المهمات في شرح الروضة والرافعيكتاب التيمم
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وفيه ثلاثة أبواب:

الباب الأول: فيما يبيح التيمم

وهو العجز عن استعمال الماء إما لتعذره بالكلية أو لتعسره لخوف ضرر ظاهر.
انتهى.
وذكر مثله في "الروضة" وليس فيه بيان محل العجز أى هل يعم الطهارات كلها أم لا؟ وقد تعرض له في المحرر فقال يتيمم المحدث والجنب [لأسباب وتبعه عليه في "المنهاج" واحترز بالمحدث والجنب] 1 عن المتنجس فإنه لا يتيمم عند العجز كما صرح به الرافعي في استدلاله على تقديم المتنجس عند الوصية بالماء للأولى وذلك لعدم وروده، وحكى في التحقيق قولًا قديمًا: أنه يتيمم، وحكى في "شرح المهذب" عن القديم: أنه يمسح موضع النجاسة بالتراب إلا أن الحصر في المحدث والجنب غير مستقيم، فإن الحائض والنفساء والتى ولدت ولدًا جافًا، والمأمور بغسل مسنون كغسل الجمعة والإحرام يتيممون أيضًا، وكذلك الميت يُيمم، والقياس أن المأمور بوضوء مسنون يتيمم أيضًا كما في نظيره من الغسل وقد يقال لا يستحب ذلك كما في تجديد التيمم.

قوله في "الروضة": الثانية: أن يجوز وجوده يعني الماء تجويزًا بعيدًا أو قريبًا فيجب تقديم الطلب قطعًا.
انتهى كلامه.
وما ادعاه من عدم الخلاف لا يصح، فقد حكى الصبغى في "شرح المختصر" وجهًا أنه لا يجب الطلب أيضًا إذا غلب على ظنه العدم، وذكر

الجزء: 2 - الصفحة: 272

الإمام في "النهاية": أن بعض المصنفين حكى في المسألة وجهين وعنى به الفورانى فإنه اصطلاحه في المراد بهذه العبارة.
وقد نقلها في "البيان" عنه أيضًا، أى عن الفورانى ولم يتعرض الرافعي لنفي الخلاف.

قوله: ويشترط أن يكون الطلب بعد دخول الوقت ويجوز أن يثبت فيه على أظهر الوجهين.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على عدم صحة الطلب قبل الوقت وزاد في أثناء الباب فقال: لو طلب مع الشك [في الوقت لم يصح أيضًا وإن صادف الوقت ويتجه أن يكون محل ذلك كله] 2 فيما إذا لم يتيقن بالطلب الأول عدم الماء فإن تيقن كفي وبتقدير ألا يتيقن فلا يبعد كما قاله في "الكفاية" أن يتخرج على الخلاف في التيمم لصلاة أخرى وكلام الرافعي يشعر بأن الإذن في الطلب يجوز تقديمه على الوقت وهو متجه.

قوله: حتى لو بعث النازلون واحدًا فطلب لهم أجزأ عن جميعهم.
انتهى.
وهذه المسألة قد حذفها النووي من هذا الموضع ثم ذكرها بعد ذلك من "زوائده".

قوله: ولا خلاف أنه لا يسقط بطلبه الطلب عن من لم يأمره ولم يأذن له انتهى كلامه.
وما ادعاه من عدم الخلاف تابعه عليه في "الروضة" وغيرها لكن كلام الماوردي والروياني دال على عدم اشتراط الإذن وهو الظاهر من جهة المعنى.

الجزء: 2 - الصفحة: 273

قوله: والطلب أن يفتش رحله فإذا لم يجد نظر يمينًا وشمالًا وقدامًا وخلفًا إن استوى موضعه، وإن لم يستو نظر وإن كان يخاف على نفسه أو ماله لم يجب الطلب، وإن لم يخف تردد إلى حد لو استعان بالرفقة لأغاثوه مع ما هم عليه من التشاغل، وهذا الضابط ذكره الإمام وتابعه الأئمة من بعده عليه، وليس في الطرق ما يخالفه ثم قال: وهذا إذا كان وحده فإن كان في رفقة إلى أخره.
انتهى ملخصًا.
تابعه عليه في "الروضة" وفيه أمور: أحدها: أن تقييد الخوف بنفس الطالب وماله وغير مستقيم، فأن أهله ورفقته في ذلك كنفسه بلا شك، ولهذا عدل النووي في "المنهاج" عن عبارة "المحرر" وأتى بها منكرًا فقال: إن لم يخف ضرر نفس أو مال.
الأمر الثاني: أنه لو خاف على ما ليس بمال مما هو منتفع به كالكلاب والسرجين فالمتجه أنه لا يجب أيضًا الطلب وفيه كلام سيأتى عقبه.
الأمر الثالث: أن مقتضى إطلاقه أنه لا فرق في المال الذى يخاف عليه بين أن يكون مقدار ما يجب بذله في تحصيل الماء ثمنًا أو أجره أو يكون أكثر منه، وقد اختلف فيه كلامه في "شرح المهذب" فجزم في أواخر الكلام على قوله قال: فإن دل على ماءٍ بأن الخوف على هذا المقدار لا يمنع من وجوب الطلب وجزم قبله بنحو ورقتين بأنه لا فرق، وهذا هو مقتضى إطلاق الأكثرين وهو القياس أيضًا لأنه يأخذه من لا يستحقه.
نعم: ذكروا في باب الوصية أنه لو أوصى بكلاب ونحوها وخلف شيئًا من المال صحت وصيته على الصحيح؛ لأن المال وإن قل خير منه فيتجه أن يقال بمثله هنا، على القول بأن الخوف على مقدار ما يجب بذله لا يمنع

الجزء: 2 - الصفحة: 274

الطلب؛ لأن هذا المقدار خير من الكلاب ونحوها وإن كثرت، فلا يكون الخوف عليها مانعًا.
الرابع: أنه إذا فرض الكلام فيما إذا كان وحده فكيف تجئ الاستغاثة بالرفقة لأن الفرض ألا رفقة فإن قيل المراد أنه يتردد إلى حد لو كان هناك رفقة واستغاث بهم لأغاثوه، قلنا: لا يستقيم أيضًا، لأن الرفقة الذين تعذر وجودهم لا ضابط لعددهم وحصول الغوث والاستغاثة تختلف فيه المسافة بكثرة الرفقة وقلتهم، وبالجملة فهو غلط ويوضح غلطه أن الرافعي قد نقله عن الإمام كما تقدم، والإمام إنما ذكره في حالة وجود الرفقة وأيضًا فإن الرافعي في "المحرر" قد عدل عن هذا الضابط بالكلية فقال: نظر في الجوانب الأربع إن كان في مستوٍ [وإن احتاج إلى التردد بحسب ما كان ينظر إليه هذه عبارته فقوله وإن احتاج أي بأن كان غير مستو] 3، وقوله ما كان ينظر إلى بقدر ما كان بنظره في مستوى، وضبط بعضهم المنظور إليه عند الإستواء بغلوه سهم كذا نقله في "الشرح الصغير".
الأمر الخامس: أن ما ذكره الرافعي من أنه ليس في الطرق ما يخالف تفسير الإمام عند عدم استواء الأَرض ليس كذلك، فقد ضبطه صاحب "الشامل" بأن يصعد على مرتفع وينظر وكذلك صاحب "البيان"، وضبطه القاضي حسين في تعليقه بأن يمشى بقدر غلوة سهم، وذكر الماوردى أيضًا ما يخالفه فقال: كل موضع لو تيقن وجود الماء فيه منع من التيمم وحيث إذا جوز وجود الماء فيه ألا يجوز له التيمم قياسًا على رحله هذا كلامه ذكر في "التتمة" مثله.
وقد ذكر الرافعي أن حد الغوث الذى يجب فيه الطلب عند التوهم دون

الجزء: 2 - الصفحة: 275

المقدار الذى يجب فيه الطلب عند التحقق، وهو المسافة التى يسير إليها المسافرون للرعى والاحتطاب ونحوها من حاجاتهم فقول الماوردى: إنه يجب عند التوهم في المقدار الذى يجب فيه القصد عند التحقيق مقتضى لعدم ضبطه بما قاله الإمام وهو مسافة الغوث فإنه أوجب الطلب في ما فوقها أيضًا، ولهذا قال الماوردى أيضًا فيما إذا كان سائرًا وعلم أنه يصل الماء في آخر الوقت إن كان في منزله الذى هو فيه عند دخول الوقت كان تأخير الصلاة إلى استعمال الماء واجبًا، لأن المنزل كله محل للطلب، وإن كان تيقنه لوجود الماء في غير منزله كان تأخير الصلاة مستحبًا.

قوله: الحالة الثالثة: أن يتيقن وجود الماء حواليه وله ثلاث مراتب: الأولى: أن يكون على مسافة يسير إليها النازلون للاحتطاب والاحتشاش والرعى فيجب السعي إليه، وهذه المسافة فوق حد الغوث.
قال محمد بن يحيى: لعله يقرب من نصف فرسخ.
انتهى.
وهذا الضابط الذى ذكره وتبعه عليه في "الروضة" قد ذكر في المسألة التى بعدها ما يخالفه فقال ما حاصله: أن القدر الذى يسير إليه المسافرون لأغراضهم يختلف صيفًا وشتاءً وتؤثر فيه وعورة المكان وسهولته والمعتبر من ذلك هو الوسط المعتدل لا الحال الذى هو فيه وحذف النووي ذلك.

قوله: المرتبة الثانية: أى من مراتب تيقن الماء: أن يكون بعيدًا عنه بحيث لو سعى إليه لفاته فرض الوقت فيتيمم ثم الأشبه بكلام الأئمة أن الاعتبار في هذه المسافة من أول وقت الصلاة الحاضرة: لو كان نازلًا في ذلك الموضع ولا بأس باختلاف المواقيت في الطول والقصر ولا باختلاف المسافة في السهولة والصعوبة، فإن كان التيمم لفائتة أو نافلة اعتبر بوقت الفريضة الحاضرة وعلى هذا لو انتهى إلى المنزل في أخر الوقت والماء في حد القرب وجب قصده

الجزء: 2 - الصفحة: 276

والوضوء، وإن فات الوقت كما لو كان الماء في رحله فإنه يتوضأ وإن فات الوقت.
انتهى كلامه.
اعترض عليه النووي في "شرح المهذب" و"الروضة" وغيرهما فقال: هذا الذى ذكره الإمام الرافعي ونقله عن مقتضى كلام الأصحاب من اعتبار أول الوقت ليس كما قاله، بل الظاهر من عباراتهم أن الاعتبار بوقت الطلب هذا هو المفهوم من عباراتهم في كتبهم المشهورة والمهجورة، وهو ظاهو نص الشافعي - رضي الله عنه - في "الأم" وغيره، فإن عبارته وعبارتهم وإن دل على ماء ولم يخف فوت الوقت ولا ضرر ألزمه طلبه هذا نصه ونصهم وهو صريح أو كالصريح فيما قلته وقد ثبت ذلك وأتقنته والله أعلم.
هذا كلامه في "الروضة"، وذكر مثله في "شرح المهذب" لكن قد نقل الفورانى في "الإبانة" عن نص الشافعي أنه يلزمه قصده وإن خرج الوقت.

قوله في "أصل الروضة": المرتبة الثالثة أن يكون بين المرتبتين فيزيد على ما يسير إليه النازلون ويقصر عن خروج الوقت فهل يجب قصده أم [يجوز] 4 التيمم، نص الشافعي أنه إن كان عن يمين المنزل أو يساره وجب قصده وإن كان صوب مقصده لم يجب فقيل بظاهر النصين، وقيل فيهما قولان والمذهب جواز التيمم.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن الرافعي قد رجح طريقة القولين فقال: وهذه الطريقة أظهر من الأولى هذا لفظه، والعجب من حذف النووي له.

الجزء: 2 - الصفحة: 277

الأمر الثاني: أن الرافعي قد حكى طريقة ثالثة عن "التهذيب" وهي أنه لا يجب يمنه ويسرة وفي صوب مقصده قولان وهذه الطريقة قد أسقطها أيضًا من "الروضة" وهى عكس المنقول في "الروضة" عن النص.

قوله: وظاهر المذهب جواز التيمم، وإن علم الوصول إلى الماء في أخر الوقت، روى أن ابن عمر -رضى الله عنهما- أقبل من الجرف حتى إذا كان بالمربد تيمم.
انتهى.
عبر النووي في "الروضة" هنا بالمذهب عوضًا عن قول الرافعي ظاهر المذهب فاقتضى ذلك أن الرافعي قد حكى طريقين وليس كذلك والجرف بضم الجيم وإسكان الراء وضمها أيضًا ما أكلته السيول من الأَرض والمربد بكسر الميم وسكون الراء مع الباء الموحدة وبالدال المهملة هو الموضع الذى تحبس فيه الإبل وغيرها، وأهل المدينة يطلقونه على الموضع الذي يجفف فيه التمر قاله الجوهري.
والأثر المذكور رواه الشافعي بإسناد صحيح كما قاله في "شرح المهذب" قال: والجرف بينه وبين المدينة ثلاثة أميال والمربد موضع بقرب المدينة.

قوله: وإن لم يتيقن وجود الماء في آخر الوقت ولكن رجاه فقولان أصحهما: أن التقديم أفضل.
والثاني: عكسه ثم قال: ولا يخفى أن موضع القولين ما إذا اقتصر على صلاة واحدة أما إذا صلى بالتيمم في أول الوقت وبالوضوء في أثنائه فهو النهاية في إحراز الفضيلة.
انتهى كلامه.
وما ذكره من اختصاص القولين بحالة الاقتصار على الصلاة الواحدة

الجزء: 2 - الصفحة: 278

وأن ذاك هو النهاية، أخذه الرافعي من النهاية للإمام وتبعه عليه في "الروضة" و"شرح المهذب" وغيرهما، وهو مردود لأن الفرض في الصلاة المعادة هى الأولى على الصحيح، ولم يحصل لها فضيلة الطهارة بالماء وهذا أعني أداء الفرض بالماء هو مدرك القائل باستحباب التأخير فكيف يكون هذا الفعل هو النهاية مع فوات هذا المعنى؟ ، وقد جزم القاضي الحسين في تعليقه على الكلام في رؤية [المتيمم] 5 الماء في أثناء الصلاة بأن من صلى بالتيمم ثم وجد الماء لا يستحب له إعادتها به قال بخلاف من صلى منفردًا ثم أدرك جماعة.
وما ذكره القاضي قد رأيته مجزومًا به أيضًا في فتاوى القفال وعلله بقوله إذ لا فضل للصلاة بالوضوء على الصلاة بالتيمم عند عدم الماء قال بخلاف الانفراد بالصلاة للخبر.
قلت: والفرق هو [بالبدل] 6 الإتيان في التيمم بخلاف المنفرد، ونقله أيضًا الرويانى في "البحر" عن الأصحاب ونقله عنه في "شرح المهذب" ولم يخالفه فيه، وقد ذكر ابن الرفعة أيضًا في "الكفاية" نحو ما ذكرناه وأيده ببعض ما أيدناه.
ولك أن تقول ما الفرق بين تصحيح استحباب التقديم في مسألتنا وبين من رجى زوال عذره المسقط للجمعة قبل فوات الجمعة، فإن الأصح هناك استحباب التأخير لاحتمال زواله، وقد يفرق بأن الجمعة تفعل في أوائل الوقت غالبًا فتأخير الظهر إلى فواتها ليس بفاحش بخلاف التيمم فإنه لا ضابط في التأخير له فيلزم منه التأخير إلى أخر الوقت ويخاف مع ذلك

الجزء: 2 - الصفحة: 279

فوات الصلاة.

قوله: في المسألة فإن استوى الطرفان عنده أى الوجود في أخر الوقت وعدمه فلا جريان للقولين في هاتين الحالتين بل التعجيل أولى لا محالة وربما وقع في كلامهم نقل القولين فيما إذا لم يظن الوجود ولا العدم [ولا وثوق به وكأن ذلك القائل أراد بالظن اليقين.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن ما قاله من نفي الخلاف في حالة التساوى تبع فيه الإمام، والإمام قلد القاضي الحسين وهو باطل فقد صرح جماعات كثيرة بجريان القولين في هذه الحالة، فقال الشيخ أبو حامد والماوردى والمحاملى في "التجريد": لو كان لا يعلم وجود الماء في آخر الوقت ولا عدمه ولم يكن أحد الاحتمالين في وجوده وعدمه أقوى من الآخر ففيه القولان وقال القاضي أبو الطيب: فإن كان يرجوا وجود الماء ويرجو عدمه ففيه قولان وعبارة البندنيجي وإن وقف بين الأمرين فقولان، وعبارة "المهذب" وإن كان يشك ففيه قولان، وهذا الذي ذكرناه قد نقله في الكفاية عن العراقيين قاطبة، وذكر في "الروضة" بعضه وقد علم بطلان ما قاله الرافعي نقلًا وتأويلًا.
الأمر الثاني: أن قول الرافعي: "ولا العدم" قد أسقطه من "الروضة" فأفسد المعنى.

قوله أيضًا في المسألة: وذهب الإمام والغزالي إلى أن تقديم الصلاة منفردًا أفضل من التأخير لحيازة الجماعة، واحتجاجه للقول الأول فيما إذا رجا الماء وعكسه صاحب "الإفصاح" واحتج به للقول الثاني وقال آخرون وفيه خلاف مبني على الخلاف في تأخير التيمم.
انتهى ملخصًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 280

فيه أمور: أحدها: أن هذا الكلام في الرافعي يقتضي أن مسألة الجماعة فيها ثلاث طرق مفروضة أيضًا في حالة الظن لا في حالة اليقين وإلا لم يحسن الاستدلال، وبه صرح البندنيجي وابن الصباغ وغيرهما من العراقيين وكلامه في "الروضة" لا يدل على ذلك، فإن جعلها مسألة مستقلة ولم يتعرض إلى الاستدلال بما على تلك فقال: أما تعجيل المتوضئ وغيره الصلاة في أول الوقت منفردًا وتأخيرها لانتظار الجماعة ففيه ثلاث طرق قيل: التقديم أفضل، وقيل: التأخير، وقيل: قولان.
قلت: قطع معظم العراقيين بأن التأخير للجماعة أفضل، ومعظم الخراسانين بأن التقديم منفردًا أفضل، وقال جماعة: هو كالتيمم فإن تيقن الجماعة في آخر الوقت فالتأخير أفضل، وإن ظن عدمها فالتقديم أفضل، وإن رجاها فقولان فينبغي أن يتوسط فيقال: إن فحش التأخير فالتقديم أفضل وإن خف فالتأخير أفضل، وموضع الخلاف إذا اقتصر على صلاة واحدة فأما إذا صلى أول الوقت منفردًا وآخره في جماعة فهو النهاية في إحراز الفضيلة وقد جاء به الحديث في صحيح مسلم.
هذا كلامه في "الروضة" ولا يؤخذ منه ما يؤخذ من كلام الرافعي من كون هذه الطرق مفروضة في حال الظن بل يؤخذ منه أن الطريقين الأولين عامان وإلا لم يحسن الطريق الثالث المنفضل وهو فاسد بلا شك فكيف يقطع بأن التأخير أفضل عند [ظن] 7 الحصول، ولو عبر في الطريق الثالث بقوله: وقيل على القولين في التيمم لكان كلامه مستقيمًا مطابقًا لكلام الرافعي وحينئذ يكون التفصيل بين الفحش وعدمه راجعًا إلى حالة ظن

الجزء: 2 - الصفحة: 281

الجماعة وهو مراد النووي بلا شك وكأنه لما اختصر كلام الرافعي تصرف في حكاية الثالث فلزم الوهم.
الأمر الثاني: أنه إذا ظهر لك جميع ما قلناه ظهر لك أن كلام الرافعي ساكت عن حالة يقين الجماعة، وقد تعرض في "شرح المهذب" لهذه الحالة أعني لحالة اليقين فقال بعد حكاية الخلاف ما نصه: فإن أراد الاقتصار على صلاة واحدة فإن تيقن حصول الجماعة آخر الوقت فالتأخير أفضل لتحصيل شعارها الظاهر، ولأنها فرض كفاية على الصحيح في مذهبنا وفرض عين على وجه لنا وهو قول ابن خزيمة من أصحابنا وهو مذهب أحمد بن حنبل وطائفة ففي تحصيلها خروج من الخلاف ولم يقل أحد أنه يأثم بتأخيرها، ويحتمل أن يقال: إن فحش التأخير فالتقديم أفضل وإن خف فالانتظار أفضل هذا كلامه.
[وما ذكره ثانيًا من أن محله إذا اقتصر على صلاة واحد فيه نظر تقدم ذكره قبل هذا بقليل في الكلام] 8 على أنه إذا رجا الماء هل يستحب له التأخير أم لا؟ لكن الحديث الذي أشار إليه يعضده وهو ما ثبت في "صحيح مسلم" 9 أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخبر أنه سيجيء أئمة يؤخرون الصلاة عن أول وقتها قال: فصلوا الصلاة لوقتها واجعلوا صلاتكم معهم نافلة.
الأمر الثالث: أن هذا الخلاف المذكور في أن الأفضل التقديم أو التأخير ينبغي تقييده بما إذا أوقع الصلاة كلها في الوقت، فإن خرج بعضها فلا شك في مرجوحيته وإن جعلناها أداء للخلاف المشهور في جوازه.

الجزء: 2 - الصفحة: 282

الأمر الرابع: أن النووي قد أسقط من "الروضة" قول الرافعي إلا لعدم فأفسد المعنى.
واعلم أنه قد يصور لك في أصل المسألة أن الشخص قد يتعلق به وجوب فعل ومع ذلك فالأفضل له ألا يفعله في ذلك الوقت بل يؤخر وله نظائر فمنها تأخير الصلاة ليصلي بالماء إذا تيقنه وتأخيرها في شدة الحر بالشروط المعروفة بخلاف زكاة الفطر فإنها تجب بالغروب ويستحب تأخيرها إلى يوم العيد قبل الصلاة كما قاله ابن الرفعة وغيره، ولكن رأيت في الأم في كتاب اختلاف مالك والشافعي أن ابن عمر يخرجها قبل الفطر بيومين أو ثلاث ثم قال ما نصه قال الشافعي: هذا حسن واستحسنه لمن فعله هذا لفظه بحروفه من "الأم" نقلته.
وبخلاف دم التمتع فإنه يجب بالإحرام بالحج ويستحب له تأخيره إلى يوم النحر كما قاله الرافعي وغيره ومسألة دم القران ففيه أفعال يوم النحر كالحلق وطواف الإفاضة، ورمى جمرة العقبة فإن وقتها يدخل بنصف الليل، ولكن يستحب تأخيرها إلى يوم النحر.
[فإذا] 10: تقررت هذه الصورة وما أشبهها فلو مات من أمرناه بتأخير الصلاة ونحوها قبل الفعل فيظهر ألا يعصي جزمًا لأن الفرض أنه ما فوت بالتأخير وقد أحسن باتباع الأمر فكيف يعصي وعلى هذا فيستثني من إصرار الخلاف في الصلاة وما أشبهما.

قوله: من "زياداته" قال صاحب الفروع: لو خاف فوات الجماعة لو أكمل الوضوء فلحاق الجماعة أولى وفيه نظر.
انتهى.

الجزء: 2 - الصفحة: 283

وهذا الحكم الذي نقله عن بعضهم وتوقف فيه قد ذكر مثله في "شرح المهذب"، وقد ارتضاه في التحقيق فإنه جزم له ولم ينقله عن أحدٍ قال: والمراد بإكمال الوضوء أن يأتي بآدابه.
قلت: إن للمسألة نظائر.
فمنها: إذا علم أنه لو قصد الصف الأول لفاتته الركعة، قال النووي في "شرح المهذب" والتحقيق: الذي أراه يحصل الصف إلا في الركعة الأخيرة فتحصيلها أولى وكلامه يدل على أنه لم يجد لأحدٍ فيها نقلًا ولم يذكرها في "الروضة".
ومنها: إذا ضاق الوقت عن سنن الصلاة وكانت بحيث لو أتى بها لم يدرك ركعة، ولو اقتصر على الواجب لأوقع الجميع في الوقت، ذكر البغوي في فتاويه ما حاصله أن السنن التي تجبر بالسجود يأتي بها بلا إشكال، وأما غيرها فالظاهر الإتيان بها أيضًا لأن الصديق - رضي الله عنه - كان يطوّل القراءة في الصبح حتى تطلع الشمس قال: ويحتمل ألا يأتي بها إلا إذا أدرك ركعة هذا حاصل كلامه وهي مسألة كثيرة الوقوع غزيرة النقل.
وفيما قاله نظر وينبغي ألا يجوز له فعل شئ من السنن إذا قلنا أن إخراج بعض الصلاة عن الوقت لا يجوز فأن المتوضئ إذا كان بحيث لو غسل كل عضو ثلاثًا لم يكف ماؤه قال البغوي في فتاويه يجب أن يغسل مرةً مرةً فلو غسل ثلاثًا فلم يكف وجب التيمم ولا يعيد لأنه صب الماء لغرض التثليب فليس كما لو صبه سفهًا وصار كما لو أمكن المريض أن يصلي قائمًا بالفاتحة فصلى قاعدًا بالسور جاز.

الجزء: 2 - الصفحة: 284

هذا كلامه وظاهره التعرض حيث قال: أولًا يجب، وقال آخرًا: جاز وكان مراده بقوله يجب إنما هو ينبغي لأن أخر الكلام صريح لا يحتمل تأويلًا لكن جزم النووي في أول باب فرض الوضوء وسنته من "شرح التنبيه" المسمى تحفه التنبيه بوجوب الاقتصار على فرائضه عند ضيق الوقت أو الماء عن سنته.

قوله: ولو انتهى إلى بئر وعلم أن النوبة لا تنتهي إليه إلا بعد خروج الوقت فقد نص فيه وفي مثله في الثوب الواحد يتناوب عليه جماعة من العراه أنه يصبر، ونص فيما لو اجتمعوا في سفينة فيها موضع واحد يمكن فيه الصلاة قائمًا ولا تجئ نوبيته إلا بعد خروج الوقت على أنه يصلي قاعدًا.
واختلف الأصحاب على طريقين أظهرهما على قولين بالنقل والتخريج، أظهرهما أنه يصلي في الوقت بالتيمم وعاريًا وقاعدًا لحرمة الوقت.
الثاني: يصبر لقدرته على الوضوء واللباس والقيام، والطريقة الثانية تقرير النصين والفرق أن القعود أسهل ولهذا جاز تركه في النقل بخلاف الوضوء والسنن انتهى ملخصًا.
وهذان التصحيحان أعني تصحيح طريقة التخريج وتصحيح الصلاة في الوقت بتيمم وبقعود وتعرى قد نقل النووي في أصل "الروضة" [طريقين] 11. أحدهما: وهو تصحيح التخريج وحذف الآخر وهو المقصود المعني به ثم ذكر من زياداته ما حذفه وضم إليه ما لم يحذفه فقال: قلت: الأصح من الطريقين إجراء القولين في الجمع وأظهرهما يصلي في الوقت بالتيمم

الجزء: 2 - الصفحة: 285

وعاريًا وقاعدًا ولا إعادة على المذهب هذه عبارته وهو اختصار عجيب، وذكر الرافعي المسألة في "الشرح الصغير" أيضًا كما ذكرها في الكبير.

قوله: وإذا وجد الجنب ماء لا يكفيه لغسله أو المحدث ما لا يكفيه لوضوئه: ففيه قولان: أحدهما: لا يلزمه استعماله بل يتيمم كما لو وجد بعض الرقبة في الكفارة.
وأصحهما: أنه يجب استعماله ثم يتيمم عن الباقي كما إذا كان بعض أعضائه صحيحًا والبعض جريحًا ثم قال: وأما إذا كان الشخص محدثًا ولم يجد إلا ما يصلح للمسح كثلج وبرد لا يذوب فالأظهر القطع بالاقتصار على التيمم وقيل على القولين.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن تصويرهم المسألة في الوجوب يشعر بجواز الاستعمال جزمًا وهو كذلك بل حكى في "شرح المهذب" الاتفاق على استحبابه حتى إذا استعمل المقدور عليه ثم قدر على الباقي فيكمل وفيه نظر ويقويه استدلالهم ببعض الرقبة فإنه كما لا يجب اعتاقه عن الكفارة لا يصح أيضًا.
الأمر الثاني: أنه لم يبين هو ولا النووي في "الروضة" حكم القضاء هل يجب أم لا؟ ، وقد بينه في "شرح المهذب" هنا فقال ما نصه: ولا إعادة عليه على المذهب، وبه قطع الجمهور وحكى الدارمي وجهًا أن الإعادة تجب.
ذكره في أول باب المياه، وقد ذكرته أنا هناك انتهى كلامه.
والأمر كما ذكره هناك لكنه ذكره مخالفًا للمذكور هنا فإنه حكى في الإعادة ثلاثة أوجه، وصحح الثالث وهو وجوبها على الحاضر دون المسافر ذكر ذلك قبيل قوله: قال المصنف: وما ينبع من الأرض إلى آخره.

الجزء: 2 - الصفحة: 286

قوله: فإن أوجبنا فيغسل المحدث وجهة ثم يديه على الترتيب ويغسل الجنب من جسده ما شاء ولكن الأولى أعضاء الوضوء والرأس.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن النووي في "الروضة" قد أهمل الرأس واقتضى كلامه مساواتها لباقي الجسد وأهملها أيضًا من التحقيق فقال: وأعضاء الوضوء أولى وقيل أعلا البدن.
الثاني: أنه في "شرح المهذب" قد حكى هذين الوجهين من غير ترجيح أعنى ما قاله الرافعي والقائل بأعالي بدنه ثم توسط بينهما فقال المختار البداءة بأعضاء الوضوء ثم بالرأس ثم بالشق الأيمن كما يفعل من يغسل جميع البدن.

قوله: والقولان محلهما إذا قدر أيضًا على التراب فإن لم يقدر عليه فالأظهر القطع بوجوب استعمال الناقص والفرق بينه وبين ما إذا وجد بعض الرقبة ولم يقدر على الصوم والإطعام حيث لا يؤمر بالإعتاق أن الكفارات [على التراخي.
انتهى كلامه.
وهو صريح في أن الكفارات] 12 الواجبة بالتعدي تكون على التراخى؛ لأنه مثل بكفارة الظهار والمجامع في رمضان، وهذه المسألة قد ذكرها الرافعي -رحمه الله- في مواضع من هذا الكتاب واختلف كلامه فيها اختلافًا عجيبًا وتبعه عليه في "الروضة" وقد أوضحت ذلك في كتاب الظهار.

قوله من "زوائده": ولو كان جنبًا أو محدثًا أو حائضًا وعلى يديه نجاسة ووجد ما يكفي أحدهما تعين للنجاسة فيغسلهما ثم يتيمم فلو تيمم ثم غسلها جاز على الأصح انتهى.
وجواز التيمم قبل غسل النجاسة قد صححه أيضًا من "زياداته" قبيل

الجزء: 2 - الصفحة: 287

الباب الئالث من كتاب التيمم فقال: ولو كانت يده نجسة فضرب بها على ترابٍ ومسح وجهه جاز على الأصح ولا يجوز مسح النجسة قطعًا انتهى كلامه.
[إذا علمت ذلك] 13 فقد صحيح في آخر باب الاستنجاء من زياداته أيضًا عكس هذين الموضعين فقال: ولو تيمم وعلى بدنه نجاسة أخرى فهو كالمتيمم قبل الاستنجاء وقيل: يصح قطعًا والصواب ما ذكره هناك وهو عدم الصحة فقد نص عليه الشافعي في "الأم" كما نقله عنه ابن الصباغ في "الشامل" وصححه هو والقاضي أبو الطيب والشيخ نصر والشاشي وغيرهم.
ولو طرأت عليه النجاسة بعد التيمم، وقلنا: إن التيمم معها لا يصح، قال الروياني فهو على الوجهين فيمن تيمم ثم ارتد والعياذ بالله تعالى.
[قوله] 14 ولو أتلف الماء في الوقت لغرض كشرب للحاجة أو غسل ثوب للنظافة أو تبرد فلا إعادة عليه.
انتهى.
وتعبيره بالغرض يشمل ما إذا كان السرف للتلذذ كما لو أذاب به سكرًا وشموله لذلك صحيح وقد نقله في "البحر" عن القفال وأنه ألحق بذلك ما إذا شك في طهارته فأراقه احتياطًا، وجزم بمثله في "التتمة" فإنه جعل الضابط في موضع الجزم ما إذا صرفه إلى مباح وموضع التردد الآتي عقب هذه المسألة ما إذا أتلفه عبثا ونقل في "البحر" عن بعضهم ما يوهم تخريج شربه للتلذذ على الإراقة سفهًا وليس كذلك.

قوله في المسألة: ولو أتلفه فيه لغير غرض وتيمم لم يلزمه القضاء في

الجزء: 2 - الصفحة: 288

أظهر الوجهين لأنه تيمم وهو عادم للماء وكما لو صب قبل الوقت، والثاني: يجب لعصيانه بخلاف ما قبل الوقت وبخلاف ما لو اجتاز بماء في الوقت فلم يتوضأ ثم بعُد عنه وصلى بالتيمم فإنه لا قضاء عليه قطعًا لأنه لم يضع شيئًا هنا، فإنما امتنع من التحصيل والتقصير في تفويت الحاصل أشد منه في الامتناع من تحصيل ما ليس بحاصل ورأيت في كلام الشيخ أبي محمد طرد الوجهين فيه وهو غريب.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره من عدم العصيان في الصب قبل الوقت [فيه نظر] 15 لأنه إضاعه مال: فالصواب تحريمه ولم يتعرض له في "الروضة"، ولو أحدث عمدًا لغير حاجة كما لو مس فرجه أو مس امرأة لغير سبب فيتجه الحاقه بالإتلاف بلا سبب.
الثاني: أن كلامه في مسألة الاختيار يوهم عدم وجوب الوضوء والقياس وجوبه ويدل عليه وجوب قبول الهبة، وبذلك يقوي ما ذهب إليه الشيخ أبو محمد من طرد الوجهين وفيه كلام يأتيك قريبًا.
[قوله] 16 ولو باعه أو وهبه لا لحاجة لم يصح في أشبه الوجهين لأنه عاجز عن تسليمه شرعًا فإن صححنا ففي وجوب القضاء ما ذكرناه في الصب لأنه فوته بإزالة الملك عنه، وإن قلنا بعدم الصحة فلم يقدر على استرداده قضاه وإن تلف ففي القضاء الخلاف في الصب ثم قال: وإذا أوجبنا القضاء في هذه الصورة ففي القدر المقضي ثلاثة أوجه: أصحها: يقتضي تلك الصلاة فقط.
والثاني: أغلب ما يؤديه بوضوء واحد.
والثالث: كل صلاة صلاها بالتيمم انتهى.

الجزء: 2 - الصفحة: 289

وهذا الوجه الثالث لم يحكه الرافعي على وجهه ولا يتصور الأخذ بظاهر ما حكاه فيه، فإن المراد من هذا الوجه أن يصلي صلوات بالتيمم من غير حدث هكذا بينه في "التهذيب" فقال: وقيل: يعيد ما صلى بالتيمم إلى أن أحدث هذا لفظه، وقد ذكره النووي في "الروضة" وذكره في "شرح المهذب" على الصواب، وحكاه عن البغوي وغيره ثم ضعفه، وما قبله فإنه يلزم قائله أن يقول: إن من توضأ ثم أحدث من غير ضرورة وصلى بالتيمم يعيد، واعلم أن ما صححوه من بطلان الهبة فيه نظر، فإنه لو وجبت عليه كفارة وهو يملك عبدًا فوهبه أو طولب بديون فوهب ما يملكه فإن الهبة تصح كما جزم به في "شرح المهذب" هنا.
واعلم أن التعبير بقوله في هذه الصور أعني بلفظ الجمع قد وقع في النسخ الصحيحة من الرافعي وهو الصواب، ووقع في بعضها بإثبات الياء وهو غير مستقيم.

قوله من "زوائده": قال أصحابنا وإذا قلنا لا تصح هبة هذا الماء فتلف في يد الموهوب له فلا ضمان عليه على المذهب.
انتهى.
وما ذكره من عدم الضمان مطرد في كل هبة فاسدة ووجهه أن الهبة الصحيحة لا ضمان فيها على القابض وفاسد كل عقد كصحيحه في الضمان وعدمه، وقد ذكر الرافعي المسألة في البيع والهبة والوصايا واختلف فيها كلامه وكلام النووي وسيأتيك ذلك إن شاء الله تعالى واضحًا في كتاب الهبة فراجعه.

قوله؛ ولو وهب منه الماء لزمه قبوله لأنه واجد والمنة فيه لا تعظم [انتهى] 17.

الجزء: 2 - الصفحة: 290

فإن لم يقبل وتيمم بعد عدم الماء أو امتناع مالكه من الهبة أثم وفي وجوب الإعادة الوجهان فيمن صب الماء بعد الوقت لغير غرض كذا قاله النووي في "شرح المهذب" والصواب في هذه المسألة تصحيح القطع بعدم الإعادة، فإن هذا من تفويت تحصيل ما ليس بحاصل لا من تفويت الحاصل وقد سبق إيضاحه قريبًا.

قوله: ولو أقرض منه الماء وجب قبوله في أصح الوجهين؛ لأنه إنما يطالب عند الوجدان وحينئذ يهون الخروج عن العهدة، ولو أقرض منه الثمن فإن كان معسرًا لم يلزمه قبوله، وإن كان موسرًا لكن الماء غائب فكذلك في أظهر الوجهين انتهى كلامه.
وقد اعترض عليه ابن الرفعة فقال: إن أراد بقوله عند الوجدان وجدان الماء فقد نص الشافعي على أنه إذا أتلف عليه ماء في المفازة ولقيه في بلد أخر وجبت القيمة في مفازة لأن الماء في البلد [قيمته وقد سلم هو والجمهور هذا النص وإن أراد وجدان قيمته في البلد] 18 فالثمن الذي يقرضه إياه مثله في المعنى وقد صحح أنه لا يلزمه قبول قرضه وهذا الاعتراض [ظاهر والتفريق بالتغليظ على الغاصب] 19 لا ينهض لأن النص مصور بما إذا مات وله في تركته ماء فصرفناه إلى العطشان.

قوله: ولو بيع الماء بنسيئة وهو معسر لم يجب قبوله وإن كان موسرًا وجب على الصحيح.
انتهى.
وصورة المسألة أن يكون الأجل ممتدًا إلى أن يصل بلد ماله وقد نبه عليه في "الروضة".

قوله: ولو وجد ثمن الماء واحتاج إليه لدين مستغرق أو نفقه حيوان محترم معه أو لمؤنة سفرة في ذهابه وإيابه لم يجب شراؤه، وإن فضل عن

الجزء: 2 - الصفحة: 291

هذا كله وجب الشراء إن بيع بثمن المثل.
انتهى.
تابعه على ذلك في "الروضة" وفيه أمور.
أحدها: أن المتجه اعتبار المسكن والخادم على خلاف ما يقتضيه كلامه.
الأمر الثاني: أن إطلاقه يقتضي أن لا فرق في الدين بين الحال والمؤجل وبه صرح في "الكفاية".
ولا في السفر بين الطاعة وغيرها من [الجائزات ولا يبين أن يريده في الحال أو بعد ذلك ولا يبيّن نفسه وغيره من] 20 مملوك وزوجة ورقيق ونحوهم ممن يخاف انقطاعهم وهو ظاهر بخلاف الدين لأنه لا يجب أداء دين الغير ويجب جملة عند الانقطاع.
نعم لو كان معسرًا ولا ينبه له فهل يجب إعطاؤه الخلاصة من عقوبة الحبس فيه نظر.
الأمر الثالث: إن تعبيره بعدم الوجوب يشعر بجواز بدله فيه لكنه لا يخفي تحريم ذلك في بعض الصور.
الأمر الرابع: إن تقييد الدين بكونه في ذمته قد حذفه من "الروضة" وهو أصوب ليدخل فيه ما إذا ضمن دينًا في عين من أعيان أمواله وأعار شيئًا لغيره ليرهنه كما تعرفه في موضعه ولا يرد علينا دين الغير لأنه لا يقال فيه أنه تحتاج إلى وفائه.

قوله: وفي ضبط ثمن المثل أوجه أظهرها عند الأكثرين: أنه ثمنه في ذلك الموضع في تلك الحالة.
والثاني: فيه ولكن فى غالب الحالات وبه قال أبو إسحاق واختاره الروياني.
والثالث: قدر أجرة نقله إلى ذلك الموضع قال في "الوسيط": سواء قلنا الماء مملوك أم لا.
انتهى.

الجزء: 2 - الصفحة: 292

فيه أمور: أحدها: أن الوجه الأول قال به الدارمي وصححه الفوراني في "الإبانة" ونقله الإمام عن الأكثرين، فقلده فيه الرافعي، ومشى عليه النووي والأكثرين على تصحيح الثاني فقد قال به مع من تقدم أيضًا الشيخ أبو حامد كما نقله عنه النووي في "شرح المهذب" والبندنيجي والمحاملي نقلًا عن أبي إسحاق ساكتين عليه، وسليم في "المجرد" والقاضي أبو الطيب والماوردي والفوراني في "العمد" وابن الصباغ والجرجاني في "الشافي" وصوبه الروياني في "البحر" وقال: إن الوجهين في الآخيرين ضعيفان، وجزم به الشيخ نصر المقدسي في كتابه المسمى "بالمقصود" والطبري صاحب "العدة" وهو أبو عبد الله الحسين أبو المكارم وسكت عن الترجيح جماعة منهم صاحب التهذيب و"التتمة" و"البيان" وغيرهم ولم يختر الإمام ما نقله عن الأكثرين بل قال الأقرب عندي أن يقال: تغيير الزمان والمكان من غير انتهاء الأمر إلى حالة سد الرمق.
الأمر الثاني: أن الغزالي في "البسيط" قد جعل اعتبار الأجرة مفرعًا على أن الماء لا يملك على خلاف ما في "الوسيط".
الأمر الثالث: أن الرافعي قد فرع على الوجه الأخير مسألة حسنة توقف فيها وحذفها النووي فقال وعلى هذا فالأجرة تختلف باختلاف المسافة طولًا وقصرًا فيجوز أن تعبير الوسيط المقتصد ويجوز أن تعبير الحد الذي يسعى إليه المسافر عند تيقن الماء [فإن ذلك الحد لو لم يقدر على المسعى إليه بنفسه واحتاج إلى بذل إلى الأجرة الماء] 21 إليه لزمه بذلها إذا كان واجدًا لها.

قوله في "الروضة": ولو منع منه آلات الاستقاء أو أجرت بثمن المثل وأجرته وجب القبول فإن زادت لم تجب كذا قاله الأصحاب، ولو قيل: يجب التحصيل ما لم تجاوز الزيادة ثمن مثل الماء لكان حسنًا.
انتهى.

الجزء: 2 - الصفحة: 293

وهذا الذي ذكره بحثًا محله في البيع خاصة لا في الإجارة، وقد أشار الرافعي إلى ذلك في تعليل ذكره عقبه، ولكن حذفه النووي فقال؛ لأن الآلة المشتراه تبقى له وقدر ثمن المثل يحتمل التلف في هذه الجهة، هذه عبارته وهو واضح؛ لأن المنفعة استهلكت لغرض تحصيل الماء فلا وجه للزيادة بخلاف الأعيان.

قوله: ولو لم يجد إلا ثوبًا وقدر على شده في الدلو ليستقي لزمه ذلك فلو لم يكن دلو وأمكنه إدلاؤه في البئر ليبتل ويعصر منه ما يوضئه لزمه فلو لم يصل إلى الماء وأمكن شق وشد بعضه ببعض لزمه، هذا كله إذا لم يحصل في الثوب نقص يزيد على أكثر الأمرين من ثمن المثل وأجره الحبل انتهى كلامه.
تابعه عليه في "الروضة" وخالف في "شرح المهذب" فاعتبر في الإدلاء نقصائه عن ثمن الماء، وقال في الشق، فإن كان نقصه بالشق لا يزيد على الأكثر من ثمن المثل وعن آلة الاستقاء لزمه.
هذه عبارته.
وفيه مخالفة أخرى مع ما ذكرناه وهي تعبيره بقوله وثمن آلة الإستقاء والظاهر أنه أراد أجرة الآلة فسبق القلم إلى الثمن؛ لأن الآلة ما ليتها باقية بعد الاستقاء والشق لا جائز له واعتبار أكثر الأمرين ذكره الشاشي وادعى أنه الصواب فتابعاه عليه:

قوله: وغير المحترم من الحيوان هو الحربي والمرتد والخنزير، والكلب العقور.
[انتهى.
وتقييد الكلب الذي ليس بمحترم بالعقور يدل على أن غير العقور] 22 محترم لا يجوز قتله وبه صرح في كتاب الأطعمة في الباب الثاني المعقود للاضطرار فقال: إنه محترم يجب إطعامه وسقيه إذا كان مضطرًا قال بخلاف المرتد والخنزير والكلب العقور.

الجزء: 2 - الصفحة: 294

ثم ذكر ما يخالف ذلك في موضعين من هذا الكتاب.
أحدهما: في باب محرمات الإحرام في أوائل النوع السابع فقال: ومن الحيوان ما لا يظهر فيه نفع ولا ضرر كالخنافس والجعلان والسرطان والرخمة والكلب الذي ليس بعقور فيكره قتلها هذا كلامه ولا يمكن حمل الكراهة هنا على التحريم؛ لأن غير الكلب مما ذكره لا يحرم قطعًا.
والموضع الثاني في كتاب الغصب فإنه نقل عن الإمام هناك أنه غير محترم وأقر ذكر ذلك في الكلام على ما إذا غضب خيطًا وخاط به جرح حيوان وجزم به في "الشرح الصغير" هناك أيضًا ولم يعزه إلى الإمام وجزم أيضًا بجواز قتلها في "شرح مسند الشافعي"، وقد سلم "الشرح الصغير" من الاختلاف فإنه أجاب بالجواز في الحج والغصب ولم يتعرض له في غيرهما.
واعلم أن النووي -رحمه الله- قد اختلف أيضًا كلامه في هذه المسألة فإنه تابع الرافعي على هذه المواضع الواقعة في "الشرح الكبير" وزاد في الحج فقال قوله: إن الكلب الذي ليس بعقور يكره قتله مراده كراهة تنزيه وفي كلام غيره ما يقتضي التحريم، ونقل في "شرح مسلم" عن الأصحاب أنه لا يجوز قتله ولم يحك فيه خلافًا.
ذكر ذلك في باب حكم الولوغ، وقد اختلف أيضًا كلامه في "شرح المهذب" فجزم المهذب في التيمم بأنه غير محترم وحكى في الحج وجهين أو صحح أنه محترم وجزم به في باب ما يجوز بيعه وادعى أنه لا خلاف فيه فإنه قال ما نصه: قال أصحابنا: وإن لم يكن الكلب عقورًا ولا كلبًا لم يجز قتله سواء كان فيه منفعة أم لا وسواء أكان أسود أم لا وهذا كله لا خلاف فيه بين أصحابنا هذا لفظه بحروفه وهو تناقض عجيب، حيث يقول: لا خلاف فيه ثم يصح عكسه وقد جزم بالتحريم القاضي الحسين والماوردي وإمام الحرمين في باب بيع الكلاب، ويتحرر من ذلك أن الإمام أيضًا قد اختلف كلامه، وبالجملة فمذهب الشافعي جواز قتله

الجزء: 2 - الصفحة: 295

صرح به في "الأم" في باب الخلاف في ثمن الكلاب.

قوله في "الروضة": ولا يكلف أن يتوضأ بالماء ثم يجمعه ويشربه [على المذهب] 23 انتهى.
وفيه أمران: أحدهما: أن كلامه يشعر بأنه يجب تعاطي ذلك عند الاحتياج إلى سقى غيره وهو ظاهر منقاس في الحيوان، وأما الآدمي ففيه نظر.
الثاني: أن هذا الكلام يقتضي أن الرافعي قد حكي في المسألة طريقين وليس كذلك بل لم يصرح بحكاية خلاف بالكلية، فإنه قال بعد جزمه بأن العطشان يشربه ما نصه: وكان والدى -رحمه الله- يقول: ينبغي أن يقال لو قدر على التطهير به وجمعه في طوق ليشربه لزمه ذلك ولم يجز التيمم، وما ذكره يجئ وجهًا في المذهب؛ لأن أبا على الزجاجي ذكر كذا وكذا ثم ذكر ذلك اللفظ الذي سأذكره بعد ذلك فراجعه.

قوله: لأن أبا علي الزجاجي والماوردي وآخرين ذكروا أن من معه ماء طاهر وماء نجس وهو عطشان يشرب النجس ويتوضأ بالطاهر، فإذا أمر بشرب النجس ليتوضأ بالطاهر فأولى أن يؤمر بالوضوء ويشرب المستعمل.
انتهى كلامه.
زاد النووي على هذا فقال نقل الشاشى هذا عن الماوردي وأنكره، وقال: يشرب الطاهر وهذا هو الصحيح والله أعلم.
إذا علمت ذلك ففيه أمور: أحدها] 24: أن كلام الزجاجي مطابقا لما نقله عنه الرافعي فقد رأيت

الجزء: 2 - الصفحة: 296

كتابه الذي ينقل الرافعي والأصحاب عنه وهو "زيادات المفتاح" الملقب بالتهذيب فقال بعد كتاب الطهارة بنحو ورقة ما نصه: ولو كان مع المسافر ماءان طاهر ونجس توضأ بالطاهر، وحبس النجس للعطش هذا لفظه بحروفه، ومقتضاه أن العطش ليس حاصلًا الآن، وإنما هو متوقع ولهذا قال: وحبس النجس ودعوى الرافعي في الشرب حال الوضوء وبينهما فرق ظاهر إذا لا يلزم من إيجاب الوضوء بالطاهر إذا لم يكن به عطش إيجابه عند العطش.
وقد ذكر الشافعي في "الأم" نحو ما قاله الزجاجي فقال: إذا كان مع الرجل في السفر إناءان أحدهما طاهر والآخر نجس واشتبها عليه وكان يخاف العطش فيما بعد إن توضأ بالماء فإنه يتحرى ويتوضأ بالطاهر في ظنه ويمسك الآخر حتى إن احتاج إليه لعطشه شربه هكذا حكاه عنه صاحب "البيان" في باب الشك في نجاسة الماء وهو يؤيد الفرق أيضًا.
الأمر الثاني: أن ما نقله الرافعي واقتصر عليه من كونه يشرب النجس هو المفتى به لأمرين: أحدهما: أن الشافعي قد نص عليه في حرملة كذا رأيته في الرونق لأبي حامد وفي "اللباب" للمحاملي وفي تصنيف آخر يسمى بهذا الاسم أيضًا للإمام أبي حفص عمر بن عبد الله بن طاهر البستي جميعهم في أواخر الكتاب في كتاب الأشربة فقالوا: وقال في حرملة: إذا وجد ماءًا طاهرًا ونجسًا واحتاج إلى الطهارة توضأ بالطاهر ويشرب النجس انتهى.
الثاني: أن كلامه في "التحقيق" يدل على أنه المشهور فإنه قال: المختار أنه يشرب الطاهر وقد اصطلح في خطبته وخطبة التصحيح على أن المختار يحكم بكونه راجحًا في الدليل ويكون المشهور بخلافه.
[الأمر الثالث] 25: أنه لا يجوز له شرب النجس بين الوضوء والصلاة

الجزء: 2 - الصفحة: 297

وإلا كان مصليًا بالنجاسة بل ينبغي تقديمه عليهما ليتطهر فمه عند الوضوء فإن أخره عنهما فيتحمل المنع لأنه تنجس فمه نجاسة باقية مع قدرته على تطهيره، ويحتمل الجواز؛ لأن لغرض الشرب.

قوله: الثانية قال الشافعي - رضي الله عنه - إذا مات رجل له ماء ورفقاؤه يخافون العطش شربوه ويمموه وأدوا ثمنه واختلفوا في المراد بالثمن فقيل المثل؛ لأن الماء مثلي، وقيل القيمة لأن المسألة مفروضة فيما إذا رجعوا إلى بلدتهم ولا قيمة للماء بها انتهى.
فيه أمران: الأول: أن التقييد بكون الماء لا قيمة له قد حذفه من "الروضة".
الثاني: أن الصحيح وجوب القيمة كذا صححه الرافعي في كتاب الغصب والنووي في "الروضة" هنا.
ونقل في "البحر" وجهين آخرين: أحدهما: قال: وهو الأصح إن أدوا في الموضع الذي شربوا فيه لم يلزم إلا المثل وإن أدوا في غير ذلك الموضع فعليهم قيمته التي كانت في موضع الإتلاف.
والثاني: قال: وهو حسن إن غرم في غير موضع الإتلاف ولكن لها قيمة في ذلك الموضع.
وجب المثل وإن كان أقل من قيمة يوم الإتلاف لأن نقصان قيمة المثل لا تؤثر في الحكم وإن غرم في موضع لا قيمة للماء فيه أصلًا وجب القيمة.

قوله: ولو أوصى بماءٍ لأولى الناس به أو وكل من يصرفه له فحصر محتاجون فيقدم الميت على المتنجس في أصح الوجهين لأنه خاتمة أمره ولأن المقصود من غسل الميت تنظيفه والتراب لا يفيد ذلك وغرض الحي استباحة الصلاة وإسقاط الفرض وهذا الغرض يحصل بالتيمم حصوله بالغسل،

الجزء: 2 - الصفحة: 298

وقيل: بالعكس لأن النجاسة لا بدل لها ثم قال: ولا خلاف أنه إذا كان على بدن الميت نجاسة فهو أولى.
انتهى.
وما ذكره من إطلاق عدم الخلاف في تقديم المتنجس الميت على التنجس الحي قد تابعه عليه في "الروضة" "وشرح المهذب" وهو صحيح إذا عمت النجاسة بدن الميت لأنا إن قلنا أن الغسلة الواحدة تكفي عن الحدث والخبث فلحصول الواجبين ولاجتماع المعنيين السابقين وهما خاتمة الأمر وعدم البدل، وإن قلنا: إنها لا تكفي فلاجتماع المعنيين وإن لم يعم بدنه فالقياس تقديمه في غسل ما أصابته النجاسة وأن يأتي فيما عداه الوجهان السابقان في اجتماع الميت ومن عليه النجاسة بل هي المسألة بعينها ولا فرق في ذلك بين أن نقول: إن الغسلة الواحدة لا تكفي كما قاله الرافعي أو أنها تكفي كما قاله النووي.

قوله: وإن اجتمع ميتان والماء لا يكفي إلا أحدهما فإن كان الماء موجودًا قبل موتهما وماتا على الترتيب فالأول أولى فإن ماتا معًا، أو وجد الماء بعد موتهما فأفضلهما أولى، فإن استويا أقرع بينهما.
انتهى.
تابعه على ذلك في "الروضة" و"شرح المهذب" وفيه أمران: أحدهما: أن موتهما له خمسة أحوال ذكر منها الرافعي ومن تبعه حالتين فقط وهما إذا ماتا معًا وإذا ماتا على الترتيب أي والسابق معلوم وأهمل ما إذا لم يعلم هل ماتا على الترتيب أو المعية، وما إذا علم الترتيب ولكن لم يعلم السابق، أو علم ولكنه نُسى.
والقياس في هذه الثلاث أن يكون كمعلوم المعية.
الأمر الثاني: أن الأصحاب قد ذكروا في صلاة الجماعة أن الحر يقدم على العبد وأن البالغ يقدم على الصبي وأنه يرجح أيضًا بالفقه والقراءة والورع والسن والنسب والهجرة وفرعوا عليها تفاريع وتكلموا على المقدم منها عند التعارض ثم رجحوا عند التساوي في هذه الصفات بأمور أخرى

الجزء: 2 - الصفحة: 299

كنظافة الثوب والبدن وحسن الصوت والصورة وطيب الصنعة، وقالوا في صلاة الجنازة إذا حضرت موتي من نوع واحد قدم إلى الأمام أفضلهم قالوا والعبرة بالخصال التي تُرغب في الصلاة عليه، ويغلب على الظن كونه أقرب من رحمة الله ولا يقدم بالحرية.
إذا علمت ذلك فالأَقرب هنا إلحاقه بالجنازة حتى لا يقدم بالحرية ولا بالنسب ويتجه على هذا تقديم الصبي على البالغ وفي التقديم بالأبوة على البنوة وبالذكورة على الأنوثة نظر والظاهر عدمه إلا أنهم في الوضع في اللحد قالوا: إنه يقدم الأب على الابن والأم على البنت.

قوله: ثم المتنجس على الحدث لما سبق من أن الماء في النجاسة لا بدل له.
انتهى.
تبعه في "الروضة" على إطلاق تقديم المتنجس على المحدث لكنه أعني النووي قد جزم في "التحقيق" بأن المحدث إذا كان عليه نجاسة ووجد ما يكفي أحدهما فإن كان مسافرًا تعين لإزالة النجاسة؛ لأنه إذا فعل ذلك وتيمم سقط القضاء، وإن كان حاضرًا يخير للزوم القضاء على كل حال.
وهذا الذي قاله في الشخص الواحد يلزم منه مجيئه في الشخصين؛ لأن العلة بعينها موجودة فيهما، وحينئذ فيقرع بين المتنجس والمحدث إذا كانا حاضرين إلا أنه في "شرح المهذب" إنما نقل التفصيل المذكور عن القاضي أبي الطيب خاصة بعد أن نقل عن الأصحاب أنهم أطلقوا المسألة بل جزم البغوي في فتاويه والحالة هذه بوجوب استعماله في النجاسة على عكس ما في "التحقيق" وقاس عليه ما إذا كان معه مدد واحتاج إلى التيمم والاستنجاء فإنه يستنجي به، وإن كان حاضرًا وما قاله البغوي هو مقتضى التعليل المتقدم من كونه لابد له وهو الظاهر فليعمل به.

قوله: والحائض أولى من الجنب لأن حدثها أغلظ بدليل تحريم الوطء وإسقاط فرض الصلاة، وقيل: بالعكس لأن الصحابة اختلفوا في تيمم

الجزء: 2 - الصفحة: 300

الجنب ولم يختلفوا في تيمم الحائض، وقيل: هما سواء.
وعلى هذا لو طلب أحدهما القسمة والآخر القرعة، فالقرعة أولى في أظهر الوجهين، وإن اتفقا على القسمة جاز إن أوجبنا استعمال الماء الناقص وإلا لم يجز لأنه تضييع.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن المراد بالوجه الثالث: إنما هو مساواة الجنابة للحيض حتى يقدم الأفضل منهما قبل القرعة أو القسمة إن كان فيهما أفضل على خلاف ما يوهمه كلام "الشرحين" و"الروضة".
الأمر الثاني: أن تعليله بالتضييع يقتضي أنه كما لا يجب استعمال الماء الناقص على هذا القول لا يجوز استعماله أيضًا، وفيه كلام سبق في موضعه.

قوله: وهذا كله إذا عين المالك مفازة، فإن أطلق وقال: اصرفوه لأولى الناس به فينبغي أن يبحث عن المحتاجين في غير ذلك المكان أيضًا، كما لو أوصى لأعلم الناس إلا أن حفظ الماء ونقله إلى مفازة أخرى كالمستبعد.
انتهى.
وهذا الفرع حذفه جميعه من "الروضة".

قوله [في "الروضة"] 26: ولو انتهى هؤلاء المحتاجون إلى مباح واستووا في إحرازه واثبات اليد عليه ملكوه بالسوية، ولا يجوز لأحد أن يبذل نصيبه لغيره وإن كان أحوج منه كذا قاله الإمام والغزالي وقال أكثر الأصحاب يقدم الأحوج فالأحوج كالوصية ولا منافاة بين الكلامين وأراد الأصحاب أن المستحب تقديم الأحوج وأنهم لو تنازعوا كان كما قاله إمام

الجزء: 2 - الصفحة: 301

الحرمين ويمكن أن ينازعهم في الاستحباب، ويقول لا يجوز العدول عما يتمكن منه للطهارة انتهى كلامه بحروفه.
وهو كلام عجيب يخالف بعضه بعضًا؛ لأنه ادعى أولًا عدم المنافاة [بين الكلامين] 27 مع أن الإمام والغزالي قائلان بأن الإعطاء لا يجوز والأكثرون قائلون: بأن الإعطاء يستحب على هذا التقدير وهو الملك.
وأى التئام بين هذين ثم إنه كيف يستحب للمالك أن يبذل ماءه وقد ذكر هو وغيره أن المالك لا يجوز له اعطاؤه لأحد غير العطشان وهو مما لا خلاف فيه.
وبالجملة فهذا الغلط إنما حصل من اختصار النووي، وأما كلام الرافعي فصحيح، فإنه جمع بينهما بأن الانتهاء إلى الماء إن حصل معه الاستيلاء والإحراز ملكوه وهو مراد الإمام والغزالي، وإن لم يحصل معه ذلك فلا ملك، وفيه تكلم الأَكثرون وقالوا يستحب لغير الأحوج ترك الإحراز للأحوج حتى لو أحرز امتنع البذل، ثم أورد أعني الرافعي السؤال المذكور في "الروضة" فقال في الجمع بينهما ما نصه ولا منافاة بين الكلامين؛ لأن هؤلاء أي أكثر الأصحاب أرادوا التقديم على سبيل الاستحباب وكأنهم يقولون: مجرد الانتهاء إلى الماء المتاح لا يقتضي الملك، وإنما يثبت الملك بالاستيلاء والإحراز و [فيستحب لغير الأحوج ترك الإحراز والإستيلاء إيثارًا للأحوج] 28 هؤلاء يسلمون أنهم لو لم يفعلوا ذلك واستولوا عليه وازدحموا لكأن الأمر على ما ذكره الإمام والغزالي، هذا كلام الرافعي، وهو صحيح لا إشكال فيه والإشكال الذي ذكره ظاهر، فإن إطلاقهم يقتضي أن المالك لو وهب لغير الأحوج لكان يجب عليه القبول، فكذلك ما نحن فيه.

قوله: الثانية لو أدرج الماء في رحله من غير شعوره به فتيمم على اعتقاد

الجزء: 2 - الصفحة: 302

ألا ماء عنده ثم تبين الحال فطريقان.
إحداهما: القطع بنفي الإعادة.
والثانية: وهي أظهر عند علماء الأصحاب أن فيه قولين: أصحهما عدم الإعادة، ولو تبين أن بقربه بئرًا ولم يكن علم بها أصلًا فهو نظير هذه المسألة.
انتهى ملخصًا.
وفيه أمران.
أحدهما: أن تصحيحه طريقة القولين قد تابعه عليه في "الروضة" ثم خالفه في "شرح الوسيط" المسمى "بالتنقيح" فقال: أصح الطريقين القطع بأنه لا إعادة ولم يصرح في "شرح المهذب" بتصحيح شئ من الطريقين إلا أنه نقل أن الإمام والغزالي في "البسيط" صححا طريقة القطع ولم يذكر شيئًا غيره.
الأمر الثاني: أن إلحاقه مسألة البئر بإدراج الماء قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" ثم خالفه في "شرح المهذب" فصحح وجهًا، ثالثًا وهو أن البئر إن كانت ظاهرة الأعلام بينة الآثار وجب الإعادة لتقصيره، وإن كانت خفية لم يجب لعدم تقصيره، وقد أطلق الجمهور هذه المسألة، وقال البغوي: إن طلبة في رحلة فلم يجده فذهب للطلب من موضع آخر فادرج في غيبته فلا إعادة، وإن لم يطلب من رحله لعلمه أن لا ماء فيه وكان قد أدرج ولم يعلم فالأصح وجوبها لتقصيره، وهذا التفصيل جيد وسيأتي الكلام فيه في نظير هذه المسألة.

قوله: إحداها: لو نسى الماء في رحله فتيمم على ظن ألا ماء عنده ثم تبين الحال نص في "المختصر" على وجوب الإعادة.
والقديم ونفاه بعضهم عدم وجوبها.
انتهى.
وإطلاقه يقتضي أنه لا فرق في هذه المسألة بين أن يقع منه طلب الماء

الجزء: 2 - الصفحة: 303

أم لا، وكذلك إطلاق "الشرح الصغير" و"المحرر" و"الروضة" و"المنهاج" ويتصور عدم الطلب بأن يكون معتمدًا اعتقادًا جازمًا بالعدم وقيد المسألة في "شرح المهذب" بما إذا تقدم الطلب وهو يقتضي أنه إذا وجد الاعتقاد المذكور فتيمم بلا طلب ثم تذكر الماء قضى قولًا واحدًا، وبه صرح في "الإقليد".

قوله: الثانية: لو نسي ثمن الماء قال ابن كج: يحتمل أن يكون كنسيان الماء ويحتمل غيره والأول أظهر.
انتهى.
وهذا الموضع قد اختصره في "الروضة" اختصارًا غير مطابق فاعلمه.

قوله: الثالثة: لو كان في رحله ماء فأضله ثم وجده نظر إن لم يمعن في الطلب فعليه القضاء لتقصيره وإن أمعن حتى غلب على ظنه فقد الماء فقولان: أحدهما لا إعادة لأنه لم يفرط في البحث والطلب.
وأظهرهما أنها تجب لأنه عذر نادر لا يدوم قال الأئمة، والقولان مخرجان على القولين فيمن اجتهد في القبلة وصلى ثم تيقن الخطأ، ولذلك يقول بعضهم في المسألة وجهان.
انتهى.
وهذا الكلام قد اختصره في "الروضة" بقوله: الثالثة: لو أضل الماء في رحله وصلى بالتيمم فإن لم يمعن في الطلب وجبت الإعادة وإن أمعن حتى ظن العدم وجبت أيضًا على الأظهر، وقيل: الأصح هذه عبارته.
إذا علمت ذلك ففيما ذكره أمور.
أحدها: أن تقييد الرافعي المسألة بما إذا وجد الماء بعد ذلك يقتضي الجزم بعدم وجوب القضاء فيما إذا لم يجده وهو متجه وتقييده أيضًا بما إذا غلب على ظنه العدم إما لسرقة أو نحوها للاحتراز عما إذا تحقق بقاؤه ولكنه التبس عليه وضاق الوقت، فإن قياس ما سبق في المزدحمين على البئر أنه لا

الجزء: 2 - الصفحة: 304

يتيمم بل يستمر على البحث إلى أن يجده بخلاف التوهم، وهذان القيدان قد ذكرهما أيضًا في "الشرح الصغير" وكذلك النووي في "شرح المهذب" وقد حذف من "الروضة" التقييد بما إذا وجده.
الأمر الثاني: أن ما ذكره في "الروضة" من الاختلاف في أن الخلاف قولان أو وجهان عجيب جدًا فإن الرافعي لم يذكر شيئًا من ذلك ولا أراده بل لما ذكر أنهما مخرجان أكدا التخريج وقواه بتصريح بعضهم بالوجهين، فإن الأقوال المخرجة يعبر عنها تارة بالوجوه وتارة بالأقوال: وإن كانت من قسم الوجوه لا من قسم الأقوال على الصحيح، ولهذا عكسه في "شرح المهذب" فقال فيه وجهان، وقيل: قولان وهما مخرجان هذه عبارته وهو تعبير صحيح.
الأمر الثالث: أن تعبيره بالقضاء يقتضي أن صورة المسألة فيما إذا وجده بعد الوقت ولم يتعرض لما إذا وجده في الوقت هل يكون حكمه حكم ما بعده أم يجب الإعادة جزمًا وفيه نظر.

قوله: الرابعة لو أضل رحله في الرحال فتيمم، فإن لم يمعن في الطلب وجبت الإعادة، وإن أمعن فطريقان أحدهما أنه على القولين المخرجين في إضلال الماء في الرحل.
والثاني: القطع بنفي الإعادة، وظاهر المذهب نفي الإعادة.
انتهى.
لم يصح شيئًا من الطريقين والصحيح طريقة القطع فقد قال الرافعي في "الشرح الصغير" إنها أصح الطريقين.
وصححها أيضًا النووي في "الروضة" ولم ينبه على أنه من زياداته بل أدخله في كلام الرافعي فقال: فالمذهب: أنه لا إعادة، وقيل: قولان،

الجزء: 2 - الصفحة: 305

وقيل: وجهان ثم خالف في "شرح المهذب" فصحح طريقة الخلاف فقال: أصحهما وأشهرهما أن فيه وجهين هذا لفظه.

قوله: أما إذا خاف من استعمال الماء بقاء الشين على بدنه فينظر إن خاف شيئًا قبيحًا على عضو ظاهر ففيه ثلاث طرق: أحدها: الجزم بالجواز، والثاني: الجزم بالمنع، والثالث: أنه على القولين المتقدمين.
وتجري الطرق في أشياء منها إذا خاف شدة الضنا، والمراد من الضنا المدنف الذي يجعله ضمنًا.
انتهى.
والمدنف بدال مهملة مشتق من الدنف بفتح الأول والثاني، وهو المرض الملازم يقول: دنف الرجل بالكسر فهو دنف بالكسر أيضًا، وأدنف بالألف مثله وأدنفه المرض يتعدى ولا يتعدى فهو مدنف بالكسر والفتح.
قاله الجوهري.
والضمن بكسر الميم هو المتألم، والضنا المرض يقول: ضنى بالكسر ضنًا شديدًا فهو رجل ضني بالفتح أيضًا، وضن نحو عم وعو بالنقض وأضناه المرض أي أثقله.
قاله الجوهري أيضًا.
وقال في "شرح المهذب" أيضًا هو الذي يخامر صاحبه، وكلما ظن أنه برئ نكس.

قوله في "الروضة": وإن خاف شيئًا يسيرًا كأثر الجدري والسواد القليل، أو شيئًا قبيحًا على غير الأعضاء الظاهرة لم يجز التيمم بلا خلاف.
انتهى كلامه.
وما ادعاه من عدم الخلاف ليس كذلك، فإن الخلاف ثابت في جميع ما ذكره كذا صرح به في "الإقليد" فقال: ولا شك أن ما لا ينقص الجمال من

الجزء: 2 - الصفحة: 306

الشين لا يؤثر وما ينقص الجمال فيه أوجه الإباحة والمنع.
والفرق بين الفاحش وغير الفاحش والفرق بين الظاهر والباطن هذه عبارته.
والذي ذكره من جريان الخلاف مطلقا هو مقتضى كلام الماوردي وغيره ولم يصرح الرافعي بنفي الخلاف.
والشين كما قاله الرافعي في الديات هو الأثر المستكره من تغير لون أو نحول أو استحشاف أو ثغرة تبقى أو لحمة تزيد.
والجدري بضم الجيم وفتح الدال وهو المرض المعروف.
واعلم أن الحكم المذكور في هاتين المسألتين مشكل، وذلك، لأن المتوضئ في هذه الحالة قد يكون عبدًا أو أمة فتنقص قيمتهما نقصانًا فاحشًا، فكيف لم يبيحوا التيمم لأجل هذا النقصان الكبير، وأباحوه فيما إذا امتنع المالك من البيع إلا بزيادة يسيرة.
وهذا الإشكال أورده الشيخ عز الدين وهو ظاهر لا جواب عنه اللهم إلا أن يلتزموا الجواز في ذلك فيلزمهم استثناؤه ولم يستثنه أحد بل المنع من التيمم في هذه الحالة مشكل مطلقًا حرًا كان أو عبدًا، فإن الفلس مثلًا أسهل على النفوس بلا شك من أثار الجدري على الوجه ومن الشين الفاحش في الأعضاء الباطنة، ولاسيما المرأة الشابة التي يقصد الاستمتاع بها.

قوله: والمراد من الظاهر ما يبدو في حال المهنة.
انتهى.
واعلم أن الرافعي قد ذكر في الجنايات في الاختلاف في سلامة الأَعضاء أن العضو الباطن هو ما يعتاد ستره مرؤة وقيل ما يجب ستره وحينئذ فيكون في الظاهر أيضًا وجهان.
أصحهما: ما لا يكون كشفه هتكًا للمروءة.
والثاني: ما عدا العورة.

الجزء: 2 - الصفحة: 307

وقد صرح بالوجهين هنا الشيخ تاج الدين في الإقليد وفي موافقة المجزوم به هنا لما صححوه هناك نظر.
والمهنة بفتح الميم قال الجوهري: المهنة بالفتح الخدمة، وحكى أبو زيد والكسائي المهنة بالكسر وأنكره الأصعمي هذا لفظ الجوهري.

قوله: من زياداته وإذا لم يوجد طبيب بشرطه.
قال الشيخ أبو على السنجي: لا يتيمم.
انتهى.
ذكر نحوه في "شرح المهذب" فقال: قال صاحب "البحر" قال أبو على السنجي: لا يتيمم ولم يزد على هذا، ولم أر لغيره موافقة له ولا مخالفة هذا كلامه، وهذا النقل عن السنجي صحيح فقد رأيته في "شرح الفروع " له لكن ذكر البغوي في فتاوية هذه المسألة وجزم بأنه يتيمم فتعارض الجوبان وإيجاب الوضوء أو الغسل مع الجهل بحال العلة التي هي مظنة للهلاك بعيد عن محاسن الشريعة فنستخير الله تعالى ونفتي بما قاله البغوى، ويدل عليه أيضًا ما نقله النووي في باب الأطعمة من "شرح المهذب" عن نقل الشافعي أنه إذا خاف المضطر أن الطعام الذي أحضره له غيره مسموم فإنه يجوز له تركه والانتقال إلى الميتة.

قوله في "أصل الروضة": وإذا احتاج إلى وضع الجبيرة لكسر أو انخلاع ولم يقدر على نزعها عند الطهارة وجب عليه غسل الصحيح على المذهب، وكذا مسح الجبيرة بالماء، ثم قال: وحكى قول ووجه أنه لا يجب مسحها بل يكفي الغسل مع التيمم.
انتهى.
وهذا الكلام لا يطابق كلام الرافعي، فإن الرافعي غاير بين القول والوجه، فحكى الوجه كما حكاه النووي، وأما القول فحكاه في الاكتفاء بالتيمم فقط.

الجزء: 2 - الصفحة: 308

قوله: ولا تتقدر مدة مسح الجبيرة بالماء على الأصح.
والثاني: أنها تتقدر بمدة الخف، قال الإمام: وهذا فيما إذا كان يتأتى الرفع بعد انقضاء كل يوم وليلة من غير ضرر فإن لم يكن فلا خلاف في جواز استدامته وإن كان يتأتى ذلك في كل طهارة لم يجز المسح ووجب النزع والغسل لا محالة.
انتهى كلامه.
وما نقله عن الإمام في بيان محل الخلاف وأقره عليه تابعه عليه في "الروضة" أيضًا ولم يعزه إلى الإمام وهو غير صحيح فإنه لا يمكن القول بعدم وجوب الرفع والغسل إذا تأتي من غير ضرر سواء كان بعد هذه المدة أو قبلها فكيف تتأتى التفرقة بين أن تأتي في كل طهارة أو بعد انقضاء المدة وقد تفطن في "شرح المهذب" لفساده إلا أنه لم يذكر تصويرًا صحيحًا ونحن نذكره فنقول: صورته فيما إذا انقضت المدة ولم يمكن النزع والغسل فإن كان على طهارة المسح نظر إن قلنا لا يتأقت صلى بهذه الطهارة، وإن قلنا: يتأقت فلابد من المسح بعد هذا من النزع وغسل العضو لكنه لا يتأنى فيمسح ويقضي كمن وضع على غير طهر، وإن انقضت بعد انتقاض طهارة المسح فإن قلنا: لا يتأقت فيمسح ويصلى ولا إعادة؛ لأنه قد وضع أولا على طهارة.
وإن أقتناه فلابد من تطهير العضو أى مع ما يترتب عليه قبل المسح عليه لكنه لا يتأتى فيمسح ويعيد، وذكر ابن الصلاح والنووي في التنقيح أن الخلاف لا يتصور ذاهلين عن التصوير الذي ذكرناه.

قوله: وإذا وضع الجبيرة ففي وجوب التيمم في حقه طريقان أظهرهما قولان: أصحهما: الوجوب لحديث جابر في المشجوج الذي احتلم واغتسل فدخل الماء شجته فمات أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إنما كان يكفيه أن يتيمم

الجزء: 2 - الصفحة: 309

ويعصب رأسه بخرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده" 29 ثم قال ما نصه: والطريق الثاني: أن ما تحت الجبيرة إن كان معلولًا بحيث لا يمكن غسله لو كان باديًا وجب التيمم كالجريح الذي ليس علي جرحه شئ فإنه يتيمم وإن كان يمكن غسله لو كان باديًا فلا حاجة إلى التيمم كالمسح على الخف.
انتهى.
وهذا الطريق قد انعكس على النووي في "الروضة" فقال من غير ذكر علة له ما نصه، والطريق الثاني: إن كان ما تحت الجبيرة عليلًا بحيث لا يجب غسله لو ظهر لم يجب التيمم وإلا وجب هذه عبارته، وقد ذكره على الصواب في "شرح المهذب".
والحديث المذكور رواه أبو داود بإسناد جيد لم يضعفه.

قوله: فإن قلنا يتيمم وكان جنبًا فهل يجب غسل الصحيح على التيمم؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه يجب لأنه الأصل كما إذا وجد من الماء ما لا يكفيه وأصحهما: أنه يتخير لأن التيمم هنا للعلة وهي مستمرة بخلاف تلك فإنه إنما يتيمم لعدم الماء فلابد من استعمال الموجود أولًا.
انتهى كلامه.
لم يتعرض -رحمه الله- إلى الأولى من الأمرين، بل كلامه يوهم استواءهما وليس كذلك، بل قد نص الشافعي - رضي الله عنه - على استحباب تأخير الغسل ليذهب الماء أثر التراب.
ولقائل أن يقول: الأولى تقديم ما ندب تقديمه في الغسل فإن كانت الجراحة في رأسه مثلًا غسل ما صح منها ثم يتيمم عن جرحه ثم يغسل باقي جسده، وقد ذكر صاحب "البيان" فيما إذا كان حدثه أصغر مثل ذلك ونقله

الجزء: 2 - الصفحة: 310

عنه في "الروضة" ثم قال: إنه حسن.

قوله في "الروضة": والصحيح اشتراط وضع الجبيرة على طهر فيجب النزع واستئناف الوضع على طهر إن أمكن وإلا فيترك ويجب القضاء بعد البرء بلا خلاف، وإن كان في الوضع على طهر خلاف هذا كله إذا لم يقدر على نزع الجبيرة عند الطهر، فإن قدر بلا ضرر وجب النزع وغسل الصحيح إن أمكن ومسحه بالتيمم إن كان في موضع التيمم ولم يمكن غسله.
انتهى كلامه.
وما ذكره من وجوب القضاء بلا خلاف غلط عجيب، فإن في المسألة ثلاثة أقوال مشهورة، وقد ذكرها الرافعي في آخر كتاب التيمم، ولم يذكر الرافعي هنا ما ذكره النووي من نفي الخلاف بل اقتصر على الوجوب، وتعبيره بقوله وغسل الصحيح غلط أيضًا، فإن الصورة أنه عليل إما بالجرح أو بالكسر، وعبر الرافعي بقوله: وغسل ذلك الموضع.

قوله: فإن لم يحتج إلى الجبيرة غسل الصحيح، وهل يحتاج إلى ضم التيمم؟ فيه الخلاف السابق في الحالة الأولى وهي وضع الجبيرة.
انتهى.
وهذا الذي ذكره من ثبوت خلاف في هذه الحالة عجيب، وقد استدرك ذلك عليه في "الروضة" وأوضحه فقال: إنه غلط ولم أره لأحد من أصحابنا وكأنه اشتبه عليه قال: فالصواب الجزم بوجوب التيمم لئلا يبقى موضع الكسر بلا طهارة أي بخلاف الحالة الأولى لأن المسح على الجبيرة قائم مقام غسل العضو.

قوله: ولا يجب مسح موضع العلة بالماء وإن كان لا يخاف من المسح فإن الواجب الغسل وإذا تعذر ذلك فلا فائدة في المسح بخلاف المسح على الجيرة فإنه مسح على حائل الخف وقد ورد الخبر به هكذا ذكره الأئمة وللشافعي - رضي الله عنه - نص مسافه وجوب المسح، وليس هذا موضع ذكره

الجزء: 2 - الصفحة: 311

انتهى كلامه.
ذكر نحوه في "الروضة" والوقوف على حقيقته موقوف على مقدمة وهي: أن الكلام في المسح يفرض في مسألتين.
إحداهما: ما يقرب من العليل، فإذا خاف من غسله انتشار الماء وضع بقرب الجراحة خرقة مبلولة وتحامل ليقطر منها ماء يغسل الصحيح الملاصق للجريح، فإن لم يمكنه ذلك فقد نص الشافعي على إمساسه بالماء فقال: إن خاف لو أفاض الماء إصابة الجريح أمس الماء إمساسًا لا يفيض، وأجزأه ذلك إذا أمس الشعر والبشرة هذا لفظه في "الأم"، وجزم به أيضًا صاحب "التهذيب" و"البحر" وغيرهما.
المسألة الثانية: مسح العليل نفسه وقد جزم الأصحاب بعدم وجوبه ونقلوا فيه الاتفاق وعللوه بما ذكره الرافعي، وقد ذكر في "شرح المهذب" جميع ما ذكرته، وذكره أيضًا في "التحقيق" مختصرًا فقال: ولا يجب مسح الجرح بماءٍ وإن لم يضره ثم قال: فإن خاف انتشار الماء وضع بقرب الجرح خرقة مبلولة وعصرها فإن تعذر أمسه بلا إفاضة نص عليه وجزموا به هذه عبارته.
إذا علمت جميع ما ذكرناه علمت أن النص الوجب للمسح ليس محله في المسألة الثانية، وإنما محله في الأولى ولم يذكرها الرافعي بالكلية أعني الأولى غير أن إيجابه فيها يقتضي إيجابه في الثانية أيضًا لاشتراكهما في المعنى وهو الإتيان بالمقدور عليه فلهذا عبر الرافعي بقوله مسافة الوجوب، وليس هذا موضع ذكره أي أن الشافعي لم ينص عليه في هذه المسألة، وإنما نص عليه في نظيرها وذلك يسوق إلى الوجوب في هذه هذا هو معنى كلامه فتفطن له فإنه من الأمور المهمة.

الجزء: 2 - الصفحة: 312

قوله: وهل يجب إلقاء الساتر من لصوق أو جبيرة عند إمكانه للمسح عليه؟ فيه وجهان ذهب الشيخ أبو محمد إلى الوجوب وخالفه الأكثرون، ولو كان على طهارة كاملة وأرهقه الحدث ووجد من الماء ما يكفيه لوجهه ويديه ورأسه ونقص عن رجليه ولو لبس الخف لأمكنه أن يمسح قال الإمام: قياس ما ذكره شيخي إيجاب ذلك وهو بعيد عندي ولشيخي أن يفصل بأن المسح رخصة محضة فلا يليق بها إيجاب لبس الخف وما نحن فيه من مسالك الضرورات فيجب فيه الإتيان بالممكن وقد أمكن المسح بإلقاء الخرقة.
واعلم أن من يقول بوجوب الإلقاء يأمر به قبل الحدث ليمسح عليه إذا تطهر بعد الحدث؛ لأن الطهارة شرط عند إلقاء الجبيرة كما بيناه من قبل، وإذا كان الشخص متطهرًا فيضعف الوجوب في الصورتين؛ لأنه إن لم يؤد وظيفة الوقت فهو متمكن من أدائها بهذه الطهارة، فلا يكلف والحالة هذا بطهارة أخرى، والطهارة التي لا يكلف بها لا تختلف بإعداد أسبابها، ولهذا لا يؤمر بإمساك الماء لأجل الصلاة التي لم يدخل وقتها، وإن أدى وظيفة الوقت فليس عليه طهارة أخرى حتى يدخل وقت الصلاة الأخرى، فلا يكلف بإعداد أسبابها.
انتهى ملخصًا.
وهذا التوقف من الرافعي في تصوير المسألة عجيب فإن تصويرها واضح وهو أن يكون على طهارة ولم يؤد الفريضة، وقد أرهقه الحدث فلم يتمكن من أدائها، وهذا التصوير قد نقله الرافعي من جملة ما نقله عن الإمام في مسألة الخف وهو بعينه يأتي في الجبيرة لأن الكلام عند الإمكان ومحله الإمكان في هذه الحالة.

قوله: وإذا اغتسل الصحيح وتيمم لمرض أو نحوه وصلى فريضة فله أن

الجزء: 2 - الصفحة: 313

يصلى بها ما شاء من النوافل ولابد من إعادة التيمم للفريضة الأخرى وهل يجب إعادة الوضوء إن كان محدثًا فيه طريقان: أحدهما: أن فيه قولين كما لو نزع الماسح الخف أو انقضت المدة هل يستأنف الوضوء أو يقتصر على غسل الرجلين فيه قولان ووجه الشبه أن الطهارة في الصورتين كملت من جنسين أصل وبدل، فإذا بطل حكم البدل هل يبطل الأصل حتى يؤمر بالاستئناف أم لا؟ والطريق الثاني: القطع بنفي الاستئناف؛ لأن التيمم طهارة مستقلة في الجملة فلا يلزم بارتفاع حكمها انتقاض طهارة أخرى، وهذا الخلاف جار في الجنب إذا غسل الصحيح من بدنه وتيمم للعليل فصلى هل تفتقر الفريضة الثانية إلى استئناف الغسل مع التيمم؟ انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن الصحيح هي الطريقة القاطعة كذا صححها الرافعي في "الشرح الصغير" والنووي في "الروضة" وغيرها ولم ينبه في "الروضة" على أنه من زياداته بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.
الأمر الثاني: أن إجراء الخلاف في الغسل قد تابعه عليه في "الروضة" وعبر بقوله: وهل يجب إعادة الوضوء إن كان محدثًا أو الغسل إن كان جنبًا فيه طريقان هذه عبارته وأنكر ذلك في "شرح المهذب" فقال: فإن كان جنبًا أعاد التيمم دون الغسل بالاتفاق كذا قاله الأصحاب في [كل] 30 الطرق وقال الرافعي: في إعادة الغسل خلاف كما في المحدث وهذا ضعيف متروك.
هذه عبارته.

قوله من زياداته: قال البغوي وغيره وإذا كان جنبًا والجراحة في غير أعضاء الوضوء فغسل الصحيح وتيمم للجراحة ثم أحدث قبل أن يصلي فريضة لزمه الوضوء ولا يلزمه التيمم لأن تيممه عن غير أعضاء الوضوء فلا

الجزء: 2 - الصفحة: 314

يؤثر فيه الحدث ولو صلى فريضة ثم أحدث توضأ للنافلة ولا يتيمم وكذا حكم الفرائض كلها، والله أعلم.
وما ذكره النووي في أخر كلامه من أن الفرائض جميعها حكمها كذلك قد توهم منه كثيرون أنه يتوضأ لها ولا يتيمم كالنافلة وأنه يستبيح بوضوئه الثاني وتيممه فرائض لكون التيمم قائمًا مقام غسله عن الجنابة، وكذلك توهموا استباحة الجمع بمحض التيمم عن الجنابة وبالتيمم مع غسل ما قدر عليه وليس الأمر كذلك بل لابد من إعادة التيمم كما صرح هو به والرافعي في المسألة التي تقدم نقلها عنه، ومراده أن غير الصلاة من الفرائض كالطواف وغيره حكمه حكم الصلاة في أنه إذا أحدث بعد فعله لا يباح بالوضوء فقط إلا النقل، وقد رأيت أيضًا في "الشافي" للجرحاني تصريح بوجوب التيمم لكل فرض فقال: وقد كان قبله أي قبل الحدث ممنوعًا من الفرض دون النفل وإذا أراد أن يستبيح الفرض تيمم له هذا لفظه في أخر فصل أوله وينتقض التيمم.

الجزء: 2 - الصفحة: 315

الباب الثاني: في كيفية التيمم

قوله: في "الروضة" للتيمم سبعة أركان: الأول: التراب، والثاني: القصد فلو وقف في مهب الريح ناويًا للتيمم فسفت عليه ترابًا فأمر يده عليه بنية التيمم لم يكف في الأصح كما سيأتي، والثالث: نقل التراب الممسوح به إلى العضو حتى إذا كان على العضو تراب فرده عليه لم يجزئه.
والرابع: النية، الخامس: مسح، الوجه السادس مسح اليدين، والسابع: الترتيب.
انتهى.
واعلم أنه في "شرح المهذب" قد أسقط التراب فلم يعده في الأركان، وجعل [الأركان] 31 ستة فقط وأسقط في "المنهاج" التراب والقصد وجعلها خمسة وهكذا صنع في "المحرر" أيضًا وهو الصواب أما التراب فلأنه كالماء في الوضوء وهم لم يعدوه ركنًا وأما القصد فلأن النقل يغني عنه وقد نبه الرافعي على ذلك في آخر الكلام على الأركان.

قوله: ومن التراب الأعفر وهو ما لا يخلص بياضه والأسود ومنه طين الدواة والآجر ومنه الطين الإرمني الذي يؤكل تداويًا، والأبيض ومنه الذي يؤكل سفهًا ويقال له الخراساني.
انتهى كلامه.
وقد [اختصره] 32 في "الروضة" اختصارًا فاسدًا فإنه جعل المأكول تداويًا هو المأكول سفهًا فخلط قسمًا بقسم نسيانًا لما بينهما فاعلمه.
والأعفر بالعين المهملة والفاء، وأما الإرمني فهو بكسر الهمزة وفتح الميم

الجزء: 2 - الصفحة: 316

قال الجوهري: إرمينية بكسر الهمزة كورة بناحية الروم والنسبة إليها إرمني بفتح الميم هذا لفظه، وقال النووي في "الإشارات" الذي هو على "الروضة" "كالدقائق" على "المنهاج": الإرمني بكسر الهمزة والميم منسوب إلى إرمينية بكسر الهمزة وتخفيف الياء ناحية معروفة هذا كلامه، وذكر ابن الصلاح في "مشكل الوسيط" مثله أيضًا وزاد بأن مدينة خلاط منها، وما قاله النووي تبعًا لابن الصلاح يخالف كلام الجوهري في كسر الميم راعيًا القياس ولم يستحضر المنقول.

قوله في أصل "الروضة": ولا يصح التيمم بالنورة، والجص والزرنيخ، وسائر المعادن والذريرة والأحجار المدقوقة والقوارير المسحوقة وقيل: يجوز في وجه تجميع ذلك.
انتهى كلامه.
والذهاب إلى الجواز لم يحكه الرافعي وجهًا بل جزم بأنه قول ثم أعني الرافعي لم يذكر خلافًا في الجص وسائر المعادن فاعلمه أيضًا، فإنه جزم عقب هذا بالجواز في الخزف المسحوق مع أن الرافعي قد حكى فيه وجهين وأدخله في مسمى القوارير فاشتمل كلامه على ثلاثة أغلاط فاعلمها.
والذريرة بفتح الذال المعجمة وكسر الراء الأولى، قال الزبيدي في "مختصر العين" هي فتات قصب من قضب الطيب يجاء به من الهند كذا قاله النووي في "الإشارات" ولم يزد الجوهري على أنه بالذال المعجمة.

قوله: وأما الرمل ففي "الأم" أنه لا يجوز، وفي القديم و"الإملاء" جوازه فقيل قولان أحدهما المنع كالحجارة المدقوقة، والثاني: الجواز لأنه من جنس التراب وعلى طبعه، والصحيح أنه ليس باختلاف قول بل نص المنع محمول على ما إذا كان خشنًا لا يرتفع منه غبار والآخر على خلافه.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران: أحدهما: أن حاصل ما ذكره الرافعي أنه لابد من وصول الغبار من

الجزء: 2 - الصفحة: 317

الرمل إلى الوجه واليدين بلا خلاف وهو واضح، فإن غايته أن يلحق بالتراب.
فإذا علمت ذلك فقد اختصره في "الروضة" اختصارًا فاسدًا مصرحًا به بإتيان الخلاف فيه مع كونه خشنًا فتفطن له.
الأمر الثاني: أن ما ذكره من جوازه بالرمل الناعم قد جزم به أيضًا النووي في "فتاويه" فقال: لو سحق الرمل وتيمم به جاز ثم خالف ذلك أعني النووي في "شرح المهذب" و"الوسيط" وتصحيح "التنبيه" فذكر ما حاصله المنع في التراب المخلوط برمل ناعم وحينئذ فيمتنع بالرمل الصرف بطريق الأولى.

قوله: فإن اختلط بالتراب دقيق أو زعفران ونحوها فإن كان كثيرًا لم يجز التيمم به كذا إن كان قليلًا عند الأكثرين ثم قال ما نصه: ثم بماذا تعتبر القلة والكثرة؟ ذكر إمام الحرمين أن المرعي أن يظهر الشئ ويرى ولم أر لغيره تعرضًا لذلك بل اقتصروا على ذكر القلة والكثرة ولو اعتبرنا الأوصاف الثلاثة كما في الماء لكان مسلكًا.
انتهى كلامه.
وما ذكره من أنه لم ير لغير الإمام كلامًا فيه ومن أنه ينبغي اعتبار الأوصاف الثلاثة قد تابعه عليه في "الروضة" أيضًا وهو غريب فقد تعرض لذلك وصرح بما أشار إليه من اعتبار الأوصاف الثلاثة جماعة منهم الشيخ أبو حامد في "تعليقه" والروياني في "البحر"، ولفظه أعني الروياني: فإن كان كثيرًا غلب على التراب وغير طعمه أو لونه أو ريحه لا يجوز التيمم به وإن كان مغلوبًا ولم يتغير من التراب شئ قال عامة أصحابنا: لا يجوز هذا لفظه، وذكر سليم الرازي في "التقريب" نحوه أيضًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 318

قوله: ثم لا كلام في أن الملتصق من التراب بالوجه واليدين مستعمل حتى لا يجوز أن يضرب يده على وجه المتيمم ليتيمم بالغبار المأخوذ منه.
انتهى.
وهذا التعبير مقتضاه نفي الخلاف عنه وليس كذلك فقد رأيت في تعليق الشيخ أبي حامد وجهًا أنه ليس [بمستعمل] 33 ثم قال: الشيخ بعد ذكره له إن المستعمل عند هذا القائل مستهلك.

قوله: وأما المتناثر ففيه وجهان، والأصح أنه مستعمل أيضًا.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن شرط الحكم باستعمال المتناثر إعراض المتيمم عنه كذا ذكره الرافعي بعد هذا الموضع بنحو، خمسة أوراق قبيل الكلام على الركن السابع فقال ما نصه: وإن قلنا المتناثر مستعمل، فإنما يثبت حكم الاستعمال إذا انفصل بالكلية وأعرض المتيمم عنه، هذا لفظه، وحينئذ فلو انفصل فبادر إلى أخذه من الهواء وتيمم به صح، وحذف النووي هذا الموضع فلم يذكره.
الأمر الثاني: أنه يشترط أيضًا في الحكم باستعماله أن يكون قد مس العضو على الذهب، كذا ذكره النووي في "التحقيق" و"شرح المهذب"، وذكر الرافعي تعليلًا يؤخذ منه ذلك، ولا يؤخذ هذا الشرط أيضًا من "الروضة".

قوله: لو شوى الطين ثم يسحقه ففي التيمم به وجهان: أظهرهما أنه لا يجوز؛ لأن اسم التراب لا يبطل بمجرد الشي.
انتهى.
ذكر مثله في "الشرح الصغير"، وذكر في "الروضة" الوجهين بلا تصحيح ثم استدرك ذلك من "زوائده" وهو [غريب] 34، وقال في "شرح

الجزء: 2 - الصفحة: 319

الوسيط" المسمى بالتنقيح الأصح عند الأكثرين المنع وصحح المحققون الحجاز، وذكر مثله في "شرح المهذب" أيضًا وزاد فقال إن الجواز أظهر.

قوله في "الروضة": الركن الثاني قصد التراب فلابد منه فلو وقف في مهب ريح فسفت عليه ترابًا فأمر يده عليها بنية التيمم إن كان وقف بغير نية لم يجزئه وإن قصد تحصيل التراب لم يجزئه أيضًا على الأصح والأظهر.
انتهى.
اعلم أن الشافعي قد نص في "الأم" في هذه المسألة على أنه لا يصح، ونقل صاحب التتمة عن القديم: أنه يصح فيكون الخلاف حينئذ قولين ولكن اختلف الأصحاب في الراجح منهما، وكلام الرافعي أيضًا يدل على هذا، ولهذا قال في "شرح المهذب" إن الأصحاب حكوه وجهين وحقيقته قولان.

قوله: الثالث نقل التراب الممسوح به إلى العضو فلو كان على الوجه تراب فردده عليه لم يجزئه فلو نقله منه إلى اليد أو من اليد إليه أو سفت الريح ترابًا على كمه فمسح به وجهه أو تمعك بلا عذر جاز في الأصح.
انتهى.
وما ذكره من تصحيح الاكتفاء بالتمعك وبمسح الوجه بما سفته الريح على الكم ونحو ذلك قد ذكر بعد هذا فرعين مفرقين يشكلان عليه فإنه صحح أن الحدث بعد الضرب وقبل مسح الوجه يضر، وأن الضرب قبل الوقت أو مع الشك في دخوله يضر أيضا مع أن المسح بالضرب المذكور لا يتقاعد عن التمعك والضرب بما على الحكم فتأمله.

قوله: وللناوي أربعة أحوال: أحدها: أن ينوي استباحة الفرض والنفل فيستبيحهما ولا يشترط تعيين الفريضة على الأصح عند الأكثرين فعلى هذا إن نوى الفرض مطلقًا صلى أى فرض شاء، وإن نوى معينة فله أن يصلي

الجزء: 2 - الصفحة: 320

غيرها.
انتهى.
واعلم أن الرافعي قد ذكر بعد هذا الفضل كلامًا ينبغي معرفته هنا واستحضاره، وله مقدمة وهي أنه إذا نسى صلاة من الخمس [وجب عليه الخمس] 35 ويكفيه تيمم على الصحيح وحينئذ فهل يجري الخلاف في التعيين في التيمم المذكور أم لا؟ توقف فيه الرافعي فقال هناك قال الشيخ أبو علي: إن الوجهين في الاكتفاء بالتيمم الواحد مبنيان على أنه لا يجب تعيين الفريضة فإن أوجبنا وجب لكل واحدة تيمم لا محالة، ولك أن تقول.
إنما يجب التعيين إذا كانت الفريضة معلومة، أما إذا لم تكن فيجوز أن يقال ينوي بتيممه ما عليه، ويحتمل فيه التردد والإيهام كما يحتمل في كل واحدة من الصلوات ينوي أنها فائتة وهو متردد في ذلك، هذا كلامه.
وصحح في "الروضة" أن الخلاف يجري مطلقًا، وحاصله تصحيح ما ذكره الرافعي بحثًا أن من يوجب تعيين الفريضة يكتفي هنا بأن ينوي ما عليه فاعلم ذلك.

قوله في أصل "الروضة": الثالث أن ينوي النفل فلا يستبيح به الفرض على المشهور وقيل قطعا.
ثم قال: الرابع: أن ينوي الصلاة فحسب فله حكم التيمم للنفل على الأصح، وعلى الثاني يكون كمن نوى الفرض والنقل معًا.
انتهى.
وما ذكره هنا من تصحيح طريقة الخلاف في المسألتين قد خالفه في "شرح المهذب" فصحح فيهما طريقة القطع بعدم الاستباحة ونقلها عن الجمهور.

قوله من زوائده: ولو تيمم بنية استباحة الصلاة ظانًا أن حدثه أصغر

الجزء: 2 - الصفحة: 321

فكان أكبر أو عكسه صح قطعًا؛ لأن موجبهما واحد، ولو تعمد ذلك لم يصح في الأصح ذكره المتولي.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ادعاه من عدم الخلاف في القسم الأول وهو ما إذا ظن حدثه أصغر وكان أكبر ذكر مثله في "شرح المهذب" هنا وعبر بقوله بلا خلاف عندنا خلافًا لمالك وأحمد، وكذلك في باب صفة الوضوء، وعبر بقوله بالإجماع وهذه الدعوة باطلة لم يذكرها صاحب "التتمة" أيضًا فقد نقل الفوراني في باب صفة الوضوء من "الإبانة" عن البويطي والربيع أنه لا يصح قال: بخلاف عكسه، وصرح أيضًا بنقله عنهما القاضي الحسين في كتاب التيمم من تعليقه ذكر ذلك في فصل أوله قاله: ولو نسى الجنابة.
الأمر الثاني: أن صورة المسألة كما ذكره صاحب التتمة وغيره ممن تكلم على المسألة أن يتيمم بنية الاستباحة عن ذلك الحدث وتعبير النووي بقوله ظانًا كذا لا يفيد ذلك فتأمله.
ثم [إن] 36 المسألة مشهورة في المذهب منصوص عليها للشافعي فاقتصاره على صاحب "التتمة" يؤذن بالقصور.

قوله: فيها أيضًا وكيفية مسح اليدين كذا وكذا ثم قال: وهذه الكيفية ليست واجبة لكنها مستحبة على المذهب، وقيل: غير مستحبة.
انتهى.
وتعبيره فيها بالمذهب سهو فإن الرافعي لم يذكر ما يقتضيه بل قال: إنها مستحبة على المشهور، وقيل: لا.

قوله: واعلم أنه لا يجوز لتأخر النية عن أول فعل مفروض في التيمم وأول أفعاله المفروضة نقل التراب ولو قال نويت قبل مسح شيء من

الجزء: 2 - الصفحة: 322

الوجه لم يجزئه في الأصح.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن المراد بالنقل هو الضرب كما قاله في "شرح المهذب" و"الكفاية" ولكن عبر الطبري في "شرح التنبيه" بقوله ولابد من النية قبل رفع يديه من التراب.
الأمر الثاني: أن تعبير الرافعي والنووي في كتبهما يقتضي جريان الخلاف فيما إذا قارنت النية النقل ومسح الوجه، ولكن غربتا فيما بينهما، والمتجه هو الجزم بالاكتفاء وهو حاصل ما رأيته في "شرح مفتاح ابن القاضى" لأبي خلف الطبري فإنه قال: ووقت النية في التيمم أن ينوي عند القصد إلى التراب، ويكون ذاكرًا للنية عند مسح الوجه هذه عبارته.

قوله في "الروضة": ولا يجب إيصال التراب إلى منابت الشعور التي يجب إيصال الماء إليها في الوضوء على المذهب.
انتهى.
وما اقتضاه كلامه من حكاية الرافعي بطريقين ليس كذلك بل إنما حكى وجهين فقط.
نعم ذهب جماعة كثيرة إلى القطع بعدم الوجوب، وكان الصواب تمييزه عن كلام الرافعي.

قوله أيضًا في "الروضة": ويجب استيعاب اليدين إلى المرفقين على المذهب، وقيل: فيه قولان.
انتهى.
وما ذكره من تصحيح طريقة القطع قد خالفه في "شرح المهذب" فقال: إنكار القول الآخر فاسد وبالغ في التحقيق فلم يذكر غير طريقة القولين.

قوله: والواجب إيصال التراب إلى الوجه واليدين سواء كان بضربة أو

الجزء: 2 - الصفحة: 323

أكثر، ويستحب ألا يزيد ولا ينقض، وقيل: لا يجوز أن ينقض عن ضربتين، وقيل يستحب أن يضرب ضربة للوجه وأخرى لليد اليمين وأخرى لليسرى.
انتهى كلامه.
وهذا الوجه إنما يستقيم إذا كان المراد ثلاث ضربات بكف واحدة؛ لأن الضرب بها لكل يد لا معنى له.

قوله: في أصل "الروضة" ومن السنن الموالاة على المذهب.
انتهى.
واعلم أن الرافعي قد حكى في هذه المسألة ثلاث طرق: أصحها: أن فيها قولين.
والثانية: الجزم بالإيجاب.
والثالثة: العكس.
ولا يؤخذ من "الروضة" حكاية الثلاث ولا تعيين الطريقة الصحيحة، ثم قال الرافعي: إن من يعتبر الجفاف في الوضوء يعتبره أيضًا هنا بتقدير أن لو كان المستعمل ماء.
[قوله أيضًا فيها: ويستحب أن لا يكون المسح على المذهب.
انتهى.
وهذا التعبير أيضًا ذهول.
فإن الرافعي لم يحل في المسألة إلا وجهين] 37.

الجزء: 2 - الصفحة: 324

الباب الثالث: في أحكام التيمم

قوله: ويبطل التيمم بتوهم القدرة على الماء قبل الدخول في الصلاة إلا أن يقارنه مانع كما لو سمع إنسانًا يقول: أودعني فلان ماءً وهو يعلم غيبة فلان فإنه لا يبطل.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أنه احترز بغيبة المالك عما إذا كان حاضرًا فإنه يجب عليه طلبه منه، كما لو كان هو القائل: عندي ماء، وعما إذا لم يعلم غيبته فإنه يجب السؤال عنه، وهذا القيد أخذه الرافعي من كلام "التتمة" ولابد منه، وإن أطلقه الأكثرون وممن أطلقه أيضًا الرافعي في كتاب الرافعي في كتاب الظهار.
[الأمر] 38 الثاني: أنه سكت عن عكسه وهو ما إذا أخر لفظ وديعة فقال: عندي ماء أودعني إياه فلان والمعروف فيه بطلان التيمم مطلقًا وصرح به الرافعي أيضًا في الظهار، ونقل في "الكفاية" عن القاضي الحسين أنه رأى تخريجه على ما إذا عقب الإقرار بما يرفعه كقوله على ألف من ثمن خمر.

قوله في "الروضة": وإن رأى الماء في أثناء الفرض فإن كان مقيمًا بطلت صلاته على الصحيح.
انتهى.
وما ذكره من كون الخلاف وجهين قد خالفه في "المنهاج" فجعله قولين، والمذكور هنا هو الصواب المذكور في كتبه وكتب الرافعي والغريب أن قد عبر "المحرر" بالأصح، فعدل عنه في "المنهاج" وعبر بالمشهور.

قوله: وإن كان فرضه معينًا عن القضاء كالمسافر لم يبطل على المذهب

الجزء: 2 - الصفحة: 325

المنصوص وأشار المزني إلى تخريج قول: أنهما يبطلان، وبه قال أبو حنيفة.
ووجه الأول أن وجدان الأصل بعد التلبس بمقصود البدل لا يبطل حكم البدل، كما لو شرع في الصيام ثم وجد الرقبة.
انتهى كلامه.
وما ذكره ههنا عجيب، فإن الخصمين المذكورين يوجبان أيضًا الصوم في الكفارة المشار إليها وهي كفارة الظهار، وقد نقله الرافعي هناك عنها، واحتج عليهما بالقدرة على المهدي في أثناء صوم السبعة، فلو احتج عليهما ههنا أيضًا بذلك لاستقام.

قوله: وإذا قلنا بالمنصوص فما الذي يفعله؟ فيه وجوه: أصحهما: يندب الخروج منها ليتوضأ ونفاه بعضهم.
والثاني: يندب قلبها نافلة ويسلم عن ركعتين.
الثالث: يندب الاستمرار عليها.
الرابع: يحرم قطعها.
الخامس: إن ضاق الوقت حرم القطع وإلا فلا، قاله الإمام وطرده في كل حصل.
انتهى.
فيه أمور: أحدها: أن هذا الكلام صريح في أن ما قاله الإمام من جملة الآراء الضعيفة، وقد تابعه في "الروضة" على ذلك أيضًا، ونبه على أن طرده إياه في كل مصل ضعيف أيضًا وأنه خلاف المذهب وخلاف نص الشافعي.
إذا علمت ذلك فقد خالف في التحقيق فجعل ما قاله الإمام في أصل المسألة تقييدًا لها ولم يجعله وجهًا ضعيفًا، فقال بعد حكاية الأوجه الأربعة ما نصه: إن ضاق الوقت.
حرم قطعهما بالاتفاق.
هذا لفظه وهو غريب

الجزء: 2 - الصفحة: 326

جدًا، وذكر في "شرح المهذب" نحوه، فإنه بعد حكايته الأوجه الأربعة نقل عن الإمام أنه قال: عندي أن محله عند الاتساع.
ثم قال ما نصه: وهذا الذي قاله الإمام متعين ولا أعلم أحدًا يخالفه.
هذه عبارته.
والأمر كما قاله النووي في الكتابين المذكورين فاعلمه واجتنب ما وقع في الرافعي و"الروضة" هنا؛ لأنه يلزم من جواز القطع والحالة هذه تفويت الصلاة مع القدرة على إيقاع جميعها في الوقت بلا ضرر.
الأمر الثاني: ستعرف إن شاء الله تعالى أنه إذا شرع في الفرض ثم أفسده وفعله ثانيًا كان قضاء، وإن كان في الوقت، وتجويزهم الخروج هنا يقتضي أن ذلك مستثنى لأجل هذا الغرض، وفي ذلك كلام يأتيك في موضعه.
الأمر الثالث: أن الطريقة النافية للوجه الأول قد أسقطها من "الروضة".
الأمر الرابع: أن ما ذكره الرافعي في هذه المسألة محله في الصلوات الخمس فأما إذا تيمم الميت وصلى عليه ثم وجد الماء فإنه يجب غسله والصلاة عليه، سواء أكان في أثناء الصلاة أم بعدها.
قاله البغوي في "فتاويه" ثم قال: ويحتمل ألا يجب وما ذكره احتمالًا قد رأيته مجزومًا به في كتاب "التلقين" لابن سراقة من كبار المتقدمين لكنه إنما تكلم على الوجدان بعد الصلاة خاصة ولو فصل بين ما قبل الإدراج في الكفن وبين ما بعده كما قد قيل به فيما إذا خرج منه منه لم يبعد، وكان الفرق على الأول بين صلاة الجنازة وغيرها من الصلوات أن ذلك خاتمة أمر الميت فاحتيط له.
وقياس ما قاله البغوي أن يجري أيضًا في المصلين على الميت، وهذا إذا كان المصلي في السفر، فإنه إن كان في الحضر فليس له أن يتيمم ويصلي

الجزء: 2 - الصفحة: 327

على الميت، كذا رأيته في كتاب "اللطيف" لابن خيران الصغير، وهذا الكتاب قد نقل عنه الرافعي في مواضع منها كتاب العدد، ولعل السبب في المنع إن إيجاب ذلك في الصلوات الخمس إنما هو لحرمة الوقت، ولهذا أوجبنا القضاء وهذا المعنى منتف هنا، ولم يصرح الرافعي بالمسألة.
وبتقدير القول بفعلها وجوبًا أو جوازًا أو في حالة اليقين دون عدمه، هل يقول بوجوب القضاء لغيرها أم للمشقة، لاسيما تكليفه الذهاب إلى الغير بخلاف فرائض الأعيان فإنها متأكدة، وأيضًا فالقضاء في الجنازة لا يتأتى حقيقة لعدم الوقت المعين المحدود وبتقدير القول بالقضاء، فلو كان زائدًا على الفرض فهل يقضي أيضًا لكونه لما تلبس لها وقعت فرضًا كما صرح به في "الشرح" و"الروضة" في كتاب الجنائز أم لا لعدم الوجوب ابتداء؟ فيه نظر.

قوله: فعلى المذهب المنصوص وهو أن رؤيته في صلاة المسافر لا تقتضي الإبطال لو شرع في الصلاة وهو مسافر ثم نوى الإقامة فيها بعد وجدان الماء ففي بطلان صلاته وجهان أصحهما البطلان تغليبًا لحكم الإقامة وهما كالوجهين فيما إذا كان مقيمًا ورأى الماء في صلاته ولو شرع المسافر في الصلاة بالتيمم ونوى القصر ثم وجد الماء في الصلاة ونوى الإتمام بعد بطلت صلاته أيضًا في أصح الوجهين، لأن تيممه صح لهذه الصلاة مقصورة وقد التزم الآن زيادة ركعتين.
انتهى كلامه.
وما ذكره في المسألة الثانية وهي المسافر القاصر إذا أتم صحيح، وأما المذكور في المسألة الأولى فلا؛ وذلك لأن المصلي بالتيمم في موضع يغلب فيه عدم الماء لا قضاء عليه مطلقًا مسافرًا كان أو مقيمًا وفي موضع يغلب الوجود يجب عليه مطلقًا مسافرًا، كذا ذكره في آخر الباب في فصل القضاء

الجزء: 2 - الصفحة: 328

بالأعذار قال: وقولهم: إنه يجب القضاء على الحاضر دون المسافر مستوٍ فيه على الغالب، وذكر مثله في "شرح المهذب" فقال: ولو نوى المسافر هذه الإقامة أي إقامة أربعة أيام في موضع من البادية يعم فيه عدم الماء فلا إعادة عليه بلا خلاف هذا لفظه.
إذا علمت ذلك فلنرجع إلى مسألتنا فنقول للرافعي هذا المسافر الذي رأى الماء ثم نوى الإقامة وأبطلت تيممه لأجل الإقامة إن كان سفره يغلب فيه العدم وهو الظاهر من كلامك والمستقيم أيضًا من جهة المعنى فنية الإقامة فيه لا أثر لها لأنه لو كان مقيمًا هناك وتيمم لعدم الماء ثم رآه في أثناء صلاته لم محكم بإبطالها، فبطريق الأولى هذا، وإن كان سفره يغلب فيه الوجود بطلت صلاته بمجرد رؤية الماء، ولا يتوقف الإبطال على نية الإقامة؛ لأنها لا تغني عن القضاء.
وقد وقع هذا الموضع في "الروضة" وغيرها من كتب النووى، كما وقع في الرافعي وهو عجيب ونقل الماوردي في المسألتين وهما نية الإقامة والإتمام عن ابن القاص أنه يبطل وعن سائر الأصحاب خلافه.

قوله: أما إذا فنى قبل سلامه ولم يعلم به فلا يستبيح النافلة، وإن علم بفنائه أيضًا قبل السلام ففي بطلان تيممة ومنعه النافلة وجهان.
انتهى.
والأصح منهما امتناعهما عليه فقد نص الشافعي على بطلان تيممه ولم يفصل بين أن يعلم أو لا يعلم كذا رأيته في "شرح التلخيص" لأبي عبد الله المعروف بالختن ذكره في كتاب الصلاة وقطع به جمهور العراقيين، وصححه النووي في "شرح المهذب" و"التحقيق"، وقال في "زوائد الروضة": إنه الأصح الذي قطع به العراقيون وما نقله عنهم ينتقض بصاحب "الشامل" فإنه قد اختار بقاء تيممه، فقال: ينبغي ألا يبطل تيممه؛ لأن هذا الماء لا

الجزء: 2 - الصفحة: 329

يجب استعماله لهذه الصلاة ولا قدر على استعماله لغيرها قال: ويلزم من قال: لا يصلي النافلة أن يقول: إذا مر به ركب وهو في الصلاة ففرغ منها وقد ذهب الركب لا يجوز النفل لأن توجه الطب يمنع ابتداء الصلاة بالتيمم، وذكر في "البحر" أيضًا مثل ذلك ثم قال فإن منعه الأولون فهل يعيد؟

قوله: ولو رأى الماء في أثناء النافلة [فإن] 39 لم ينو عددًا لم يزد على ركعتين وقيل: يصلي ما شاء.
انتهى.
وهذا الذي قاله من تصحيح منع الزيادة مستثنى منه ما إذا رأى الماء بعد قيامه إلى الثالثة فإنه يتمها كما صرح به القاضي أبو الطيب والروياني، وكلام النووي في "شرح المهذب" وابن الرفعة في "الكفاية" يدل على موافقتهما أيضًا وهو متجه.

قوله: ولا يؤدي بالتيمم الواحد مما يتوقف على الطهارة إلا فريضة واحدة لقول ابن عباس: من السنة ألا يصلي كل مكتوبة إلا بتيمم والسنة في كلام الصحابي تنصرف إلى سنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. انتهى.
هذا الكلام يرد عليه تمكين المرأة زوجها من الوطء فإنه فرض عليها، ويتوقف على الطهارة عن الحيض والنفاس، ومع ذلك يجوز لها بالتيمم الواحد عنهما إن مكنه مرارًا، وأن تجمع بين ذلك وبين فرض آخر كما صححه النووي في باب الحيض من "شرح المهذب" وقد احترز عن ذلك في "الروضة" فقال: لا يصلي بالتيمم الواحد إلا فريضة واحدة، وسواء كانت الفريضتان متفقتين أو مختلفتين كصلاتين وطوافين وصلاة وطواف انتهى.
إلا إنه وقع في اعتراض آخر وهو عدم مطابقة التقسيم للمقسم وهو

الجزء: 2 - الصفحة: 330

الصلاة وكأنه لما لم يفطن لما أوردناه على الرافعي عدل إلى ما ذكره ذهولًا عما بعده فوقع فيما هو أفحش منه.
واعلم أن القاضي أبا الطيب قد استدل لهذه المسألة بدليل حسن فقال: لأن الطهارة في ابتداء الإسلام كانت واجبة لكل صلاة كما هو معروف مقرر وثبت نسخ ذلك بالنسبة إلى الوضوء للحديث الصحيح عن عمر أنه -عليه الصلاة والسلام- صلى يوم الفتح خمس صلوات بوضوء واحد فبقينا في التيمم على الأصل.
وأما قول الرافعي إن الصحابي إذا قال من السنة يكون مرفوعًا فقد رأيته كذلك في "الأم" في باب عدد كفن الميت لكن رأيت في "شرح المختصر" للداوودي وهو المعروف بالصيدلاني أن هذا هو القديم، ثم قال: والجديد أنه ليس بحجة ذكر في كتاب الجنايات في باب أسنان إبل الخطأ، وقد بسطت ذلك في "شرح منهاج الأصول" فليراجع منه.

قوله: ويجوز أن يجمع بين فريضة وصلاة جنازة على الأصح المنصوص، وكذلك بين صلوات جنائز، ثم قال: ولو أراد أن يصلي على جنازتين صلاة واحدة فقال بعضهم يبني ذلك على الخلاف، وقال صاحب "المعتمد": ينبغي أن يجوز ذلك كل حال، لأنه إذا جاز سقوط الفرضين بصلاة واحدة جاز الاقتصار على التيمم الواحد.
انتهى.
لم يصحح شيئًا في "الروضة" أيضًا وصحح في "شرح المهذب" الأول فقال: إنه الأشهر الذي قطع به جماعة.

قوله: ولو نسى صلاة من الخمس لزمه الخمس ويكفيه لهن تيمم واحد وقيل: لابد من خمس تيممات قال الشيخ أبو على: والوجهان مفرعان

الجزء: 2 - الصفحة: 331

على ألا يجب تعيين الفريضة في التيمم، فإن أوجبنا وجب لكل واحدة تيمم بلا محالة ولك أن تقول إنما يجب التعيين إذا كانت الفريضة معينة, فإن لم تكن فيجوز أن يقال: ينوي بتيممه ما عليه ويحتمل منه التردد والإيهام كما في نية الصلاة، وهذا الذي ذكره الرافعي بحثًا من كون الخلاف جاريًا مطلقًا صرح باختياره الدارمي كما نقله عنه النووي في "شرح المهذب" وزيادات "الروضة" وقال: إنه أصح قال: ونقل أعني الدارمي عن ابن المرذبان وافق وأبا علي.
وقد سكت الرافعي هنا عن أمرٍ مهم وهو أنه إذا صلى الخمس بالتيمم أو الوضوء ثم تذكر المنسية هل يلزمه إعادتها أم لا؟ وقد تعرض ابن الصلاح للمسألة وجزم بوجوب الإعادة، ونقله عنه النووي في باب الوضوء من "شرح المهذب" ثم قال: ولم أر فيه كلامًا لأصحابنا، ويحتمل أن يكون على الوجهين فيمن شك في انتقاض طهره فتوضأ احتياطًا ثم بان بأنه كان محدثًا، والأصح منها الوجوب، ويحتمل وهو الأظهر أن يقطع بعدم الوجوب؛ لأنا أوجبناها عليه وفعلها بنية الواجب بخلاف الوضوء فإنه ينزع به هذا كلامه.
والاحتمال الذي رجحه النووي هو المجزوم به في "البحر".

قوله: وإن نسى صلاتين مختلفين وجهل عينهما فقال ابن القاص: يتيمم لكل واحدة من الخمس وقال ابن الحداد: ويقتصر على تيممهن ويزيد في عدد الصلوات، فيصلي بالتيمم الأول الصبح والظهر والعصر والمغرب، وبالثاني: الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فيخرج عن العهد بتعين واستحسن الأئمة ما ذكره ابن الحداد، ولابد فيه من معرفة ضابطه وشرطه.

الجزء: 2 - الصفحة: 332

أما الضابط فهو أن يزيد على قدر المنسي فيه عددًا لا ينقص عما بقى من المنسي فيه بعد إسقاط المنسى، وينقسم المجموع صحيحًا على المنسي نيابة في الصورة المذكورة المنسي صلاتان، والمنسي فيه خمس يزيد عليه ثلاثًا؛ لأنها لا تنقص عما يبقى من الخمسة بعد إسقاط الاثنين بل تساويه في المجموع وهو ثمانية ينقسم على الاثنين صحيحًا.
وأما الشرط فإنه يبتدئ من المنسي فيه بأي صلاة شاء، ويصلي بل تيمم ما يقتضيه القسمة مرتبًا أو غير لكن يشترط أن يترك في كل مرة ما ابتداء به في المرة التي قبلها ويأتي في المرة الأخيرة بما بقى من الصلوات فلو صلى في المثال المذكور بالتيمم الأول الظهر والعصر والمغرب والعشاء وبالثاني الصبح والظهر والعصر والمغرب فقد أخل بهذا الشرط، فإن لم يترك في المرة الثانية ما ابتدأ به في المرة الأولى، وإنما ترك ما ختم به فيها فلا يخرج عن العهدة لجواز أن يكون عليه الظهر أو العصر أو المغرب مع العشاء فبالتيمم الأول صحت تلك الصلاة ولم تصح العشاء وبالتيمم الثاني لم يصل العشاء، فلو صلى العشاء بعد ذلك بالتيمم الثاني خرج عن العهدة.
انتهى كلامه.
وما ذكره في آخره من حصول غير العشاء محله إذا أتى بالصلوات مرتبة بالترتيب الذي تميز هو به وقد سبق لك أنه لا يجب مراعاته حتى لو بدأ أولا بالعشاء برئت ذمته قطعًا، وهو أيضًا مندرج تحت الضابط المتقدم، فإنه ترك في الثانية ما بدأ به في الأولى.

قوله: ولو صلى الفرض بالتيمم على وجه معه القضاء ثم أراد القضاء بذلك التيمم، فإن قلنا: الفرض الأول جاز، وإن قلنا: الثاني أو كلاهما فرض لم يجز.
انتهى.

الجزء: 2 - الصفحة: 333

اعترض عليه في "الروضة" فقال: ينبغي إذا قلنا الثانية فرض أن يجوز؛ لأنه جمع بين فرض ونافلة، والله أعلم.
وما ذكره في "الروضة" قد ذكر مثله في "شرح المهذب" فقال: قال الرافعي وغيره لا يجوز وهذا ضعيف والمختار أنه يجوز إذ لا فرض بين تقدم نفل على فرض وعكسه.
ولك أن تقول: القاعدة أن التيمم لغير الفرض لا يؤدي به الفرض وتيممه إنما كان للأولى والتفريع على أنها غير فرض فيكون الصواب ما قاله الرافعي نعم إن فرضنا أنه تيمم الفرض آخر فصلى الصلاة المذكورة، ثم أراد إعادتها اتجه الجواز كما قاله النووي إلا أن هذه الصورة لم تخطر بباله هنا بلا شك ولكن التحقيق في المسألة ما ذكره.

قوله: ولو تيمم لفائتة ضحوة فلم يصلها حتى دخلت الظهر فله أن يصلى به الظهر في أصح الوجهين، ولم تيمم للظهر ثم تذكر فائتة قيل: يستبيحها قطعًا وقيل على الوجهين وهو الأصح هذا كله تفريع على الأصح أن تعيين الفريضة ليس بشرط فإن شرطناه لم يصح غير ما قالوه.
انتهى.
قال العمراني: وإذا اشترطنا التعيين فاتفقنا بأن كان عليه ظهر فتيمم له ولم يصله وصلى به ظهرًا آخر جاز.
وقال المحب الطبري في "شرح التنبيه": وقد يقال في المتفقتين أيضًا بالمنع لاختلاف صفتهما بالآداء والقضاء والمغايرة ثبتت به وليس ببعيد هذا لكلامه.
وقد يجاب بأن اختلافها في ذلك لا أثر ولهذا لا يشترط تعيينه عند التحرم.

قوله: ووقت الاستسقاء باجتماع الناس لها في الصحراء.
تابعه عليه في "الروضة" وفيه أمران.

الجزء: 2 - الصفحة: 334

أحدهما: كيف شرطوا للإجتماع في صحة التيمم لها مع صحة فعلها قبل ذلك فرادى وجماعة لاسيما وفيه مشقة، فإنه قد يقتضي استصحاب التراب إلى الصحراء ولك أن تورد وهذا الكلام بعبارة أخرى فتقول هذه الصلاة تصح بمجرد انقطاع الغيث ولا معنى لوقت الصلاة هنا إلا الوقت يصح فعلها فيه وإن كان غيره أكمل، بل تيمم لصلاة الجمعة ثم انتظر الجماعة، فإنه يصح مع أن الجماعة شرط فيها.
الثاني: إذا قدرنا صحة ما قاله من اشتراط الاجتماع فما ضابط الناس المجتمعين لها وهل يعتبر فيهم الإمام أم لا؟

قوله في "الروضة" ووقت صلاة الجنازة انقضاء الغسل وقيل: الموت.
اعلم أن الرافعي قد صرح بأن صلاة الجنازة ملحقة بالنوافل المؤقتة حتى يجري فيها الخلاف في جواز التيمم قبل وقتها ولم يصرح في "الروضة" بذلك وهو الصواب فإنها واجبة بالإجماع.

قوله: في "الروضة" فالعذر العام لا قضاء معه كصلاة مسافر محدث أو جنب بالتيمم لعدم ما يجب استعماله إذا لم يكن سفر معصية، وفي سفر المعصية أوجه الأصح يجب التيمم والقضاء، والثاني: تيمم ولا يقضي.
والثالث: لا يجوز التيمم.
انتهى كلامه.
وهو يقتضي أن العاصي بسفره إذا تيمم لعطش ونحوه يصح تيممه، لأنه تيمم لعدم ما يجب استعماله، وليس كذلك ففي "شرح المهذب" إنه لا يصح تيممه إذا فعله مع وجود الماء لأجل عطش أو مرض قال: بل طريقه إن يتوب ثم يتيمم ذكر ذلك في باب المسح على الخفين، ونقل إنه لا خلاف فيه والمثبت في ذلك إن التيمم في هذه الحالة يكون رخصة بلا شك

الجزء: 2 - الصفحة: 335

لانطباق حد الرخصة عليه، والرخص لا تناط بالمعاصي بخلاف التيمم عند الفقد فإنه عزيمة، وقد صرح الغزالي في "المستصفى" بذلك فقال: إن التيمم للمرض ونحوه رخصة بخلاف التيمم لفقد الماء.
واعلم أن كلام الرافعي ليس صريحًا في تناول هذه الصورة فاعلمه، وإنما جاء هذا من تصرفه في "الروضة" على أن المسألة فيها وجهان رأيتهما في كلام جماعة.

قوله: وهل يشترط لعدم القضاء أن يكون السفر طويلًا؟ فيه قولان أصحهما لا لإطلاق قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ 40 الآية، وعن عمر أنه رجع من الجرف، فلما بلغ المربد تيمم ثم دخل المدينة فلم يعد مع بقاء الوقت.
ومنهم من قطع بالأول ولم يثبت الثاني قولًا.
انتهى كلامه.
وقد اختصر في "الروضة" هذا الكلام بقوله وقصير السفر كطويله على المذهب، وقيل في وجوب القضاء معه قولان.
انتهى.
وفي هذا الاختصار أمور.
أحدها: أن تصحيحه لطريقة القطع عكس ما ذكره الرافعي هنا، وفي "الشرح الصغير" أيضًا.
الثاني: أنه مناقض لما ذكره في باب مسح الخف من "شرح المهذب" فإنه جزم هناك بطريقة القولين مع كونه قد ذكر هنا من الشرح المذكور مثل ما في "الروضة".
[الأمر الثالث: أنه خالف الموضعين جميعا في آخر صلاة المسافر من "الروضة"] 41 فحكى الخلاف وجهين وجهين وقد تقدم الكلام في أوائل

الجزء: 2 - الصفحة: 336

الباب على ما يتعلق بهذا الأثر المنقول عن عمر فراجعه.

قوله: ومنها ما إذا لم يجد ماء ولا ترابًا.
فالجديد الصحيح: أنه يلزمه أن يصلي ويعيد.
والثاني: يلزمه بلا إعادة.
والثالث: يستحب مع وجوب الإعادة.
والرابع: يستحب بدونه.
والخامس: تحرم الصلاة.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران: أحدهما: أن النووي قد أسقط القول الرابع من "الروضة".
الثاني: أن الرافعي والنووي في "الروضة" لم يثبتا محل وجوب الإعادة، ولا شك إنها تشرع إذا قدر على الماء، وكذلك إذا قدر على التراب في موضع يغني عن الإعادة، فأما إذا كان في موضع لا يغني عنها فإنه لا يعيد؛ لأنه لا فائدة فيه كذا جزم به النووي في "فتاويه" وفي "شرح المهذب" أيضًا، ونقله فيه عن الأصحاب قاطبة، واقتضى كلامه أنه لا يجوز ذلك وجزم في النكت التي [له على] 42 "التنبيه" بعكسه، فقال: إنه يعيد سواء كان في موضع يسقط القضاء أم لا، والذي ذكره في "شرح المهذب" هو الصواب ولا التفات إلى ما ذكره في النكت المذكورة وكأنه علق غالبها من أفواه مشايخه.
وقد ذكر البغوي في فتاويه في المسألة المبسوطة فقال: إن قدر عليه في الوقت لزمه وإن قدر عليه بعده ففيه احتمالان:

الجزء: 2 - الصفحة: 337

أحدهما: لا يلزمه؛ لأنه لا فائدة فيه، والثاني: يلزمه؛ لأن وقت وجوده لوقت الصلاة ولهذا إذا لم يجد الطهورين وخرج الوقت ولم يصل ثم وجد أحدهما وجب استعماله فدل على عدم مراعاة الوقت.
هذا كلامه.
وهذه المسألة الأخيرة التي استدل بها مسألة مهمة، وللأول أن يجيب عنها فإنه هنا قد ضيع حق الوقت وفوته فيقضيه بخلاف ما إذا صلى، وتوقف ابن الرفعة في المسألة أعني من أصلها لعدم وقوفه على نقل فيها، فقال: في وجوبه نظر يقوي بعدم خروج الوقت هذا كلامه.
ويمكن تخريج ما سبق فيها على أن صلاة فاقد الطهورين هل هي صحيحة أو باطلة؟ وفيها وجهان، أصحهما في "التحقيق" و"شرح المهذب" أنها صحيحة.

قوله: وإذا قلنا إن فاقد الطهورين يصلي فلا يجوز مس المصحف ولا قراءة القرآن للجنب والحائض.
انتهى.
تابعه في "الروضة" عليه ومقتضى هذا الإطلاق أن الجنب والحائض لا يقرآن الفاتحة في الصلاة، والنووي قد خالف الرافعي فيه في باب الغسل وصحح إنها لا يحرم عليهما بل يجب عليهما قراءتها.

قوله في أصل "الروضة": ومنها المربوط على خشبة ومن شد وثاقه بالأرض بالأرض يصلي بالإيماء ويعيد، وقال الصيدلاني إن صلى مستقبلًا القبلة لم يعد وإلا أعاد قال وكذا الغريق يصلي على خشبة بالإيماء وفصل [البغوى] 43 فقال: يجب القضاء على المربوط مطلقًا، وأما الغريق فإن

الجزء: 2 - الصفحة: 338

صلى إلى القبلة لم يعد وإن صلى لغيرها فقولان.
انتهى ملخصًا.
وقد حذف في "الروضة" القول بأنه لا قضاء على الغريق مطلقا فاقتضى كلامه أن البغوي سوى بين المربوط والغريق فليس كذلك.

قوله: ومنها إذا كان على جرحه دم يخاف من غسله صلى وأعاد سواء كان على أعضاء الوضوء أم لا والقديم أنه لا إعادة.
انتهى.
هذه المسألة قد ذكرها الرافعي -رحمه الله- قبيل ستر العورة أيضًا على خلاف ما ذكره هنا، وتابعه في "الروضة" على ذلك، وقد ذكرت المسألة هناك مبسوطة فراجعها.

قوله: وإذا تيمم المقيم لعدم الماء وجبت الإعادة، فإنه عذر نادر لا يدوم، لأن أهل الموضع يتبادرون إلى الإصلاح والإنباط.
انتهى.
يقال: نبط الماء بنون وباء موحدة مفتوحين وطاء مهملة نبيط بالضم والكسر نبوطًا نبع وانبط الجفاء بلغ الماء والنبيط الذي ينبط من قعر البئر إذا حضرت ويقال للعين نبط إذا كثر ماؤها قاله الجوهري.

قوله: وكان -يعني: أبا ذر- يقيم بالربذة.
هو بالراء والباء الموحدة المفتوحين وبالذال المعجمة كذا قال الجوهري قال: وهو موضع به قبر أبي ذر الغفاري وذكر في باب الزنا من "شرح المهذب" أنه على ثلاث مراحل من المدينة.

قوله: في "الروضة" ومنها المتيمم لعذر في بعض الأعضاء فإن لم يكن على العضو ساتر من جبيرة أو لصوق فلا إعادة، وإن كان ساتر فأقوال أظهرها إن وضعها على ظهر فلا إعادة وإلا وجبت.
انتهى.
وما جزم به في الوضع على حدث من حكاية قولين غريب فقد حكى الرافعي في المسألة طريقين إحداهما هذه، والثانية يعيد جزمًا قال وهي أظهر الطريقين.

الجزء: 2 - الصفحة: 339

قوله: ثم هذا كله فيما إذا كان الساتر على غير محل التيمم، فأما إذا كان على محل التيمم وجبت الإعادة لا محالة النقصان البدل والمبدل جميعًا كذلك ذكره ابن الصباغ في "الشامل" وأبو سعيد المتولي في "التتمة".
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن هذه العلة قد ذكرها ابن الصباغ وأما المتولي فلا بل علله بقوله لأن التيمم بدل، والجبيرة بدل، ولا يجوز أن يكون للبدل بدل هكذا رأيته في "التتمة".
الأمر الثاني: أن ما اقتضاه كلامه من عدم الخلاف قد تابعه عليه في "الروضة"، وكيف يستقيم ذلك مع أن لنا قولًا أن كل صلاة وجبت في الوقت لا يجب إعادتها ولو كان فاقدًا للطهورين كما تقدم، وما ذكره الرافعي من عدم الخلاف قد نقله في "شرح المهذب" عن هذين المذكورين وعن القاضي أبي الطيب والروياني، ثم قال: إن إطلاق الباقين يقتضي أنه لا فرق.

قوله في "الروضة": ومنها التيمم لشدة البرد، والأظهر: أنه يوجب الإعادة [والثاني: لا.
والثالث: تجب على الحاضر دون المسافر.
انتهى.
وما جزم به في الحاضر] 44 من حكاية قولين غريب، فإن الرافعي في حكى فيه كلامًا حاصله طريقان المشهور منهما القطع بوجوب الإعادة فاعلمه.

قوله: والعاجز عن ستر العورة كيف يصلى؟ فيه قولان أصحهما يصلى

الجزء: 2 - الصفحة: 340

قائمًا ويتم الركوع والسجود، لأن المقدور عليه لا يسقط بالمعجوز كيف والقيام والركوع والسجود أركان الصلاة والستر شرط.
والقول الثاني: يصلي قاعدًا وعلى هذا فهل يتم الركوع والسجود أم يومى؟ فيه قولان وقيل: يتحر وتجري الخلاف في صوره: منها ما إذا كان محبوسًا في موضع نجس لو سجد لسجد على نجاسة هل يتم السجود أم يقتصر على الإيمان، وإذا وجد ثوبًا طاهرًا لو فرشه لبقى عاريا ولو لبسه صلى على نجاسة ماذا يفعل؟ فيه الخلاف، وإذا وجد العريان ثوبًا نجسًا هل يصلي فيه أم يصلي عاريًا؟ فيه الخلاف.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" أيضًا وفيه أمران.
أحدهما: أن الخلاف المذكور في المسألة الأولى قد أجراه في الثلاثة المذكورة آخرًا ويؤخذ منه أن الصحيح في الأول من الثلاث أنه يتم السجود، وإن كان على نجاسة وهو مقتضى ما في هذا الباب من "شرح المهذب" أيضًا وأما المسألتان الأخيرتان فلا يظهر من هذا إلينا حكمهما لكن الصحيح فيهما أيضًا أنه يصلي عريانًا كذا ذكره في الشرح المذكور هنا.
الأمر الثاني: أن ما اقتضاه كلام "الروضة" و"شرح المهذب" هنا في المحبوس في موضع نجس من كونه يسجد على النجاسة قد خالفه في باب طهارة البدن والثوب من "شرح المهذب" فقال ما نصه: ولا يجوز أن يضع جبهته على الأرض هذا هو الصحيح، وحكى صاحب "البيان" وجهًا ضعيفًا أنه يلزمه وضعها وليس بشئ هذا لفظه وهو غريب جدًا، وصحح أيضًا مثله في "التحقيق" في الباب المذكور كذلك في هذا الباب في الكلام على فاقد الطهورين وهذا هو الصواب الذي عليه الفتوى فقد نص عليه

الجزء: 2 - الصفحة: 341

الشافعي في القديم والجديد وقال إنه يومئ كذا رأيته في هذا الباب من تعليق الشيخ أبي حامد.

قوله: قال الإمام والوجه القطع بأن الذين يعتادون العري يتمون الركوع والسجود فإنهم يتصرفون في أمورهم عراة.
انتهى.
[وحصل] 45 مقالة رابعة، وقد حذف ذلك من "الروضة"

قوله: وإن كان على المحل العليل ساتر فإن وضعه على طهر مسح عليه وصلى، ولا يجب الإعادة في أظهر القولين قياسًا على الخف إن وضع على حدث، فإن أمكن نزعه ليضعه على طهر وجب وإن تعذر مسح وصلى للضرورة هل يعيد؟ فيه طريقان: أظهرهما القطع بالوجوب، والثانية: على القولين السابقين.
انتهى.
وما ذكره من تصحيح طريقة القطع ذكر في الشرح الصغير وقال في "شرح المهذب" إنها الأصح التي قال بها الجمهور وجزم في "الروضة" بالطريقة الضعيفة، فإنه حكى في المسألة ثلاثة أقوال فخالف أصله وناقض كلامه ووقع له مثل هذا بعينه عقب ذلك فإنه قال: والأظهر أن التيمم لشدة البرد يوجب الإعادة، والثاني: لا، والثالث: يجب على الحاضر دون المسافر، والرافعي حكي في المسافر قولين، وأما الحاضر فصحح فيه القطع بالوجوب.

قوله من "زياداته": ولو لم يجد المريض من يحوله للقبلة لزمته الصلاة بحسب حاله وتجب الإعادة على المذهب قال الروياني: وقيل: قولان وهو شاذ انتهى كلامه.

الجزء: 2 - الصفحة: 342

وهذه المسألة قد ذكرها الرافعي قبل هذا الموضع بنحو ثلاثة أوراق في الكلام على الغريق ونحوه ولم يحك فيها خلافًا فحذفها النووي من هناك وزادها من كلامه في هذا الموضع وضم إليها حكاية الخلاف.

قوله أيضًا من "زوائده": لا يستحب تجديد التيمم على المذهب وبه قطع الجمهور في "المستظهرى" وجهان ويتصور في مريض وجريح ونحوهما ممن يتيمم مع وجود الماء إذا تيمم وصلى فرضًا ثم أراد نفلًا ويتصور في العدم أو لم يوجبه ثانيا.
انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدها: أن عدم استحباب التجديد قد ذكره الرافعي في الكلام على كيفية النية فحذفة المصنف هناك ثم ذكره من زوائده هنا إلا أنه زاد فيه هذا الخلاف.
الأمر الثاني: قد سبق في الوضوء أن الصحيح واستحباب تجديده حيث صلى به صلاة فرضًا كانت أو نافلة، وحينئذ فإذا قلنا باستحبابه هنا فيتصور في ثلاث صور.
إحداها: إذا صلى به فرضًا ثم أراد نفلًا.
الثانية: عكسه.
الثالث: إذا صلى به نفلًا ثم أراد به نفلًا آخر.
فاقتصار على الصورة الأولى غريب ولا شك أن توهم أن من صلى نافلة لا يستحب له التجديد وهو وجه ضعيف.
الأمر الثالث: أنه إنما شرط في التيمم لعدم الماء عدم وجوب الطلب؛ لأنه لو وجب لبطل تيممه، وإذا بطل خرج التيمم الذي يأتي به عن أن

الجزء: 2 - الصفحة: 343

يكون تجديدًا فتؤدي مشروعيته إلى عدم مشروعيته، وذلك دور.
ولقائل أن يمنع وجوب الطلب في هذه الحالة ويقول إنما يجب إذا لم يكن متممًا فإن إباحة الصلاة مع وجوب الطلب تفيده، وإذا قلنا: إن تجديد التيمم لا يستحب فهل يستحب التجديد في المغسول معه؟ فيه نظر أيضًا.

قوله: أيضًا ولو منع الوضوء إلا منكوسًا فهل فيه الاقتصار على التيمم أم عليه غسل الوجه لتمكنه منه؟ فيه القولان فيمن وجد بعض ما يكفيه حكاه الروياني عن والده قال: ولا يلزمه قضاء الصلاة إذا أمسك، امتثل المأمور على القولين وفي القضاء نظر لندوره لكن الراجح ما ذكره؛ لأنه في معنى من غصب ماؤه فلا قضاء.
انتهى كلامه.
ولا شك أن الإكراه على الفعل المذكور إكراه على الصلاة بلا وضوء وقد ذكر هذه المسألة في أثناء الكلام على الكلام في الصلاة، وجزم بوجوب الإعادة وعلله بالندرة وادعى الاتفاق عليه وسأذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى.

الجزء: 2 - الصفحة: 344

باب المسح على الخفين

و

النظر الأول في شروطه وكيفيته وحكمه

: وله شرطان عن أبي بكرة أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أرخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يومًا وليلة إذا تطهر ولبس خفيه أن يمسح عليهما وعن صفوان بن عسال قال: أمرنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا كنا مسافرين أو سفر ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة لكن من غائط أو بول أو نوم.
انتهى.
أما أبو بكرة فإنه بالباء في أوله وتاء في آخره، واسمه نفيع بضم النون وبالفاء مصغرًا ابن الحارث، سمى أبا بكرة لأنه تدلي ببكرة من حصن الطائف إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين حاصرها، توفي بالبصرة سنة إحدى وخمسين وحديثه هذا أخرجه ابن خزيمة وابن حبان في "صحيحهما"، وقال الشافعي والخطابى: إسناده صحيح، وقال البيهقي: قال الترمذي: سألت عنه البخاري فقال: إنه حسن.
وأما صفوان فبالصاد المهملة وأصله الحجر وعسال بعين مهملة مفتوحة وسين مهملة مشددة وفي آخره لام وهو صفة للرمح، يقال: عسل الرمح عسلانًا بالفتح إذا اهتز واضطرب فهو عسال وأما سفر فبسكون الفاء.
قال الجوهري: يقال سفرت أسفر سفورًا خرجت إلى السفر فأنا سافر وقوم سفر كصاحب وصحب.
انتهى.
والمشهور عند النحاة فيه وفي أوزانه كصحب ونحوه أنه اسم جمع لا جمع.
وحكى ابن الصلاح في "مشكل الوسيط" خلافًا في أنهم هل نطقوا شيئًا أم لا؟ ، وحديث صفوان هذا رواه ابن خزيمة في صحيحه والترمذي في

الجزء: 2 - الصفحة: 345

"جامعه" وقال: إنه حسن صحيح.

قوله: ومن شرط المسح على الخف أن يلبسه وهو متطهر، وعند أبي حنيفة لا يشترط تقدم الطهارة على اللبس وإنما المعتبر أن يطرأ الحدث بعد اللبس على طهارة كاملة.
لنا حديث أبي بكرة وعن المغيرة بن شعبة قال: سكبت الوضوء لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلما انتهيت إلى رجليه أهويت إلى الخفين لأنزعهما فقال: "دع الخفين فإني أدخلتهما وهما طاهرتان" علل جواز المسح بطهارتهما عند اللبس، فإذا كانتا طاهرتين كانت سائر الأعضاء طاهرة؛ لأن الترتيب واجب فلو غسل إحدى الرجلين وأدخلهما الخف ثم غسل الأخرى وأدخلها لم يكف؛ لأن أول اللبس تقدم على تمام الطهارة.
انتهى.
فيه أمور: أحدها: أن الأصحاب قد قرروا في كتاب الإيمان في كتاب أن استدامة اللبس لبس وحينئذٍ فإذا غسل رجليه في الخف صدق اللبس بعد الطهر الكامل وهذا يقوي مذهب أبي حنيفة والمزني وإلا يلزمنا الفرق.
الثاني: أن ما ذكره من أن الرجلين إذا كانتا طاهرتين كانت سائر الأعضاء؛ كذلك لأن الترتيب واجب يقتضي أنه لو كان جنبًا مغسل أعضاء الوضوء عن الحدث ثم لبس الخف جاز المسح، بل يوهم الجواز أيضًا فيما إذا لبس بعد غسل الرجلين فقط والمتجه خلافه، ويحتمل الإجزاء؛ ويقوى في الصورة الأولى؛ لأنه تطهر طهارة كاملة، فإن الطهارة تطلق على الوضوء وعلى الغسل، فإن لم تكن هذه المسألة مستثناه فهي واردة على التقرير الذى ذكره.

الجزء: 2 - الصفحة: 346

الأمر الثالث: أن الوضوء في حديث المغيرة بالفتح على المعروف لأن المراد به الماء، وحديثه هذا رواه الشيخان 46 على اختلاف في بعض الألفاظ.

قوله: ولو ابتدأ اللبس وهو متطهر ثم أحدث، قيل: إن وصلت الرجل إلى قدم الخف لم يجز المسح نص عليه في "الأم" وذكر فيه -أى الأم أيضًا- أنه إذا مسح على الخفين بشرطه ثم أزال قدميه من مقرهما ولم يظهر من محل الفرض شئ لا يبطل المسح، ونقل القاضي أبو حامد أنه ما نصه وفرض القاضي الحسين المسألة فيما إذا أحدث وقد أدخل بعض قدميه في مقرها والباقى في ساق الخف وقال اختلفوا في صورتي الابتداء والانتهاء في أن حكم البعض هل هو كحكم الكل أم لا؟ انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن محل الخلاف في الصورة الثانية إذا كان الخف على [الطول] 47 المعتادة، فإن كان أطول من العادة فأخرج رجليه إلى موضع لو كان الخف معتادًا لظهرت فاستبطل مسحه قطعًا كذا ذكره صاحب "البيان" ونقله عنه النووي في "شرح المهذب" ولم يخالفه.
الأمر الثاني: أن ما نقله الرافعي عن القاضي الحسين من الخلاف في أن البعض هل ينزل منزلة الكل ابتداء وانتهاء أي في ابتداء اللبس وفي الإخراج بعد الاستقرار في القدم قد أسقطه النووي من "الروضة".

قوله: إذا توضأت المستحاضة ولبست الخفين ثم أحدثت حدثًا غير حدث الاستحاضة ولم ينقطع دمها قبل المسح جاز لها المسح على الأصح المنصوص، فإن انقطع دمها قبل المسح وشفيت نزعت وأتت بطهارة كاملة، وقيل: تمسح سواء انقطع أم لم ينقطع وقيل: لا تمسح أصلًا ثم إذا جوزنا

الجزء: 2 - الصفحة: 347

المسح نظر إن أحدثت قبل أن تصلي بطهارتها فريضة مسحت وصلت فريضةً ونوافل، فإن أحدثت بعد ما صلت فريضة مسحت ولم تصل به إلا النوافل؛ لأنه الذي تستفيده بطهارتها فلا تستفيد بالمسح المرتب عليها أكثر من ذلك، وحكى عن "تعليق أبي حامد" أن لها أن تستوفي مدة المسح المرتب عليها ولكن عند كل صلاة فريضة تعيد الطهارة والمسح.
اشهى كلامه ملخصًا.
تابعه عليه في "الروضة" وفيه أمور: أحدها: أن كلامه في المستحاضة لا يعلم منه الحكم فيما إذا شفيت بعد المسح، وقد قالوا: إذا شفيت بعد الوضوء، فإن كان قبل شروعها في الصلاة بطلت طهارتها وإن كان بعد الفراغ لم يضر، وان كان في الأثناء ففيه خلاف، والصحيح أنه يضر ويظهر أن يكون الحكم هنا في الأقسام الثلاثة كذلك.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد احترز عن حدث الاستحاضة ولم يبين حكمه وقد بينه في "شرح المهذب" فقال: إنه لا يضر ولا يحتاج معه إلى استئناف الطهارة إلا إذا أخرت الدخول في الصلاة بعد الطهارة ودمها يجرى، وقلنا بالمذهب أنه تنتقض طهارتها ويجب استئنافها فحينئذ يكون حدث الاستحاضة كغيره على ما سبق هذا كلامه.
الأمر الثالث: أن ما نقله عن أبي حامد قد تابعه عليه أيضًا ابن الصلاح في مشكل الوسيط والنووي في "شرح المهذب" وصرحا بأنه الشيخ أبو حامد لكن الذي رأيته في تعليق الشيخ أبي حامد المذكور إنما هو الجزم المذهب المشهور، وهو أنها إذا أحدثت قبل أن تصلي فريضة بطهارتها مسحت وصلت فريضة ونوافل، وان أحدثت بعد صلاة الفريضة مسحت وصلت نوافل فقط.

الجزء: 2 - الصفحة: 348

قوله: والوضوء المضموم إليه التيمم بسبب جراحة أو انكسار حكمه حكم طهارة المستحاضة، وأما محض التيمم فإن كان سببه إعواز الماء لم نستفد به جواز المسح بل إذا وجد الماء لزمه النزع والوضوء الكامل، وعن ابن سريج أنه يجوز؛ لأنه يبح الصلاة أيضًا، ثم قال: فإن كان بسبب شئ آخر سوى إعواز الماء أى: كالجراحة فهو كطهارة المستحاضة في جواز ترتيب المسح عليه فإنه لا يتأثر بوجدان الماء لكنه ضعيف لا يرفع الحدث بطهارتها.
انتهى.
ولقائل أن يقول: ما صورة هذه المسألة الأخيرة؟ لأنه إذا تيمم للجراحة ولبس الخف وأحدث وأراد الصلاة، فإن برئ الجرح وجب نزع الخف بلا نزاع كالمستحاضة إذا شفيت وبه صرح في "شرح المهذب"، فإن لم تبرأ فلا مسح أصلًا؛ لأنه بمحض التيمم كما كان بمحضه قبل اللبس.
والجواب: أن صورته فيما إذا لم يزل السبب ولكن تكلف المجروح وغسل ثم أراد المسح غير أنه يبقى النظر في أن هذا الفعل هل يجوز أم لا؟ والعجب من الرافعي والنووي كيف لم يذكرا صورة هذه المسألة.
واعلم أن تعليله لمذهب ابن سريج بكون التيمم يبيح الصلاة لا يحسن؛ لأن ابن سريج يرى أن التيمم يرفع الحدث في حق الفريضة الواحدة، وممن صرح بذلك ابن الرفعة هنا وفي التيمم وأشار إليه الرافعي أيضًا هناك ولم يصرح الرافعي بالوضوء المضموم إليه التيمم للإعواز لكن كلامه يشعر بأنه لا يكفي وهو ظاهر.

قوله: والخف المشقوق القدم إذا شد محل الشق منه بالشرج يجوز المسح عليه في أظهر الوجهين، ونص عليه الشافعي لحصول الستر والارتفاق بالمشى.
انتهى.

الجزء: 2 - الصفحة: 349

الشرج: بالشين المعجمة والراء المهملة المفتوحتين وبالجيم هو العُرَى.

قوله: ويشترط في الخف أن يمكن متابعة المشي عليه بقدر ما يحتاج إليه المسافر في حوائجه عند الحط والترحال.
انتهى.
لم يبين -رحمه الله- مدة التتابع وقد رأيته مبينًا في كتاب "التبصرة" للشيخ أبي محمد الجويني، وجعل الضابط مسافة القصر فقال ما نصه وأقل حد المتابعة على التقريب لا على التجديد مسافة سفر القصر هذا لفظه.
وفي "رونق أبي حامد" تقديرها بثلاثة أميال، والأول هو المعتمد عليه.

قوله: ولو تعذر المشي فيه لسعته المفرطه أو لضيقه ففي جواز المسح عليه وجهان: أصحهما: المنع.
انتهى.
يستثنى من ذلك ما قاله الخوارزمي في "الكافي" وهو ما إذا كان ضيقًا لكنه يتسع بالمشي عن قرب فإنه يجوز.

قوله: ولو تعذر لغلظه أو ثقله كالخشب والحديد لم يجز، هكذا قاله الجمهور ثم قال ما نصه: وذكر إمام الحرمين وصاحب الكتاب في الوسيط: أنه يجوز المسح على الخف من الحديد وإن عسر المشي فيه، فإن ذلك ليس لضعف الملبوس وإنما هو لضعف اللابس.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن ما نقله عن الجمهور قد صوره هو بما إذا تعذر المشي فيه، وما نقله عن الإمام والغزالي قد صوره أيضًا بما إذا عسر ولم يصوره بالتعذر كذلك ذكر للإمام والغزالي ومقتضى اللفظ أنهما مسألتان.
فالأولى: منعها الجمهور وصورتها عند التعذر.
والثانية: وهي التي جوزها الإمام والغزالي صورتها إذا أمكن.

الجزء: 2 - الصفحة: 350

لكن الذي أراده الرافعي أن الكلام كله [في] 48 مسألة واحدة وأن الثاني حكاية لوجه مخالف الأكثرين فإنه قد بينه في "الشرح الصغير" فقال: ولو تعذر المشي فيه لثقله أو غلظه كالمتخذ من الخشب أو الحديد، قال الأكثرون: لا يجوز المسح، وقال الإمام: يجوز لأن عسر المشي لضعف اللابس لا لضعف الملبوس هذا لفظه.
ولقائل أن ينازع الرافعي في ذلك ويقول: بل هما مسألتان ومدلولات الألفاظ قاضية بذلك.
الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" قد حذف ما نقله الرافعي عن الإمام والغزالي وهو اختصار عجيب، فإن مقالتهما إما خلاف في المسألة أو مسألة أخرى.
وقد ذكر ذلك في "شرح المهذب" وتوقف في أن ذلك خلاف أو لا كما توقفت.

قوله: الثانية ذكر الشيخ أبو محمد أنه ينبغي أن يقع على الملبوس اسم الخف حتى لو لف على قدميه قطعة أدم وشده بالرباط لم يجز المسح عليه.
. . . إلى آخره.
وما قاله الشيخ أبو محمد جزم به الرافعي قبل هذا بنحو ورقه في الكلام على الخف المخرق، فاعلم ذلك.

قوله: من "زوائده" ويجوز على خف زجاج قطعًا إذا أمكن متابعة المشي عليه والله أعلم.
وما ذكره من دعوى عدم الخلاف ذكر مثله في "شرح المهذب" وليس كما زعم، فقد جزم البندنيجي في "تعليقه" بالمنع لكونه لا يستر ومن نظائر

الجزء: 2 - الصفحة: 351

المسألة ستر العورة بذلك ورؤية المبيع من ورائه والحكم أنهما لا يكفيان.
أما عدم الاكتفاء في العورة فلأن المقصود سترها عن الأعين ولم يحصل بخلاف الخف، فإن المعتبر فيه غسل الرجل بسبب الساتر وقد حصل، وأما عدم الاكتفاء في المبيع؛ فلأن المطلوب نفي الغرر وهو لا يحصل؛ لأن الشئ من وراء الزجاج يرى كبيرًا جدًا على خلاف ما هو عليه.
ومن نظائر المسألة أيضًا: إذا حلف لا يراه فرآه من وراء ذلك وستعرف الكلام عليها إن شاء الله تعالى في الطلاق.

قوله: ولو اتخذ خفًا من جلد الميتة قبل الدباغ لم يحل استعماله في البدن باللبس وغيره على أصح القولين ونص في "الأم" على أنه لا يجوز المسح عليه؛ لأنه لا يماس الصلاة وفائدة المسح، وإن لم تنحصر في الصلاة إلا أن المقصود الأصلي الصلاة وما عداها كالتابع، وأيضًا فإن الخف يدل عن الرجل، ولو كانت الرجل نجسة لم يغسل عن الوضوء ما لم يطهر عن النجاسة فكيف يمسح على البدل وهو نجس العين.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" عليه وفيه أمور: أحدها: أن ظاهر العين إذا أصابته نجاسة [حكمه] 49 في ذلك حكم نجس العين صرح به النووي في "شرح المهذب" وصاحب "الذخائر".
الثاني: أنه لو كان محل المسح طاهر العين دون [خرق] 50 أسفله أو كانت الطهارة ظاهرة العين دون البطانة فمقتضى التعليل الأول أن المسح لا يصح لأن الصلاة فيه لا تصح، وأما على الثاني فيحتمل أن يقال إنه يصح ونستفيد به مس المصحف ونحوه، إن قلنا إن مسح الخف يرفع الحدث وهو ما صححه النووي، وإن قلنا إنه كالتيمم في أنه يبيح الصلاة خاصة وهو

الجزء: 2 - الصفحة: 352

مقتضى ما صححه الرافعي في "الشرح الصغير" كما [ستعرفه] 51 في آخر الباب فينبني على صحة التيمم قبل إزالة النجاسة، فإن لم يصححه هناك [فهنا] 52 أولى، وإن [صححناه] 53 فالظاهر الصحة أيضًا ولو كان كله طاهر العين ولكن تنجس أسفله أو خرقه دون محل المسح فيتجه فيه أيضًا هذا التخريج، ومقتضى كلام الرافعي في الكلام على كيفيه المسح الجزم بالصحة، وقد رأيته مصرحًا به في "التبصرة" للشيخ أبي محمد.
الأمر الثالث: أن للصلاة قد تباح مع لبس الخف النجس العين لشدة البرد ونحوه وحينئذ فيكون مقتضى التعليل الأول من [تعليلى] 54 الرافعي أنه جوز المسح عليه خصوصًا إذا لم يجد ما يكفيه للغسل لو نزع الخف، وقول الرافعي: يماس الصلاة أي لا يجامعها، فعبر به عنه مجازًا؛ لأن من مس شيئًا فقد اجتمع به وقاربه.

قوله: فالقديم ونص عليه في "الإملاء" أنه يجوز المسح على الجرموقين، والجديد أنه لا يجوز؛ فإن جوزنا فقد ذكر ابن سريج فيه ثلاثة معانٍ.
أظهرها أن الجرموق بدل عن الخف، والخف بدل عن الرجل.
وثانيها الأسفل كاللفافة والخف [هو] 55 الأعلى.
وثالثها: أن الأعلى والأسفل معًا كخف واحد له ظهارة وبطانة.
انتهى.
تابعه في "الروضة" "وشرح المهذب" على التعبير بالمعاني مع أن هذه

الجزء: 2 - الصفحة: 353

المعاني الثلاث هي وجوه لابن سريج كذا نبه عليه الرافعي في "الشرح الصغير" فقال فيه ثلاثة أوجه لابن سريج هذا لفظه وسبقه إليه الإمام في "النهاية" والروياني في "البحر" والعمراني في "البيان" وغيرهم بل عبارة "البحر" [إن] 56 فيه ثلاثة أوجه نقلها ابن سريج عن الأصحاب.

قوله: ويتفرع على هذه المعاني صور منها: لو خرق على الأعلى من رجل والأسفل من [الأخرى] 57 فإن قلنا إنه بدل البدل نزع الأعلى المتخرق وأعاد المسح على ما تحته وهل يكفي ذلك أم يحتاج إلى استئناف الطهارة؟ فيه قولان.
وإن قلنا: إنهما كطاقتي خف لم يضر.
وإن قلنا: الأسفل اللفافة ويجب نزع الكل كما لو تخرق أحد الخفين ثم إذا نزع غسل الرجلين وفي استئناف الوضوء القولان.
انتهى.
والتفريع على المعنى الأخير وهو اللفاقة قد سقط [من الروضة] 58.

الجزء: 2 - الصفحة: 354

النظر الثاني في كيفية المسح

قوله: لا كلام في أن ما يحاذي غير الأسفل والعقبين محل للمسح.
انتهى.
ويستثني مما قاله خرق الخف، فإن حكمه حكم الأسفل كما جزم به النووي في "المنهاج" ونقله في "الروضة" و"شرح المهذب" عن "التهذيب" وأثره.

قوله: في "الروضة" إلا أسفل الرجل [فإنه لا] 59 يجوز الاقتصار عليه في الأظهر وقيل: يجوز قطعًا، وقيل: لا يجوز قطعًا.
انتهى.
وما صححه في طريقة القولين تبعًا للرافعي قد خالفه في "شرح المهذب" فقال: المذهب وهو الصواب المعتمد نقلًا ودليلًا وعليه جمهور الأصحاب القطع بعدم الإجزاء.

قوله: وأما الأكمل فهو أن يمسح أعلى الخف وأسفله فقد رواه هكذا المغيرة بن شعبة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والأولى أن يضع كفه اليسرى تحت العقب واليمنى على ظهر الأصابع، ويُمر اليسرى إلى أطراف الأصابع من أسفل واليمنى [على] 60 الساق وروى هذه الكيفية عن ابن عمر.
انتهى.
وهذه الكيفية قد أسقطها النووي من "الروضة" مع اتفاق الأصحاب على استحبابها كما قاله في "شرح المهذب" حتى إن صاحب التنبيه قد صرح باستحبابها فيه، وأما حديث المغيرة فرواه أبو داود والترمذي وغيرهما لكنه ضعيف ضعفه البخاري وغيره وكذلك الشافعي واعتمد على أثر ورد عن عمر قاله في "شرح المهذب".

قوله: وقال الغزالي في "الوجيز" الأكمل أن يمسح أعلاه وأسفله إلا أن

الجزء: 2 - الصفحة: 355

يكون على أسفله نجاسة، وهذا استثناء لم يذكره في "الوسيط" ولا تعرض له الأكثرون وفيه إشعار بالعفو عما على أسفله فأما عدم المسح فلا شك فيه؛ لأن المسح يزيد فيها وأما العفو ففيه كلام يأتي في الصلاة.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن كلامه [مشعر] 61 بانفراد الغزالي بهذا الاستثناء مع أن القاضي الحسين قد صرح به في تعليقه حكمًا وتعليلًا، وزاد عن هذه المسألة في هذا التعليل فقال: لأنه ينجس يده ويزيد في النجاسة.
الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" قد عبر عن هذه المسألة بقوله: ولو كان عند المسح على أسفل خفه نجاسة لم يجز المسح عليه أى على الأسفل.
وحاصل هذه العبارة أنها مسألة أخرى مستقلة، وحكمها أيضًا ممنوع، فإن المسح على الأسفل المذكور، إن كان بدون الأعلى فلا يصح طاهرًا كان أو نجسًا، وإن كان معه صح ونستفيد به مس المصحف ونحوه وكذلك الصلاة ونحوها إذا أزال النجاسة.

قوله: وهل يستحب مسح العقب؟ فيه قولان، وقيل وجهان: أصحهما: نعم، ومنهم من قطع بالاستحباب ونفي الخلاف.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على تصحيح طريقة القولين فقال: ويستحب مسح العقب على الأظهر وقيل: الأصح، وقيل قطعًا ثم عكس ذلك في "شرح المهذب" فقال مشيرًا إلى طريقة القطع ما نصه: وهذه الطريقة هي المذهب وجزم بها كثيرون وذكر مثله في "شرح التنبيه" المسمى بالتنقيح [بالتحفة فقال: ومنهم من قطع باستحبابه وهو الأصح وكذلك في شرح الوسيط المسمى بالتنقيح] 62 فقال: أصحهما القطع باستحبابه وهو نص الشافعي في معظم كتبه، والثانية: على قولين.
هذا كلامه ولم

الجزء: 2 - الصفحة: 356

يذكر المسألة في "المنهاج" وذكرها في "التحقيق" ولم يبين الأصح منهما بل قال: المذهب استحباب مسحه.

قوله: لكن استيعاب الكل ليس بسبب مسح رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على خفيه خطوطًا، وحكى عن تعليق القاضي حسين أنه يستحب الاستيعاب كما في مسح الرأس.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن ما صححه من عدم الاستحباب صححه أيضًا النووي في "الروضة"، وجزم به في "التحقيق" و"المنهاج" وخالف ذلك في "شرح المهذب" فإنه نقل عن الإمام والغزالي عدم الاستحباب ثم قال: وأطلق جمهور الأصحاب استحباب استيعاب الخف بالمسح.
هذا لفظه.
الثاني: أن الذي حكاه الرافعي عن "التعليق" صحيح فإنه مذكور فيها كذلك، ومذكور أيضًا في "الإبانة" للفوراني و"التتمة" للمتولي وغيرها لكنهم فسروا الاستيعاب بالكيفية المستحبة في المسح وهي أن تضع اليسرى تحت العقب واليمنى على رءوس الأصابع إلى آخر ما قالوه، فذكروا هذه العبارة تنبيهًا على خلاف أبي حنيفة وأحمد حيث قالا يستحب مسح الأعلى دون الأسفل وحينئذ فلا خلاف في المسألة بين القاضي وغيره فاعلمه وقد نبه ابن الرفعة أيضًا عليه ويظهر بسبب ما وقع فيه النووي من الاختلاف فإن مراد الإمام والغزالي بالاستيعاب غير ما أراده الجمهور منه فتوهم النووي أن المراد واحد فأثبت خلافًا وناقض كلامه، والحديث المذكور هو المسح خطوطًا قال في "شرح المهذب": إنه ضعيف وإنه يروي عن على، وقال ابن الصلاح: إن الخطوط ليس لها أصل في كتب الحديث وإن قول صاحب

الجزء: 2 - الصفحة: 357

"النهاية": ورد فيه حديث صحيح ليس بصحيح.
انتهى.
ولكن روى جابر قال: مر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - برجل يتوضأ وهو يغسل خفيه فنخسه بيده وقال: "إنا لم نؤمر بهذا" فأره رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال بيده من مقدم الخفين إلى أصل الساق مرةً وفرج بين أصابعه 63. رواه الطبراني في "أصغر معاجمه" 64. وقال تفرد به بقية بن الوليد.
واعلم أن بقية وإن كان مدلسًا إلا إنه ثقة أخرج له مسلم في الوليمة.

قوله: وأما قول الغزالى: إن الغسل والتكرار مكروهًا فإنما يكره الغسل لأنه تغييب للخف بلا فائدة، وكذلك التكرار يوجب ضعف الخف إلى آخره، ثم نقل أعني الرافعي وجهًا أن الغسل لا يجزئ ووجهًا آخرًا أن التكرار مستحب، ولم يذكر في المسألتين هنا غير ذلك.
وفيه أمران: أحدهما: أن هذا التعليل يقتضي أنه لا يكره ذلك في الخف من الحديث والخشب إذا أمكن متابعة المشي فيهما.
الثاني: أن ما قاله الغزالي في المسألتين من الكراهة هو المعروف فقد وافقه عليه الرافعي في "الشرح الصغير" فجزم بكراهة الغسل وصحح كراهة التكرار وصحح النووي ذلك في "شرح المهذب" وفي أصل "الروضة" أيضًا، وإن كان كلام الرافعي في "الكبير" هنا ليس فيه إلا ما قلناه.
نعم: جزم فيه أعني في -الكبير- بكراهة غسل الخف في الكلام على مسح الرأس.

الجزء: 2 - الصفحة: 358

النظر الثالث في حكم المسح

قوله: وهل يتقدر المسح بمدة أم لا؟ فيه قولان: قال في القديم: لا، لما روى ابن عمارة وكان ممن صلى للقبلتين قال: قلت: يا رسول الله أمسح على الخف، قال: "نعم"، قلت: يومًا، قال: "ويومين" قلت: وثلاثة أيام، قال: "نعم وما شئت" 65. وقال في الجديد يتقدر في حق المقيم بيوم وليلة في حق المسافر بثلاثة أيام ولياليهن لحديث صفوان بن عسال كما تقدم.
انتهى.
واعلم أن التعبير بقوله: و"لياليهن" هو التعبير الموجود في الأحاديث وفي كتب الأصحاب أيضًا وليلة اليوم هي الليلة السابقة عليه فلا يكون مقتضى اللفظ جواز مسح ثلاث ليال مطلقًا؛ بل جواز مسحها إن كانت ليالي تلك الأيام، وحينئذ فقد يتفق استباحة الثلاث كما إذا أحدث عند الغروب وقد يتفق له استباحة الثلاث كما إذا أحدث عند الغروب وقد يتفق ذلك في ليلتين كما إذا أحدث عند الفجر وهذا هو مقتضى اللفظ الوارد في

الجزء: 2 - الصفحة: 359

الحديث وفي كتب الأصحاب فاعلمه.
غير أن الرافعي لما تكلم على غاية ما يمكن المسح له من الصلوات مثل بمثال يؤخذ منه جواز مسح ثلاث ليال مطلقًا.
ولقائل أن يقول له: الدليل قائم على امتناع ما قلت فما الدليل على ما ذهبت إليه، وما جوابك عما قلناه؟ وحديث صفوان صحيح كما تقدم، وأما حديث أبي بن عمارة فرواه أبو داود والدارقطني والبيهقي وغيرهم من أهل السنن واتفقوا على أنه ضعيف مضطرب لا يحتج به.
وعمارة بكسر العين وضمها والكسر أشهر، وخالف ابن عبد البر فقال: إن الضم قول الأكثرين قالوا: وليس في الأسماء عمارة بكسر العين غير هذا.

قوله: وتعبير الرافعي ابتداء المدة من وقت الحدث بعد اللبس ونقل عن أحمد وداود أن ابتداءها من وقت المسح.
دلنا أن وقت جواز المسح يدخل بالحدث ولا معنى لوقت العبادة سوى الزمان الذي يجوز فعلها فيه كوقت الصلاة وغيره.
انتهى كلامه.
وهذا التعليل الذي ذكره الرافعي مشهور في كتب المتقدمين من أصحابنا والمتأخرين وهو صريح في أنه لا يجوز لماسح الخف أن يجدد الوضوء قبل الحدث لكن جزم النووي في "شرح المهذب" بالاستحباب فضلًا عن الجواز، فإنه قال في الاستدلال على أن ابتداء المدة من حين الحدث، واحتج أصحابنا بأنه إنما يحتاج إلى الترخص بالمسح من حين يحدث، وهذا

الجزء: 2 - الصفحة: 360

فاسد فإنه يحتاج بمجرد اللبس لتجديد الوضوء.
واعلم أنه إذا لبسه ثم أراد تجديد الوضوء قبل أن يحدث جاز له المسح، ولا تحسب عليه المدة حتى يحدث هذا لفظه، وذكر ابن الرفعة في "الكفاية" أن مقتضى القياس المتقدم منع اللابس من التجديد قال: ولا شك في كونه مكروهًا وكلامه يقتضي أنه لا فرق بين ما قبل الحدث وما بعده والذي دل عليه تعليل الأصحاب إنما هو المنع فيما قبل الحدث كما فرضناه.
وهذا الذي نقله الرافعي عن أحمد وداود قد نقله في "شرح المهذب" عن أبي ثور وابن المنذر من أصحابنا ثم قال أعني النووي: إنه المختار لأنه مقتضى أحاديث الباب الصحيحة انتهى.
وأما ما جاء في رواية عن صفوان بعد قوله: "وبول من الحدث" إلى الحدث فخرجها القاسم بن زكريا المطرز لكنها لم تثبت.

قوله: ولو أحدث في الحضر ومسح في السفر فإنه يمسح مسح مسافر خلافًا للمزني حيث قال: يمسح مسح مقيم ولنا أنه لو سافر بعد دخول وقت الصلاة كان له القصر على الصحيح.
انتهى.
واعلم أن هذا النقل عن المزني قد أنكره جماعة منهم القاضي أبو الطيب فقال ما نصه: نقل الداركي عن المزني أنه يمسح مسح مقيم وليس بصحيح ومذهبه كمذهبنا.
فإن قيل: استدلال الرافعي على المزني بالقياس على جواز القصر في هذه الحالة أيضًا مردود ففي "المهذب" في صلاة المسافر نقلًا عنه أيضًا أنه لا يجوز [القصر] 66 بل يجب الإتمام.

الجزء: 2 - الصفحة: 361

فالجواب أن مذهب المزني في القصر هو الجواز كما نقله عنه الرافعي؛ لأن الشيخ في "المهذب" قد نقل هناك عنه أن فائتة الحضر يباح قصرها في السفر.
فإذا كان مذهبه جواز القصر إذا مضى جميع الوقت في الحضر [فالأولى] 67 جوازه إذا مضى مقدار الصلاة [وأما ما نقله الشيخ عن المزني في هذه الحالة أي فيما إذا مضى مقدار الصلاة] 68 فإن المزني قاله تخريجًا من وجوب القضاء على المرأة إذا حاضت بعد إمكان فعل الصلاة فقال: قياس قول الشافعي أنه يلزمه الإتمام هكذا صرح به جماعة ونقله ابن الرفعة عنه فالمزني إنما قاله: إلزامًا لأن المسألتين عنده متشابهتان ولم يقل ذلك مذهبًا ثم إن المزني لما وافق في مسألة طرآن الحيض بعد إمكان فعل الصلاة لزمه أن يقول: ليس له القصر؛ لأن المسألتين عنده متناظرتان فلذلك احتج عليه الرافعي بالقياس على القصر.

قوله: ولو ابتدأ المسح في الحضر ثم سافر أتم مسح المقيمين وكذا لو انعكس الحال وقال المزني: كل يوم وليلة في السفر [تقابل بثلث يوم وليلة في الحضر؛ فإن مسح يومًا وليلة في السفر] 69 ثم أقام فله ثلثًا يوم وليلة وإن مسح يومين وليلتين ثم أقام فله ثلث يوم وليلة.
انتهى كلامه.
واعلم أن البندنيجي قد ذكر في "تعليقه" مذهب المزني محررًا وستر ما ذهب إليه فقال: حكى أبو العباس يعني ابن سريج عن المزني أنه قال: إذا كان مقيمًا ثم سافر أو مسافرًا ثم أقام بنى إحدى المدتين على الأخرى [ويقسط] 70 ذلك على الزمان فإن كان مقيمًا فمضى من مدة الإقامة ثلثها

الجزء: 2 - الصفحة: 362

من حين الحدث ثم سافر له أن يمسح بعد أن حصل مسافرًا يومين وليليتن ثلثي مدة السفر في مقابلة ما بقى من مدة الحضر وهو ثلثًا يوم وليلة [فإنه بقى له الثلثان من مدة المسح وقد صار الآن مدة مسافرين وإن كان مسافرًا يوم وليلة] 71 ثم حضر فقد مضى له ثلث مدة السفر فيضيف إلى هذا ثلثي مدة الحضر انتهى.
وكلام الرافعي منطبق عليه في الصورتين فتأمله إلا إنه لم يمثل إلا لطرآن الإقامة على السفر، وقد اختصره في "الروضة" على صورة تقتضي أن خلاف المزني إنما هو في الثانية خاصة فإنه حذف الضابط، واقتصر على المثال ولكنه عبر عنه أعني عن المثال بتعبير حسن أخذه من مشكل الوسيط لابن الصلاح فقال: وقال المزني: يمسح ثلث ما بقى من ثلاثة أيام ولياليهن مطلقًا هذا لفظه من غير زيادة عليه ولا يمكن عوده إلا إلى الثانية فقط.

قوله: الغاية الثانية نزع الخفين أو إحداهما فإن وجد ذلك وهو على طهارة مسح لزمه غسل الرجلين وفي استئناف الوضوء قولان؛ أظهرهما أنه لا يلزمه.
انتهى ملخصًا.
واحترز بالمسح عن طهارة الغسل ويدخل في ذلك مسائل.
الأولى: إذا لم يحدث قبل النزع وهو واضح.
الثانية: إذا أحدث ولكن توضأ وغسل رجليه في الخف وطهارته كاملة ولا يلزمه شئ بلا خلاف وله أن يستأنف لبس الخف بهذه الطهارة كذا ذكره في "شرح المهذب" وأشار بقوله: وله أن يستأنف إلى وجوب [نزعها] 72 إذا أراد المسح حتى لو كان المقلوع واحدة فقط فلابد من نزع الأخرى وهو كذلك.
الثالثة: إذا كان على طهارة المسح ولكن اتفق أن غسل رجليه في الخف

الجزء: 2 - الصفحة: 363

قبل النزع أو غسلهما قبل انقضاء المدة والمنقول في هذه المسألة أن الغسل المذكور لا أثر له بعد النزع والانقضاء لأن فرض الرجل قد سقط بالمسح فلم يكن الغسل على اعتقاد الفرض كذا ذكره البغوي في فتاويه ثم قال: ويحتمل خلافه وهي مسألة نفيسة، وما ذكره فيها متجه.

قوله: واختلفوا في أصل القولين المذكورين، فقيل: إنهما أصل [بأنفسهما] 73 وقيل: مبنيان على تفريق الوضوء، وقيل: على أن بعض الطهارة هل تختص بالانتقاض، وقيل على أن مسح الخف هل يرفع الحدث عن الرجلين أم لا، فإن قلنا يرفع استأنف وإلا فلا، وهذه طريقة القفال والشيخ أبي حامد وأصحابهما، وهو ما أورده الغزالى.
انتهى ملخصًا.
ومقتضى كلامه أن الأكثرين على ترجيح طريقة البناء على رفع الحدث، وقد صرح بتصحيحه في "الشرح الصغير" ولم يصح في "الروضة" شيئًا لكنه صحح في "شرح المهذب" أنهما أصلان بنفسهما ولهذا صحح فيه وفي "الروضة" من زوائده أن مسح الخف يرفع الحدث لكن تصحيح الرافعي في الشرح أن القولين مبنيان على رفع الحدث مع تصحيحه لوجوب غسل الرجلين يلزم منهما أن يكون الأصح عنده أن مسح الخف لا يرفع الحدث على خلاف ما صححه النووي في "الروضة" وغيرها فاعلمه.

قوله: من "زياداته": ولو خرج الخف عن صلاحية المسح لضعفه أو لخرقه أو غير ذلك فهو كنزعه.
انتهى.
ومسألة التخرق ذكرها الرافعي وكررها في مواضع عديدة في الكلام على فوائد الخلاف في أن الجرموق إذا جوزنا المسح عليه يتنزل منزلة البطانة أو غيرها.

الجزء: 2 - الصفحة: 364

فصول الكتاب · 72 فصل
فصول المهمات في شرح الروضة والرافعي
المقدمةالمقدمةمقدمة المحققمقدمة المؤلفكتاب الطهارةكتاب التيممكتاب الحيضكتاب الصلاةكتاب الصلاةكتاب الصلاة بالجماعةكتاب صلاة المسافرينكتاب الجمعةكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الحجكتاب البيعكتاب الرهنكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب العاريةكتاب الغصبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب الجعالةكتاب الوقفكتاب الهبةكتاب اللقطةكتاب اللقيطكتاب الفرائضكتاب الوصاياكتاب الوديعةكتاب قسم الفيء والغنيمةكتاب قسم الصدقاتكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب القسم والنشوزكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفاراتكتاب "العدد"كتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجراحكتاب الدياتكتاب دعوى الدمكتاب الجنايات الموجبة للعقوباتكتاب موجبات الضمانكتاب السيركتاب [عقد] (1) الجزية والمهادنةكتاب الصيد والذبائحكتاب الضحايا والعقيقةكتاب الأطعمةكتاب السبق والرميكتاب الأيمانكتاب [النذر]كتاب القضاءكتاب الشهاداتكتاب الدعاوى والبيناتكتاب التدبيركتاب الكتابةكتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل