المهمات في شرح الروضة والرافعيكتاب الجراح
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قوله: ويتعلق بالقتل المحرم وراء العقوبة الأخروية مؤاخذات في الدنيا: [إحداها]: القصاص: قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ 1، وقال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ 2. قال الأصحاب: هذا وإن كان خبرًا عما في التوارة لكن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يرد ناسخ له على رأي الأصوليين، وبتقدير أن لا يكون كذلك فإن ورد ما يقرره فهو شرع لنا لا محالة، وقد روي أن الرُبيع بنت النضر عمة أنس بن مالك -رضى الله عنهما- كسرت ثنية جارية فأمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالقصاص فقال أخوها أنس بن النضر: أتكسر ثنية الربيع لا والله.
فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "كتاب الله القصاص" 3. وليس في كتاب الله تعالى ذكر قصاص السّن إلا في هذه الآية.
والثانية: الدية.
والثالثة: الكفارة.
انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدها: أن النووي في "الروضة" قد عدل عن تعبير الرافعي بالقتل المحرم، وعبر بقوله: القتل الذى ليس بمباح، وغرضه بذلك إدخال قتل الخطأ فإنه لا يدخل في المحرم ويدخل في غير المباح فإنه لا يوصف بحرمة

الجزء: 8 - الصفحة: 138

ولا إباحة، وفي كل من التعبيرين نظر.
الأمر الثاني: أن تعبير الرافعي يدل بظاهره على بقاء العقوبة في الآخرة وإن استوفي منه القصاص أو الدية، وقد تابعه في "الروضة" عليه ولكنه أجاب في "فتاويه" بخلافه وقال: إن ظواهر الشرع تدل على السقوط، وذكر مثله في "شرح مسلم".
ودليله الحديث الصحيح في مسلم: "من ارتكب شيئا من هذه القاذورات فعوقب به كان كفارة له وإن لم يعاقب به فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه" 4. الأمر الثالث: أن [الرافعي] قد أهمل ما يتعلق بالقتل في الدنيا أيضًا التعزير وذلك في كل قتل أثم به وامتنع وجوب القصاص فيه؛ وذلك كقتل السيد عبده والوالد ولده كما نص عليه الشافعي في "الأم"، ومنه قتل المسلم للذمي والحر للعبد أو المبعض، ومنه عمد الخطأ وشريك المخطئ، ونحو ذلك.
ثم قد يكون إيجاب ذلك مع الضمان كما مثلناه، وقد يكون بدونه كقتل نساء أهل الحرب وصبيانهم.
وإن قيل: كيف يجب التعزير في الصور السابقة مع أن الكفارة فيها تجب والقاعدة أن التعزير يجب في ما لا عقوبة فيه من حد أو كفارة؟ . فالجواب: أن الكفارة في مقابلة إعدام النفس وليست في مقابلة ما ارتكبه من الإثم والتعدي بدليل وجوبها في قتل الخطأ، وإذا لم تكن الكفارة في مقابلة ذلك فلابد له من شيء يقابله فيشرع [التعزير]؛ فافهم ما ذكرته فإنه دقيق.
الأمر الرابع: أن ما ذكره من أن قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "كتاب الله القصاص" 5. تقرير لشرع من قبلنا كلام عجيب فإنه إخبار عما في كتاب

الجزء: 8 - الصفحة: 139

الله لا إنشاء حكم، بل الجواب عند من لا يقول بأنه شرع لنا أن ذلك إشارة إلى آيات تدل عليها بالعموم لقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ 6، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ 7، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ.
. . .﴾ 8 الآية، وهذه الآيات وإن [كان] 9 طريقها التخصيص إلا أن دلالتها باقية على ما لم يثبت تخصيصه.
والرُبيّع: براء مضمومة وبالياء المشددة [المكسورة]، وحديثها ثابت في الصحيحين.

قوله: فلو جرحه بمحدد وجب القصاص.
ثم قال: وهذا في الجراحات التى لها وقع وتأثير فإما أنه فلقة خفيفة من اللحم فهو كغرز الإبرة، كذلك ذكره الإمام.
انتهى.
والصحيح في غرز الإبرة أنه لا يجوب إلا بشروط؛ فمقتضاه أن الجراحة الخفيفة لا توجب أيضًا لكنه جزم بالوجوب بعد هذا بأسطر قلائل وجعله دليلًا للوجه القائل في الإبرة أنه يجب مطلقًا فقال: أحدها: يجب كالجراحات الصغيرة بغير الإبرة.
هذا لفظه، وقد ذكر المسألة في كتاب موجبات الضمان في الكلام على ضمان إتلاف الإمام في آخر مسألة الختان، وحكي فيها وجهين من غير ترجيح فقال: قال السرخسي: ينبني على أن الجرح اليسير هل فيه قصاص؟ فيه وجهان.

قوله: فأما إبانة فلقة خفيفة من اللحم.
. . . إلى آخره.

الجزء: 8 - الصفحة: 140

اعلم أن الرافعي قد ذكر في هذا الموضع ألفاظًا أخرى لابد من شرحها وهي الأخدع والعجان والضمان وجمع الكف والغرامة.
فأما الفلقة فيجوز أن تكون بفاء [مكسورة] وبالقاف بعد اللام؛ تقول: فلقت الشيء أي: شققته فلقا بفتح الفاء وسكون اللام، وسمي كل واحد من القطعتين فلقا بكسر القاف وسكون اللام وفلقة بالتاء أيضًا.
ويجوز أن تكون بضم القاف وسكون اللام مأخوذًا من الجلدة التي تقطع في الختان؛ يقال: قلفها قلفًا أي: قطعها.
وأما القلفة بفتح القاف واللام فإنه موضع القطع كالقطعة في حق الأقطع.
وأما الأخدع فهو بالخاء المعجمة والدال المهملة.
قال الجوهري: إنه عرق منبعث من الوريد.
وفسره الرافعي بأنه عرق في الخاصرة والخاصرة والشاكلة والطفطفة بمعني واحد.
أما العجان: بكسر العين المهملة والجيم هو ما بين الدبر، الأنثيين، ويسمى العضرط بعين مفتوحة وضاد معجمة ساكنة وراء مفتوحة ثم طاء مهملتين وأما الضمن بفتح الضاد المعجمة وكسر الميم فهو التألم.
وأما الجمع فهو بجيم مضمومة وميم ساكنة فهو قبض الكف، تقول أيضًا أخذت فلانًا بجمع ثيابه بضم الجيم.
والعرامة: بفتح العين وبالراء المهملتين والعارم والعرم هو الشرس من الصبيان أي: لا يمتثل ما يقال له؛ يقال: صبي عارم من العوارم بالضم، وقد عرم بالفتح يعرم ويعرم بالضم والكسر عرامة.

قوله: ولو منعه الشراب دون الطعام فلم يأكل المحبوس خوفًا من

الجزء: 8 - الصفحة: 141

العطش فمات فلا قصاص.
وحكي أبو الحسن العبادي عن القفال أنه يجب الضمان، وعن غيره المنع لأنه المهلك لنفسه، وهذا ما أورده صاحب "التهذيب".
انتهى.
والأصح على ما قاله النووي في أصل "الروضة" هو الثاني.

قوله في "الروضة": ولو لم يوجره السم القاتل لكن أكره على شربه فشربه قال الداركي وغيره في وجوب القصاص قولان: أظهرهما الوجوب، والوجه أن يكون هذا كإكراهه على قتل نفسه، وسيأتي أنه لا قود على الصحيح.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن الرافعي -رحمه الله- لم يطلق التصحيح كما أطلقه في "الروضة" بل نقله عن "العدة" فقط، ثم خالفه فقال: قال في "العدة" أصحهما الوجوب، والوجه أن يكون كالكراهة على قتل نفسه.
هذا لفظه، وهو تركيب واضح، وحاصله مخالفة صاحب "العدة".
وأما تعبير "الروضة" فمتدافع ويوهم أن المشهور هو الوجوب.
الأمر الثاني: أن ما ذكره الرافعي بحثًا من إلحاقه بالإكراه على قتل نفسه وتابعه عليه في الروضة صرح في الكفاية بنقله عن النهاية والتتمة وتعليق القاضي حسين.

قوله: ولو ناوله الطعام المسموم وقال: كله، أو قدمه إليه وضيفه به فأكله ومات، فإن كان صبيًا أو مجنونا لزمه القصاص سواء قال لهما هو مسموم أم لا، وذكروا مثله في الأعمى الذى يعتقد أنه لابد من الطاعة في كل ما يشار عليه به، ولم يفرقوا بين الصبي المميز وغيره ولا نظروا إلى أن عمد الصبي عمد أم خطأ وللنظرين مجال.
انتهى.

الجزء: 8 - الصفحة: 142

وما ادعاه من عدم التفرقة بين المميز وغيره قد تابعه عليه في "الروضة" وليس كذلك؛ فقد فرق بينهما ابن الصباغ في "الشامل" والمتولي في "التتمة"، وهو مقتضى ما في "التهذيب" و"البيان".

قوله: ولو قدمه لبالغ عاقل ولم يبين له حاله ففي القصاص قولان مرويان عن الأم؛ قياس ما سبق منهما عدم وجوبه.
ثم قال: وطرد في "التهذيب" القولين فيما إذا قال: كل وفيه شيء من السم لا يضر، وفيما إذا جعل السم في دَنّ ما على الطريق فشرب منه إنسان ومات، وليكن الفرض فيما إذا كان طريق شخص معين إما مطلقا أو في ذلك الوقت، وإلا لم يتحقق العمد به.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن ما نقله عن البغوي من إجراء القولين في هذه الحالة وأقره قد تابعه عليه في "الروضة"، وهو مردود مخالف لما قاله الشافعي؛ فإن الشافعي في "الأم" لما نص على القولين ذكر هذه المسألة ولم يخرجها عليها بل جزم بأنه لا شيء فقال: ولو قال له: في هذا سم ولا يتلف صاحبه، أو يتلفه، أو قل ما يتلف به، فشربه فمات لم يكن على الذى خلطه له ولا أعطاه إياه عقل ولا قود.
هذا لفظ الشافعي بحروفه.
وصرح الماوردي في "الحاوي" أيضًا بأنه لا شيء جزمًا.
الأمر الثاني: أن ما جزم به الرافعي من أن العمدية تعمد تعيين الشخص قد اختلف فيه كلام "الروضة" فجزم هنا به، وكذلك في الباب الرابع المعقود لموجب الدية في المسألة الثامنة من الطرف الرابع وخالف الموضعين المذكورين قبيل كتاب الديات فرجح من "زوائده" وجوب

الجزء: 8 - الصفحة: 143

القصاص، وسوف أذكر لفظ الموضعين في محلهما.

قوله: ولو ألقاه في ماء لا يعد مغرقًا بأن كان واقفًا في موضع منبسط فاضطجع فيه حتى هلك فلا قصاص ولا دية.
انتهى.
وتقييد الماء بالواقف تبعه عليه أيضًا في "الروضة" وعَبّر بالراكد، ولا حاجة إليه، والصواب حذفه كما حذفه من "المحرر".

قوله: سقاه سمًا موحيًا.
ثم قال: ويجوز نزف الدم ونزف إذا جرح، ويقال: دهش دهشًا إذا تحير ودهش على ما لم يسم فاعله.
انتهى.
فأما موحيًا فهو بتشديد الحاء المهملة أي: مسرعًا؛ يقال وحاه -بالتشديد- يوحيه إذا عجله وأسرع به، وهو موت وحيّ بتشديد الياء أي: سريع.
وأما نزف فيتلخص فيه من كلام الجوهري أنه يجوز فيه بناؤه للمفعول، ويجوز أيضًا بناؤه للفاعل مع فتح الزاي وكسرها؛ وحينئذ فلك أن تحمل الوجهين في كلام الرافعي على ما شئت من هذه الثلاثة وأما دهش المذكور أولًا فإنه بكسر الهاء والمصدر بالفتح ومعناه التحير.

قوله: فرع: قال الملقي: كان يمكنه الخروج مما ألقيته فيه من الماء أو النار فقصر وقال الولي: لم يمكنه فهل يصدق الملقي لأن الأصل براءة ذمته أو الولي لأن الظاهر أنه لو أمكنه الخروج لخرج؟ فيه وجهان، ويقال قولان: انتهى.
والراجح منهما -كما قاله في "الروضة" من "زوائده"- تصديق الولي.

قوله: ويعزر الممسك للقاتل؛ لما روي أنه -عليه الصلاة والسلام- قال:

الجزء: 8 - الصفحة: 144

"يقتل القاتل ويصبر الصابر" 10، قيل: معناه: أنه يحبس تعزيرًا.
انتهى.
اعلم أن الصبر هو الحبس؛ يقول: صبر يصبر -بكسر الباء في المضارع، وصبرته أنا- أي: حبسته؟ قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ 11 الآية.
كذا ذكره الجوهري.
ثم ذكر بعده الحديث المذكور فقال: وفي حديث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في رجل أمسك رجلًا وقتله آخر قال: "اقتلوا القاتل واصبروا الصابر" أي: احبسوا الذي حبسه للموت حتى يموت.
هذا لفظ الجوهري، والفقهاء ينازعون في حبسه للموت كما تعرفه في التعزير.
والحديث المذكور [. .] 12.

قوله: ولو أمسك محرم صيدًا فقتله محرم آخر فقرار الضمان على القاتل، وتتوجه المطالبة على الممسك.
انتهى.
هذه المسألة ذكرها الرافعي في ثلاثة مواضع من كتابه واختلف فيها كلامه وكذلك كلام "الروضة" أيضًا، وقد بسطت ذلك في محظورات الإحرام فراجعه.

قوله: فإن لم نوجب القصاص على المكره -بفتح الراء- لزمه

الجزء: 8 - الصفحة: 145

نصف الدية على الأصح، ولكن هل تكون في ماله أم على عاقلته؟ فيه تردد للإمام.
انتهى.
فإن في "الروضة": الأرجح أنه في ماله.

قوله: في "الرقم" إن بعض النظار طابق في تصوير إكراه الذمى المسلم، وقال: إنه إذا أكرهه انتقض عهده وصار حربيًا.
انتهى كلامه.
ومراده أنه إذا صار حربيًا فلا قصاص عليه كسائر الحربيين.
وما قاله غريب لأن الذى صححه الرافعي وتبعه عليه في "الروضة" أنه لا ينتقض العهد إلا إذا شرط ذلك عليهم وشرط عليهم النقض به أيضًا.
ولو سَلَّمْنَا انتقاض العهد به فالتفريع على إلحاق الإكراه بمباشرة القتل، والذمى إذا قتل ونقضنا عهده بذلك قتلناه قصاصًا فكذلك إذا أكره.

قوله: ولو أكره إنسانًا على أن يرمي إلى طلل غرفة المكره إنسانًا وظنه المكره جرثومة، أو أن يرمى إلى ستر وراءه إنسان وعرف المكره ذلك دون المكره فقد ذكر الإمام الغزالي في أن وجوب القصاص على المكره وجهين كالوجهين فيما إذا أكره صبيًا على القتل وجعلنا عمد الصبي خطأ، ومال صاحب "التهذيب" إلى القطع بوجوب القصاص.
انتهى ملخصًا.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، والذى ألحقه الإمام والغزالي به وهو ما إذا أكره صبيا وجعلنا عمده خطأ قد ذكر الرافعي فيه طريقين: أصحهما: القطع بعدم الوجوب.
والثاني: فيه وجهان: إذا علمت ذلك ظهر لك أنه لا ترجيح في مسألتنا بالكلية، أو أن الراجح عدم الوجوب؛ فإنه نقل عن اثنين ما يقتضيه، ونقل الوجوب عن

الجزء: 8 - الصفحة: 146

واحد، وقد صحح النووي في "الروضة" أنه يجب، ولم ينبه على أنه من "زوائده" بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن لذلك.
والطلل بفتح الطاء المهملة ما شخص من آثار الدار، والجمع: أطلال وطلول.
والجرثومة أصل الشيء، ويقال: تجرثم الشيء واجرثم أي: اجتمع.
وقول الرافعي إلى ستر وراءه [. .] 13 على قتل نفسه بأن قال: اقتل نفسك وإلا قتلتك، ففي وجوب القصاص على المكره من يتخلص بما أمر به عما هو أشد عليه ولا يتخلص بقتل نفسه عن القتل.
انتهى.
استثنى في "الشرح الصغير" ما إذا أكرهه بشئ فيه تعذيب قال: فيشبه أن يكون إكراهًا؛ أي: حتى يجب القصاص لغيره.

قوله في المسألة: فإن قلنا: يجب القصاص عليه، فلو فرض العفو وجب كمال الدية.
انتهى.
وما ذكره من إيجاب الدية كلها لا يستقيم إلا إذا قلنا: إن المكره -بفتح الراء- في غير هذه الصورة لا ضمان عليه.
أما إذا قلنا بالصحيح وهو: أنه يضمن نصف الدية والنصف الآخر على المكره فكذلك أيضًا هنا، وقد صرح بذلك البغوي في "التهذيب" وحكاه في "المطلب" عنه واقتصر عليه، ثم قال: ووقع في الرافعي هنا سهو تبعته عليه في "الكفاية"، والحق ما ذكرته هاهنا.

قوله في المسألة: وإن قلنا: لا يجب، فعليه نصف الدية إن أوجبنا الضمان على المكره، وجميعه إن لم نوجبه.
انتهى.
وما ذكره من الإيجاب على المكره -يعني الآمر- تفريعًا على عدم القصاص لا يستقيم؛ لأنا إنما أسقطنا القصاص لانتفاء الإكراه كما تقدم،

الجزء: 8 - الصفحة: 147

وإذا انتفي لزم أن لا يجب عليه شيء أصلًا لا نصف الدية ولا كلها، والمسألة مذكورة في "التهذيب" على الصواب فلما نقلها الرافعي منه جعل تفريع أحد القولين للآخر فوقع في الوهمين معًا.

قوله في أصل "الروضة": ولو قال: اقطع يدي، فقطعها فلا قصاص ولا دية قطعًا.
انتهى.
والذي ادعاه من عدم الخلاف محله إذا لم يمت، فإن مات من القطع ففيه الخلاف فيما إذا قال: اقتلني؛ والأصح فيه عدم الوجوب أيضًا؛ كذا ذكره قبيل كتاب الضمان.

قوله: ولو قال: اقذفني وإلا قتلتك فقذفه ففى وجه: لا حد عليه كما لو قال: اقطع يدى فقطعه.
قال في التهذيب: والصحيح وجوبه بخلاف القصاص؛ لأنه قد يستعين بغيره في قتل نفسه أو قطعه ولا يستعان بالغير في القذف فيجعل القاذف مبتدئًا.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن الرافعي قد صحح في موضعين من "الكتاب" عدم الوجوب ونقله عن الأكثرين علي خلاف هذا التصحيح الذى نقله هنا وأقره: أحدهما في آخر الباب الأول من أبواب اللعان، وثانيهما في حد القذف، ثم إنه فرض المسألة في الموضعين المذكورين في الإذن المجرد عن الإكراه فما ظنك مع الإكراه كما فرضه هنا.
الأمر الثاني: أن ما نقله عن البغوي من تصحيح ذلك مع الإكراه تبعه على نقله عنه في "الروضة" أيضًا، وهو غلط؛ فإنه إنما صحح ذلك في الأمر المجرد فقال: ولو قال لآخر: اقذفني فقذفه، فقد قيل لا حد عليه لأن الحق له كما لو قطع يده بإذنه لا قود عليه، والصحيح أنه يجب ..

الجزء: 8 - الصفحة: 148

إلى آخر ما ذكر.
هذا لفظه؛ فتلخص أنه لا حد في هذه المسألة بلا خلاف على خلاف ما توهمه الرافعي وأنه يباح له ذلك بلا خلاف أيضًا كما أشعر به كلامهم، بل في وجوبه نظر، وتوهم النووي صحة هذا النقل عن البغوي فقال: هذا الذي قاله البغوي عجيب، والصواب أنه لا حد.
هذا لفظه من غير زيادة عليه؛ فتوهم صحة نقل الخلاف ولم يستحضر أيضًا ما سبق في اللعان ولا ما سيأتي في حد القذف.

قوله 14: ولو قال: اقتل زيدًا أو عمروًا وإلا قتلتك، فهذا تخيير لا إكراه، وقد سبق نظيره فيما إذا قال: طلق إحدي زوجتيك.
ثم قال: وفي "الرقم" نقل وجه أنه يكون إكراهًا، وفي "التتمة" نسبته إلى القاضي حسين، ويجيء مثله في الطلاق.
انتهى.
تابعه في "الروضة" عليه وفيه أمران: أحدهما: أنه يشعر بأنه لم يستحضر في الطلاق خلافًا؛ ولهذا أشار إلى تخريجه من هذه المسألة، وهو غريب؛ فقد صرح هو بحكايته هناك نقلًا عن صاحب "التتمة" كما حكاه عنه هنا.
الأمر الثاني: أن الوجه القائل هنا بأنه إكراه لا يلزم طرده في الطلاق لأنه يمكنه هناك أن يأتي بما أكره عليه وهو أن يقول: إحداهما طالق، فإن أراد الرافعي جريان الخلاف في هذه الصورة فباطل؛ إذ لا يقع جزمًا في هذه الحالة كما أوضحوه في بابه لأنه أتي بنفس ما أكره عليه، وإن أراد جريان الخلاف فما إذا عين المطلقة فالفرق واضح؛ لأن القتل لا يكون إلا في معين بخلاف الطلاق، فإذا عدل إلى التعيين أشعر بالاختيار.

الجزء: 8 - الصفحة: 149

قوله: ولو أمر عبدًا صغيرًا لا تمييز له أو مجنونًا ضاريًا أو أعجميًا يرى طاعة السيد لازمه في كل ما يأمر به فالقصاص أو الدية على السيد، وفي تعلق المال برقبة العبد وجهان: أصحهما المنع لأنه كالآلة فأشبه إغراء البهيمة الضارية.
ثم قال: ولو قتل مثل هذا الصبي أو المجنون أو أتلفا مالًا من غير حث من أحد فهل يتعلق الضمان بمالهما؟ عن الشيخ أبي محمد تخريجه على الخلاف المذكور في التعلق برقبة العبد لأنه يشبه إتلاف البهيمة العادية.
انتهى كلامه.
وما ذكره في آخر كلامه في إتلافهما من غير حث قد تابعه في "الروضة" عليه؛ ومقتضاه أن الراجح في هذه المسألة أنه لا شيء في مال هذا الصبي ولا في مال المجنون، وهو مردود مخالف لما سبق في كتاب الرضاع أن الصبي إذا دب وارتضع وانفسخ النكاح وجب عليه الغرم، ومخالف أيضًا لما سيأتي بعد ذلك بدون كراستين في الكلام على شريك السبع.

قوله: وكذا لا يباح الزنا بالإكراه.
انتهى.
ومقتضى إطلاقه أنه لا فرق في عدم إباحته بين الرجل والمرأة، وهو كذلك؛ فقد صرح به الرافعي في كتاب الجهاد.

قوله: ويباح بالإكراه التلفظ بكلمة الكفر ولكن لا يجب ذلك في أصح الوجهين؛ روي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "كان الرجل فيمن كان قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فينشر اثنين وما يصده عن دينه ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم وعصب وما يصده ذلك عن دينه" 15. انتهى.

الجزء: 8 - الصفحة: 150

واعلم أنه قد تلخص من كلام الجوهري في مادة أشر ونشر ووشر أن في لفظه المنشار لغات فينطق بها بعد الميم إما بالنون أو بالهمز أو بالياء فإنه يقال: نشرت الخشبة بالنون، وأشرتها بالهمز، ووشرتها بالواو؛ وحينئذ فإذا ثبتت من ذوات الواو مفعالًا لزم قلب الواو ياء لوقوعها بعد كسرة كما في الميقات والميزان، وإذا ثبتت من المهوز جاز التسهيل أيضًا.

قوله: وهل يجب شرب الخمر عند الإكراه؟ في "الوسيط" أنه على وجهين مرتبين على الوجهين في كلمة الردة وهو أولى بمنع الوجوب.
انتهى.
وهذا النقل عن "الوسيط" قد ذكر مثله في "الشرح الصغير"، وليس كذلك فإن الذي قاله في "الوسيط": وفي وجوبه خلاف مرتب على الردة وأولى بالوجوب.
هذه عبارته.
وقد اغتر في "الروضة" بكلام الرافعي فأطلق تصحيح عدم وجوبه.

قوله: إذا أنهشه حية أو ألدغه عقربا بأن ضبطها وأدناها منه فقتلته نظر إن كانت تقتل غالبًا كأفاعي مكة وثعابين مصر وعقارب نصيبين وجب القصاص، وإن كانت مما لا يقتل غالبًا فقولان: أصحهما عند صاحب "التهذيب" والروياني وغيرهما أنه شبه عمد.
والثاني: أنه يتعلق به القصاص، وهو ما أورده الإمام وصاحب "الكتاب".
انتهى.
وما نقله عن الإمام والغزالي من الوجوب عجيب؛ فإنهما صرحا بأنه كغرز الإبرة؛ كذا في "النهاية" و"البسيط" و"الوسيط" وقد فصلا في

الجزء: 8 - الصفحة: 151

الإبرة وحكيا خلافًا من غير ترجيح فيما إذا لم تقتل غالبًا.

قوله: وإن أرسل عليه سبعًا أو أغري به كلبًا عقورًا في موضع واسع كالخضراء فقتله أو طرحه في مسبعة أو بين يدى سبع في الصحراء مكتوفا أو غير مكتوف فقتله فلا قصاص ولا ضمان سواء كان المطروح صغيرًا أو كبيرًا لأنه لم يلجئه إلى قتله، والذى وجد منه ليس بمهلك، وهو كالممسك مع القاتل.
انتهى كلامه.
وما ذكره من عدم الوجوب في إغراء الكلب ونحوه لا يجتمع مع ما قاله قبل ذلك فيما إذا أغرى به مجنونًا ضاريا أو عبدًا أعجميا يعتقد أن طاعة سيده واجبة فإنه قد جزم فيه بوجوب القصاص، والإيجاب هو الصواب؛ فقد جعل الشارع قتل الكلب للصيد بالإغراء نازلًا منزلة قتل الغري.
وأما استدلاله بأنه ليس بمهلك فإن أراد أنه ليس بمباشر فمسلم، وإن أراد أنه ليس سببًا فليس كذلك بل هو سبب ملجئ عرفًا بلا شك، وقياسه على الممسك مع القاتل لا يستقيم لأن العاقل له رؤية بخلاف ما نحن فيه، وبالجملة فما الذى يقوله في الفرق بين إغراء المجنون وبين الكلب ونحوه.

قوله: ولو ربط في دهليز داره كلبًا عقورًا ودعى إليه غيره فافترسه الكلب فلا قصاص ولا ضمان ولم يجعل على الخلاف الذى سبق في حفر البئر في الدهليز وتغطية رأسها لأن الكلب يفترس باختياره، ولأنه ظاهر يمكن دفعه بالعصا والسلاح.
انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره من عدم الضمان وبقية الخلاف غريب؛ فقد حكى الخلاف فيه في كتاب ضمان البهائم، واقتضى كلامه أن الأصح هو الوجوب، وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى، ووقع الموضعان

الجزء: 8 - الصفحة: 152

كذلك في "الروضة" 16.

قوله: والمريض المشرف على الوفاة إذا قتل وجب القصاص على قاتله.
قال القاضي الروياني وغيره: وإن انتهى إلى حالة النزع وصار عيشه عيش المذبوحين.
ولفظ الإمام: أن المريض لو انتهى إلى سكرات الموت وبدت أماراته وتغيرت الأنفاس في الشراسيف فلا يحكم له بالموت بخلاف المقدود لأن موته غير مقطوع به، وأيضا فإن المريض لم يسبق فيه فعل يحال القتل عليه.
نعم لو أصاب الحشوة خرق أو قطع وكان يتيقن موته بعد يوم أو يومين وجب القصاص بقتله.
انتهى.
وما ذكره هاهنا من أن المريض لا يقطع بموته وإن انتهى إلى حالة النزع وأن حكمه كحكم الأحياء قد ذكر ما يناقضه أو يقيده في الباب الأول من أبواب الوصية في الكلام على المرض المخوف، وكذلك النووي من "زوائده" في الفرائض في الكلام على ميراث الحمل، وقد سبق لفظ كل من الموضعين في بابه مع زيادة أخرى في الفرائض ينبغي معرفتها، وذكر مثل ما ذكر هاهنا في العاقلة وفي باب الأضحية.
والشراسيف جمع شرسوف بشين معجمة مضمومة ثم راء مهملة ساكنة بعدها سين مهملة ثم فاء، وهو ما أشرف على البطن من أطراف الأضلاع، ويقال: عظام لينة معلقة بكل ضلع.

قوله: إحداها: إذا قتل شخصًا على ظن أنه كافر بأن كان عليه زي

الجزء: 8 - الصفحة: 153

الكفار أو رآه يعظم آلهتهم فبان أنه كان مسلمًا؛ نظر: إن كان في دار الحرب وجبت الكفارة ولا يجب القصاص وكذا الدية في أصح القولين، وإن كان في دار الإسلام وجبت الدية والكفارة، وفي القصاص قولان رجح منهما الوجوب.
انتهى ملخصًا.
واعلم أن الرافعي -رحمه الله- قد اعتمد في كتاب الردة في تفصيل ما يكون ردة وما لا يكون على كلام نقله عن الحنفية، وقد نقل ما يقتضي أن التزيي بزي الكفار يكون رده على الصحيح عندهم وأقره، لكن استدرك عليه في "الروضة" ورجح خلافه كما ستعرفه هناك.
وأما ما ذكره هنا في التعظيم فقد تابعه عليه في "الروضة" ولم ينقله عن البغوي بل أطلق القول به وهو عجيب لاسيما إطلاقه، وقد ذكر في باب الردة أن تعظيم الأصنام بالسجود لها والذبح ردة، والظاهر أنه على سبيل المثال.

قوله: ويشترط لوجوب القصاص كون القتيل معصومًا إما بالإسلام أو بعقد الجزية أو بالعهد والأمان.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على حصر العصمة في هذه الثلاث، ويرد عليه صرف الرق على كتابي بلا خلاف وكذا على وثني ونحوه على المذهب.

قوله: والزاني المحصن إذا قتله ذمى يلزمه القصاص، وإن قتله مسلم فوجهان: أحدهما: يجب القصاص لأن الرجم إلى الإمام.
والثاني: المنع لأنه مباح الدم كالمرتد، وهذا هو الظاهر على ما اختاره الإمام ورواه عن المراوزة ويعزي إلى النص.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور:

الجزء: 8 - الصفحة: 154

أحدها: ما قال القاضي أبو الطيب في "تعليقه" ونبّه عليه في "الروضة" أن الخلاف قبل أن يأمر الإمام بقتله، فإن كان بعد الأمر به فلا قصاص قطعًا.
الأمر الثاني: أن مقتضي إطلاق الرافعي أنه لا فرق في عدم الوجوب بين أن يثبت زناه بالبينة أم بالإقرار وهو المذكور في أوائل حد الزنا، ومقتضي إطلاقه أيضًا في كتاب الأطعمة في الكلام على المضطر.
وقد وافق النووي في "الروضة" على هذه المواضع كلها ثم خالف في "تصحيح التنبيه" فصحح وجوب القصاص إذا ثبت بالإقرار، وذكر ابن يونس شارح "التنبيه" أنه لا قصاص، قال: ولكن تجب الدية.
الأمر الثالث: أن تعليل السقوط هنا بكونه مباح الدم يقتضي الجزم بوجوب القصاص إذا وقع القتل بعد الرجوع بل لا يخطر للناظر في هذا المكان غيره لكن نقل الرافعي في أوائل حد الزنا في ذلك وجهين ونقل أن الصحيح عدم الوجوب فتفطن له، وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى فراجعه.
وبالجملة فقد نص الشافعي -رحمه الله- في "الأم" على المسألة وصرح بأنه لا شيء على القاتل فقال في باب الرجل يقتل الرجل فيعدو عليه أجنبي فيقتله ما نصه: وهذا يخالف الرجل يقضي عليه الإمام بالرجم في الزنا فيقتله الإمام أو أجنبي هذا لا شيء على قاتله لأنه لا يحل حقن دم هذا أبدًا حتى يرجع عن الإقرار بكلام إن كان قضى عليه بإقراره ويرجع الشهود عن الشهادة إن كان قضى عليه بشهادة شهود.
هذا لفظ الشافعي بحروفه، ومن الأم نقلته، وهو صريح في بطلان ما قاله النووي في "تصحيح التنبيه" وظاهر في دفع ما نقله هو والرافعي بعد الرجوع في أوائل حد الزنا.

الجزء: 8 - الصفحة: 155

قوله: ولو قتل عبد مسلم عبدًا مسلمًا لكافر هل يثبت القصاص؟ وجهان: أحدهما: لا؛ لئلا يثبت القصاص ابتداء لكافر على مسلم.
وأظهرهما يجب؛ لأن العبدين متكافئان والسيد كالوارث.
ولو مات ولى القتيل الذمى وقد طرأ إسلام القاتل بعد القتل ثبت القصاص لوارثه.
وللخلاف نظر إلى أن القصاص يثبت للوارث أو تلقيًا.
انتهى كلامه.
وفي صورة موت الولى وجه أنه لا يثبت؛ حكاه في "النهاية" و"البسيط" وإليه أشار في "الوسيط" بقوله: المذهب، والتخريج الذى أشار إليه الرافعي على ثبوته ابتداء أو [تلقيًا] صرح به القفال في فتاويه، وتعبير الرافعي بقوله: "ولو مات ولى القتيل" ذكره استشهادا على حكم الوارث المشبه به وعبر في "الروضة" بقوله: كما لو مات.
وهو سهو.

قوله: ولو قتل عبد كافر عبدًا كافرًا لمسلم فعن القاضي الحسين فيه احتمالان.
انتهى لفظ الرافعي بحروفه.
وذكر في "الروضة" مثله أيضًا وقال: والراجح ثبوت القصاص.
وهذه المسألة لا يتصور مجيء الاحتمالين فيها بل يجب القصاص جزمًا سواء كان العبد المذكور أولًا مرفوعا على الفاعلية أو مضافًا إلى الكافر فإن العبدين متكافئان وكون سيد المقتول مسلمًا لا ينقصه عن القاتل إن لم يزده شرفًا، وبالجملة فهذا النقل إنما هو عن القاضي الحسين، وقد راجعت النسختين المختلفتين من تعليقته فوجدته قد حكى وجهين فيما إذا قتل عبد مسلم لمسلم أو كافر عبدًا مسلما لكافر، والخلاف هنا واضح إلا أنه سبق ذكره في كلام الرافعي قبيل هذه المسألة فامتنعت إرادته منه.
نعم تشبيه الرافعي السيد بالوارث مع القاعدة المعروفة وهي أن المسلم لا يرث الكافر يقتضي أن القصاص لا يجب في المسألة المذكورة، فتأمله.

الجزء: 8 - الصفحة: 156

قوله: الثانية: لا قصاص على المسلم بقتله المرتد، ولو قتل مرتد مرتدًا ففي وجوب القصاص عليه وجهان: الصحيح منهما الوجوب.
انتهى.
وما ذكره من حكاية الخلاف وجهين قد [خالفه] في "المحرر" فجزم بأنه قولان، ووقع هذا الاختلاف أيضًا بين "الروضة" و"المنهاج"، ولم يجزم في "الشرح الصغير" بشئ؛ فإنه قال: ففي وجوب القصاص عليه قولان أو وجهان.
هذا لفظه.

قوله: ولو قتل ذمى مرتدًا ففي وجوب القصاص قولان أو وجهان: أصحهما المنع لأنه مباح الدم.
انتهى.
وهذا الخلاف الذى تردد فيه الرافعي هو قولان؛ كذا جزم به في أصل "الروضة".

قوله: ولو قتل مسلم حر من لا يعلم أنه مسلم أو كافر، أو من لا يعلم أنه حر أو عبد فلا قصاص للشبهة قاله في "البحر".
انتهى.
وما نقله عن "البحر" وأقره قد تابعه عليه في "الروضة" أيضًا لكنهما قد صححا في اللقيط وجوب القصاص بقتله قبل البلوغ وعللوه بأن الدار دار حرية وإسلام والمقتول في مسألتنا نظيره، وذكر الرافعي بعد ذلك في أوائل الكلام على اختلاف الجاني ومستحق الدم مثله أيضًا فقال: ولو قتل إنسانًا وادعي رقه وأنه ليس عليه إلا القيمة وقال قريبه: بل كان حرًا فالمنصوص -وهو الأظهر- تصديق القريب لأن الغالب والظاهر الحرية، وكذلك يحكم بجزية اللقيط المجهول الحال.
هذا كلامه، وذكر مثله في "الروضة" أيضًا.

قوله: وحكى القاضي ابن كج أنه لو حكم حاكم بقتل حر بعبد لم [ينتقض] حكمه، وأنه لو حكم بقتل مسلم بذمي [ينتقض] حكمه.
قال:

الجزء: 8 - الصفحة: 157

ويحتمل ألا ينتقض أيضًا وهو الوجه.
انتهى كلامه.
والراجح في المسألة الثانية على ما ذكره الرافعي في كتاب الأقضية في جامع آداب القضاء أنه لا ينتقض، وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى لغرض آخر يتعلق به.

قوله: ومن بعضه حر وبعضه رقيق إذا قتل مبعضًا نظر إن كان قدر الجزية في القاتل أكثر فلا قصاص وإن استوى القدران أو زادت جزية المقتول فوجهان: أشهرهما عند المتقدمين وجوب القصاص، وأصحهما عند المتأخرين لا قصاص لأنه لا يقتل بجزء الحرية جزء الحرية وبجزء الرق جزء الرق بل يقتل جميعه بجميعه.
انتهى ملخصًا.
وذكره مثله في "الشرح الصغير" و"الروضة"، والصحيح عدم القصاص؛ كذا صححه الرافعي في "المحرر" والنووي في "المنهاج".

قوله: الثالثة: لو قتل المكاتب أباه وهو في ملكه ففي القصاص وجهان: أشبههما المنع لأنه مملوكه والسيد لا يقتل بعبده.
والثاني: ويحكى عن إشارة النص أنه يجب لأن أباه إذا دخل في ملكه يكاتب عليه ويثبت له حق الحرية كما ثبت للمكاتب.
ولو قتل عبدًا له غير أبيه فلا قصاص، وقيل: وجهان: انتهى كلامه.
وما ذكره من ترجيح عدم وجوب القصاص في قتل أبيه قد خالفه في "الشرح الصغير" فقال: فيه وجهان: أحدهما المنع لأنه مملوكه والسيد لا يقتل بعبده، وأقواهما: الوجوب؛ لأن أباه.
. . . إلى آخر التعليل السابق.
وعبر في "الروضة" بالأصح عوضًا عن الأشبه، ولا ذكر للمسألة في "المحرر" ولا في "المنهاج".

قوله في المسألة من "زوائده": قلت: إذأ أوجبنا القصاص استوفاه

الجزء: 8 - الصفحة: 158

سيد المكاتب لأنهما عبدان للسيد قتل أحدهما الآخر فهو كما لو قتل أجنبي، والله أعلم.
وما ذكره في آخر كلامه من أن الأجنبى إذا قتل عبد المكاتب استوفاه السيد: عجيب؛ فقد ذكر هو في باب الكتابة تبعًا للرافعي بأنه لو جنى بعض عبيد المكاتب على بعض أو جنى عبد غيره على عبده فله أن يقتص بدون إذن سيده على المشهور.
وفي قول: إن لم يأذن للسيد وإلا أخذ الأرش.
ولو جنى عبد المكاتب على المكاتب فله أن يقتص بغير إذن السيد.
ولو جنى -أي: عبد المكاتب- على سيد مولاه [فكما] لو جنى على أجنبي فيباع في الأرش إلا أن يفديه المكاتب.
هذا كلامه.
ثم إن الحكم الذى ذكره في أول زياداته وهو أن السيد يستوفيه تفريعًا على ثبوت القصاص مشكل؛ لأن سيد المكاتب لا حق له في المكاتب، وتعليله بقوله لأنهما عبدان للسيد مردود أيضًا لأن عبد المكاتب ملك للمكاتب لا للسيد.

قوله.
وحكى -أي: الإمام- خلافًا في أن القصاص لا يجب على الأب أو يجب ثم يسقط لتعذر الاستيفاء قال: وهذا من حشو الكلام، والمانع من الاستيفاء مانع من الوجوب.
انتهى كلامه.
وهذا الخلاف قد أسقطه النووي من "الروضة".

قوله: أخوان لأب وأم قتل أحدهما الأب والآخر الأم، فإن لم تكن الزوجية باقية بين الأب والأم فلكل واحد منهما حق القصاص على الآخر.
وهل يقدم بالقرعة أو يقتص من المبتديء بالقتل؟ فيه وجهان.
انتهى.
لم يرجح شيئا في "الشرح الصغير" أيضًا، والراجح الثاني فقد أجاب

الجزء: 8 - الصفحة: 159

به القاضي أبو الطيب والبغوي ونقله الإمام عن الأصحاب وقال في "الروضة" من زوائده: إنه أرجح.

قوله في المسألة: وقول الغزالي: وكل واحد من الأخوين يستحق قصاص صاحبه يجوز أن يعلم بالواو لأن ابن كج حكى عن ابن أبي هريرة وابن القطان فيما إذا قتل زيد ابن عمرو وعمرو ابن زيد وكل واحد من الأبوين حي مكافئ أنه يقع القصاص ولا قصاص بينهما، وذلك الوجه لابد أن يجئ فيما نحن فيه.
انتهى كلامه.
وهذا الوجه قد صرح بنقله في مسألتنا صحب "البيان" عن ابن اللبان ونقله عنه في "الروضة".

قوله: ولو قطع رجل ذكر خنثى مشكل وأنثييه فلا قصاص في الحال.
فلو قال: أنا رجل فهل يقبل قوله لإيجاب القصاص أو الدية؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم كما قبل الجناية؛ لأنه أعرف بحاله.
وأظهرهما -على ما ذكره القفال والإمام- المنع لأنه متهم.
انتهي كلامه.
وهذه المسألة مذكورة في هذا الكتاب وفي "الروضة" في مواضع واختلف في الترجيح كلام النووي اختلافًا عجيبًا سبق إيضاحه في نواقض الوضوء فراجعه، وذكرته أيضًا أبسط من ذلك في كتابنا المسمى "بالاستيعاب" المعقود لأحكام الجنايات.

قوله: ويشبه ذلك بما لو ثبت الغضب عليه بشهادة رجل وامرأتين.
ثم قال: إن كنت غصبت فامرأتي طالق فأقامت رجلا وامرأتين على أنه غصب لا يقع الطلاق على الأظهر.
انتهى كلامه.
وما ذكره هنا من جزمه في الصورة الأولي وإثبات الخلاف في الثانية على العكس مما ذكره هو وغيره في الباب الثاني من أبواب الشهادات فإنهم

الجزء: 8 - الصفحة: 160

جزموا في الثانية بعدم الوقوع، وحكوا في الأولى وجهين وصححوا أنه يقع، وسوف نذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى.
والسبب فيما وقع هنا أن الإمام -رحمه الله- عكسه فتبعه عليه الرافعي ثم النووي، وقد ذكره -أعني الإمام- في ذلك الموضع كما ذكره غيره.

قوله: وروي أن عمر قتل خمسة أو سبعة برجل قتلوه غيلة وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعًا.
انتهى.
الغيلة بغين معجمة مسكورة بعدها ياء ساكنة بنقطتين من تحت هي الحيلة.
والقتل على أنواع: أحدها: قتل الغيلة: وهو أن يحتال في قتله بأن يذهب به إلى موضع مثلًا فيقتله فيه.
والثاني: قتل الفتك [بفاء] 17 مثلثة أي: بضم وبكسر [وفتح] 18 وبعدها تاء ساكنة مثناة بنقطتين من فوق ثم كاف، وهو أن يكون آمنا فيراقب حتى يجد منه غفلة فيقتله.
والثالث: قتل الصبر بصاد مهملة مفتوحة بعدها باء موحدة ساكنة، وهو قتل الأسير مجاهرة.
والصبر في اللغة هو الحبس فلما قتل بعد حبسه سمى قتل الصبر.
والرابع: قتل الغدر: وهو القتل بعد الأمان.
والمراد بقوله تمالأ أي: تعاون، وهو مهموز الآخير، قال - رضي الله عنه - ما قتلت عثمان ولا مالأت في قتله أي: عاونت.

الجزء: 8 - الصفحة: 161

قوله: ولو شارك جراحة لا ضمان فيها كجراحة الحربي فقولان: أصحهما وجوب القصاص ثم قال: ولو جرحه سبع أو لدغته عقرب أو حية وجرحه مع ذلك رجل فطريقان: أشهرهما طرد القولين، والثاني: القطع بأن لا قصاص عليه لأنه لا تكليف عليه فكان شريكه كشريك الخاطئ.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن مقتضى هذا الكلام تصحيح وجوب القصاص في شريك السبع ونحوه، وقد وافق عليه في "الروضة" ثم خالفه في تصحيح التنبيه فصحح أنه لا يجب، ولا ذكر للمسألة في المحرر ولا في مختصره.
الأمر الثاني: أن التعبير بالخاطئ عن المخطئ وقع في مواضع من الرافعي وغيره من كتب الأصحاب، وهو لغة، قال أبو عبيدة: خطئ بكسر الطاء وأخطأ لغتان بمعنى واحد.
قال: وفي المثل مع الخواطئ: سهم صابت.
تصرف للذي يكثر خطؤه ويأتي بالصواب أحيانًا.
لكن قال الأموى: المخطئ من أراد الصواب فوقع في غيره، والخاطئ من تعمد لما لا ينبغي.
حكاه الجوهري.

قوله: ولو رمي اثنان سهمين إلى مسلم في صف الكفار وقد علم أحدهما أنه مسلم ولم يعلم الآخر أن هناك مسلما فوجوب القصاص على العالم ينبي على الخلاف في شريك السيد لأن فعل الجاهل مضمون بالكفارة.
انتهى كلامه.
وبناؤه هذه المسألة على شريك السيد بناء عجيب لأن شريك السيد شريك عامد مأثوم، وإنما سقط القصاص عن السيد لعدم الكفارة ولكونه ملكه وإسقاط وسقطت الدية لاستحالة إيجابها له في ملكه فصار السقوط

الجزء: 8 - الصفحة: 162

في هذه الحالة إنما هو لمعنى في السيد فشريكه كشريك الأب بخلاف الجاهل فينبغي أن يكون شريكه كشريك المخطئ بل أولى؛ لأن المخطئ تلزمه الدية بخلاف هذا.
واعلم أنه لا قصاص على شريك المخطئ على ما قطع به الجمهور، ويجب على شريك الأب وكذا شريك السيد في أصح القولين.

قوله: فرع: وجوب القصاص على شريك الصبي والمجنون ينبنى على الخلاف في أن عمدهما عمدًا وخطأ؛ إن قلنا: عمد وجب وهو الأصح، وإن قلنا: خطأ فلا؛ كشريك الخاطئ.
هكذا أطلق مطلقون.
وعن القفال وغيره أن الخلاف في الصبي الذي يغفل عقل مثله وفي المجنون الذى له نوع تمييز، فأما من لا تمييز له بحال فعمده خطأ وشريكه شريك الخاطيء لا محالة، وهذا ما جرى عليه الأئمة.
انتهى ملخصًا.
والمشهور القطع في شريك المخطئ أنه لا قصاص، والمشهور في شريك البهيمة طريقة القولين.
إذا علمت ذلك فالذى ذكره هنا من إلحاق فعل غير المميز بالمخطئ دون البهمية قد تابعه عليه في "الروضة" وهو يقتضي وجوب الضمان في ماله -أعنى مال غير المميز- لكنه قد نقل قبل ذلك قبيل الكلام على ما يباح بالإكراه خلافه، وقد سبق ذكر لفظه هناك فراجعه.

قوله: ولو خلط الإمام جرح الصغير أو المجنون في لحم حي بقصد المداواة وكان ذلك يقتل غالبًا ففي وجوب القصاص عليه قولان كما لو قطع سلعة من صغير أو مجنون فمات منه.
انتهى.
والصحيح في السلعة أنه لا ضمان كما قاله في موضعه وهو بعد حد الخمر.

الجزء: 8 - الصفحة: 163

قال -رحمه الله-: فصل: فيما

إذا تغير حال المجروح من وقت الجرح إلى الموت

قوله: ولو جرح حربي مسلمًا ثم أسلم الجارح أو عقدت له الذمة ثم مات المجروح.
فالجواب في "التهذيب" أنه لا شيء على الجارح، ونقل بعضهم أنه يلزمه الضمان لأن المجنى عليه مضمون في الحالتين.
انتهى.
لم يصحح شيئا في "الشرح الصغير" أيضًا والصحيح عدم الضمان.
كذا في "الروضة" من زوائده.

قوله: ولو جرح مسلمًا فارتد ومات بالسراية فالنفس هدر ويجب القصاص في الجراحة في أصح القولين إن كان مما يجرى فيها القصاص، وعلى هذا فيستوفيه وريثه في أظهر القولين؛ ولهذا قال في "المختصر": لوليه المسلم القصاص.
والثاني: يستوفيه الإمام لأن المرتد لا يورث، وحملوا الولي على الإمام.
ثم رد الرافعي بعد ذلك على هذا التأويل فقال: وبأنه قال في "الأم" يقتص منه أولياؤه، بلفظ الجمع والإمام واحد، وربما حكى وريثه.
هذا لفظه، والمذكور في الأم لفظ الولى فإنه قال: وإذا ضرب الرجل رجلًا فقطع يده ثم برأ ثم ارتد فمات فلوليه القصاص في اليد.
هذا لفظه، ونقله عنه أيضًا في "المطلب".

قوله: ولو جرح مسلم مسلمًا ثم ارتد المجروح ثم أسلم ومات بالسراية لم يجب القصاص في أصح القولين، وفي الدية أقوال: أصحهما عند الجمهور: أنها تجب كاملة.

الجزء: 8 - الصفحة: 164

والثاني: نصفها.
والثالث: ثلثاها.
والرابع: أقل الأمرين من كل الدية، وأرش الجراحة.
ثم قال ما نصه: قال الإمام: إن أوجبنا القصاص فلو آل الأمر إلى المال ففيه الوجوه، وهذا يشعر بما إذا عفى عن القصاص، وقد يشير به إلى ما إذا كان الجرح خطأ، وكذا صور صاحب الكتاب، وفي "التهذيب" أنه إذا عفى وجب كمال الدية بلا خلاف وهذا أوجه ولتكن كذلك صور الخطأ.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على هذا النقل عن الإمام، وهو غريب جدًا؛ فإن الذى ذكره الإمام أن الخلاف محله إذا قلنا: لا يجب القصاص لأجل تحلل المهدر، قال الإمام: أما إذا قلنا بوجوبه فلا شك في وجوب كمال الدية وحينئذ فيوافق مقالة "التهذيب".
ذكر ذلك قبل كتاب الديات بكراس وشيء في أثناء فصل أوله قال: ولو جرح مسلمًا فقال ما نصه: ثم إذا أوجبنا القصاص في المسألة التى نحن فيها فلو آل الأمر إلى المال وجبت الدية بكمالها لا شك فيه، وإن درأنا القصاص لمكان اعتراض المهدر وآل الأمر إلى المال فظاهر النص أنه تجب الدية الكاملة؛ هذا لفظ الإمام بحروفه، وكأن نظر الرافعي قد انتقل من قوله: وآل المال، إلى هذا اللفظ المذكور ثانيًا أو سقط ذلك من النسخة التي وقف عليها الرافعي.

قوله في "الروضة": فرع: رمي إلى مسلم فارتد وعاد إلى الإسلام فأصابه السهم فلا قصاص على المذهب، وبه قطع الجمهور، وقال الإمام: ويجئ فيه قول.
انتهى.
لقائل أن يقول: كيف قطع الجمهور بأنه لا قصاص مع ذهابهم لطريقة

الجزء: 8 - الصفحة: 165

القولين فيما إذا تخللت الردة بعد الجراحة مع أن إثبات القولين في مسألتنا أولى لعصمته حالة الرمى وحالة الإصابة، وتخلل الردة إنما كان لتأثير السبب.

قوله: ولو جرح نصراني نصرانيًا ونقض المجروح العهد والتحق بدار الحرب ثم سبى واسترق ومات بالسراية فلا قصاص في النفس، فإن أراد المستحق المال ففي ما يجب على الجاني قولان: أحدهما: أول الأمرين من أرش جناية حر أو كمال قيمة عبد لأنه بالالتحاق بدار الحرب صار مهدرًا فأشبه ما إذا ارتد المسلم.
وأصحهما على ما قال في "التهذيب" أن الواجب قيمته بالغة ما بلغت.
انتهى كلامه.
والأصح في أصل "الروضة" ما صححه في "التهذيب".

قوله: وقول "الوجيز" أقل الأمرين من كمال كل الدية أو كل القيمة الأغلب في لسان أهل الفقه في مثل هذا الموضع كلمة -أو- ولو قلت -بالواو- لصح وكان أوضح.
انتهى كلامه.
والتعبير هنا بالواو واجب؛ لأن الأمرين هما كذا وكذا قالوا ولا بأو، وقد نبه عليه أيضًا النووي في مواضع من "الدقائق" و"لغات التنبيه".

قوله: قطع حر يد عبده فعتق ثم عاد فحرر رقبته قبل الاندمال، فإن اقتص الوارث سقط حق السيد، وإن عفى وجب كمال الدية، للسيد منه الأقل من نصف الدية ونصف القيمة، ثم الواجب في الدية إنما هو الإبل فليس للسيد تكليف الجاني سلم الدراهم.
ثم قال ما نصه: فلو أتى الجاني بالدراهم ففي إجبار السيد على القبول وجهان ذكرهما الإمام: أحدهما: المنع لأن الواجب المتعين الإبل فله أن يقول سلم حقى إلىّ.

الجزء: 8 - الصفحة: 166

والثاني: نعم لأنه الواجب بحق الملك، وحاصل هذا الوجه تخيير الجاني بين تسليم الإبل وتسليم الدراهم، وهو أفقه وأغرض عند الإمام، وإيراد الكتاب يشعر بترجيحه.
انتهى كلامه.
واعلم أن هذا الكلام من الرافعي قد تابعه عليه في "الروضة"، وهو يقتضي أن هذين الوجهين نقلهما الإمام عن الأصحاب، وليس كذلك، بل إنما ذكرهما الإمام بحثًا، وقد صرح القاضي أبو الطيب في "شرح الفروع" بالمسألة وجزم بعدم الإجبار، ونص عليه الشافعي أيضًا ونقله عنه في "المطلب" في باب القسامة.

قوله: الفراشة: قال الجوهري: الفراشة بالفتح وبالشين المعجمة: كل عظم دقيق، وفراش الرأس عظام رقاق في القحفة.

الجزء: 8 - الصفحة: 167

قال -رحمه الله-: النوع الثاني: القصاص في الطرف.

قوله: وفرق فارقون بأن اليد الشلاء ميتة والحي لا يؤخذ بالميت كما لا يقتل الحي بجز رقبة الميت، وذكر علي هذا وجهان في اليد الشلاء من المذكاة هل تؤكل، وضعف القاضي أبو الطيب وجماعة هذا الفرق ومنعوا كون اليد الشلاء ميتة وقالوا: لو كان كذلك لتغيرت ولكانت نجسة.
انتهى كلامه.
وقد نص الشافعي في "الأم" على أن الشلل موت فقال: فإن قطع رجل من رجل طرفًا فيه شيء ميت لشلل أو غيره أو شيء مقطوع كأن قطع يده وفيها أصبعان شلاوان وإن لم تقطع يد الجاني بها.
هذا لفظ الشافعي بحروفه، وقد نقله عنه في "المطلب" أيضًا وحينئذ فيكون الصحيح التحريم، ونقل في "الروضة" هذه المسألة إلى الأطعمة وصحح الحل.

قوله: الثانية: الدامية: وهي التى يدمي موضعها من الشق والخدش، وذكر الإمام وصاحب الكتاب في تفسيرها سيلان الدم، وهو خلاف ما حكى عن لفظ الشافعي - رضي الله عنه - واشتهر في اللغة، أما لفظ الشافعي فقد حكى الروياني أنه قال: الدامية هي التي تدمي ولا يقطر منها شيء، وأما أهل اللغة فقد ذكروا أن الدامية التي يظهر دمها ولا يسيل، فإن سال فهي الدامعة بالعين أي: المهملة.
انتهى.
وما ذكره في الإنكار على الإمام والغزالي قد تابعه عليه في "الروضة" وزاد فقال: إن ما قالاه خلاف الصواب.
والذى قاله الرافعي والنووي عجيب يوهم انفراد الإمام والغزالي بذلك وليس كذلك؛ فقد ذكر القاضي الحسين في "تعليقه" في ذلك جوابين

الجزء: 8 - الصفحة: 168

مختلفين ذكرهما في موضعين نقلهما عنه ابن الرفعة في "الكفاية": أحدهما: مثل مقالة الجمهور.
والثاني: كمقالة الإمام والغزالي، ومنه أخذا ما قالاه.
ورأيت في "شرح المختصر" للداودي وهو المعروف بالصيدلاني عن ابن الأعرابي مثله أيضًا فإنه ذكر في أول الباب أن الدامية هي الدامعة، ثم نقل عن ابن سريج مثل مقالة الجمهور، ثم روي عن الأزهري عن ابن الأعرابي عكسه فقال: الدامعة ألا يسيل الدم، والدامية أن يسيل.
وأغرب من ذلك أن الجوهري قد نص عليه في "الصحاح" في فصل نصع فقال: الناصعة: الشجة التي تقطع الجلد وتشق اللحم وتدمى إلا أنه لا يسيل الدم، فإن سال فهي الدامية.
هذا لفظه.
نعم، ذكر ما يناقضه في فصل دمي فقال: الدامية: الشجة التي لا يسيل الدم منها.

الجزء: 8 - الصفحة: 169

فصل: في ألفاظ ذكرها الرافعي فسر معانيها ولم يضبط لفظها

: منها: المنشار بالنون والشين المعجمة، وقد سبق إيضاحه قبل ذلك عند الكلام على الإكراه.
ومنها: البضعة بمعني القطعة، ومنها إطار الشفة والأحْرق والمسبار والأعسم وفراوة اسم للبلد والسن الشاغبة.
فأما البضعة فإنها بفتح الباء، وأما إطار الشفة وهو: المحيط بها فهو: بكسر الهمزة وتخفيف الطاء المهملة، وقد ضبطه النووي في أصل "الروضة".
وأما الشاغبة فبالشين والغين المعجمتين وهي الزائدة المخالفة لسمت الأسنان؛ يقال: رجل أشغى وامرأة شغواء.
وأما فراوة اسم للبلد: فبفتح الفاء وضمها والفتح أشهر وبعد الألف واو وهي بلدة من ثغر خراسان.
وأما الأخرق: فبالخاء المعجمة والقاف، وهو قليل المعرفة، على عكس الماهر، ومصدره الخرق.
وأما المسبار: فهو بميم مسكورة وسين مهملة ساكنة بعدها باء موحدة وهو حديدة تدخل في الجرح ليمتحن بها، مأخوذ من السبر وهو الامتحان كالمفتاح من الفتح.
والأعسم: بعين وسين مهملتين مأخوذ من العسم بالفتح يكون في الكف والقدم؛ وهو أن يكسر مفصلهما حتى يعوجا؛ تقول منه: رجل أعسم، وامرأة عسماء.

قوله: وعن إبراهيم الحربي.
. . . إلى آخره.

الجزء: 8 - الصفحة: 170

الحربي: بحاء مهملة مفتوحة وبالباء الموحدة، تقدم ذكره في "الطبقات".

قوله في أصل "الروضة": الطريق الثاني: أن يكون للعضو حد مضبوط ينقاد لآله الإبانة فيجب القصاص في فقء العين وفي الأذن والجفن والمارن والذكر والأنثيين قطعًا.
انتهى كلامه.
وما ذكره من الاتفاق في الجفن ليس كذلك؛ فقد ذهب بعض الأصحاب إلى أنه لا قصاص فيه كما حكاه ابن الرفعة في "الكفاية" ولم يدع الرافعي القطع بذلك.

قوله أيضًا في "الروضة": ويجب أيضًا في الشفة واللسان على الصحيح، وفي الشفرين والإليتين عند الأكثرين، ولا قصاص في إطار الشفة -بكسر الهمزة وتخفيف الطاء المهملة- وهو المحيط بها لأنه ليس له حد مقدر.
انتهى كلامه.
وتعبيره بالشفة غلط لأن القصاص يجب في آخرها كما يجب في جميعها وفي أولها، وصوابه: بالسه بسين مهملة مشددة بعدها هاء بلا فاء؛ وهو حلقة الدبر كما تقدم إيضاحه في نواقض الوضوء؛ لأن المحيط بالحلقة المذكورة لا ضابط له، وقد وقع على الصواب في نسخ الرافعي الصحيحة.

قوله: الثانية: لو كسر العظم وأبان اليد منه فللمجني عليه أن يقطع من المرفق ويأخذ حكومة ما بقي من العضو ولو أراد أن يترك المرفق ويقطع من الكوع فهل يمكن؟ فيه وجهان: ثم قال: وفي "التهذيب" بترجيح هذا الوجه -يعني التمكين-، وإفراد الروياني وغيره يشعر بترجيح الأول.
انتهى كلامه.
ومقاضاه رجحان الثاني وهو أنه لا يمكن وبه صرح في "الشرح الصغير" فقال: فيه وجهان: أولاهما: لا يتمكن كمن تمكن هذا لفظه، ولم يذكر

الجزء: 8 - الصفحة: 171

ترجيحًا غيره، وكلامه في "المحرر" مقتضاه رجحان التمكين؛ فإنه قال: فيه وجهان رجح منهما التمكين.
هذه عبارته.
وعبر في "المنهاج" بلفظ: الأصح، وأبقي كلام الرافعي في "الشرح الكبير" على ما هو عليه فصار أبلغ في الاختلاف.

قوله: ولو زاد المقتض في الموضحة على قدر المستخرج وآل الأمر إلى الثاني وجب أرش كامل، وقيل: يوزع الأرش عليهما فيجب قسط الزيادة، وينسب هذا للقفال.
انتهى.
واعلم أن هذه المقالة قد رجع عنها القفال كما قاله في "النهاية" فقال: الذى استقر عليه جوابه وجواب "الكامل"، وفي "تعليق القاضي حسين": أنه اختيار الشيخ -يعني به القفال-.

قوله: الثانية: إذا اشترك جماعة في موضحة بأن تحاملوا على الآلة وحزوها معا ففيه احتمالان للإمام: أحدهما أنه يوزع عليهم ويوضح من كل واحد منهم قدر حصته، لأن الموضحة قابلة للتجزئة والقصاص جار في أجزائها فصار كما لو أتلفوا مالًا يوزع عليهم الغرم؛ وعلى هذا تتعين الموضحة إلى اختيار المقتص أو المقتص منه.
والثاني: أنه يوضح من كل واحد منهم مثل تلك الموضحة لأنه لا جزء إلا وكل واحد منهم جان عليه؛ فأشبه ما إذا اشتركوا في قطع يد، وهذا ما أجاب به صاحب "التهذيب".
ويجرى الاحتمال فيما إذا آل الأمر إلى المال أنه يجب الأرش موزعًا عليهم، أو يجب على كل واحد منهم أرش كامل.
قال الإمام: والثاني أقرب، والأول هو المذكور في التهذيب.
انتهى كلامه.
فيه أمران:

الجزء: 8 - الصفحة: 172

أحدهما: حيث شرع القصاص في موضحة كان تعيين محلها إلى الجاني وقيل: المجني عليه كما تقدم في كلام الرافعي؛ وحينئذ فقول الرافعي هنا بتعيين الموضحة إلى اختيار [المقتص] أو المقتص منه وقع هكذا في النسخ وهو ناقص وتكملته أن يقول فيه الخلاف السابق، وهكذا قالوا في "النهاية".
الأمر الثاني: أن ما نقله في أجزاء الأرش عن الإمام والبغوي هو الصواب المذكور في "التهذيب" و"النهاية"، وقد غلط فيه النووي في "الروضة" [فانعكس] عليه؛ فإنه قال: ويجري الاحتمالان فيما لو آل الأمر إلى المال هل يجب على كل واحد أرش كامل أم يوزع عليهم؟ ؛ قال الإمام: وهذا الثاني أقرب، وبالأول قطع البغوي.
هذا لفظه.
فأخر احتمال التوزيع عن الكامل وأبقى ما قاله الرافعي على حاله فلزم منه وقوع الغلط.

قوله: الثانية: لا تقطع يد صحيحة بشلاء وإن رضي به الجاني.
انتهى.
صورة هذه المسألة عند وقوف القطع، فإن سرى إلى النفس فالأظهر عند الأكثرين قطعها بها، وكذا إذا كان ساعد المجني عليه بلا كف، فاعلمه، وقد بين الرافعي ذلك في الطرف الثالث في كيفية المماثلة.

قوله؛ ولو قطع أو شل إحدى الأنثيين وقال أهل البصر يمكن القصاص من غير إتلاف الأخرى اقتص.
وذكر الروياني أن الماسرجسي قال: إنه ممكن وإنه وقع في عهده لرجل من فزاره.
انتهى كلامه.
وهو يوهم أن القصاص وقع للفزاري بالمذكور، وليس كذلك، والذي حكاه القاضي أبو الطيب عن الماسرجسي ونقله عنه في "الكفاية" قبيل باب العفو والقصاص وقوع الحكاية على غير هذه الصورة فقال: وحكى القاضي أبو الطيب عن الماسرجسي أنه قال: رأيت رجلًا من فزارة له إحدى الأنثيين

الجزء: 8 - الصفحة: 173

فسئل عن ذلك فقال: كانت بي حكة فقعدت في الشمس فكنت أحك خصيتي إلى أن انشقت فخرجت إحدى البيضتين وبقيت الأخرى.

قوله: ولا فرق بين المثقوبة وغيرها إذا كان الثقب للزينة ولم يورث شيئًا.
انتهى.
واعلم أن الغزالي قد نص في "الإحياء" على أن ثقب أذن الصبية لتعليق الحلق حرام وبالغ فيه مبالغة شديدة لأنه جرح لم تدع إليه حاجة، قال: إلا أن تثبت فيه من جهة النقل رخصة ولم تبلغنا.
ذر ذلك في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الباب الثالث منه في الكلام على منكرات الضيافة.
فإن قيل: للبخاري 19 في حديث أم زرع قولها بحضرة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وآنس من حلي أذني ولم ينكر عليها، بل قال لعائشة: إن عشت كنت لك كأبي زرع لأم زرع.
قلنا: الذي أقر عليه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنما هو نفس التعليق والتثقيب كان قد وقع في صغرها، والتعليق بعد وقوع التثقيب غير حرام لأنه لا محذور فيه.
وآنس بهمزة ممدودة ونون مفتوحة وبالسين المهملة أي: حرك وأسمع يقال: أنست الصوت أي: سمعته.

قوله: ويقطع لسان المتكلم بلسان الرضيع إن ظهر فيه أثر النطق بالتحريك عند البكاء وغيره وإلا لم يقطع، وإن بلغ أوان التكلم ولم يتكلم لم يقطع به لسان المتكلم.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" عليه وهو يقتضي أنه لا يجب القصاص فيه إذا قطع قبل أن ينتهي إلى حد يظهر فيه أثر النطق بالتحريك وغيره حيث قال:

الجزء: 8 - الصفحة: 174

وإلا -أي: وإن لم يظهر فيه الأثر المذكور- لم يقطع، وعدم ظهوره إما بأن لم ينته إلى ذلك الزمن، أو بأن ينتهي إليه ولم يحصل فيه ذلك، وقد ذكر الرافعي في كتاب الديات قولين في أن هذا اللسان هل يعطي حكم لسان المتكلم حتى تجب فيه الدية أم لا؟ ، وصحح وجوب الدية وبالغ فيه فقال إنه الذي يوجد في كتب عامة الأصحاب، وعلله بأن الظاهر السلامة، وقاسه على قطع الرجل وغيرها؛ ومثل له بقطع اللسان عقب الولادة.
قال: والذي أورده في "الكتاب" أن الدية لا تجب لأن سلامته غير متيقنة، وحكى الإمام قطع الأصحاب به.
هذا كلامه.
ومقتضاه تعليلًا وتشبيهًا وجوب القصاص، فتفطن له.
وأما ما دل عليه كلامه هنا من عدم الوجوب فسببه متابعة الإمام والغزالي في التقسيم.

قوله: ولو التأمت الموضحة والتحمت لم يسقط القصاص ولا الدية لأن العادة المستمرة فيها الالتحام؛ فلو أسقطناه لصارت معظم المواضح هدرًا.
ثم قال ما نصه: وكذلك الحكم في الجائفة، وعن صاحب "التقريب" وجه أنها إذا التحمت زال حكمها.
انتهى.
واعلم أن هذا الكلام الذى ذكره في الجائفة يوهم أن حكم الجائفة كحكم الموضحة في أن التئامها لا يسقط القصاص حتى اغتر ابن الرفعة في "الكفاية" بهذا الإيهام فصرح به، وهو غلط ينبغي التفطن له؛ فإن الجائفة لا قصاص فيها بلا خلاف لأنها لا تنتهى إلى عظم كما صرحوا به في الكلام على الشجاج، فتفطن له.
والذى أراده الرافعي بقوله وكذلك الحكم في الجائفة إنما هو عدم إسقاط واجبها وهو الدية.

قوله: ولو قطع من له ستة أصابع يد معتدلة وقال أهل الخبرة: إن

الجزء: 8 - الصفحة: 175

الست كلها أصلية؛ وذلك بأن انفتقت الأصابع بتقدير العزيز العليم إلى ستة [أجزاء] متساوية في القوة والعمل فللمجنى عليه أن يلتقط بها خمسًا على الولاء من أىّ جانب شاء.
هكذا أطلق.
ولك أن تقول: إن لم تكن الست المفروضة على مقطع الخمس المعهودة وهيئاتها فهذا لعله قريب، وإن كانت على تقطيعها فمعلوم أن صورة الإبهام من الخمس تباين صورة سائرها، فإن كانت التي تشبه الإبهام على الطرف فينبغي أن تلتقط الخمس من ذلك الجانب الآخر.
قال الإمام: ويختلج في النفس أن يقال: ليس له لفظ الخمس لوقوع الست على نظم يخالف نظم الخمس المعتدلة، وغموض القطع فيها ثم حقه لا يتوفر بقطع الخمس منها لأنها خمسة أسداس اليد ويده مقطوعة بتمامها فله مع ذلك سدس الدية لكن يحط من السدس شيء لأن الخمس الملقوطة وإن كانت خمسة أسداس فهي في الصورة كالخمس المعتدلة.
انتهى.
وما ذكره من عدم التقاط الخمس من إسناده إلى احتمال الإمام فقط تابعه عليه أيضًا في "الروضة"، وقد جزم بذلك القاضي في "تعليقه" قال: لأن في كل أصبع نقصانا من وجه وزيادة من وجه، وتلك الزيادة لم تكن دون حقه فيؤدى إلى أن يأخذ غير حقه فلا يجوز، فإن بادر وقطع الكف ألزمناه حكومة لمكان الزيادة التي كانت في حلقة يد الجاني، وإن قطع خمسًا منها فقد استوفي خمسة أسداس اليد ويبقي له سدس دية اليد ويحط من ذلك شيء لتكون حكومة لزيادة الحلقة فيما استوفي.
هذا كلامه.
والعجب من الإمام في عدم وقوفه عليه مع أن مادة "النهاية" من تعليقه.

الجزء: 8 - الصفحة: 176

قوله في المسألة: لو بادر المجني عليه وقطع الست قال صاحب "التهذيب": يعزر ولا شيء عليه، ولو قلت: يلزمه شيء لزيادة الصورة، لم يبعد، وهو القدر المحطوط من سدس الدية الواحدة مع قطع الخمس.
انتهى كلامه.
[وتابعه] في "الروضة" على ذلك، وما أبداه احتمالًا قد جزم به القاضي الحسين في "تعليقه"، وقد تقدم ذكره فيما نقلناه عنه في المسألة السابقة وهو القياس الواضح فتعين العمل به لاسيما أن القاضي المذكور أجل من [تلميذه] البغوي.

قوله في "الروضة": المستحب في قصاص الجروح والأطراف التأخير إلى الاندمال، فلو طلب المستحق الاقتصاص في الحال مكن منه على المذهب والمنصوص.
ولو طلب الأرش لم يمكن منه على المذهب والمنصوص.
وقيل: في التعجيل في المال والقصاص قولان، فإن قلنا: يعجل المال، ففى القدر المعجل وجهان: أحدهما: تعجل أروش الجراحات وديات الأطراف وإن كثرت فإن حصلت سراية استرد.
والثاني: لا تعجل إلا دية نفس لاحتمال السراية.
قلت: الثاني أصح، والله أعلم.
في كلامه -رحمه الله- أمران: أحدهما: أن الرافعي لم يصحح شيئًا من الطريقين لا في القصاص ولا في المال، وإنما صحح أنه يجاب إلى القصاص ولا يجاب إلى المال ولكنه لما فصل الخلاف لم يصحح منه شيئًا.
الثاني: أن تصحيحه هنا لطريقة القطع في المال يخالف ما ذكره في آخر الكتاب فإنه جزم هناك بطريقة القولين.
وفي المسألة كلام أخر نذكره هناك إن شاء الله تعالى.

الجزء: 8 - الصفحة: 177

قال -رحمه الله-: هذه

مسائل الاختلاف الواقعة بين الجاني والمجني عليه أو وليه

قوله: منها لو قدّ ملفوفًا في ثوب وقال: كان ميتًا فقال الولي كان حيًا فالمصدق الولي في أظهر القولين.
زاد في "الروضة" على هذا فقال: وإذا صدقنا الولي فالواجب الدية دون القصاص ذكره البغوي والمحاملي، وقال المتولي: هو على الخلاف في استحقاق القود بالقسامة.
انتهى.
وحاصل ما ذكره من "زوائده" تصحيح عدم القصاص، أما على قول البغوي والمحاملي فواضح، وأما على قول المتولي فلأن الأصح أن القسامة لا يجب فيها القصاص.
إذا علمت ذلك فقد ذكر بعد ذلك في آخر باب الشهادة على الدم ما يقتضي أن الأكثرين على خلاف المذكور هنا وسوف أذكر لفظه في موضعه إن شاء الله تعالى، فراجعه.

قوله: قال الإمام: تلقيت من كلام الأصحاب في الظاهر والباطن وجهين: أحدهما: أن الباطن ما يجب ستره عن الأعين، وأليقهما بفقه الفصل: أن الباطن ما يعتاد ستره إقامة للمروءة، والظاهر بخلافه.
انتهى.
والتعبير بالأليق هو من لفظ الإمام.
إذا علمت ذلك فقد اختصره في "الروضة" بقوله: والعضو الباطن ما يعتاد سترة مروءة، وقيل: ما يجب وهو العورة، والظاهر ما سواه، وفيه أمران:

الجزء: 8 - الصفحة: 178

أحدهما: إيهامه أن الترجيح للرافعي، وليس كذلك.
الثاني: أنه لم يبين المراد من الوجوب على الوجه الثاني هل هو الوجوب في الصلاة أو عن الأعين؟ ويظهر أثر ذلك في المرأة؛ فإن عورتها في الصلاة معلومة، وفي النظر كعورة الرجل؛ ولهذا يجوز للمرأة والمحارم ونحوهم أن ينظروا منها لما عدا ما بين السرة والركبة، وإنما حرم على الأجنبي ما عدا الوجه والكفين لخوف الوقوع في المحذور، وتعبير الرافعي يدل على الثاني فإنه قال: أحدهما: أن الباطن ما يجب سترة عن الأعين.

قوله: الرابع: إذا اختلفا، فعن بعضهم إطلاق الخلاف في الشك، واستدرك الإمام فقال: من أنكر أصل العضو أنكر أصل الجناية فيقطع بتصديقه، وإنما موضع الخلاف ما إذا اتفقا على أصل العضو والجناية عليه.
انتهى.
وما ذكره الإمام وأقره عليه قد تابعه عليه في "الروضة" أيضًا، وإنكارهم لهذا التصوير عجيب؛ فإن ذلك يتصور بما إذا اتفقا على أنه ضربه بالسيف ما يحاذي المرفق مثلًا أو بعده بأصبع أو غيره إلى أن بلغ بالضرب حدًا لو كانت اليد موجودة لقطعته، وأيضًا فإنه لا يلزم من إنكار أصل العضو إنكار وجود شيء ثابت في محله وردت الجناية عليه من سلعة ليست على صورة العضو أو على صورته إلا أنها زائدة.

قوله: ولو قطع إحدي يديه ومات فقال الجاني مات بسبب آخر من قتل أو شُرب سم موحٍ وليس علي] إلا نصف الدية، وقال الولي: مات بالسراية وعليك دية تامة فوجهان؛ قال في "التهذيب": أصحهما أن القول قول الولي لأن الأصل أنه لم يوجد سبب آخر.
انتهى.
صحح النووي في أصل "الروضة" ما قاله صاحب "التهذيب"

الجزء: 8 - الصفحة: 179

ويضعفه تصديق الولي أيضًا في عكسه على الصحيح، وذلك كما لو قطع يديه ورجليه فمات وقال الجاني مات بالسراية فعلىّ دية واحدة فقال الولي بل بسبب آخر.

قوله من "زوائده": لو قطع أصبعه فداوي جرحه وسقطت الكف فقال الجاني تآكل بالدواء وقال المجني عليه.
بل تآكل بسبب القطع.
قال المتولي: نسأل أهل الخبرة فإن قالوا: هذا الدواء يأكل اللحم الحي والميت صدق الجاني وإن قالوا لا يأكل الحى صدق المجنى عليه، وإن اشتبه الحال صدق المجني عليه.
انتهى.
هذه المسألة قد سبق ذكرها من كلام الرافعي في آخر باب مساواة القتيل للقاتل بهذا التفصيل بعينه.

الجزء: 8 - الصفحة: 180

قال -رحمه الله-: الفصل الثاني: في

حكم القصاص

وفيه بابان:

الباب الأول في استيفاء القصاص

وفيه ثلاثة فصول:

الفصل الأول فيمن يلي الاستيفاء

قوله في الروضة: ولو قتل من ليس له وارث خاص فهل للسلطان أن يقتص من قاتله أم يتعين أخذ الدية؟ فيه قولان سبقا في كتاب اللقيط.
انتهى.
وقد سبق منه في اللقيط طريقان: أحدهما: هذه، والثاني: طريقة القطع وهي التي صححها الرافعي سالم من هذا الاختلاف كما تقدم إيضاحه هناك.

قوله: وذكر ابن الصباغ أن الحاكم ليس له أخذ مال الغائب المغصوب، وفي كلام الإمام وغيره ما ينازع فيه ويشعر بأنه يأخذه ويحفظه له.
انتهى.
واعلم أن قبض الحاكم أموال الغائبين ديونًا كانت أو أعيانًا قد ذكره الرافعي في مواضع من هذا الكتاب، واختلف فيه كلامه وكلام "الروضة" أيضا وقد سبق إيضاحه وبيان ما عليه الفتوي في أول التفليس فراجعه.

قوله: وإذا ثبت القصاص لجماعة اقتص منهم واحد بالقرعة.
ثم قال: وهل يدخل في القرعة من يعجز عن الاستيفاء كالشيوخ والصبيان والنسوة؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، لأنه صاحب حق فإن خرجت له القرعة استناب من يقدر عليه.
والثاني: لا؛ لأنه ليس أهلًا للاستيفاء والقرعة إنما تجرى بين المستويين في الأهلية.
والأرجح الأول عند صاحب "التهذيب"، والثاني عند القاضي ابن كج وأبي الفرج والإمام وغيرهم، وعن بعض الأصحاب طريقة قاطعة به.
انتهى كلامه.
فيه أمور:

الجزء: 8 - الصفحة: 181

أحدها: أن تعبيره بالصبيان سهو ولذلك حذفه من "الروضة" لأن المستحقين إذا كان فيهم صبى لا يقتل الجاني إلا بعد بلوغه ومطالبته، وقد يحمل ذلك على ما إذا حكم بالقتل حاكم يرى إجابة البالغ إذا طلبه.
الأمر الثاني: أن هذا الكلام يقتضي أن الأكثرين على عدم الدخول؛ ولذلك صرح بتصحيحه في "الشرح الصغير" فقال: أظهرهما المنع؛ وقطع به بعضهم.
هذا لفظه، وصحح عكس ذلك في المحرر والغريب أنه عبر بالأظهر أيضًا فقال: والأظهر أنه يدخل في القرعة من يعجز عن الاستيفاء كالشيخ والمرأة، فإذا خرجت له استناب.
هذه عبارته.
وقد وقع هذا الاختلاف للنووي أيضًا فصحح في "المنهاج": أنه يدخل وقال في "الروضة": أصحهما عند الأكثرين لا يدخل.
واعلم أن هذه المسألة قد نص عليها الشافعي في "الأم" وصرح بأن العاجز لا يدخل فقال في باب تشاح الأولياء على القصاص ما نصه: ولا يقرع لامرأة ولا يدعها وقتله لأن الأغلب أنها لا تقدر على قتله إلا بتعذيبه، وكذلك لو كان فيهم أشل اليمنى أو ضعيف أو مريض لا يقدر على قتله إلا بتعذيبه أقرع بين من يقدر على قتله ولا يعذبه بالقتل هذا لفظ الشافعي بحروفه ومن الأم نقلته.
وذكر بعده بدون صفحة مسألة قريبة من مسألتنا فقال: قال الشافعي: وإذا اقترع الولاة فخرجت قرعة أحدهم وهو يضعف عن قتله أعيدت القرعة على الباقين، وهكذا تعاد أبدًا حتى تخرج على من يقوى قلبه.
انتهى.
وصورة هذا في صحيح يجبن عن الاستيفاء ونحو ذلك.
الأمر الثالث: أن النووي قد حذف من "الروضة" الطريقة بالمنع المذكورة في كلام الرافعي، هذا مع أن الرافعي قد ذكرها مرتين؛ مرة عند حكاية الخلاف، ومرة في آخر المسألة عند الكلام على إعلام عبارة "الوجيز".

الجزء: 8 - الصفحة: 182

واعلم أن القاضي الحسين في "تعليقه" قال: إن المرأة إذا كانت جلدة قوية كان لها أن تستوفي القصاص؛ ذكره في المسألة المعقودة لإرث المرأة القصاص.

قوله: وإذا قتل رجلًا له ابنان فبادر أحد الإبنين بقتل الجاني، نظر: إن قتله قبل عفو أخيه فلا قصاص في أظهر القولين لمعنيين أظهرهما أنه صاحب حق في المسبوق فتكون شبهة، والثاني أن من علماء المدينة من ذهب إلى أنه يجوز لكل واحد من الورثة الانفراد عن الباقين أم لا.
وإن قتل بعد عفو الأخ وهو عالم بعفوه فإن لم يحكم الحاكم بسقوط القود فيترتب عليه ما قبل العفو، فإن أوجبناه هناك ففيما هنا أولى وإن لم نوجبه فوجهان يبنيان على المعنيين إن عللنا بأنه صاحب حق وجب لسقوط الحق وهو الأصح، وإن عللنا بشبهة الاختلاف فهو قائم إقصاء وإن حكم الحاكم بالسقوط فعليه القصاص قولًا واحدًا لانتفاء المعنيين، وإن كان جاهلًا بالعفو يترتب على ما إذا كان عالمًا، فإن لم نوجب القصاص عند العلم فعند الجهل أولى، وإن أوجبناه عند العلم فوجهان على الخلاف فيما إذا قتل من عرفه مرتدًا، وقد مر أن الأظهر الوجوب.
انتهى كلامه.
لم يتعرض -رحمه الله- في القسم الأخير وهو حالة الجهل إلى التفصيل بين أن يحكم الحاكم أم لا؟ كما تعرض له في حالة العلم، والمنقول فيه أن القصاص يجب بلا خلاف.
كذا صرح به القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما.

قوله: وحيث قلنا: لا قصاص عليه، فللأخ الذى لم يبادر نصف الدية، وممن يأخذ؟ فيه قولان: أحدهما: من أخيه المقتص لأنه استوفي حق أخيه مع حق نفسه فصار كما إذا أودع إنسان وديعة ومات عن ابنين فأتلفها أحدهما.
وأصحهما من تركة الجاني لأن القائل فيما وراء حقه كالأجنبى، وفي

الجزء: 8 - الصفحة: 183

قول مخرج أنه يتخير بينهما، فإن قلنا: إنه على أخيه فإن أخاه برئ، ولو أن وارث الجاني ابن المبادر عن الدية فلا يسقط النصف الذى ثبت عليه لأخيه، وأما النصف الثابت للوارث فينبني على أن التقاضى في الديتين هل يحصل بنفس الوجوب؟ ؛ إن قلنا نعم؛ فالعفو لغو، وإن قلنا لابد من التراضي فيصح الإبراء ويسقط ما ثبت للوارث على الابن المبادر ويبقي للابن القاتل النصف في تركة الجاني على المبادر دية تامة وله في تركة الجاني نصف الدية فيقع في التقاض .. إلى آخره.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره من بقاء حق الابن المبادر قد تبعه عليه في "الروضة" أيضًا، وهو عجيب جدًا؛ فإنه لا يوافق إلا المعنى الضعيف من المعنيين المذكورين في أول المسألة وهو قول بعض علماء المدينة، لا على المعنى الذى صححه وهو أنه صاحب حق في المستوفى بل قد ذكر في هذه المسألة وفي التي قبلها مواضع تناقضه.
منها: تعبيره في أول المسألة بقوله لأنه استوفى حق أخيه مع حق نفسه.
ومنها تنظيرهم بالوديعة المشتركة إذا أتلفها.
ثم إن الموجود في كتب المذهب خلافه؛ فقد نص في "التنبيه" 20 على أنه يكون مستوفيًا لحقه، وكذلك إمام الحرمين في "النهاية" وابن الصباغ في "الشامل" والغزالي في "البسيط"، ومجلى في "الذخائر" وغيرهم.
وقال في "التتمة": إنه الصحيح، قال: لأن له فيه شركاء فصار كما لو اشتريا شيئًا فباعه أحد المشترين.
قال: ومن علل من أصحابنا سقوط القصاص باختلاف العلماء ولم

الجزء: 8 - الصفحة: 184

يجعل للشركة تأثيرًا لا يكون مستوفيًا.
هذا كلامه، والوجه الذى حكاه غريب في النقل، وهذا يخالف ما لو قبله بعد عفو أخيه فإنه لما لم يبق له حق في القصاص لم يكن مستوفيًا لحقه فأوجبنا الدية بكمالها.
الأمر الثاني: أنه جازم هنا بحصول التقاض ولكنه متردد في أنه هل يتوقف على الرضا أم لا؟ وقد تبعه عليه في "الروضة" أيضًا وهو غريب فإنهما قد ذكرا في الكلام على التقاض وهو في باب الكتابة أن شرط التقاض أن يكون الدينان نقدين وضعفا تعديه إلى المثليات وأضعف منه عندهما تعديه إلى المتقومات، وهو نظير مسألتنا؛ لأن الواجب هنا هو الإبل وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى لغرض يتعلق به.

قوله: فإن عفى أحد الإبنين على مال ثم بادر الآخر بعد العفو قال الرافعي: فيعود الخلاف في أن الأخ العافي ممن يأخذ؟ انتهى ملخصًا.
وهذا الذى ذكره من عود الخلاف بعد العفو قد تابعه عليه في "الروضة" أيضًا وهو غير مستقيم لأن حقه من عينه قد سقط بالعفو فكيف يتخيل مطالبة متلفها؟ وأيضًا فيلزم ما يجمع على أخيه بين قتل ونصف دية، وذلك بدل ونصف كمبدل واحد، وقد ذكر المسألة بعد ذلك في الكلام على العفو على الصواب فقال في الكلام على استيفاء الوكيل بعد عفو الموكل: إنه إذا وكل رجلًا في القصاص ثم عفى عنه على مال ثم اقتص الوكيل غير عالم بالعفو فلا قصاص على المنصوص، ولكن تجب عليه الدية في أصح القولين، ثم قال ما نصه: ثم الدية الواجبة بقتل الوكيل لورثة الجاني لا تعلق للموكل بها بخلاف ما إذا ثبت القصاص لابنين فبادر أحدهما بقتله فإن فيه قولين، وفرق بينهما بأن القاتل هنا أتلف حق أخيه فتعلق الأخ ببدله وهاهنا قتله بعد سقوط حقه، وحكى ابن كج أن بعض

الجزء: 8 - الصفحة: 185

الأصحاب جعله على الخلاف في الابنين.
هذا كلامه.
وحاصله أن الأخ إذا قتل بعد العفو أنه لا يجري القولان لأنه لم يتلف حق أخيه، ولو لم يكن الأمر كذلك لكان الفرق المذكور فاسدًا.

قوله: والواحد إذا قتل جماعة قتل بالأول، فلو كان وليه غائبًا أو صبيًا أو مجنونًا حبس القاتل إلى أن يحضر ولى الأول أو يكمل حاله، وفي "إبانة" الفوراني قول عن رواية حرملة أن للثاني أن يقتص ويصير الحضور والكمال مرجحًا.
ثم قال بعده: وإن قتلهم معًا أقرع بينهم فلو كان ولى بعض القتلى غائبًا أو صبيًا أو مجنونًا فالقياس الظاهر: الانتظار إذا قلنا: لابد من الإقراع، وفي "الوسيط" عن رواية حرملة: أن للحاضر والكامل أن يقتص ويكون الحضور والكمال مرجحًا كالقرعة.
انتهى كلامه.
وهو كالصريح في استغراب النقل الأخير عن حرملة دون الأول فإنه ضعف الأخير واقتصر على نقله عن "الوسيط"، وذكر في "الروضة" ما هو أبلغ منه فإنه جزم في الأول بحكاية قولين وقطع في الثاني بالانتظار فإنه عبر عنه بالمذهب.
وما ذكراه غريب مؤذن بعدم التأمل لما سبق منهما هاهنا؛ فإن الغائب ونحوه في الصورة الأولى قد ثبت لهم التقديم بالقتل وليس للنافين منازعتهم فيه لأن الفرض أن [مورثهم] قد سبق [قتله]، وفي الصورة الثانية لم يثبت لهم ذلك.
فإذا لم ينظر لهم في الصورة الأولى لزم أن لا ينظر أيضًا في الصورة الثانية بطريق الأولى.
ولاشك أن الغزالي كان يلازم النظر في الإبانة لكونه أخذ ترتيب كتبه

الجزء: 8 - الصفحة: 186

من ترتيبها فرأي فيه النقل في المسألة الأولى فاستعمله في بعض ما دخل فيه من الصور، وقد تفطن الرافعي لشيء مما ذكرته في الكلام على عبارة "الوجيز".

قوله: ثم الكلام في فروع: أحدها: العبد إذا قتل جماعة أحرارًا أو عبيدًا هل يقتل بجميعهم؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم لأن في تخصيصه ببعضهم تضييع حق الآخرين، ولأن العبد لو قتل جماعة خطأ يتضاربون في رقبته فكذلك في القصاص، بخلاف الحر فإن جناياته لا تتداخل إذا كانت خطأ فكذلك في القصاص، وهذا ما أورده ابن كج.
وأصحهما عند الإمام والروياني وغيرهما أنه لا يقتل بهم جميعًا ويكون بمنزلة الحر المعسر يقتل بواحد وللباقين الديات في ذمته إلى أن يلقي الله تعالى.
انتهى كلامه.
هذا الكلام مقتضاه تصحيح الثاني، وقد صرح به في "الروضة" فقال: وأصحهما عند الأكثرين كذا وكذا.
وما ذكره غريب فقد ذكر هو في آخر باب العاقلة في الكلام على جناية العبد أن المال المتعلق برقبة العبد لا يتعلق بذمته على الأصح عند الأكثرين، وهو اختلاف عجيب بالنسبة إلى "الروضة"؛ فإن الرافعي لم يتعرض للأكثرين في الموضعين، لا جرم أن الإمام مشى في الموضعين على نمط واحد، ولما حكى -أعني الإمام- الوجه الأخير قال: وزعم هؤلاء أن هذا يخرج على خلاف سيأتي في أن العبد هل له ذمة في الجنايات؟ .

قوله: لينصب الإمام من يقيم الحدود ويستوفي القصاص ويرزقه من خمس الخمس، فإن تعذر فالأجرة في القصاص على المقتص منه، وقيل على المستحق، وأما في حدود الله تعالى وقطع السرقة فعلى المحدود أيضًا والسارق، وقيل: في بيت المال.

الجزء: 8 - الصفحة: 187

ثم قال: وفي كلام الأئمة ترتيب الخلاف في أجرة الجلاد في الحد على الخلاف في القصاص، فإن قلنا: تجب في بيت المال، فأجرة الجلاد في الحد على بيت المال بطريق الأولى.
وإن قلنا: إنها على المقتص منه، ففى الحدود تجب على المحدود أو في بيت المال؟ فيه وجهان: انتهى كلامه.
وهو غير منتظم؛ فإن كلامه الأول ليس فيه إثبات قائل بأن أجرة القصاص في بيت المال، وكلامه آخرًا يدل على إثباته أن الخلاف في الحد مرتب عليه، وقد أسقط النووي من "الروضة" هذا الوجه فلم يذكره، وسبب إسقاطه عدم انتظام كلام الرافعي له، ولا شك أن الرافعي ظن أنه قدمه ففرع عليه؛ فتلخص أن كلًا منهما يرد عليه شيء.

قوله: وإذا قلنا: بالوجوب في بيت المال والتصوير فيما إذا لم يكن في بيت المال ما يمكن صرفه إليه فيستقرض الإمام على بيت المال إلى أن يجد سعة.
قال الروياني: أو يستسخر بأجرة مؤجلة أو يستأجر من يقوم به والاستئجار قريب والاستسخار بعيد، وبتقدير أن يجوز ذلك فيجوز أن يأخذ الأجرة ممن يراه من الأغنياء ويستأجر بها.
انتهى كلامه.
وما دل عليه من تضعيف التسخير واستبعاده قد جزم به.
في نظير المسألة وهو في غسل الميت ناقلًا له عن جماعة؛ ذكر ذلك في الباب الثاني في كيفية الجهاد فقال: وأطلق مطلقون القول بأنه إذا عين الإمام رجلًا وألزمه غسل الميت ودفنه لم يكن لذلك المقهور أجرة، واستدرك الإمام فقال: هذا إذا لم يكن للميت تركة ولا في بيت المال متسع والتفصيل حسن.
هذا كلامه.

قوله: ولو استقل المقذوف باستيفاء حد القذف بإذن القاذف وبغير

الجزء: 8 - الصفحة: 188

إذنه ففي الاعتداد به وجهان.
انتهى.
والصحيح عدم الاعتداد؛ كذا صححه الرافعي في باب حد القاذف وتابعه عليه في الروضة وصرح بتضعيف مقابله فقال: وفي وجه ضعيف يقع الموقع.
هذه عبارة "الروضة".

قوله: ولو قال الجاني: إنما أقتص من نفسي لم يمكن في أظهر الوجهين.
ثم قال: يمكن السارق إذا قال: أقطع بنفسى، وفيه وجهان يحسن ترتيبهما على الخلاف في أنه هل يمكن من الاقتصاص من نفسه والتمكين هاهنا أولى؛ لأن الغرض التنكيل ويحصل ذلك بفعل السارق أو هو أشد وهناك الغرض التشفي.
انتهى كلامه.
والصحيح في السارق أنه لا يمكن؛ فقد قال الرافعي في أوائل الباب الثاني من أبواب الوكالة: إنه ظاهر المذهب، وتابعه عليه في "الروضة" ورجح هنا في أصل "الروضة" أنه يمكن فقال: وهل يمكن إذا قال: أقطع بنفسى؟ وجهان؛ أقربهما: نعم.
هذا لفظه.
وكأنه توهم أن الأولوية تقتضي تصحيح العكس فصرح به غير مستحضر لما سبق منه في الوكالة فوقع في صريح التناقض.

الجزء: 8 - الصفحة: 189

الفصل الثاني في أن القصاص على الفور

قوله في الروضة: ولو التجأ الجاني إلى المسجد الحرام، قال الإمام: أو غيره من المساجد، أخرج منه وقتل، لأن هذا تأخير يسير وفيه صيانة للمسجد، وفيه وجه ضعيف أنه تبسط الأنطاع ويقتل في المسجد تعجيلًا لتوفية الحق وإقامة للهيبة.
قلت: ولو التجأ إلى الكعبة أو إلى بيت ملك لإنسان أخرج قطعًا، والله أعلم.
وما ذكره من نفي الخلاف في الكعبة وإخراجها عن باقي المسجد قد خالفه في "التتمة" فقال: لو التجأ إلى المسجد الحرام أو إلى الكعبة أو إلى مسجد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أو غيرها من المساجد أخرج واستوفى القصاص، فلو أراد الاستيفاء فيه لم يجز إن لوث المسجد وإلا بأن فرش فيه الأنطاع كره ذلك.
هذا كلام "التتمة".

قوله: الثالثة: لا يؤخر قصاص الطرف لشدة الحر والبرد ولا لعذر المرض وإن كان محظرًا بخلاف قطع السرقة والجلد في حدود الله تعالى لأن حقوق الله تعالى مبنية على المساهلة.
انتهى كلامه.
والتأخير في حدود الله تعالى بالمرض محله إذا كان المرض مرجوًا، فإن لم يرج زواله لم يؤخر له الجلد.
كذا صرح به الرافعي في باب حد الزنا، وكلامه هنا ربما يشعر به.

قوله: والمرأة الحامل لا تقام عليها حدود الله تعالى قبل الوضع.
انتهى.

الجزء: 8 - الصفحة: 190

وإذا وضعت فلابد من انقضاء النفاس أيضًا.
كذا جزم به ابن الرفعة في "الكفاية".

قوله: وإذا بادر الولي فقتل الحامل أثم، ووجبت غرة إن انفصل الجنين ميتًا.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على تقييد الوجوب بحالة انفصال الجنين، والصحيح على ما صرح به في باب الغرة أن الانفصال لا يشترط حتى إذا قدت نصفين أو شق جوفها بعد القتل فتحققنا الجنين أوجبنا الغرة.

قوله: فلو بادر مستحق القصاص والحالة هذه -أي بعد الوضع وقبل سقي اللبا أو قبل وجود مرضعة ونحو ذلك- فقتلها فمات الطفل ففي تعليق الشيخ أبي حامد أنه قاتل عمدًا فيلزمه القود إلحاقًا بما إذا حبس رجلًا في بيت ومنعه الطعام والشراب وكذا حكاه القاضي ابن كج عن النص وعن الماسرجسي قال: سمعت ابن أبي هريرة يقول: عليه دية الولد.
فقلت له: أليس لو غصب طعام رجل في البادية أو كسوته فمات جوعًا أو بردًا لا ضمان عليه؟ ، فما الفرق؟ فتوقف، ثم لما عاد إلى الدرس قال: لا ضمان فيهما جميعًا، وهذا مصير إلى نفي القصاص بطريق الأولى.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن سليمًا الرازي قد نقل في "تعليقه" عن الشيخ أبي حامد وجوب الدية والكفارة وعلله بقوله: لأن الجنين يحيا بحياة الأم ويموت بموتها، فإذا قتل الأم فقد صار قاتلًا له، ولأنه كالرجل يحبس غيره بكرة ولا يطعمه ولا يسقيه حتى يموت.
الأمر الثاني: أن ما دلت عليه هذه الحكاية التي نقلها -رحمه الله- عن

الجزء: 8 - الصفحة: 191

ابن أبي هريرة من استقرار جوابه على عدم الضمان قد نقلها عنه القاضي أبو الطيب في "المجرد"، ثم رأيت في باب القصاص بالسيف من تعليق القاضي المذكور بسنده عكسه ونقله عنه ابن الرفعة في "المطلب" وفي "الكفاية" أيضًا فقال -أعني القاضي-: سمعت أبا علىّ بن أبي هريرة يقول: لا يضمنه لأن أكثر ما فيه أنه حال بينه وبين ما يقوم به فهو بمنزلة ما لو أخذ زاده في البرية فمات من الجوع فإنه لا يضمنه كذلك هاهنا.
قال الماسرجسي: ثم سمعته يقول بعد ذلك: إن عليه القصاص فإنه لو حبس رجلا في بيت ومنعه الطعام والشراب فمات وجب عليه القصاص كذلك هاهنا.
انتهى كلامه.
وقد اقتضى كلام الرافعي الجزم بأن منع الزاد من غير حبس لا يقتضي وجوب الضمان، وجزم الماوردي في باب الأطعمة في الكلام على المضطر بوجوب الدية في الحر.

قوله: ولو ادعت المرأة أنها حامل ولم تقم بينة على ظهور [مخائل] 21 الحمل فقال الإصطخري: لا يقبل قولها لأن الأصل عدمه، وقال الأكثرون: يقبل لأن [الحمل] له أمارات خفية تختص الحامل بمعرفتها وتتعذر إقامة البينة عليها فقبلنا قولها فيه كالحيض.
انتهى.
وما ذكره في آخر كلامه من التعذر في الحيض قد تناقض فيه كلامهما وأوضحته في الشهادات، فراجعه.

قوله في المسألة: وذكر في "الوسيط" أنا إذا قلنا بالوجه الأول فلا يمكن استيفاء القصاص من منكوحة يخالطها زوجها، فإن كان مراده فيما إذا ادعت الحمل فمسلم، وإن كان المراد منع القصاص بمجرد الوطء من غير دعواها الحمل فهو ممنوع لأن الأصل عدمه.
انتهى.

الجزء: 8 - الصفحة: 192

ذكر مثله في "الروضة" فيه أمران: أحدهما: أن نقله عن الوسيط تفريع ذلك على الوجه الأول سهو، بل صوابه وهو المذكور فيه إنما هو تفريعه على الثاني فهو واضح أيضًا.
الأمر الثاني: أن إنكاره منع القصاص لمجرد دعوى الحمل مردود مخالف لما سبق في الفرائض فإنه قد قال: ومهما ظهرت مخائل الحمل فلابد من التوقف، وإن لم تظهر مخائله وادعته المرأة ووصفت علامات خفية ففيه [تردد] للإمام والظاهر الاعتماد على قولها، وطرد التردد فيما إذا لم تدعه ولكنها قريبة عهد بوطء واحتمال الحمل قريب.
هذا كلامه.
واعلم أن الماوردي قال: لا يقبل قول المرأة إلا باليمين، وادعى ابن الرفعة أنه لا خلاف فيه وهو كلام غير محرر، بل إن قلنا بامتناع القول بمجرد الوطء من غير دعوى الحمل فلا يمين أصلًا، وإن قلنا لابد من دعوى الحمل فادعته فيتجه ألا يتوقف على اليمين، لأن الحق هنا للغير وهو الجنين، ولا شك أن المرأة يجب عليها الإخبار بالحمل، فإن سكتت عنه فمات وجب الضمان على عاقلتها في وجه غريب حكاه ابن داود في "شرح المختصر"، والمتجه أن الزوج لا يمنع من وطء المرأة وإن كان يؤدى إلى منع القصاص على ما سبق.

قوله في "الروضة": فرع: إذا قتلت الحامل على خلاف ما أمرناه نظر: إن بادر إليه الولي مستقلًا أثم ووجبت غرة الجنين إن انفصل ميتًا وتكون على عاقلة الولي، وإن انفصل حيًا متألمًا فمات وجبت الدية.
وإن أذن له الإمام في قتلها نظر إن كانا عالمين أو جاهلين فالصحيح المنصوص أن الضمان على الإمام لأن البحث عليه وهو الآمر به، وقيل: على الولي لأنه المباشر، وقيل: عليهما بالسوية.
انتهى كلامه.
وقد ذكر الرافعي طريقة قاطعة نقلها عن الشيخ أبي حامد أن الضمان

الجزء: 8 - الصفحة: 193

يجب على الإمام عند جهلهما، وأسقط النووي هذه الطريقة من "الروضة".

قوله: وإن كان الإمام عالمًا والولى جاهلًا فإن أوجبنا على الإمام إذا علما فهاهنا أولى وإلا فوجهان، وإن كان بالعكس فالمشهور وجوبه على الولى، وقيل: على الإمام.
ثم قال -أعني الرافعي- بعد ذكره للأقسام الأربعة ما نصه: ويخرج مما سقناه أربعة أوجه: وجوب الضمان على الإمام مطلقًا، ووجوبه على الولى مطلقًا، والشركة مطلقًا، ووجوبه على الإمام إذا كانا عالمين أو جاهلين وعلى الولى إذا اختص بالجهل.
انتهى كلامه.
وما ذكره من حكاية وجه بالاشتراك مطلقًا فسهو سلمت منه "الروضة" فإنه لم يتقدم له ذكر في القسم الأخير وهو ما إذا كان الإمام جاهلًا والولى عالمًا بل ذكر أن المشهور أنه على الولى، وقيل على الإمام، ولا يأتي أيضًا في العكس وهو ما إذا كان الإمام وحده عالمًا فإنه قال: إن قلنا: يجب الضمان على الإمام فيما لو كانا عالمين فهاهنا أولى وإلا فوجهان من الخلاف فيمن عليه قرار الضمان في تقديم الطعام.
ومقتضى هذا أنا جعلناه على المباشر اختص به أولى أو على المقدم اختص به الإمام فلا شركة؛ فتلخص أن وجه الشركة مطلقًا إنما يأتي مع علمهما وجهلهما.

قوله في "الروضة": وحيث ضمنا الولى فالغرة على عاقلته والكفارة في ماله، وحيث ضمنا الإمام فإن كان عالمًا ففي ماله وإن كان جاهلًا فعلى القولين في أن ما يجب بخطأ الإمام في الاجتهاد هل هو على عاقلته أم في بيت المال؟ أظهرهما على العاقلة.
وإذا قلنا: الدية والغرة في بيت المال، ففي الكفارة وجهان: انتهى كلامه.

الجزء: 8 - الصفحة: 194

وما ذكره في حال علم الإمام صريح في أن الغرة في مال نفسه لا على عاقلته ولا على بيت المال ويدل عليه حكاية القولين في القسم الأخير وهو ما إذا كان جاهلًا أن الغرة والدية هل تجبان في بيت المال أو على عاقلته، وهذا الذي ذكره غلط على العكس مما ذكره الرافعي؛ فإن المجزوم به في الرافعي أنها على عاقلته فإنه قال ما نصه: التفريع حيث أوجبنا الضمان على الولى فالغرة على عاقلته والكفارة في ماله، وحيثما أوجبناه على الإمام فإن كان عالمًا فكذلك وإن كان جاهلًا فعلى القولين.
هذه عبارة الرافعي وعلله في أول المسألة بأن الجنين لا يباشر بالجناية ولا يتيقن جناية فإهلاكه خطأ أو شبه عمد، ثم إن النووي قد صرح بالوجوب على عاقلة الجاني مع العلم كما سبق من لفظه فما الذي تخيله في الفرق بينهما؟ وحكى الرافعي في باب ضمان إتلاف الإمام طريقة ضعيفة أنه يأتي مع العلم القولان المذكوران مع الجهل.

قوله: ونقل أبو الفرج السرخسي وجهين في أنه هل يعتبر علم الولى مع الإمام والجلاد وقال: أصحهما أنه يعتبر حتى إذا كان عالمًا وهما عالمان بكون الضمان عليهما أثلاثًا.
انتهى.
والأصح على ما صححه النووي في أصل "الروضة" ما رجحه السرخسي إلا أن إطلاق هذا التصحيح غير مستقيم لأن الأصح فيما إذا كانا عالمين أو جاهلين أن الضمان على الإمام خاصة فكيف يستقيم مع ذلك ما صححه هنا؟ فالصواب تفريع هذه المسألة على القول بالوجوب عليهما إذا كانا عالمين.

قوله: هذا كلامنا في ضمان الجنين وأما الأم فلا يجب ضمانها لأنها تلفت في حد أو عقوبة وجب عليها.
قال في "التهذيب": هذا إذا ماتت

الجزء: 8 - الصفحة: 195

من ألم الولادة تجب ديتها، وإن بانت منهما تجب نصف ديتها.
انتهى كلامه.
وهذا الذى ذكره في "التهذيب" لابد منه، وقد أعاد الرافعي المسألة بعد كتاب الحدود في باب ضمان الولادة ثم نقل هذا الاستثناء عن الشيخ أبي حامد وغيره.

الجزء: 8 - الصفحة: 196

الفصل الثالث في كيفية المماثلة

قوله: الثانية: إذا قتله باللواط وهو مما يقتل غالبًا فالأصح وجوب القصاص ثم قتل بدس خشبة في دبره قريبة من السه ويقتل بها، والأصح قتله بالسيف لأنه قتل بفعل محرم في نفسه فأشبه السحر.
ثم قال ما نصه: قال في "التتمة": وموضع الوجهين ما إذا كان موتًا متوقعًا من المقابلة بمثل ما فعل أما إذا لم يتوقع وكان موت المجنى عليه لطفوليته ونحوها فلا معنى للمقابلة.
انتهى.
وما نقله عن المتولى قد صرح به أيضًا الإمام فقال: وهذا إذا كان يظن أنه يهلك به فإن لم يهلك بذلك التحق بالضربات في حق النحيف والجاني لا يهلك بها.
هذا كلامه.
وذكر الرافعي بعد هذا بدون الورقة عن الإمام كلامًا عامًا تندرج فيه مسألتنا فقال: قال الإمام: لو قتل نحيفا بضربات تقتل مثله غالبًا وتيقنًا أو ظننا ظنًا مؤكدًا أن الجاني في جسمه وقوته لا يهلك بتلك الضربات فالوجه القطع بأنه لا يضرب بتلك الضربات، لأنها لا تقتله، وإنما تراعى المماثلة إذا توقعنا حصول الاقتصاص بذلك الطريق ثم بدا له بالآخرة احتمال آخر.
انتهى كلامه.
واعلم أن التعليل المذكور في منع الاقتصاص بمثل فعلة القاتل في مسألتنا يحتاج إلى تحقيق وتأمل لأن الجنايات كلها محرمة بدون أسبابها؛ فالقاتل بالسيف أو النار أو الماء أو الحجارة ونحوه يحرم قتله أيضًا به لولا المماثلة لاسيما وقد عهدنا جواز إدخال خشبة ونحوها في المحل المذكور لأجل الاحتقان ونحوه.

الجزء: 8 - الصفحة: 197

وله: الثالثة: إذا سقاه خمرًا حتى مات قتل بالسيف في الأصح، فأما البول فعن القاضي الحسين وجهان: أحدهما: أنه كالخمر.
والثاني: يسقى البول لأنه يباح عند الضرورة بخلاف الخمر.
انتهى.
والأصح الأول.
كذا صححه النووي في أصل "الروضة" لا من "زيادته" فاعلمه.

قوله: وفي الضرب بالمنقل يراعى الحجر وعدد الضربات، وإذا تعذر الوقوف على قدر الحجر أو قدر النار أو عدد الضربات فعن القفال أنه يقتل بالسيف، وعن بعضهم يؤخذ باليقين.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أنه أهمل موضع الضربات ولابد من اعتباره أيضًا كما في الاستيفاء بالمحدد، وقد صرح بذلك الماوردي وغيره.
نعم إن عدل عنه إلى موضع يكون الموت فيه أسرع جاز.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد صحح في كتاب الشهادات الوجه الثاني ذكر ذلك في باب الرجوع عن الشهادة في الكلام على من شهد بزنا محصن ثم رجع، وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى لغرض يتعلق به وصححه أيضًا هنا النووي من زوائده ذاهلًا عن تصحيح الرافعي له هناك، وتصحيحهما لذلك في غاية الإشكال لأنا إذا علمنا قدر الحجر فأراد المقتص العدول عنه إلى ما دونه لم يجز كما دل عليه كلام الرافعي المتقدم، وسببه ما فيه من طول التعذيب، فإذا كان التساوى في المقدار شرطًا في جواز الاستيفاء بالحجر وهو غير حاصل عند الشك في مقداره فلا يكون ضربه بالقدر المحقق محققًا جوازه لجواز أن يكون أكبر؛ إذ لا فرق في المنع بين الأكبر والأصغر، فليس الآخذ باليقين هنا متيقن الجواز، فإن ذلك ليس لمن أخذ دون حقه، فظهر بذلك ضعف هذا الوجه بل بطلانه.

الجزء: 8 - الصفحة: 198

قوله: الحالة الثانية: أن تكون الجراحة بحيث لا يقتص منها لو وقعت كالجائفة وقطع اليد من نصف الساعد فقولان: أظهرهما عند الشيخ أبي حامد وغيره من العراقيين والروياني أنه يستوفى بذلك الطريق تحقيقًا للمماثلة.
وأظهرهما عند صاحب التهذيب أنه يعدل إلى الشق لأن ما لا قصاص فيه لا ينضبط ولا يوثق فيه بالمماثلة.
انتهى ملخصًا.
وحاصله رجحان الأول، وكلامه في "الشرح الصغير" أظهر في ذلك فإنه اقتصر على نقل ترجيحه ولم يذكر ترجيح صاحب "التهذيب" لكن كلام "المحرر" يشعر برجحان الثاني فإنه قال: فيه قولان؛ رجح كثيرون: تعين السيف.
هذا لفظه.
وقد صرح النووي بالترجيح في اختصاره للكتابين فوقع في صريح التناقض فقال في "الروضة": أظهرهما عند الأكثرين أنه يستوفى بما فعل وصححه أيضًا في "تصحيح التنبيه".
وقال في "المنهاج": ولو مات بجائفة أو كسر عضد الحز.
وفي قول كفعله.
هذا لفظه.
ومحل القولين ما قاله الماوردي إذا لم يرد العفو.
قال: فإن أراد العمل به مع عفوه عن النفس لم يجز في الصورتين لأنه قد صار بالعفو عن النفس كالمنفرد عن السراية، ونقل الرافعي مثل هذا عن البغوي في الجائفة خاصة وأقره عليه حتى قال: إنه لو أخافه ثم عفى عنه عزر على ما فعل ولم يجبر على قتله.

قوله: وإذا وجب القصاص في اليمين فاتفقا على قطع اليسار بدلًا عنها لم يكن بدلًا ولا قصاصًا في اليسار بل تجب ديتها وفي سقوط قصاص اليمين وجهان: أحدهما: لا؛ لفساد المعاوضة.

الجزء: 8 - الصفحة: 199

والثاني: نعم؛ لأن ذلك عفو عن اليمين، قال ابن الصباغ: وهذا أصح.
انتهى ملخصًا.
والأصح ما رجحه ابن الصباغ فقد قال المتولي: إنه المذهب، والروياني في "البحر" إنه الأصح، وصححه النووي في أصل "الروضة" وقال القاضي حسين: إن علم الحكم لم يسقط وإن ظنه سقط.

قوله: فلو أن مستحق القصاص في اليمين طالب الجاني بإخراج اليمين فأخرج يساره فقطعها المستحق، وقال الجاني: دهشت فأخرجت اليسار، وقال القاطع أيضًا: دهشت فلم أدر ما صنعت.
قال الإمام: لا يقبل منه ويلزمه القصاص في اليسار لأن الدهشة السالبة للاختيار لا تليق بحال القاطع.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على نقل وجوب القصاص عن الإمام مع أن الإمام لم يتعرض له، والذى قاله الإمام أن الدهش لا يليق بحاله ولابد وأن يكون قطعه صادرًا عن عمد وظن اعتياض أو ظن بأن المخرج يمين.
هذا كلامه.
ومعناه أن هذا القطع من المفصل المعلوم لا يكون عادة مع الدهش ولا يكون إلا مع العمد، وحينئذ فإما أن يكون ظانًا إجزاء اليسار عن اليمين أو ظانًا أن المخرج هي اليمين، وعلى كل من التقديرين فلا قصاص عند الأصحاب، وفي الأولى احتمال للإمام وفي الثانية وجه ضعيف باتفاقهم؛ فحاصل كلام الإمام أنه لا قصاص، وذكر الغزالي في "البسيط" كما ذكر الإمام.
نعم صرح في "الوسيط" بوجوبه، فلعل الرافعي أراده وإنما سبق القلم، وفيما قاله الغزالي نظر، وكلام الإمام أوجه منه.

قوله: فرع: ثبت له القصاص في أنملة فقطع من الجانى أنملتين وقال:

الجزء: 8 - الصفحة: 200

أخطأت وتوهمت أنى أقطع أنملة واحدة صدق بيمينه ووجب أرش الأنملة الزائدة، ويكون في ماله أو على العاقلة؟ فيه قولان أو وجهان.
قال الروياني: والأصح الأول.
انتهى.
صحح النووي في أصل "الروضة" ما رجحه الروياني.

قوله: وأما إذا وجب قطع اليمين في السرقة فقال الجلاد للسارق: أخرج يمينك فأخرج يساره فقطعها فعن النقال وغيره حكاية قول أن الحكم على ما ذكرنا في القصاص، وهذا القول ينسب إلى القديم، ويقال أيضًا أنه مخرج، وظاهر المذهب أنه يكتفى في الحد بما جرى ويسقط قطع اليمين، والفرق أن المقصود من الحد التنكيل والقصاص مبني على المماثلة.
ثم قال: واستدرك القاضي الحسين فحمل ما أطلقه الأصحاب على الحالتين الأخيرتين وقال في الحالة الأولى وهي أن يخرج يساره على قصد الإباحة أو البدل وجب ألا يسقط القطع.
انتهى.
والنقال المذكور هنا بنون بعدها قاف مشددة؛ وهو الحارث بن سريج بالسين المهملة والجيم وقد بينه الرافعي في آخر باب السرقة وسوف أذكر لفظه هناك لغرض يتعلق به، وهذا الشخص قد أوضحت حاله في "الطبقات"، ويجوز أن يكون المذكور هنا إنما هو القفال بقاف ثم فاء، ويكون قد أثبت ما نقله النقال بالنون فإن الروياني في "البحر" في هذا الباب قد نقله عنه إلا أنه بعد نقله عنه صرح بأنه القفال الشاشي فاعلمه.
ثم إنه بعد نقله عنه قال: إنه غريب، ومراد الرافعي بالحالتين الأخيرتين أن يقول المخرج ظننتها اليمين أو علمت أنها اليسار وظننت أنها تجزئ.

الجزء: 8 - الصفحة: 201

الباب الثاني في العفو

قوله في "الروضة": وفي موجب العمد في النفس والطرف قولان: أظهرهما عند الأكثرين أنه القود المحض والدية بدل منه.
والثاني: أنه القصاص أو الدية.
انتهى.
خالف في "النكت" التي له على "التنبيه" فصحح الثاني، والفتوى على الأول.

قوله: ولو عفى عن القود على نصف الدية قال القاضي حسين: هذه معضلة أسهرت الجلة، قال غيره: هو كعفوه عن القود ونصف الدية وهو صحيح.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" أيضًا وهو يقتضي أن القاضي لم يجب فيها بشيء وليس كذلك بل الذي نقله الرافعي عن غيره قد أجاب القاضي به وذكره في تعليقته وصرح بأنه لا خلاف فيه ونقله عنه أيضًا في "الكفاية".
والجلة: بكسر الجيم وتشديد اللام تقول العرب مشيخة جلة أي: طاعنون في السن، قاله الجوهري.

قوله: لو جرى الصلح عن القصاص على أكثر من الدية من جنسها كما لو صالحه على مائتين من الإبل، فإن قلنا الواجب أحد الأمرين لم يصح الصلح لأنه زيادة على الواجب كالصلح من ألف على ألفين، وإن قلنا الواجب القصاص فوجهان أصحهما الصحة إذ لا معنى للتقدير كبدل الخلع.
انتهى.

الجزء: 8 - الصفحة: 202

واعلم أن الرافعي قد قال في آخر الباب: أنه إذا صالح عن القصاص على عبد أو ثوب جاز وإن لم تكن الدية معلومة لهما، فإن تلفت العين قبل القبض أو خرجت مستحقة أو ردها بعيب فلا رجوع إلى القصاص.
وهل يرجع بقيمة العين أو بأرش الجناية؟ يبنى على أن بدل الصلح عن الدم مضمون ضمان العقد أم ضمان اليد، وفيه خلاف ذكرناه في البيع.
هذا كلامه.
وجزمه بذلك مع الجهل بمقدار الدية يدل على أن المقابل بالعبد والثوب القصاص دون الدية، ويؤيده حكايته للخلاف في أن ذلك المال مضمون ضمان يد أو عقد ولم يلاحظا في ذلك النظر إلى الدية، ومقتضى ذلك أنه لا فرق بين أن تكون قيمته تنقص عن قدر الدية أو تزيد عليها، وإذا ظهر ذلك ظهر أن ما ذكره الرافعي هنا محله إذا كانت الإبل المصالح عليها في الذمة بالصفة الواجبة في جناية العمد فإنه يصح حينئذ أن يقال في تعليل المنع أن في المصالحة على ذلك زيادة على الواجب، أما إذا وقع على إبل بغير تلك الصفة إما معينة أو في الذمة؛ فهي كالمصالحة على العبد والثوب فينبغي الجزم فيها بالصحة على القولين.
قال في "المطلب": ويرشد إلى ذلك قول القاضي في كتاب البيع حيث حكى القول بجواز بيع الصلح عن دم العبد أنه مخصوص بما إذا قلنا أن موجب العمد القود عينا أو قلنا الواجب أحد الأمرين وصرح بالمصالحة عن القود دون ما إذا صرح بالمصالحة عن الدية.

قوله: الثانية: قطع عضوًا من شخص فقال: عفوت عن هذه الجناية ولم يزد، فإن اندملت فعن نصه في "الأم": أنه عفو عن القود، وعن الأصحاب أنه مفرع على قولنا أن موجب العمد القود.

الجزء: 8 - الصفحة: 203

فإن قلنا: موجبه أحد الأمرين، ففي بقاء الدية احتمالان للروياني.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على نقل الاحتمالين فقط عن الروياني مع أن صاحب "الحاوي" قد صرح بالمسألة وجزم بأنا إذا فرعنا على هذا القول كان عفوًا عنهما جميعًا.
ثم إن الاحتمالين قد سبق الروياني إليهما المحاملي وما نقله الرافعي عن النص والأصحاب ذكره الروياني في "البحر" بعينه فنقله الرافعي منه.

قوله: وإن سرى القطع إلى النفس فلا قصاص في النفس على الصحيح وأما المال فقسمان: أحدهما: أرش اليد فينظر إن جرى لفظ الوصية بأن قال: أوصيت له بأرش هذه الجناية، فهي وصية للقاتل، وفي صحتها قولان: أصحهما: الصحة.
ثم قال: وإن جرى لفظ العفو أو الإبراء أو الإسقاط فقيل هو كالوصية للاتفاق على أنه يعتبر من الثلث والمذهب أنه يسقط قطعًا لأنه إسقاط ناجز والوصية هو الذى يتعلق بالموت.
انتهى كلامه.
ثم عبر بعد ذلك في "التفريع" عليه بقوله: فلا يلزمه شيء، وهذا الذى ذكره قد ذكر مثله في "الروضة" أيضًا، وحاصله أن إسقاط الدين عن الوارث مسقط له أيضًا ويرتب عليه عدم اللزوم وإن كان محسوبا من الثلث للمعنى الذى ذكره، وكذلك التمليك الناجز لكنه ذكر في أوائل الوصية في أثناء الكلام على الركن الثاني ما ظاهره المخالفة، وقد سبق ذكر لفظه هناك فراجعه.

قوله أيضًا في المسألة: وإن عفى المجنى عليه عنه وعما يحدث منه فسرت إلى النفس سقط ضمان العضو، وفي الباقي قولان: أصحهما لا يبرأ عنه، وهذا هو الخلاف الذي سبق في الإبراء عما لم يجب

الجزء: 8 - الصفحة: 204

وجرى بسبب وجوبه.
انتهى ملخصًا.
واعلم أن ابن الرفعة قد اعترض هنا على الأصحاب فقال: وعلى من صحح العفو عن أرش الأصبع دون القدر الزائد عليه من الدية لكونه إبراء سؤال لا يكاد يندفع ويحتاج في تقريره إلى تجديد العهد بأصلين: أحدهما: أن الإبراء عن المجهول غير صحيح على المذهب.
والثاني: أن الجراحات إذا سرت إلى النفس فأفضى الأمر إلى الدية لا نظر إلى أروشها سواء كانت مقدرة أو غير مقدرة بل الواجب كما قال الإمام دية واحدة عن النفس لا عن الأطراف لا يختلف مذهبنا في ذلك، وإذا كان كذلك فالإبراء حصل عما قابل الأصبع من الدية وقد بينا بآخر الأمر أن لا مقابل لها، ولو قيل بأن لها مقابلا فليس هو عشرًا من الإبل بل جزءًا من الدية وهو مجهول، وقضية ذلك أن لا تصح فيما ادعوه.
فإن قلت: إنما صح عن أرش الأصبع لأني أنزل الإبراء منزلة الاقتصاص وهو لو اقتص في الأصبع لسقط من الدية العشر فكذلك إذا عفى على أرشه.
قلت: إنما سقط العشر عند القصاص قيمة لأنه استوفى ما قيمته العشر مع أنه لا يمكن رده فصار كما لو تسلم عشرًا بخلاف الإبراء فإنه يقبل الرد.
فإن قلت: قد أشار ابن الصباغ في آخر باب القصاص بالسيف إلى شيء يمكن أخذ.
الجواب: منه وهو أنا عند السراية في مثل هذه الحالة لا نسقط أرش الجناية السابقة بالسراية بل نوجب بالسراية تمام الدية.
قلت: قد تقدم لنا خلاف فيما إذا قطع يده ثم ارتد ومات في الردة أن القصاص في اليد هل يجب أم لا؟ بناء على خلاف حكاه الأصحاب فيما إذا قطع يده فمات أنه يجوز لولى المقتول عندنا قطع يده فإن مات وإلا جز

الجزء: 8 - الصفحة: 205

رقبته.
وهل يكون قطع اليد مقصودًا في الاستيفاء أم يكون القطع طريقًا في الاستيفاء؟ والثاني هو الذى فرع عليه الأصحاب؛ فينبغي أن تنبني هذه المسألة على هذا الخلاف.
فإن قلنا: إن قطع اليد إنما وجب طريقًا في الاستيفاء، فالمقصود النفس فيكون الواجب ديتها فلا ينظر إلى أرش الطرف.
وإن قلنا: وجب مقصودًا، فحينئذ يتجه الجواب.
ولك أن تجيب عن هذا بأن محل التردد إذا لم يتعلق بأرش اليد حق لغير مستحق النفس، أما إذا تعلق فذلك الحق لا يسقط عند السراية إلى النفس ولا شيء منه ما أمكن استيفاؤه اتفاقًا وإن وجبت دية النفس.
دليله ما لو قطع يد عبد ثم أعتق ثم مات فإن حق السيد لا يسقط.
وإن كان كذلك فالجاني هنا قد تعلق له حق بأرش الأصبع وهو براءته منه، فإذا صار القطع قتلًا ووجبت دية النفس وجب ألا يسقط الحق السابق كما في حق السيد.
انتهى كلام ابن الرفعة -رحمه الله-.

قوله: إحداها: إذا جنى عبد على حر جناية توجب المال وعفى المجنى عليه عن أرش الجناية ثم مات بالسراية أو اندمل الجرح ثم عفا في مرض الموت فإن أطلق العفو ولم يضفه إلى السيد ولا إلى العبد أثبتت صحته على أن أرش جناية العبد يتعلق برقبته فحسب أو بها وبذمته؟ وفيه قولان: فإن قلنا: يتعلق بالرقبة فحسب، فيصح العفو.
وإن قلنا: يتعلق بالذمة أيضًا، ففائدة العفو ترجع إلى العبد؛ فينبني على الوصية للقاتل.
انتهى.

الجزء: 8 - الصفحة: 206

وما ذكره من التخريج في السراية واندمال الجرح على الوصية للقاتل قد تبعه عليه في "الروضة" أيضًا وهو سهو، بل التخريج خاص بالأولى، وأما في اندمال الجرح فلا؛ إذ لا قتيل فيها ولا قاتل.

قوله: وإذا استحق على الجاني قصاص النفس وقصاص الطرف نظر إن كان مستحق هذا غير مستحق ذاك فلا شك في أن عفو أحدهما لا يسقط حق الآخر.
ومن صوره أن يقطع عبد يدى عبد فيعتق المجنى عليه ثم يسري القطع إلى نفسه فالقصاص في الطرف للسيد وفي النفس لورثته الأحرار، وإن استحقها واحد فلو عفى عن النفس وأراد القصاص في الطرف فله ذلك لأنهما حقان ثبتا له فالعفو عن أحدهما لا يسقط الآخر.
وفي "الوسيط" حكاية وجه أنه إذا عفى عن النفس فقد التزم بقاء الأطراف فيسقط قصاص الطرف، ولم ينقل الإمام في هذه الصورة خلافًا، بل إنما حكاه في عكسه.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره في أول كلامه من نفى الخلاف حيث عبر بقوله: ولا شك.
. . . إلى آخره قد تابعه عليه في "الروضة" أيضًا، وليس كذلك فقد ذهب القفال إلى سقوط قصاص الطرف بعفو الورثة عن قصاص النفس في التصوير الذى صور الرافعي به بعينه وهو قطع العبد المتقدم ذكره.
كذا حكاه إمام الحرمين في آخر "النهاية" عن الشيخ أبى علىّ عنه، ونقله أيضًا ابن الرفعة في "المطلب" هنا عنه وعلله القفال بأن ورثته الأحرار شركاء في الطرف للسيد، فإذا عفوا عن النفس صاروا بالنسبة إلى الطرف كعفو بعض الشركاء فيسقط، ثم رده الشيخ أبو علىّ بأنه ليس من

الجزء: 8 - الصفحة: 207

باب الشركة بدليل أن مستحق الطرف لا يحتاج في القصاص إلى استئذان مستحق النفس.
الأمر الثاني: من الواضحات أن القول في المسألة الثانية بسقوط الطرف عند العفو عن النفس أقرب من القول به في المسألة الأولى فإنه إذا أسقط حق الغير لما يتخيل من الشركة فعند الخلوص له أولى، وقد ظهر لك ذلك أيضا من كلام الرافعي فإنه عبر في الأولى بقوله ولا شك ثم ذكر الثانية وحكى فيها وجهًا عن الغزالي وتوقف فيه.
إذا علمت ذلك علمت صحة الوجه الذى ذكره في الوسيط وقائله ومن أين أخذه، وقد توهم النووي أنه لا أصل له فقال في "الروضة" 22: وانفرد الغزالي بحكاية وجه.
هذا لفظه، وقد صرح في "البسيط" أيضا بهذا الوجه وعلله بما ذكره في "الوسيط".

قوله: ولو رمى الولى إلى الجاني ثم عفا قبل الإصابة ففي نفوذه وجهان نقلهما الإمام: أحدهما: أنه لا ينفذ؛ لخروج الأمر عن اختياره.
وأظهرهما -وهو المذكور في "الكتاب"- أنه كقطع اليد؛ فإن لم يصبه السهم فالعفو صحيح وإن أصابه فقتله بان أن العفو باطل، وفى وجوب الدية على العافي وجهان سبق ذكرهما في فصل تغير الحال بين الجرح والموت، والأصح عند صاحب "التهذيب" ويحكى عن القفال أنه تلزمه الدية لأنه محقون الدم عند الإصابة.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن ما نقله عن صاحب "التهذيب" هنا قد صرح -أعنى الرافعي- بتصحيحه في الفصل الذى نص على سبق ذكر الوجهين فيه، وبالغ في تصحيحه مبالغة شديدة وتابعه عليه في "الروضة" أيضًا هناك

الجزء: 8 - الصفحة: 208

وأطلق تصحيحه أيضًا هنا.
الأمر الثاني: أن ما ذكراه هنا من تصحيح الوجوب بعد جزمهما ببطلان العفو غلط واضح فإنه إذا أبطل العفو لا يتصور إيجاب ضمان الجانى لاستحقاق العافى دية.
نعم حكى الغزالي في هذا الباب من "البسيط" في آخر الحالة السادسة وجهًا أن عفوه صحيح مع الإصابة ويلزمه ضمانه بناء على أن الاعتبار بحالة الإصابة؛ وحينئذ فيستقيم بناء المذكور هنا عليه، وكلام الإمام يشير إليه أيضًا، وكلام القاضي حسين صريح فيه.

قوله: ولو وكله في القصاص ثم عزله فقتله الوكيل جاهلًا بالعزل وجبت الدية في أصح القولين، وتكون على الوكيل، وقيل: على الموكل.
فإن قلنا: على الوكيل، فهل هي حالة أم مؤجلة؟ فيه وجهان حكاهما الإمام.
انتهى.
والأصح على ما قاله في "الروضة" من "زوائده": أنها حَالّة.

قوله: ولو جنت امرأة فتزوجها المجنى عليه على القصاص الثابت عليها، أو قتلت إنسانًا فتزوجها وارثه على القصاص جاز وسقط القصاص، فإن طلقها قبل الدخول فترجع بنصف أرش الجناية أو بنصف مهر المثل؟ فيه قولان: أصحهما -على ما ذكره صاحب التهذيب- هو الأول.
انتهى كلامه.
ذكر في "المحرر" نحوه أيضًا فقال: إنه الذى رجح من القولين.
واعلم أنه إذا أصدقها تعليم سورة فعلمها ثم طلقها قبل الدخول فإنه يرجع عليها بنصف أجرة التعليم.
كذا جزم به الرافعي في باب التشطير، وقياسه من هنا أن يكون الأصح ما قاله في "التهذيب" وقد صححه النووي في أصل "الروضة".

الجزء: 8 - الصفحة: 209

قوله نقلًا عن "التتمة": وإنه لو رمى إلى شخص أو جماعة وقصد إصابة واحد منهم -أيّ واحد كان- فأصاب واحدًا ففي وجوب القصاص وجهان؛ لأنه لم يقصد عينه.
انتهى كلامه.
والصحيح عدم الوجوب.
كذا جزم به الرافعي في أول الجنايات في الكلام على تقديم الطعام المسموم، وفي آخرها أيضًا قبيل الكلام على العاقلة، ولفظ كل من الموضعين مذكور في محله، وقد تابعه في "الروضة" عليهما وغفل عنه هاهنا فرجح من "زوائده" الوجوب فقال: قلت: الراجح وجوبه، والله أعلم.

الجزء: 8 - الصفحة: 210

فصول الكتاب · 72 فصل
فصول المهمات في شرح الروضة والرافعي
المقدمةالمقدمةمقدمة المحققمقدمة المؤلفكتاب الطهارةكتاب التيممكتاب الحيضكتاب الصلاةكتاب الصلاةكتاب الصلاة بالجماعةكتاب صلاة المسافرينكتاب الجمعةكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الحجكتاب البيعكتاب الرهنكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب العاريةكتاب الغصبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب الجعالةكتاب الوقفكتاب الهبةكتاب اللقطةكتاب اللقيطكتاب الفرائضكتاب الوصاياكتاب الوديعةكتاب قسم الفيء والغنيمةكتاب قسم الصدقاتكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب القسم والنشوزكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفاراتكتاب "العدد"كتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجراحكتاب الدياتكتاب دعوى الدمكتاب الجنايات الموجبة للعقوباتكتاب موجبات الضمانكتاب السيركتاب [عقد] (1) الجزية والمهادنةكتاب الصيد والذبائحكتاب الضحايا والعقيقةكتاب الأطعمةكتاب السبق والرميكتاب الأيمانكتاب [النذر]كتاب القضاءكتاب الشهاداتكتاب الدعاوى والبيناتكتاب التدبيركتاب الكتابةكتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل