز التخلف بحال.
انتهى.
فأما ما قاله صاحب "التهذيب" من جواز التخلف إذا كان يستأنس به القريب فقد ارتضاه الرافعي وجزم به في "المحرر" و"الشرح الصغير"، وكذلك النووي في "الروضة".
وأما المنع عند استئناس الأجنبي [به] 14 فقد جزم به الرافعي أيضًا في الكتابين المذكورين، وذكره أيضًا النووي كذلك في "الروضة"، ثم جزم في "المنهاج" بعكسه فقال في باب صلاة الجماعة: وحضور قريب محتضر أو مريض بلا متعهد أو يأنس به.
واعلم أن الواقع في "المنهاج" غلط، فإن الرافعي قال في "المحرر": وإنما يكون التمريض عذرًا إذا لم يكن للمريض متعهد، فإن كان له متعهد

الجزء: 3 - الصفحة: 397

بأن كان قريبًا مشرفًا على الموت أو كان يستأنس به فهو معذور في التخلي، وإلا فلا يعذر.
هذا لفظ الرافعي في "المحرر".
فقوله: "أو كان يستأنس به" معطوف على قوله: "مشرفًا"، فيكون التقسيم في القريب، فتوهم النووي أنه معطوف على قوله قريبًا، فلذلك حصل ما حصل.

قوله: فإن دخل أهل القرية المصر فصلوها فيه، سقط الفرض عنهم، وكانوا مسيئين لتعطيلهم الجمعة في قريتهم، وفيه وجه أنهم غير مسيئين.
انتهى.
تابعه في "الروضة" و"شرح المهذب" على التعبير بالإساءة وليس فيها صراحة بكون المراد هو التحريم أو الكراهة إلا أن المفهوم منها عند الرافعي هو التحريم، ذكر ذلك في باب استيفاء القصاص بعد نحو أربعة أوراق من أوله فقال: ولو قتل واحد جماعة مرتبين وجاء ولى الثاني يطلب القصاص، فعن نص الشافعي أنه قال: أحببت أن يبعث الإمام إلى ولى الأول ليعرف أهو طالب أو عافٍ؟ فإن لم يبعث وقتله بالثاني كرهته؛ ثم قال: ويشبه أن تكون الكراهة كراهة التحريم، ويدل عليه ما روى عن الأم، فقد أساء بدل لفظ الكراهة.
هذه صيغته.
وقد صرح جماعة بالجواز منهم الشيخ أبو حامد في "التعليق" فقال: الأفضل أن يصلوا في قريتهم، وابن الصباغ في "الشامل" فقال: هم بالخيار، وسليم في "المجرد" فقال: يكره دخولهم المصر.
وعبارة الخوارزمي في "الكافي" [قربت من عبارة ابن الصباغ.
وذهب آخرون إلى المنع] 15 فقال البغوي في "فتاويه": فعليهم إقامة الجمعة هناك.
وقال المحاملي في "المقنع" و"الروياني" في "الحلية": يلزمهم

الجزء: 3 - الصفحة: 398

إقامتهاهناك.

قوله: ولو كانت القرية على قمة جبل ويسمع أهلها النداء لعلوها، ولو كانت على استواء الأرض لما سمعوا أو كانت في وهدة من الأرض لم يسمع أهلها النداء لانخفاضها، ولو كانت على استواء الأرض لسمعوا ففيه وجهان: أظهرهما: لا تجب الجمعة في الصورة الأولى، وتجب في الثانية اعتبارًا بالسماع بتقدير الاستواء وإعراضًا عما يعرض.
انتهى كلامه.
رجح في "الشرح الصغير" عكسه، وهو أن العبرة بنفس السماع لا بحالة الاستواء، وعبر عنه بالأظهر كما عبر هنا، وهو غريب.
ولم يتعرض لها في "المحرر"، وصحح النووي في "الروضة" و"شرح المهذب" كما في "الكبير".

قوله: وكذلك يجب السعي إليها -أي إلى الجمعة- لمن بعد داره قبل الزوال.
انتهى.
هذه المسألة أسقطها النووي هاهنا من "الروضة" لكنه ذكرها في كتاب الجهاد.

قوله: ويحرم إنشاء السفر المباح بعد الزوال، وكذا قبله في الجديد، وهل كون السفر طاعة عذر في إنشائه بعد الزوال؟ المفهوم من كلام الأصحاب أنه ليس بعذر، ورووا عن أحمد أنه عذر.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره هاهنا قد ذكر في "الشرح الصغير" ما يقتضيه أيضًا، وخالف في "المحرر" فجزم بمذهب الإمام أحمد فقال: ويحرم إنشاء السفر يوم الجمعة بعد الزوال إذا كان السفر مباحًا دون ما إذا كان

الجزء: 3 - الصفحة: 399

واجبًا أو مندوبًا.
هذا لفظه.
وذكر مثله صاحب "الحاوي الصغير"، واستدركه في "المنهاج" فقال: قلت: الأصح أن الطاعة كالمباح، وكذلك في "الروضة" إلا أنه عبر بالأظهر فناقض.
الثاني: أن كلامه يشعر بأن المراد بالمباح هو مستوى الطرفين، وبه صرح في "شرح المهذب"، وحينئذ فيكون ساكتا عن المكروه، وخلاف الأولى والقياس امتناع الترك بهما.

قوله: وحيث قلنا بالتحريم فله شرطان: أحدهما: أن لا ينقطع عن الرفقة، ولا يناله ضرر [في تخلفه للجمعة، فإن انقطع وفات سيره بذلك أو ناله ضرر] 16 فله الخروج بعد الزوال بلا خلاف.
وحكى أبو حاتم القزويني وجهين في جوازه بعد الزوال لخوف الانقطاع.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وفيه أمران: أحدهما: أن مقتضى كلامه أن مجرد الانقطاع عن الرفقة إذا لم يحصل منه ضرر، ولا يؤدي إلى ترك السفر لا يكون عذرًا، وبه صرح أيضًا في "المحرر" و"شرح المهذب" وهو مقتضى ما في "الشرح الصغير".
والصواب أن مجرد الانقطاع عذر لما فيه من الوحشة وهو المجزوم به هاهنا في "الكفاية".
وقد سبق في باب التيمم في الكلام على الذهاب إلى الماء التصريح بما ذكرته.

الجزء: 3 - الصفحة: 400

الثاني: أن الوجه القائل بأنه ليس بعذر لا يمكن أن يكون [محله عند حصول الضرر لاستحالة القول به، فتعين أن يكون] 17 عند مجرد الانقطاع، وحينئذ فيكون المعروف خلافه وهو المدعى، ووقع في "شرح المهذب" حكايته في المجموع وهو خطأ.

قوله: الشرط الثاني: أن لا يمكنه صلاة الجمعة في منزله أو طريقه فإن أمكنت فلا منع بحال.
انتهى.
والتعبير بالإمكان ذكره أيضًا في "المحرر" و"الروضة" والتعبير به غير مستقيم، فإن الإمكان يصدق عند غلبة الظن لعدم الإدراك، ولا شك في التحريم، وعند التردد على السواء، والمتجه التحريم أيضًا.
ولهذا قالوا: إذا خشى المريض الغصب فلا يحل له تأخير الحج، وقالوا: يستحب البداءة بالفائتة إن لم يخش فوات الحاضرة، فإن خشى وجب تقديمها وقد عبر الرافعي في "الشرح الصغير" بالتمكن فقال: إن تمكن منها جاز، وإن لم يتمكن لم يجز، ولا شك أنه المراد من هذه العبارة المحرفة.
وبالغ النووي في "شرح التهذيب" فقال: "يشترط فيه العلم بالإدراك"، وفيما قاله نظر، والمتجه الاكتفاء بغلبة الظن.

قوله: وإذا اجتمع معذورون استحبت لهم الجماعة في ظهرهم على الأصح.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على إطلاق الخلاف، ومحله إذا كانوا في البلد، أما إذا كانوا مسافرين فإن الجماعة تطلب منهم بالإجماع، كذا ذكره النووي في "شرح المهذب" في الاستدلال على المسألة.

قوله في "أصل الروضة": ومن لا عذر له إذا صلى الظهر قبل فوات

الجزء: 3 - الصفحة: 401

الجمعة لا تصح صلاته على الجديد، ثم قال: فإن قلنا بالقديم فصلى الجمعة ففي الفرض طريقان: أحدهما: أنه أحدهما لا بعينه ويحتسب الله بما شاء منهما.
والطريق الثاني: فيه أربعة أقوال: أحدها: الفرض الظهر.
الثاني: الجمعة.
الثالث: كلاهما.
والرابع: أحدهما لا بعينه.
انتهى.
والصحيح هو القول الرابع، فقد قال الرافعي في "الشرح الصغير": هو الذي أورده أكثرهم، وهو مقتضى كلامه في "الكبير" أيضًا فاعلمه، فإن الرافعي نقل هذه الأقوال عن الشيخ أبي محمد، ثم قال: والذي أورده ابن الصباغ وغيره هو الرابع، فدل على أنه المشهور.

قوله في المسألة المذكورة أيضًا: فإن صلى الظهر بعد فوات الجمعة وقبل سلام الإمام فقال ابن الصباغ: ظاهر كلام الشافعي -يعني في الجديد- بطلانها، ومن أصحابنا من يقول بالجواز.
انتهى.
والأصح هو الأول، كذا قاله النووي في "شرح المهذب" قال: لأنه لم يتحقق فواتها لجواز بطلانها، وقياس ما قاله وجوب الإحرام بالجمعة، وإذا ترك الإحرام حتى سلم الإمام فالقياس وجوب الظهر على الفور.
وإن كانت أداءًا لأنه عصى بتأخير الجمعة فأشبه العصيان بخروج الوقت، وفيما قاله إشكال.
فقد صرح في كتبه بأن من يرجى زوال عذره إنما يستحب له التأخير إلى الفوات لا إلى الفراغ، واستحباب التأخير هنا هو نظير وجوب التأخير هناك.
وقد يصرف بأن الجمعة لما كانت واجبة على الأول لم يرفع هذا الوجوب إلا باليقين احتياطًا.

الجزء: 3 - الصفحة: 402

الباب الثالث في كيفية إقامة الجمعة

قوله: ولو أحدث بعد الغسل لم يبطل الغسل فيتوضأ.
انتهى.
وكذلك أيضًا لو أجنب بجماع أو غيره لا يبطل الغسل، فيغتسل للجنابة، وقد نبه عليه النووي في "زيادات الروضة" و"شرح المهذب".

قوله: فمنها -أى من الأغسال المسنونة- اغتسال الحج.
. . إلى آخره.
أهمل هو والنووي هاهنا أغسالًا مستحبة منها الغسل للاعتكاف، نص عليه الشافعي، كذا رأيته في كتاب "اللطيف" لابن خيران الصغير، وهو أبو الحسن البغدادي، وليس بأبي على بن خيران المشهور.
وهذا الكتاب قد نقل عنه الرافعي في كتاب العدد وفي غيره، ومنها الغسل لكل ليلة من رمضان كما رأيته في "طبقات الفقهاء" للعبادي نقلًا عن الحليمي، وهو كتاب كثير الغرائب، ومنها الغسل لحلق العانة كما رأيته في [لباب] 18 المحاملي "ورونق" أبي حامد، ولبلوغ الصبي كما رأيته في "الرونق"، ومنها الغسل لدخول المدينة، ودخول الحرم كما رأيته في "كتاب الخصال" لأبي بكر الخفاف وصرح النووي أيضًا في مناسكه بالاستحباب للمدينة، ومنها الغسل في الوادي عند سيلانه كما ذكروه في الاستسقاء.
ومقتضى كلامهم أن هذا الغسل وأمثاله لا يشترط فيه النية، وهو متجه.
قال في "الروضة": قال أصحابنا: يستحب الغسل لكل اجتماع،

الجزء: 3 - الصفحة: 403

وفي كل حال يغير رائحة البدن، وأما الغسل لدخول الكعبة فقد نقل في "النهاية" هنا استحبابه عن صاحب "التلخيص"، والنقل المذكور غلط، كما أوضحته في كتاب "الهداية إلى أوهام الكفاية" فراجعه.

قوله: وأما الغسل من غسل الميت ففيه قولان: القديم: أنه واجب.
انتهى.
وحكاية هذا القول عن القديم ذكره جماعة منهم الرافعي والنووي وابن الرفعة في كتبهم، وليس كذلك، بل هو جديد فقد نقله المزني عن الشافعي وهو من أجل رواته في الجديد، كذا جزم بنقله عنه في مختصره الذي سماه "نهاية الاختصار من قول الشافعي"، وهو مختصر لطيف غريب، وتاريخ فراغ النسخة التي ظفرت بها سنة ثمان وأربعمائة.

قوله في المسألة: وعلى الجديد غسل الجمعة [والغسل من غسل الميت آكد الأغسال المسنونة، وأنهما آكد فيه قولان: الجديد: الغسل من غسل الميت للاختلاف في وجوبه بخلاف غسل الجمعة] 19. والقديم: الغسل للجمعة أفضل وهو الراجح عند الأكثرين.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ادعاه من عدم الخلاف في أن غسل الجمعة مستحب لا واجب قد وافقه عليه النووي وابن الرفعة وغيرهما، وليس كذلك فقد ذهب الشافعي في كتاب "الرسالة" إلى وجوبه فإنه ذكر قوله -عليه الصلاة والسلام-: "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم" 20.

الجزء: 3 - الصفحة: 404

وقوله: "من جاء منكم الجمعة فليغتسل" 21، ثم قال عقبهما ما نصه: قال محمد بن إدريس: وكأن قول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في غسل يوم الجمعة واجب، وأمره بالغسل يحتمل معنيين، الظاهر منهما أنه واجب، فلا تجزئ الطهارة لصلاة الجمعة إلا بالغسل كما لا يجزئ في طهارة الجنب غير الغسل، ويحتمل أنه واجب في الاختيار وكريم الأخلاق والنظافة.
هذا لفظه بحروفه ومن كتاب "الرسالة" نقلت، وهو من الكتب الجديدة فإنه من رواية الربيع، ثم استدل الشافعي للاحتمال الثاني بقصة عثمان لما دخل وعمر يخطب، وأخبر بأنه لم يزد على الوضوء، ولم يأمره بالرجوع إلى الغسل.
وقد استفدنا من كلام الشافعي المتقدم أن الغسل شرط لصحة الجمعة فاعلمه، وهذا الذي نقلناه مذكور قبيل باب النهى عن معنى دل عليه معنى من حديث غيره، وهو نحو نصف الكتاب، ورأيت أيضًا في شرح عتبة بن شريح لأحد تلامذة القفال حكاية قولين فيه، وأن القديم هو الوجوب فقال قبل التيمم بنحو صفحة ما نصه: الغسل للجمعة عندنا سنة مؤكدة.
وقال بعض أهل الحديث: واجب، وهو قوله القديم، وقول مالك.
هذه عبارته، وتاريخ فراغ النسخة التي نقلت منها سنة سبع عشرة وخمسمائة.
فتلخص أن الوجوب منصوص عليه في القديم والجديد معًا.
الأمر الثاني: كيف يستقيم أن يكون الغسل من غسل الميت واجبًا على القديم مع كون غسل الجمعة الذي هو سنة آكد منه على هذا القول أيضًا؟ وهذا السؤال متجه على "الروضة".
وأما الرافعي فإنه لما استشعر اختلافًا في هذا الكلام احتال في الشرحين على دفعه بإثبات قولين في القديم، وسببه عدم اطلاعه على الخلاف الذي نقلناه في وجوب غسل الجمعة، وبعد ثبوته استقام الكلام.

قوله من "زياداته": الصواب الجزم بترجيح غسل الجمعة لكثرة الأخبار

الجزء: 3 - الصفحة: 405

الصحيحة فيها، وأما الغسل من غسل الميت فلم يصح فيه شئ.
انتهى.
قال الماوردي في "الحاوي": خَرَّجَ بعض المحدثين لصحة الحديث الوارد في غسل الميت مائة وعشرين طريقًا.
وأما ما استدل به النووي فقد أجاب عنه الشيخ أبو حامد في "التعليق" فقال: ولا شك أن هذا متردد بين أن يصح فنقول بوجوبه، وبين أن لا يصح فيكون على الاستحباب، والمتردد بين فرض وندب آكد من المندوب بكل حال، فصارت صحة هذا مقتضية لما اقتضى ذلك مع ضعفه لأنا لا نقول إلا بالندبية في غسل الجمعة مع ثبوت صحته، ولا ننفي الندبية عن غسل الميت على تقدير ضعفه، بل نثبتها فساوى ضعف هذا صحة ذاك، وبقى احتمال الصحة سالمًا عن المعارض، والأحاديث المشار إليها وهى "من غسل واغتسل" 22 ونحوها قد رويت بتخفيف السين من غسل قال الصيدلاني في "شرح المختصر".
أشار بذلك إلى الوضوء والغسل.

قوله: ومنها الغسل من الحجامة والخروج من الحمام، ذكر صاحب "التلخيص" عن القديم استحبابهما والأكثرون لم يذكروهما.
قال صاحب "التهذيب": قيل المراد بغسل الحمام إذا تنور -أى استعمل النورة- لإزالة الوسخ والشعر.
قال: وعندي أن المراد به أن يدخل الحمام فيعرق فيستحب أن لا يخرج من غير غسل.
انتهى.
قال في "الروضة": وقيل الغسل من الحمام هو أن يصب عليه ماء عند إرادته الخروج تنظفًا كما اعتاده الخارجون منه.
قال: والمختار الجزم باستحباب الغسل من الحجامة والحمام، فقد

الجزء: 3 - الصفحة: 406

نقل صاحب "جمع الجوامع" في منصوصيات الشافعي أنه قال: أحب الغسل من الحجامة والحمام، وكل أمر غيَّر الجسد، وأشار الشافعي إلى أن حكمته أن ذلك يغير الجسد ويضعفه، والغسل يشده وينعشه.

قوله في "أصل الروضة": والساعة الأولى أفضل ثم الثانية ثم الثالثة فما بعدها للحديث المعروف 23. وتعتبر الساعات من طلوع الفجر على الأصح، وقيل: من طلوع الشمس، وقيل: من الزوال.
ثم ليس المراد على الأوجه كلها بالساعات الأربع وعشرين، بل ترتيب الدرجات وفضل السابق على الذي يليه، لئلا يستوي في الفضيلة رجلان جاءا في طرفي ساعة.
انتهى كلامه.
وهذا الذي جزم به في تفسير الساعات قد جزم بما يخالفه في "شرح المهذب" فقال: المراد بالساعات الساعة المعروفة خلافًا لما قاله الرافعي، ولكن بدنة الأول أكمل من بدنة الثاني كما يقول في [السبع] 24 والعشرين درجة أنها تترتب على مسمى الجماعة، ولكن درجات الأكثر جماعة يكون أكمل من الأقل.
انتهى.
وذكر مثله في "شرح مسلم" أيضًا، وكلامه يوهم انفراد الرافعي بهذه المقالة، وهو عجيب، فإنها مشهورة بين أهل المذهب، وممن جزم بها الصيدلاني في "شرح المختصر" وهو الذي يعبر عنه ابن الرفعة بالداوودي تارة، وبابن داوود أخرى، فقال: ليس المراد بالساعات هي الساعات الزمنية، ولا الاقتصار على خمس درجات لا غير، وإنما أشار إلى تفضيل السابق على غيره، حتى أن الذي يأتي بعد المقرب للبيضة كالمقرب بقرة بالنسبة إلى من يقرب بدنة.
هذا كلامه وهو حسن، وشارح للإجمال

الجزء: 3 - الصفحة: 407

الواقع في آخر هذه المسألة من كلام الرافعي "والروضة".
وحكى أيضًا في الشرح المذكور الأوجه الثلاثة السابقة في أول الساعات، ثم حكى معها وجهًا رابعًا ذهب إليه صاحب "التقريب" أن أولها من ارتفاع النهار وهو عند الضحى، قال: لأنه وقت الهاجرة.
وقد ورد في رواية المهجر إلى الجمعة عوضًا عن التعبير بالرواح، وحكى عن العرب أنهم يقولون: راح فلان إلى كذا أى سار إليه سيرًا خفيفًا سواء كان قبل الزوال أو بعده.

قوله: ولا بأس للعجائز بحضور الجمعة إذا أذن أزواجهن ويحترزن عن التطيب والتزين، فذلك أستر لهن.
انتهى.
هذه المسألة ذكرها في "الروضة" بعد هذا بدون ورقة ووافقه في "الروضة" على هذه العبارة، وهو يقتضى أن ذلك لا يستحب، ولا يكره، ولكنهما صرحا في باب صلاة العيدين باستحباب الخروج لهن.

قوله: ويستحب أن يقرأ في الأولى بعد الفاتحة سورة الجمعة وفي الثانية المنافقون، ثم قال: وينبغي أن يعلم كلام الغزالي بالواو لأن الصيدلاني نقل عن القديم أنه يقرأ في الأولى سبح، وفي الثانية هل أتاك حديث الغاشية.
انتهى.
اعترض النووي على هذا الكلام في "شرح المهذب"، "وزيادات الروضة" فقال: عجب من الإمام الرافعي كيف جعل المسألة ذات قولين: قديم وجديد؟ والصواب أنهما سنتان، فقد ثبت ذلك في "صحيح مسلم" 25 من فعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وكان يقرأ هاتين في وقت، وهاتين في وقت.
[قال] 26: ومما يؤيد ما ذكرته أن الربيع وهو راوي الكتب الجديدة

الجزء: 3 - الصفحة: 408

قال: سألت الشافعي -رحمه الله- عن ذلك فقال: إنه يختار الجمعة والمنافقين، ولو قرأ سبح وهل أتاك كان حسنًا.

قوله في "أصل الروضة": فرع: ينبغي للداخل أن يحترز عن تخطي رقاب الناس إلا إذا كان إمامًا، أو كان بين يديه فرجة لا يصلها بغير تخطٍ.
انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدها: أنه لم يبين أن ذلك على سبيل الوجوب أو الندب وقد بينه الرافعي فقال: ومن المندوبات كذا.
وصرح به النووي في "شرح المهذب" هنا فقال: مذهبنا أنه مكروه.
وقال ابن المنذر: يحرم لأنه صح أنه -عليه الصلاة والسلام- قال للداخل: "اجلس فقد آذيت" 27. الأمر الثاني: أن النووي قد رجح في كتاب الشهادات من "الروضة" أنه حرام فقال من "زياداته": المختار أن تخطي الرقاب حرام للأحاديث الصحيحة.
انتهى.
ولفظ المختار في "الروضة" ليس هو الراجح من جهة الدليل فقط، بل ذلك اصطلاحه في "التحقيق" و"تصحيح التنبيه" بدليل أن الصواب في "تصحيح التنبيه" لما كان غلطًا لا خلاف فيه مع أنه كثيرًا ما يقول في "الروضة": الصواب، كذا المسألة صرح فيها بوجهين، وقد نص الشافعي

الجزء: 3 - الصفحة: 409

-رحمه الله- على المسألة، وصرح بالتحريم، كذا رأيته في تعليق الشيخ أبي حامد في هذا الباب، ونقل عنه في موضع آخر من هذا الباب أنه مكروه، وعلله بالأذى وهو لا ينافي الأول، لأنه كثيرًا ما يطلق الكراهة على التحريم، لاسيما مع التعليل المذكور.
الثالث: أن إباحة التخطي للفرجة ليس على إطلاقه بل شرطه أن يكون في صف أو صفين، فإن انتهى إلى ثلاثة كان المنع باقيًا، وقد تقدم إيضاحه في صلاة الجماعة.
[قوله] 28 من زياداته: والصواب في ساعة الإجابة ما ثبت في "صحيح مسلم" أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "هى ما بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى أن تقضى الصلاة" 29 انتهى.
واعلم أنه ليس المراد أن ساعة الإجابة مستغرقة لما بين الجلوس وآخر الصلاة كما يشعر به ظاهر عبارته، بل المراد على هذا القول وعلى جميع الأقوال أيضًا أن تلك الساعة لا تخرج عن هذا الوقت فإنها لحظة لطيفة.
فقي "الصحيحين" 30 عند ذكره إياها وأشار بيده يقللها وفي رواية مسلم: "وهي ساعة خفية" 31. وهذا الذي ذكرته قد جزم به القاضي عياض في "شرح مسلم"؛ وقال النووي في "شرح المهذب" وبعد نقله إياه عنه: إن الذي قاله صحيح.

قوله: يكره البيع بعد الزوال وقبل الصلاة.
انتهى.
وغير البيع من الصنائع والعقود كالبيع في الكراهة، وقد نبه عليه في "الروضة" و"شرح المهذب" وغيرهما.

الجزء: 3 - الصفحة: 410

قوله: ولو تبايع اثنان أحدهما من أهل فرض الجمعة دون الآخر أثما جميعًا.
انتهى.
اعلم أن هذه المسألة قد ذكرها كذلك الشيخ في "المهذب" وصاحب "التتمة" والروياني في "البحر" والمعروف أنه لا يأثم إلا من تلزمه الجمعة، كذا نص عليه الشيخ أبو حامد في "التعليق"، والبندنيجي في "تعليقه" أيضًا، وسليم في "المجرد" والمحاملي في "المقنع"، والماوردي في "الحاوي"، وأبو المكارم الروياني في "العدة" وهو مقتضى كلام الروياني في "الحلية"، ونقله الشيخ أبو حامد في "تعليقه" عن النص، فقال ما نصه: قال الشافعي: ولا يكره للعبيد والنساء إذا باعوا من لا جمعة عليهم، ولا يكره ذلك إذا باعه ممن عليه فرض الجمعة لأن فيه إعانة له على البيع، ولا يحرم عليه، وإنما يحرم على من يلزمه فرض الجمعة.
انتهى كلامه.
ولا تغتر بما وقع هنا، وفي "شرح المهذب" للنووي.

الجزء: 3 - الصفحة: 411

باب صلاة الخوف

قوله: وروى عن علىّ - رضي الله عنه - أنه صلى بأصحابه صلاة الخوف ليلة الهرير 32. انتهى.
الهرير بهاء مفتوحة، وبراءين مهملتين الأولى مكسورة، وبينهما ياء بنقطتين من تحت.
تقول العرب: هر فلان الحرب هريرًا أى كرهها.
كذا قاله الجوهري.
وكأنها سميت بذلك لكراهتهم الحرب في تلك الليلة لكثرة ما وقع فيها من القتل.
وقال النووي في "تهذيب الأسماء واللغات": كان بعضهم يهر على بعض فسميت بذلك، قال: وهي حرب وقعت بينه وبين الخوارج، وقيل: هي ليلة صفين بينه وبين معاوية.

قوله: النوع الأول: صلاة بطن نخل وهي أن يجعل الإمام الناس فرقتين، فرقة في وجه العدو، وفرقة يصلي بها جميع الصلاة، ويكون قد صلى مرتين، واقتدى المفترض بالمتنفل.
ولهذه الصلاة ثلاث شروط: أن يكون العدو في غير جهة القبلة، وأن يكون في المسلمين كثرة، والعدو قليلون، وأن يخاف هجوم العدو عليهم في الصلاة.
وهذه الثلاث شروط لاستحباب هذه الصلاة.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وهو عجيب، فإن المستحب للمفترض أن لا يصلي خلف المتنفل حتى قال في "الروضة": إن الانفراد أولى منها

الجزء: 3 - الصفحة: 412

خروجًا من خلاف أبي حنيفة، وأيضًا فإنها شرط للجوار، فإن تركها تغرير بهم فتأمله.

قوله: النوع الثاني: صلاة عسفان وهي أن يرتب الإمام الناس صفين ويحرم بهما جميعًا فيصلون معه إلى أن ينتهي إلى الاعتدال عن ركوع الركعة الأولى، فإذا سجد سجد معه الصف الثاني، ولم يسجد الصف الأول، بل يحرسونهم قائمين، فإذا قام الإمام والساجدون سجد أهل الصف الأول ولحقوه وقرأ الكل معه وركعوا واعتدلوا، فإذا سجد سجد معه الحارسون في الركعة الأولى، وحرس الساجدون معه في الأولى، فإذا جلس للتشهد سجدوا ولحقوه ويتشهد الكل معه وسلم بهم.
وهذه الكيفية ذكرها الشافعي في "المختصر" وأخذ بها كثيرون.
وقال الشيخ أبو حامد ومن تابعه: الثابت في السنة أن أهل الصف الأول يسجدون معه في الركعة الأولى وأهل الصف الثاني يسجدون معه في الثانية، والشافعي عكس ذلك، لكن الذي قاله الشافعي: وهذا نحو صلاته عليه السلام يوم عسفان، فأشبه تجويز كل واحد منهما إذا لا فرق في المعنى، وقد صرح به الروياني وصاحب "التهذيب" وغيرهما.
انتهى.
والصحيح هو التخيير، فقد قال الرافعي في "الشرح الصغير": إنه الأشبه، والنووي في "الروضة": إنه الصحيح المختار.
قال: وهو مراد الشافعي فإنه ذكر الحديث كما ثبت في الصحيح، ثم ذكر الكيفية الأخرى فأشار إلى جوازهما معًا.
وجزم في "المحرر" بما حاصله ذلك أيضًا فإنه [عبر] 33 بقوله: سجد معه أحد الصفين.

قوله: قالوا: واختار الشافعي -رضي الله عنه- ما ذكره لأمور:

الجزء: 3 - الصفحة: 413

أحدها: أن الصف الأول أقرب من العدو فهم أمكن من الحراسة.
والثاني: أنهم إذا حرسوا كانوا جُنة لمن وراءهم فإن رماهم المشركون تلقوه بسلاحهم.
والثالث: أنهم يمنعون أبصار المشركين عن الاطلاع على عدد المسلمين وعدتهم.
انتهى كلامه.
واعلم أنا إذا قلنا بما قاله الشافعي فلو تأخر الحارسون أولًا إلى الصف الثاني في الركعة الثانية وتقدمت الطائفة الثانية ليحرسوا جاز إذا لم تكثر أفعالهم، وهل هو أولى؟ قالت جماعة: نعم.
وقال أصحابنا العراقيون: الأولى أن يلازم كل منهم مكانه.
ولفظ الشافعي في "المختصر" على هذا أدل، هكذا ذكره الرافعي بعد هذا بنحو صفحة، وإذا كان الذي يدل عليه كلام الشافعي هو عدم الانتقال لزم بطلان تعليل ما اختاره الشافعي بالوجوه الثلاثة التي أبداها الرافعي، فراجعه يظهر ذلك لك.

قوله: عن صالح بن خوات، وعن سهل بن أبي حثمة.
أما خوات فبخاء معجمة وواو مشددة وتاء مثناة وهو في اللغة الرجل الجرئ، كما قاله الجوهرى، وأما حثمة فبحاء مهملة وثاء مثلثة ساكنة.
والحثمة هي الأكمة الحمراء، وبها سميت المرأة حثمة، قاله الجوهري.
قال: وتقول: حثمت: بمعنى أعطيت وبمعنى دللت.

قوله: واختلفوا في اشتقاق ذات الرقاع فقيل: كان القتال في سفح جبل فيه جدد بيض وحمر كالرقاع.
انتهى.
سفح الجبل: أسفله حيث يسفح فيه الماء أي يراق.

الجزء: 3 - الصفحة: 414

والجدد: الطرق جمع جدة بضم الجيم فيهما.
فالجبل المذكور كانت فيه طرائق تخالف لون الجبل.

قوله في "أصل الروضة": فرع: إذا قام الإمام إلى الثانية فهل يقرأ في انتظاره مجئ الطائفة الثانية أم يؤخرها ليقرأ معهم، ويشتغل بالذكر فيه ثلاث طرق: أصحها على قولين: أظهرهما: يقرأ.
ثم قال: وهل يتشهد في انتظاره فراغ الثانية من ركعتهم؟ فيه طرق: المذهب أن يتشهد، وقيل: فيه الطريقان الأولان.
انتهى.
وما ذكره من تصحيح طريقة القطع في التشهد المنقول في "الشرحين" عن الأكثرين، وجزم به في "المحرر"، ووقع في "المنهاج" تصحيح طريقة الخلاف غلطًا فتفطن له.

قوله: وإن كانت الصلاة مغربًا صلى بالأولى ركعتين وبالثانية ركعة، وحينئذ فيجوز انتظار الفرقة الثانية في التشهد الأول، وأن ينتظرهم في القيام الثالث وأيهما أفضل؟ فيه قولان: أظهرهما: في القيام.
انتهى ملخصًا.
وما ذكره من كون الخلاف قولين ذكر مثله في "الشرح الصغير"، وكذلك في "الروضة" و"شرح المهذب" وغلط في "المحرر" فجعله وجهين، وتبعه عليه في "المنهاج"، والصواب الأول، فقد صرح الشيخ في "المهذب" بأن الانتظار في التشهد منصوص عليه في "الأم" والآخر في "المختصر".

قوله: وإن كانت الصلاة رباعية ففرقهم أربع فرق صحت صلاة الإمام في أصح القولين، فإن جوزنا فمن شرطه أن تمس الحاجة إليه، وإلا فيكون كما لو وقع ذلك في الاختيار، قاله إمام الحرمين.
انتهى.

الجزء: 3 - الصفحة: 415

وهذا الذي قد قاله الإمام قد جزم به في "المحرر" وأقره النووي عليه في "الروضة"، وخالف في "شرح المهذب" فقال: لم يذكره الأكثرون، والصحيح خلافه.
انتهى.
وكلام "المنهاج" يقتضي ذلك أيضًا، فإنه لم يذكره بالكلية، وكان الصواب ذكره والتنبيه عليه، فإن لم يفعل ففي دقائقه.

قوله: وفي صحة صلاة المأمومين على هذا القول وهو صحة صلاة الإمام قولان ينبنيان على بطلان صلاة من أخرج نفسه من الجماعة بغير عذر، فإن أبطلناها بطلت صلاة الفرق الأولى والثانية والثالثة لأنهم مفارقون بغير عذر، إذ وقت المفارقة المنقولة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنما هو بعد نصف الصلاة، والفرق الثلاث قد فارقت قبل النصف.
انتهى كلامه.
فمراده بقوله في آخر كلامه "قبل النصف" إنما هو نصف صلاة الفرق لا صلاة الإمام فاعلمه.

قوله: ويجوز إقامة الجمعة على هيئة صلاة ذات الرقاع، فلو نقصت الفرقة عن أربعين لم يجز، ولو نقصت الثانية فقد قيل: لا يضر، وقيل: على الخلاف في الانفضاض.
انتهى ملخصًا.
لم يصحح شيئًا في "الشرح الصغير" أيضًا، والصحيح القطع بأنه لا يضر، كذا صححه في "شرح المهذب" وصحح في "زيادات الروضة" أنه لا يضر، وليس فيه تصريح بتصحيح طريقة القطع.

قوله: ولا يجب حمل السلاح في صلاة الخوف في أصح القولين، فإن أوجبنا فله شروط: أحدها: أن يكون طاهرًا.
والثاني: ألا يكون مما يمنع عن بعض أركان الصلاة كالحديد المانع من الركوع، والبيضة المانعة من مباشرة المصلى الأرض بالجبهة.
انتهى.

الجزء: 3 - الصفحة: 416

وما ذكره من عدم جواز لبس البيضة مشكل، بل ينبغي عند خوف الهلاك من تركها جواز لبسها قطعًا، وأن لا قضاء عليه، وإن منعت من استيفاء السجود وكيف لا وقد جعلوا اللصوق للدواء جائزًا، ولا قضاء عليه، مع أنه لا يخاف الهلاك، فجواز هذا وقد خاف الهلاك أولى.

قوله: والثالث: ألا يتأذى به الغير كالرمح، فإنَّ حمله في وسط الصف يؤذي القوم، فيكره إلا أن يكون في حاشية الصف، فلا يتأذى بحمله أحد.
الرابع: قاله الإمامان: أن يخاف من موضع السلاح خطر على سبيل الاحتمال، فأما إذا تعرض للهلاك ظاهرًا لو تركه فيجب الأخذ قطعًا.
انتهى.
وما ذكره في الأذى من الكراهة فيها نظر، بل القياس التحريم إن تيقنه أو غلب على ظنه، وهذا الأخير الذي نقله عن الإمام قد جزم به الرافعي في "الشرح الصغير"، وكذلك النووي في "الروضة".

قوله: قال الإمام: وليس الحمل معينًا لعينه، بل لو وضع السيف بين يديه، وكان مد اليد إليه في اليسر والسهولة كمدها إليه وهو محمول متقلد كان ذلك بمثابة الحمل قطعًا.
انتهى.
وما نقله عن الإمام وارتضاه قد تابعه عليه في"الروضة" أيضًا، وهو لا يستقيم على ما ذكره في الشرط الثالث، فإنه لو كان المراد إنما هو الوضع لكان وضع الرمح في وسط الصف بين يديه، أو عن يمينه كوضعه في حاشية الصف، فدل على أن المراد حقيقة الحمل.

قوله: فأما لفظ السلاح فقد قال ابن كج: إنه يقع على السيف والمسكين والرمح والنشاب ونحوها أما الترس فليس بسلاح، وكذا لو لبس درعًا لم يكن حاملًا لسلاح.
انتهى.
وما نقله عن ابن كج من كون الدرع ليس بسلاح قد تابعه عليه أيضًا في

الجزء: 3 - الصفحة: 417

"الروضة" وهو يخالف ما سبق في الشرط الثاني، فإنه جعل البيضة هناك من السلاح والدرع كالبيضة بلا شك.

قوله: قال ابن عمر في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ 34: أى مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها.
قال نافع: لا أراه ذكر ذلك إلا عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 35. انتهى كلامه.
وهذا التفسير قد نص الشافعي في "الرسالة" على أن ابن عمر رواه عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذكر ذلك في باب فرض الصلاة، وأراه بضم الهمزة، ومعناه: أظن.

قوله: قال الإمام: بل الكمي المقنع السكوت أهيب له في نفوس الأقران.
انتهى.
الكمي: الشجاع الذي كمى نفسه أى سترها باللبس يقال: كمى الشيء إذا ستره.
والمقنع: لابس البيضة.
قاله الجوهري.
قال ابن سيده في خطبة "المحكم": وجمع الكمي: أكماء.
وأما الكمأة فجمع كام: أي ساتر.

قوله: الخامسة: لو تلطخ سلاحه بالدم واحتاج إلى إمساكه.
أمسكه، وهل يقضي؟ حكى إمام الحرمين عن الأصحاب أنه يقضي لندور العذر، ثم منع ندوره، ورأى تخريج المسألة على القولين في من صلى في موضع نجس، وأن هذه أولى بنفي القضاء.
انتهى ملخصًا.
وحاصله إيجاب القضاء عن الأصحاب، وأنه ليس فيه إلا بحث الإمام، وقد صرح بمثله النووي في "شرح المهذب"، فقال: ظاهر كلام

الجزء: 3 - الصفحة: 418

الأصحاب القطع بوجوب الإعادة، ونقله الإمام عنهم، ورأى تخريجه على القولين في من صلى في موضع نجس، ورأى هذه أولى بنفي القضاء، وإذا علمت حاصل هذا الكلام ففيه أمران: أحدهما: أن الرافعي قد ناقض ذلك في آخر التيمم وصرح بعدم الوجوب، ولم يحك فيه خلافًا، وهو غريب، وذكر نحوه أيضًا في باب شروط الصلاة قبيل ستر العورة، ورجحه أيضًا في "المحرر" في هذا الباب فقال: إنه أقيس الوجهين، وتبعه عليه النووي فصرح بتصحيحه، وقد وقعت هذه المواضع الثلاث في "الشرح الصغير" كما في "الكبير"، وكذلك في "الروضة" أيضًا.
الأمر الثاني: أن ما اقتضاه كلام الرافعي والنووي من أن غير الإمام من الأصحاب قد قطع بالمسألة ليس كذلك، فقد رأيت في "الإبانة" للفوراني فيها قولين في من صلى في موضع نجس موافقًا لبحث الإمام فقال ما نصه: وإن أمسكه للاحتياج إليه فهل عليه الإعادة؟ فعلى قولين بناء على من صلى في الحبس.
انتهى.
وصرح في "البحر" فيها بحكاية وجهين أيضًا.
الثالث: أن الشافعي -رحمه الله تعالى- قد نص على المسألة، وجزم بالوجوب، كذا رأيته في "مختصر البويطي" في آخر الباب، وحكاه أيضًا ابن الرفعة عن تعليق القاضي الحسين، وحينئذ فتكون الفتوى عليه.

قوله: الرابعة: المحرم إذا ضاق وقت وقوفه وخاف فوت الحج إن صلى متمكنًا، فيه أوجه للقفال: أحدها: يؤخر الصلاة ويحصل الوقوف، لأن قضاء الحج صعب.
والثاني: يصلي صلاة شدة الخوف فتحصل الصلاة والحج.
والثالث: تجب الصلاة على الأرض مستقرًا ويفوت الحج لعظم حرمة

الجزء: 3 - الصفحة: 419

الصلاة، ولا يصلي صلاة الخوف لأنه محصل لا هارب، ويشبه أن يكون هذا الوجه أوفق لكلام الأئمة.
انتهى.
اعترض عليه النووي في "الروضة" فقال: هذا الوجه ضعيف، والصواب الأول، فإنا جوزنا تأخير الصلاة لأمور لا تقارب المشقة فيها هذه المسألة كالتأخير للجمع.
انتهى.
وما رجحه النووي قد جزم به القاضي الحسين في باب الأحداث من تعليقه، وليس في كلام النووي تصريح بأن التأخير على سبيل الإيجاب أم لا بل هو إلى الجواز أقرب، وقد صرح في "الكفاية" بالوجوب ذكر ذلك في أوائل كتاب الصلاة.

قوله: وللشافعي نصوص مختلفة في جواز استعمال الأعيان النجسة، وحكى "صاحب التهذيب" وغيره فيها طريقين منهم من طرد القولين في وجوه الاستعمال كلها، ومنهم من فصل فقال: لا يجوز استعمال النجاسات في الثوب [والبدن] 36 إلا لضرورة، وفي غيرهما يجوز إن كانت النجاسة مخففة، فإن كانت مغلظة، وهي نجاسة الكلب والخنزير فلا، ونزلوا النصوص على هذا التفصيل، وهذا الأظهر، ثم شرع يُفَضِّل فقال: لا يجوز لبس جلد الكلب والخنزير.
. . . إلى آخره.
فيه أمور: أحدها: أن المراد باستعمال النجاسة في الثوب هو تلطخه بها، وفي البدن استعمالها بحيث يتصل به كالامتشاط بمشط العاج، ونحو ذلك، كذا صرح به الرافعي في الكلام على وصل الشعر، وقد سبق ذكر لفظه هناك فراجعه، ووقع في باب الأوانى من "شرح المهذب" وهمٌ فاحش، وهو تجوير الامتشاط بمشط العاج فقال:

الجزء: 3 - الصفحة: 420

فرع: العاج المتخذ من عظم الفيل نجس لا يجوز استعماله في شئ رطب، فإن استعمل فيه نجسه.
قال أصحابنا: ويكره استعماله في الأشياء اليابسة، ولا يحرم لأنه لا يتنجس به، ولو اتخذ مشطًا من عظم الفيل فاستعمله في رأسه ولحيته، فإن كان مع رطوبة من أحد الجانبين تنجس شعره، وإلا فلا ينجس لكنه يكره ولا يحرم.
هذا هو المشهور للأصحاب.
رأيت في نسخة من تعليق الشيخ أبي حامد أنه ينبغي أن يحرم، وهذا غريب ضعيف.
هذه عبارته والذي ذكره غريب، ووهمٌ عجيب، فإن هذا التفصيل الذي نقله عن الأصحاب صحيح، ولكنهم ذكروه في وضع الشيء في الإناء منه أي من العاج، فالتبس عليه ذلك بالاستعمال في البدن.
الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" و"شرح المهذب" قد تابع الرافعي على تحريم ذلك في الثوب كما يحرم في البدن فقال في "الروضة": إنه المذهب.
وقال في "شرح المهذب": إنه المذهب الصحيح الذي قطع به العراقيون وغيرهم.
ثم خالف ذلك في "التحقيق" فقال في أوائل باب إزالة النجاسة: فرع: المذهب تحريم استعمال النجاسة في البدن دون غيره.
انتهى.
وهو اختلاف عجيب حيث عبر في الموضعين بالمذهب ولم يذكر المسألة في "التحقيق" في غير هذا الموضع، وكذا فعل في كتاب "مهمات الأحكام" إلا أنه لم يحك فيه خلافًا على قاعدته فيه، وكلام "الروضة" في كتاب الشهادات يقتضيه، فإنه نقل من زياداته تحريم استعمالها في البدن، ولا شك أن تقييده به يقتضي الجواز ظاهرًا في الثوب.
الأمر الثالث: أن الرافعي -رحمه الله- قد ذكر في العقيقة أنه يكره

الجزء: 3 - الصفحة: 421

لطخ رأس المولود بالدم، وتابعه عليه النووي في "الروضة" و"شرح المهذب"، والذي قالاه يستلزم جواز لطخ نفسه لأنه لو كان حرامًا لامتنع عليه فعله مع الغير بطريق الأولى وإن كان صبيًا، كما لا يجوز لطخه بالبول وأيضًا فتنزيهه أولى من تنزيه الثياب، والتحريم في الثياب مع الجواز فيه ما لا يعقل.
الأمر الرابع: أن هذه الطريقة التي صححها وهي الرافعة للخلاف المنزلة للنصوص على الأحوال قد خالفها الرافعي في موضعين، فجزم بطريقة القولين أحدهما في شروط الصلاة في الكلام على وصل الشعر، وقد ذكرت لفظه هناك فراجعه، فإنه مفيد لمن يطالع هنا، والثاني في باب المسح على الخفين في الشرط الثاني من شروط الخف فقال: لو اتخذ خفًا من جلد الكلب أو جلد الميتة قبل الدباغ، فهذا الجلد لنجاسة عينه لا يحل استعماله في البدن باللبس وغيره، على أصح القولين.
هذا لفظه.
الخامس: أن المتولد من الكلب أو الخنزير مع غيره من الحيوانات الطاهرة حكمه حكم أحدهما، ولم يذكره.
[قوله: نعم لو جلل كلبًا أو خنزيرًا بجلد كلب أو خنزير فوجهان]: 37 أظهرهما: الجواز لاستوائهما في تغليظ النجاسة.
انتهى.
واعلم أن اقتناء الخنزير حرام، وحينئذ فكيف يأتي مع ذلك تجويز تجليله، لأنه في زمن التجليل ممسك، وتصوير ما قالوه من وجهين: أحدهما: أن تجلله مع كونه ليس ممسكًا له ولا مقتنيًا فإن ذلك ممكن.
الثاني: أن تجلله في حال اقتنائه فلا يعصى بالتجليل وإن عصى بالإمساك والاقتناء لأنهما أمران متغايران.

قوله: ويجوز الاستصباح بنجس العين كودك الميتة وبالمتنجس وفي قول

الجزء: 3 - الصفحة: 422

لا يجوز.
انتهى.
هذا الكلام يدخل في عمومه دهن الكلب والخنزير، وقياس تفاريعه المذكورة في هذا الباب هو المنع.

قوله: فإن لم نحكم بنجاسة الدخان فلا بأس به كبخار المعدة لا ينجس الفم، وإن حكمنا بنجاسته وهو الأظهر فقليله معفو عنه، والذي يصيبه في الاستصباح قليل لا يحس غالبًا.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره في بخار المعدة صريح في طهارته، وهذه المسألة قد أسقطها النووي، وهي مهمة، والمذكور في باب طهارة البدن والثوب من "الكفاية" نقلًا عن القاضي والحليمي أنه نجس فقال: قال القاضي الحسين: إن قلنا بنجاسة الدخان، فإن أصاب ثوبًا رطبًا نجسه، وإن كان الثوب يابسًا فوجهان.
قال: ومثل ذلك ما إذا دخل الاصطبل وراثت الدابة وخرج منه دخان أو دخل المستحم وبال وتغوط وخرج منه دخان في الحال فأصاب ثوبه، فإن كان رطبًا تنجس، وإن كان يابسًا ففيه وجهان.
وأصل هذا ما حكيناه عن الحليمي في كتاب الطهارة أن الإنسان إذا خرج منه ريح، وكانت ثيابه رطبة تنجست، وإن كانت يابسة فلا.
هذا كلامه في الباب المذكور.
وذكر نحوه في باب الاستطابة فقال: ولا شك في عدم وجوب الاستنجاء من خروج الريح، ولم يفرق الأصحاب بين أن يكون المحل رطبًا أو يابسًا، ولو قيل في ما إذا كان رطبًا في وجوبه خلاف بناء على أن دخان النجاسة طاهر أم نجس كما قيل بمثله في تنجيس الثوب الذي يصيبه إذا كان رطبًا لم يبعد، لكن قد يقال في جوابه: إن ذلك لا يزيد على ما تبقى

الجزء: 3 - الصفحة: 423

على المحل بعد الاستجمار، وذلك معفو عنه، والله أعلم.
الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" قد تبعه على العفو عما يصيبه في الاستصباح، وهو مخالف لنص الشافعي فقد قال في "مختصر البويطي" في أثناء باب غسل الجمعة في الكلام على الزيت النجس ما نصه: ومن مسه في الاستصباح أو غيره أو أصاب ثوبه فليغسل موضعه قبل أن يصلي، فإن صلى به في ثوب أو بدن غسله وأعاد الصلاة.
هذا لفظه بحروفه.

قوله في "أصل الروضة": ويجوز لبس الحرير للحاجة كالجرب، وفيه وجه أنه لا يجوز وهو منكر، ويجوز لدفع القمل في السفر، وكذا في الحضر على الأصح.
انتهى.
وحكايته لهذا الوجه المفصل بين الحاضر والمسافر في القمل غلط، فإن الذي ذكره الرافعي في شرحيه "الكبير" و"الصغير" إنما هو حكايته في الجرب فانعكس على النووي حالة الاختصار، وذكره في الجرب أيضًا الإمام والغزالي وابن الرفعة.
ووقع هذا الوهم أيضًا في "شرح المهذب"، وزاد فنقل الوجه المذكور عن الإمام والغزالي مع أنهما ذكراه في الجرب كما تقدم.
وهذه المسألة وغيرها من مسائل الحرير ذكرها الرافعي في صلاة العيد فنقلها في "الروضة" إلى هذا الباب وقد تكلمت على ما يختص "بالروضة" هنا، وعلى ما يتعلق بالرافعي هناك.

قوله من زياداته: قال الشيخ أبو الفتح نصر المقدسي -رحمه الله- يحرم تنجيد البيوت بالثياب المصورة وبغير المصورة، سواء فيه الحرير وغيره، والصواب في غير الحرير والمصور الكراهة دون التحريم.
انتهى لفظه.
والتنجيد بتاء بنقطتين من فوق ثم نون ثم جيم هو التزيين، وكلام

الجزء: 3 - الصفحة: 424

النووي في هذه المسألة يشعر بموافقة المقدسي على التحريم في الحرير، لكن كلام الرافعي في الوليمة يشعر بالجواز، وتابعه عليه في "الروضة" فإنه قال ما نصه: ومن المنكرات فرش الحرير، وصور الحيوانات على السقوف.
. . . إلى آخره.
ذكر ما هو أصرح من ذلك في آخر كتاب النذر فقال: الثانية: ستر الكعبة وتطيبها من القربات ولا فرق بين الحرير وغير الحرير، وإنما ورد تحريم لبس ذلك في حق الرجال.
هذا لفظه.
وهو صريح في ما قلناه، وقد حذف من "الروضة" الكلام الأخير الذي استفدنا منه هذه المسألة.

الجزء: 3 - الصفحة: 425

باب صلاة العيدين

قوله: الثالثة: لفظ الكتاب يقتضي دخول وقت هذه الصلاة بطلوع الشمس، وصرح بذلك كثير من الأصحاب، وإيراد جماعة يقتضي دخول الوقت بالارتفاع قيد رمح منهم الصيدلانى، وصاحب "التهذيب".
انتهى كلامه.
لم يصحح شيئًا في "الشرح الصغير" أيضًا، والأصح هو الأول، فقد جزم به الرافعي في "المحرر" وصححه النووي في كتبه.

قوله: المذهب المنصوص في الكتب الجديدة كلها أن صلاة العيد تشرع للمنفرد في بيته أو غيره وللمسافر، والعبد والمرأة، والقديم أنه يشترط فيها شروط الجمعة من اعتبار العدد والكمال، إلا أنه يجوز فعلها خارج البلد، وقطع بعضهم بالجديد، وأثبت بعضهم قولين.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن النووي في "الروضة" قد صحح طريقة القطع، ولم ينبه على أنه من زوائده، بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.
الأمر الثاني: أن ما ذكره من اتفاق النصوص في الجديد على مشروعيتها للمنفرد قد تابعه عليه في "الروضة" وليس كذلك، فإن المزني أجل رواة الجديد، أو من أجَلهم، وقد نقل عن الشافعي ما يخالفه فقال ما نصه: صلاة العيدين سنة لا حتم وليست على من لا جمعة عليه.
هذا لفظه.
ذكر ذلك في مختصر له لطيف غريب سماه "نهاية الاختصار من قول الشافعي"، وتاريخ كتابة النسخة التي نقلت منها سنة ثمان وأربع مائة.

قوله: قال في "الشامل": والذي يقوله الناس اليوم لا بأس به أيضًا

الجزء: 3 - الصفحة: 426

وهو الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر [والله أكبر] 38، ولله الحمد.
انتهى.
وهذا الذي نقله عن صاحب "الشامل" نص عليه الشافعي في "البويطي"، ونقله النووي عن الروياني عنه، ثم قال -أعنى الرويانى: إن العمل عليه.
واعلم أن التكبير المذكور في "الشامل" قبيل قوله: ولله الحمد، إنما هو مرة واحدة على خلاف ما في الرافعي و"الروضة" من ذكره مرتين.
كذا رأيته في نسختين منه إحداهما مكتوبة في حياة المصنف، إلا أن البويطي ذكره مرتين.

قوله: ولا يأت بالذكر عقب التكبيرة السابعة والخامسة في الثانية، بل يتعوذ عقب السابعة، وكذا عقب الخامسة، إن قلنا: يتعوذ في كل ركعة، ولا يأتي به بين تكبيرة الإحرام والأولى من الزوائد.
انتهى.
لم يبين الرافعي حكم الابتداء به في الركعة الثانية قال إمام الحرمين: يأتي به قبل الأولى من الخمس، قال النووي في "زيادات الروضة": المختار الذي يقتضيه كلام الأصحاب أنه لا يأتي به كما في الأولى.

قوله من "زوائده": ويجهر بالقراءة والتكبيرات ويسر بالذكر بينهما.
انتهى.
هذا الكلام لا يمكن حمله إلا على الإمام، وحينئذ فهو يوهم أن المنفرد لا يجهر بالقراءة مع أنه يجهر بها، وإذا كان المسبوق في الجمعة يجهر بالثانية كما نص عليه الشافعي فمسألتنا أولى.

قوله: صلاة العيد تجوز في الصحراء، وفي الجامع، لكن إن كان بمكة فالمسجد أفضل وألحق به الصيدلاني بيت المقدس، وإن كان بغيرهما

الجزء: 3 - الصفحة: 427

فكذلك في الأصح إلا لعذر.
انتهى ملخصًا.
وما نقله عن الصيدلاني وأقره عليه، قد ذكر مثله أيضًا البندنيجي والغزالي في "الخلاصة" والروياني، قال النووي في "شرح المهذب": ولم يتعرض الجمهور لذلك، وظاهر إطلاقهم أن الأقصى كغيره.

قوله: وإذا خرج الإمام إلى الصحراء استخلف من يصلي بضَعَفَةِ الناس.
انتهى.
وتعبيره بقوله: من يصلي ذكره أيضًا النووي وابن الرفعة في كتبهما، بل عبر الشافعي به أيضًا، وغيره من أصحابه، وفيه إشعار بأنه لا يخطب، وبه صرح الجيلي شارح "التنبيه" وعلله بكونه افتئاتًا على الإمام، وفيه نظر لأن الإمام هو الذي استخلف، وحينئذ فلا افتئات.

قوله في "الروضة": والتكبير في غير الصلاة والخطبة مرسل، وهو الذي لا يتقيد بحال، بل يؤتى به في المساجد والمنازل ليلًا ونهارًا، أو المقيد يؤتى به في أدبار الصلوات خاصة، فالمرسل مشروع في العيدين جميعًا، وأول وقته بغروب الشمس ليلة العيد، وفي آخر وقته ثلاثة أقوال: أظهرها: يكبرون إلى أن يحرم الإمام بصلاة العيد.
والثاني: إلى أن يخرج الإمام إلى الصلاة.
والثالث: إلى أن يفرغ منها.
وقيل: إلى أن يفرغ من الخطبتين، وقطع بعضهم بالأول.
انتهى.
فيه أمران نبه عليهما الرافعي: أحدهما: أن الثالث والرابع قولان قديمان.
الثاني: أن محلهما في غير المصلي.

قوله: وأما عيد الفطر فهل يستحب فيه التكبير المقيد وهو الذي يؤتى به

الجزء: 3 - الصفحة: 428

في أدبار الصلوات؟ فيه وجهان: أظهرهما عند الأكثرين: لا يستحب.
انتهى.
تابعه النووي في "الروضة" و"شرح المهذب" وأكثر كتبه على ذلك، وخالف في "كتاب الأذكار" فجزم بالاستحباب.

قوله: أحيا ليلتي العيد بالعبادة محبوب عليه.
انتهى.
قال النووي في "شرح المهذب" و"الروضة" وغيرهما: تحصل هذه الفضيلة بمعظم الليل.
وقيل: تحصل بساعة.
قال: والمختار الأول.

قوله: ويجوز تقديم الغسل على الفجر في أصح القولين، ثم قال: وإذا جوزنا فهل يختص بالنصف الثاني من الليل كأذان الصبح أم يجوز في جميع الليل كنية الصوم؟ عن القاضي أبي الطيب أنه يختص بالنصف الثاني، وهذا ما ذكره في "المهذب".
وقال الإمام: المحفوظ أن جميع ليلة العيد وقت له وهذا أبداه صاحب "الشامل" على سبيل الاحتمال وهو الموافق للفظ الكتاب.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، وفيه أمران: أحدهما: أن الصحيح من هذا الخلاف هو الاختصاص كذا صححه الرافعي في "المحرر"، والنووي في كتبه.
الأمر الثاني: أن ظاهر كلامه يقتضي أن أذان الصبح يدخل بالنصف الثاني، فإن سواه بالغسل على هذا الوجه، ولكن الصحيح عنده كما سبق في موضعه أنه إن كان في الشتاء فتقدم لسبع بقي من الليل، وفي النصف لنصف سبع.

الجزء: 3 - الصفحة: 429

قوله: وإن كان كمد اللون.
[هو بكسر الميم وبالدال المهملة، قال الجوهري: الكمده بضم الكاف وسكون الميم] 39 هو تغير اللون يقول أكمد القصار الثوب إذا لم ينقه.

قوله: وذلك كالخز مبتدأه ابريسم ولحمته صوف.
. . إلى آخره.
ذكر -رحمه الله- في كتاب السلم أن الخز مركب من الإبريسم والوبر.

قوله: وكانت له -عليه الصلاة والسلام- جبة مكفوفة الجيب والكمين والفرجين بالديباج 40. انتهى.
الجيب هو الطوق، والحديث بهذا اللفظ رواه أبو داوود وروى مسلم معناه.

قوله: ويحرم الحرير على [الخنثى] 41 أيضًا لاحتمال كونه رجلًا حكاه في "البيان" ويجوز أن ينازع فيه.
واعلم أن الرافعي -رحمه الله- قد حكى خلافًا في باب زكاة الذهب والفضة في جواز لبسه للحلي، وإذا جاز ذلك له على وجه فجواز الحرير بطريق الأولى فيكون الخلاف الذي لم يطلع عليه الرافعي، وتوقف فيه بائنًا بلا شك.
وأما ما نقله عن "البيان" فقد جزم به في "الروضة" ولم يعزه إليه، وقال في "شرح المهذب": إنه المذهب وهو قياس ما صححه الرافعي من تحريم الحلي.

الجزء: 3 - الصفحة: 430

[قوله] 42 الرابعة: هل يجوز للعوام إلباس الصبيان الحرير؟ فيه ثلاثة أوجه: أظهرها -ولم يذكر في "التهذيب" سواه- أنه إن كان ابن سبع سنين حرم، وإن كان دون ذلك فلا.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور: أحدها: أنه قد ذكر في "الشرح الصغير" أيضًا كما في "الكبير" ثم خالفهما في "شرح مسند الإمام الشافعي" فصحح فيه الجواز مطلقًا فقال فيه ما نصه: ولا يحرم إلباس الحرير للطفل علي الأظهر، وإن جاوز التمييز.
انتهى.
وهو مقتضى كلام "المحرر" فإنه صحح الجواز، ولم يقيده بسن مخصوص، وصححه أيضًا النووي في كتبه كلها.
الأمر الثاني: محل هذا الخلاف في غير يوم العيد أما يوم العيد فيجوز فيه ذلك بلا خلاف، كذا صرح به النووي في هذا الباب من "شرح المهذب" فقال ما نصه: واتفق الأصحاب على إباحة تزيين الصبيان بالحلي والحرير في يوم العيد لأنه يوم زينة، وذكر مثله في "شرح مسلم" أيضًا وقد ذكر في "الروضة" من زياداته جواز ذلك، لكنه لم يصرح بالاتفاق.
الأمر الثالث: أن النووي في "شرح المهذب" لما ذكر التفصيل بين السبع وغيره، وقال ما نصه: وهكذا ضبطوه في حكاية هذا الوجه، ولو بسط بالتمييز لكان حسنًا، لكن الشرع اعتبر السبع في الأمر بالصلاة وغيره انتهى لفظه.
وهو يقتضي أن ذلك شرط بالسبع، وإن لم يميز وأن التمييز لم يقل به أحد، وكلام ابن الرفعة يقتضي العكس، فإنه لما حكى التفصيل ضبطه بالتمييز ولم يتعرض للسبع، وكلام الرافعي في "شرح المسند" يشعر بذلك أيضًا.

الجزء: 3 - الصفحة: 431

الرابع: أن عبارة البغوي في هذه المسألة: ويجوز لبس الصبيان الديباج لأنه لا خطاب عليهم، غير أن الصبي إذا بلغ سنًا يؤمر فيه بالصلاة نهى عن لبس الديباج حتى لا يعتاده.
هذا لفظه، وليس فيه ما قاله الرافعي من كونه يحرم فاعلمه.
وهذا الاستدلال قد سبق إليه النووي في "شرح المهذب" وابن الرفعة في "الكفاية".

قوله: ويجوز لبسه للضرورة، ومنها لبسه لحر أو برد مهلكين.
انتهى.
والتقييد بالإهلاك ذكره أيضًا في "الشرح الصغير" و"المحرر" وهو خطأ، فإن الخوف على العضو والمنفعة ومن المرض الشديد مبيح أيضًا.
والمتجه إلحاق الألم الشديد ما ذكرناه لأنه أبلغ من المشقة الحاصلة لصاحب الحكة والجرب، ولأجل هذه الأشياء لم يذكر هذا اللفظ في "الروضة" ولا في "شرح المهذب".

قوله: السنة لقاصد العيد المشي إن قدر عليه، وكذا الركوب في العدد.
انتهى.
ذكر بعد هذا تعليل نحوه أيضًا فقال: صح أنه -عليه الصلاة والسلام- كان يذهب في طريق ويرجع في أخرى 43، واختلف سببه على أقوال: أظهرها: أنه كان يذهب في أطول الطريقين تكثيرًا للأجر، ويعود في أقصرهما، وهذا الذي اقتضاه كلامه من حصول الأجر على الذهاب خاصة قد ذكر أيضًا نحوه في صلاة الجماعة وصلاة الجمعة ذكره غيره أيضًا، لكن في "صحيح مسلم" 44 أنهم قالوا لشخص: هلا تشتري لك حمارًا

الجزء: 3 - الصفحة: 432

لتركبه إذا أتيت إلى الصلاة في الظلماء والرمضاء؟ فقال: إنى أحب أن يكتب لي ممشاي في ذهابي وعودي، فقال -عليه الصلاة والسلام-: "قد فعل الله له ذلك".

قوله في "الروضة": ويستحب للقوم أن يبكروا إلى الصلاة، ويستحب للإمام أن يؤخر الخروج في عيد الفطر قليلًا، ويعجل في الأضحى.
انتهى.
واعلم أن الرافعي قد نقل عن الغزالي في "الوجيز" أنه طرد هذا التفصيل في المصلين أيضًا، وأن الجمهور على أن سنتهم البكور بلا فرق بين العيدين.

قوله: وينادي [لها] 45 الصلاة جامعة.
قال صاحب "العدة": ولو نوى لها: "حي على الصلاة" جاز بل هو مستحب.
انتهى كلامه.
والذي قاله صاحب "العدة" من الاستحباب، وأقره عليه الرافعي ليس كذلك، فإن الشافعي قد نص في "الأم" على خلافه فقال: وأحب أن يأمر الإمام المؤذن أن يقول في الأعياد وما جمع الناس من الصلاة: الصلاة جامعة أو الصلاة، وإن قال: هلم إلى الصلاة لم يكرهه، وإن قال: حي على الصلاة، فلا بأس، وإن كنت أحب أن يتوقى ذلك لأنه من كلام الأذان، وأحب أن يتوقى جميع كلام الأذان، ولو أذن إذا أقام للعيد كرهته له، ولا إعادة.
هذا كلام الشافعي.
ونقله في "الروضة" على غير وجهه فقال: قال الشافعي: ينادي الصلاة جامعة، فإن قال: هلموا إلى الصلاة فلا بأس، وأحب أن يتوقى ألفاظ الأذان، هذا كلام الشافعي.
هذه عبارة "الروضة" فنقل جواز

الجزء: 3 - الصفحة: 433

[حي] 46 على الصلاة إلى هلموا إلى الصلاة، وأسقط جواب الأولى، وتصوير الثانية، ونقل عن الدارمي أن الحيعلة مكروهة، وكلام الشافعي يدفعه أيضًا.

قوله: وقول الغزالي: ثم يخطب بعد الصلاة، لو حذف بعد الصلاة لكان الباقي كافيًا لأن كلمة ثم تفيد التراخي.
انتهى كلامه.
وتعبيره بالتراخي ذهول، بل صوابه الترتيب وأما التراخي فقد يكون مع الترتيب، وبدونه، كما لو قال: أكرم زيدًا وقت العصر وعمرًا أى وقت شئت.

قوله: ولو بدأ بالخطبة قبل الصلاة ففي الاعتداد بها احتمال للإمام.
انتهى.
وقد نص الشافعي على المسألة، وصرح بأنه كما لو لم يخطب فقال: لو بدأ بالخطبة قبل الصلاة، رأيت أن يعيد الخطبة بعد الصلاة، فإن لم يفعل لم يكن عليه إعادة صلاة، ولا كفارة، كما لو صلى ولم يخطب.
[انتهى] 47 ونقله عنه صاحب "البحر"، وذكر في "البويطي" نحوه فقال ما نصه: فإن بدأ بالخطبة قبل الصلاة رأيت أن يعيد الخطبة، فإن لم يفعل لم يكن عليه إعادة.
قال النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة"، وغيرهما: الصواب -وهو ظاهر نص الشافعي: أنه لا يعتد بها.
[قوله] 48: في التكبير وحكم الفوائت والنوافل في هذه المدة على هذا الوجه يقاس بما نذكره إن شاء الله تعالى في الأضحى.
انتهى.
وتعبيره بقوله في هذه المدة إشارة إلى المدة السابقة، وهي من ليلة الفطر

الجزء: 3 - الصفحة: 434

إلى الإحرام بالعيد فاعلمه.

قوله في "أصل الروضة": ويكبر في أيام التشريق عقب الجنازة على المذهب.
انتهى.
اعلم أن هذه المسألة قد ذكرها الرافعي في الكلام على ألفاظ "الوجيز" فقال: وقوله في العبارة على الوجه الأول عقب كل صلاة تشمل صلاة الجنازة أيضًا، لكن قال في "التتمة": لا يكبر خلفها لأنها مبنية على التخفيف.
هذا لفظه من غير زيادة عليه والمفهوم منه إنما هو الاستدراك على لفظ "الوجيز" حتى يكون الرافعي جازمًا بعدم التكبير، ولو اطلع على ما يعضده لكان يذكره على عادته، بل دخوله في لفظ الغزالي ضعيف، لأن المعهود في الصلاة والمفهوم منها عند إطلاق هذا اللفظ إنما هي ذات الركوع، والسجود، فإن تنزلنا وقلنا: ليس هذا استدراكًا فيكون حاكيًا لوجهين من غير ترجيح، واعلم أن في المسألة أربعة طرق: أحدها: الجزم بعدم التكبير كما قاله صاحب "التتمة" ووافقه عليه الدارمي ونقله في "الحلية" عن القاضي حسين فقال: وحكى القاضي الحسين أنه لا يكبر خلفها وجهًا واحدًا.
والثاني: الجزم بالتكبير، قاله صاحب "الذخائر" فقال: والأشبه أن يقال: يكبر خلفها وجهًا واحدًا لأنها فريضة مؤداة، وقعت في وقت التكبير.
والثالث: حكاه الماوردي: أن فيها وجهين تفريعًا على قولنا: إن ما تشرع له الجماعة من النوافل يكبر خلفه.
والرابع: اختاره الشاشي -فقال: عندي ينبغي أن يبني على النفل، فإن قلنا: يكبر خلفه فهذه أولى، وإن قلنا: لا يكبر خلفه بنى على الفوائت المقتضية في أيام التشريق لأنه لا وقت لها.

الجزء: 3 - الصفحة: 435

قوله: فلو شهد عدلان يوم الثلاثين من رمضان قبل الزوال، برؤية الهلال في الليلة الماضية أفطروا، فإن بقى من الوقت ما يمكن جمع الناس، والصلاة فيها صلوها، وكانت أداءًا.
فإن لم يبق منه ذلك فهو كما لو شهدوا بعد الزوال حتى تفوت الصلاة على قول، ويجئ الخلاف في أنها هل تقضى أم لا؟ انتهى مخلصًا.
ذكر مثله في "الروضة" واشتراط جمع الناس إنما يأتي على القديم، وهو اعتبار شروط الجمعة سلمنا، لكن الصواب على هذا إنما هو اعتبار ركعة فقط بخلاف ما يقتضيه كلامه.

قوله في "أصل الروضة" في المسألة: وصارت الصلاة فائتة على المذهب، وقيل: قولان.
انتهى.
جزم في "المنهاج" بطريقة القولين:

قوله: ولو شهدا بذلك بعد غروب الشمس لم تقبل شهادتهما إذ لا فائدة فيها إلا المنع من صلاة العيد، فلا يصغى إليها، ويصلون العيد من الغد أداء، هكذا قال الأئمة، واتفقوا عليه.
وفي قولهم: لا فائدة إلا ترك صلاة العيد إشكال بل لثبوت الهلال فوائد أخر كوقوع الطلاق والعتق المعلقين، وابتداء العدة منه، وغير ذلك فوجب أن يقبل هذه الفوائد، ولعل مرادهم بعدم الإصغاء في صلاة العيد جعلها فائتة لا عدم القبول على الإطلاق.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن ما نقله في أول كلامه عن الأئمة من امتناع فعلها ليس كذلك، بل يفعل فضائل في وقت هو أسرع إلى التدارك من فعلها على القول بالأداء، فإنها تقضى بالليل، ولئن سلمنا فواتها فهو مقتضى شهادة البينة كما نقلتها في فوات الجمعة والحج، واستيفاء القصاص ورجم الزاني

الجزء: 3 - الصفحة: 436

وغير ذلك، وكيف يترك العمل بها وينوي الأداء مع علمنا بانقضاء الوقت؟ وكيف يقولون عند بلوغ المخبرين عدد التواتر.
الأمرالثاني: أن ما ذكره الرافعي بحثًا قال النووي في "شرح المهذب" "وزيادات الروضة" وغيرهما: إنه المراد قطعًا؟ . وقال ابن الرفعة: الوجه حمله على العموم، فإن التشاغل بذلك، ولا فائدة محققة في الحال عبث؟ والحاكم يشتغل بالمهمات.
نعم إن كان موجودًا فالوجه ما قاله.
انتهى.
والذي قاله مردود.

قوله: ولو شهدوا قبل الغروب بعد الزوال أو قبله بيسير بحيث لا يمكن فيه الصلاة قبلت الشهادة في الفطر، ولكن تصير الصلاة فائتة، وفي قول: لا.
فإن جعلناها أداءًا فلا يجوز فعلها في اليوم، وإن جعلناها قضاءًا جاز، وهل هو أفضل أم التأخير إلى ضحوة الغد؟ وجهان: أصحهما: التقديم، وهذا إذا أمكن جمع الناس في يومهم لصغر البلد، فإن عسر فالتأخير أفضل قطعًا.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على استحباب التأخير، وهو مشكل، بل ينبغي استحباب فعلها عاجلًا مع من تيسر ومنفردًا إن لم يجد من يصلي معه، ثم يفعلها من الغد مع الإمام.
وقد سبق كلام آخر قريبًا متعلقًا بجمع الناس.

قوله: وإن جعلناها فائتة جاز تأخيرها عن الحادي والثلاثين، وفي قول: لا يجوز لأن الحادي والثلاثين يجوز أن يكون عيدًا بأن يخرج الشهر كاملًا بخلاف ما بعده، وحكى الإمام عن بعضهم أنَّا إذا قلنا تقضي بعد الحادي والثلاثين فيمتد إلى شهر على وجه، قال: ولعله في شهر شوال نقص أو كمل، وفي بقية ذي الحجة؛ ثم قال الرافعي بعد ذلك في الكلام على ألفاظ

الجزء: 3 - الصفحة: 437

الغزالي: فإن قيل حيث قلنا بتخصيص القضاء بالحادي والثلاثين، فهل يختص بالحادي عشر إذا فرض ذلك في عيد الأضحى، قلنا: نعم، لأنه يجوز أن يفرض يوم عيد، إلا أن يقال: إن الشهادة بعد دخول ذي الحجة غير مسموعة على قياس ما ذكروه في الحادي والثلاثون انتهى.
وهذا الكلام الأخير حذفه النووي جميعه، بل حذف أيضًا من كلام الإمام السابق التعرض إلى ذي الحجة فلم يبق في لفظه ما يشير إلى إلحاق صلاة الضحى بصلاة الفطر.

الجزء: 3 - الصفحة: 438

باب صلاة الكسوف

قوله: وأقلها أن يحرم بنية صلاة الكسوف، ويقرأ الفاتحة ويركع، ثم يرفع فيقرأ الفاتحة ثم يركع ثانيًا ثم يرفع ويطمئن ثم يسجد، فهذه ركعة، ثم يصلى ركعة ثانية كذلك.
انتهى كلامه.
وهو يقتضي أنه لو أراد الاقتصار في كل ركعة على قيام واحد وركوع كسائر الصلوات لم يجز.
وقد ذكر بعده ما هو أصرح منه فقال: لو تمادى الكسوف فهل يزيد ركوعًا ثالثًا فصاعدًا حتى تنجلي الشمس؟ فيه وجهان: أصحهما: المنع، ولو كان في القيام الأول فانجلى الكسوف لم تبطل صلاته؛ وهل له أن يقتصر على قومة واحدة، وركوع واحد في كل ركعة؟ وجهان [بناء] 49 على الزيادة عند التمادي.
انتهى كلامه.
وهو كما قلناه يدل على امتناع الاقتصار على مقدار سائر الصلوات.
إذا علمت ذلك فقد ذكر النووي في "شرح المهذب" في آخر الباب ما يخالف ذلك، فإنه ذكر عن أبي حنيفة وجماعة أنهم قالوا: إنها ركعتان كالجمعة والصبح.
واستدل لهم بحديثين صحيحين، ثم قال ما نصه: واحتج أصحابنا بالأحاديث الصحيحة المشهورة في الصحيحين وغيرهما.
وأجابوا عن هذين الحديثين بجوابين: أحدهما: أن أحاديثنا أشهر وأوضح وأكثر رواة.
والثاني: أنا نحمل أحاديثنا على الاستحباب، والحديثين على بيان الجواز.

الجزء: 3 - الصفحة: 439

هكذا ذكر هذين الجوابين أبو إسحاق المروزي، والشيخ أبو حامد، والقاضي أبو الطيب، وسائر الأصحاب، وفيه تصريح منهم بأنه لو صلاها ركعتين كسنة الظهر، ونحوها صحت صلاته للكسوف، وكان تاركًا للأفضل.
هذا كلامه في "شرح المهذب" وهو تباين فاحش.
نعم الأصحاب مختلفون في ذلك، وممن منعه القاضي الحسين، وممن جوزه الجرجاني في "تحريره".

قوله: فلو تمادى الكسوف فهل يجوز أن يزيد ركوعًا ثالثًا ورابعًا وخامسًا حتى تنجلي؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم لأنه ورد أنه -عليه الصلاة والسلام- صلى ركعتين في كل ركعة أربع ركوعات 50، وروى خمسة ولا يحمل له إلا التمادي.
وأظهرهما: المنع، كما لا تجوز الزيادة في سائر الصلوات.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن اقتصاره على الخمسة ذكر مثله في "الروضة" أيضًا، ومقتضاه المنع في ما عداها جزمًا، ويؤيده أنها وردت دون ما زاد كما سبق الآن، والصلاة المذكورة على خلاف القياس، فلا يتعدى بها ما ورد، وتعبير الرافعي بقوله: حتى تنجلي لا ينافي المنع في ما زاد على الخمس، كما أن علة أصل الصلاة هو الانجلاء مع قولنا: لا تجوز الزيادة.
وذكر في "الكفايهّ" ما يقتضي عدم الحصر، فإنه قال: هل يجوز أن يزيد في كل ركعة قيامًا وركوعًا فأكثر؟ هذه عبارته؛ والأول أوجه.
الأمر الثاني: أن تعليل الزيادة بتمادى الكسوف إنما يتجه في الركعة الثانية، وأما الأولى فكيف يعدم فيها التمادي بعد فراغ الركعتين، ولعل صورته أن يكون من أهل هذا العلم، واقتضى حساب علمه ذلك.

الجزء: 3 - الصفحة: 440

نعم الأحاديث الدالة على الجواز في الركعة الأولى وإن كانت دلالتها واضحة، لكنا لا نسلم ما ذكروه من استنادها إلى ذلك، بل إلى أنه لا حصر لعددها كالوتر والضحى إلى اثنى عشر.

قوله: ويقول في الاعتدال من كل ركوع: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على استحباب ذلك كله، فأما استحبابه في الاعتدال الذي يتلوه السجود فصحيح وأما الاعتدال الذي تليه القراءة وهو الاعتدال الأول من كل ركعة، فقد ذكر الماوردي في "الحاوي" أنه لا يذكر ذلك بالكلية، بل يرفع منه مكبرًا لأنه ليس باعتدال، ونقله عن النص، ولهذا عبر في "المنهاج" عنه بالرفع، وعن الثاني بالاعتدال وبتقدير استحباب ذكره، وهو ظاهر كلام الرافعي فيستحب أن يقول فيه: سمع الله لمن حمده، لأنه ذكر الانتقال.
وأما استحباب ما بعدها، وهو ربنا لك الحمد، فقد صرح به الشافعي في "المختصر" وغيره، وهو مشكل لأنه ذكر الاعتدال نفسه لا ذكر الانتقال إلى الاعتدال، ولهذا قال في "التنبيه": فإذا استوى قائمًا [قال] 51: ربنا لك الحمد.
وقال أيضًا النووي في "شرح المهذب" في باب صفة الصلاة: إن المبلغ خلف الإمام يجهر بسمع الله لمن حمده، ولا يجهر بقوله: ربنا لك الحمد، قال: لأنه ذكر الاعتدال فلم يجهر به كسائر الأذكار المستحبة في الأركان، فإذا تقرر أنه ذكر الاعتدال، فهذا الاعتدال محله القراءة، وليس في الصلاة قيام يستحب فيه الجمع بين ذكر الاعتدال وبين القراءة حتى يلحقه به، وقد ذكر في "شرح المهذب" هنا ما ذكره الرافعي، وزاد فقال: إنه يستحب ربنا لك الحمد.
. . . إلى آخره.
هذا لفظه.
فقوله: "إلى آخره"

الجزء: 3 - الصفحة: 441

إشارة إلى أنه يقول أيضًا معه: ملء السموات وملء الأرض.
. . . إلى آخر الذكر المعروف، وهو أبلغ في الإشكال، وذكر أنه ورد في الصحيحين، لكن الوارد فيهما إنما هو ربنا لك الحمد.
واعلم أن كلام الرافعي قد يحمل على ما قاله الماوردي بأن يقال: الرفع الأول قيام، وليس باعتدال في الاصطلاح، إنما الاعتدال هو الثاني.
وأغرب العجلي فحكى الخلاف في الاعتدال من الركوع الثاني، وصحح أنه يقوله لصحة الحديث فيه.

قوله في "أصل الروضة": وهل يطول السجدة؟ فيه قولان: أظهرهما: لا كما لا يطول التشهد ولا الجلوس بين السجدتين.
انتهى.
وما جزم به من جعل الخلاف قولين قد خالفه في "المنهاج" فجعله وجهين، والصواب هو المذكور هنا، فإن التطويل منصوص عليه في "البويطي" ومقابله في "الأم" و"المختصر"، والغريب أن الرافعي في "المحرر" قد عبر بالأظهر فعدل عنه إلى لفظ الأصح، وما ذكره الرافعي من عدم التطويل قد خالفه في "الروضة" فقال: الصحيح المختار أنه يطوله، وصححه أيضًا في "شرح المهذب"، وفي "المنهاج" من زياداته، واقتصر في "تصحيح التنبيه" على أنه المختار، وهو يقتضي أن الصحيح خلافه عملًا بما اصطلح عليه في ذلك الكتاب.

قوله من زوائده: فإذا قلنا بإطالته فالمختار فيها ما قاله صاحب "التهذيب" أن السجود الأول كالركوع الأول، والسجود الثاني [كالركوع] 52 الثاني، وقال الشافعي في "البويطي": يكون نحو الركوع الذي قبله.
انتهى كلامه.
واعلم أن البويطي قد عبر بقوله: "فيسجد سجدتين تامتين طويلتين

الجزء: 3 - الصفحة: 442

يقيم في كل سجدة نحو ما أقام في ركوعه".
هذه عبارته من غير زيادة ولا نقص.
ولا شك أن هذا بيان لما يفعله في الركعة الواحدة والسجدتان اللتان في الركعة الأولى قبلهما ركوعان مختلفان في الطول، وظاهر هذا أنه يطول كلًا منهما بقدر الركوع الأول منهما، وهكذا السجدتان في الركعة الثانية يطولهما كذلك، أي كل واحدة بقدر الركوع الأول من تلك الركعة، وكلام "التهذيب" يحتمل أن يريد به ما قاله الشافعي.
وحينئذ فيكون مراده بالأول هو الأول من كل ركعة لا الأول مطلقًا، وإلا لزم تطويل سجود الثانية على ركوعها، ويحتمل -وهو الظاهر- أن يريد أن السجدتين من كل ركعة كالركوعين اللذين فيهما فالسجود الأول من الركعة الأولى كركوعها الأول والثاني منه كالثاني، وهكذا الركعة الثانية، وجزم في "المنهاج" بكلام البويطي على إجماله.

قوله في "أصل الروضة": ولنا وجه أن الجماعة فيها شرط، ووجه أنها لا تقام إلا في جماعة واحدة، وهما شاذان.
انتهى.
اعلم أن الأول قد حكاه الرافعي عن الإمام [ثم] 53 أنكره عليه فقال: حكاه الإمام عن الصيدلاني، ولم أجده في كتابه هكذا لكن قال: خَرَّجَ أصحابنا وجهين في أنها هل تصلى في كل مسجد أو لا تكون إلا في جماعة واحدة كالقولين في العيد؟ هذا كلام الرافعي.

قوله: وذكر أبو سليمان الخطابي أن الذي يجئ على مذهب الشافعي -رضي الله عنه- هو الجهر في صلاة كسوف الشمس.
انتهى كلامه.
تابعه النووي في "الروضة" على هذا النقل عن الخطابي ثم قال -أعني النووي- في "شرح المهذب": إن ما نقله عن الخطابي لم أره في كتاب له.

الجزء: 3 - الصفحة: 443

قلت: بل نقل المذكور في "معالم السنن" عن الشافعي عكسه وهو الإسرار.

قوله: ولو طلع الفجر وهو خاسف أو خسف بعد الفجر صلى على الجديد، وعلى هذا لو شرع في الصلاة بعد الفجر فطلعت الشمس في أثنائها لم تبطل صلاته كما لو انجلى الكسوف في أثنائها.
وذكر القاضي ابن كج أن هذين القولين في ما إذا غاب خاسفًا بين الفجر وطلوع الشمس، فأما إذا لم يغب، وبقي خاسفًا فيجوز الشروع في الصلاة بلا خلاف.
انتهى.
وما قاله ابن كج قد خالفه فيه جماعات كثيرة فقالوا: إن القولين جاريان مطلقًا منهم الشيخ أبو حامد والبندنيجي والدارمي وغيرهم قال في "شرح المهذب": وهو مقتضى إطلاق الجمهور وتعليلهم، وذكر في "الروضة" قريبًا من ذلك.

قوله في "الروضة": وإذا اجتمعت صلاتان في وقت واحد قدم ما يخاف فوته، ثم الأوكد، فلو اجتمع عيد وكسوف، أو فرض وكسوف، وخيف فوت العيد أو الفرض لضيق وقته قُدِّم، وإن لم يخف فالأظهر تقديم الكسوف.
والثاني: العيد والفرض لتأكدهما.
انتهى.
وما ذكره من الجزم بطريقة القولين هو المذكور في "المنهاج" أيضًا تبعًا للرافعي في كتبه، وخالف في "شرح المهذب" فقال: الصحيح وبه قطع الاكثرون القطع بتقديم الكسوف.

قوله: وروى البيهقي عن أبي قبيل: إن الشمس كسفت لما قتل الحسين.
انتهى.
قبيل: بقاف مفتوحة ثم باء موحدة مكسورة بعدها ياء مثناة، ثم لام

الجزء: 3 - الصفحة: 444

ضبطه ابن ماكولا وغيره.
قال الذهبي: واسمه حيي مصغرًا، وقيل: حي -مكبرًا- ابن هانيء بن ناصر المعافري المصري، وثقه أحمد وابن معين.
قال ابن يونس في "تاريخ مصر": توفي بالبرلس سنة ثمان وعشرين ومائة.

الجزء: 3 - الصفحة: 445

باب صلاة الاستسقاء

قوله: أو عارت العيون أو انبثقت الأنهار.
انتهى.
والكلام هنا في أمرين: أحدهما: في كلمة عارت، ومعناها: ذهاب الماء وهي بالعين المهملة.
قال الجوهري في الكلام على عور التي هي بالعين المهملة: وقد عارت العين تعار، قال الشاعر: وسائله بظهر الغيب عني ... أعارت عينه أم لم تعارا والألف في "تعارا" بدل من نون التوكيد الحقيقية، وإن كان إدخالها بعد "لم" شاذًا.
وعرت عينه أعورها، وفلاة عوراء لا ماء بها واعورت عينه لغة في عرتها، وعورتها تعويرًا مثله عورت عين الماء إذا كبستها حتى نضب الماء.
انتهى ملخصًا.
وحاصله أن هذه المادة ثابتة للعين الباصرة، والفوارة، وذكر بعده في الكلام على عير ما يؤيده فقال: وعار في الأرض يعير أي ذهب.
وذكر السهيلي في "الروض الأنف" في الكلام علي غزوة بدر في قوله في السيرة فأمر بتلك القلب -أي المياه- التي احتفرها المشركون فعورت كذلك أيضًا فإنه جعله من مادة المهملة، ثم قال: ومن الشاهد بوصف القلب بالعور قول الزاجر: ومنهل أعور إحدى العينين بصيرة الأخرى أصم الأذنين.
واعلم أن الغور بالغين المعجمة هو قعر الشيء، والغائر هو الذي سفل وبعد قعره.
قال الجوهري: غار الماء غورًا وغؤورًا أي على وزن قعودًا أي سفل في الأرض.
هذا لفظه، وهو صحيح لكنه قال بعده: وغارت عينه تغور غورًا وغؤورًا دخلت في الرأس، وغارت تغار لغة فيه، قال الشاعر:

الجزء: 3 - الصفحة: 446

أغارت عينه أم لم تغارا.
هذا لفظه، وقد تقدم منه في فصل العين المهملة جعل هذا البيت منها على خلاف المذكور هنا فكان وهم.
الأمر الثاني: في الكلام على قوله: انبثقت فاعلم أنه يقال: بثق السيل موضع كذا أي جرفه، وهو بالباء الموحدة والثاء المثلثة والقاف.

قوله: وإذا استسقوا فتأخرت الإجابة صلوا ثانيًا وثالثًا حتى يسقيهم الله تعالى.
انتهى.
والتقييد بالثلاث ذكر مثله في "الروضة"، وهو يوهم عدم الزيادة، وإن كان التعبير بحتى قد يشعر بخلافه، وقد صرح في "شرح المهذب" بأنه لا يتقيد بها، وسبقه إليه الماوردي وغيره.

قوله في المسألة: وهل يعودون من الغد أم يصومون ثلاثة أيام قبل الخروج كما يفعلون في الخروج الأول؟ قال في "المختصر": من الغد، وفي القديم: يصومون وقيل: قولان: أظهرهما: الأول.
وقيل: على حالين، فإن لم يشق على الناس، ولم ينقطعوا عن مصالحهم عادوا غدًا، وبعد غد، وإن اقتضى الحال التأخير أيامًا صاموا، زاد في "الروضة" فقال: نقل القاضي أبو الطيب عن عامة الأصحاب أن المسألة على قول واحد، فنقل المزني محمول على الجواز، والقديم على الإيجاب.
انتهى.
فيه أمور: أحدهما: أن الجمهور على الطريقة الأولى، وهي الحمل علي الحالتين، كذا ذكره في "شرح المهذب" في آخر كلامه على المسألة فتفطن له.

الجزء: 3 - الصفحة: 447

وأما تصحيح الرافعي و"الروضة" ونقل "المختصر" فهو تفريع على طريقة إثبات الخلاف فتأمل ذلك، وتفطن له.
الأمر الثاني: أن اقتصاره في إعادة الصوم على القديم غريب فقد نص عليه في "الأم" أيضًا، وممن نقله عنها النووي في "شرح المهذب".
الأمر الثالث: إذا قلنا بالخروج في الغد وفي الذي يليه ويكون صائمًا، نبه عليه في "الكفاية".

قوله: منها أن يأمر الإمام الناس بصوم ثلاثة أيام قبل اليوم الذى ميعاد الخروج، وبالتقرب إلى الله تعالى بما يستطيعون من الخير، ثم يخرجون في اليوم الرابع صيامًا.
انتهى.
ومقتضى هذا الكلام أنهم مأمورون في الاستسقاء بصوم أربعة أيام، وهو كذلك، ولهذا عبر في "البحر" بقوله: ويأمر الناس قبل ذلك أن يصوموا ثلاثًا، ثم يأمرهم أن يخرجوا في اليوم الرابع صيامًا، نص عليه الشافعي في "الأم" لا ما إذا استجبنا لهم أن يقدموا الصيام، فالأولى يوم المسألة.
هذه عبارته.
وذكر نحوه خلائق كثيرون منهم الشيخ في "المهذب" وأبو خلف الطبري في "شرح المفتاح" وأبو نصر البندنيجي في "المعتمد"، وأوضحه الشيخ نصر المقدسي في كتابه المسمى "بالمقصود" قال: ويأمرهم أن يصوموا ثلاثة أيام، واليوم [الذي يستسقون] 54 فيه.
هذه عبارته.
ثم إن صيام هذه الأيام التي يأمرهم الإمام بها واجب، كذا ذكره النووي في "فتاويه" لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ 55.

الجزء: 3 - الصفحة: 448

لكن هل يتعدى ذلك إلى كل ما يأمرهم به من الصدقة وغيرها أم يختص ذلك بالصوم؟ فيه نظر.

قوله: وفي إخراج البهائم قصدًا وجهان ذكرهما الإمام أصحهما: أنه يستحب إخراجها لما روى أنها تستسقى، وعن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: "لولا رجال ركع وصبيان رضع وبهائم رتع لصب عليكم العذاب صبًا" 56 انتهى.
فيه أمور: أحدها: أن ما ادعاه من حكاية الإمام لوجهين ليس كذلك، بل إنما حكاهما قولين صريحين، فإنه عبر بقوله: وفي استحباب إخراج البهائم تردد في النص.
وكذا عبر به أيضًا الغزالي في "البسيط"، ولا شك أن الشافعي قد نص في "الأم" وغيرها على كراهة إخراجهم كما سيأتي إيضاحه.
ونقل القفال عن النص أنه يستحب إخراجهم فتبعه على ما نقله تلميذه القاضي الحسين، ثم إمام الحرمين على عادته، وهذا النص غير معروف، حتى أن الروياني في "البحر" لما نقله عنه أنكره مع أن الروياني مشهور بين أهل المذهب بكثرة الاطلاع على نصوص الشافعي حتى حكوا عنه أنه قال: لو ضاعت نصوص الشافعي لأمليتها من صدري.
والقفال -رحمه الله- وكثير من أنظاره مع جلالة قدرهم لم يكونوا في النصوص بهذه المثابة إلا صاحب "التقريب" فإنه أعظم من الروياني في ذلك كما تقدم إيضاحه في مقدمة الكتاب.

الجزء: 3 - الصفحة: 449

وكأن قول الشافعي: لا أمنعهم.
قد اشتبه على بعضهم فتوهم منه استحباب خروجهم، فقلده القفال فيه.
الأمر الثاني: أن الغزالي في "الوجيز" قد جزم باستحباب إخراج أهل الذمة أيضًا.
وذكر الرافعي في شرحه له أن الجمهور سكتوا عنه، وحذف النووي مقالة الغزالي فلم يذكرها في "الروضة" بالكلية.
الأمر الثالث: أن تصحيح استحباب إخراج البهائم قد تابعه عليه النووي في "الروضة" والمنهاج، وجزم به في التأليف الذي جمعه في آداب الاستسقاء، وهذه المقالة قد نقلت عن أبي إسحاق المروزي وابن أبي هريرة على كلام فيه يأتي، ورأيتها في تعليق القاضي الحسين وفي الكتاب المسمى "بالطريق السالم" لابن الصباغ، وصرح في هذا الموضع بحوالة فروع وأدعية على كتابه "الشامل"، وفي "التهذيب" للبغوي، و"الوجيز" للغزالي و"الحلية" للروياني، و"الانتصار" لابن عصرون على اختلاف وقع أيضًا في كلام ابن الصباغ والروياني ولم أرَ بعد الفحص من قال بهذه المقالة من المعتبرين غيرها، ولا الثمانية على كلام فيه وقع لثلاثة منهم كما تقدم، وسيأتي ذكره.
إذا علمت ذلك فقد نص الشافعي في "الأم" وغيرها على أنه لا يستحب إخراجهم، وذهب إليه جمهور الأصحاب ما بين مقتصر على عدم الاستحباب، ومبالغ يقول بالكراهة، فمنهم الشيخ أبو محمد في "مختصر المختصر"، وأبو القاسم الصيمري في "الكفاية"، وفي شرحها له أيضًا، وأبو على البندنيجي في التعليقة المشهورة المسماة "بالجامع"، وعبر بقوله: السنة أن لا يخرجها، فإن فعل فلا بأس، والمحاملي في "المجموع"، وغيره ناقلًا له عن النص، وجازمًا به، والدارمي في "الاستذكار"، وأبو خلف الطبري في "شرح المفتاح"، وسليم الرازي في "المجرد"، وغيره.

الجزء: 3 - الصفحة: 450

وعبر في "المجرد" بنحو عبارة البندنيجي فقال: وليس في إخراجها استحباب، فإن فعل فلا بأس، والقاضي أبو الطيب في تعليقه، وحكاه عن الأصحاب، وعن نص الشافعي، والماوردي في "الحاوي" فقال: نص عليه الشافعي، وقال به سائر أصحابنا إلا ابن أبي هريرة، ومنهم الشيخ في "المهذب"، وهو مقتضى كلامه، وفي "التنبيه" أيضًا وابن الصباغ والمتولي في "التتمة" وأبو عبد الله الحسين الطبري في "العدة" والروياني في "البحر" والشاشي في "الحلية" ناقلين له عن النص أيضًا، والجرجاني في "الشافي" وذكر في "البحر" نحوه أيضًا، والخوارزمي في "الكافي" ونقله أيضًا عن النص، وأبو نصر البندنيجي في كتاب "المعتمد"، والعمراني في "البيان"، واقتضاه أيضًا كلام ابن أبي هريرة في "شرح المختصر" الذي علقه عنه أبو علي الطبري، فإنه استحب إخراج الشيوخ والعجائز والصبيان، واقتصر على ذلك.
وصنع مثله أبو على الزجاجي في "التهذيب" والشيخ نصر في كتابه المسمى "بالمقصود".
فهذه نقول الأصحاب متظافرة بعدم الاستحباب على تصريح كثير منهم بالكراهة كما سبقت الإشارة إليه، والقائلون بالاستحباب بالنسبة إليهم في غاية القلة، ولو تساووا لرجحنا بنص إمام المذهب بل يجب المصير إلى النص، ولو كان المخالفون له أكثر، فكيف عند القلة، وكلام النووي هنا في "شرح المهذب" في غاية الاقتصاد أيضًا، ولا شك أن الرافعي والنووي لو اطلعا على هذه النقول لم يذكرا ما ذكراه، إلا أن أكثر هذه الكتب لم يقفا عليها، ومن استقرأ كلامهما وتأمل الكتب التي ينقلان عنها قطع بذلك واعترف به إن كان منصفًا، وأما المعاند أو من لا اطلاع له، المقلد لما يسمعه أو لبعض ما يقف عليه المستريح من مشقة التعب فلا كلام معه، ولله الحمد على التوفيق للصواب.

الجزء: 3 - الصفحة: 451

قال العلماء: والمراد "بالركع" في الحديث: هم الذين قد انحنت ظهورهم من الكبر، ولهذا ورد في رواية أخرى: "لولا شيوخ" بدلًا عن "رجال".
وقد نظم بعضهم 57 هذا المعنى الوارد في الحديث فقال: لولا عباد للإله ركع ... وصبية من اليتامى رضع ومهملات في الفلاة رتع ... صب عليكم العذاب الأوجع

قوله: واختلفوا في وقتها فقيل: تختص بوقت العيد، وقيل: تبقى ما لم يصلي العصر، وقيل: لا تختص بوقت.
وقد قدمنا عن الأئمة وجهين في كراهتها في الأوقات المكروهة، ومعلوم أن الأوقات المكروهة غير داخلة في وقت صلاة العيد، ولا مع انضمام ما بين الزوال والعصر إليه فيلزم أن لا يكون وقت الاستسقاء منحصرًا في ذلك.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أنه لم يصرح بتصحيح هنا، وقد صرح به في "الشرح الصغير" فقال ما نصه: وأشبههما أن جميع الليل والنهار وقت لها.
وقال في "الروضة": إنه الصحيح الذي نص عليه الشافعي وقطع به الأكثرون، وصححه الرافعي في "المحرر" وما نقله عن تصحيح "المحرر" ليس كذلك، فإنه قال: والأشبه أن وقتها لا ينحصر في وقت صلاة العيد.
هذه عبارته.
ولا يلزم من عدم اختصاصها بوقت صلاة العيد أن لا تختص بوقت، فإن وراء ذلك وجهين آخرين كما تقدم.
أحدهما: لا تختص بوقت ويبقى وقتها ما لم يصل العصر، بل مقتضى نقل الرافعي أن القائلين بالأخير أكثر عددًا من القائلين بأنها لا تختص.
الأمر الثاني: أن ما قاله من كونه يلزم عدم الانحصار، غريب، فإن

الجزء: 3 - الصفحة: 452

وقت الاستواء من أوقات الكراهة بلا نزل، وهو وقت العيد بلا خلاف.
وأيضًا فإن الأصح أن وقت العيد يدخل بطلوع الشمس وقد جزم هو به في "المحرر" ووقت الطلوع من أوقات الكراهة.

قوله: ويكون في الخطبة الأولى وصدر الثانية مستقبل الناس ومستدبر القبلة، ثم يستقبل القبلة ويبالغ في الدعاء سرًا وجهرًا.
انتهى.
لم يبين الرافعي ولا ابن الرفعة في كتبهم المراد بالصدر الذي يستقبل عنده، وكذلك النووي في كتبه المطولة وقد بينه في "الدقائق" فقال: هو نحو الثلث.
ورأيت في "الكافي" للزبيري أنه عند بلوغ النصف، وقال الروياني في "البحر": يكون عند الفراغ من الاستغفار.
واعلم أنه قد ذكر في الدعاء ألفاظًا تحتاج إلى الضبط فنقول: الغيث: المطر، والمغيث: بضم الميم هو المنقذ من الشدة، والهنئ: ممدود مهموز هو الطيب الذي لا ينقصه شئ، وقيل: هو المنمى للحيوان من غير ضرر، والمرئ: بفتح الميم وبالمد والهمز أيضًا هو المحمود العاقبة.
والمريع: بميم مفتوحة وراء مكسورة وياء بنقطتين من تحت: هو الذي يأتي بالريع، وهو الزيادة، والنماء: مأخوذ من المراعة وهو الخصب، ويروي بضم الميم مع الباء الموحدة من قولهم: اربع البعير يربع إذا أكل الربيع، ومع التاء المثناة من فوق من قولهم: رتعت الماشية إذا أكلت ما شاءت، ومنه قوله تعالى في سورة يوسف: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12)﴾ 58 وتقول العرب: ارتع المطر، إذا أنبت ما ترتع فيه الماشية.
والغدق: بالغين المعجمة: الكثير.
قال تعالى: ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (16)﴾ 59.

الجزء: 3 - الصفحة: 453

والمجلل: بالجيم المفتوحة وكسر اللام وهو الساتر للأفق لعمومه، مأخوذ من تجليل الفرس، أو الساتر للأرض بالثياب.
والسيح: بسين مهملة مفتوحة وحاء مهملة أيضًا مشددة هو الشديد الواقع على الأرض أي يسمع له صوت شديد، يقال: سح الماء يسيح إذا سال من فوق إلى أسفل، وساح يسيح إذا جرى على وجه الأرض.
وأما طبقًا: فهو بفتح الطاء والباء أى مطبقًا على الأرض يعني مستوعبًا لها يقال: طبق البلاد يطبقها إذا عمها وهو مطابق الدال أي مساوٍ له، والقنوط الناس.
واللأواء بالمد: شدة الجوع والجهد، قلة الخير وسوء الحال وهو بفتح الجيم والضم لغة.
والضنك: بالضاد المعجمة والنون: هو الضيق.
ونشكوا: بالنون في أوله.
وبركات السماء: المطر.
وبركات الأرض: المرعى.
وأما العري: فبعين مضمومة وراء ساكنة ثم ياء مخففة ويجوز فيه كسر الراء وتشديد الياء.
قاله الجوهري والمدرار: ففعال من الدر أي القطر، وهو من أبنية المبالغة ومعناه: كثير الدر.

قوله من زوائده: قال الشافعي والأصحاب -رحمهم الله-: إذا ترك الإمام الاستسقاء لم يتركه الناس.
انتهى.
وهذا النص قد بينه في "شرح المهذب" فقال: قال الإمام: إذا صلت الأمصار عن الولاة قدموا أحدهم للجمعة، والعيد والكسوف والاستسقاء.
هذا لفظه، ومقتضاه أنهم لا يفعلونه مع وجود الوالي في المصر إذا تركه، وهو متجه للخوف من فوران فتنة.

الجزء: 3 - الصفحة: 454

قوله أيضًا: ولو خطب قبل الصلاة، قال في "التتمة": يجوز، وتصح الخطبة.
انتهى.
وما نقله عن "التتمة" قد نقله الشيخ أبو حامد عن الأصحاب، وجزم به في "المنهاج"، وأشار ابن المنذر إلى استحبابه.

قوله أيضًا من زوائده: ويستحب أن يغتسل في الوادي إذا سال أو يتوضأ.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن التعبير بأو ذكر مثله في "المنهاج" أيضًا، وخالف ذلك في "شرح المهذب" فجزم باستحباب الأمرين معًا فقال: يستحب إذا سال الوادي أن يتوضأ منه ويغتسل، فإن لم يجمعهما فليتوضأ.
هذه عبارته.
والمتجه الجمع، ثم الاقتصار على الغسل ثم على الوضوء.
الأمر الثاني: أن الوضوء والغسل هل هما عبادتان في هذه الحالة حتى ينوي ويغتسل ويتوضأ من لم يكن محدثًا لا ولا جنبًا سواء أدى به صلاة أم لا؟ فيه نظر.
والمتجه أن الجملة في ذلك هو الجملة في كشف البدن ليصيبه أول مطر السنة وتناله بركته لأن الاغتسال في السائل كالتكشف للنازل وذاك لا تشرع فيه نية، فكذلك هذا.
وإما تشرع فيه النية إذا صادف وقت الوضوء أو غسل، فهل تتوقف النية على الاغتسال فيه ولا تحصل بالاغتسال منه؟ ظاهر الحديث الأول، وقد تقدم الوعد بذكر هذه المسألة.

قوله في الزوائد: والسنة أن يقول عند نزول المطر: "اللهم صيبًا نافعًا".
رواه البخاري في "صحيحه" 60. وفي رواية ابن ماجة: "سيبًا نافعًا" 61 مرتين أو ثلاثًا، فيستحب الجمع

الجزء: 3 - الصفحة: 455

بينهما.
انتهى كلامه.
الصيب: بصاد مفتوحة وبعدها ياء مثناة من تحت مكسورة ثم باء موحدة هو المطر.
كذا نقله البخاري في "صحيحه" 62 عن ابن عباس.
وقال الواحدي: إنه المطر الشديد، وهو مأخوذ من قولهم: صاب يصوب إذا نزل من علو إلى أسفل، وقيل: الصيب: السحاب.
والسيب: بسين مفتوحة وياء مثناة ساكنة بعدها باء موحدة هو العطاء.
أو المراد بقوله: "يستحب الجمع بينهما" أى بين رواية البخاري وابن ماجة.
كذا ذكره النووي في "شرح المهذب".

قوله فيها أيضًا: ويستحب أن يقول بعد المطر: مطرنا بفضل الله تعالى ورحمته، ويكره أن يقول: مطرنا بنوء كذا، فإن اعتقد أن النوء هو الممطر الفاعل حقيقة كفر فصار مرتدًا.
انتهى.
النوء بنون مفتوحة وواو ساكنة بعدها همزة، وقد تكلم الجوهري عليه كلامًا حسنًا فقال: النوء: سقوط نجم من المنازل في المغرب مع الفجر، وطلوع الذي يرقبه من المشرق يقابله من ساعته في كل ليلة إلى ثلاثة عشر يومًا، وهكذا كل نجم منها إلى انقضاء السنة ما خلا الجبهة فإن لها أربعة عشر يومًا، وكانت العرب تضيف الأمطار والرياح والحر والبرد إلى الساقط منها.
وقال الأصمعي: إلى الطالع منها في سلطانه فتقول: مطرنا بنوء كذا، والجمع: أنواء، ونوآن، أى مثل عبد وعُبدان.
انتهى كلام الجوهري.
وأراد بالمنازل: النجوم وهي ثمانية وعشرون نجمًا.

الجزء: 3 - الصفحة: 456

فصول الكتاب · 72 فصل
فصول المهمات في شرح الروضة والرافعي
المقدمةالمقدمةمقدمة المحققمقدمة المؤلفكتاب الطهارةكتاب التيممكتاب الحيضكتاب الصلاةكتاب الصلاةكتاب الصلاة بالجماعةكتاب صلاة المسافرينكتاب الجمعةكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الحجكتاب البيعكتاب الرهنكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب العاريةكتاب الغصبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب الجعالةكتاب الوقفكتاب الهبةكتاب اللقطةكتاب اللقيطكتاب الفرائضكتاب الوصاياكتاب الوديعةكتاب قسم الفيء والغنيمةكتاب قسم الصدقاتكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب القسم والنشوزكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفاراتكتاب "العدد"كتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجراحكتاب الدياتكتاب دعوى الدمكتاب الجنايات الموجبة للعقوباتكتاب موجبات الضمانكتاب السيركتاب [عقد] (1) الجزية والمهادنةكتاب الصيد والذبائحكتاب الضحايا والعقيقةكتاب الأطعمةكتاب السبق والرميكتاب الأيمانكتاب [النذر]كتاب القضاءكتاب الشهاداتكتاب الدعاوى والبيناتكتاب التدبيركتاب الكتابةكتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل