كتاب البيع
والنظر في خمسة أطراف:
الطرف
الأول: في صحته وفساده
، [وفيه أربعة أبواب] (1).
الباب الأول في أركانه
قوله: والوجه أن يقال: البيع مقابلة مال بمال.
انتهى.
وما ذكره -رحمه الله- إن كان حدًا للبيع اللغوى فليس بجامع، بل الصواب أن يقول: مقابلة شيء بشيء كما قاله الماوردى، ليدخل ما ليس بمال كالكلب ونحوه.
وإن كان حدًا للبيع الشرعي فيرد عليه أمور:
[منها] 2: القرض كما لو قال: خذ هذا بمثله، وكذلك الإجارة أيضًا، فإن الحد صادق عليهما وليسا ببيع ولهذا لا ينعقدان بلفظ البيع.
فإن توهم [متوهم] 3 أن المال لا يطلق على المنفعة، واستند في الجواب عن الإجارة إليه.
قلنا: فيلزم أن لا يكون أيضًا جامعًا لأنه [لا] 4 يجوز أن يجعل الثمن منفعة.
وأيضًا فقد صرح هو في كتاب الوصية بدخول منفعة في المال فقال: الأموال تنقسم إلى: أعيان ومنافع.
هذا لفظه.1
الجزء: 5 - الصفحة: 5
ومنها أن المقابلة المطلقة ليس فيها دلالة على المقصود أصلًا، فإنه لم يتعرض لكونها في عقد، ولا أن ذلك العقد يقتضى انتقال الملك، ثم إنه لابد أن يقول على الوجه المأذون فيه ونحو هذا.
قوله: ثم أحد الأركان الصيغة وهي الإيجاب من جهة البائع بأن يقول: بعت أو اشتريت أو ملكت، وفي ملكت وجه منقول عن "الحاوى" انتهى كلامه.
لم يبين هو ولا النووي في "الروضة" هل الوجه في نفي الانعقاد به بالكلية أو في نفي صراحته فقط؟ وكلام الماوردى يقتضى فيه خلافًا، فإنه قسم الألفاظ إلى ما يصح به العقد، وإلى ما لا يصح به وإلى ما اختلف فيه.
ثم قال: ومن المختلف فيه قول البائع قد ملكتك، فيه لأصحابنا وجهان.
أحدهما: يصح العقد به لأن حقيقة البيع تمليك المبيع بالعوض، فلا فرق بين ذلك وبين قوله: بعتك.
والوجه الثاني وهو الصحيح: لا يصح العقد به لعلتين.
إحداهما: أن التمليك هو حكم البيع وموجبه فاحتاج إلى تقديم العقد ليكون التمليك بعقبة.
والثانية: أن لفظ التمليك يحتمل البيع ويحتمل الهبة على العوض، فصار من جملة الألفاظ المحتملة.
قوله: وسواء تقدم قول البائع: بعته أو قول المشترى: اشتريت، فيصح البيع في الحالتين.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" والتمثيل لتقديم اللفظ الصادر من المشترى باشتريت يشعر بأن لفظ القبول لا يجوز تقديمه، وبه صرح الإمام فقال: والقبول في الحقيقة ما لا يتأتى الابتداء به كقوله: قبلت.
الجزء: 5 - الصفحة: 6
فأما ما يتأتى فيه ذلك كقوله: ابتعت ونحوه، فذاك قائم مقام القبول.
هذا كلامه.
واقتصر ابن الرفعة في "الكفاية" هنا عليه.
قوله: وعن ابن سريج تخريج قول للشافعى أنه يكتفي بها أي: بالمعاطاة في المحقرات وذكروا لمستند التخريج صورًا.
منها لو عطب الهدى في الطريق فغمس النعل الذى قلده بها في الدم وضرب بها صفحة سنامه هل يجوز للمارين الأكل منه؟ فيه قولان:
ومنها لو قال لغيره: اغسل هذا الثوب فغسله، وهو ممن يعتاد الغسل بالأجرة هل يستحق الأجرة؟
فيه خلاف سيأتى في موضعه.
ومنها لو قال لزوجته: إن أعطيتنى ألفًا فأنت طالق، فوضعته بين يديه، ولم تتلفظ بشئ فإنه يملكه ويقع الطلاق.
وفي الاستشهاد بهذه الصور نظر.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: في بيان النظر الذى أشار إليه الرافعي -رحمه الله- فنقول: قال في "المطلب": أما جواز الأكل من الهدى فلأن الأكل مباح للضيفان بالتقديم، وأيضًا فلأنه انحصر الحال فيه في دلالة [الفعل] 5 ولا يلتحق به ما لم ينحصر الحال فيه.
نعم نظير الهدى ما إذا عدم النطق، ونحن نقول بانعقاد البيع في تلك الحالة بالإشارة المفهمة قولًا واحدًا.
وأما مسألة الغسال فلأن مذهب الشافعي - رضي الله عنه - أنه لا يستحق شيئًا، والذهاب إلى الاستحقاق ليس قولًا حتى يخرج منه إلى هنا قول بل هو وجه لبعض الأصحاب.
الجزء: 5 - الصفحة: 7
وأما مسألة الإعطاء فإن الملك فيه لم يستند إلى مجرد الوضع، بل إلى اللفظ السابق.
وأجاب في "المطلب" عن النظر المذكور في الأخيرة بأن اللفظ وإن كان موجودًا من جانب الزوج فليس من جانب المرأة والحالة هذه لفظ أصلًا، ونحن إذا اعتبرنا اللفظ اعتبرناه من الجانبين.
قال: وبهذا يظهر أن التخريج منها أظهر من الصورتين الأخيرتين، ووقع في بعض نسخ الرافعي هنا مخالفة للنسخة التى نقلت منها بالنسبة إلى عود النظر إلى جميع الصور أم إلى بعضها؟ واقتصر الرافعي في "الشرح الصغير" على الاستناد في التخريج إلى مسألة الغسال.
الأمر الثاني: أن الأصحاب قد ذكروا للتخريج صورة رابعة، وهي أظهر مما ذكره الرافعي، وهي ما إذا قلّد هديه، هل يصير منذورًا بمجرد التقليد؟
فيه قولان، وقد ذكر النووي في "الروضة" هذه الصورة، واقتصر عليها فأدخلها في كلام الرافعي فافهمه، وتفطن له.
وقال بعضهم: لعله خرجه من كل ما أخذ الشافعي فيه بالعرف كحمل الهدية والإذن في دخول الدار وغيرهما، وهو تخريج متجه أيضًا.
قوله: المسألة الثانية: ولو قال: بعني، فقال البائع: بعتك.
نظر إن قال بعد ذلك: اشتريت أو قبلت.
انعقد لا محالة، وإلا فوجهان في رواية بعضهم، وكذلك أورده المصنف هاهنا، وقولان في رواية آخرين.
وكذلك أورده في النكاح ثم قال: وعن أحمد روايتان كالقولين.
انتهى كلامه.
والصحيح عند الرافعي أن الخلاف وجهان.
كذا صرح به في "الشرح الصغير" فقال ما نصه: فوجهان ويقال: قولان.
انتهى.
ولم يصرح في "المحرر" بشيء، بل عبر بالأصح، وليس له في التعبير به
الجزء: 5 - الصفحة: 8
اصطلاح.
واختلف كلام النووي في ذلك فصحح في "شرح المهذب" و"الروضة" أنه وجهان، ولم ينبه في "الروضة" على أنه من "زياداته" بل أدخله في كلام الرافعي مع أن الرافعي لم يصرح بشئ، بل أول كلامه، وآخره يشعر برجحان أنهما قولان وجزم في "المنهاج" بأن الخلاف قولان وهو الصواب فإن الغزالى في كتاب النكاح من "الوسيط" نقلهما قولين منصوصين فقال: ونص في البيع على قولين.
هذا لفظه.
واعلم أن الغزالى هاهنا في "البسيط" قد حكى الخلاف قولين.
وأما حكايته وجهين فهو في "الوسيط" و"الوجيز" خاصة فاعلمه، فإن كلام الرافعي يوهم خلافه.
قوله: ولو قال: سلطتك عليه بألف فهل هو من الكنايات أم لا؟ اختلفوا فيه.
انتهى.
والأصح أنه كناية.
كذا صححه النووي في "الزيادات"
قوله: فإن قلنا: ينعقد بالكتب فالشرط أن يقبل المكتوب إليه كما اطلع على الكتاب على الأصح ليقترن القبول بالإيجاب بحسب الإمكان.
انتهى كلامه.
لم يبين الوجه المقابل للأصح، وقد بينه في الباب الثاني من كتاب الطلاق، فإنه رجح أيضًا هناك انعقاد البيع بالكتابة وأنه يشترط أيضًا القبول لورود الكتاب ثم قال ما نصه: وفي وجه لا يشترط ذلك، ويراعى التواصل اللائق بين المتكاتبين، وقد أشرنا إلى ذلك كله في أوائل البيع.
هذا لفظه.
واستفدنا منه أن ذلك الوجه هو الذى أشار إليه هنا، وقد ذكر الرافعي في النكاح أنا إذا صححنا انعقاده بالمكاتبة فيكفي وقوع القبول في مجلس الخبر وسأذكره في موضعه إن شاء الله تعالى لكلام فيه ينبغي الوقوف عليه.
الجزء: 5 - الصفحة: 9
وإذا قيل بذلك في النكاح لزم القول به في البيع بطريق الأولى، وحينئذ فيصح أن تكون الإشارة إلى هذين الوجهين.
قوله: وفي مسودات بعض أئمة طبرستان تفريعًا على انعقاد البيع بالمكاتبة أنه لو قال: بعت دارى من فلان وهو غائب، فلما بلغه الخبر قال: قبلت ينعقد لأن النطق أقوى من الكتابة وقال أبو حنيفة: لا ينعقد.
انتهى كلامه.
والذى تلخص أي: من كلامه وكلام النووي أن الراجح في هذه المسألة هو المنع، وسأذكر ذلك في كتاب النكاح في الكلام على الصيغة فاعلمه.
قوله: نعم.
لو قال: بعت من فلان وأرسل إليه رسولًا بذلك وأخبره به فقبل انعقد كما لو كاتبه.
انتهى كلامه.
وهذه المسألة قد أسقطها النووي من "الروضة".
قوله: وذكر في "الوسيط" أن الظاهر انعقاد البيع المقيد بالإشهاد بالكتابة إذا [توفرت] 6 قرائن الأحوال وأفادت التفاهم.
انتهى.
وما نقله عن الغزالى وأقره عليه ذكر مثله أيضًا النووي في "الروضة" و"شرح المهذب" وأنكره ابن الرفعة في "المطلب" فقال: إنه مخالف لكلام الأئمة.
قوله من "زياداته": قال الغزالى في "فتاويه": لو قال: باعك الله أو أقالك الله فهو كناية.
انتهى ملخصًا.
هذه المسألة ذكر الرافعي نظيرها في الكلام على كنايات الطلاق، وحكى فيها وجهين من غير ترجيح فقال: فيما إذا أسند الطلاق إلى الله تعالى، أو أسند العتق أو الإبراء فقال مثلًا: أبرأك الله أنه صريح عند العبادي، وكناية عند البوشنجي، وهذه المسألة مثلها.
الجزء: 5 - الصفحة: 10
قوله: وكلام الغزالي يقتضى اعتبار الصيغتين فيما إذا باع الرجل مال ولده من نفسه أو بالعكس، وفيه وجهان ربما نوجههما في غير هذا الموضع، انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أنه لم يصرح أيضًا في "الشرح الصغير" بتصحيح.
والأصح: أنه لابد منهما ففي "المحرر" و"المنهاج" اشتراط الصيغتين من غير تفصيل.
وصرح بتصحيحه أيضا في "شرح المهذب" وهو المذكور في "الحاوى الصغير" وذكر الماوردي في باب الحجر وجهًا ثالثًا أنه لا حاجة إلى لفظ بالكلية، بل ينعقد بالرضى، وهو قوي.
الأمر الثاني: أن هذا الخلاف له شرط نقله الرافعي في باب الهبة عن الإمام وأقره عليه فقال بعد حكاية هذين الوجهين: قال الإمام: وموضع الوجهين في القبول ما إذا أتى بلفظ مستقل كقوله: اشتريت لطفلى أو اتهبت له أما إذا قال: قبلت البيع والهبة، فلا يمكن الاقتصار عليه بحال.
قوله في أصل "الروضة" في الوجهين المتقدمين وسيأتيان إن شاء الله تعالى بفروعهما في باب الخيار.
انتهى.
وهذا الذى قاله من ذكرهما في باب الخيار ليس كذلك، نعم ذكر تفاريع وجه الصحة من غير تعرض إلى خلاف فيه، ولعل السبب في قول النووي ذلك أن الرافعي قال فيه وجهان ربما نوجههما في غير هذا الموضع فرأى النووي تفريع الصحة في باب الخيار فظن أن الرافعي ذكرهما أيضًا: نعم ذكرهما الرافعي في باب الحجر.
قوله: يشترط أن لا يطول الفصل بين الإيجاب والقبول ولا يتخللهما كلام أجنبى .. إلى آخره.
اعلم أن الحكم بالبطلان عند تخلل الكلام الأجنبى فيه كلام يأتي ذكره إن شاء الله تعالى في النكاح.
الجزء: 5 - الصفحة: 11
قوله في "الروضة": ولو مات المشترى بين الإيجاب والقبول ووارثه حاضر فقبل فالأصح المنع، وقال الداركى: يصح.
انتهى كلامه.
وتعبيره هنا بالأصح يقتضى قوة الخلاف، وليس كذلك فقد قال الماوردى والمحاملي: إن الداركى خالف فيه الإجماع.
وقال في "شرح المهذب" ما نصه: وبالبطلان قطع الأصحاب في كل الطرق، وحكى الرويانى وجهًا أنه يصح قبول الوارث، وهذا شاذ باطل.
هذا لفظه، وهو في غاية التباين.
قوله: ويشترط موافقة القبول للإيجاب، ثم قال: ولو قال بعتك هذا بألف فقال: قبلت نصفه بخمس مائة ونصفه بخمس مائة قال في "التتمة": يصح العقد لأنه تصريح بمقتضى الإطلاق، ولك أن تقول إشكالًا سيأتى القول في أن تفصيل الثمن من موجبات تعدد الصفقة.
وإذا كان كذلك فالبائع هاهنا أوجب بيعة واحدة والقابل قبل بيعتين لم يوجبهما البائع.
انتهى كلامه.
ذكر نحوه في "الروضة" وينبغى أن يتفطن إلى أن الرافعي قد ساق مقالة صاحب "التتمة" مساق الأوجه الضعيفة، لأنه نقله عنه بعد أن قرر اشتراط مطابقة القبول للإيجاب في المعنى، وهو منتف هاهنا، لكن في "شرح المهذب" أن الظاهر الصحة، وقد علمت مدرك هذا الوجه ومدرك مقابله.
وهذه المسألة لها أصل يستند إليه ذكره الرافعي في كتاب النكاح في الكلام على الموانع قبل الفصل الرابع المعقود للكفر فقال فيما إذا جمع بين حرة وأمة في عقد واحد إن نكاح الأمة يبطل، ويصح نكاح الحرة على الصحيح.
وموضع الخلاف فيما إذا قال: زوجتك هذه وهذه بكذا، فقال: قبلت نكاحهما.
الجزء: 5 - الصفحة: 12
فأما إذا قال: زوجتك بنتى هذه، وزوجتك بأمتى هذه فقال: قبلت نكاح بنتك، وقبلت نكاح أمتك، فنكاح البنت صحيح بلا خلاف.
ثم قال: ولو فصل المزوج وقال الزوج: قبلت نكاحهما، أو جمع المزوج وفصل الزوج فهو كما لو فصلا جميعًا، أو كما لو جمعا جميعًا؟ وجهان أصحهما الأول.
انتهى.
قوله: وفي "فتاوى القفال" أنه لو قال: بعتك بألف درهم فقال: اشتريت بألف وخمسمائة صح البيع، وهو غريب.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذا النقل عن القفال إنما ساقه الرافعي أيضًا مساق الأوجه الضعيفة فاعلم ذلك، وقد صرح بمسألة القفال في الباب الثاني من أبواب الوكالة قبيل الكلام على ما إذا وكله في شراء شاة فاشترى شاتين، وجزم بالبطلان وكذا جزم به أيضًا في كتاب الخلع في الكلام على جعله طلاقًا، وجزم به الإمام والقاضي الحسين كان في كتاب الخلع والماوردى هنا، والهروى في "الإشراف" ولم يقف النووي هنا على شئ من هذه النقول، ولم يتفطن لكونه سيق مساق الأوجه الضعيفة، ورأى أن المتوجه هو البطلان، فأجاب به تفقهًا، أعنى في "شرح المهذب" فقال: الظاهر فساد العقد، وإذا قلنا بالصحة صح بالألف فقط ولغى ذكر الخمسمائة كما أشار إليه الإمام.
ولو ابتدأ المشترى فأجاب البائع بأنقص أو ضم معه عينًا أخرى فهو نظير المسألة، وقد ذكرهما الرافعي في الطريق الثاني من الباب الرابع من كتاب الخلع، وصحح البطلان.
وقيل: يصح بما أجاب به البائع منهما، وقيل فيما إذا ضم عينًا أخرى أنه يصح ولكن في المسئول.
الأمر الثاني: أن هذا النقل الذى نقله الرافعي عن "فتاوى القفال" وتبعه
الجزء: 5 - الصفحة: 13
عليه النووي في "الروضة" وغيرها غلط، ففي "فتاوى القفال" التصريح بعكسه فقال: مسألة إذا قال بعتك هذا الثوب بألف درهم مؤجلة إلى شهر بشرط خيار الثلاث، فقبل أن يفرع هو قال المشترى اشتريت، فإن ذلك لا يجوز ما لم يتم أخر حرف من كلامه، وعلى هذا لو قال: زوجتك ابنتى بألف مؤجلة إلى شهر.
فقبل قبل أن يفرع هو من آخر حرف من هذا الكلام قال: قبلت فإن ذلك لا يصح ولا ينعقد النكاح لأنه من باب الإيجاب والاستيجاب كالبيع، ألا ترى أنه لو قال: بعتك هذا بألف، فقال: اشتريته بألف وخمسمائة، لا ينعقد البيع أما إذا وكل وقال بع هذا بألف فباع بألف وخمسمائة جاز، ولو وكله أن يزوج ابنته بألف فروج بخمس مائة، فإن النكاح لا ينعقد.
كذا قال الشيخ -رحمه الله- بخلاف ما لو قال: للولى: زوجنى من فلان بألف، فزوج بخمسمائة فإن النكاح ينعقد، ولها مهر المثل.
هذا كلام القفال في "الفتاوى" بحروفه ومن نسخة معتمدة كانت لابن الصلاح وعليها خطه نقلت.
ذكر ذلك بعد نحو ستة أوراق من أول الكتاب من "الفتاوى" التى ليست مرتبة.
نعم ذكر أعنى: القفال بعد هذا بدون الورقتين كلاما يوهم خلافه، فقال: مسألة إذا قال: بعنى هذا بألف درهم.
فقال: بعتك بخمس مائة، صح ولا يحتاج أن يقول: قبلت، وكذا لو قال: بعتك بألف.
فقال: اشتريت بألف وخمسمائة، جاز إن وجد البيع مرة أخرى.
هذه عبارته.
فلم يقتصر على الحكم بالجواز.
بل جعل الجائز وجدان المبيع مرة غير
الجزء: 5 - الصفحة: 14
هذه، وأشار بذلك إلى اشتراط القبول بعده، فلم يقف الرافعي على المسألة السابقة ووقف على هذه ذاهلًا عن اللفظ المذكور في آخرها وهو عجيب.
نعم استغراب الرافعي له يدل على عظم قدره.
قوله: في "أصل الروضة": فرع: لو قال: بعتك بألف.
فقال: قبلت، صح قطعًا بخلاف النكاح فإنه يشترط فيه على رأى أن يقول: قبلت نكاحها احتياطًا للأبضاع.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما اقتضاه كلامه من نفي الخلاف قد ذكره أيضًا في "شرح المهذب" بعبارة هى أصرح من هذه فقال: يصح البيع بلا خلاف.
هذا لفظه، وليس كما ذكره من نفي الخلاف، وقد أعادها الرافعي في كتاب النكاح في الكلام على الصيغة، وحكى عن الحناطى أنه نقل فيها وجهين، وذكره أيضا النووي في "الروضة" ولم يصرح الرافعي هنا بدعوى القطع.
الثاني: أن هذا الكلام ليس فيه تصريح بأن (قبلت) وحدها من الصرائح أو الكنايات؟ وقد ذكر الرافعي في كتاب النكاح ما يدل على أنها كناية، فقال فيما إذا قال: قبلت ولم يقل: "تزويجها" ولا "نكاحها" ما نصه: وأصح الطرق أن المسألة على قولين: أحدهما: الصحة، لأن القبول ينصرف إلى ما أوجبه فكان كالمعاد لفظا.
وأظهرهما: المنع، لأن لم يوجد منه التصريح بواحد من لفظى الإنكاح والتزويج والنكاح لا ينعقد بالكنايات.
هذا لفظه، وهو صريح في أن للتقدير الواقع بعد (قبلت) ألحقه هناك بالكنايات فيكون أيضًا كناية هنا وهو المدعى.
فإن قيل: بل هو صريح للتقدير.
الجزء: 5 - الصفحة: 15
قلنا: المقدر إن كان كالملفوظ به حتى تصير (قبلت) هنا صريحًا كقبلت البيع فيكون المقدر في النكاح أيضا كالملفوظ به حتى تصير (قبلت) صريحًا كقبلت النكاح، وحينئذ فينعقد النكاح به، وإن لم يكن المقدر كالملفوظ به، بل تكون (قبلت) وحدها ملحقًا بالكنايات حتى لا ينعقد بها النكاح، فيلزم أن تكون (قبلت) وحدها في البيع كناية فالقول به في أحدهما دون الآخر تحكم لا دليل عليه، بل هى مسألة واحدة أخذت طرفًا من اللغة وطرفًا من العقل.
قوله: ويعتبر في المتعاقدين التكليف .. إلى آخره.
أهمل من شروطهما شرطًا آخر، وهو الاختيار فإن بيع المكره بغير حق لا يصح، وقد استدركه في "الروضة" وأهمل أيضا عدم الحجر للاحتراز عن السفيه ونحوه، وعبر في "المنهاج": بالرشيد، وهو تعبير فاسد كما نبهت عليه في شرحى له.
قوله: من "زياداته": ولا يصح بيع السكران ولا شراؤه على المذهب، وإن كان غير مكلف كما تقرر في كتب الأصول، وسنوضحه في كتاب الطلاق إن شاء الله تعالى.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن سلب التكليف عن السكران قد تكرر منه في غير موضع وهو كلام ساقط فإن الصحيح عند الفقهاء أن السكران كالصاحى في تصرفاته سواء كانت تنفعه كقبول الهدية والوصية وغيرهما، أو تضره كالطلاق وكذلك موجبات الحدود ونحوها، وهذا هو معنى التكليف، غير أن الأصوليين صححوا أنه ليس مكلفًا حتى أنه يعامل معاملة غير المكلفين في إبطال أثر هذه الأشياء كلها سواء كانت له أو عليه، فخلط النووي طريقة
الجزء: 5 - الصفحة: 16
الفقهاء بطريقة الأصوليين، فإنه نفي التكليف عن السكران ومع ذلك حكم بصحة تصرفاته وهما طريقان لا يمكن الجمع بينهما.
وليت شعري ما الذي فهمه من معنى التكليف حتى أنه نفاه عن السكران مع القول بتنفيذ تصرفاته سواء كانت له أو عليه ومؤاخذته بما صدر منه حتى تقام عليه الحدود والتعازير وتوجب عليه الكفارات، ويحكم بالطلاق والعتاق إلى غير ذلك، نعم إبطال الصلاة ونحوها كفقدان النية وهو واضح.
الأمر الثاني: أن الشافعي قد نص على أنه مكلف على عكس ما قاله النووي، كذا نقله عنه الرويانى في كتاب الصلاة، ورأيته أيضًا منصوصًا عليه في "الأم" في باب طلاق السكران فقال ما نصه: فإن قال قائل فهذا مغلوب على عقله والمريض والمجنون مغلوب على عقله قيل المريض مأجور ويكفر عنه بالمرض مرفوع عنه القلم إنها ذهب عقله، وهذا آثم مضروب على السكر غير مرفوع عنه القلم فكيف يقاس من عليه العقاب بمن له الثواب.
انتهى كلامه.
واعلم أن هذا النص يدل على فائدة حسنة فلنذكرها وإن كانت أجنبية عما نحن فيه ثم نعود إلى ما نحن فيه، فنقول: اعلم أن الشيخ عز الدين قد ذكر في "القواعد الكبرى" أن المصائب ليس فيها بنفسها أجر.
فقال: وظن بعض الجهلة أن المصاب مأجور على مصيبته وهو خطأ صريح فإن الثواب والعقاب إنما هو على الكسب بمباشرة أو تسبب قال الله تعالى: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ 7 والمصائب ليست منها، بل إن صبر فله أجر الصابرين، وإن رضى فله أجر الراضيين.
هذا كلامه، والنص المتقدم عن الشافعي يرد عليه فإنه حكم بأجره مع زوال عقله، ومن المعلوم انتفاء الصبر والرضى في تلك الحالة.
الأمر الثالث: أن ما ادعاه من إيضاحه في كتاب الطلاق ليس الأمر فيه
الجزء: 5 - الصفحة: 17
كذلك، بل ذكره هناك بعبارة تدل على أنه أضعف إيرادًا وأكثر فسادًا وسنذكره هناك فراجعه.
قوله: ولو فتح الصبى بابًا وأخبر بإذن أهل الدار في الدخول أو أوصل هدية وأخبر عن إهداء مهديها نظر إن انضمت إليه قرائن تفيد العلم جاز الاعتماد، وهو في الحقيقة عمل بالعلم لا بقوله، وإن لم تنضم فإن كان عارمًا غير مأمون لم يعتمد، وإلا فطريقان: أصحهما القطع بالقبول.
والثانى على وجهين في قبول روايته.
انتهى ملخصا.
اعلم أن النووي -رحمه الله- قد ذكر المسألة في باب الوكالة واقتصر فيها على طريقة الوجهين وهي الطريقة التى ضعفها في هذا الباب وذكرها أيضًا من زوائده في باب الهبة، وقال: إنه يعتمد على قوله بالاتفاق فاختلف كلامه فيها من ثلاثة أوجه.
والعارم بالعين والراء المهملتين قال الجوهرى: وصبي عارم من العرام بالضم في شرس يعنى سيء الخلق كثير الخلاف، وقد عرم يعرم ويعرم أى بالضم والفتح عرامة بالفتح أيضًا.
قوله: لكن لو اشترى الكافر عبدًا مسلمًا ففي صحته قولان:
أصحهما: أنه لا يصح.
ولو اشترى مصحفًا أو شيئًا من أخبار الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ففيه طريقان:
أحدهما: طرد القولين.
وأظهرهما: القطع بالبطلان.
والفرق أن العبد يمكنه الاستتابة، دفع الذل عن نفسه.
. . . إلى آخره.
انتهى.
فيه [أمران] 8:
الجزء: 5 - الصفحة: 18
[أحدهما] 9: ذكر النووي أن الخلاف في بيع العبد والمصحف و [كتب الفقه] 10 إنما هو في صحة العقد.
وأما التحريم فلا خلاف في ثبوته، كذا نبه عليه النووي في "الزيادات" و"شرح المهذب".
وما قاله مردود، ففي "الإيضاح" للصيمرى بالنسبة إلى كتب الفقه ما يخالفه فقال: وأما إذا اشتروا كتب الفقه والطب والنحو، فلا حرج عليهم.
وزعم بعض أصحابنا أن النصرانى إذا ابتاع كتاب المزنى كان كمن ابتاع مصحفًا، والصحيح خلافه.
الأمر الثاني: أن ما صححه من طريقة القطع في المصحف وما بعده قد تابعه عليه في "الروضة".
ثم إنه جزم في "المنهاج" من زياداته بطريقة القولين وكذلك في باب الأحداث من "شرح المهذب"، ولم يصحح هنا شيئًا من الطريقين.
قوله: وامتنع الماوردى في "الحاوى" من إلحاق كتب الحديث والفقه بالمصحف، وقال: إن بيعها منه صحيح لا محالة.
انتهى كلامه.
والذى نقله "الحاوى" وتابعه عليه في "الروضة" هو مذكور فيه في هذا الباب، لكنه في كتاب عقد الذمة [فقال] 11: فصل في كتب الحديث فقال: إن كان المذكور فيها سيرته وصفته فالأمر كذلك أي: من الجواز قطعًا وإن كان فيها كلامه من أمره ونهيه وأحكامه ففي البيع وجهان.
قوله في أصل "الروضة": فرع.
يجوز أن يستأجر الكافر مسلمًا على عمل في الذمة، ويجوز أن يستأجر عينه على الأصح، حرًا كان أو عبدًا.
الجزء: 5 - الصفحة: 19
فعلى هذا هل يؤمر بإزالة ملكه عن المنافع بأن يؤجره مسلمًا؟
وجهان، قطع الشيخ أبو حامد بأنه يؤمر.
انتهى كلامه.
فيه أمرأن:
أحدهما: أن حكاية الخلاف في جواز الإجارة لم يصرح به الرافعي، وإنما حكى الخلاف في الصحة، ولا يلزم من الصحة الجواز، وقد نقدم في الشراء ما يوضحه أيضًا.
الأمر الثاني: أن الصحيح من الوجهين الأخيرين أنا نأمره بالإزالة، كذا صححه النووي في "شرح المهذب".
وللماوردي في المسألتين تفصيل حسن ذكره في باب الحكم بين المهاديين فقال: والصحيح عندى أن الإجارة إن كانت معقودة على عمل يعمله الأجير في يد نفسه وراثة كالخياطة صحت وإن كانت كالخرمة فلا.
فإن صححنا الإجارة فإن كان مما يعمله الأجير في يد نفسه أخذ بعمله، وإن كان في يد المستأجر وناشئًا عن أمره أمرناه بإجارته.
وقال في باب كراء الإبل: إنه إذا لم ينقلها الكافر من نفسه إلى مسلم، وإلا فسخها الحاكم عليه.
قوله من زياداته: وإذا صححنا إجارة عينه فهى مكروهة.
نص عليه الشافعي.
انتهى.
وما نقله عن الشافعي من كراهته، ولم يحك فيه خلافًا يشكل على الرهن، فإنا إذا صححنا رهن المسلم والمصحف من الكافر ففي تحريمه وجهان ذكرهما النووي في "الروضة" من "زياداته" واقتضى كلامه أن التحريم أرجح لكون القائلين به أكثر.
وأيضًا فقد جزم بتحريم شراء المسلم وغيره كما تقدم على القول
الجزء: 5 - الصفحة: 20
بالصحة.
ولهذا قال الصميرى في "الإيضاح" في باب تبديل أهل الذمة: إنهم حملوا الكراهة في كلام الشافعي هنا على التحريم.
قوله: ولا خلاف في جواز إعارته منه.
انتهى.
وليس الأمر كما قال من نفى الخلاف، فقد جزم الشيخ في "المهذب" و"التنبيه" بالتحريم، وكذلك الجرجاني، وقد استدرك النووي في "الروضة" عليه ذلك.
واعلم أن ما سبق من أنه إذا استأجره مسلمًا وصححنا الإجارة يجبر على نقلها لغيره بأن يؤجرها كما قاله في "الروضة" بشكل يجوز إعارته ليخدمه، واستعماله فيها، فإنه إذا جاز بلا عوض فبالعوض أولى لأنه حينئذ يكون عاملًا لنفسه.
ومعنى الإمتهان موجود في الصورتين.
والفرق من جهة المعنى غير واضح.
قوله: وإذا باع الكافر عبدًا مسلما بثوب فوجد بالثوب عيبًا رده، وهل له استرداد العبد؟
فيه وجهان: أظهرهما على ما ذكره صاحب "الكتاب" أن له ذلك.
انتهى ملخصًا.
وما رجحه الغزالى هو الراجح؛ فقد قال الرافعي في "الشرح الصغير": إنه أظهر الوجهين.
والنووي في "الروضة" و"شرح المهذب": إنه الصحيح.
قوله: ولو وكل المسلم كافرًا ليشترى له عبدًا مسلمًا فإن سمى الموكل في الشراء صح وإلا [فإن قلنا يقع الملك للوكيل أولًا لم يصح] 12.
الجزء: 5 - الصفحة: 21
قإن قلنا: يقع للموكل صح.
انتهى.
وهذا الذى ذكره من الجواز عند تسميته [إذا قلنا بالمذهب أنه يقع] 13 للموكل ابتداء، فذكر قبل كتاب الصداق في نظيره نقلًا عن البغوى ما يخالفه، فإنه جزم بأنه لا يجوز أن يوكل المسلم كافرًا في قبول نكاح المسلمة، وتبعه في "الروضة" عليه، ونقله في "الروضة" إلى الباب الرابع في بيان الأولياء، وزاد على ذلك فذكره أيضا من "زوائده" في أوائل الوكالة جازمًا به، وستعرف الموضعين في بابيهما.
ولا شك أن البضع لا يقع للوكيل بلا خلاف فأقل مراتبه أن يكون نظير ما إذا صرح بالسفارة، أو قلنا: لا ينتقل.
وكونه نكاحًا لا أثر له لاسيما وصحة الشراء من الوكيل شرطها توجه الخطاب إليه بأن يقول: بعتك.
حتى لو قال: بعت موكلك لم يصح.
وأما التزويج فشرط صحته من الوكيل صرفه عنه بأن يقول: زوجت موكلك، فإن قال: زوجتك لم يصح.
لا جرم أن الإمام قال في كتاب الخلع: إنه يجوز توكيل الكافر في إيجاب مسلمة على المذهب الظاهر.
ويؤخذ من تجويز الإمام ذلك تجويزه في القبول بطريق الأولى.
وذكر الإمام أيضًا في كتاب الوصية عند الكلام في الوصية يزوجه وارثه لأجنبى ما حاصله: أنه إذا اشترى زوجته بطريق الوكالة لغيره وقلنا: إن الملك ينتقل للوكيل ثم الموكل لا ينفسخ النكاح.
قوله في أصل "الروضة": فرع.
لو اشترى كافر مرتدًا فوجهان لبقاء علقة الاسلام كالوجهين في قتل المرتد بالذمى.
انتهى كلامه.
الجزء: 5 - الصفحة: 22
فيه أمران:
أحدهما: أن الأصح من الوجهين في الشراء هو عدم الصحة.
كذا صححه هو في "شرح المهذب" وعبر بالأصح فاعلمه.
وهذا الكلام مذكور هنا قد ذكره الرافعي أيضا، وهو يشعر بصحة البيع لأن الصحيح في المسألة المشبهة بها هو وجوب القصاص.
الأمر الثاني: أن الخلاف في إيجاب القصاص ليس هو وجهين كما قاله هنا، بل هو قولان كما جزم به هو والرافعي في كتاب الجنايات.
وهذا الاعتراض لا يتوجه على الرافعي لأنه لم يصرح بقولين ولا وجهين، بل عبر بلفظ الخلاف فغيره النووي إلى ما تراه.
قوله: إذا كان في ملك الكافر عبد فأسلم لم يزل ملكه عنه، ولكن لا يقر في يده، بل يؤمر بإزالة ملكه عنه.
ثم قال: ولا تكفي الحيلولة.
نعم [لا تكفي] 14 الكتابة في أظهر الوجهين.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن النووي في "الروضة" قد جعل الخلاف وجهين أيضًا، ثم خالف في "شرح المهذب" فقال: وفي الكتابة قولان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما، وحكاهما إمام الحرمين والغزالي وجماعة وجهين: أصحهما باتفاقهم الاكتفاء بها.
هذا لفظه.
والصواب أنهما قولان فقد نص عليهما الشافعي في "الأم" في كتابة النصراني فقال: ولو أن نصرانيًا ابتاع عبدًا مسلمًا، أو كان له عبد نصراني
الجزء: 5 - الصفحة: 23
فأسلم ثم كاتبه بعد إسلام العبد على دنانير أو دراهم أو شيء تحل كتابة المسلمين عليه أو لا تحل ففيها قولان.
أحدهما: أن الكتابة باطلة لأنها ليست بإخراج له عن ملكه.
ثم قال: والقول الثاني أن النصرانى إذا كاتب عبده المسلم بشئ يحل فالكتابة جائزة، فإن عجز بيع عليه، وكذا إذا اختار التعجيز بيع عليه.
هذا لفظه بحروفه، ومن "الأم" نقلته.
فثبت أن الخلاف في الاكتفاء قولان منصوصان، ومراد الشافعي هنا في القول الثاني بالجائز هو الاكتفاء به بدليل قوله: فإن عجز بيع عليه.
الأمر الثاني: أن ما ذكره من أن الحيلولة لا تكفي، وأنه لابد من إزالة الملك يستثنى منه ما إذا كان قد دبره قبل إسلامه، فإنه لا يكلف إزالة ملكه عنه في أصح القولين، بل تكفي الحيلولة لما فيه من مصلحة العتق.
هكذا ذكره [الرافعي في التدبير حكمًا وتعليلًا.
فأما إذا وقع التدبير] 15 بعد الإسلام ففي الاكتفاء به وجهان نقلهما الإمام في باب المهادنة عن صاحب "التقريب"، ونقلها أيضًا في "الذخائر"، وجزم الرافعي في الشرحين بأنها لا تكفي.
وذكر ذلك في باب الكتابة، استدل به للقائل بأن الكتابة لا تكفي في إبقاء المسلم على ملك الكافر فقال: الكتابة لا تزيل الملك فصار كما لو دبره أو علق عتقه بصفة.
وقد ذكر المسألتين في "المحرر" فقال: ولو كان للكافر عبد مسلم فدبره ينقض تدبيره، ويباع عليه، وإن دبر عبده الكافر ثم أسلم العبد ولم يرجع السيد عن التدبير فينقص التدبير ويباع أو ينزع من يده، ويصرف كسبه إلى سيده؟ فيه قولان: أحسنهما الثاني.
هذا لفظه.
وتبعه النووي عليه في "المنهاج".
والنقض الذى ذكره في "المحرر" هل معناه إبطاله بعد الحكم بصحته حتى لو مات السيد قبل إبطاله عتق العبد، أو معناه الحكم ببطلانه من أصله
الجزء: 5 - الصفحة: 24
وعلى الأول فهل يتوقف ذلك على لفظ أم لا؟
فيه نظر.
وحكى الإمام في باب المهادنة في تعليق العتق طريقين:
أحدهما: أنه كالتدبير.
والثاني: لا يكفي قطعًا.
وحكاهما أيضًا في "الذخائر".
قوله في أصل "الروضة": ولو أسلمت مستولدة كافر فلا سبيل إلى نقلها إلى غيره بالبيع والهبة ونحوهما على المذهب.
وهل يجبر على إعتاقها؟ وجهان.
الصحيح: لا يجبر، بل يحال بينهما، وينفق عليها وتستكسب له في يد مسلم.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن تعبيره بالمذهب يقتضى أن في المسألة طريقين، فإن هذا هو اصطلاحه مع أن الرافعي لم يحكمها، ولم يصرح أيضًا بهما غيره، فاعلمه.
فإن تعبير النووي في غير هذا الموضع قد يوهم ذلك، والسبب في تعبير المصنف بهذا أن الرافعي عبر بالمذهب، ولا اصطلاح له فيه، فتبعه عليه المصنف ذاهلًا عن اصطلاحه.
الأمر الثاني: أن هذا الكلام صريح في -استكسابها- في يد رجل، فإنه عبر بقوله: (مسلم) وهذا سهو.
وقد ذكره في كتاب أمهات الأولاد على الصواب فقال: تجعل عند امرأة ثقة.
هذا لفظه.
الجزء: 5 - الصفحة: 25
والرافعي سالم من هذا الاعتراض، فإنه عبر هنا بقوله: وتسكتسب له في يد غيره.
هذا لفظه فغيره النووي إلى ما تراه.
الثالث: أن الشيخ في "التنبيه" قد عبر في كتاب النفقات عن هذين الوجهين باحتمالين، وجعل محلهما عند تعذر استكساب الأمة.
وصرح به أيضًا النووي في "تصحيحه" على خلاف المذكور هنا من إجراء الخلاف مطلقًا، إلا أن الشيخ لم يصور المسألة بمن أسلمت عند كافر بل فيما إذا عجز السيد عن الإنفاق عليها أي: على أم الولد، ولا فرق بين التصويرين في هذا المعنى.
قوله من "زياداته": قال المحاملي في "اللباب": لا يدخل عبد مسلم في ملك كافر ابتداء إلا في ست مسائل: إحداها: بالإرث.
الثانية: يسترجعه بإفلاس المشتري.
الثالثة: يرجع في هبته لولده.
الرابعة: إذا رد عليه بعيب.
الخامسة: إذا قال المسلم أعتق عبدك عني فأعتقه وصححناه.
السادسة: إذا كاتب عبده الكافر وأسلم العبد ثم عجز عن النجوم فله تعجيزه.
وهذه السادسة فيها تساهل، فإن المكاتب لا يزول الملك فيه ليتجدد بالتعجيز، وترك السابعة وهي ما إذا اشترى من يعتق عليه والله أعلم.
انتهى كلام النووي.
ووافقه عليه ابن الرفعة في "المطلب" وغيره، والعجب منهما في هذا الكلام فقد تركا مع هذه المسألة السابعة التى اعتقدا أن لا ثامن لها مسائل كثيرة تزيد على ثلاثين مسألة:
إحداها: وهي في أبواب البيع: أن يرجع إليه بتلف معاملة قبل
الجزء: 5 - الصفحة: 26
القبض، وفي معناه ما إذا أتلفه متلف، فإنا نخير البائع، فإذا خيرناه فاختار الفسخ عاد العبد إلى ملك البائع الكافر.
الثانية: أن يبيع الكافر عبدًا مسلمًا بثوب، ثم يجد بالثوب عيبًا فإن له أن يرد الثوب ويسترد العبد على الصحيح كما ذكره الرافعي والنووي في هذا الباب.
الثالثة: إذا تبايع كافران عبدًا كافرًا فأسلم العبد قبل القبض، فإن المشترى يثبت له الخيار إذا قلنا: يمتنع عليه قبضه.
كذا قاله الإمام.
وامتناع القبض قد صححه الرافعي والإمام، فإذا فسخ فقد دخل المبيع المسلم في ملك البائع الكافر.
الرابعة: إذا باع الكافر العبد المسلم لمسلم بشرط الخيار للمشترى، فإن الصحيح أن الملك لمن له الخيار، وبالفسخ يدخل في ملك الكافر.
[الخامسة: إن تبايع كافران، كافرًا بشرط الخيار للبائع فيسلم العبد فإنه يدخل في ملك الكافر] 16 بانقضاء خيار البائع.
السادسة: أن يرده عليه لا بالعيب، بل لفوات شرط كالكتابة والخياطة ونحوهما.
ولو قيل بأنه يمتنع على المشترى رده بالعيب إذا وقع الإسلام في يده لكان متجهًا لما حدث عنده من السبب المقتضى لرفع يده ويد أمثاله من الكفار عنه.
السابعة: إذا اشترى ثمارًا بعبد كافر فأسلم ثم اختلطت الثمار وفسخ العقد كما هو مقرر في بابه.
الثامنة: إذا كان للكافر عبد مسلم مغصوب فباعه ممن يقدر على انتزاعه فعجز عن قبضه، فإن للمشترى أن يفسخ.
ومثله ما إذا باعه، وهو غير مغصوب فغصب قبل قبضه.
الجزء: 5 - الصفحة: 27
التاسعة: إذا باعه من مسلم رآه قبل العقد ثم وجده المسلم متغيرًا عما كان فله الفسخ.
العاشرة: أن يبيعه لمسلم وماله غائب في مسافة القصر فللكافر الفسخ لتضرره بالصبر إلى إحضار الثمن.
الحادية عشرة: أن يبيعه بصبرة من طعام، ثم يظهر أن تحتها دكة أو غيرها فله الفسخ لأنه كالتدليس.
الثانية عشر: أن يبيع العبد المسلم لمسلم ثم يتقايلا فإنه لا يجوز إن جعلنا الإقالة نفعًا.
فإن جعلناها فسخًا وهو الصحيح فعلى الوجهين في الرد بالعيب كما قاله الرافعي.
الثالثة عشرة: من باب السلم أن يجعل الكافر عبده المسلم رأس مال سلم أو يجعل عبده الكافر كذلك، ثم يسلم العبد، وينقطع السلم فيه، فإن الفسخ جائز.
وحينئذ فيعود المسلم إلى ملك الكافر على قياس ما سبق من المسائل.
الرابعة عشر: وهي من باب القرض أن يقرض عبده الكافر فيسلم العبد في يد المقترض فيجوز للمقترض الكافر أن يرجع فيه كما جوزنا له الرجوع في الهبة على ما سبق، بل أولى لأن القرض وضع للرجوع في شيء.
أما العن المقترضة أو مثلها بخلاف الهبة فإنها لم توضع لذلك، بل الغالب على الواهبين، وإن كانوا أصولًا عدم الرجوع.
وهذه المسألة إنما تستثنى إذا فرعنا على أن ما لا مثل له يرد مثله صور.
وعلى أن المقترض يجوز له أن يرجع في غير ما أعطاه وهو الصحيح فيهما.
ولو أسلم في ملك الكافر فأقرضه لمسلم أو وهبه لولده المسلم فمقتضى
الجزء: 5 - الصفحة: 28
إطلاقهم الأمر بإزالة الملك أنه يكفي ذلك، وحينئذ فلا يختص جواز الرجوع بالمال المتقدم.
نعم في الاكتفاء بهما نظر ظاهر، ويحتمل الاكتفاء ويمتنع الرجوع.
الخامسة عشر: وهي من باب الرهن ذكرها الرافعي فيه، وهي ما إذا ورث الكافر عبدًا مسلمًا أو كافرًا فأسلم في يده، ثم باعه، ثم ظهر دين على التركة أو حدث برد مبيع بعيب ونحوه فلم يقض الوارث الدين فإن الأصح فسخ البيع فيه، ويعود إلى ملك الوارث متعلقًا به الدين.
السادسة عشر: وهي من باب الوكالة أن يتوكل في شراء كافر معين أو غير معين فاشتراه ثم أسلم، وظهر أنه معيب، وأخر الوكيل الرد فلم يرد المالك أيضا فإنه يقع عن الوكيل كما أوضحوه في باب الوكالة.
وحينئذ فقياس ما سبق من الصور عوده إلى ملك الكافر.
السابعة عشر: وهي من باب القراض أن يشترى العامل الكافر عبيدًا للقراض ثم يقتسمان بعد إسلامهم، فإن قياس المذهب صحته.
وحينئذ فيدخل المسلم في ملكه لأن العامل لا يملك حصته إلا بالقسمة.
الثامنة عشر: أن يجعله أجرة أو جعلًا، ثم يقتضى الحال فسخ ذلك بسبب من الأسباب.
التاسعة عشر: إذا التقط ملتقط شخصًا محكومًا بكفره بشرطه المعروف، وهو إما عدم التمييز أو في وقت النهب والغارة فأسلم، ثم أثبت كافر أنه كان ملكه، فإنه يرجع فيه، فإنهم قد صرحوا بأن التملك بالالتقاط كالتملك بالقرض.
العشرون: وهي من باب الوقف أن يقف على كافر أمة كافرة فتسلم ثم تأتى بولد من نكاح أو زنا فإنه يكون مسلمًا تبعًا لأمه، ويدخل في ملكه لأن نتاج الموقوف ملك للموقوف عليه على الصحيح.
الجزء: 5 - الصفحة: 29
الحادية والعشرون: وهي من باب الوصية أن يوصي لكافر بما تحمله أمته الكافرة من زوجها الكافر فيتقبل الموصى له الوصية بشرطه، ثم تسلم الجارية وتأتى بولد.
الثانية والعشرون: وهي من النكاح أن يتزوج المسلم أمة كافرة لكتابى، فإنه يصح على الصحيح بالشروط المعروفة.
وحينئذ فإذا أتت بولد فإنه يكون مسلمًا مملوكًا للسيد، وهكذا لو نكحها وهو كافر ثم أسلم.
الثالثة والعشرون: إذا وطئ الكافر جارية مسلمة لولده، أو لولده فيها البعض فإنها تنتقل إليه، وتصير مستولدة له.
كذا ذكره الرافعي، وهو في "الروضة" مترجم بالباب العاشر.
الرابعة والعشرون: إذا وطئ مسلم أمة لكافر على ظن أنها زوجته الأمة فالولد مسلم مملوك للكافر سواء كان الواطئ حرًا أو عبدًا.
الخامسة والعشرون: وهي من أبواب الصداق أن يصدق الكافر زوجته عبدًا كافرًا فيسلم العبد ثم يقتضى الحال رجوعه أو بعضه إلى الزوج إما بطلاق أو فسخ بعيب أو إعسار أو إسلام أو فوات شرط أو بالتحالف.
السادسة والعشرون: وهي من أبواب الخلع أن يخالع الكافر زوجته الكافرة على عبد كافر فيسلم ثم يقتضى الحال فسخ الخلع فيه إما بعيب أو فوات شرط أو غيرهما، فإنه يرجع إلى الكافرة.
السابعة والعشرون: من الجنايات إذا أسلم عبد الكافر بعد أن جنى جناية توجب مالًا يتعلق برقبته، وباعه بعد اختيار الفداء فتعذر تحصيل الفداء أو تأخر لإفلاسه أو غيبته أو صبره على الحبس فإنه يفسخ البيع، ويعود إلى ملك سيده الكافر ثم يباع في الجناية كما قاله الأصحاب.
الثامنة والعشرون: إذا حضر الكفار الجهاد بإذن الإمام وكانت الغنيمة
الجزء: 5 - الصفحة: 30
أطفالًا أو نساء أو عبيدًا فأسلموا بالاستقلال أو بالتبعية، ثم اختار الغانمون التملك فقياس المذهب أن للإمام أن يرضخ للكافر مما وجد لتقدم سبب الاستحقاق وهو حضور الوقعة، وحصول الاختيار المقتضى للملك على الصحيح.
التاسعة والعشرون: وهي من أبواب القسمة أن يكون بين كافرين أو مسلم وكافر عبيد مسلمون، أو بعضهم مسلم وبعضهم كافر فيقتسمون، وقلنا القسمة اقرار فقياس المذهب يقتضى الجواز.
وحينئذ فيدخل المسلم أو بعضه في ملك الكافر.
الثلاثون: من أبواب العتق أن يعتق الكافر نصيبه من عبد مسلم.
فإن الباقى يدخل في ملكه، ويقوم عليه كما نقله في البيع من "شرح المهذب" عن البغوى وأقره عليه.
الحادية والثلاثون: إذا أسلمت أمة الكافر ثم ولدت من غيره بنكاح أو زنا قبل زوال ملكه، فإنه يدخل في ملكه.
الثانية والثلاثون: وهي من أبواب الكتابة إن كاتب الكافر عبده المسلم أو كافرًا فيسلم ثم يشترى المكاتب عبدًا مسلما أو تأتى أمته المسلمة بولد من نكاح أو زنا ثم يعجز نفسه، فإن أمواله تدخل في ملك السيد، ومن جملتها المسلم الذى اشتراه وأولاد أمته.
الثالثة والثلاثون: وهي من أمهات الأولاد أن تسلم مستولدته ثم تأتى بولد من نكاح أو زنا فإنه يكون مملوكًا له ويثبت له حكم أمه.
الجزء: 5 - الصفحة: 31
الركن الثالث
قوله: وللمبيع شروط.
. . . إلى آخره.
هذه الشروط التى ذكرها موجودة في حريم الملك مع أنه لو باعه وحده لم يصح كما أجاب به العبادى، ونقله عنه الرافعي في باب الإحياء، وأقره.
قوله: ويجوز بيع الفيلج، وفي باطنه الدود الميت لأن بقاءه من مصلحته.
انتهى.
والفيلج بفاء مفتوحة وياء بنقطتين من تحت ولام مفتوحة وجيم وهو القز.
قوله من "زياداته": ويجوز بيعه يعنى القز وفيه الدود سواء كان ميتًا أو حيًا، وسواء باعه وزنًا أو جزافًا.
صرح به القاضى حسين في "فتاويه".
انتهى.
وما نقله عن القاضى من جواز البيع وزنًا ونقله عنه أيضًا في "شرح المهذب"، وعن آخرين وادعى أنه لا خلاف فيه، وليس كذلك، بل الصحيح المعروف أنه لا يصح بيعه وزنًا لأن الدود الذي فيه يمنع معرفة مقدار ما فيه من المقصود، وهو القز.
وقد جزم به الرافعي في أواخر السلم، وتبعه عليه النووي فقال في الفصل المعقود للإبريسم ما نصه:
ولا يجوز السلم في القز وفيه الدود حيًا ولا ميتًا لأنه يمنع معرفة وزن القز، وبعد خروج الدود يجوز.
هذا كلامه.
وصرح به أيضًا هنا أي: في البيع بخصوصه جماعات كثيرة، منهم إمام
الجزء: 5 - الصفحة: 32
الحرمين في باب النهى عن بيع الغرر عند الكلام على بيع المسك فقال ما نصه: وإنه إن بيع جزافًا جاز تعويلًا على الإشارة، وإن بيع وزنًا لم يجز، فإن الدود لا يقصد بالوزن والقز المقصود بالوزن يكون مجهولًا بسبب الدود.
وجزم به أيضًا المحاملى في باب بيع الكلاب فقال: فأما بيع دود القز فإنه ينظر، فإن كان قبل أن ينسج على نفسه القز جاز بيعه جزافًا، وإن كان قد نسجه على نفسه ومات داخله لم يجز بيعه وزنًا، وجاز جزافًا، ومتى نسج ومات ثم عاش ثم نبت له جناح ليثقب القز ثم يطير فلا يجوز بيعه بحال جزافًا ولا وزنًا هذا كلامه، وجزم به أيضًا الرويانى في "الحلية" في باب اختلاف المتبايعين، والعجلى في "شرح الوسيط"، وابن الرفعة في "الكفاية".
قوله: وفي بيع بزر القز وفأرة المسك خلاف مبنى على الخلاف السابق في طهارته.
انتهى.
والبزر بكسر الباء وفتحها، والكسر أفصح هو البيض.
ووجه الجواز فيه على القول بالطهارة، وإن كان لا يؤكل لأجل أنه يخرج منه القز، وهو الدود.
والقز يجوز بيعه.
وهذا الخلاف يطرد في كل بيض لا يؤكل إذا جاز بيع الفرخ الذى يخرج منه كالنسر والصقر بخلاف الرخمة وغيرها لأن هذا البيض لا يؤكل.
ويشترط في المبيع أن يكون منتفعًا به، وهذا الذى ذكرته قد صرح به طوائف كثيرون من أصحابنا، منهم ابن الصباغ في "الشامل" في باب النهى عن بيع الغرر فقال: وأما بيض ما لا يؤكل لحمه ففيه وجهان بناء على منبته.
أحدهما: أنه نجس، فلا يجوز بيعه.
الجزء: 5 - الصفحة: 33
والثاني: أنه طاهر فيجوز بيعه إذا كان ينتفع به إذا كان يصير فرخًا لأنه لا ينتفع به في الأكل.
انتهى.
وذكر القاضى أبو الطيب في "تعليقه" نحوه، وكذلك الشاشى في "الحلية" فقال: وفي بيض ما لا يؤكل لحمه من الطيور التى يجوز بيعها وجهان في طهارة منى ما لا يؤكل لحمه، وكذلك المتولى في المسألة الثانية عشر من الباب الثالث فقال: وهكذا بيض ما لا يؤكل لحمه إذا كان فيه نفع، وذلك بأن يحضن تحت طير حي حتى يخرج فيه وجهان بناء على طهارته.
انتهى.
وهكذا الشيخ في "المهذب" فقال: واختلف أصحابنا في بيع دود القز، وبيض ما لا يؤكل لحمه من الطيور التى يجوز بيعها كالصقر والبازى هذا لفظه وكذلك القاضي مجلي في "الذخائر" فقال: وفي بيض القز وبيض ما لا يؤكل لحمه من الطيور المجوز بيعها كالصقر والبازي .. إلى آخر ما قال.
ولما تكلم النووي على هذه المسألة في "شرح المهذب" ومحلها في آخر باب ما يجوز بيعه، وحكى وجهين مطلقين ثم قال: وأما قول المصنف: (من الطيور التى يجوز بيعها) فزيادة لا تعرف للأصحاب، بل الصواب المعروف أنه لا فرق بين بيض ما لا يجوز بيعه، وما لا يجوز مما لا يؤكل لحمه كالرخمة وغيرها، وفي الجميع الوجهان:
أصحهما: جواز بيعه لأن الخلاف مبنى كما ذكره المصنف والأصحاب على طهارة هذا البيض ونجاسته، والخلاف فيه شامل.
انتهى كلامه.
وقد علمت أن ما قاله خطأ صريح مخالف للمنقول والمعقول، وكأنه لم ير في هذه المسألة إلا "النهاية" و"التحرير" للجرجانى، فإنهما أطلقا الخلاف فتوهم أنهما أرادا النوعين ذاهلًا عن اشتراط المنفعة في البيع.
الجزء: 5 - الصفحة: 34
قوله: وهو على ضربين:
أحدهما: النجس الذى يمكن تطهيره كالثوب النجس والخشبة النجسة، والآجر النجس بملاقاة النجاسة فيجوز بيعها لأن جوهرها طاهر، وإزالة النجاسة عنه هينة، انتهى.
واعلم أنه احترز بقوله: بملاقاة النجاسة عن الآجر المعجون بالزبل فإنه لا يمكن تطهيره كما عرف في كتاب الطهارة.
وحينئذ فلا يصح بيعه، ويلزم من ذلك فساد بيع الأشياء المبنية بها كالآدر ونحوها مما عمت به البلوى.
ولا فرق فيما تنجس بملاقاة النجاسة وبين المعجون بمائع نجس وبين غيره، لكنه إذا عجن به ثم تحجر بعد الطبخ أي لم يكن رخوًا فإنه لا يطهر إلا إذا دق وصار ترابًا ثم أفيض عليه الماء بخلاف الرخو فإنه يطهر، وهو على هيئته كما ذكروه في الطهارة، ومع ذلك يصح بيع الجميع لإمكان التطهير.
قوله: والثاني: ما لا يمكن تطهيره كالخل واللبن والدبس إذا تنجست لا يجوز بيعها.
ثم قال: وأما الدهن النجس ففي بيعه خلاف مبنى على أنه هل يمكن تطهيره؟
فإن قلنا: لا يمكن وهو الأظهر امتنع بيعه.
وإن قلنا: يمكن، امتنع بيعه أيضًا في أصح الوجهين.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن الرافعي في "الشرح الصغير" حكى الخلاف المذكور هنا في طهارة الأدهان في الكلام على إزالة النجاسة، ثم إنه أجراه في كل مائع
الجزء: 5 - الصفحة: 35
تخريجا له على خلاف ما يقتضيه كلامه هنا فقال ما نصه: ولا يبعد أن يطرد الخلاف في الخل والدبس وسائر المائعات لأن إيصال الماء إلى أجزائها بالضرب والتحريك ممكن والغسالة طاهرة على الأصح، فلا يضر بقاؤها.
هذا لفظه.
وهو ضعيف لأنه إن كان الماء قليلًا فلا يتصور أن يرد على جميع أجزاء المائع المذكور، وهو متغير لاختلاطه به بخلاف الدهن.
وإن كان كثيرًا جدًا بحيث يزول اسم المائع خرج عن المقصود، فإن الغرض فيه البيع، وأن يطهره وينتفع به على حاله.
الأمر الثاني: في كيفية طهارته على ذلك الوجه.
قال الماوردي: وكيفيتها أن يراق الدهن في قلتين من الماء ويحرك أشد تحريك حتى يصل الماء إلى جميع أجزائه.
قال في "شرح المهذب": والصواب أنه إن أورد الدهن على الماء اشترط كون الماء قلتين.
وإن أورد الماء لم يشترط كونه قلتين، بل يشترط فيه الغلبة للدهن كما في غسل سائر النجاسات.
قوله في المسألة: فهذا ترتيب الأصحاب، وقيل: ما يمكن تطهيره جاز بيعه، وإلا فوجهان.
قلت.
هذا الترتيب غلط ظاهر، وإن كان قد جزم به في "الوسيط" وكيف يصح بيع ما لا يمكن تطهيره؟ انتهى كلامه.
وهذه الطريقة التى ضعفها قوية جدًا، فإن المبيع قد اجتمعت فيه شروط الصحة لأن الفرض أنه طاهر العين غير أنه متجنس، والنجاسة الطارئة لا تمنع الانتفاع به.
فقوله: وكيف يصح تطهيره مجرد تهويل ودعوى بلا دليل.
الجزء: 5 - الصفحة: 36
قوله أيضًا من "زياداته": قال المتولى.
في بيع الصبغ النجس طريقان.
أحدهما أنه كالزيت.
والثانى: لا يصح قطعًا لأنه لا يمكن تطهيره، وإنما يصبغ به الثوب ثم يغسل.
انتهى.
والصحيح هى طريقة القطع، كذا صححها في "شرح المهذب" فقال: إنها المشهور والذي قطع بها الجمهور.
قوله: وأما هبة الدهن النجس والصدقة به فعن القاضي أبى الطيب منعهما، ويشبه أن يكون فيهما ما في هبة الكلب من الخلاف.
زاد في "الروضة" على هذا فقال: ينبغى أن يقطع بصحة الصدقة به للإستصباح ونحوه.
انتهى.
اعلم أن التصدق قد يراد به نقل اليد، وقد يراد به نقل الملك.
والمراد بما قاله النووي إنما هو نقل اليد، وإن كان كلامه يوهم خلاف ذلك فاعلمه.
وقد أوضحه في "شرح المهذب" فقال: وأما قول الرويانى: يجوز نقل اليد عنه فهو كما قال: ولا يجيء فيه خلاف.
وأما تمليكه بالهبة والصدقة فينبغى أن يكون على الوجهين في الكلب وأولى بالجواز.
قوله من "زياداته": قال الشافعى: لا يجوز اقتناء الكلب إلا لصيد أو ماشية أو زرع وما في معناها، واتفقوا على جواز اقتنائه لتعليم الصيد ونحوه والأصح جواز اقتنائه لحفظ الدور والدروب.
انتهى.
وأهمل مسألة وهى إتخاذه في السفر للحراسة، فإنه جائز جزمًا على ما قاله الماوردي والعجلى وغيرهما، وجزم به النووي في أوائل مناسك الحج، وجعله مكروهًا.
الجزء: 5 - الصفحة: 37
ونقل في "شرح المهذب" عن القاضي الحسين أنه على الوجهين، واقتصر عليه، وأشار بقوله: وما في معناهما إلى أنه يلتحق النخل والشجر والكرم بالزرع وتلتحق الخيل والبغال والحمير بالمواشي.
قاله في "شرح المهذب".
قوله من "زياداته": والأصح جواز تربية الجرو كذلك انتهى كلامه.
وأشار بذلك إلى الصيد وغيره مما تقدم، وجواز التربية لذلك ليس على إطلاق، بل يشترط أن يكون الجرو من نسك كلب معلم.
كذا ذكره البغوى في "التهذيب" ولم يحك فيه خلافًا فقال: فإن جوزنا فإنما نجوز إذا كان من نسك المعلم.
وذكر في "النهاية" ما يقتضيه فإنه ترجم المسألة بقوله: ومن اقتنى جرو كلب صيود.
قوله: والأصح تحريم اقتنائه قبل شراء الماشية والزرع، وكذا كلب الصيد لمن لا يصيد.
انتهى.
واعلم أن المسألة الثالثة في كلام المصنف لها أقسام:
أحدها: أن يقتضيه من لا ينتفع به بالكلية ففيه وجهان حكاهما الماوردي فقال: فأما ما ينتفع به من كلاب الصيد والحرث والماشية إذا اقتناها ومن لا ينتفع بها ممن ليس له صيد ولا حرث ولا ماشية ففي جوازه وجهان:
أحدهما: يجوز اعتبارًا بها لما فيها من المنفعة.
والثاني: لا يجوز اعتبارًا بأربابها، وأن ليس لهم فيها منفعة.
وهكذا لو اتخذ صاحب الحرث كلب الماشية أو صاحب الماشية كلب حرث فإنه على هذين الوجهين.
انتهى.
وذكر في "شرح المهذب" هذه الصورة، وقال: ظاهر كلام الجمهور القطع بالتحريم، وأن ابن الصباغ حكى فيه وجهين.
الجزء: 5 - الصفحة: 38
القسم الثاني: وقد ذكره في "شرح المهذب" أيضًا فقال ولو أراد اتخاذ الكلب ليصطاد به إذا أراد، ولا يصطاد به في الحال، وليحفظ الزرع والماشية إذا صار له فوجهان: أصحهما: لا يجوز.
انتهى والحكم في هذا مشكل جدًا إن كان صحيحًا، فإن الاقتناء للصيد جائز بالاتفاق، وتربية الجرو له أيضًا جائز على المعروف فكيف منعوا هذا.
القسم الثالث: ما ذكره في "الاستقصاء" فقال: هل يجوز لمن يصيد كالبزاز، والبياع أن يقتنى الكلب ليصيد به إذا أراد، ولمن لا ماشية له ولا زرع أن يقتنيه لحفظه إذا حصل؟ وجهان.
ثم قال: وإن اقتناه ولم يقصد شيئًا من ذلك، فإن قلنا في المسألة قبلها لا يجوز فهاهنا أولى.
وإن قلنا هناك: يجوز.
فهاهنا وجهان.
انتهى وهذا الذي حكاه في "الاستقصاء" حين يتجه ويتعين حمل ما نقله في "شرح المهذب" على هذه المسألة على أنه مريد له، ولكن قصر في التعبير أو على أن يكون قد فهم منه خلاف المراد.
فإذا تقرر ما قلناه فقوله في "الروضة": لمن لا يصيد يحتمل أن يريد به من ليس شأنه الصيد سواء كان يحسنه أم لا، وتدخل فيه مسألة "الاستقصاء" ومسألة الماوردي، وامتناعهما واضح، وأنه كانت الثانية أولى بالمنع من الأولى.
قوله: ولخلو شيء من المنفعة سببان.
أحدهما: القلة كالحبة والحبتين من الحنطة والزبيب وغيرهما، فإن ذلك القدر لا يعد مالًا.
انتهى كلامه.
وما ذكره من أنها لا تعد مالًا قد جزم بعكسه في أوائل الباب الثاني من كتاب الإقرار، وسأذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى.
الجزء: 5 - الصفحة: 39
قوله: ومع هذا فلا يجوز أخذ الحبة والحبتين من صبرة الغير إذ لو جوزناه لانجر ذلك إلى أخذ الكثير.
انتهى.
ورأيت في "طبقات العبادي" أن الشافعى قال: يجوز أخذ الخلال والخلالين من خشب الغير.
قال العتابي: ورأيت للأصحاب ما يدل عليه، ثم استدل وأعني: العبادى بما لا دليل فيه.
قوله: فلو أخذ الحبة ونحوها أحد فعليه الرد، فإن تلفت فلا ضمان؛ إذ لا مالية لها.
وعن القفال أنه يضمن مثلها.
انتهى.
فإن أخذ ما لا يتمول مما لا مثل له لم يلزمه شيء عند القفال.
كذا نقله الغزالي في "البسيط".
واعلم أن عبارة القفال في تلف الحبة والحبتين لم أبعد أن أوجب مثلها.
كذا نقله الإمام في باب بيع الكلاب عن شيخه فقال: كان القفال يقول: إن تلفت لم أبعد أن أوجب مثلها.
قوله: ومنه ما ينتفع بلونه أو صوته كالطاووس والزرزور.
انتهى.
وكلامه كالصريح في [أن] 17 الزرزور لا يؤكل وهو عجيب فقد جزم في باب الأطعمة بالحل، وحكى الاتفاق عليه في "شرح المهذب"، وضم معه في الشرح المذكور العندليب مع أن الصحيح فيه الحل أيضًا.
والزرزور بالضم.
قوله: وإن باع النحل وهى طائرة من الكوارة ففي "التتمة" أنه يصح، وفي "التهذيب" أنه لا يصح.
الجزء: 5 - الصفحة: 40
فيه أمران:
أحدهما: أن شرط هذه المسألة أن تكون الأم حاصلة في الخلية.
كذا صور المسألة ابن الرفعة في "شرح الوسيط" فقال: ولو كان البيع وهى طائرة والأم في الكوارة فمنهم من جوزه كبيع النعم السيبة في الصحراء.
هذا لفظه.
الأمر الثاني: أن الأصح من هذين الوجهين هو الصحة.
كذا صححه النووي في "الروضة" من "زياداته" والفرق بينهما، وبين باقى الطيور حيث كان الأصح الصحة عند النووي وغيره من وجهين.
أحدهما: أنها لا تقصد بالجوارح بخلاف غيرها.
الثاني: أن هذه لا تأكل في العادة إلا مما ترعاه فلو توقف صحة البيع على حبسها لربما ضر بها أو تعذر بسببه بيعها بخلاف غيرها من الطيور فإنها تعلف.
قوله: الضرب الثاني: ما لا ينتفع به فلا يصح بيعه كالحنافس.
ثم قال: وفي معناها السباع التى لا تصلح للصيد والقتال عليها كالأسد والذئب والنمر.
انتهى كلامه.
وما ذكره في النمر قد خالفه في كتاب الصيد فجزم بأنه يصلح لذلك، ونقله عن الشافعى والأصحاب وأنكر على الغزالي في عده إياه مما لا يصلح، وسوف أذكر لفظه إن شاء الله تعالى في موضعه.
قوله: ونقل أبو الحسن العبادى وجها أنه يجوز بيع النمل بعسكر مكرم لأنه يعالج به السكر وبنصبين لأنه يعالج به العقارب الطيارة.
انتهى.
واعلم أن السكر بفتح السين والكاف هو المسكر قال تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ 18.
الجزء: 5 - الصفحة: 41
وكان الامتنان بذلك قبل نزول التحريم على أحد الأقوال المشهورة في الآية.
وعسكر مكرم مدينة من كور الأهواز، والأهواز من إقليم خراسان، ومكرم الذي نسب إليه هو مكرم الباهلى، وهو أول من اختطها كما نقله ابن خلكان في "تاريخه".
إذا علمت ذلك فاعلم أن هذا الكلام الذي نقلناه عن الرافعي ليس محررًا، ويتضح بمقالة الأطباء فيه فقالوا: إن النمل أنواع أجوده الطيار، وهو حار يابس، وله منافع منها: أن بيضه يمنع نبات الشعر، ويعمل منه دهن يدهن به فيزيد في إعطاء التناسل والباه، وإذا شرب بالشراب المسكر نفع من نهش الزبيلا والعقارب الجرارة.
وإذا أخذت منه عشرة عدد وطبخ بزيت ودهن به الشعر أفسده وحلقه، وإذا وقع جراحة بمراق البطن، وظهر السرر وعفن، فإذا قطع العفن وأعيد السرر إلى مكانه وذر عليه من رماد النمل المحرق فإنه يبرئ الجراحة.
انتهى.
فتلخص أن الشراب المسكر ينفع من نهش العقارب الجرارة بعد معالجته أى إصلاحه بالدهن المستخرج من بيض النمل الطيار فيجوز بيعه في البلدين المذكورين لكثرة عقاربهما.
هذا معنى كلام الرافعي وتنزيله عليه صحيح، وليس فيه ما لا يستقيم إلا قوله الطيارة، فالصواب تقديمها.
قوله: وعن القاضى الحسين وجه أنه يجوز بيع السباع التى لا تصلح للقتال ولا للصيد لأنها طاهرة والانتفاع بجلودها متوقع.
ثم قال: ولا يجوز بيع الحدأة والرخمة والغراب فإن كان في أجنحة بعضها فائدة جاء فيه الوجه المتقدم عن القاضى.
هكذا قال الإمام.
لكن بينهما فرق، فإن الجلود تدبغ فتطهر، ولا سبيل إلى تطهير الأجنحة.
انتهى.
الجزء: 5 - الصفحة: 42
والذي قاله الرافعي لا يدفع هذا التخريج لأن المبيع حال العقد كان طاهرًا، والنجاسة العارضة لا تمنع الانتفاع به في الأشياء الجافة كاتخاذ النبل وغيره، وهذا المعنى هو مدرك القاضى في التخريج كما تقدم.
وأيضا فإن لنا وجهًا أن الريش لا ينجس بالموت، فيجوز أن يكون هذا من القائلين بذلك وقد أشار النووي إلى الأول.
قوله في أصل "الروضة": ويصح بيع العلق على الأصح لمنفعة امتصاص الدم.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذه المسألة فيها طريقان حكاهما في "شرح المهذب" فقال: فيه طريقان: أصحهما وبه قطع إمام الحرمين والغزالي والبغوى في: "شرح المختصر" والأكثرون: يجوز لأن فيه غرضًا مقصودًا، وهو امتصاصه الدم من العضو المتألم.
والطريق الثاني: فيه وجهان، وممن حكاهما المتولى أصحهما: يجوز.
والثانى: لا لأنه حيوان مؤذ كالحية والعقرب هذا لفظه.
وبين الكلامين تباين فاحش، فإن المجزوم به في "الروضة" إنما هو الطريقة الضعيفة وليته مع الجزم بها جعل الخلاف ضعيفًا فعبر بالصحيح، بل جعله قويًا.
الأمر الثاني: أن ما نقله عن الإمام والغزالي من قطعهما بالصحة ليس كذلك، فإن الإمام ذكر المسألة في باب بيع الكلاب فقال: تردد القاضى في العلقة فألحقها في جواب بالديدان ومال في جواب إلى جواز بيعها لما فيها من منفعة مص الدم.
وأما الغزالي فلم يذكر المسألة في "الوجيز"، وذكرها في "البسيط" وحكى فيها التردد المذكور من غير ترجيح فقال: ترددوا في بيع العلق
الجزء: 5 - الصفحة: 43
وحكاه في "الوسيط"، ثم قال: والأولى الصحة.
قوله أيضًا في أصل "الروضة": ولا يصح بيع الحمار الزمن الذي لا نفع فيه على الأصح.
انتهى.
هذه العبارة أيضًا موضوعة لإثبات الخلاف القوى، فإن القائل بالصحة هنا هو الذي يجوز الشراء لغرض الجلد كما صرح به الرافعي، وكذلك النووي في "شرح المهذب".
وقد صرح فيه أعني في "شرح المهذب" بأنه وجه شاذ ضعيف.
هذا لفظه بعد أن نقل عن الجمهور القطع بالبطلان.
قوله: إحداها: آلات الملاهى كالمزامير والطنابير وغيرهما إن كانت بحيث لا تعد بعد الرض والحل مالًا فلا يجوز بيعها.
وإن كان الرضاض يعد مالًا ففي جواز بيعها قبل الرضاض وجهان:
أحدهما: الجواز لما فيها من المنفعة المتوقعة.
وأظهرهما: المنع لأنها على هيئتها آلة للفسق، ولا يقصد بها غيره ما دام ذلك التركيب باقيًا.
ونجرى الوجهين في الأصنام والصور المتخذة من الذهب والخشب وغيرهما.
وتوسط الإمام بين الوجهين فذكر وجهًا ثالثًا، وهو أنها إن اتخذت من جواهر نفيسة صح بيعها لأنها مقصودة في نفسها، وإن اتخذت من خشب ونحوه فلا، وهذا أظهر عنده.
وتابعه المصنف في "الوسيط"، ولكن جواب عامة الأصحاب المنع المطلق، وهو ظاهر لفظه هنا، ويدل عليه خبر جابر المروى في أوائل الركن.
انتهى كلامه.
الجزء: 5 - الصفحة: 44
فيه أمران:
أحدهما: أن مقتضى هذا الكلام أن تجويز الإمام إنما هو في الذهب والفضة والزمرد ونحوها لأن هذه هى الجواهر النفيسة، وليس كذلك، بل جوزه الإمام في كل ما له قيمة كالنحاس والصفر والعود فإنه قد ذكر هذه المسألة في باب بيع الكلاب فقال: ألحق الأئمة مسائل بما ذكرناه في الحيوان منها بيع المعازف وآلات الملاهى.
فإن كانت بحيث لو كسرت الكسر المأمور به لم يكن رضاضها متمولًا، ولا يصح بيعها.
وإن كانت بحيث لو كسرت الكسر الواجب لكان رضاضها متمولًا ففي إيراد البيع عليها قبل الرض وجهان.
أحدهما: يبطل البيع نظرًا إلى صفاتها، ويعتضد هذا بإطباق الناس على استنكار بيع البرابط والطنابير.
والثانى: يصح بيعها لأن جرم الرضاض كائن فيها وهذا وإن كان قياسًا فالعمل على الأول.
فأما إذا باع صورًا وأشباحًا كالأصنام وغيرها وكانت متخذة من جواهر ذات قيمة كالصفر والنحاس وغيرها فهى مكسرة على أربابها.
[والأصح] 19 جواز بيعها قبل التكسير، فإن جواهرها مقصودة بخلاف رضاض المعازف.
وذكر القاضى وجهًا في منع بيعها.
هذا كلام الإمام وهو كما نبهنا عليه.
الأمر الثاني: أن هذا الوجه الذي تكلمنا عليه واختاره الإمام محله في المسألة الثانية، وهي الصور والأصنام.
الجزء: 5 - الصفحة: 45
وأما الأولى فلم يجزه، وبينهما فرق، فإن آلة الفسق يقصد نهيها أكثر مما تقصد الصور ونحوها.
وقد جمع في "الروضة" بين المسألتين، وحكى فيهما الأوجه الثلاثة، وأن الإمام اختاره فيهما، وهو غلط سببه أنه لم يراجع "النهاية" حال الاختصار، وتوهم أن كلام الرافعي عائد إليهما فصرح به، لكنة لو تأمل آخر كلام الرافعي وهو استدلاله بخبر جابر لم يذكره، فإنه ليس فيه إلا الصور.
وقد فعل في "شرح المهذب" كما فعل في "الروضة" وزاد فنقل التفصيل المذكور عن صاحب "التتمة" مع أنه لم يذكره بالكلية، فإنه عقد لهما المسألة الثانية والثلاثين والثالثة والثلاثين من الباب الثالث، وحكى وجهين فقط، لكنه صحح في الأولى الجواز، ولم يصحح في الثانية شيئًا.
وما نقله عن الغزالي من حكاية الأوجه واختار التفصيل بينهما فصحيح إلا أنه لم يخصه بالجواهر النفيسة، فإنه قال: والأظهر إن كان من ذهب أو فضة أو عود أو شئ نفيس صح.
هذا لفظ "الوسيط".
قوله: والجارية المغنية إذا اشتراها بألفين، ولولا الغناء لكانت تساوى ألفًا.
قال المحمودى: يبطل لأنه بذل مال في مقابلة معصية.
وقال الأودى: يصح.
وقال أبو زيد: إن قصد الغناء بطل، وإلا فلا.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور:
أحدها: أن الراجح هو الصحة.
كذا صححه النووي في "زياداته".
وقال الرافعي في "الشرح الصغير": إنه القياس.
الأمر الثاني: أنه قد اضطرب التعبير عن الوجه الثالث، ففي نسخ معتمدة من هذا الكتاب إن قبل بالغناء عوضًا عن قصده وفي بعضها قصد
الجزء: 5 - الصفحة: 46
وهو المذكور في "النهاية" و"الروضة".
الأمر الثالث: أن هذا التعليل المذكور للبطلان صريح في تحريم غناء المرأة، وقد ذكر ما يوافقه في الغصب أيضا فقال في الباب الثاني في الطوارئ على المغصوب:
فرع: لو زادت قيمة الجارية بتعليم الغناء ثم نسيته نقل الرويانى عن النص أنه لا يضمن النقص لأنه محرم، وإنما يضمن المباح.
وعن بعض الأصحاب أنه يضمنه، ولهذا لو قتل عبدًا مغنيًا غرم تمام قيمته.
قال: وهو الاختيار.
انتهى.
ثم ذكرها بين المسألتين وهما مسألة الغصب والبيع في كتاب الصداق كما ذكرهما في موضعهما.
وإذا علمت ذلك فقد صح في كتاب الشهادات أنه لا يحرم عليها ذلك، وسوف أذكر لفظه في بابه إن شاء الله تعالى.
ولا سبيل إلى حمل المذكور في غير الشهادات على ما إذا كانت تغنى بآلة محرمة لأنه يلزم منه الجزم بصحة البيع في كثير من الجوارى المغنيات أو أكثرها حتى يكون إطلاقهم خطأ.
ولم يصرح أحد بذلك، بل: ولا أشار إليه، وأيضا فإن الرويانى قد استدل على أنه يضمن نقصانها بسبب الغناء فإنه مضمون في العبد المقتول، كما قدمنا أن الرافعي نقله عنه في كتاب الغصب، فدل ذلك على أن غناء العبد ليس بآلة محرمة إذ لو كانت كذلك لما ضمن فيه أيضًا.
ويلزم حينئذ أن لا يستقيم قياس الجارية عليه إلا إذا كان غناؤها بآلة محرمة.
الجزء: 5 - الصفحة: 47
فدل ذلك كله على التحريم مطلقًا.
واعلم أن تحريم الغناء إذا كان بألة محرمة فيه نظر أيضًا، بل ينبغى بقاؤه على إباحته عند من يقول بها، وأن لا يحرم إلا الاستماع إلى تلك الآلة والعمل بها فقط ولعل هذا هو المراد من عبارتهم، وإنما ذكر الغناء لملازمة استماعه لها غالبًا عند اجتماعهما.
وقد وقع هذا الاختلاف أيضًا للنووى في "الروضة" وأكد التحريم في باب الغصب فقال من "زياداته" الأصح المختار هو النص لأنها محرمة.
الأمر الرابع: أن الأوجه السابقة في بيع الجارية مفرعة على قولنا: إن الغاصب لا يضمن الغناء.
فإن قلنا: يضمنه.
صح، كذا قاله الرافعي في كتاب الصداق.
قوله من "زياداته": ولو باع [إناء] 20 من ذهب أو فضة صح قطعًا لأن المقصود الذهب فقط.
ذكره القاضى أبو الطيب.
انتهى.
وما ادعاه هنا من القطع بالصحة ذكره أيضا من غير إعزائه إلى أحد في "شرح المهذب" هنا وفي "الروضة" في باب الآوانى، وهو مشكل، فقد تقدم قبل هذا أن الصحيح الذي عليه عامة الأصحاب أنه لا يجوز بيع آلات الملاهى والأصنام والصور المتخذة من الجواهر النفيسة وغيرها.
وعلله الرافعي بأنها على هيئتها آلة الفسق، ولا يقصد بها غيره مادام ذلك التركيب باقيًا، وهذا المعنى موجود في الإناء فكيف يصح فضلًا عن دعوى الاتفاق؟
وقد نقل في باب الآنية من شرح المهذب ما نقله هنا عن القاضى ثم توقف فيه، وقال:
إذا قلنا بتحريم إتخاذ الأوانى فينبغى تخريج بيعها على الخلاف المشهور
الجزء: 5 - الصفحة: 48
في بيع الجارية المغنية، وعلى ما قاله من هذا البحث يكون الصحيح الجواز.
لكن إلحاقه بما قلناه أولى لاشتراكهما في تحريم الهبة وهل يلتحق بيع الصليب من النقدين بالأوانى أم بالصنم ونحوه؟
فيه نظر، وقد يلوح الفرق بين مسألتنا، وبين النظائر السابقة.
قوله أيضًا من "زياداته" نقلًا عن المتولى: والنرد إن صلح لبيادق الشطرنج فكالشطرنج وإلا فكالمزمار.
انتهى كلامه.
وما نقله عن المتولي هنا نقله في "شرح المهذب" عنه أيضًا وأقره، وقد علمت مما قاله في المسألة السابقة إطلاق المنع في آلات الملاهى.
والصور والأصنام، ولم يذكر هذا التفصيل فقياسه هنا أن لا يصح، وإنما فصل صاحب "التتمة" هنا لأنه ذكر مثله هناك فقال في المسألة الثانية والثلاثين من الباب الثالث من أبواب البيع: بيع المزمار والمعزفة والطنبور، وما جانس ذلك من آلات اللهو إن كان محلوله يصلح لمنفعة مباحة مقصودة ففي جواز بيعه وجهان:
أحدهما: وهو الصحيح: جوازه.
هذا كلامه.
لا جرم أن البغوى في "التهذيب" لما كان قائلًا بالتحريم في الملاهي أطلق تحريم بيع النرد.
هكذا صرح به في باب بيع الكلاب.
قوله: إحداهما: إذا باع مال الغير بغير إذن وولاية ففيه قولان: الجديد أنه لاغ.
والقديم: أنه ينعقد موقوفًا على إجازة المالك.
انتهى.
واعلم أن هذا القول منصوص عليه في الجديد أيضًا.
كذا نقله الشيخ أبو محمد في كتاب القضاء من "السلسلة" وسليم الرازي في "المجرد" والرويانى في "البحر" كلاهما في باب القراض، ونص عليه في "الأم" في أول كتاب الغصب على ما نقله عنه في "المطلب" فقال: إذا باع الغاصب الجارية المغصوبة كان لرب الجارية أن يجيز البيع إن أحب أن يأخذ الثمن
الجزء: 5 - الصفحة: 49
الذي باع به الغاصب.
قال الربيع: فإنه بعد ذلك ليس له إلا جاريته والشراء مردود.
وعلق الشافعى في البويطى صحته على صحة الحديث فقال في آخر باب الغصب: إن صح حديث عروة البارقى 21، وكل من باع أو أعتق ملك غيره بغير إذنه ثم رضى فالبيع والعتق جائزان.
هذا لفظه.
ونقل البيهقى أنه علقه أيضًا على صحته في "الأم".
قوله: ولو اشترى الفضولى لغيره نظر إن اشترى بعين مال الغير ففيه قولان.
الجزء: 5 - الصفحة: 50
وإن اشترى في الذمة نظر إن أطلق، ونوى كونه للغير فعلى الجديد يقع للمباشر، وعلى القديم يقف على الإجازة، فإن رد نفذ في حق الفضولى ولو قال: اشتريت لفلان بألف في ذمته فهو كاشترائه بعين مال الغير ولو اقتصر على قوله اشتريت لفلان بألف، ولم يضف الثمن إلى ذمته فعلى الجديد وجهان:
أحدهما: يلغو العقد.
والثاني: يقع عن المباشر.
وعلى القديم يقف على إجازة فلان، فإن رد ففيه الوجهان انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" و"شرح المهذب".
والصحيح من هذين الوجهين اللذين قد تكرر ذكرهما وقوع العقد عن المباشر، كذا صححه الرافعي في أثناء الباب الثامن من أبواب الوكالة في الكلام على البيع والشراء المخالفين أمر الموكل.
قوله: ولو اشترى شيئًا لغيره بمال نفسه نظر إن لم يسمه وقع العقد عن المباشر سواء أذن ذلك الغير أم لا.
وإن سماه نظر إن لم يأذن له لغت التسمية وهل يقع عنه أم يبطل؟ وجهان.
فإن أذن له فهل تلغو التسمية؟ وجهان فإن قلنا: نعم.
فهل يبطل من أصله أم يقع عن المباشر؟ فيه وجهان.
وإن قلنا: لا وقع عن الإذن، وهل يكون الثمن المدفوع قرضًا أم هبه؟ وجهان.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" و"شرح المهذب" أيضًا.
فأما الوجهان الأولان فالصحيح فيهما على ما ذكرناه في المسألة السابقة
الجزء: 5 - الصفحة: 51
وقوع العقد عن المباشر وأما الخلاف المتأخر، وهو أنه هل يقع عن الآمر عن الإذن أم لا؟
وإذا أوقعناه عنه هل يكون المعطى قرضًا أم هبة؟ فقد تعرض له الرافعي قبيل الباب الثالث من أبواب الوكالة فقال: ولو قال لغيره اشتر عبد فلان لى بثوبك هذا أو بدارهمك ففعل حصل الملك للآمر، ويرجع المأمور على الآمر بالقيمة أو المثل وفيه وجه أنه إذا لم نجر شرط الرجوع لا يرجع.
انتهى كلامه.
وذكر مثله في "الروضة" و"شرح المهذب"، وصرح بأن الثاني وجه ضعيف، وحاصله وقوع العقد عن الآمر، وأن المعطى يكون قرضًا، ولكنه ذكر بعده بنحو صفحة ما يشكل عليه، وسوف أبين ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
قوله: وشرط الوقف عند أَبى حنيفة أن يكون للعقد مجيز في الحال مالكًا كان أو غير مالك، حتى لو أعتق عبدًا لطفل أو طلق امرأته لا يتوقف على إجازته بعد البلوغ.
والمعتبر إجازة من ملك التصرف عند العقد حتى لو باع مال الطفل فبلغ وأجاز لم ينفذ وكذا لو باع مال الغير ثم تملكه وأجاز.
وقال الشيخ أبو محمد.
ولا يخالف في ذلك أبو حنيفة إذا فرعنا على القديم.
انتهى كلامه.
وهذا الكلام الذي ذكره الرافعي معناه واضح ولكنه غير محرر في التعبير، واشتمل على تكرار، فإن قوله: (والمعتبر إجازته إلى آخره) يعنى غير ما تقدم، والواقف عليه يتوهم غير ذلك.
قوله؛ وذكر إمام الحرمين أن العراقيين لم يعرفوا القول القديم، وقطعوا بالبطلان.
الجزء: 5 - الصفحة: 52
وهذا إن استمر اقتضى كلامه إعلامه بالواو وإنما توقف فيه وما ألفيته من كتب العراقيين هو الاقتصار على ذكر البطلان لا نفي الخلاف.
انتهى ملخصًا.
وما ذكره الرافعي من أن الذي وجده في كتب العراقيين إنما هو البطلان غريب، فقد نص عليه القاضى أبو الطيب في كتاب الوكالة في الكلام على ما إذا وكله في شراء شاة، فاشترى شاتين.
وكذا ابن الصباغ في الوكالة أيضًا في المسألة المذكورة في باب الأضحية، وسليم الرازى في كتاب القراض من "المجرد"، وبالغ فنسبه أيضًا إلى الجديد كما تقدم.
ولم يذكر النووي في "الروضة" قول الرافعي أنه لم يجده؛ بل ذكر قول الإمام، ثم استدرك عليه فقال: قلت: قد ذكر هذا القديم من العراقيين المحاملى في "اللباب" والشاشى صاحب "البيان"، ونص عليه الشافعى في "البويطى"، وهو قوى في الدليل.
وهذا لفظه.
وجميع ما ذكره في هذا الزيادة غير صحيح؛ أما المحاملى فلا شك أنه عراقى، لكنه لم يصرح في هذا الكتاب، الذي نقل عنه وهو "اللباب" بالمسألة بخصوصها، فإنه عذذ تنوعًا للشافعى فيها قولان، ثم عبر في أثنائها بقوله: وبيع تعريف الصفقة، وبيع الموقوف.
هذا لفظه من غير زيادة عليه.
ولا شك أن قولى الوقف يطلقان على هذه المسألة، وعلى من باع مال أبيه ظانًا حياته.
وقد صرح هو في "الروضة" بعد هذا بأسطر قلائل بذلك.
وإذا كانا يطلقان على كل من الصورتين لم يؤخذ منه حكاية الخلاف في بيع الفضولى، لأنه قد يريد المسألة الأخرى.
الجزء: 5 - الصفحة: 53
وأما صاحب "البيان" فنقله عن الفورانى، وهو من الخراسانيين، والشاشى نقله عن القاضى الحسين وهو منهم أيضًا.
وأيضًا فإن هذين لم يلتزما طريقة واحدة حتى ينقص بها، بل خلطا طريقة بطريقة، وأيضًا فإنهما متأخران عن الإمام.
وأما النقل عن البويطى فليس فيه الجزم بالصحة بل التعليق كما سبق، وقد سبق من النقول الصريحة ما فيه غنية عنه، وإن كان قد قال في "شرح المهذب": إن جميع من حكاه إنما حكاه عن القديم.
وأما دعواه بأنه قوى فباطل، فإن أقوى ما فيه حديث عروة، ولا يمكن حمله على هذه المسألة، فإنه قد باع وسلم.
والقائل بالصحة في هذه المسألة لا يجوز عنده التسليم إلا بإذن، كما صرح به في "شرح المهذب"، فتعين حمله على أنه كان وكيلًا للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في بيع ما يراه من أمواله الموجودة، والتى ستحدث.
ويكون هذا الحديث دليلًا على صحة هذا التوكيل.
وقد حكى الرافعي في صحته احتمالين من غير ترجيح مستدلًا للصحة بهذا الحديث، ذكر ذلك في كتاب الوكالة، وثبت هناك أن المنقول هو الصحة.
قوله: الثالثة: لو باع مال أبيه على ظن أنه حي فبان ميتًا صح العقد في أصح القولين.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن حكاية الخلاف في هذه المسألة قولين ذكره القاضى أبو الطيب في آخر باب العفو عن المهر من تعليقه، والداوودي في "شرح المختصر" في باب عدة المفقود، وجزم به النووي في "الروضة" وصححه في
الجزء: 5 - الصفحة: 54
"شرح المهذب" هنا فقال ما نصه: فقولان وقيل: وجهان هذا لفظه.
وحكاه جماعة وجهين منهم الشيخ أبو حامد في باب عدة المفقود من تعليقه، والبندنيجى والماوردي في الموضع المذكور، والقفال في "شرح التلخيص" في كتاب الوصايا في ذكر [ما يعتد به] 22 من أصول الكوفيين.
وصححه النووي في "شرح المهذب" في باب المسح على الخفين فقال: ففي صحته وجهان، وقيل: قولان: هذه عبارته.
والصواب أنهما قولان فقد قال الإمام في الوكالة في الكلام على افتقار الوكالة إلى القبول إن الشافعى نص عليهما في الجديد، وذكر الشيخ أبو حامد أن الخلاف في هذه المسألة إنما هو في الباطن، وأما في الظاهر فإنه مؤاخذ به كذا ذكره في آخر باب العفو عن المهر.
الأمر الثاني: أن التمثيل بهذا ونحوه إشارة إلى فرع ذكره الإمام في كتاب الرجعة، ونقله عنه في "المطلب" هنا فقال: لو باع عبدًا على أنه ملك لغيره، فبان ملك نفسه صح لأن الجهل لم يستند إلى أصل.
ولو باع مال أبيه ظانًا حياته فقولان، ووجه المنع أنه استند إلى أصل، وهو بقاء ملك الأب.
قوله: ولو غصب أموالًا وباعها وتصرف في أثمانها مرة بعد أخرى فقولان.
أظهرهما: بطلان الجميع.
والثانى: للمالك أن يجيزها، ويأخذ الحاصل منها لعسر بيعها بالإبطال.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وفيه أمران:
الجزء: 5 - الصفحة: 55
أحدهما: أن محله إذا تصرف في العين، فإن باع سلما أو اشترى في الذمة وسلم المغصوب فيما التزمه وربح فالربح للغاصب في الجديد، وللمالك في القديم.
وعلى هذا فقيل: إنه موقوف على إجازته، والأكثرون قالوا: إنه له جزمًا للمصلحة.
كذا ذكره الرافعي في الباب الثاني من أبواب القراض.
الأمر الثاني: أن هذين القولين مفرعان على الجديد كما ذكره في "شرح المهذب".
قوله: ولا يبعد تشبيه هذا الخلاف، بالخلاف في أن بيع الهازل هل ينعقد؟ وفيه وجهان.
انتهى.
والأصح في الهازل انعقاد بيعه، وسائر تصرفاته.
كذا صححه الرافعي في كتاب الطلاق إلا في الطلاق والعتاق، فإنه جزم فيهما بالنفوذ.
قوله: ويجري القولان فيما إذا زوج أمة أبيه على ظن أنه حي ثم بان موته، هل يصح النكاح؟
فإن صح فقد نقلوا وجهين فيما إذا صرح بالتعليق فقال: إن مات أَبى فقد زوجتك هذه الجارية.
انتهى.
فيه [أمران] 23:
أحدها: قد استفدنا من هذا الكلام أن الشروط المعتبرة في صحة النكاح لا يشترط علم المتعاقدين بها، بل يكفي وجودها في نفس الأمر.
وقد ذكر أيضًا ما يوافقه في كتاب العدد في الكلام على زوجه المفقود فقال: وإذا مضى عليه أربع سنين فاعتدت المرأة، وتزوجت ثم ظهر أن
الجزء: 5 - الصفحة: 56
الزوج كان ميتًا عند التزويج فعلى القديم لا إشكال، وأما على الجديد فإنه يخرج على القولين فيما إذا باع مال أبيه على ظن أنه حى فبان ميتًا.
إذا علمت ذلك فقد ذكر في باب الربا ما يخالفه فقال: ولا يجوز بيع الربوى بجنسه جزافًا ولا بالتخمين والتحرى، فلو باع صبرة بصبرة وخرجتا متماثلتين لم يصح، لأن التساوى شرط، وشرط صحة العقد تعيين العلم به عند العقد.
ولهذا لو نكح امرأة لا يعلم أهى أجنبية أم معتدة أم لا؟ لم يصح النكاح.
انتهى.
وقريب منه ما إذا عقد شهادة خنثيين، ثم تبين أنهما رجلان.
الأصح فيه الصحة.
كذا قاله النووي من زياداته في النكاح، قال: بخلاف نظيره من الصلاة لأن النية شرط فيها، وهى مترددة بخلاف الشهادة، لكن يشكل على هذا ما جزم به الرافعي في كتاب القضاء قبيل الطرف الثاني، ووافقه عليه النووي أن الإمام لو ولى رجلًا للقضاء وهو لا يعرف حاله لم تصح توليته، وإن ظهر كونه بالصفة المشروطة.
الأمر الثاني: أن تصوير المسألة الثانية بقوله: إن مات أى لا يستقيم لأن هذا تعليق على مستقبل وإن كان لفظه ماضيًا، والتعليق على المستقبل لا يصح بالاتفاق كما لو قال: إن قدم زيد أو طلعت الشمس فقد بعتك، فالصواب تصوير هذه المسألة بقوله: إن كان أَبى قد مات، وقد صورها الإمام في كتاب النكاح بذلك.
الأمر الثالث: أن الصحيح في هذه المسألة، وهى ما إذا صرح بالتعليق أنه لا يصح.
كذا صرح به في "الروضة" في كتاب النكاح فقال: لم يصح النكاح على المذهب، وبه قطع الجمهور، وقيل: وجهان.
هذا لفظه في هذه المسألة، وفي نظائرها، وهو مخالف لما جزم به في
الجزء: 5 - الصفحة: 57
"الروضة" هنا تبعًا للرافعى من طريقة الوجهين.
الأمر الرابع: إنه إذا أذن له في الشراء بشئ معين ثم اختلفا، وجعلنا الجارية للوكيل ظاهرًا وهو يزعم أنها للموكل فيقول: إن كنت أمرته أن يشريها بعشرين مثلًا فقد بعتك إياها بعشرين فيقبل الوكيل.
وحينئذ فيصح البيع على الصحيح كما قاله الرافعي، وعلله صاحب "الشامل" بأنه أمر واقع يعلمان وقوعه مثل إن اتفقا على أن الشئ المذكور ملك لأحدهما فيقول: إن كان ملكى فقد بعتكه فيصح.
وكذا لو شرط علم وجوده لأنه لا يؤدى إلى وقوف البيع.
هذا كلامه.
إذا علمت ذلك فتكون صورة المسألة هنا أيضًا، وفي جميع نظائرها فيما إذا لم يعلما موت الأب وغيره من الشروط المعلق عليها، فإن علما صح.
قوله: وذكر الإمام أن الصحة على قول الوقف بأجرة، لكن الملك لا يحصل إلا عند الإجازة.
انتهى.
وسيأتى أن الوصية للوارث إذا صححناها موقوفة على الإجازة فهل تكون إجازته تنفيذًا أو ابتداء عطية؟ فيه خلاف، والقياس أن يأتي ذلك بتفاريعه هناك فراجعه.
وما نقله عن الإمام وأقره هو والنووي عليه هو معنى ما في "المحرر"، فإنه جزم بأنه ينعقد موقوفًا ولا معنى للانعقاد إلا الصحة.
نعم كلام الرافعي في العدد يفهم أن الانعقاد موقوف.
قوله: عن الإمام إن الوقف يطرد في كل عقد يقبل الإستنابة كالبياعات والإجارات والهبات والعتق والطلاق والنكاح وغيرها.
انتهى كلامه.
وهذا الذي نقله هنا عن الإمام وارتضاه من جريان القولين في العتق والطلاق قد ذكر في موضعين من هذا الكتاب ما يخالفه، وأن القولين لا
الجزء: 5 - الصفحة: 58
يجريان فيهما.
أحدهما: في كتاب الضمان في الكلام على ضمان المجهول فقال ما نصه: ومنها لو كان لأبيه دين على إنسان فأبراه، وهو لا يعلم موت مورثه إن قلنا: البراءة إسقاط صح، كما لو قال لعبد أبيه أعتقتك، وهو لا يعلم موت الأب.
وإن قلنا: تمليك فهو كما لو باع مال أبيه على ظن أنه حى، وهو ميت.
انتهى كلامه.
وهذا صريح في أن القولين لا يجريان في العتق وأنهما إنما يجريان في التمليكات لا في الإسقاطات.
والموضع الثاني: في أوائل نكاح المشركات فقال ما نصه: وحيث توقفنا في النكاح وانتظرنا الحال إلى انقضاء مدة العدة، فلو طلقها قبل تمام العدة فالطلاق موقوف أيضًا، فإن اجتمعا على الإسلام في العدة تبين وقوعه، وتعتد من وقت الطلاق وإلا فلا طلاق، وحكى الإمام أن من الأصحاب من جعل الطلاق على قولي وقف العقود، وقال: لا يقع في قول، وإن اجتمعا على الإسلام.
وأجراهما: فيما إذا أعتق أمة أبيه على ظن كونه حيًا فبان ميتًا.
والمذهب الأول، فإن الطلاق والعتاق يقبلان صريح التعليق، فأولى أن يقبلا تقدير التعليق.
انتهى.
قوله: الشرط الثاني: القدرة على التسليم فلا يجوز بيع الضال والآبق والمغصوب إلى آخره.
فيه أمران:
أحدهما: أن في المنع من بيع هؤلاء إشكالًا، وذلك أن إعتاقهم جائز بلا شك، وصرحوا بأن العبد إذا لم يكن في شرائه منفعة إلا حصول الثواب
الجزء: 5 - الصفحة: 59
بالإعتاق كالعبد الزمن صح بيعه، وإعتاق المبيع قبل قبضه صحيح على الصحيح، ويكون قبضًا فلم لا صح بيع هؤلاء إذا كانوا زمنى، بل مطلقًا لوجود منفعة من المنافع التى يصلح لها الشراء.
الأمر الثاني: قال الثعالبى في كتاب "سر اللغة" في آخر الفصل الثالث من الباب الثالث أنه لا يقال للعبد: آبق إلا إذا كان ذهابه من غير خوف ولا كد في العمل، وإلا فهو هارب.
قوله: فإن باع المغصوب ممن يقدر على انتزاعه صح في الأصح، ثم قال: لكن لو عجز عن الانتزاع لضعف عرض له أو قوة عرضت للبائع، فله الخيار، وفيه وجه أشار إليه الإمام.
انتهى كلامه.
وما نقله عن الإمام ليس مطابقًا له، فإن كلام الرافعي في عجز المشتري والإمام فرضها في عجز البائع.
قوله: ولو باع السمك في بركه صغيرة يمكن أخذه منها بلا تعب صح، وإن كانت كبيرة فوجهان أظهرهما: المنع.
ثم قال: وهذا كله فيما إذا لم يمنع الماء رؤية السمك، فإن منع فعلى قولى بيع الغائب إلا أن لا يعلم قلة السمك وكثرته ولا سيئًا من صفاته فيبطل بلا [محالة] 24. انتهى.
وعبر في "الروضة" بقوله: فلا يصح قطعًا، وفي "شرح المهذب" بقوله: بلا خلاف وما قالاه من نفي الخلاف ليس بصحيح، فسيأتى بعد هذا في التفريع على صحة بيع الغائب وجه أنه لا يشترط ذكر جنس المبيع، ولا قدره ولا صفته حتى لو قال: بعتك ما في كى أو ميراثى من أَبى وهما لا يعلمانه صح.
قوله من "زياداته": ولو باع ثلجًا أو جمدًا وزنًا وكان ينماع إلى أن يوزن
الجزء: 5 - الصفحة: 60
لم يصح على الأصح.
وسيأتى هذا إن شاء الله تعالى في المسائل المنثورة في آخر كتاب الإجارة.
انتهى كلامه.
واعلم أن هذه المسألة قد ذكرها في الفصل [الأول] 25 المعقود للمسائل المتعلقة بالباب الأول فصورتها على ما ذكره هناك [إنما هو في تلف البعض خاصة.
وأما إذا كان يتلف كله فيبطل جزمًا.
هذا حاصل ما ذكره هناك] 26 وسنذكر لفظه في موضعه.
وأيضًا فبتقدير ما فرضه، وهو أن ينماع جميعه فله حالان:
أحدهما: أن يكون على الأرض، فلا إشكال في البطلان.
والثانى: أن يكون في إناء فينظر إن عبر بقوله: بعتك هذا كل رطل بكذا، ولم يذكر الجمد، فلا يتأتى الخلاف، بل يصح جزمًا لأن بيع الماء بالوزن صحيح، وإن عبر بقوله: هذا الجمد فيتجه تخريج الصحة فيه على الخلاف المشهور في الإشارة والعبارة.
قوله: وذكر بعض شارحى "المفتاح" أنه لو باع دارًا إلا بيتًا في صدرها لا يلى شارعًا ولا ملكًا له على أنه لا ممر له في المبيع لا يصح البيع.
انتهى.
وما نقله عن الشارح المذكور وأقره، ولم يذكر ما يوافقه، ولا ما يخالفه، قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة".
وقد صرح بالمسألة في "شرح المهذب" وحكى فيها وجهين، وقال: أصحهما: البطلان إلا أن الرافعي في الركن الثاني من كتاب الشفعة قد ذكر ما حاصله الجزم بالصحة، وسأذكره في موضعه إن شاء الله فراجعه.
قوله: كما لو باع ذراعا معينا من أرض أو دار فإنه يصح.
انتهى.
الجزء: 5 - الصفحة: 61
اعلم أن بيع الدار يتناول الأبنية بلا شك، فيدخل في الذراع المعين ما يسامته من الأبنية، وسيأتي أن بيع النصف المعين من الجدار لا يصح في بعض الصور فاعلمه.
قوله في أصل "الروضة": ولو أعتق الجاني، فإن كان السيد معسرًا لم ينفذ على الأظهر، وقيل: لا ينفذ قطعًا.
وإن كان موسرًا نفذ على أظهر الأقوال.
والثالث موقوف إن فداه نفذ وإلا فلا.
انتهى.
حكى الرافعي طريقة قاطعة بالنفوذ في الموسر، ولم يذكرها في "الروضة".
قوله: واستيلاد الجارية الجانية كإعتاقها.
انتهى.
اعلم أن في استيلاد الجارية المرهونة ثلاثة طرق:
أحدها: القطع بالنفوذ.
والثاني: القطع بعدمه.
والثالث: على الأقوال الثلاثة في إعتاقها، والقياس جريان هذه الطرق، واستيلاد الجانية أيضًا.
قوله في أصل "الروضة": ومتى فدى السيد الجاني فالأظهر أنه يفديه بأقل الأمرين من الأرش وقيمة العبد، والثاني: يتعين الأرش وإن كثر.
انتهى كلامه.
وقد تقدم فيما يلزم فيه الفداء ثلاث مسائل وهى: البيع والإعتاق والاستيلاد، وقد جزم فيها بإثبات قولين.
وهذا الذي جزم به هو طريقة ضعيفة، والمشهور في المسائل الثلاث إنما طريقة القطع بالأقل ومحل القولين إنما هو في الفداء مع إمكان بيعه هكذا ذكره الرافعي والمصنف في كتاب الجنايات في أواخر باب العاقلة، وستعرف لفظه هناك.
الجزء: 5 - الصفحة: 62
والرافعي -رحمه الله- سالم من هذا الاعتراض، فإنه عبر بقوله: فيه خلاف يأتى في موضعه.
والأصح الأول.
هذا لفظه.
فلم يذكر أن الخلاف قولان ولا وجهان ولا طريقان، وليس له فيه اصطلاح فتصرف النووي في كلامه ذاهلًا عن المذكور هناك، فوقع في الغلط.
قوله من "زياداته": ولو ولدت الجارية لم يتعلق الأرش بالولد قطعًا، ذكره القاضى أبو الطيب في نماء الرهن، والله أعلم.
وهذا الكلام يقتضى أن هذا النقل غريب مع أن الرافعي قد صرح به في موضعين من كتابه:
أحدهما: في النكاح في الكلام على الولاية على الرقيق.
والثانى: في أواخر باب العاقلة، وهو الموضع اللائق بالمسألة فإنه هناك ذكر أحكام جناية الأرقاء.
قوله: فأما إذا أوجبت الجناية القصاص فطريقان:
أحدهما: طرد القولين، ثم قال: وأصحهما: القطع بالصحة.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على تصحيح طريقة القطع ثم خالف في "المنهاج" فجزم بطريقة القولين، فإنه عبر بالأظهر.
قوله: ولو أعتق السيد العبد الجانى جناية توجب المال فأصح [الطريقين] 27 نفوذه من الموسر دون المعسر.
أما عند اليسار فلأنه بسبيل من نقل حق المجنى عليه إلى ذمته باختيار الفداء.
انتهى كلامه.
وما ذكره من انتقال الحق إلى ذمته باختياره للفداء قد تكرر منه في هذا
الجزء: 5 - الصفحة: 63
الفصل، وعبر عنه بعبارات مختلفة، وتبعه النووي عليه وهو خلاف الصحيح، فقد قال -أعنى: الرافعي- في آخر باب العاقلة: ولو قال السيد: اخترت الفداء، وقال: أنا أفديه فوجهان:
أحدهما: يلزمه الفداء ولا يقبل رجوعه.
والصحيح: أنه لا يلزمه، بل يبقى خياره كما كان.
انتهى واللفظ "للروضة".
الجزء: 5 - الصفحة: 64
الشرط الخامس كون المبيع معلومًا
قوله: وعن أَبي حنيفة -رحمه الله- أنه لو قال: بعتك أحد عبدى أو عبيدى الثلاثة على أن تختار من شئت في ثلاثة فما دونها يصح العقد.
وغرب المتولى فحكى عن القديم قولًا مثله، ثم قال: ووجه المذهب القياس على ما إذا زاد العبيد [على] 28 الثلاثة أو لم يجعل له الاختيار أو زادوا على الثلاث أو فرض ذلك في الثياب والدواب وغير العبيد، وعلى النكاح.
انتهى كلامه.
وما ذكره عن أَبى حنيفة من البطلان في الثياب قد نقل بعد ذلك عنه عكسه فقال في الكلام على خيار الشرط: الثالثة: لو باع عبدين بشرط الخيار في أحدهما لا على التعيين فسد العقد، وقال أبو حنيفة: يجوز في العبدين والثوبين والثلاثة، ولا يجوز في الأربعة وما زاد كما قال في البيع.
هذا كلامه.
وذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، واعلم أن النووي في "الروضة" لما حكى هذا القول القديم لم يصرح باشتراط هذه القيود كما صرح به الرافعي وإنما ساقها مساق المثال فاعلمه واجتنبه.
قوله: ولو لم يكن إلا عبد واحد فحضر في جماعة من العبيد وقال السيد، بعتك عبدى من هؤلاء والمشترى يراهم، ولا يعرف عين عبده فحكمه حكم بيع الغائب.
قاله في "التتمة".
وقال صاحب "التهذيب": عندى أن هذا البيع باطل لأن المبيع غير متعين.
انتهى.
الجزء: 5 - الصفحة: 65
لم يصحح شيئًا في "الروضة" أيضًا، والأصح ما قاله البغوى، كذا صححه في "شرح المهذب" وعبر [بالأصح] 29.
قوله: ولو باع الجملة واستثنى جزءًا شائعًا جاز.
مثاله: بعتك ثمرة هذا البستان إلا ربعها وقدر الزكاة منها.
انتهى.
قال الماوردي في باب الوقت الذي يحل فيه بيع الثمر: ولابد من ذكر قدر الزكاة في البيع أعشر هو أو نصف عشر.
وقال مالك: ليس يلزم ذكر القدر لأن العلم به شرعًا يغنى عن ذكره شرطًا [وهذا ليس بصحيح لأنه لو كان علمه بالشرع يغنى عن استثنائه بالشرط لكان العلم] 30 بوجوب الزكاة يغنى عن اشتراط الزكاة.
انتهى.
وجزم في "البحر" بوجوب ذكره أيضًا، ثم إذا استثنى قدر الزكاة فأراد المشترى أن يدفع قدر الزكاة من غير تلك الثمرة ففيه وجهان حكاهما الماوردي في الباب المذكور:
أحدهما: يجوز لأنه يحل في ذلك محل البائع، وقد كان ذلك جائزًا للبائع.
والثانى: لا، لأن المشترى لم يملك قدر الزكاة بعقد ولا غيره، وإنما هو كالوكيل فيها بخلاف البائع، قال الرويانى في "البحر": وهذا هو المذهب الذي لا يجوز أن يقال غيره عندى.
وما قالاه يقتضى أنه يجوز للبائع إمساك ذلك المقدار وإخراج الزكاة من غيره.
قوله: ولو باع ذراعًا من أرض أو ثوب يعلمان ذرعانه ثم اختلفا فقال المشترى: أردت الإشاعة حتى يصح العقد، وقال البائع: بل أردت معنيًا
الجزء: 5 - الصفحة: 66
حتى يفسد ففي المصدق منهما احتمالان انتهى.
قال النووي في "الزيادات": أرجح الاحتمالين يصدق البائع حتى يفسد.
واعلم أنه إذا قال: قارضتك على أن نصف الربح لك صح على الأصح.
وإن قال: على أن نصفه لى لم يصح في الأصح على ما تعرفه في القراض، فعلى هذا إذا قال: خذ المال قراضًا بالنصف، فالأشبه كما قاله في "المطلب" أنه يصح تنزيلًا على شرط النصف للعامل، وكلام سليم في "المجرد" يشير فيه إلى الوجهين، ثم قال أعنى سليمًا: وإذا قلنا بالصحة، فقال رب المال: أردت أن النصف لى فيكون فاسدًا، وادعى العامل العكس صدق العامل لأن الظاهر منعه.
انتهى.
وهذه المسألة هى شبيهة بمسألتنا، وحكمها مخالف لما رجحه في "الروضة" إلا أن المتبادر إلى الفهم من مسألة القراض إنما هو اشتراكهما على السواء.
قوله: أما إذا عين الممر من جانب صح البيع.
. . . إلى آخره.
لم يتعرض -رحمه الله- في هذا الفصل لاشتراط بيان قدر الممر بالذرع، وقد صرح بالمسألة في كتاب الدعاوى فقال: إذا ادعى أن له طريقًا في ملك غيره أو ادعى حق إجراء الماء.
قال القاضي أبو سعد: الأصح لا يحتاج إلى إعلام قدر الطريق والمجرى.
ثم قال: وقال أبو على السنجي: يشترط إعلام الطريق [والمجري] 31 وهكذا لو باع بيتًا من دار، وسمى له طريقًا ولم يبين قدره لا يصح.
هذا كلامه.
الجزء: 5 - الصفحة: 67
قوله: ولو أن الأرض المبيعة كانت ملاصقة للشارع فليس للمشترى طروق ملك [البائع] 32 فإن العادة في مثلها الدخول من الشارع فينزل الأمر عليها.
ولو كانت ملاصقة لملك المشترى فلا يتمكن من المرور فيما أبقاه البائع لنفسه، بل يدخل فيه من ملكه القديم.
وأبدى الإمام -رحمه الله- فيه احتمالًا، قال: وهذا إذا أطلق البيع؛ أما إذا قال بحقوقها فله المرور في ملك البائع.
انتهى كلامه.
وهذا الذي حكاه احتمالًا هو وجه ثابت في المسألتين جميعًا أعني في الملاصقة للشارع والملاصقة لملك المشتري كذا حكاه فيهما معًا صاحب "التتمة" في الباب الثاني عشر المعقود لبيع الأصول والثمار في المسألة العاشرة من الفصل الثالث، وكذلك القاضي حسين، كما نقله عنه في "الكفاية".
ثم إن الاحتمال المذكور خاص بالمسألة الأخيرة كما هو المفهوم من عبارة المصنف، فإن الإمام قد صرح بذلك.
وكذلك ما نقله عن الإمام آخرًا من جواز المرور إذا قال: بعتكها بحقوقها، فإنه ذكره في المسألة الأخيرة خاصة.
نعم أجراه الغزالي في "البسيط" في المسألتين جميعا، وقد جزم الرافعي في "الشرح الصغير" بما قاله الإمام.
ولو كانت الدار ملاصقة لمسجد أو أرض موقوفة على الدفن فهل هو كالشارع؟
فيه نظر، والمتجه في المسجد عدم الالتحاق بخلاف المقبرة.
قوله: ولو باع داره واستثنى لنفسه بيتًا فله الممر، فإن بقى نظر: إن
الجزء: 5 - الصفحة: 68
أمكن اتخاذ ممر صح البيع وإلا فوجهان، وجه المنع ما قدمناه عن شارح "المفتاح" انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما جزم به من استحقاق الممر ينبغى أن يكون محله فيما إذا لم يكن البيت متصلًا بشارع أو بملك البائع، فإن كان كذلك فيكون على الوجهين السابقين في المسألة قبلها.
وقد صرح بذلك القاضي الحسين في "تعليقته" في باب الوقت الذى يحل فيه بيع الثمار.
وحينئذ فيكون الصحيح عدم الاستحقاق.
الثاني: أن الصحيح من الوجهين فيما إذا بقى الممر، ولم يمكن اتخاذه عدم الصحة.
كذا صححه في "الروضة" من "زياداته" وقاسه على بيع ذراع من ثوب ينقص بالقطع، وهذا هو التعليل الذي نقله الرافعي عن شارح "المفتاح" والموضع الذي نقله عنه الرافعي هو في أثناء الشرط الرابع، وكلام الرافعي هناك يوهم استغراب ما حكاه عن "المفتاح"، وكذا كلام "الروضة"، بل هو أشد إيهامًا من كلام الرافعي.
قوله: وأما القدر فالمبيع قد يكون في الذمة، وقد يكون معينًا، والأول هو السلم.
انتهى.
ودعواه أن كلما عقد على الذمة سلم ليس كذلك، بل شرطه أن يعقد عليه بلفظ السلم.
فاما إذا عقد بألفاظ البيع فقال: اشتريت منك أردبًا في ذمتك، ووصفه فإن الأصح أنه لا يكون تسليمًا، بل بيعًا تثبت فيه أحكامه دون أحكام السلم كما قاله في باب السلم.
الجزء: 5 - الصفحة: 69
قوله: فما كان في الذمة من العوضين فيشرط كونه معلوم القدر، حتى لو قال: بعتك ملء هذا البيت حنطة، أو بزنة هذه الصنجة ذهبًا لم يصح البيع.
انتهى.
وهذا التمثيل الذي قاله: يشعر بأنه لو لم يكن المعقود عليه في هذين المثالين في الذمة بأن قال: بعتك ملء هذا البيت من هذه الحنطة أو بزنة هذه الصنجة من هذا الذهب أنه يصح، والأمر كذلك على الصحيح فافهمه.
وسببه أن الإضافة إلى شيء حاضر لا غرر فيه لإمكان الشروع في الوفاء عقيب العقد.
وقد صرح الرافعي بهذا الحكم والتعليل في باب السلم في الكلام على تعيين الميكال، لكنه اقتصر على التمثيل بالمبيع دون الثمن فقال ما نصه: لو عين المكيل بما لا يعتاد الكيل به كالكوز فسد السلم لأن ملاءه مجهول القدر، ولأن فيه غررًا لا حاجة إلى احتماله، فإنه قد يتلف قبل المحل وفي البيع لو قال: بعتك ملء هذا الكوز من هذه الصبرة فوجهان بناء على المعنيين.
والأصح الصحة اعتمادًا على المعنى الثاني هذا كلام الرافعي، وتبعه عليه في "الروضة".
قوله: ولو قال: بعت بما باع به فلان فرسه أو ثوبه وأحدهما لا يعلمه لم يصح للجهل.
وقيل: يصح للتمكن من العلم، كما لو قال في صبرة مجهولة: بعتكها كل صاع بدرهم.
وقيل: إن حصل العلم قبل التفريق صح، وإلا فلا.
انتهى كلامه.
وليس فيه تصريح بما إذا علما ذلك، إلا أنه مشعر بالجزم بصحة البيع.
الجزء: 5 - الصفحة: 70
وقد صرح بالمسألة في الباب الثاني من كتاب الوصية في الكلام على ما إذا قال: أوصيت له بنصيب ابنى، وحكى فيها وجهين، ولم يصحح منهما شيئًا، وسأذكر لفظه هناك لشيء يتعلق به.
قوله: ولو قال: بعت بمائة دينار إلا عشرة دراهم لم يصح إلا أن يعلما قيمة الدنانير بالدراهم.
انتهى.
زاد في "الروضة" على هذا فقال: ينبغى أن لا يكفي علمهما، بل يشترط قصدهما استثناء القيمة وذكر صاحب "المستظهري" في ما إذا لم يعلما حال العقد قيمة الدينار من الدراهم، ثم علما في الحال طريقين:
أصحهما: لا يصح كما ذكرنا.
والثاني: على وجهين.
والله أعلم.
هذا لفظه بحروفه.
وما نقله -رحمه الله- عن "المستظهري" من حكاية الخلاف في ما إذا لم يعلما عند العقد، ثم علما سهو فإن هذا النقل الذي عزاه إليه محله في آخر باب الربا، وقد قال هناك ما نصه: فإن اشترى ثوبًا بمائة درهم إلا دينار لم يصح، ومن أصحابنا من حكى أنهما إذا علما قيمة الدينار من الدراهم في الحال كان في صحة البيع وجهان، وما ذكرنا أصح.
هذا لفظ الشاشي بحروفه.
وحاصله أنه حكم أولًا ببطلان البيع علما أو جهلا، ثم حكى طريقة ضعيفة بإثبات وجهين عند العلم.
وهو عكس ما نقله عنه في "الروضة"، ثم إننى راجعت أيضًا كلام الماوردي لعلمى أن غالب ما ينقله الشاشى في الكتاب المذكور فيه فرأيته قد ذكر المسألة في الموضع الذي ذكرها فيه الشاشى، ومثل بالمثال بعينه، وزاد المسألة إيضاحًا فقال:
فرع: فإذا باعه ثوبًا بدينار إلا درهم فإن جهلا أو أحدهما قيمة
الجزء: 5 - الصفحة: 71
الدينار في الحال كان البيع باطلًا للجهل بالثمن.
وإن علما قيمة الدينار ففي البيع وجهان:
أحدهما: أن البيع باطل، لأن الاستثناء من غير جنس الثمن.
والثاني: أن البيع جائز لأنهما إذا علما أن قيمة الدينار عشرة دراهم، وقد باعه بدينار إلا درهم كان بمثابة قوله: بعتك بدينار إلا عشر دينار.
فيصبر البيع بتسعة أعشار دينار، والأول أصح الوجهين، لأنه استثنى درهمًا، ولم يعين قيمة درهم، فلا يلزم المشترى دفع الدينار كله لموضع الاستثناء ولا يلزم البائع دفع الدرهم لأنه ليس بمشترٍ فتعذر استيفاء العقد فبطل هذا لفظه.
ونقله عنه صاحب "البحر" أيضًا، فوضح بذلك بطلان ما نقله في "الروضة".
قوله: ولو غلب من جنس العروض نوع فهل ينصرف الذكر إليه عند الإطلاق؟ فيه وجهان، المحكى عن أبى إسحاق أنه ينصرف كما ذكرنا في النقد.
قال في "التتمة": وهو المذهب.
ومن صوره أن يبيع صاعًا بصاع من الحنطة أو بشعير في الذمة، ثم أحضر اقبل التفريق.
انتهى كلامه.
واعلم أن كلام المتولى لا يطابق ما نقله عنه الرافعي فإنه قال: إذا باع صاع حنطة بصاع حنطة فإن كانت أنواع الحنطة في البلد تختلف، وأطلق لا يصح العقد.
وإن وصف البدلين، أو كان النوع واحدًا لا يختلف أو حضر البدلين في المجلس وتقابضا فالعقد صحيح على ظاهر المذهب كما ذكرنا في الدراهم بالدنانير.
الجزء: 5 - الصفحة: 72
وقد ذكر في المسألة وجه آخر أن العقد لا يصح حتى يكون أحدهما معينًا حالة العقد، وليس يتضح الفرق بين الطعام والدراهم.
وهكذا لو باع صاع حنطة موصوفة بصاع شعير فالحكم على ما ذكرنا .. انتهى كلامه.
فالمتولي جازم بأن الغلبة في هذا كافية، وأن العقد ينصرف إلى الغالب.
وإنما الخلاف الذي حكاه في اشتراط تعيين أحدهما، ولهذا سوى بينه وبين الموصوف في حكاية الخلاف مع أن الوصف كاف بلا نزاع.
فهذا الوجه وهو امتناع بيع الطعام بالطعام إذا كانا معًا في الذمة قد حكاه الرافعي في باب السلم، وبالجملة فالخلاف المذكور في "التتمة" غير ما نقله عنه الرافعي.
نعم الخلاف صحيح من غير "التتمة" فإن الغزالي حكاه هو وغيره.
وقد صحح النووي في أصل "الروضة" ما نقله الرافعي عن "التتمة".
قوله: حتى لو باع بدينار أو بعشرة دنانير، والمعهود في البلد الصحاح انصرف إليها، وإن كان المعهود المكسور انصرف إليه.
قال في "البيان": إلا أن تتفاوت قيمة المكسر فلا يصح.
انتهى.
واعلم أن صاحب "البيان" قال: فرع: إذا قال: بعتك بألف درهم مكسرة فقد قال الصيمري: قال أكثر أصحابنا.
يصح.
قال: وأظنهم أجازوا ذلك إذا تفاوتت قيمة المكسر.
فأما إذا اختلف قيمتها، وهي هكذا في وقتنا مختلفة فلا يصح.
هذا لفظه.
فقائله إنما هو الصيمري ناقلًا له عن غيره بطريق الظن لا بالجزم.
الجزء: 5 - الصفحة: 73
وقال الروياني في "البحر" في باب الربا: لو قال: بعتك بألف درهم مكسرة جاز، وقيل: إنما يجوز إذا لم تتفاوت القيمة، فإن تفاوتت فلا يجوز.
انتهى.
وهذا يقتضي تصحيح الجواز.
قوله: ولو قال: بعتك بألف صحاح ومكسرة ففيه وجه أنه يصح، ويشبه أن يكون جاريًا فيما إذا قال: بعتك بألف ذهب وفضة.
انتهى.
اعترض النووي على هذا التخريج فقال: لا جريان له هنا.
والفرق أن الغرر يعظم فيه لكثرة التفاوت بين الذهب والفضة.
قوله: ولو باع بنصف دينار صحيح بشرط كونه مدورًا جاز إن كان يعم وجوده، وإن لم يشترطه فعليه شق وزنه نصف مثقال.
انتهي.
تابعه في "الروضة" على تقييد الصحيح بما إذا عم وجوده، ومقتضاه أنه إذا كان عزيز الوجود لا يصح، وهو لا يستقيم، فإنه سيأتي من كلامهما بعد هذا بقليل أنه إذا باع بنقد يعز وجوده، فإنه ينبنى على جواز الاستبدال عن الثمن.
فإن جوزناه: صح، ثم إن وجد فذاك، وإلا فيستبدل.
وإن لم تجوز الاستبدال: لم يصح.
قوله: ولو قال: بعتك هذه الصبرة بعشرة، كل صاع بدرهم، أو قال مثله في الثوب فخرج ناقصًا أو زائد فقولان.
قال في "التهذيب": أصحهما: أنه لا يصح البيع لأن الجمع بينهما محال.
والثاني: يصح لإشارته إلى الصبرة.
وعلى هذا إن خرج ناقصًا فللمشتري الخيار، فإن أجاز فهل يخير بالجميع أو بالقسط؟ فيه وجهان.
وإن خرج زائدًا فلمن تكون الزيادة؟ فيه وجهان.
الجزء: 5 - الصفحة: 74
أظهرهما؛ أنها للمشتري، لأن جملة الصبرة مبيعة منه، فعلى هذا لا خيار له.
وفي البائع وجهان:
أصحهما: أنه لا خيار له أيضًا.
والثاني: أن الزيادة للبائع، وعلى هذا لا خيار له، وفي المشترى وجهان: أصحهما: ثبوت الخيار.
انتهى مخلصًا.
فيه أمور:
أحدها: أن هذا الخلاف قد جعله أيضًا في "الشرح الصغير" قولين، لكنه قد خالف في "المحرر" فجعله وجهين فقال ما نصه: صح البيع إن خرجت كما ذكرنا، وإلا لم يصح في أصح الوجهين.
انتهى.
ووقع الموضعان كذلك في "الروضة" و"المنهاج" وقد استفدنا من "المحرر" أيضًا أن الصحيح ما قاله البغوي.
وقد صرح بتصحيحه أيضًا في "الشرح الصغير"، وكذلك النووي في أصل "الروضة" هنا وغيرها من كتبه.
الأمر الثاني: أن الرافعي -رحمه الله-: قد ذكر بعض أمثلة هذه المسألة في باب الربا، وأجاب على القولين بالصحة بما يخالف المذكور هاهنا فقال في أثناء الطرف الأول: ولو قال: بعتك هذه الصبرة بتلك الصبرة مكايلة أو كيلًا بكيل، أو هذه الدراهم بتلك موازنة أو وزنًا بوزن.
فإن كالا أو وزنا وخرجتا متساويتين صح العقد، وإلا فقولان:
قال في "التهذيب": أصحهما: البطلان.
والثاني: يصح في الكبيرة بقدر ما يقابل الصغيرة ولمشتريها الخيار.
ثم قال: ولو باع صبرة حنطة بصبرة شعير جزافًا جاز؛ ولو باعها بها
الجزء: 5 - الصفحة: 75
صاعًا بصاع أو بصاعين فالحكم كما لو كانا من جنس واحد.
انتهى كلامه.
فأما التفريع الذي ذكره على قول الصحة في المسألة الأولى فواضح لأنه لا يمكن التصحيح في الجميع لأجل الربا.
وأما القول به أيضًا في المسألة الثانية، وهي بيع صبرة [القمح بصبرة] 33 الشعير فمخالف للمذكور هنا.
فإن بيع الصبرة [بالعشرة كل صاع بدرهم قد وجد فيه مقابلة الجملة بالجملة والأفراد بالأفراد وهذا بعينه موجود أيضًا في بيع الصبرة بالصبرة] 34 صاعًا بصاع فحاصله أنهما مثالان للمسألة، ونحن نعلم بالضرورة أن الحكم ليس خاصًا بالمثال المذكور.
في هذا الباب وهو بيع الصبرة بعشرة بل سائر الأعيان كذلك.
الأمر الثالث: أن النووي قد ذكر من "زياداته" في باب الربا عقب المسألة الثانية عكس ما ذكره هاهنا فقال: قال أكثر أصحابنا: إذا باع صبرة الحنطة بصبرة الشعير صاع بصاع، وخرجتا متساويتين صح.
وإن تفاضلتا، ورضى صاحب الزائدة بتسليم الزيادة تم البيع، ولزم الآخر قبولها.
وإن رضى صاحب الناقصة بقدرها من الزائدة صح؛ وإن تشاحا فسخ البيع.
انتهى كلامه.
فصحح بيع التفاضل على عكس ما قاله هنا، ثم إنه أيضًا يشكل على بيع صبرة القمح بصبرة القمح إذ لا أثر لاختلاف الجنسين.
فإن من صحح أولًا فإنما يصحح مع التماثل، وأثبت له الخيار.
الأمر الرابع: أن الصحيح من الوجهين في المقدار الذي يخير به أنه يخير
الجزء: 5 - الصفحة: 76
بالبعض.
قاله في "شرح المهذب".
قوله: نعم حكوا قولين في أنه هل يكره بيع الصبرة جزافًا؟ انتهى.
والصحيح الكراهة، كذا صححه النووي في "زيادات الروضة" و"شرح المهذب" وسوى في ذلك بين بيعها والبيع بها.
وعلل صاحب "التتمة" عدم الكراهة بقوله: ووجه أن شراء المجهول الذرع لا يكره، فكذلك هاهنا هذا لفظه.
ومقتضاه الجزم بعدم الكراهة في المذروع.
قوله في "أصل الروضة": أما إذا أصدقها عينًا غائبة أو خالعها عليها، أو عفى عن القصاص على عين غائبة، فيصح النكاح وتقع البينونة ويسقط القصاص قطعًا، وفي صحة المسمى القولان.
انتهى كلامه.
والتعبير بقوله: (قطعًا) راجع إلى الثلاثة فقد صرح بذلك في "شرح المهذب" فقال: ولا خلاف في هذه الثلاثة.
هذا لفظه.
وما ذكره من نفي الخلاف في النكاح ليس كذلك فإن [في] 35 النكاح قولا قديمًا أنه يفسد بفساد الصداق.
وقد حكاه هو في مواضع من كتاب الصداق، وكذلك ما ذكره في البينونة أيضًا فإنه صاحب "التتمة" حكى وجهًا أنه لا تحصل عند فساد العوض، وقد ذكره في "الروضة".
[قوله أيضًا في أصل الروضة: ] 36 في الركن الرابع من كتاب الخلع ويجريان -أي قولا الغائب- في رهنه وهبته وهما أولى بالصحة لعدم الغرر، ولهذا إذا صححناهما فلا خيار عند الرؤية.
انتهى كلامه.
الجزء: 5 - الصفحة: 77
فيه أمران:
أحدهما: أن ما جزم به من الأولوية قد صحح خلافه في "شرح المهذب" فقال: وفي رهن الغائب وهبته القولان، وقيل: هما أولى بالصحة لعدم الغرر هذا لفظه.
الأمر الثاني: أن ما جزم به من عدم الخيار عند الرؤية لم يجزم به الرافعي، وإنما عبر بقوله: ولهذا قيل: إذا صححناهما فلا خيار عند الرؤية إذ لا حاجة إليه، وذكر في "الشرح الصغير" مثله أيضًا.
وقد ذكر في "شرح المهذب" هنا أن القولين يجريان في الواقف أيضًا، واقتصر عليه، لكنه ذكر في كتاب الوقف من "زياداته" أن الصحيح صحته، وأنه لا خيار له عند الرؤية فاعلمه، وستقف عليه هناك إن شاء الله تعالى فاعلمه.
قوله في أصل "الروضة": الثالثة: إن لم نجوز شراء الغائب وبيعه لم نجوز بيع الأعمى وشراءه وإلا فوجهان:
أصحهما: أنه لا يجوز أيضًا إذ لا سبيل إلى رؤيته فيكون كبيع الغائب على أن لا خيار.
والثاني: يجوز، ويقوم وصف غيره له مقام رؤيته.
انتهى كلامه.
وما صححه من منع شراء الأعمى تفريعًا على امتناع بيع الغائب صحيح.
وأما ما صححه من امتناع بيعه تفريعًا على هذا القول فمناقض لما صححه بعد هذا، فإنه ذكر في أواخر الكلام على بيع الغائب أن من باع عينًا لم يراها فلا يثبت له الخيار عند رؤيتها على الصحيح بخلاف المشتري.
وفرقوا بينهما بان جانب البائع بعيد عن الخيار، ولهذا لو باع شيئًا على أنه معيب فبان صحيحًا لا خيار له.
الجزء: 5 - الصفحة: 78
ولو اشتراه على أنه صحيح فبان معيبًا ثبت له الخيار.
إذا علمت ذلك علمت أن ذكره هنا مناقض لما سيأتي.
وقد وقع أيضًا هذا الاختلاف في "شرح المهذب" وكلام الرافعي صحيح لا اعتراض عليه، فإنه لم يصحح هنا ولا في "الشرح الصغير" شيئًا من الوجهين في ثبوت الخيار للبائع، وإنما نقل كلًا عن طائفة، والتصحيح المذكور في أصل "الروضة" من تصرفه، فلا اعتداد به.
قوله في المسألة: وإذا قلنا: لا يصح بيعه وشراؤه لم تصح منه الإجارة والرهن والهبة أيضًا.
انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره في الرهن والهبة من منعهما إذا جوزنا بيع الغائب، ولكن منعنا الأعمى منه لا يستقيم لأن المقتضى لمنعه بيعه على القول بجواز بيع الغائب، إنما هو تعذر إثبات خيار الرؤية لما تقدم.
وقد تقدم من كلام "الروضة" أنه إذا جوزنا رهن الغائب وهبته فلا خيار فيهما عند الرؤية، ولا فرق بين الأعمى والبصير الذي لم تتقدم له رؤية.
نعم هذا الاشكال لا يرد على الرافعي لأنه لم يجزم بنفي خيار الرؤية للبصير الذي لم ير الموهوب والمرهون، وإنما عبر بقوله: قيل: إنه لا خيار لهما، وقد تقدم التنبيه على ذلك.
قوله: وهل للأعمى أن يكاتب عبده؟ قال في "التهذيب": لا.
وقال في "التتمة": المذهب جوازه تغليبًا للعتق.
انتهى كلامه.
والصحيح ما قاله في "التتمة" فقد جزم أيضًا بجوازه ابن عبدان في كتاب "شرائط الأحكام".
وقال النووي في "شرح المهذب" وفي "زيادات الروضة": إنه الأصح.
الجزء: 5 - الصفحة: 79
وسبق البغوي إلى المنع جماعة منهم ابن القاص في "التلخيص"، والقفال في شرح له.
قوله: لو اشترى غائبًا رآه قبل العقد نظر إن كان مما لا يتغير غالبًا كالأرض، أو لا يتغير في المدة المتخللة بين الرؤية والشراء صح العقد.
ثم قال: وقال الأنماطي لا يصح، وزاد في "الروضة" على هذا فقال: إنه شاذ مردود.
وما نقله وجهًا عن الأنماطي خاصة قد نص عليه الشافعي.
كذا حكاه الروياني في "البحر" عن البيهقي عن ابن مقلاص تلميذ الشافعي.
وقد شرط المارودي في الاكتفاء بالرؤية السابقة أن يكون متذكرا للأوصاف حال البيع، وجزم به الروياني في "البحر" ولم يذكر ابن الرفعة في "الكفاية" غيره، وهو متجه لأن الناسي جاهل به حال العقد وقال في "شرح المهذب" إن ما قاله المارودي غريب لم يتعرض له الجمهور.
قوله في أصل "الروضة": الثاني: استقصاء الأوصاف على الحد المعتبر في السلم هل يقوم مقام الرؤية، وكذا سماع وصفه بطريق التواتر؟ وجهان:
أصحهما: لا، وبه قطع العراقيون.
انتهى كلامه.
واعلم أنا إذا فرعنا على الصحة في هاتين المسألتين فإنه لا خيار له عند الرؤية.
كذا جزم به الرافعي، ولم يتعرض له المصنف.
قوله: وقول "الوجيز" في بطلان بيع الغائب، ولعله أصح [القولين] 37 إنما هو مرض القول فيه لأن طائفة من أصحابنا مالوا إلى قول التصحيح.
انتهى.
الجزء: 5 - الصفحة: 80
وهذه الصيغة أعني مرض ذكرها في "الشرح الصغير" أيضًا وهو بالميم وتشديد الراء وبالضاد المعجمة وأشار بذلك إلى قوله: (ولعل) فإن التعبير بها يدل على عدم قوته.
قوله: فالقوصرة.
هي بالقاف المفتوحة والصاد المهملة والراء المشددة وهو: الذي يجعل فيه التمر.
قاله الجوهري ومراده الوعاء الذي يملأ من التمر اللين، ويتحامل عليه لينكبس بعضه على بعض وهو المسمى بالعجوة في معظم بلاد مصر وبالكبيس في صعيدها.
قوله: وعن الصيمري حكاية خلاف في القطن في العدل أنه يكفي رؤية أعلاه أم لابد من رؤية جميعه؟ قال: والأشبه عندي أنه كقوصرة التمر أي فتكفي رؤية الأعلى.
انتهى كلامه.
ولم يصرح في "الروضة" أيضًا بتصحيح ولا بيان أن الخلاف قولان أو وجهان، والصحيح ما رجحه الصيمري.
كذا صححه في "شرح المهذب" وعبر بالصحيح.
وأما الخلاف فإنه قولان، كذا نقله العمراني في "البيان".
قوله: ولو أراه أنموذجًا، واستغنى به عن رؤية الباقي فإن أدخله فعن القفال وغيره القطع بالصحة.
وقال الإمام: إنه القياس، وعن بعض الأئمة المنع.
انتهى كلامه.
وصورة المسألة أن يخلط الأنموذج بالصبرة، فإن أدخله [في البيع] 38 ولم يخلطه بها فيكون بمنزلة عينين رأى إحداهما لأن المرئي فيه متميز عن غير المرئي.
هكذا ذكره البغوي في "فتاويه"، وهو متعين لا شك فيه.
قال: وكذلك لو جعل الصبرة صبرتين وأراه إحداهما ثم باعهما.
الجزء: 5 - الصفحة: 81
قوله: بخلاف السمك يراه في الماء الصافي يجوز بيعه، وكذا الأرض يعلوها ماء صافي لأن الماء من مصالحها.
انتهى كلامه.
وتقييد الصحة في الأرض بالماء الصافي يشعر بأن الماء الكدر يمنع صحتها لعدم الرؤية، لكنه في كتاب الإجارة اشترط رؤية العين المستأجرة، ثم ذكر أن الماء الكدر لا يمنع الصحة.
وعلله بأنه من مصالحها، فالتسوية بين البابين في الرؤية، وفي هذا التعليل يقتضي التسوية بينهما في الإبطال بالماء الكدر أو في عدمه فإن الرؤية شرط الشراء والإجارة، فإن قيل إذا عين السمكة بالجنس والوصف فهل يصح بيعها أيضًا في الماء، وإن لم يرها كالأرض؟ قلنا: لا، وذلك لأنه إنما يصح بيع السمكة في الماء إذا أمكن إخراجها بلا صعوبة.
وحينئذ فنقول: لما أمكنه رؤيتها وإعادتها إلى الماء بلا مشقة لم نكتف فيها بالرؤية من وراء الماء كغيرها بخلاف إجارة الأرض.
قوله: ففي شراء الدار لابد من رؤية البيوت والسقوف والسطوح والجدران داخلًا وخارجًا والمستحم والبالوعة؛ وفي البساتين رؤية الأشجار والجدران ومسايل الماء، ولا حاجة إلى رؤية أساس البنيان وعروق الأشجار ونحوها.
وفي "الجرجانيات" لأبي العباس الروياني ذكر وجهين في اشتراط رؤية طريق الدار، ومجرى الماء الذي تدور به الرحى.
انتهى كلامه.
والأصح في هذين الوجهين الاشتراط.
كذا صرح به في "شرح المهذب" فقال: أصحهما: الاشتراط لاختلاف الغرض به.
انتهى كلامه.
واعلم أن النووي في "الروضة" قد اختصر كلام الرافعي اختصارًا فاسدًا، فإنه ذكر كلام الرافعي بعينه من غير زيادة ولا نقصان، ثم قال: وقيل في اشتراط رؤية طريق الدار ومجرى الماء الذي تدور به الرحى
الجزء: 5 - الصفحة: 82
وجهان.
هذا لفظه.
وتعبيره بقوله: (وقيل) فاسد لوجهين:
أحدهما: أنه يقتضي إثبات طريقين، وأن الرافعي حكاهما مع أن الرافعي لم يحكِ إلا طريقة واحدة، وهي طريقة الوجهين، وكذلك هو في "شرح المهذب"، وقد تقدم ذكر لفظهما.
الوجه الثاني: أنه بتقدير ما قاله من [الطريقين فليس في] 39 كلامه ما يبين أن الطريقة الصحيحة وهي طريقة القطع هل هي باشتراط الرؤية أم بعدمها؟ وكلامه إلى عدم الاشتراط أقرب فإن المتبادر إلى الذهن أن ذلك يعود إلى المسائل التي قبلها، بلا فاصل، والرؤية فيها لا تشترط.
وقد تقدم من كلامه في "شرح المهذب" أن الصحيح خلافه.
قوله: وإذا اشترى عبدًا فلابد أن يرى منه ماعدا العورة على أظهر الوجهين.
قال: وفي الجارية وجوه:
أحدها: أنها كالعبد.
والثاني: يرى ما يبدو عند المهنة.
والثالث: تكفي رؤية الوجه والكفين.
انتهى ملخصًا.
والأصح [إلحاق] (1) الجارية بالعبد.
كذا صححه النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة".
قوله: وفي رؤية الشعر وجهان، قال في "التهذيب":
أصحهما: أن لا يشترط.
انتهى.
الجزء: 5 - الصفحة: 83
والصحيح ما قاله البغوي، كذا صححه الرافعي بعد ذلك في أسباب الخيار في أول القسم الثاني المعقود لخيار النقيصة وعبر بالأصح.
وصححه أيضًا النووي في أصل "الروضة" هنا، وفي "شرح المهذب" أيضًا.
قوله: ولا يشترط رؤية اللسان والأسنان في أحد الوجهين.
انتهي.
والصحيح عدم الاشتراط.
كذا صححه البغوي وتلميذه العماد النيهى -بكسر النون وبالياء بنقطتين من تحت-.
على ما نقله عنه ابن الصلاح في فوائد رحلته.
وقال في "شرح المهذب" أيضًا: إنه الأصح.
وسوى في "التهذيب" بين لسان الدابة ولسان الآدمي في إثبات الخلاف، والقياس التسوية بينهما في الأسنان أيضًا.
واعلم أن كلام الرافعي و"الروضة" يوهم أن الخلاف في الأسنان واللسان والشعر خاص بالجارية، فإنهما ذكرا ذلك في تفاريعهما دون العبد ويقويه من جهة المعنى غرض الاستمتاع بها، لكن البغوي والنيهي وغيرهما جعلوا محل الخلاف في الرقيق، فدل على عمومه في الجارية والعبد.
وأيضًا فإنه يؤخذ من تصحيح النووي إلحاق الجارية بالعبد.
قوله: والثوب المطوي لابد من نشره.
قال الإمام: ويحتمل عندي أنه يصح بيع الثياب التي لا تنشر بالكلية إلا عند القطع لما في نشرها من التنقيص.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على حكاية الجواز احتمالًا عن الإمام وهو يقتضي أنهما لم يظفرا بخلاف في المسألة.
وقد صرح بذلك في "شرح المهذب" فقال: هكذا أطلقه الأصحاب
الجزء: 5 - الصفحة: 84
وقطعوا به، ثم نقل احتمال الإمام، ولكن رأيت في "شرح التلخيص" للشيخ أبى علي الجزم بأنه لا يشترط، ونقله أيضًا عنه البغوي في "فتاويه".
وجزم به الجرجاني في كتابه المسمى بـ "الشافي" وحكى وجهين من غير ترجيح فيما إذا لم ينقص بالنشر، وعلل الجواز بأن الغرر فعل بمشاهدة ظاهرها، فتحصلنا على ثلاثة أوجه.
قوله من "زوائده": قال القفال في "شرح التلخيص": لو اشترى الثوب المطوي، وصححناه ونشره فاختار الفسخ وكان لطيه مؤنة ولم يحسن طيه لزم المشترى مؤنة الطي [انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن التقييد بعدم معرفة الطي] 40.
يقتضي إيجابه عليه إذا عرفه.
والقياس وجوب المؤنة مطلقًا لأن الطي ليس بمثلى.
الأمر الثاني: أنه سيأتي في أثناء خيار النقص فيما إذا اشترى ثوبًا مطويًا واطلع على عيب به بعد نشره المنقِص له فرده لا يلزمه شيء في أصح القولين كما في كسر البيض والذبح.
ولا شك أن المصلحة في الموضعين قد تكون في الإمساك وقد تكون في الرد.
قوله: ولا يصح بيع الثياب التَّوزية في المسوح على هذا القول.
انتهى.
أما التوزية فبتاء مثناة من فوق مفتوحة ثم واو مفتوحة مشددة ثم زاي معجمة، وهي جنس من الثياب منسوبة إلى توز بلدة من بلاد فارس مما يلي الهند.
ويقال لها أيضًا توج بالجيم.
قاله ابن الصلاح في "مشكل الوسيط".
الجزء: 5 - الصفحة: 85
وأما المسوح: فبالسين والحاء المهملتين جمع مسح بكسر الميم وهو الملاس من الشعر، ويجمع أيضًا على أمساح.
وقوله: (على هذا القول) أي القول الذي نحن الآن نفرع عليه، وهو اشتراط الرؤية، فاعلم ذلك فإنه بعيد التبادر.
قوله: وذكر العبادي أن الفقاع يفتح رأسه وينظر فيه بقدر الإمكان ليصح بيعه.
والغزالي أطلق المسامحة به في "الإحياء" فيما أظن.
انتهى.
والأصح هو الصحة مطلقًا.
كذا صححه النووي في "زيادات الروضة"، والأمر كما ظنه الرافعي من إطلاق المسامحة به في "الإحياء"، وإنما توقف فيه الرافعي لأن عبارته فيها إيهام.
لكن ما ظهر للرافعي منها هو حاصل ما يدل عليه كلامه عند التأمل.
ونقل ابن الصلاح فيما جمعه من الفوائد في رحلته إلى بلاد الشرق عن تصنيف الشيخ عماد الدين بن عبد الرحمن النيهي -بكسر النون- كما سبق ضبطه في الصفحة التي قبلها.
أنه لا يصح شراؤه حتى يصبه ويراه.
قوله في أصل "الروضة": الخامسة: إذا جوزنا بيع الغائب فعليه فروع:
أحدها: بيع اللبن في الضرع باطل.
فلو قال: بعتك من اللبن الذي في ضرع هذه البقرة كذا.
لم يجز على المذهب لعدم تيقن وجود ذلك القدر، وقيل: فيه قول بيع الغائب.
انتهى.
ترك وجهًا ذكره الرافعي بعد هذا بأسطر، ونقل عن الإمام أن جماعة قالوا به، وهو أنه إن كان المبيع قدرًا يسيرًا وابتدر الحلب، فإنه يتخرج على بيع الغائب لأنه لا يفرض والحالة هذه ازدياد شيء به مبالاة، فإن كان كثيرًا بطل، ولا يتوهم من كلام الرافعي أن الوجه عائد لغير هذه الصور فاعلمه.
الجزء: 5 - الصفحة: 86
قوله فيها أيضًا: ولو حلب شيئًا من اللبن فأراه ثم باعه شيئًا مما في الضرع فوجهان كما في الأنموذج.
وذكر الغزالي الوجهين فيما لو قبض على قدر من الضرع وأحكم شده وباع ما فيه.
قلت: الأصح من الصورتين البطلان لأنه يختلط بغيره مما ينصب في الضرع.
هذا كلام "الروضة".
وهو فاسد لأن المسألة الأولى مفرعة على امتناع بيع الغائب لأن ذلك هو صورة مسألة الأنموذج، وما ذكره ثانيًا لا يستقيم إلا على جواز بيعه أعني الغائب، فليس الوجهان هما الوجهان، بل ولا مناسبة بينهما.
وما ذكره من "زياداته" في تعليل البطلان للصورتين مستقيم على الأولى، وكلام الرافعي مستقيم فإنه لما ذكر المسألة الثانية لم يجعل الخلاف الذي فيها هو الخلاف المتقدم، بل خلافًا آخر أسقطه من "الروضة"، وقد تقدم ذكرى إياه.
وفي كلام الرافعي بعض غموض، وصحح في "شرح المهذب" في المسألتين كما صحح في "الروضة".
قوله في "الروضة": الثاني لا يجوز بيع الصوف على ظهر الغنم، وفي وجه يجوز بشرط الجز، وهو شاذ ضعيف.
ويجوز بيع الصوف على ظهر الحيوان بعد الذكاة، وتجوز الوصية باللبن في الضرع والصوف على الظهر.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أنه جعل هذا الفرع كله فرعًا ثانيًا من فروع القول بعدم اشتراط
الجزء: 5 - الصفحة: 87
الرؤية.
وجميع ما في هذا الفرع ليس له تعلق باشتراط الرؤية ولا بعدم الاشتراط.
والرافعي -رحمه الله- سالم من هذا الاعتراض، فإنه ذكر بيع اللبن في الضرع، [وذكره صحيح فإنه من تفاريع المسألة ثم قال بعد ذكره له: ونختم المسألة بصور شبهها] 41 وذكر ما في هذا الفرع من المسائل، فعبر في "الروضة" بقوله: (الثاني) ذاهلًا عن كونه في تعداد المسائل المفرعة على جواز بيع الغائب.
وقد ذكر أيضا في "الروضة" فروعًا أخرى فرعها على امتناع بيع الغائب، ولا تعلق لها به فاعلم ذلك.
الأمر الثاني: أنه يستثنى من كلامه ما إذا اقبض على قطعة جمعها وقال: بعتك هذه.
قال في "شرح المهذب" فإنه يصح بلا خلاف، وفيه احتمال للغزالي لأنه يتعين به غير المبيع وهو الباقي من الصوف.
وذكر الرافعي تعليلًا يخرج هذه المسألة وهو أن مقتضى بيع الصوف هو الاستيعاب، ولا يمكن إلا بإيلام الحيوان فأسقطه من "الروضة" وهذا الوجه الذي قال فيه: إنه شاذ ضعيف قد اختاره الروياني في "الحلية" فقال: إنه القياس والاختيار.
وصحح صاحب "الاستقصاء" فيما إذا قبض على قطعة أنه لا يصح كما ذهب إليه الغزالي احتمالًا، وقال: إن قول الصحة ليس بشيء.
الأمر الثالث: إذا أوصى بالصوف أو باللبن فجز الموصى له الصوف
الجزء: 5 - الصفحة: 88
على العادة، وما كان موجودًا حال الوصية [يكون] 42 للموصي له، وما حدث يكون للوارث.
فلو اختلفا في قدره فالقول قول الوارث بيمينه هكذا نقله في "شرح المهذب" عن "شرح المختصر" للبغوي.
قوله من "زياداته": قال أصحابنا: لو باع المسك المختلط بغيره لم يصح لأن المقصود مجهول كما لا يصح بيع اللبن المخلوط بالماء.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أنه يقتضي أن العلة في بطلان المسألتين إنما هو الجهالة حتى لو علم مقدار المسك واللبن صح.
لكن كلامه في باب زكاة النقدين صريح أو كالصريح في عدم الصحة وإن علم المقدار، فإنه نقل وجهين في جواز المعاملة بالدراهم المغشوشة إذا كان قدر النقرة مجهولًا.
ثم قال: وربما نقل العراقيون الوجهين مطلقًا، ووجهوا المنع بأن المقصود غير معين، فصار كما لو شيب اللبن بالماء وبيع، فإنه لا يصح.
هذا كلامه.
الأمر الثاني: أن صور المسألة في المسك أن يكون مخالطًا لغيره لا على وجه التركيب، فإن كان معجونا مع غيره كالغالية والند جاز كما ذكره في "شرح المهذب"، وتدليل المصنف يقتضيه [لأن المقصود والحالة هذه ليس هو المسك بخصوصه بل المقصود هو المجموع.
قوله: ] (1) ويجوز بيع الأكارع والرؤوس بعد الإبانة نيئة ومشوية ولا اعتبار بما عليها من الجلد فإنها مأكولة وكذا المسموط نيئًا ومشويًا، وفي
الجزء: 5 - الصفحة: 89
النيء احتمال للإمام.
انتهى.
وصورة المسألة كما قاله البغوي في "فتاويه" في رؤوس الغنم: أما رؤوس الإبل والبقر قال: فلا يجوز لأنه بمثابة البيع بعد الذبح وقبل السلخ.
أي لأن جلده لا يؤكل.
قوله من "زوائده": ولو باع سمنًا في ظرف ورأى أعلاه مع ظرفه أو دونه صح.
انتهى.
وصورة المسألة أن لا يختلف الظرف بالرقة والغلظ فإن اختلف فقيل: يصح قطعًا، وقيل: يبطل قطعًا وقيل بتخريجه على قولى بيع الغائب وهو الصحيح.
هكذا ذكره قبل ذلك بنحو ورقتين في الكلام على بيع الصبرة، وسيأتي في الرهن ما يخالفه.
قوله في المسألة أيضا من "زياداته": فإن قال: بعتكه بظرفه كل رطل بدرهم فإن لم يكن للظرف قيمة [بطل.
انتهى.
وذكر نحوه في "شرح المهذب" فقال: فإن لم يكن له قيمة] 43 لم يصح البيع بلا خلاف لأنه لا قيمة له، وأخذ الثمن في مقابلة وزنه.
وهذا الكلام ليس فيه تصريح بأنه يبطل في الظرف فقط أم فيه وفي السمن؟
وقد صرح الإمام بالمسألة ونقل أن البطلان فيهما، فقال: قد قطع أصحابنا بفساد البيع في السمن من حيث اشتمل على اشتراط بذل مال في مقابلة ما ليس بمال.
والوجه تخريج هذا عندنا على تفريق الصفقة فالرق مع السمن ممتنع جميعًا في القدر وقوبلا في الثمن فكان كصفقة تجمع حرًا وعبدًا وشاة وخنزيرًا.
هذا كلامه.
الجزء: 5 - الصفحة: 90
والذي قاله بحثًا هو الصواب.
ونظير هذه المسألة ما إذا باع القز وفيه الدور وزنًا، وقد تقدم الكلام على ما وقع فيها من الخلل في كلام النووي فراجعها.
قوله: وإن كان للظرف قيمة فقيل يصح.
وإن اختلفت قيمتها كما لو باع فواكه مختلطة وزنًا أو كيلًا، وقيل: باطل لأن المقصود السمن وهو مجهول بخلاف الفواكه.
وقيل: إن علما وزن الظرف والسمن جاز وإلا فلا.
وهذا هو الأصح.
ذكره البغوي وغيره.
انتهى.
وما ذكره -رحمه الله- متهافت يدفع أوله آخره، وذلك لأن صورة المسألة إن كانت أعم من كون الظرف مجهولًا أو معلومًا فلا يصح تعليل البطلان بالجهالة، فإن كانت مع جهالته فلا يصح مجيء [الوجه] 44 الثالث.
قوله: أما إذا كان المبيع شيئين ورأى أحدهما دون الآخر، فإن أبطلنا شراء الغائب لم يصح البيع فيما لم يره، وفي ما رآه قولا تفريق الصفقة، وإن صححنا شراء الغائب ففي صحة العقد فيهما قولان لأنه جمع في صفقة واحدة بين مختلفى الحكم لأن ما رآه لا خيار فيه، وما لم يره يثبت فيه الخيار، فإن صححنا فله رد ما لم يره، وإمساك ما رآه.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" و"شرح المهذب" على الجزم بأن له تبعيض هذه الصفقة بالرد، وهو مشكل على ما إذا اشترى عينين صفقة واحدة فاطلع على إحداهما بعيب، فإنه إما أن يردهما أو يمسكهما، وليس له التبعيض، مع أن السبب قد وجد في الصورتين في البعض.
لا جرم أن البغوي في "فتاويه" والمتولى في "التتمة" قد جزما بأن
الجزء: 5 - الصفحة: 91
حكمه حكم رد العيب في تفريق الصفقة ولعل الرافعي -رحمه الله- إنما وقف هنا على كلام من جوز التفريق هناك، فتبعه عليه النووي.
قوله: الثالثة: إذا لم تشترط الرؤية فيشترط ذكر جنس المبيع في ظاهر المذهب.
ثم قال: وعلى قولنا أنه يشترط ذكر الجنس فالظاهر أنه لابد من ذكر النوع أيضًا بأن يقول: عبدي التركي أو فرسي العربي.
وأوهم الإمام خلافا فيه فقال: لم يشترط أصحاب القفال ذلك، واشترطه العراقيون.
انتهى كلامه.
وهو يقتضي إنكار الخلاف في اشتراط النوع، وهو ثابت، فقد صرح به القاضي حسين في "تعليقه" فقال: وهل يشترط ذكر النوع؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا لأنه إنما يحتاج إليه لتمييز المبيع من غيره، وذلك يحصل بذكر الجنس.
والثاني: نعم لأن القيمة تختلف باختلاف الأنواع كما تختلف باختلاف الأجناس.
هذا كلام القاضي.
قوله: وإذا ذكر الجنس والنوع لم يفتقر إلى ذكر الصفات، وفي وجه يفتقر إلى ذكر [معظم] 45 الصفات.
وضبط ذلك بما يصف به المدير عند القاضي، قاله القاضي أبو حامد.
وفي وجه أضعف منه يفتقر إلى صفات السلم.
قاله أبو علي الطبري.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على حكاية الخلاف في أن العبرة بصفات السلم لا
الجزء: 5 - الصفحة: 92
بالصفات التي يدعى بها عند القاضي، وهو غريب، فإنه صريح بأن الصفات المذكورة في الدعوي ليست هي صفات السلم، وليس كذلك فقد جزم هو والنووي بأنها هي، كذا ذكره في موضعين:
أحدهما في باب القضاء على الغائب.
والثاني في أوائل كتاب الدعوى، ولم يذكرا خلاف ذلك.
قوله: ولو باع ما لم يره وصححنا العقد فهل يثبت له الخيار؟ فيه وجهان:
أصحهما عند المراوزة: لا يثبت لأن جانب البائع بعيد عن الخيار.
والثاني: يثبت لأنه جاهل بالمعقود عليه فأشبه المشترى، وهذا هو الذي أورده الشيخ أبو حامد ومن تابعه.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الصحيح هو الثاني.
كذا صححه الرافعي في الكلام على شراء الأعمى وتبعه، وقد تقدم ذكره هناك مبسوطًا، وتقدم ما وقع فيه من المخالفة للنووي فراجعه.
الأمر الثاني: أن محل هذا الخلاف فيما إذا لم يجده البائع زائد على ما وصفه به.
فإن وجده زائدًا ثبت له الخيار بلا خلاف قاله المارودي في "الحاوي" وقاسه على ما إذا وجده المشترى ناقصًا.
قوله: ثم خيار الرؤية على الفور أو يمتد امتداد مجلس الرؤية؟ فيه وجهان.
قال صاحب "التهذيب": والامتداد أصح.
انتهى.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" والذي صححه البغوي هو الصحيح.
الجزء: 5 - الصفحة: 93
كذا صححه النووي في أصل "الروضة".
قوله: ولو باعه المشتري قبل الرؤية لم يصح، بخلاف ما لو باعه في زمن خيار الشرط، فإنه يصح على [أصح] 46 الوجهين لأنه يصير مجيزا للعقد، وهنا الإجازة قبل الرؤية.
انتهى.
وما ذكره من تصحيح البيع في زمن الخيار صورته إذا أذن فيه البائع أو باعه المشترى منه، فإن باعه من غيره بغير إذن لم يصح قطعًا كما أوضحوه في باب الخيار.
قوله: والثاني: نقل القاضي الروياني وصاحب "التتمة" وجهًا أنه يعتبر على قول اشتراط الرؤية الذوق في الخَلِّ ونحوه، والشم في المسك ونحوه، واللمس في الثياب ونحوها.
انتهى كلامه.
وما نقله -رحمه الله- عن "التتمة" من حكاية هذا الوجه في لمس الثياب ونحوها تابعه عليه النووي في "الروضة" و"شرح المهذب" وهو غلط.
فإن صاحب "التتمة" لم ينقله إلا في الشم والذوق ولم يتعرض للمس بالكلية، ثم إن الذهاب إليه بعيد جدًا، فإن المقصود من الثياب يعرف بالرؤية، وأما الخل والمسك ونحوهما فلا يعرف حالهما إلا بالشم والذوق، ومن جملة الحواس حاسة السمع، ولم يصرح الرافعي بجريان الخلاف فيما إذا باع ما يقصد لسماع صوته فهل يتخرج على الخلاف أم يصح من غير سماعه جزمًا؟ فيه نظر، والمتجه الثاني.
والفرق سهولة الشم والذوق بخلاف السماع فإنه إلى اختيار الطائر، وقد يشتريه صغيرًا لأجل فائدة سماعه في المستقبل.
قوله: الحادي عشر: ذكر بعضهم أنه لابد من ذكر موضع المبيع الغائب، فلو كان في غير بلد التبايع وجب تسليمه في ذلك البلد، فلا يجوز
الجزء: 5 - الصفحة: 94
شرط تسليمه في بلد البيع بخلاف السلم، فإنه مضمون في الذمة، والعين الغائبة غير مضمونة في الذمة، فاشتراط نقلها [يكون] 47 بيعًا وشرطًا.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وهذا الذي نقله عن بعضهم ذكره المارودي والروياني في "البحر" ونقله في "شرح المهذب" عن المارودي إلا أن تعبير الرافعي بالموضع ليس مطابقًا لكلامهم فقد قال المارودي: ولابد في بيع العقار من ذكر البلد الذي هو فيه فيقول: بعتك داري بالبصرة أو ببغداد لأن بذكر البلد يتحقق ذكر الجنس ويصير في جملة المعلوم فأما ذكر البقعة من البلد ففيه وجهان:
أحدهما: يلزم.
والثاني: لا لأن البقعة تجري مجرى الصفة.
هذه عبارته، ذكر ذلك بعد نحو كراس من أول البيع.
وذكر الروياني والنووي في الشرح مثله.
نعم أطلق المارودي أيضًا في آخر باب ثمرة الحائط يباع أصله لأنه لابد في بيع الدار من ذكر حدودها.
وذكر الرافعي أيضًا مثله في كتاب الوكالة في التوكيل في شراء دار، وهو يشعر بالاشتراط في شراء الغائب.
وقد بسطت المسألة في "الهداية" فلتراجع منها.
قوله في أصل "الروضة": ولو رأى ثوبين فسرق أحدهما فاشترى الثاني، وهو لا يعلم أيهما المسروق.
قال الغزالي في "الوسيط": إن تساوت صفتهما وقدرهما وقيمتهما
الجزء: 5 - الصفحة: 95
كنصفى كرباس واحد صح قطعًا.
فإن اختلفا في شيء من ذلك خرج على بيع الغائب.
انتهى.
وما ذكره من تفريع هذا على جواز بيع الغائب ليس بصحيح، بل الصواب تفريعه على امتناعه، [ولم يفرعه الرافعي على شيء، بل ذكره من جملة فروع منشورة بعضها مفرع على امتناعه] 48، وبعضها على جوازه.
ثم إن هذا الحكم ذكره الغزالي من جهته، ولم ينقله عن أحد، فإنه ذكره في "الوسيط" أنها وقعت له في "الفتاوي" فأفتى فيها بذلك، وهكذا ذكره الرافعي أيضًا، وكلام النووي [يوهم أن الغزالي ناقل لهذه المسألة عن غيره ولاسيما عبارته في شرح المهذب] 49 فإنه نقل عنه أنه قال: يصح البيع بلا خلاف.
وسببه أنه ينقل في "شرح المهذب" ما لخصه في "الروضة" وكلما نقل شيئا من كتاب إلى كتاب زاد في التحرير والتعبير.
وبالجملة فالذي قاله الغزالي حسن كما قاله في "شرح المهذب".
قوله: إذا لم يشترط الرؤية فاختلفا فقال البائع للمشتري قد رأيت المبيع، وقال المشتري: ما رأيته ففيه وجهان: أظهرهما عند العبادي أن القول قول المشتري.
انتهى.
والذي قاله العبادي هو الصحيح.
كذا صححه النووي في أصل "الروضة".
قوله: أما إذا اشترطنا الرؤية وفرض هذا الاختلاف يعني قول البائع للمشتري: إنك رأيت، وقول المشتري: ما رأيت.
فقد ذكر الغزالي في "فتاويه" أن القول قول البائع لأن للمشتري أهلية الشراء وقد أقدم عليه فكان ذلك إعترافًا منه بصحة العقد ولا ينقل هذا عن خلاف.
انتهى كلامه.
الجزء: 5 - الصفحة: 96
ومقتضاه أنه لم يقف -رحمه الله- في هذه المسألة على خلاف، وهو غريب، فقد جزم صاحب "التتمة" بأن القول قول المشتري [فقال في الباب الثامن المعقود لخيار الرؤية: إذا اختلفا فقال المشتري] 50 ما رأيت المبيع قبل العقد.
وقال البائع: بل رأيته، فالقول قول المشتري لأن البائع يدعي عليه أمرًا حصل منه، وهو منكر له، وهو أعلم بأحوال نفسه، وأيضًا فإن الأصل عدم الرؤية.
هذا كلامه.
وذكر الروياني في "البحر" في الموضع المذكور مثله وكذلك القاضي حسين في باب التحالف، وعلله بأن الأصل عدم الرؤية.
وقطع به أيضًا الشيخ أبو محمد الجويني في تعليقه على ما نقله عنه الشيخ برهان الدين في "تعليقه على التنبيه"، وجزم به أيضًا الشيخ أبو علي في "شرح التلخيص" بعد نحو خمسة أوراق من أول البيع في الكلام على ما إذا اشترى ما رآه قبل العقد، وهو قبيل قوله: فإن نظر إلى لحم شاة ما نصه: فإن اختلفا فقال البائع: لم يتغير وهو كما شاهدته.
وقال المشتري: هو متغير عما شاهدته.
قال الشافعي في "الأم" في كتاب الصرف: القول قول المشتري [لأن الأصل أن البيع غير لازم ما لم يعرف أنه شاهده وهو علي تلك الصفة.
ألا تري أنه لو أنكر الرؤية أصلًا فإن القول قول المشتري] (1) ولا يقبل قول البائع عليه.
هذا لفظ الشيخ أبي علي بحروفه، ومن شرحه نقلت.
ونقله ابن أبي الدم في "أدب القضاء" عن الجرجاني وأنه فرق بينه وبين دعوى الفساد، ونقل القطع به أيضًا عن فتاوي صاحب "البيان"، وجزم به أيضًا البغوي في "فتاويه" في ما إذا كان البائع هو المنكر للرؤية.
والمدرك الذي استندا إليه وأبطلا به العقد، وهو كونه لا يعلم إلا من جهته مدرك صحيح فإن المشاهد من الناظر إنما هو تقليب الحدقة نحو المرئي
الجزء: 5 - الصفحة: 97
ولا يلزم من ذلك وقوع الرؤية.
ويؤيده تصديق المجعول له في السماع عند اختلافه هو والجاعل، فظهر أن ما قاله الغزالي مردود نقلًا وبحثًا، وإن كانت القاعدة تصديق مدعى الصحة على الراجح وسببه أن هذا المفسد الخاص لا يعلم إلا من جهته.
ولهذا إن المتولى مع جزمه بما جزم هنا حكى وجهين في تلك القاعدة.
ويؤيده أيضًا ما سبق عن الجرجاني وابن أبي الدم، وقد توهم النووي اندراج هذه المسألة في تلك القاعدة فقال عقب كلام الرافعي: هذه مسألة اختلافهما في مفسد العقد، وفيها الخلاف المعروف.
والأصح فيها أن القول قول مدعى الصحة وعليه فرعها الغزالي.
هذا كلامه، وهو مردود لما تقدم بحثًا ونقلًا.
الجزء: 5 - الصفحة: 98
الباب الثاني في الفساد بجهة الربا
قوله: علق الحكم باسم الطعام [والحكم] 51 المعلق بالاسم المشتق معلل بماهية الاشتقاق كالقطع المعلق باسم السارق، والجلد المعلق باسم الزاني.
انتهى كلامه.
وما ادعاه -رحمه الله- من أن الطعام مشتق وبنى عليه التعليل المذكور ليس كما ادعاه، فإن الطعام اسم جامد.
قوله: وعن الأودنى من أصحابنا أنه تابع ابن سيرين في أن العلة الجنسية حتى لا يجوز بيع مال بجنسه متفاضلًا.
انتهى كلامه.
تابعه النووي في "الروضة" على هذا النقل عن الأودنى، ونقله عنه سهو.
ومذهبه أنه يجوز بيع المال بجنسه متفاضلًا إذا لم يكن مطعومًا كما ذهب إليه غيره من الشافعية وبيان سبب الوهم يتضح بذكر خلاف ذكره الأصحاب فنقول: اختلفوا في أن الجنسية هل هي من أجزاء العلة أم لا؟
فذهب الشيخ أبو حامد وطبقته إلى أنها من أجزائها.
وقالوا: العلة على القديم مركبة من ثلاثة [أجزاء] 52 الجنس والطعم والتقدير بكيل أو وزن حتى يخرج الزمان ونحوه.
وعلى الجديد: مركبة من جزأين فقط وهما الجنس والطعم.
ومنهم من قال: الجنسية ليست من أجزاء العلة لأن [جزء] 53 العلة لابد أن يترتب عليه شيء من أحكام العلة، فلو كان الجنس منها لأفاد تحريم
الجزء: 5 - الصفحة: 99
النساء بمجرده كما أفاد الجزء.
والآخر وهو الطعم تحريم النساء بمجرده فمنهم من منع أن جزء العلة لابد أن يترتب عليه شيء من أحكامها، وهو منع متجه.
ومنهم من سلمه وهم المراوزة، ومن تبعهم، ثم اختلفوا فقال الحليمي والإمام والغزالي: إن الجنس محل أي متعين بعمل العلة ولا أثر له في الحكم، وقال: ابن كج ومن تبعه: العلة هى الطعم والجنس شرط وعكسه الأودنى كما نقله عنه القاضي حسين في "تعليقه"، والشاشي في "الحلية" فقال: الجنس علة والطعم شرط.
انتهى.
وقد استفدنا من هذا الخلاف أن الأودني وإن كان يقول: إن العلة في تحريم الربا هو الجنس لكنه يقول: إن الطعم شرط، ونقل عنه بعضهم العلة، وذهل عن شرطها، وتبعه عليه الرافعي فلزم منه من الغلط ما لزم.
واعلم أن الخلاف المتقدم جميعه ما عدا الأخير قد حكاه الراعي أيضًا، وأسقطه النووي من "الروضة" لأنه ليست له فائدة حكمية.
قوله: والتوابل -هو بفتح التاء المثناء وبالباء الموحدة قبل اللام- جمع تابل، بكسر الباء وفتحها، هو ما يصلح به الطبخ.
قاله الجوهري.
قال أبو عبيدة: نقول منه توبلت القدر.
قوله: ولا فرق بين أن يؤكل نادرًا كالبلوط والطرثوث.
أما البلوط فهو بالباء الموحدة المفتوحة واللام المشددة المضمومة، وهو نبات معروف.
وأما الطرثوث فبطاء مهملة مضمومة، وراء ساكنة وثاءين مثلثتين الأولي مضمومة معروف أيضًا.
قوله: والطين الإرمني.
الجزء: 5 - الصفحة: 100
هو بكسر الهمزة وفتح الميم، وقد سبق إيضاحه في التيمم.
قوله: وفي دهن البنفسج والورد والبان وجهان أصحهما أن فيه الربا.
انتهى.
تابعه النووي في "الروضة" على تصحيحه، وذكر مثله في "شرح المهذب" فقال ما نصه أصحهما عند الأصحاب أنها ربوية.
ثم ذكر في الشرح المذكور أيضًا بعد ذلك بأسطر قلائل في دهن الورد عكسه فقال ما نصه:
فرع: في دهن الورد وجهان حكاهما الصيمري وصاحب "البيان" وغيرهما:
أصحهما: ليس بربوي، صححه الرافعي، وهو مقتضى كلام الجمهور.
هذا لفظه وهو غلط عجيب.
قوله في "الروضة": ودهن الكتان والسمك، وحب الكتان وماء الورد والعود ليس ربويا على الأصح، والزنجبيل والمصطكى ربوي على الأصح.
انتهي كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره في حب الكتان وماء الورد من كونه ليس ربويًا هو عكس ما قاله الرافعي، فإنه قال ما نصه ونقل صاحب "البيان" وجهين في حب الكتان والزنجبيل ووجهين عن الصيمري] 54. في ماء الورد وذكر أنه لا ربا في العود والمصطكى.
والأشبه أن ما سوى العود كله ربوي وهذا لفظ الرافعي.
والعجب من النووي في تعريفه لكلام الرافعي فإنه اختصر الزنجبيل
الجزء: 5 - الصفحة: 101
والمصطكى كما في الأصل، وعكس حب الكتَّان وماء الورد.
الأمر الثاني: أن هذا الخلاف الذي حكاه في العود ليس في الرافعي، فإن فيه الجزم بالمنع، وهذه عبارته قد ذكرتها لك، وذكره غلط فإنه قال في شرح "المهذب" ما نصه: وحكى الرافعي الوجهين في العود المطيب أيضًا.
وقطع الأكثرون بأنه ليس ربويًا، هذا لفظه.
فانظر كيف لم يجده حالة شرحه "للمهذب" لأحد ووجده في "الروضة" فظن أنه من كلام الرافعي وأنه اختصره على الصواب فنقله عنه منكرًا له.
قوله: ولا ربا في الحيوان لأنه لا يؤكل على هيئته نعم ما يباح أكله على هيئته كالسمك الصغير على وجه يجري فيه الربا.
هكذا قاله في "التتمة".
وحكى الإمام عن شيخه وعن صاحب "التقريب" ترددًا فيه، وقطع بالمنع لأنها لا تعد للأكل.
انتهى كلامه.
والذي قاله الإمام هو الصحيح.
كذا صححه النووي في "الروضة"، ولم ينبه على أنه من زياداته، بل أدخله في كلام الرافعي، وهو غريب فتفطن له ولم يتعرض للمسألة في "الشرح الصغير" ولا في "المحرر" والأصح في ابتلاع السمكة الحية هو الجواز كما هو معروف في موضعه.
قوله: فرع حيث اعتبر التقابض فتقابضا بعض كل واحد من العوضين، ثم تفرقا بطل في غير المقبوض، وفي المقبوض قولا تفريق الصفقة.
انتهى كلامه.
وهذه المسألة قد أعادها بعد ذلك في تفريق الصفقة، وحكى [فيها طريقتين:
إحداهما: هذه.
الجزء: 5 - الصفحة: 102
والثانية: القطع بعدم الانفساخ، واقتضى كلامه] 55 تصحيح الطريقة الثانية على عكس ما جزم به هاهنا فإنه قال: ولو اشترى عبدين فتلف أحدهما قبل القبض ففي الثاني طريقان:
أحدهما: أنه على القولين.
وأظهرهما: القطع بعدم الانفساخ.
ثم قال ما نصه: والطريقان جاريان فميا إذا تفرقا [في السلم] 56 وبعض رأس المال غير مقبوض، أو في الصرف وبعض العوض غير مقبوض.
انتهى.
ووقع الموضعان كذلك في "الروضة".
قوله: والتخاير في المجلس [قيل التقابض بمثابة التفرق يبطل العقد خلافًا لابن سريج انتهى كلامه.
[وهذا] 57 الذي ذكره هنا في التخاير مخالف لما ذكره فيه في خيار المجلس في الكلام على ما ينقطع به الخيار، فإنه حكى فيه وجهين لا غير:
أحدهما: أن الإجازة لاغية.
والثاني: أن العقد يلزم، وعليهما التقابض، ولم يتعرض للوجه الذي جزم به هنا، وهو غريب وليس للمسألة ذكر في "الشرح الصغير" ولا في "المحرر".
وقد وقع هذا التناقض أيضًا في "شرح المهذب" على كيفية هي أصرح من المذكور هنا، فإنه قال في كتاب البيوع في أثناء المسألة [الثانية] 58 المعقودة لما ينقطع به الخيار ما نصه: فإن تقابضا في الصرف ثم اختارا في
الجزء: 5 - الصفحة: 103
المجلس لزم العقد.
فإن أجازاه قبل التقابض فوجهان:
أحدهما: تلغو الإجازة فيبقى الخيار.
وأصحهما: يلزم التقابض.
فإن تفرقا قبل التقابض انفسخ العقد ولا يأثمان إن تفرقا عن تراض، فإن انفرد أحدهما بالمفارقة أثم هو وحده.
وفيه وجه ثالث أنه يبطل العقد بالتخاير قبل القبض.
انتهى كلامه.
وقال في هذا الباب ما نصه.
قال المصنف والأصحاب.
وإذا تخايرا في المجلس قبل التقابض فهو كالتفرق فيبطل العقد لما ذكره المصنف هذا هو المذهب، وبه قطع الجمهور.
وقال ابن سريج: لا يبطل لظاهر الحديث فإنه يسمى يدًا بيد انتهى كلامه.
وهي أخر مسألة في "شرح المهذب"، فإنه -رحمه الله- أدركته المنية في هذا الموضع.
قوله: والجنيب أجود التمر، والجمع كل نوع من التمر لا يعرف له اسم.
انتهى.
الجنيب بجيم مفتوحة ونون مكسورة وياء بنقطتين من تحت، وفي آخره باء موحدة والجمع بفتح الجيم وسكون الميم.
قوله: ولو باعه نصف دينار بخمسة وسلمها فله أن يستقرضها، ويشتري بها النصف الآخر.
ثم قال: ولو باع الكل بعشرة وليس مع المشتري إلا خمسة فدفعها إليه، واستقرض منه خمسة أخرى وردها إليه عن الثمن جاز، ولو استقرض الخمسة المدفوعة إليه فوجهان: أصحهما: لا يجوز انتهى كلامه بحروفه.
الجزء: 5 - الصفحة: 104
اعلم وفقك الله أن هذه المسألة الأخيرة من مشكلات كتاب الرافعي قل أن يهتدي الواقف عليها إلى المراد منها، فإنه -رحمه الله- حاول حكما مشكلًا لم يشر إليه بتعليل، ثم عبر عنه بعبارة لا تدل عليه إلا بضرب من التأويل ثم ازداد الأمر إشكالًا باختلاف النسخ لإشكال الحكم وقد يسر الله الكريم ذلك فلنوضحه بعبارة ملخصة فنقول: سر المنع في هذه المسألة وهو الموجود في أكثر نسخ الرافعي و"الروضة" يظهر باستحضار قواعد منها أن فرض هذا الثمن يصرف فيه في زمن خيار الباذل له وهو المشتري، وحكم التصرف في الشيء في زمن خيار باذله أنه إن كان مع غير باذله فهو باطل، وإن كان معه فهو صحيح على المذهب، ويكون إجازة للعقد، كذا ذكره الرافعي في هذا الباب [وفي باب الخيار] 59.
ومنها أن التخاير في مجلس الصرف كالتفرق على الصحيح كما تقدم الكلام عليه في هذا الباب.
ومنها أن] 60 التفرق في الصرف بعد قبض البعض يكون مبطلًا للباقي.
إذا علمت ذلك فالقائل بالمنع يقول: قد تقرر أن القرض إجازة للعقد، وأن الإجازة كالتفرق وأن التفرق بعد قبض البعض مبطل للباقي فصح أن هذا القرض مبطل للنصف الباقي فلا يصح الأداء عنه لانفساخ العقد فيه، وإن كان القرض صحيحًا.
وأما الذي يصحح الجواز، وهو الموجود في كثير من نسخ الرافعي فسببه الخلاف في القاعدة الثانية [وهي أن الإجازة كالتفرق فإن فيها كلامًا تقدم والمنع في مسألتنا] 61 لا يستقيم إلا بمنعها فافهمه.
الجزء: 5 - الصفحة: 105
وقد تلخص في مسألتنا بمقتضى القواعد المقررة في بابها أن القرض صحيح، وإن أعطاه ثانيًا لا يصح وأن العقد قد انفسخ في النصف الثاني، وأن صاحب الدينار بالخيار.
وهذه أمور لا يهتدي إليها الواقف على هذا الكلام وإن كان لا ينافيه، فلله الحمد على التوفيق لإدراكها.
واعلم أن المنع في هذه المسألة قد صرح بتصحيحه القاضي الحسين ثم الرافعي، ولكن قد نص الشافعي في باب الصرف على الجواز، وصححه الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ والروياني وابن أبي عصرون.
الجزء: 5 - الصفحة: 106
قال -رحمه الله-: ثم النظر في أطراف ثلاثة: الأول: في طريق المماثلة.
قوله: وما لم يكن على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أو كان ولم يعلم أنه كان يكال أو يوزن أو علم أنه كان يكال مرة ويوزن أخرى، ولم يكن أحدهما أغلب.
فقد ذكر المتولي أنه إن كان أكبر جرمًا من التمر فالاعتبار فيه بالوزن لأنه لم يعهد الكيل بالحجاز في ما هو أكبر منه.
وإن كان مثله أو أصغر ففيه وجوه إلى آخره.
لم يبين هو ولا النووي في "الروضة" هنا هل الأمر كما قاله المتولي من تخصيص الخلاف أم لا؟ وكلامه في "المحرر" يقتضي أن الخلاف عام، فإنه لم يذكر تفصيل المتولي.
وتبعه في "المنهاج" لكن بين ذلك في "الشرح الصغير" فجزم بما قاله المتولي ولم يقيده بنقله عنه وجزم به أيضًا في آخر الباب من "الشرح الكبير" فقال: ثم المعتاد في الجوز الوزن لأنه أكبر جرمًا من التمر هذا لفظه.
قوله: والوزن بالطيار والقرسطون وزن.
اعلم أن الطيار هي الميزان التي لا لسان لها كما قاله إمام الحرمين، والغزالي في "البسيط".
والقرسطون بالقاف وبراء وسين وطاء مهملات هو القبان.
قال في "المحكم" في الخماسي: القرسطون.
القبان أعجمي لأن فعلالا وفعلونا ليسا من أبنيتهم والقفان المنقول هنا عن "المحكم" هو بالفاء بعد القاف وهو معرب عن القفال كما أشار إليه الجوهري.
قوله: فمن فروعه أن يريد شريكان في شيء من مال الربا قسمته بينهما وهو مبني على أن القسمة بيع أو إقرار.
الجزء: 5 - الصفحة: 107
فإن قلنا بالأول وهو الأصح فلا تجوز قسمة المكيل بالوزن.
. . . إلى آخره.
اعلم أن هذه المسألة قد حصل فيها اضطراب شديد في كلامه وكلام النووي، وستعرف ذلك مبسوطًا في باب القسمة إن شاء الله تعالى.
قوله: واحتجوا له بأن التساوي شرط، وشرط العقد يعتبر العلم به عند العقد.
ألا ترى أنه لو نكح امرأة ولا يدري أهي معتدة أم لا؟ وهل هي أخته من الرضاع أم لا؟ لا يصح النكاح.
انتهى كلامه.
وهذه المسألة قد سبق الكلام عليها في الباب المتقدم.
قوله: ولو قال: بعتك هذه الصبرة بتلك الصبرة مُكَايلة أو كيلًا بكيل أو هذه الدراهم بتلك موازنة أو وزنًا بوزن.
. . . إلى آخره.
هذه المسألة أيضًا سبق الكلام عليها في آخر الباب الذي قبل هذا.
قوله: ولو باع صبرة حنطة بصبرة شعير صاعًا بصاع فالحكم كما لو كان من جنس واحد.
انتهى.
الكلام سبق أيضًا على هذه المسألة في آخر الباب السابق.
قوله: وأيضًا فلو اشترى شيئين بألف فوجد بأحدهما عيبًا وأراد رده بالعيب وحده يرده بحصته من الألف إذا وزع عليهما باعتبار قيمتهما.
انتهى.
وصورة هذه المسألة أن يرده بالتراضي، فإن أراد رد المعيب وحده قهرًا فليس له ذلك على المشهور.
قوله: ثم الأئمة أطلقوا القول بالبطلان في قاعدة مد عجوة، فذكر أبو سعد المتولي أنه إذا باع مدًا ودرهمًا بمدين بطل العقد في المد المضموم إلى الدرهم، وفيما يقابله من المدين وفي الدرهم وما يقابله من المدين قولا
الجزء: 5 - الصفحة: 108
تفريق الصفقة.
وعلى هذا القياس ما لو باعها بدرهمين أو باع صاع حنطة وصاع شعير بصاعى حنطة أو صاعى شعير، ويمكن أن يكون كلام من أطلق محمولًا على ما فصله.
انتهى كلامه.
ولقائل أن يقول: قد سلم الرافعي في قاعدة (مُدّ عجوة) أن التقسيط لا يعتبر، فإنه صحح أنه لا يجوز بيع مد عجوة ودرهم بمد عجوة ودرهم إذا كان الدرهمان من ضرب واحد، والمدان من شجرة واحدة.
وذهب جماعة إلى الجواز نظرًا للتقسيط.
فإذا تقرر أن التقسيط عنده لا يعتبر لزم امتناع هذه المسألة أيضًا.
والروياني قد وافق المتولى هنا لكنه قائل عند اتفاق القيمة بالصحة، كما نقله عنه الرافعي، فهو ماشٍ على قاعدة واحدة.
قوله: ولو باع دارًا بذهب فظهر فيها معدن الذهب صح البيع على الأصح لأنه تابع بالإضافة إلى مقصود الدار.
انتهى ملخصًا.
وما ذكره هنا من تصحيح الصحة قد ذكر بعد ذلك في الكلام على الألفاظ التي تطلق في البيع في اللفظ الثالث منه، وهو لفظ الدار ما يعكر عليه فقال ما نصه: إلا أنه لا يجوز بيع ما فيه معدن الذهب بالذهب من جهة الربا.
هذا لفظه.
وتابعه في "الروضة" على الموضعين، وليس بين الصورتين فرق إلا أن الأولى فرضها عند عدم العلم ولا أثر للجهل بالمفسد في باب الربا مطلقًا.
وذكر الرافعي أيضًا في باب إحياء الموات أن المعدن لا يصح بيعه على الصحيح لجهالة مقصودة، ولا ذكر لهذه المسألة في "الشرح الصغير" ولا في "المحرر".
الجزء: 5 - الصفحة: 109
قوله: ولو باع دارًا فيها بئر ماء [بدار فيها بئر ماء] 62، وفرعنا على أن الماء ربوي ففي صحة البيع وجهان:
أحدهما: الصحة لما ذكرناه في المسألة السابقة من التبعية.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الأصح من هذين الوجهين هو الصحة.
كذا صححه النووي في "الروضة" ولم ينبه على أنه من "زياداته" بل أدخله في كلام الرافعي فافهمه.
الثاني: أن دعواه أن ماء البئر يدخل بطريق التبع يقتضي أنه لا يشترط التصريح بدخوله لأن التابع هذا شأنه، بل يقتضي أنه لو صرح به لأبطل لأنه علل الصحة بالتبعية.
وإذا نص عليه وصرح به صار مقصودًا، وخرج عن كونه تابعًا فيبطل لأجل الربا ولجعله المجهول الذي يحصل بطريق التبع مبيعًا مع المعلوم كما لو قال: بعتك هذه الجارية وحملها.
ويؤيده أنه صرح في إحياء الموات بأن بيع ماء البئر والقناة لا يجوز لجهالته.
فإذا علمت ذلك فقد ذكر في الكلام على الألفاظ التي تطلق في البيع في اللفظ الثالث منه ما حاصله أنه لابد من التصريح بدخول ماء البئر فقال: ولو كان في الدار المبيعة بئر ماء دخلت في البيع والماء الحاصل في البئر لا يدخل، ثم قال ما نصه.
وإن شرط دخوله في البيع صح على قولنا.
الماء مملوك.
بل لا يصح البيع دون هذا الشرط، وإلا اختلط ماء المشتري بماء البائع وانفسخ البيع، انتهى كلامه.
الجزء: 5 - الصفحة: 110
وصرح به أيضًا في آخر باب إحياء الموات نقلًا عن البغوي، [من غير مخالفة وذكر في "الروضة" هذه المواضع كما ذكرها الرافعي غير أنه لم ينقل الأخير عن البغوي] (1) بل جزم به، ولم يتعرض للمسألة في "المحرر" ولا في "شرح الصغير".
الطرف الثاني:
في الحالة التي تعتبر فيها المماثلة
قوله: ونقل الكرابيسي قولًا أنه لا يجوز بيع الحنطة بدقيقها كيلًا.
وجعل الإمام منقول الكرابيسي في أن الحنطة والدقيق جنسان حتى لا يجوز بيعهما متفاضلًا.
ويشبه أن يكون الإمام منفردًا بهذه الرواية.
انتهي.
وما ادعاه الرافعي من انفراد الإمام بها ليس كذلك، فقد نقلها أيضًا الماوردي في "الحاوي" ونقلها عنه ابن الرفعة.
قوله: قال الإمام: وفي الجاورس عندى احتمال إذا نحتت قشرتها.
انتهى.
الجاورس بالجيم والراء والسين المهملتين حب مثل الدخن يؤكل، وهو خير من الدخن في جميع أحواله وهو ثلاثة أصناف، وهو معرب [كاورسي] 64. قاله الصاغاني في "مجمع البحرين" وفي "حواشي الوسيط" لابن السكري أنه الدخن نفسه.
قوله: ويجوز بيع خل الرطب بخل الرطب.
. . . إلى آخره.
اعلم أن الخلول التي ذكرها الرافعي هنا أربعة: خل الرطب وخل التمر وخل العنب وخل الزبيب، ويتفرع عليها عشر مسائل:
أحدها: بيع خل الرطب بمثله.63
الجزء: 5 - الصفحة: 111
والثاني: بيع خل التمر بمثله.
والثالث: بيع خل العنب بمثله.
والرابع: بيع خل الزبيب بمثله.
والخامس: بيع خل الرطب بخل التمر.
والسادس: بيع خل الرطب بخل العنب.
والسابع: بيع خل الرطب بخل الزبيب.
والثامن: بيع خل التمر بخل العنب.
والتاسع: بيع خل التمر بخل الزبيب.
والعاشر: بيع خل العنب بخل الزبيب.
فهذه عشرة، وضابطها أنك تأخذ كل واحد مع مثله ثم تأخذه مع ما بعده.
فهذه المسائل منها ما يقطع فيه بالجواز، وهو بيع خل الرطب بمثله وبيع خل العنب بمثله، قال الرافعي لأنه على هيئة الادخار، والمعتاد فيه الكيل.
ومنها ما يقطع فيه بالمنع، وهو بيع خل التمر بمثله والزبيب بمثله.
قال الرافعي: لما فيها من الماء، وهو يمنع معرفة التماثل، وكذا بيع خل الرطب بخل [التمر، وبيع خل العنب بخل الزبيب.
قال الرافعي: لأنه في أحد الطرفين ماء فيلزم التفاضل.
ومنها ما فيه خلاف وهو بيع خل التمر بخل الزبيب.
فإن قلنا الماء ربوي فلا يجوز وإلا فيجوز.
وكذا بيع خل الرطب بخل] 65 الزبيب، وبيع خل العنب بخل التمر.
الجزء: 5 - الصفحة: 112
قال الرافعي: فيجوز لأن الماء في أحد الطرفين والمماثلة بين الخلين غير معتبرة تفريعًا على الصحيح في أنهما جنسان.
فهذه تسع مسائل مصرح بها في كلام الرافعي.
وأما بيع خل الرطب بخل العنب فليس في "الشرح" ولا في "الروضة" تصريح بحكمها.
ومقتضى القواعد القطع بالجواز لأنه لا ماء في واحد منهما وهما جنسان.
قوله: وأما الرطب فما يؤكل منه في العادة بعد عجالة نقله.
انتهي.
قال الجوهري: العجالة بالضم ما تعجلته من شيء.
قوله: والمعيار فيه أي في السمن الكيل إن كان ذائبا، والوزن إن كان جامدًا.
قاله في "التهذيب"، وهو توسط بين وجهين أطلقهما العراقيون، المنصوص أنه يوزن، وعن أبي إسحاق أنه يكال.
انتهى.
وهذا التوسط قد استحسنه في "الشرح الصغير" فقال: وحسن كذا وكذا.
وذكر المسألة في "الروضة" كما ذكرها الرافعي.
الطرف الثالث:
في معرفة الجنسية
قوله: فإن جعلنا اللحوم جنسًا واحدًا ففي لحوم البريات مع البحريات وجهان، ذهب أبو علي الطبري والشيخ أبو حامد إلى أنهما جنسان.
واختار القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والبغوي أنهما جنس واحد.
انتهي.
والأصح هو الوجه الثاني.
كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير" وعبر بالأظهر، وصححه النووي أيضًا في أصل "الروضة" و"شرح المهذب" وعبر بالأصح.
الجزء: 5 - الصفحة: 113
قوله: وفي الظبي مع الآيل تردد للشيخ أبى محمد واستقر جوابه على أنهما كالضأن والماعز.
انتهى.
والأيل الوعل الذكر ويسمى تيس الجبل وهو بفتح الياء المثناة من تحت المشددة، وقبلها همزة تضم وتكسر، لغتان حكاهما الجوهري، وأرجحهما الضم كذا ذكره في مادة أول بالواو.
ونقله عنه النووي في "تهذيبه" ثم قال: ورأيته في "المجمل" مضبوطًا بكسر الهمزة فقط.
قوله: وعن الربيع أن الحمام بالمعنى المتقدم في الحج، وهو ماعب وهدر جنس فيدخل فيه القمري والدبسي والفاختة، وهذا اختيار جماعة منهم الإمام وصاحب "التهذيب".
واستبعده أصحابنا العراقيون، وجعلوا كل واحد منهما جنسًا برأسه.
انتهى.
ذكر في "الروضة" مثله أيضًا والصحيح هو الأول.
كذا صححه في "الشرح الصغير" وعبر بالأصح.
قوله في "أصل الروضة": فمن ذلك لحوم الحيوانات هل هي جنس أم أجناس؟ قولان: أظهرهما أجناس.
فإن قلنا: أجناس، فحيوان البر مع حيوان البحر جنسان ثم قال ما نصه: وسموك البحر جنس، وأما غنم الماء وبقره وغيرهما فهما مع السمك أو مثلها؟ قولان: أظهرهما أجناس.
انتهى لفظه.
لفظة "أو" مع "مثلها" لا يصح أن يريد به من حيوان البر لأن الكلام في حيوان البحر.
وأيضًا فقد تقدم من كلامه أن حيوان البر مع حيوان البحر جنسان تفريعًا
الجزء: 5 - الصفحة: 114
على هذا القول الذي يفرع هو عليه، وهو أن اللحوم من حيث هي أجناس فحمل هذه الصورة عليها تكرار، وإثبات خلاف لم يتعرض له غيره.
وبالجملة فهذه الصورة لم يذكرها الرافعي بالكلية والظاهر أنه إنما أراد مع مثله من حيوان البحر، وهو فاسد فسادًا واضحًا، فإن بقر الماء مع مثله من بقر الماء جنس واحد بلا نزاع، وكذا غنم الماء مع مثله وما أشبه ذلك.
واعلم أن كلام الرافعي صحيح، فإنه فرض المسألة في نوع [مع نوع] 66 آخر فراجعه.
قوله: وفي الجراد أوجه:
أحدها: أنه ليس من جنس اللحوم.
والثاني: أنه من لحوم البريات.
والثالث: من لحوم البحريات.
انتهى.
والأصح هو الوجه الأول.
كذا صححه النووي في "زيادات الروضة".
قوله من "زياداته": قلت: المعروف أن الجلد ليس ربويًا فيجوز بيع الجلد بجلود وبغيرها، ولا حاجة إلى قوله: إنها أجناس -يعني- إلى قول الرافعي أن الكبد والكرش والمخ والجلد أجناس.
انتهى.
ذكر مثله في "شرح المهذب" فقال ما نصه: فرع: لا ربا في الجلود والعظام، وإن كان يجوز أكلها، وهذا بلا خلاف، وممن صرح به الماوردي لأنه لا يؤكل في العادة.
انتهى كلامه.
الجزء: 5 - الصفحة: 115
فيه أمران:
أحدهما: أن ما أشار إليه في "الروضة" وصرح به في "شرح المهذب" من نفي الخلاف غريب.
فقد حكى الماوردي وجهين في بيع اللحم بمثله، وعليه جلد يؤكل كجلد الدجاج والجدي.
وقال في "البحر": إذا باع جلد البقر بجلد الغنم متفاضلًا فهل يصح؟ يحتمل قولين بناء على القولين في اللحمان، فهذه نقول شهيرة صريحة على وفق ما قاله الرافعي زيادة لما يقوله النووي.
الأمر الثاني: أن النووي قد جعله من الربويات في "الروضة" أيضًا فقال في آخر الباب: إنه إذا باع اللحم بالحيوان بطل، وإن باعه بشحم أو إلية أو طحال أو قلب أو كبد أو رئة فوجهان:
أصحهما: البطلان.
ثم قال: ويجرى الوجهان في بيعه بالجلد قبل الدباغ فإن دبغ فلا منع.
هذه كلامه.
قوله: وفي البطيخ المعروف مع الهندي والقثاء مع الخيار وجهان، انتهي.
والأصح أنهما جنسان.
كذا صححه النووي من "زياداته".
قوله: والسكر النبات والطبرزد جنس واحد، والأحمر وهو القوالب عكس الأبيض، ومن قصبه ومع ذلك ففي التجانس تردد للأئمة لتخالفهما في الصفة قال الإمام: ولعل الأظهر أنه من جنس السكر.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن الطبرزد بفتح الباء الموحدة وسكون الراء المهملة وبعدها
الجزء: 5 - الصفحة: 116
زاي معجمة هو السكر المعتاد.
فإن ابن الرفعة قد نقل في "شرح الوسيط" أن القطارة تقطر منه وهي -أعني القطارة- تقطر مما قلناه.
ويشير إليه أن الرافعي جعله هو والسكر النبات جنسًا واحدًا، وتردد في الأحمر مع الأبيض فانتفى أن يكون الطبرزد هو الأحمر، وأن يكون أيضًا من جنس الأعسال لأن العسل ليس مجانسًا للسكر بلا نزاع.
وقد أوضح في "المطلب" كيفية هذه الأعسال فقال: ومن عصير قصب السكر يتخذ العسل المرسل ويتخذ القند، ومن القند ينفصل العسل المسمى بعسل القصب، وهو ما يقطر من أسفل أباليج القند بعد أخذه في الجفان، والقند يختلف في الجودة والرداءة بحسب تربة القصب وجودة الطبخ، ومن الطيب من القند يتخذ السكر، وإذا جمد استقطر ما فيه من العسل من ثقبة من أسفل الإجانة التي يوضع فيها بعد طبخه.
وهذا العسل يسمى كما قال أبو الطيب بعسل الطبرزد ونحن نسميه بالقطارة، وهي تتنوع بحسب تنوع السكر، والذي يستقطر منه.
وأنواع السكر ثلاثة: الوسط وهو أدونه، ومن أعلى أباليجه يكون الأحمر لأن القطارة تنحبس فيه، والعال وهو فوق ذلك في الجودة، والمكرر وهو أعلى الثلاثة لأنه يطبخ مرة ثانية من السكر الوسط، والسكر النبات يطبخ من السكر الوسط أيضًا لكنه يجعل في قدر من الفخار قد صلب فيه عيدان من الجريد رقاق لينبت فيها السكر، وما يخرج منه عسل عند كمال نباته يسمى بقطر النبات.
هذا كلامه.
وهو قد كان مطلعًا على حقيقة ذلك، فإنه كان صاحب مطبخ من مطابخ السكر، وكلامه موافق لما قلناه.
واعلم أن النووي في "الروضة" عبر بقوله: والسكر الطبرزد والنبات
الجزء: 5 - الصفحة: 117
جنس واحد.
هذا لفظه.
الأمر الثاني: أن الذي أشار الإمام إلى ترجيحه هو الصحيح.
كذا صححه النووي في "أصل الروضة" فجزم بالتصحيح، ولم يشر إلى التوقف فيه، ثم إنه لم يضفه أيضًا إلى الإمام، وهو اختصار عجيب، وجزم به ابن الرفعة في "المطلب" ولم يحك فيه خلافًا.
قوله: وإن باعه -يعني اللحم- بحيوان غير مأكول كعبد أو حمار ففيه قولان: أصحهما عند القفال المنع لظاهر الخبر.
انتهى كلامه.
ذكر نحوه في "الشرح الصغير" أيضًا، والصحيح ما قاله القفال، كذا صححه الرافعي في "المحرر"، وعبر بالأصح وصرح النووي بتصحيحه أيضًا في أصل "الروضة" وفي غيرها من كتبه.
الجزء: 5 - الصفحة: 118
الباب الثالث: في الفساد من جهة النهي
المناهي قسمان:
القسم الأول: ما حكم فيه بالفساد
.
قوله: بل إعارة الفحل للضراب محبوبة.
انتهى كلامه.
وما ذكره الرافعي من الاستحباب لم يتعرض له في "الروضة" وإنما حكم بالجواز فقط.
قوله: ومنها بيع السلاح لأهل الحرب لا يصح.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن كلامه يشعر بصحة بيعه لمن دخل إلينا بأمان كالتاجر والرسول، لأنه بالأمان خرج عن الحرابة، وصار معصومًا، وهو محتمل لأنه في قبضتنا كالذمي، ولكن المتجه المنع لأن الأصل إمساكه عنده إلى عوده، ولأن الحرابة فيه متأصلة والأمان عارض يزول.
الثاني: أن السلاح على ما نقله الرافعي في صلاة الخوف عن ابن كج يقع على السيف والسكين والرمح والنشاب ونحوها.
قال: وأما الترس والدرع فليس بسلاح.
انتهى.
والمتجه أن يكون المراد هنا ما هو يعد للقتال كالبيضة ونحوها مما سبق لأن الاستعانة علينا كما تكون بفعلهم تكون بدفع فعلنا.
وقد صرح به الإمام في كتاب [الرهن] 67 قبيل باب [الرهن] 68 والعميل بنحو ورقتين فقال: وبيع السلاح من الذمي ورهنه جائز، مات رسول الله
الجزء: 5 - الصفحة: 119
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ودرعه مرهون عند أبى سجمة اليهودي 69، هذا لفظه، وفي معنى ما ذكرناه أيضًا الخيل وما يلبس لها.
قوله: ولو باع عبده بألف بشرط أن يبيعه داره لم يصح، ثم قال: وإذا أتيا بالبيع الثاني نظر إن كانا يعلمان بطلان الأول صح، وإلا فلا لإتيانهما به على الشرط الفاسد.
كذا نقله صاحب "التهذيب" وغيره والقياس صحته، وبه قطع الإمام، وحكاه عن شيخه.
انتهى كلامه.
اعلم أن هذه المسألة فرد من أفراد قاعدة متكررة في أبواب وهي أنه إذا شرط عليه في شيء من التصرفات عقد لا يلزمه الوفاء به ففعله المشروط عليه جاهلًا ببطلان العقد المشروط فيه، فهل ينفذ لكونه تصرفًا صحيحًا في نفسه أم لا لإتيانهما به وفاء بالشرط الفاسد؟ فيه خلاف.
وهذه القاعدة قد حصل فيها اختلاف شديد في هذا الباب فقال في كتاب الرهن في الركن الثالث منه إذا قال: أقرضتك هذه الألف بشرط أن ترهن بالمائة التي لي عندك كذا، فالقرض فاسد، ثم إن رهن بالمائة التي عليه صح إن علم فساد الشرط، وإن ظن صحته فوجهان.
قال القاضي: لا يصح، وقال الشيخ أبو محمد وغيره: يصح.
انتهى.
وكذا لو باع بشرط بيع آخر فاستثناه ظانًا صحة الشرط وقد سبقت هذه الصورة في بابها.
انتهى ملخصًا.
وليس في هذين الموضعين تصريح بتصحيح.
إذا علمت ذلك فقد قال في أوائل الإقالة ما نصه:
وتجوز الإقالة في بعض السلم فيه أيضًا، لكن لو أقاله في البعض ليعجل الباقي له أو عجل المسلم إليه البعض ليقيله في الباقي فهي فاسدة.
الجزء: 5 - الصفحة: 120
انتهى كلامه.
فأما الإقالة بشرط التعجيل ففسادها واضح.
فأما إذا عجل بشرط الإقالة فأقاله فهو والرهن المشروط في البيع الفاسد سواء.
ثم ذكر أيضًا عدم الصحة في كتاب الكتابة فقال في أثناء الحكم الثاني من الباب الثاني: إذا جاء المكاتب بالنجم عند المحل وشرط على السيد أن يبرئه فالشرط لغو، وللسيد أخذه ولا يلزم أن يبرئه من الباقي.
وإن عجله قبل المحل على أن يبرئه من الباقي وأخذه وأبرأه لم يصح القبض والإبراء ولو قال: أبرأتك عن كذا بشرط أن تعجل الباقي، أو إذا عجلت كذا فقد أبرأتك عن الباقي فعجل لم يصح القبض ولا الإبراء، هذا هو المذهب.
وأشار المزني إلى ترديد قول صحة القبض والإبراء، ولم يسلم له الجمهور إثبات خلاف فيه.
انتهي.
ثم ذكر ما يخالف الموضعين المذكورين في أوائل الصلح، فقال في المصنف الثاني وهو صلح الحطيطة: ولو صالح من ألف مؤجل على ألف حال فباطل لأن الأجل لا يسقط ولا يلحق، فلو عجل من عليه المؤجل وقبله المستحق سقط بالاستيفاء.
انتهى.
وتعجيل المؤجل بعد الشرط نظير الإقالة والإبراء والتعجيل بعد الشرط.
وقد أجاب فيه بعكس ما ذكره فيهن، ومقتضاه فيهن أن لا يملكه حتى لا يحصل الإبراء.
وبالجملة فهو تباين واضح خصوصًا المذكور في الصلح [مع المذكور في] 70 الكتابة.
الجزء: 5 - الصفحة: 121
ووقع هذا الاختلاف بعينه في "الشرح الصغير" إلا أنه لم يذكر مسألة الإقالة، ووقع أيضًا في "الروضة" وزاد على ذلك فصحح في كتاب الرهن من "زياداته" الصحة فقال: قلت: الثاني أصح -يعني الصحة- واختاره الإمام والغزالي في "البسيط" وزيف الإمام قول القاضي، والله أعلم.
وجزم في الركن الثالث من المساقاة بأنه لا يصح، ولم يجزم به الرافعي، بل نقله عن "التهذيب" فقط، ثم ذكر أنه قدم نظيره في الرهن فحذف النووي المنقول عنه وجزم به، فوقع في صريح التناقض.
وقد ذكر الشافعي في "الأم" مسألة الكتابة في باب قطاعة المكاتب كما ذكره الرافعي ثم قال بعده ما نصه: وإن فعل هذا على أن يحدث للمكاتب عتقًا فأحدثه له فالمكاتب حُرّ، ويرجع عليه سيده بالقيمة لأنه أعتقه ببيع فاسد كما قلت في أصل الكتابة الفاسدة.
انتهى.
ونص في البويطي على مسألة الرهن، وحكم فيها بعكس ما صححه في "الروضة" فقال في باب الرهن ما نصه: ولو كان لرجل على رجل دين حال أو إلى أجل ثم قال: بعني بيعة أخرى على أن أرهنك بالأول والآخر لم يجز، وكان البيع الآخر فاسدًا، والرهن باطلًا، وكان حقه الأول على حاله.
وقال في "الأم": وإذا كان المدعى عليه منكرًا فالصلح باطل، وهما على أصل حقهما، ويرجع المدعى على دعواه، والمعطى [فيما] 71 أعطى وسواء إذا أفسد الصلح قال المدعى: أبرأتك مما ادعيت عليك، أو من بدله من قبل أنه إنما أبرأه على أن يتم له ما أخذ منه، وليس هذا بأكثر من أن يبيعه البيع الفاسد.
الجزء: 5 - الصفحة: 122
فإذا لم يتم رجع كل واحد منهما على أصل ملكه كما كانا قبل أن يتبايعا [هذا كلامه.
وقد تظافرت نصوص الشافعي على البطلان فلتكن الفتوى عليه] 72. ولا عبرة بما عداه.
قوله: ولو اشترى حطبًا على ظهر بهيمة مطلقًا فهل يصح العقد ويسلمه إليه في موضعه [أم لا يصح حتى يشترط تسليمه إليه في موضعه] 73 لأن العادة قد تقتضي حمله إلى داره؟ حكي صاحب "التتمة" فيه وجهان.
انتهى.
والأصح منهما هو الصحة.
كذا صححه النووي في "زيادات الروضة".
قوله: وذكر القاضي الروياني أنه لو أجل الثمن إلى [ألف] 74 سنة بطل العقد للعلم بأنه لا يبقى إلى هذه المدة فيسقط الأجل بالموت كما لو أجر ثوبًا ألف سنة لا يصح.
فعلى هذا يشترط في صحة الأجل احتمال بقائه إلى المدة المضروبة.
انتهى كلامه.
اعترض النووي في "الروضة" عليه فقال: لا يشترط احتمال بقائه إليه، بل ينتقل إلى وارثه لكن التأجيل بألف سنة وغيرها مما يبعد بقاء الدنيا إليه فاسد.
انتهى كلامه.
والذي قاله النووي معترضًا به من أن ذلك لا يشترط، بل ينتقل إلى الوارث غلط، فإن الكلام ليس في مستحق الدين، بل في من هو عليه.
ولهذا قال الرافعي: فيسقط الأجل بموته، والأجل يسقط بموت من عليه لا بموت من له.
وإذا ظهر هذا ظهر أيضًا ضعف البطلان فيما إذا كان يبعد بقاء الدنيا إليه لأنا نعلم الاستحقاق قبلك بموت من عليه بخلاف الإجارة، فإن بطلانها واضح.
الجزء: 5 - الصفحة: 123
والنووي حذف التصريح بانتقاله إلى الوارث حالة اختصاره لكلام الرافعي ثم توهم بعد ذلك عكسه فأجاب عنه، وقال صاحب رفع التمويه في الإجارة: إن الأرض تؤجر خمسمائة سنة.
ثم قال: وأكثر ما يصح أن يبيعه بثمن مؤجل إلى هذا القدر.
هذا كلامه وذكر ذلك في ذيل كلام نقله عن الشيخ أبى حامد، واقتضى إيراده أنه منه.
قوله: ولو حل الأجل فأجل البائع المشتري مدة لم يتأجل، ولو أوصى من له دين حال على إنسان بإمهاله مدة [فعلى ورثته إمهاله.
انتهي.
وقد ذكر مثله في "الروضة".
والكلام عليه له مقدمة ذكرها ابن الرفعة في "المطلب" فقال: وإنما تنفذ الوصية بعدم المطالبة إلى مدة] 75 بشرط أن يخرج منه الدين من الثلث لأنهم قالوا: إن البيع بثمن مؤجل يحسب كله من الثلث إذا لم يحل منه شيء قبل موت الموصى لأنه منع الورثة من التصرف فيه فكان كإخراجه عن ملكهم، وهذا مثله.
ثم قال: وأنا أقول: إذا قلنا: إن الملك ينتقل في البيع في زمن الخيار، ويجوز إلحاق الزيادة بالعقد كان ذلك صورة أخرى لأن الدين كان حالًا وقد تأجل قال بل هذه بالذكر أولى لأن ما كان حالًا تأجل، وما عداها قد يقال: إن الدين باق بصفته، وإنما منع من طلبه مانع كالإعسار هذا كلامه.
ذكر ذلك في آخر الباب الثالث من أبواب البيع، وهذا الاحتمال الذي أبداه من كونه حالا امتنعت الطالبة به لعارض احتمال ظاهر وله فوائد:
منها: إذا عجله المديون قبل المدة لغرض البراءة فهل يجبر رب الدين جزما على أحد الأمرين وهما القبول أو البراءة كسائر الديون الحالة لاسيما أن هذه المدة لم تقع برضا المديون أم يتخرج على الخلاف في الدين المؤجل؟
ومنها: إذا حلف لا مال له وقلنا بالتفصيل بين الحال والمؤجل.
الجزء: 5 - الصفحة: 124
ومنها: إذا أفلس المديون فهل لصاحبه المطالبة به؟ إن قلنا إنه من باب] 76 التأجيل فيأتي فيه الخلاف في حلول المؤجل بالإفلاس.
وإن قلنا: إنه حال، منع من المطالبة به مانع فالمتجه عدم المطالبة به لقيام المانع، ويحتمل خلافه لما فيه من الضرر، ويحتمل [التخريج] 77 على المؤجل لأن الواجب بالنذر لا يزيد على الواجب الأصلي، ويحتمل التفصيل بين أن يقول لله عليّ أن لا أستوفيه إلا بعد كذا وكذا ونحو ذلك، فلا يطالبه أو يقول: لله عليّ تأجيله، وهذا كله إذا كان الناذر والمديون حيين.
فإن كان المديون ميتًا فلا شك أن المسارعة إلى براءة ذمته واجبة إذا خلف وفاء.
وحينئذ فلا يؤثر النذر حتى لو رضي الوارث ورب الدين معًا بالتأخير لم يجز لما ذكرناه.
وأيضًا فلأن قصد الناذر التبرع برفق المديون، وقد زال ذلك بموته، وإن كان الناذر ميتًا فالمتجه بقاء المدة سواء كان وارثه رشيدًا أم محجورًا عليه لأن من ورث مالًا ورثه بحقوقه التي عليه والتي له.
ويحتمل التفصيل السابق وهو الفرق بين أن يلتزم التأجيل أو عدم مطالبته هو.
ومن تفاريع المسألة إخراج الزكاة عن ذلك المال.
فنقول: للنذر حالان:
أحدهما: أن يكون بعد تمام الحول، فلا إشكال في وجوب [إخراج قدر الزكاة غير أنه هل يستثنى ذلك القدر من وجوب] 78 الإنظار لأن الملك فيه لغيره بناء على الصحيح، وهو أن الفقراء شركاء رب المال، أو يجب الإنظار فيه أيضًا، وهو المتجه لكونه قادرًا على تمام نذره لجواز الإخراج من غيره كما قلنا به فيما إذا رهن مالًا زكويًا، وحال عليه الحول،
الجزء: 5 - الصفحة: 125
بل مسألتنا أولى لأن الرهن سابق على الوجوب بخلاف النذر.
الحال الثاني: أن يكون قبل تمام الحول ففي إلحاقه بما بعد الحول احتمال لأن النذر في هذه الحالة يصرف منه قبل تعلق نصيب الفقراء.
وقياس مسألة الرهن وجوب الإخراج من غيره عند القدرة، ومنه عند عدمها.
واعلم أن ابن الرفعة في باب القرض من "الكفاية" نقل عن صاحب "التتمة" أن الحال يصير مؤجلًا بالوصية، ثم قال عقبه ما نصه: وسمعت من بعض مشايخنا أنه يتأجل بالنذر أيضًا.
هذا كلامه.
ومقتضاه أنه يقف على نقل في هذه المسألة وهو غريب، فقد ذكرها أيضًا المتولى عقب هذه المسألة التي نقلها هو عنه من غير فصل بينهما فقال في الباب الخامس من أبواب البيع: الثامن: إذا كان له حق حل أجله فقال: إن شفى الله تعالى مريضى أو رجع غائبي فلله عليّ أن لا أطالبه شهرًا، فالحكم فيه كالحكم فيما نذر عيادة المرضى وتشييع الجنائز.
هذا كلام المتولي.
وقد ذكرها أيضًا الروياني في "البحر" في كتاب البيع قبل باب بيع اللحم بالحيوان بنحو ورقة فقال: إن فيه وجهين كالوجهين في ما إذا نذر تشييع الجنازة، وهذا الكلام يقتضي أن الراجح من الوجهين هو الواجب لأنه الراجح في المحال عليه.
قوله ولابد من تعيين الرهن، والكفيل، والمعتبر في الرهن المشاهدة أو الوصف كما يوصف المسلم فيه، وفي الكفيل المشاهدة [أو] 79 المعرفة بالاسم والنسب، ولا يكفي الوصف بأن يقول: رجل موسر، ثقة، هذا هو النقل.
الجزء: 5 - الصفحة: 126
ولو قال قائل: الاكتفاء بالصفة أولى من الاكتفاء بمشاهدة من لا يعرف حاله لم يكن مبعدًا.
انتهي كلامه.
ونظير هذه المسألة في المشاهدة مع عدم معرفة الحال قد ذكره الرافعي في كتاب الصداق، وفي المسابقة فقال: الصداق إذا أصدقها تعليم آيات من القرآن فلابد من علمها، فإن أراها مقدارًا من المصحف فقال: من هاهنا إلى هنا فقال أبو الفرج الزاز: يكفي، ولك أن تقول: لا يكفي هذا إذ لا تعرف به صعوبته وسهولته.
زاد النووي في "الروضة" فقال: الصواب أنه لا يكفي.
انتهى.
والمسألتان في المعنى سواء، فيقال للنووي: لم جعلت هناك الصواب ما قاله الرافعي بحثًا ولم تجعله هنا كذلك؟
وقال في المسابقة: لو تناضل غريبان لا يعرف واحد منهما صاحبه حكم بصحة العقد.
فإن بان أنهما أو أحدهما لا يحسن الرمي بطل العقد.
وإن بان أن أحدهما قليل المعرفة لا يقاوم الآخر ففيه وجهان.
ومقتضى كلام الرافعي في الشرط الخامس من شروط المسابقة ترجيح الصحة.
قوله: ولو باع عبدًا بشرط العتق، وأن يكون الولاء للبائع فسد العقد، وفي قول يصح.
ثم قال ما نصه: وعلى هذا -يعني الصحة- ففي صحة الشرط وجهان نقلهما الإمام:
أحدهما: أنه لا يصح.
. . . إلى آخر ما ذكر.
ثم قال: إن الجمهور قضوا على هذا القول بفساد الشرط، وقصروا
الجزء: 5 - الصفحة: 127
الصحة على العقد، ولا تكاد تجد حكاية الخلاف في صحة الشرط بعد تصحيح العقد إلا للإمام.
إذا علمت ذلك فاعلم أن ما وقع في كلام الرافعي من أن الإمام نقل الوجهين غلط، فإن الذي نقله إنما هو فساد الشرط فقط.
وأما تصحيحه فذكره بحثًا فقال تفريعًا على قول الصحة ما نصه: وعلى هذا ففي الولاء المشروط نظر، ذهب بعض الأصحاب إلى أن الوجه فيه إلغاء الشرط، وتصحيح العقد، وهذا فاسد مع أمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالاشتراط، ومتعلق القول بصحة العقد قضية بريرة، فلا ينبغي أن يعتبر أصلها، ويعطل تفصيل القول فيها، فإذًا الوجه تصحيح الشرط إذا صححنا العقد تعلقًا بقضية بريرة.
هذا لفظ الإمام.
لا جرم أن ابن الرفعة في "شرح الوسيط" قال: إن أحد الوجهين ذكره الإمام نقلًا والآخر تفقهًا، وإن كان قد وقع هو في "شرح التنبيه" في ما وقع فيه الرافعي.
قوله: وما لا يقتضيه العقد من الشروط، ولكن لا غرض فيه كشرط أن لا يأكل إلا الهريسة أو لا يلبس إلا الحرير، وما أشبهه فلا يفسد العقد ويلغو كما قاله الإمام والغزالي.
لكن في "التتمة" أنه لو شرط ما يقتضي التزام ما ليس بلازم، فإنه لو باع بشرط أن يصلي النوافل فإنه يفسد العقد لأنه أوجب ما ليس بواجب وقضية هذا فساد العقد في مسألة الهريسة، والحرير أيضًا.
انتهى ملخصًا.
وكلامه يقتضي أنه لم يجد التصريح بالبطلان منقولًا، وإنما يؤخذ من مقتضى كلام "التتمة" وهو عجيب، فقد نص الشافعي -رحمه الله- في "الأم" على البطلان فقال في كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى المذكور بعد باب قطع العبد في أواخر باب الغصب منه ما نصه: قال محمد
الجزء: 5 - الصفحة: 128
ابن إدريس: فإذا باع الرجلُ الرجلَ العبدَ على أن لا يبيعه من فلان، أو على أن يبيعه من فلان، أو على أن لا يستخدمه، أو على أن ينفق عليه كذا وكذا، أو على أن يخارجه فالبيع كله فاسد.
هذا لفظه بحروفه، ومن "الأم" نقلته.
فتلخص أن مذهب الشافعي في اشتراط ما لا غرض فيه هو البطلان، وأن الرافعي لم يطلع فيه إلا على كلام بعض المتأخرين المعدودين في الصنفين لا في أصحاب الوجوه.
ثم إن الرافعي جزم بالصحة في "المحرر" و"الشرح الصغير" لكون القائل بالصحة اثنان؛ وبالبطلان واحد على ما تحصل له في مبسوطه.
وهذا أمر صعب يورث ريبة، ووقفه في الإفتاء بكثير من كلامه.
قوله: ولو باع الحامل واستثنى حملها ففي صحة البيع وجهان منقولان في "النهاية".
أحدهما: أنه يصح كما لو باع الشجرة واستثنى الثمرة قبل بدو الصلاح.
وأصحهما -وبه أجاب الجمهور-: أنه لا يصح.
انتهى كلامه.
وتعبيره بقوله: (قبل بدو الصلاح) سهو، بل الصواب أن يقول: قبل التأبير؛ لأن الثمرة قبل التأبير داخلة في البيع، وإذا استثناها صح الاستثناء، فصح قياس الصحة في استثناء الحمل عليه.
وأما بعد التأبير وقبل بدو الصلاح فإنها غير داخلة بالكلية حتى يقال: إن استثناء ما صحيح، ويقاس عليه ما نحن فيه.
قوله: ولو كانت الأم لواحد والحمل لآخر فهل لمالك الأم بيعها؟ فيه وجهان.
وكذا لو باع جارية حاملًا بُحْر، ففيه وجهان، الذي ذكره المعظم أنه لا يصح لأن الحمل لا يدخل في البيع فكأنه استثناه.
الجزء: 5 - الصفحة: 129
والثاني وهو اختيار الإمام وصاحب "الكتاب" أنه يصح لكونه مستثنى شرعًا.
انتهي.
فيه أمران:
أحدهما: أن تصحيح المنع هنا مشكل على تصحيح الجواز في الدار المستأجرة، فإن الحمل والمنفعة قد اشتركا في دخولهما عند بيع الأصل.
وفي الإبطال عند استثنائهما على تقدير ملكه لهما.
وحينئذ فيجب استواء الصورتين لأن المالك فيهما لم يستثن شيئًا، بل باع جميع ما يملك، فإن جعل المستثنى شرعًا كالمستثنى شرطًا وجب البطلان وإن جعل غير المملوك كالمعدوم، ونظرنا إلى أنه لم يستثن شيئًا لزم القول بالصحة فيهما بل الصحة في الحامل بحر أظهر من المستأجرة لأن الحر لا يقبل البيع أصلًا فهو كالمعدوم بخلاف المنفعة.
الأمر الثاني: أن جواب الإمام والغزالي قد اختلف في ذلك فأما الإمام فقال هنا قبل باب النهى عن بيع وسلف: إن الأصح صحة البيع.
وقال في الرهن: [المذهب] 80 الذي قطع به الأئمة امتناعه.
وأما الغزالي فأجاب بالجواز في موضعين من "الوسيط" أحدهما في البيع والثاني في الرهن على خلاف ما قاله فيه إمامه، وأجاب بالمنع في موضعين منه أيضًا، فإنه جزم به في كتاب النكاح في الكلام على ما إذا وطئ الأب جارية الابن.
وقال في كتاب "السير": إنه الأصح ذكر ذلك فيما إذا وطئ جارية من الغنيمة.
فتلخص أن الذي استقر عليه رأيهما معًا هو المنع على خلاف ما اقتصر عليه الرافعى.
الجزء: 5 - الصفحة: 130
قوله: ولو قال: بعتك الجبة وحشوها ففيه [طريقان] 81 منهم من طرد الخلاف أي المذكور في الحمل، ومنهم من قطع بالجواز لأن الحشو داخل في مسمى الجُبَّة، فذكر ذلك ذكر ما دخل في اللفظ فلا يضر التنصيص عليه.
والحمل غير داخل في مسمى الشاة فذكره ذكر شيء مجهول مع المعلوم.
انتهى كلامه.
لم يصحح شيئًا من الطريقين في "الروضة" أيضًا والأصح طريقة القطع.
كذا صححها النووي في "شرح المهذب" وعبر بلفظ الأصح.
قوله في أصل "الروضة": ولو شرط كون الشاة تدر كل يوم كذا رطلًا من اللبن بطل البيع قطعًا لأن ذلك لا ينضبط.
انتهى.
وما ادعاه من القطع ليس كذلك، ولم يذكره الرافعي أيضًا، فإن في المسألة وجهين مشهورين حكاهما الشيخ أبو إسحاق في "المهذب" في باب الرد بالعيب، والروياني في "البحر" وصاحب "العدة" والشاشى في "الحلية" وصحح الدبيلى في "آداب القضاء" منهما الصحة.
والغريب أن النووي ادعى ذلك أيضًا في "شرح المهذب" وعبر بقوله: بطل بلا خلاف.
ذكره في باب ما يجوز بيعه في الكلام على بيع الحمل في البطن.
قوله: ومنها لو قال لغيره: بع عبدك من زيد بألف على أن على خمسمائة فباعه على هذا الشرط فهل يصح العقد؟ فيه قولان لابن سريج أظهرهما: لا.
لأن الثمن يجب جميعه على المشتري، وهاهنا جعل بعضه على غيره.
والثاني: نعم، ويجب على زيد ألف، وعلى [الآمر] 82 خمسمائة كما لو قال: العد متاعك في البحر وعليّ كذا.
انتهي.
الجزء: 5 - الصفحة: 131
ذكر في "الروضة" من زياداته في آخر الوكالة مسألة أخرى تشبه هذه فقال: لو قال: بع عبدك بألف درهم على زيد وخمسمائة [على فعند ابن سريج العقد صحيح وعلى زيد ألف وعلى الأمر خمسمائة] 83، وعلى الصحيح العقد فاسد قال في "الحاوي": هذا لفظه.
وذكر الرافعي أيضًا في الباب الرابع من أبواب الخلع في الطرف الرابع منه مسألة أخرى تشبه هاتين المسألتين فقال: لو قال: بع عبدك من زيد بألف، ولك على خمسمائة فباعه منه لم يستحق على القائل شيئًا عند الجمهور.
وقال الداركي: يحتمل أن يستحق كالتماس الطلاق والعتق.
انتهى.
ولما كانت هذه المسائل الثلاث قد يحصل فيها اشتباه الواقف على بعضها عن البعض الآخر ذكرتها في موضع واحد ليفطن له، فإنه أبطل الأولى، ونقل فيها عن ابن سريج قولين، وأبطل الثانية، ولم ينقل عن ابن سريج فيها إلا قولًا واحدًا، وهو الصحة، وجزم بصحة الثالثة.
فأما التي في الخلع فإنه باع من زيد بألف عليه، ولم يشترط في البيع أن له على السائل شيئًا، فهذا صحيح إذ لا مفسد فيه، ولكن النظر وقع في استحقاق ما التزمه السائل.
وأما التي في الوكالة فإن البائع صرح بأن الثمن ألف وخمسمائة وبأن ألفًا منها على المشتري وباقيها على السائل، وبطلانه واضح لأن الثمن لا يكون إلا على المشتري، ومقابله ضعيف.
وأما المذكورة في هذا الباب، فإنه لم يصرح بأن الثمن خمسمائة حتى يكون بعضه على المشتري بل باع بألف على المشتري ثم شرط في صلب العقد أن يكون على السائل خمسمائة أخرى، ولم يجعلها ثمنًا، وإن كان من جهة المعنى يشبه الثمن على غير البائع فلما شرط في الأولى مالًا خارجًا
الجزء: 5 - الصفحة: 132
عن الثمن بخلاف الثانية نظر ابن سريج إلى هذا المعنى فتردد في صحة الأولى مع تسليمه الصحة في الثانية.
قوله: وإن تعلق بالشرط الفاسد غرض فسد البيع بفساده.
انتهى.
يستثنى منه ما إذا اشترط البراءة من العيوب، وقلنا: إن الشرط لا يصح، فإن الأصح في الرافعي أنه لا يبطل البيع.
قوله: ولا يجوز للمشترى حبس المبيع في البيع الفاسد لاسترداد الثمن.
وحكى ابن كج عن الإصطخرى جوازه، ونقله القاضي عن النص.
انتهى ملخصًا.
وما صححه هنا من امتناع الحبس قد جزم في أوائل الضمان بما يخالفه فقال في الكلام على ضمان العهدة: ولو بان فساد البيع بشرط أو غيره ففي مطالبة الضامن وجهان:
أحدهما: يطالب كما لو خرج مستحقًا.
والثاني: لا لاستغنائه عنه بإمكان حبس المبيع إلى استرداد الثمن.
انتهي كلامه.
ووقع الموضعان كذلك في "الروضة"] 84 وذكر أيضًا قريبًا من هذا الموضع موضعًا آخر يخالفه أيضًا.
قوله: وإن تلف فعليه قيمته أكثر ما كانت من يوم القبض إلى يوم التلف.
وقيل: العبرة بقيمته يوم التلف كالعارية، وقيل: بقيمته يوم القبض.
انتهى ملخصًا.
أطلق وجوب القيمة ولم يفصل بين المثلى والمتقوم، وكذلك أيضًا أطلقه فيما إذا تلف المبيع في زمن الخيار بعد القبض، وقلنا: إن الملك فيه للبائع فإنه ذكر هناك أن الواجب القيمة، ولم يفصل وتبعه في "الروضة" على
الجزء: 5 - الصفحة: 133
هذا الاطلاق، وليس كذلك، بل محله إذا كان متقومًا.
فأما إذا كان مثليًا فإنه يضمن المثل.
كذا نص عليه الشافعي في مواضع فقال في الكتابة في أوائل باب بيع المكاتب وشرائه ما نصه: وإذا باع بما لا يتغابن الناس بمثله بغير إذن سيده فالبيع فيه فاسد، فإن وجده بعينه رد، وإن فات كان على مشتريه مثله إن كان له مثل، وإن لم يكن له مثل فقيمته هذا لفظه بحروفه، ومن "الأم" نقلته.
وذكر بعده بدون ورقة مثله أيضًا فقال في ما إذا باع المكاتب شيئًا بيعًا فاسدًا ما نصه: فإن فات كان للمكاتب اتباعه بقيمته إن كان مما لا مثل له [أو بمثله إن كان مما له مثل] 85.
وذكر بعد هذا الثاني بأسطر قلائل مثله أيضًا.
وقال بعد ذلك بأوراق في باب بيع كتابة المكاتب يعني نجوم المكاتب ما نصه، ويرد مشترى كتابة المكاتب ما أخذ إن كان قائمًا في يده، ومثله إن كان له مثل أو قيمته إن فات ولم يكن له مثل.
وقال أيضًا في باب اختلاف المسلف في الثمن بعد أن ذكر صورًا من التخالف قال [فإن كان الثمن في هذا كله دراهم أو دنانير رد مثلها أو طعامًا رد مثله فإن لم] 86 يوجد رد قيمته.
وقبيل هذا الباب قال الشافعي: إن أسلف سلفًا فاسدًا وقبضه رده، وإن استهلكه رد مثله إن كان له مثل أو قيمته إن لم يكن له مثل.
ونقل عن أحمد بن بشرى المصري عن الشافعي نحوه.
فقال في ما إذا اشترى الثمرة قبل بدو الصلاح بشرط التبقية وقطع منها شيئًا: قال الشافعي: فإن كان له مثل رد مثله، ولا أعلم له مثلًا، وإن
الجزء: 5 - الصفحة: 134
لم يكن فقيمته.
انتهى.
فهذه نصوص الشافعي قد تظافرت على وجوب المثل، وهو القياس.
وذكر الرافعي أيضًا في الإقالة ما يقوي ذلك، فإنه ذكر أن الإقالة جائزة بعد تلف المبيع، ويرد المشتري مثل المثلى وقيمة المتقوم، وعلى هذا اقتصر الرافعي في "الشرح الصغير".
والذي اقتضاه اطلاق الرافعي أولا من وجوب القيمة صرح بتصحيحه الماوردي، وجزم به الروياني في "البحر" وادعى أنه لا خلاف فيه، قال: لأن ماله مثل إنما يضمن بالمثل إذا لم يكن مقبوضًا على وجه المعاوضة، فإن ضمن بها كالمقبوض بسوم أو بيع مفسوخ، فلا لأنه لم يضمنه وقت القبض بالمثل.
ثم قال: وهذا إذا كان قبل طلب البائع، فإن طلبه فمنعه المشتري ثم تلف فوجهان.
وما ادعاه الروياني مع التصريح بهذه النصوص غريب مردود.
فائدة في ما يستثنى من هذه القاعدة:
فنقول: المتقوم يضمن بالقيمة، ولا يضمن بالمثل إلا في مسائل:
أحدها: جزاء الصيد.
الثاني: العين المقترضة على الصحيح.
الثالث: هدم الحائط كما هو مقتضى كلام الرافعي، وأجاب به النووي في "فتاويه"، ونقله فيها عن النص، وإن كان مردودًا كما تعرفه في باب الغصب.
الرابع: طم الأرض كما قاله الرافعي، والمكاتب إذا حبسه مدة وفرعنا على وجوب التخلية.
الجزء: 5 - الصفحة: 135
الخامس: إذا أتلف رب المال الماشية كلها بعد الحول، وقبل الإخراج فإن الفقراء شركاء رب المال على الصحيح، ومع ذلك فإنه يلزمه حيوان آخر لا قيمته.
هكذا جزم به الرافعي وابن الرفعة في زكاة المعشرات في الكلام على ما إذا أتلف المالك الثمرة بعد وجوب الزكاة فيها.
وعلله في باب قسم الصدقات من "الكفاية" بأن إخراجه جائز مع بقاء المال فتعين عند عدمه لأنه قائم مقامه.
وهذا بخلاف ما لو أتلفه أجنبي، وفي المسألة كلام آخر ذكرناه في زكاة المعشرات.
وأما المثلى فيضمن بالمثل إلا في مسائل.
إحداها: العارية فإنه يضمنها بقيمتها كما هو مقتضى إطلاق الرافعي، وصرح به الشيخ في "المهذب".
وجزم ابن عصرون في "المرشد" بوجوب المثلى في المثلى، وكذلك في كتابه المسمى "بالتنبيه والإشارة على الأحكام المختارة".
وقال في "الانتصار": إنه أصح الطريقين، قال: والطريق الثاني أنه ينبني على أن المتقوم تعتبر قيمته في أي وقت، فإن اعتبرنا قيمته يوم التلف ضمن المثلى بالقيمة.
وإن اعتبرنا بالأكثر من القبض إلى التلف ضمنه بالمثل.
فإن قيل: فما صورة المستعار المثلى؟
قلنا: صوره ابن عصرون في "المرشد" بما إذا استعار مثليًا ليرهنه.
قلت: وهذا يشعر بأنه لا يتصور في المستعار الانتفاع على العادة، وليس كذلك.
بل يتصور فيما إذا استعار آنية من النحاس الذي لا يختلف
الجزء: 5 - الصفحة: 136
كالأسطال المربعة أو كانت مختلفة، ولكنها غير مضروبة بل مصبوبة في قالب كما أوضحوه في السلم.
الثانية: إذا أتلف ماءه في مفازة وقدم الحاضرة فلا يجب مثله كما صرح به الرافعي في الغصب، وفي غيره لحقارته في الحضر غالبًا بالنسبة إلى المفازة.
الثالثة: المستام.
الرابعة: المبيع المفسوخ فلا يضمن الأمرين بالمثل بل بالقيمة بلا خلاف.
قاله الروياني في "البحر".
الخامسة: اللبن في المصراة فإنه لا يضمنه إذا تلف بمثله، ولا بقيمته، بل بالثمن.
السادسة: المبيع بيعًا فاسدًا على ما تقدم.
وقد يضمن المتقوم بأكثر من قيمته، وذلك فيما إذا استعار عينًا للرهن، وباعها بأكثر من قيمتها، فإنه يضمنها بما باعها كما صححه جماعة.
قال في "الروضة" من "زياداته": وهو الصواب.
وحكى الرافعي عن أكثر الأصحاب وجوب القيمة، وقد يختلف المضمون باختلاف الضامن كما إذا افتضى بكرًا بشبهة أو نكاح فاسد، وكان من عادتهم مسامحة العشيرة، فإنه إن كان منهم سومح وإلا فلا.
قال الروياني: وليس لنا مضمون يختلف إلا هذا،
قوله وإن أنفق على العبد المبيع بيعًا فاسدًا مدة جاهلًا، فعن الصيمري أنه على وجهين.
انتهي.
والأصح منهما عدم الرجوع [كذا صححه النووي في "زيادات
الجزء: 5 - الصفحة: 137
الروضة"] 87.
قوله: وإن اشترى جارية شراءًا فاسدًا ووطئها المشتري، فإن كانا عالمين وجب الحد إن اشتراها بميتة أو دم.
وإن اشتراها بخمر أو شرط فاسد لم يجب لاختلاف العلماء.
انتهي ملخصًا.
لقائل أن يقول: قد صحح الرافعي في غير هذا الباب كالخلع والكتابة أن الميتة لا تلحق بالخمر، وقد جزم هنا بالحاقها بالدم.
قلت: السبب فيه أن النظر في الخلع والكتابة إلى ورود العقد على شيء مقصود أو غير مقصود كما هو مقرر في موضعه.
والميتة مقصودة لإطعام الجوارح، فلهذا ألحقوها بالخمر، وأوجبوا للزوج مهر المثل وللسيد قيمة الرقبة لأنهما لم يرضيا بإخراج ملكهما مجانًا.
وأما هذا الباب فإن المدار في إسقاط الحد على الأشياء التي يقول أبو حنيفة: إن الشراء بها يفيد الملك، ولقد ألحقت الحنفية الميتة بالدم في عدم التمليك به كما رأيته في كتبهم، فلهذا ألحقناه أيضًا به في وجوب الحد فاعلمه.
قوله في المسألة المذكورة: ثم إن كانت بكرًا وجب مع مهر البكر أرش البكارة.
أما مهر البكر فللاستمتاع بها، وأما الأرش فلإتلاف ذلك الجزء.
انتهى كلامه.
وهذا الذي جزم به هنا قد ذكر ما يخالفه في مواضع من الكتاب:
أحدها: في الباب الثاني من كتاب الغصب في أول الفصل الثالث منه
الجزء: 5 - الصفحة: 138
فيما إذا اشترى جارية مغصوبة ووطئها، وهما جاهلان فقال: فإن كانت بكرًا فهل عليه مهر مثلها ثيبًا، وأرش البكارة أو مهر مثلها بكرًا؛ ذكروا فيه وجهين، ورجحوا الأول.
انتهى ملخصًا.
وهذا مع ما تقدم في غاية الغرابة، فإنه جزم في الشراء الفاسد بإيجاب زيادة لم يوجبها في الغصب، ولم يحك في إيجابها خلافًا، مع اختلافهم في أن البيع الفاسد هل يغلظ فيه كما يغلظ في الغصب أم لا؟
وأما كونه أغلظ فلا قائل به.
والموضع الثاني: في كتاب الجنايات في أواخر الباب الثاني في دية ما دون النفس في الجناية على الحرة، فذكر فيها كما ذكر في الأمة في الغصب.
والموضع الثالث: في أواخر خيار النقض قبيل الإقالة فقال: ولو افتضى أجنبي الجارية المبيعة قبل القبض بغير الذكر فعليه ما نقص من قيمتها وإن افتضها به فوجهان:
أصحهما: أنه يجب عليه مهر مثلها.
والثاني: يجب أرش البكارة ومهر مثلها ثيبًا.
انتهي ملخصًا.
وهذا أيضًا مخالف لكل واحد من الموضعين الأولين فتحصلنا في هذه المسألة على ثلاثة [أجوبة] 88 متعارضة تابعه عليها النووي في "الروضة"، فالمذكور في هذا الموضع مهر بكر، وأرش بكارة.
وفي خيار النقض مهر بكر فقط، وفي الغصب والجنايات مهر وأرش بكارة.
وذكر في "المحرر" مسألة الجناية فقط، وفي "الشرح الصغير" الموضعين الأولين.
الجزء: 5 - الصفحة: 139
قوله: وإن استولدها فالولد حر للشبهة، فإن خرج حيًا فعليه قيمته يوم الولادة، وتستقر عليه القيمة بخلاف ما لو اشترى جارية واستولدها فخرجت مستحقة، فإنه يغرم قيمة الولد، ويرجع بها على البائع لأنه غره.
انتهى.
واعلم أنه سيأتي في ولد المشتري من الغاصب أنه لا يرجع على الصحيح.
قوله: وإن خرج الولد ميتًا فلا قيمة له، لكن إن سقط بجناية وجبت الغرة على عاقلة الجاني وعلى المشتري أقل الأمرين من قيمة الولد يوم الولادة والغرة.
انتهى.
سيأتي أن المغصوبة إذا ولدت من الغاصب أو من المشترى منه ولدًا ميتًا بجناية وجبت فيه الغرة على الجاني، وللمالك عشر [قيمة الأم، وقيل قيمته لو وضع حيًا، فلو زاد عشر القيمة على الغرة اقتصرنا على عشر] 89 القيمة على الصحيح.
قوله: ولو زاد في الثمن أو زاد اثبات الخيار أو الأجل أو قدرهما نظر إن كان ذلك بعد لزوم العقد لم يلحق بالعقد.
وكذا الحكم في رأس مال السَّلم والمُسْلَم فيه والصداق، وكذا الحط لا يلحق شيء من ذلك بالعقد.
وإن كان ذلك قبل اللزوم فأوجه:
أصحها عند الأكثرين: يلحق مطلقًا لأن الزيادة من أحدهما تدعو الآخر إلى إمضائه.
والثاني: لا [يجوز] 90 مطلقًا.
الجزء: 5 - الصفحة: 140
والثالث: يلحق في خيار المجلس دون الشرط.
فإن قلنا بالجواز فقال أبو على الطبري والشيخ أبو علي صاحب "التهذيب" وغيرهم: إنه مُفَرَّع على قولنا: الملك في زمن الخيار للبائع.
أو قولنا: موقوف ويفسخ العقد، فأما إذا قلنا: للمشتري فالزيادة في الثمن لا يقابلها شيء من الثمن، وكذا الأجل والخيار لا يقابلهما شيء من العوض.
وقال العراقيون: إن الجواز يطرد على الأقوال كلها وفي الحط قبل اللزوم مثل هذا الخلاف.
انتهى ملخصا.
وحاصله أنا إذا قلنا: إن الملك للبائع صح الإلحاق وإن قلنا: للمشتري: فوجهان.
وكلامه يوهم أن الحط أيضًا يجري فيه هذا التفصيل بعينه، ويمكن التمثيل له بالمعني الذي ذكره في الالحاق، ولكنه قد صرح بعكسه في الباب الثاني من كتاب الشفعة فقال: وكنا قد ذكرنا في البيع التفات الخلاف في الإلتحاق إلى الخلاف في الملك في زمن الخيار، [وعلى ذلك جرى الإمام وآخرون هاهنا فقالوا: إن قلنا: إن الخيار] 91 لا يمنع ثبوت الملك للمشتري، فكما يملك المشتري المبيع يملك البائع الثمن فينفذ تصرفه فيه بالإبراء لمصادفته ملكه.
قال الإمام: وفيه احتمال لأن الثمن متعلق حق المشتري.
وإن قلنا: الملك للبائع أو موقوف ففي صحة الحط وجهان عن القاضي.
أحدهما: الصحة لجريان الناس عليه في الأعصار الخالية.
والثانية: المنع، لأنه تصرف فيما ليس بمملوك له.
هذا كلامه.
وهو على العكس كما تقدم ذكره، ثم إنه في الشفعة جعل قول الوقف
الجزء: 5 - الصفحة: 141
كقول الملك للبائع على خلاف ما فصله هاهنا.
وقد استفدنا أيضًا مما قاله هناك أن الإبراء من أمثلة الحط.
واعلم أن ذكر الصداق في هذه الأمثلة إنما هو مفرع على قول ضعيف، وهو إثبات الخيار فيه، والصحيح خلافه.
قال -رحمه الله-:
القسم الثاني من المناهي ما لا يدل على الفساد
.
قوله في أصل "الروضة": عند التُنّاء.
هو بتاء مضمومة ثم نون مشددة ثم همزة، وهو جمع تانيء، والتانيء من يخزن الأقوات ويجمع أيضًا التانيء على وزن [الفعال بزيادة ألف وكذا كل صفة على وزن] 92 فاعل تجمع على الفعل والفعال.
قوله: وإذا جوزنا التسعير فسعر الإمام فخالفه استحق التعزير، وفي صحة البيع وجهان مذكوران في "التتمة" انتهى.
قوله: في بيع الحاضر للبادي وهو مأثوم بشروط أحدها: أن يكون عالمًا بورود النبي فيه.
وهذا شرط يعم جميع المناهي.
انتهى كلامه.
ويستثنى منه النجش فإنه يحرم على من لا يعلم، ورود النهي كما نقله بعد عن الشافعي والأصحاب وإن كان فيه نزاع قد ذكرته.
قوله.
روى أن النبي نادى على قدح، وحلس لبعض أصحابه.
. . . الحديث 93.
الجزء: 5 - الصفحة: 142
الحلس بحاء مهملة ولام ساكنة وسين مهملة كساء رقيق يكون تحت برذعة البعير.
ويقال أيضًا: حلس بفتح الحاء واللام.
قاله الجوهري.
قوله: وشرط القاضي ابن كج كتحريم البيع أن لا يكون المشتري مغبونًا غبيًا مفرطًا، فإن كان فله أن يعرفه، ويبيع على بيعه لأنه ضرب من النصيحة.
انتهى كلامه.
قال النووي في "الروضة": هذا الشرط تفرد به ابن كج، وهو خلاف ظاهر إطلاق الحديث، فالمختار أنه ليس بشرط.
قوله: واعلم أن الشافعي -رضي الله عنه- أطلق في "المختصر" معصية الناجش.
وشرط في معصية من باع على بيع أخيه أن يكون عالمًا بالحديث الوارد فيه؛ قال الشارحون: السبب فيه أن النجش خديعة، وتحريم الخديعة واضح لكل أحد، معلوم من الألفاظ العامة، وإن لم يعلم هذا الخبر بخصوصه.
والبيع على بيع الأخ إنما يعلم تحريمه من الخبر الوارد فيه، فلا يعرفه من لا يعرف الخبر.
. . . إلى آخر ما ذكره.
تابعه في "الروضة" على ذلك، وقد نص الشافعي -رحمه الله- على المسألة، وشرط في تحريم النجش أن يعلم بالحديث.
كذا نقله البيهقي في "السنن الكبير" فقال: قال الشافعي: فمن نجش فهو عاصٍ بالنجش إن كان عالمًا بنهي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. هذا لفظه بحروفه.
وقد ذكر -أي: الشافعي- في اختلاف الحديث نحوه أيضًا، والحاصل أن مذهب الشافعي في البيع على البيع، وفي النجش واحد، وهو اشتراط العلم، غير أنه سكت عن بيانه في موضع، فعلم بذلك سقوط جميع ما ذكر في هذا الفصل من التوجيه والاعتراض عليه.
والغريب أن هذا النص
الجزء: 5 - الصفحة: 143
قد نقله في "التتمة" ومعلوم كثرة نقل الرافعي عنها.
قوله: وفي جواز التفريق بين الأم وولدها بالرد بالعيب اختلاف لأصحابنا.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" والأصح فيه المنع، وستعرفه واضحًا في بابه.
قوله: وعن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي أنه إذا اشترى جارية وولدها الصغير ثم تفاسخا البيع في أحدهما جاز.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على نقله عن الشيخ وإقراره عليه، وهذا النقل صحيح، ذكره الشيخ في كتابه المسمى "بالنكت والعيون" المعقود للخلاف بيننا وبين أبي حنيفة، وإنما ذهب إليه لأن اختياره جواز التفريق بالفسخ كما صححه في باب الرد بالعيب من "المهذب"، والصحيح خلافه، فاعلم ذلك.
قوله: والتفريق بين البهيمة وولدها هو بعد استغنائه عن اللبن، وعن الصيمري حكاية وجه آخر.
انتهى.
هذا الوجه على ما قاله النووي في "الروضة" إنما هو في غير الذبح؛ أما ذبح أحدهما فجائز بلا خلاف.
قوله: وبيع الرطب والعنب ممن يتحقق أنه يتخذ منها النبيذ والخمر، منهم من قال: مكروه، ومنهم من قال: حرام.
انتهى.
والذي قاله الرافعي -رحمه الله- مثال للتصرف أو الفعل المفضى إلى المعصية.
وقد نص الشافعي -رضي الله عنه- في "الأم" 94 على المسألة فقال في آخر كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى قبيل كتاب إبطال الاستحسان ما نصه: ألا ترى أن رجلًا لو اشترى سيفًا، ونوى بشرائه أن يقتل به كان
الجزء: 5 - الصفحة: 144
الشراء حلالًا وكانت النية بالقتل غير جائزة، ولم يبطل بها البيع، وكذلك لو باع البائع سيفًا من رجل يراه يقتل به رجلًا كان هكذا.
هذا لفظه بحروفه.
فقد جوز الشراء وهو نظير البيع بلا شك لاسيما وقد ذكر بعد ذلك بأن البيع كالشراء.
وقد صحح النووي في "الروضة" التحريم على خلاف هذا النص؛ وللمسألة نظائر:
أحدها: إذا تبايع اثنان بعد النداء أحدهما عليه فرض الجمعة دون الآخر فهل يأثمان أم لا يأثم إلا من توجهت عليه الجمعة؟ فيه خلاف.
وقد تقدم الكلام عليها مبسوطًا في موضعها.
ومنها إذا غلب على ظنه أن المسلم عليه لا يرد السلام ففي "الروضة" من "زياداته" في أثناء كتاب السير أنه يسلم.
ومنها: إذا نسج حريرًا خالصًا وكان ذلك لا يستعمله إلا الرجال: قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في "الفتاوي الموصلية": فيكره ذلك كراهة شديدة لأنه إعانة على المعصية.
قال: ولا يبعد تحريمه.
وذكر الشيخ تقي الدين ابن رزين هذا المسألة في "فتاويه" أيضًا.
وقال: إنه يحرم.
وهو مقتضى كلام العماد بن يونس في "فتاويه" أيضًا.
ومنها: إذا صلى إلى سترة فإنه لا يجب عليه دفع المار بينه وبينها.
بل يستحب وإن كان المرور حرامًا.
وقد سبق الكلام عليها في موضعها مبسوطًا] 95.
الجزء: 5 - الصفحة: 145
ومنها: قال الإمام: لا يجب اليمين قط.
قال الشيخ عز الدين في "القواعد الكبرى": وليس على إطلاقه، بل يمين المدعي عليه إن كانت صادقة وكان المدعي بها مما لا يباح بالإباحة كالربا وكالدماء والأبضاع.
فإن علم أن خصمه لا يحلف إذا نكل فيتخير إن شاء حلف، وإن شاء نكل.
وإن علم أنه يحلف أو غلب على ظنه فلا يحل النكول.
وإن كان يباح بالإباحة، وعلم أو ظن أنه لا يحلف تخير أيضًا، وإلا فالذي أراه أنه يجب الحلف دفعًا لمفسدة كذب الخصم.
قال: وهذا التفصيل جارٍ في يمين المدعي.
قوله: وليس من المناهي بيع العينة.
هو بعين مهملة مكسورة ثم ياء بنقطتين من تحت وبعدها نون.
قوله: وعن الصميري أن بيع المصحف مكروه.
قال: وقد قيل: إن الثمن متوجه إلى الدفتين لأن كلام الله تعالى لا يباع، وقيل: إنه بدل من أجرة النسخ.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما نقله عن الصميري من كراهة البيع قد نص عليه الشافعي كما قاله النووي من "زياداته" [وصححه في "شرح المهذب"] 96 قال: وقال الروياني وغيره: لا يكره.
الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" قد أسقط الخلاف في الثمن المأخوذ عن المصحف، ولم يذكره في "الروضة".
قوله من "زوائده": قال صاحب "التلخيص": نهى عن بيع الماء، وهو محمول على ما إذا أفردنا ماء عين أو بئر أو نهر بالبيع.
الجزء: 5 - الصفحة: 146
فإن باعه مع الأرض بأن باع أرضًا مع شربها من الماء في نهر أو وادٍ صح، ودخل الماء في البيع.
انتهى كلامه.
وما ذكره من صحة البيع فيهما قد ذكر ما يخالفه في أواخر إحياء الموات، فصحح في الأرض دون الماء وسأذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى فراجعه.
الباب الرابع: من جهة تفريق الصفقة
قوله: وإذا جمع بين شيئين أحدهما: يجوز العقد عليه، والآخر لا يجوز، كمن باع عبده وعبد غيره صفقة واحدة ففي صحة البيع في عبده قولان:
أصحهما: أنه يصح.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ترجيح الرافعي وغيره الصحة ليس هو مذهب الشافعي -رحمه الله- فإنه إذا كان للمجتهد في المسألة قولان، وعلم المتأخر منهما كان الأول مرجوعًا عنه، والثاني هو مذهبه بلا نزاع.
والقول بالصحة قد رجع عنه، واستقر مذهبه على القول بالبطلان.
كذا ذكره الربيع في "الأم" بل كتاب اللقطة الصغير وعبر بقوله: إن البطلان هو آخر قوليه، وهذه دقيقة غفلوا عنها ينبغي التفطن لها، لاسيما وهي جارية في أبواب كثيرة.
الأمر الثاني: أنه يستثني مما قاله الرافعي في هذه القاعدة مسائل.
إحداها: إذا أجر الراهن العين المرهونة مدة تزيد على محل الدين، فإن الصحيح على ما قاله الرافعي في الرهن بطلان الكل.
وقال الماوردي والمتولي: يبطل في القدر الزائد وفي الباقي قولا تفريق الصفقة.
الجزء: 5 - الصفحة: 147
وحينئذ يصح على الصحيح بقسطه من الأجرة.
الثاني: إذا استعار شيئًا ليرهنه بدين فزاد عليه بطل في الكل على الصحيح في الرافعي، وقيل يخرج على هذا الخلاف.
الثالث: إذا فاضل في الربويات حيث منعناه كما لو باع صاعًا بصاعين فإن يبطل في الجميع، وكان القياس تخريجه على القاعدة المعروفة إذا قلنا: يخير بكل الثمن حتى يبطل العقد في صاع، وفي الباقي القولان.
الرابع: إذا زاد في العرايا على القدر الجائز، وهو خمسة أوسق أو دونها فإنه يبطل في الكل، ولم يخرجوه على هذه القاعدة.
قوله في المسألة المذكورة: واختلف في تعليل [المنع] 97 فقيل: لأن اللفظة واحدة لا يتأتى تبعيضها، وقيل: لأنه لا يدري حصة كل منهما عند العقد فيكون الثمن مجهولًا، ويبنى على العلتين ما لو جمع بينهما فيما لا عوض فيه كما لو رهنهما أو وهبهما، أو فيه عوض لا يفسد بفساده كما لو عقد على مسلمة ومجوسية أو يفسد لكن لا جهالة فيه كبيع العبد المشترك.
فعلى الأول يأتي القولان في هذه الصورة، وعلى الثاني تكون صحيحة جزمًا.
انتهى.
لم يصحح أيضًا شيئًا من هذا الخلاف هنا في "الشرح الصغير" ولا في "الروضة"، والصحيح هو الأول فقد جزم بطريقة القولين في الباب الأول من أبواب الرهن، وسأذكر لفظه هناك.
وجزم بها أيضًا في "المحرر" فإنه مثل بالعبد المشترك وخرجها على القولين، واختلف فيه كلام النووي في "شرح المهذب" فقال في أوائل باب تفريق الصفقة ما نصه: فإن قلنا: لا يصح ففي عكسه وجهان، وقيل: قولان:
الجزء: 5 - الصفحة: 148
أصحهما: الجمع بين حلال وحرام.
والثانية: جهالة العوض المقابل للحلال.
انتهى.
وحينئذ فمقتضى هذا الكلام أن الصحيح في ما لا عوض فيه هو طريقة القولين.
وقال بعد ذلك بنحو ورقة: فرع:
لو رهن عبده، وعبد غيره، أو عبده وحرًا أو وهبهما أو زوج موليته وغيرها، أو مسلمة ومجوسية، أو حرة وأمة لمن لا تحل له الأمة، فإن صححنا البيع في الذي يملكه فهاهنا أولى، وإلا فقولان بناءً على العلتين، إن عللنا بجاهلة العوض صح.
إذ لا عوض هنا؛ وإن عللنا بالجمع بين حلال وحرام فلا.
وإن شئت قلت: فيه طريقان:
المذهب: الصحة.
والثاني: قولان.
انتهى كلامه.
فتصحيحه لطريقة القطع مناقض لما قدمه.
قوله: ولو اشترى عبدين فتلف أحدهما قبل القبض فطريقان:
أحدهما: على القولين.
وأظهرهما: القطع بعدم الانفساخ.
انتهى ملخصًا.
وما صححه هاهنا من طريقة القطع قد جزم بعد ذلك بما يخالفه فقال في الكلام على حكم المبيع قبل القبض ما نصه: إذا اشترى عبدين، وتلف أحدهما قبل القبض انفسخ البيع فيه، وفي الباقي قولا تفريق الصفقة.
هذا لفظه.
ووقع الموضعان كذلك في "الروضة" و"الشرح الصغير" وجزم في "المحرر" بطريقة القولين، لكن عدل النووي في "المنهاج" عن التعبير،
الجزء: 5 - الصفحة: 149
بالقولين، وعبر بالمذهب، وهذه العبارة ليس فيها تصريح بتصحيح أحد الطريقين.
ووقع في "الشرح الكبير" و"الروضة" موضع ثالث جزم فيه بطريقة القولين أيضًا، وسلم منه "الشرح الصغير" وهو قبل مداينة العبيد في أول الكلام على وضع الحوائج.
قوله في المسألة: والطريقان جاريان فيما إذا تفرقا في السلم وبعض رأس المال غير مقبوض أو في الصرف وبعض العوض غير مقبوض.
انتهي.
هذه المسألة فيها كلام سبق في باب الربا فليراجع منه.
قوله: القسم الثاني: أن يكون اختياريًا كمن اشتري عبدين صفقة واحدة فوجد بأحدهما عيبًا فهل له إفراده بالرد؟ فيه قولان:
أظهرهما: لا.
ثم قال: فإن لم نجوز الإفراد فقال: رددت المعيب فهل يكون ذلك ردًا لهما؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا، بل هو لغو.
انتهى كلامه.
وما ذكره من كونه لغو حتى يكون رجوعه كعدمه ولا يترتب عليه شيء، قد تابعه عليه في "الروضة" وقياس المذهب أن يكون ذلك مسقطًا لخياره فإنه إعراض واشتغال بما لا يفيد، وتقصير.
وحينئذ فلا يتمكن بعد ذلك من الفسخ على خلاف ما يوهمه كلامه.
قوله: ولو تلف بعد ذلك أحد العبدين أو باعه، ووجد بالباقي عيبًا ففي إفراده بالرد قولان، ثم قال: فإن قلنا: لا يجوز: فوجهان، ويقال: قولان:
أصحهما: أنه لا فسخ.
والثاني: أنه يضم قيمة التالف إلى الباقي ويردهما ويفسخ العقد، وهو اختيار القاضي أبي الطيب، واحتج له بأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر في المصراة برد الشاة وبدل اللبن الهالك.
انتهي كلامه.
الجزء: 5 - الصفحة: 150
وهذا الذي حكاه عن القاضي أبي الطيب غلط، وعلى العكس، مما ذكره في "تعليقه"، فإنه حكى عن بعض أهل خراسان أنه يرد الباقي وقيمة التالف أخذًا من المصراة.
ثم رد عليه القاضي فقال في باب الخراج بالضمان في فصل أوله، قد ذكرنا أنه إذا اشترى ما نصه: وقال بعض أهل خرسان بفسخ العقد على هذا القول فيهما جميعًا، ثم يرد الباقي بقيمة التالف ويسترجع كما قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في المصراة أنه يرد الشاة وقيمة اللبن ويسترجع جميع الثمن، وهذا خطأ، ومخالف لنص الشافعي.
هذا لفظ القاضي بحروفه ومن "تعليقه" نقلت.
واعلم أن صاحب "الشامل" نقل كلام القاضي بعبارة موهمة فقال: حكى القاضي أبو الطيب عن بعض أهل خراسان أنه يفسخ العقد.
قال: وهذا هو السنة لحديث المصراة، ثم إن صاحب "البيان" نقل كلام ابن الصباغ متوهمًا أن الضمير في (قال) عائد على القاضي فأبرزه فقال: قال القاضي: وهذا هو السنة فيظهر والله أعلم أن يكون وقوع هذا هو السبب فيما وقع للرافعي لما علم من كثرة نقل الرافعي عن "البيان" وكثرة نقل "البيان" عن "الشامل" ونقل "الشامل" عن تعليق أبي الطيب.
قوله في المسألة: فعلى هذا -يعني رد الباقي مع قيمة التالف- لو اختلفا في قيمة التالف فالقول قول المشتري لأنه غارم، وروي في "التتمة" وجهًا أن القول قول البائع.
انتهى.
زاد في "الروضة" على هذا فقال: إنه وجه شاذ، وما ادعياه من كونه وجهًا وزاد عليه النووي فجعله شاذًا ليس كذلك، فقد نص عليه الشافعي في "البويطي"، فإنه قد نص على أنه يضم قيمة التالف إلى
الجزء: 5 - الصفحة: 151
الموجود ويردهما، وعلى أنهما إن تنازعا في القيمة فالقول قول البائع.
وأما نقله ذلك عن "التتمة" فغلط، فإنه عبر بقوله: المذهب المشهور أن القول قول المشتري، وفيه طريقة أخرى أن القول قول البائع.
هذا لفظه.
والطريقة قد يراد بها القول، وقد يراد بها الوجه.
ثم صرح -يعني صاحب "التتمة" بعد ذلك بأسطر أن الخلاف قولان.
واعلم أن التفريع أنما هو في منع الرد فيما تلف بعضه، فأما التفريع على الذي قد باع بعضه فلم يذكره هنا، بل ذكره في أواخر الرد بالعيب بنحو خمسة أوراق من "الروضة" تقريبًا.
قوله: لو باع شيئًا يتوزع الثمن على أجزائه بعضه له، وبعضه لغيره، كما لو باع عبدًا يملك نصفه ترتب ذلك على ما لو باع عبدين أحدهما له والآخر لغيره.
فإن صححنا فيما يملكه فكذلك هاهنا، وإلا فقولان:
إن عللنا بالجمع بين الحلال والحرام لم يصح.
وإن عللنا بجهالة الثمن صح لأن حصة المملوك هاهنا معلومة.
ثم قال: ولو باع جملة الثمار وفيها عشر الصدقة، وقلنا: لا يصح في قدر الزكاة فالترتيب في الباقي كما ذكرنا فيما لو باع عبدًا له نصفه، ولو باع أربعين شاة وفيها قدر الزكاة، وفرعنا على امتناع البيع في قدر الزكاة فالترتيب في الباقي كما مر فيما لو باع عبده وعبد غيره.
انتهى.
وهذا الذي قاله في الشياه مشكل لأنهم اختلفوا في كيفية الشركة على وجهين حكاهما الرافعي في الزكاة من غير ترجيح:
أحدهما: أن الواجب ربع عشر كل شاة.
الجزء: 5 - الصفحة: 152
والثاني: شاة مبهمة.
وحينئذ فنقول: إن قلنا بالشيوع فيكون كمن باع عبدًا يملك نصفه لا قلنا باع عبده وعبد غيره كما يقوله الرافعي.
وإن مكن بالإبهام فلا يصح قطعًا لعدم التعيين.
قوله: ومما يتفرع على هاتين العلتين لو ملك زيد عبدًا وعمرو عبدًا فباعاهما صفقة واحدة بثمن واحد ففي صحة العقد قولان.
وكذا لو باع من رجلين عبدين، لهذا عبد، ولهذا عبد بثمن واحد [إن عللنا] 98 بالجمع بين الحلال والحرام صح.
وإن عللنا بجهالة العوض لم يصح لأن حصة كل واحد منهما مجهولة.
انتهى كلامه.
وهذا البناء ذكره البغوي فتابعه عليه الرافعي، ثم قال -أعني الرافعي- في الباب الثاني من كتاب الصداق أنه لا فرق بين أن يبيعا بأنفسهما أو بوكيلهما.
إذا علمت ذلك ففيه أمور:
أحدها: أن الصحيح من هذا الخلاف هو عدم الصحة كما صححه النووي في "تصحيح التنبيه".
الأمر الثاني: أنه يستثنى ما إذا اختلط حمام برج بغيره، ولم يتميز أحدهما من الآخر، فإنه يجوز لأحدهما أن يبيع نصيبه لصاحبه على الأصح، وإن كان مجهول القدر والصفة.
كذا قاله الرافعي في كتاب الصيد، وعلل بالضرورة، وكذا البيع لثالث على كلام فيه للرافعي قال: وهكذا إذا انصبت حنطته على حنطة غيره أو مائعه على مائع غيره، لكن لو باع نصيبه لثالث لم يجز.
الجزء: 5 - الصفحة: 153
الثالث: لقائل أن يقول: إن هذا يستقيم في العقد الواحد، وهاهنا عقدان لأن الصفقة تتعدد للبائع قطعًا، وتتعدد للمشتري على الصحيح فينبغي الجزم بالبطلان.
قوله: ولو اشتري حرًا أو عبدًا، أو خلًا أو خمرًا أو مذكاة وميتة وقلنا: بالأصح، وهو أنه يصح [فيما يصح] 99 وأن الإجازة بالقسط ففي كيفية التوزيع وجهان:
أصحهما عند الغزالي أنه ينظر إلى قيمتها عند من يرى لها قيمة.
والثاني: تقدر الخمر خلًا ويوزع عليهما باعتبار الأجزاء، وتقدر الميتة مذكاة، والخنزير شاة.
وقيل: تقدر الخمر عصيرًا والخنزير بقرة.
انتهى ملخصًا.
اعلم أن هذه المسألة فرد من أفراد قاعدة متكررة في أبواب وهي أنه إذا اشتمل العقد على ما لا قيمة له عندنا فهل تعتبر قيمته عند أهله أو نقدره بما يشبهه مما له قيمة عندنا؟
وإذا قدرنا، فما الذي نقدر به؟ .
وهذه القاعدة قد حصل فيها اختلاف شديد في الكتاب، وقد عرفت ما قاله هنا.
وقال في أثناء الباب الأول من كتاب الوصية: وإذا خلف ثلاثة كلاب وأوصى بواحد منها ففي كيفية اعتباره من الثلث أوجه:
أصحها وبه قطع بعضهم: أنه ينظر إلى عدد الرؤوس وينفذ في واحد منها.
والثاني: ينظر إلى القيمة بتقدير المالية.
الجزء: 5 - الصفحة: 154
والثالث: تقوم منافعها، ولو لم يخلف إلا كلبًا وطبل لهو وزق خمر محترمة فأوصى بواحد منها فلا يجرى الوجه الأول ولا الثالث لأنه لا تناسب بين الرؤوس ولا بين المنافع فيتعين اعتبار القيمة.
انتهى.
ثم ذكر المسألة أيضًا في باب نكاح [المشركات في الكلام] 100 على ما تستحقه المرأة إذا أصدقها زوجها المشرك صداقًا فاسدًا فقبضت بعضه ثم أسلما فقال: فإن سموا جنسًا واحدًا متعددًا كخنزيرين فهل يعتبر عددهما أو قيمتهما بتقدير ماليتهما؟ فيه وجهان أصحهما: الثاني، وإن سموا جنسين فأكثر كزقى خمر وكلبين وثلاث خنازير، وقبضت أحد الأجناس، فهل ينظر [إلى] 101 الأجناس فكل جنس في هذه الصورة ثلث أم إلى الأعداد فكل فرد سبع أو إلى القيمة بتقدير المالية؟ فيه أوجه أصحها الثالث.
وإذا قلنا: ففيه أوجه:
أصحها: أنه تعتبر قيمتها عند أهلها.
والثاني: يتقدر الخمر خلًا، والخنزير بقرة، والكلب شاة.
والثالث: يقدر الكلب، فهدًا لاشتراكهما في الاصطياد، والخنزير حيوانا يقاربه في الصورة والفائدة.
انتهي.
وقال في أوائل الصداق: ولو أصدقها خمرًا أو خنزيرًا أو ميتة فقولان:
أصحهما: وجوب مهر المثل.
والثاني: يرجع إلى بدل المسمى؛ فعلى هذا تقدر الميتة مذكاة.
وأما الخنزير فقال الغزالي هنا: إنه يقدر شاة.
وقال الإمام وصاحب "التهذيب": يقدر بقرة.
الجزء: 5 - الصفحة: 155
وأما الخمر فتقدر عصيرًا ويجب مثله.
وقد حكينا في نكاح المشركات وجهًا أنه يقدر خلًا، ولم يذكروا هناك اختيار العصير، والوجه التسوية.
ووجهًا أنه تعتبر قيمة الخمر عند أهلها، وينبغي ترجيحه كما سبق فيه، وفي البيع.
انتهى ملخصًا.
وقد تابعه النووي في "الروضة" على هذه المواضع وزاد هنا -أعني في البيع- فقال قلت: هذا الذي صححه الغزالي هو احتمال الإمام، والأصح هو الثاني وبه قطع الدارمي والبغوي وآخرون، وحكاه الإمام عن طوائف من أصحاب القفال، والله أعلم.
وحاصله ما تقدم من الاختلاف قد وقع في هذه المسألة ثلاثة أوجه:
أحدها: أن النووي صحح في البيع التقدير لا تقويمها عند أهلها، وصحح في نكاح المشركات العكس، وأشار في الصداق لترجيحه، وقطع هو والرافعي في الوصية بالتقويم بتقدير المالية.
الثاني: أنهما صححا في الجنس الواحد في نكاح المشركات النظر إلى قيمته بتقدير المالية لا إلى العدد، وصححا في الوصية العكس.
الثالث: أنا إذا قلنا بالتقدير ففي البيع أن الخنزير يقدر شاة، وقيل: بقرة، وفي الصداق يقتضى ترجيح العكس لأنه نقله عن الإمام والبغوي ونقل التقدير بالشاة عن الغزالي وحده، وفي نكاح المشركات لم يذكر الشاة بالكلية.
وأما الخمر ففي البيع أنه يقدر خلًا، وقيل: عصيرًا وهو موافق لنكاح المشركات، لكن في الصداق أنه يقدر بالعصير.
ثم قال: وقياسه أن يجئ فيه وجه بتقديره خلًا.
الجزء: 5 - الصفحة: 156
واعلم أن ما نقله عن الإمام في الصداق من تقدير الخنزير بقرة ليس له ذكر في "النهاية" في شيء من هذه المواضع.
قوله: ولو اشترى عبدين فتلف أحدهما قبل القبض فأجاز فالواجب قسطه من الثمن، وعن أبي إسحاق المروزي طرد القولين فيه.
انتهى.
وما ذكره هنا من حكاية الخلاف هو الصواب، وادعى في "المحرر" أنه لا خلاف فيه فقال: وتكون الإجازة بالحصة بلا خلاف، وعبر عنه في "المنهاج" بقوله: قطعًا.
وسبب الذي قاله في "المحرر" أن الرافعي لم يحك هذا [الخلاف] 102 عند ذكر المسألة في موضعها، بل حكاه في أثناء الباب.
قوله: فرع:
ولو باع شيئًا من مال الربا بجنسه ثم خرج بعض أحد العوضين مستحقًا، وصححنا العقد في الباقى وأجاز فالواجب حصته بلا خلاف لأن الفصل بينهما حرام، انتهى.
وما ادعاه من عدم الخلاف قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" وليس كذلك، فقد رأيت في هذا الباب من "الكافي" للخوارزمي الجزم بتخريج المسألة على القولين المعروفين في أنه يخير بالكل أو بالبعض وكذلك إذا خرج أحدهما لا قيمة له.
قوله: فرع آخر:
باع معلومًا ومجهولًا، وقلنا بتفريق الصفقة ففي صحته في المعلوم قولان مبنيان على أنه كم يلزمه من الثمن؟ إن قلنا: الجميع صح.
وإن قلنا: الحصة فلا لتعذر التوزيع.
انتهى ملخصًا.
الجزء: 5 - الصفحة: 157
وصورة المجهول أن يقول: بعتك هذا العبد وعبدًا آخر، وبه صور في "شرح المهذب" تبعًا للشيخ أبى حامد، والجرجاني وغيرهما.
أما لو كان مجهولًا عند العاقد فقط، ولكنه كان معينًا في نفس الأمر كما لو باع حاضرًا وغائبًا، وقلنا بفساد بيع الغائب، ففي صحة الحاضر القولان المعروفان فيما إذا باع عبده وعبد غيره.
قاله البغوي في "فتاويه".
قوله في المسائل الدورية فيما إذا باع كرًا جيد بكر رديء يتقابلا لأن البيع لا ينفذ إلا في الثلث، والإقالة إنما تصح في ثلث مال المقيل.
انتهى.
وهذا التعبير غير مستقيم، والصواب أن يقول: لأن المحاباة فيهما إنما تنفذ في الثلث، وأما ما يصحان فيه فلا، ثم قال: فيأخذ ثلث عشرة ونصف شيء.
انتهى.
مراده بنصف الشيء ما صحت فيه المحاباة بالبيع وبالعشرة ما يبطل فيه البيع، وما صح فيه زيادة على المحاباة، فكأنه إنما اعتبر ثلث ذلك لأنه قدر محاباة المقيل، وهو مخالف لما في "النهاية"، فإنه اعتبر النصف فقال: تصح الإقالة في شيء، ويرجع إليه نصف ذلك لأن الإقالة إذا صحت في خمسة أثمان فهي عشرة، ورجع إليهم خمسة وكان بقى في أيديهم مما يبطل به البيع سهم ومما بطلت فيه الإقالة أربعة، فقد صح في عشرة ورجع إليهم خمسة فمجموع ما معهم عشرة، ضعف المحاباة وهي خمسة.
هذا كلامه.
ثم أوضحه الإمام بطريقة الخلاف.
قوله: وأما القسم الثاني وهو أن تجمع الصفقة عقدين مختلفين في الحكم كإجارة وسَلَم ففيه قولان:
أصحهما: أن العقد يصح فيهما.
انتهى.
الجزء: 5 - الصفحة: 158
فيه أمور:
أحدها: أن الرافعي قد ذكر في آخر الباب الأول من كتاب المسابقة ما حاصله أن شرط القولين أن لا يكون أحد العقدين لازمًا والآخر جائزًا، فقال: فرع أورده الصيدلاني وغيره أنه لو اشترى منه ربويًا وعَقَدَ عَقْدَ المسابقة بعشرة، فإن جعلنا المسابقة لازمة فهو كما لو جمع في صفقة واحدة بين بيع وإجارة، وفيه قولان.
وإن جعلناها جائزة لم يجز لأن الجمع بين جعالة لا تلزم، وبيع يلزم في صفقة واحدة لا يمكن هذا لفظه.
الأمر الثاني: أنه يرد عليه ما إذا باع عبدين، وشرط الخيار في أحدهما أو شرط في أحدهما خيار يوم، وفي الآخر يومين، فإنه عقد واحد بلا خلاف، لأن تعدد العقد إما لتعدد البائع أو المشتري أو لتفصيل الثمن، وجميعها منتف هنا، ومع ذلك فهو على القولين كما صرح هو به في الكلام على أسباب الخيار.
وكذلك إذا اشتمل العقد على ما يشترط فيه التقابض وما لا يشترط كصاع حنطة، وثوب بصاع شعير فإنه عقد واحد، وفيه القولان.
كما ذكره الرافعي في قاعدة مُدّ عجوة؛ قال: ومثله البيع والصرف.
الأمر الثالث: أنه لو خلط ألفين بألف [لغيره وقال صاحب الألفين: شاركتك على إحداهما وقارضتك على الأخرى] 103 فقيل صح ولا يخرج على الجمع بين مختلفى الحكم، وإن كانا عقدين كما صرح هو به أيضًا في باب القراض.
قال: لأنهما راجعان إلى الإذن في التصرف، ثم إن التقييد بكون العقدين مختلفى الحكم، هل هو تكرار أم احتراز عن شيء؟ [فليتأمل
الجزء: 5 - الصفحة: 159
وحذف في "المنهاج" لفظ (عقدين) مع ذكر الرافعي له في "المحرر"] 104. وذكره هو له في "الروضة" فقال: وإن جمع بين مختلفى الحكم ويرد عليه ما إذا باع شقصًا وسيفًا فإنه يصح جزمًا كما صرح به الرافعي هنا لكونه عقدًا واحدًا، وإن كان الشقص يؤخذ بالشفعة بخلاف السيف.
قوله: ولو جمع بين البيع والنكاح صح النكاح بلا خلاف، وفي البيع والمسمى في النكاح القولان.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على دعوى نفي الخلاف في النكاح وكذا ذكره الرافعي أيضًا في "الشرح الصغير"، وليس كذلك لأن النكاح يفسد بفساد الصداق على قول قديم مشهور مذكور في الصداق وقد فسد.
الصداق هنا على قول فيفسد بفساده أيضًا النكاح، وقد صرح بحكايته هنا ابن يونس في "شرح التنبيه".
قوله: وتتعدد الصفقة بتفصيل الثمن كقوله: بعتك هذا بكذا، وهذا بكذا، وبتعمد البائع، وكذا بتعدد المشتري في أصح القولين.
انتهى ملخصًا.
وهذا الذي قرره من الجزم بالتعدد عند تعدد البائع والخلاف عند تعدد المشتري إنما هو خاص بهذا الباب.
فأما العرايا والشفعة فبالعكس.
أما العرايا فقد تقرر أن الزيادة على خمسة أوسق في عقد واحد ممتنعة، وكذا الخمس على الصحيح، بل لابد من النقصان، ويجوز ذلك في عقود.
فإذا اشترى رجلان بسبعة أوسق مثلًا من رجلين فجوازه واضح وإن اشترى رجلان من رجل جاز جزمًا، فإن كان بالعكس كما إذا اشترى رجل من رجلين [فيجوز] 105 على الصحيح كما هو مذكور في موضعه، وهو
الجزء: 5 - الصفحة: 160
بالعكس مما تقدم.
وأما الشفعة فقد تقرر أنه لا يجوز للشفيع تبعيض الصفقة الواحدة على المشتري، فلو اشترى رجلان من رجل كان للمشتري أن يأخذ نصيب أحدهما جزمًا.
وإن اشترى رجل من رجلين فوجهان، والصحيح الجواز وهو أيضًا عكس ما تقدم، وقد ذكره الرافعي هنا.
قوله: وإذا قلنا: تتعدد الصفقة بتعدد المشتري فخاطب واحد رجلين فقال: بعتكما هذا العبد بألف فقبل أحدهما نصفه بخمسمائة فأصح الوجهين أنه لا يصح لأن الايجاب وقع جملة، وهو يقتضي جوابهما جميعًا.
انتهى ملخصًا.
وعدم الصحة نقله الإمام عن الأصحاب، وصححه البغوي ثم الرافعي؛ لكن الأكثرون على خلافه، فقد جزم بالصحة الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ والماوردي والبندنيجي والجرجاني.
وقال المتولي: إنه المذهب؛ والإمام: إنه أظهر في القياس، ورجحه الغزالي والروياني في "الحلية" وكذلك ابن الرفعة، واستدل عليه بأنه لو توقف صحة قبول أحدهما على قبول الأخر لم يصح العقد.
قوله: وقد يعرض للناظر تخريج خلاف في تعدد الصفقة بتعدد البائع من وجهين ذكروهما فيما إذا باع رجلان عبدًا مشتركًا بينهما من إنسان، هل لأحدهما أن ينفرد بأخذ شيء من الثمن؟ وجهان.
أحدهما -وبه قال المزني-: أنه لا ينفرد.
ولعلنا نذكرهما بتوجيههما في غير هذا الموضع.
انتهى كلامه.
قد ذكر الرافعي -رحمه الله- هذين الوجهين في آخر كتاب الشركة، وقال: أرجحهما: أن له الإنفراد كما لو انفرد بالبيع.
والثاني: لا، بل يشاركه شريكه فيما يقبض كالميراث، وقد ذكر أيضًا
الجزء: 5 - الصفحة: 161
هناك خلافًا وفروعًا متعلقة بالمسألة.
قوله أيضًا تفريعًا على القول المتقدم وهو التعدد بتعدد المشتري: ولو وكل رجلان رجلًا أو بالعكس فالأصح عند الأكثرين أن العبرة بالعاقد.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الرافعي في "المحرر" صحح أن العبرة بالموكل وغيره النووي في "المنهاج" فعدل إلى التعبير بالوكيل، واعتذر عنه في "الدقائق"، والفتوى على الأول لنقله إياه عن الأكثرين، وكذلك نقله في "الشرح الصغير" و"التذنيب".
الثاني: أن هذا الخلاف لا يطرد في سائر الأبواب فإنه إذا وكل رجلان رجلًا في رهن عبدهما عند زيد بما عليهما من الدين له، ثم قضى أحد الموكلين دينه فإن المذهب القطع بانفكاك نصفه، ولا نظر إلى اتحاد الوكيل وتعدده، كذا ذكره في "شرحه الكبير" و"الصغير" ونقل عن الإمام توجيه ذلك فقال: قال الإمام لأن مدار الباب على اتحاد الدين وتعدده، ومتى تعدد المستحق أو المستحق عليه تعدد الدين، ويخالف البيع والشراء حيث ذكرنا خلافًا لأن الرهن [ليس] 106 بعقد ضمان حتى ينظر فيه إلى المباشر.
هذا كلامه.
وفي العرايا والشفعة والرهن كلام في التعدد على غير هذا النحو فراجعه.
قوله: ويتفرع على هذه الوجوه فروع: أحدها: لو اشترى شيئًا بوكالة رجلين فخرج معيبًا وقلنا: الاعتبار بالعاقد فليس لأحد الموكلين إفراد نصيبه بالرد كما لو اشترى فمات عن
الجزء: 5 - الصفحة: 162
ابنين، وخرج معيبًا لم يكن لأحدهما إفراد نصفه بالرد، ثم قال بعد ذلك بأسطر ما نصه: ولو وكَّل رجلان رجلًا بشراء عبد أو وكل رجل رجلًا يشتري عبدًا له فيه نصفه، ففعل وخرج العبد معيبًا.
. . . إلى آخره.
تبعه في "الروضة" على ذلك، وهذا الفرع الذي ذكره ثانيًا هو الفرع الأول بعينه، وإنما التعبير مختلف فاعلمه.
قال -رحمه الله-: النظر
الثاني في لزوم العقد
، والأصل في البيع الرؤية والخيار عارض ثم هو ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: خيار التروي وله سببان: الأول: خيار المجلس:
قوله: [الثالثة] 107: الصحيح أن بيع العبد من نفسه جائز، وعلى هذا فهل فيه خيار المجلس؟
قال في الكتاب: لا.
وبمثله أجاب في "التتمة" حيث نزله منزلة الكتابة.
وذكر أبو الحسن العبادي مع هذا وجهًا آخر أنه يثبت فيه الخيار، ومال إلى ترجيحه.
انتهى كلامه.
لم يصحح أيضًا في "الروضة" شيئًا من هذا الخلاف وقد مال القاضي الحسين إلى ترجيح ثبوته أيضًا، والصحيح عدم الثبوت.
كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير" والنووي في "شرح المهذب" ولم يتعرض للمسألة في "المحرر".
قوله: الرابعة: في ثبوت الخيار في شراء الجمد في شدة الحر وجهان لأنه يتلف بمضي الزمان.
انتهى.
الجزء: 5 - الصفحة: 163
والأصح الثبوت.
كذا صححه النووي في "شرح المهذب"، [قوله] 108 ولا يثبت في الشفعة للمشتري وفي ثبوته للشفيع وجهان، قإن أثبتناه فقيل: معناه أنه بالخيار بين الأخذ والترك مادام في المجلس مع تفريعنا على قول الفور قال إمام الحرمين: هذا غلط، بل الصحيح أنه على الفور، ثم له الخيار في نقض الملك ورده.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن الرافعي قد اختلف كلامه في هذه المسألة فصحح في كتاب الشفعة من هذا الكتاب أنه يثبت فقال: والأظهر الثبوت، ويحكى عن نصه في اختلاف العراقيين، وصحح عكسه في "المحرر" هنا أي في البيع فقال: الأصح أنه لا يثبت، وهو الذي صححه النووي في كتبه كلها، ونقله في الشفعة من "زوائده" عن الأكثرين.
الثاني: أن الأصح من الوجهين الأخيرين هو ما استصوبه الإمام.
كذا صرح بتصحيحه في "شرح المهذب"، وهو مقتضى كلام الرافعي في الشفعة.
الثالث: سيأتيك في الشفعة أن الشفيع لا يملك بمجرد الأخذ، بل بد معه من أحد ثلاثة أمور: إما بذل الثمن، وإما رضي المشتري بذمة الشفيع، وإما حكم الحاكم بثبوت الشفعة [وفي معناه الإشهاد على وجه وسوف أذكر هذا الموضوع إن شاء الله تعالى في الشفعة] (1) للتنبيه فيه على أمر مهم.
إذا علمت ذلك فهل المراد بالمجلس المختلف فيه مجلس الأخذ أو مجلس التملك؟ لم يصرح به الرافعي، ولكن المراد الثاني فتفطن له وافهمه.
الجزء: 5 - الصفحة: 164
ويدل عليه تعبير الرافعي بقوله: ثم له الخيار في نقض الملك، وذكر مثله في "الوسيط" في الشفعة فقال بعد التملك: إذا تقرر ذلك فإن ملك ببذل الثمن فله الخيار ما لم يفارق ذلك المجلس.
فإن فارقه المشتري ففي انقطاع الخيار وجهان حكاهما الرافعي في الشفعة من غير ترجيح.
وإن ملك بقضاء القاضي أو بالإشهاد فيظهر أن يأتي فيه ما ذكرناه من جريان الخلاف، ومن كونه هل ينقضي بمفارقته خاصة؟ لم تلتحق به مفارقة القاضي والشهود.
كذا قاله في "المطلب" في الشفعة، وعلى هذا فهل ينقطع بمفارقة بعض الشهود أم لابد من مفارقة الجميع أم يعتبر النصاب؟ فيه نظر، والمتجه الثاني.
قال: وإن ملك بالرضي فالذي يظهر أن خيار المجلس يثبت للمشتري لأنه منزل في هذه الحالة بمنزلة البائع بالنسبة إلى حق الحبس كما صرح به الإمام، فكذلك ما نحن فيه.
ويؤيده قول الإمام أن الملك إذا حصل في الشقص المشفوع برضي المشتري، فالأمر في الخيار كما سلف.
قال: وإذا أثبتناه في هذه الصورة ففي خيار الشرط احتمالان أشبههما الثبوت لأن الملك لما توقف في هذه الحالة على الاختيار من الجانبين أشبه البيع.
الأمر الرابع: أن الخلاف بعد الأخذ وقبل التملك ثابت في وجه آخر وهو أنا إذا قلنا: الشفعة على الفور، ومع ذلك خيرناه في المجلس بين الأخذ والترك كما تقدم من حكايته.
فإذا صرح بالأخذ أو بالعفو فهل يثبت له مع ذلك الخيار مادام في المجلس؟
الجزء: 5 - الصفحة: 165
فيه وجهان، المنصوص عليه منهما في اختلاف العراقيين: نعم.
وسوف أذكرهما أيضًا في الشفعة لغرض يقتضي الذكر.
قوله: وإن وهب بشرط الثواب أو وهب مطلقًا وقلنا: إنه يقتضي الثواب فوجهان:
أظهرهما: أن خيار المجلس لا يثبت لأنه لا يسمى بيعًا، والخبر ورد في المتبايعين.
انتهى كلامه.
وما ذكره من عدم ثبوت الخيار، ومن تغليب النظر إلى الصيغة على النظر إلى معناها قد ذكر ما يخالفه في موضعين من هذا الكتاب: أحدهما في الركن الثالث من كتاب الشفعة، فإنه ذكر الخلاف في جواز أخذه بالشفعة -أعني الموهوب بشرط الثواب-.
وقال: الأصح الجواز.
قال: وعلى هذا ففي أخذه قبل قبض الموهوب وجهان:
أظهرهما: الأخذ لأنه صار بيعًا.
والثاني: لا لأن الهبة لا تتم إلا بالقبض، وهذا هو الخلاف في أن الاعتبار باللفظ أو بالمعنى.
هذا لفظه.
فرجح هناك كونها بيعًا نظرًا للفظ، وحينئذ فيلزم منه ثبوت الخيار لتصريحه هنا بكونه دائرًا معه.
والموضع الثاني: وهو أصرح من هذا، ذكره في آخر الهبة، وسأذكر لفظه في موضعه إن شاء الله تعالى.
قوله: وفي ثبوت خيار المجلس في الإجارة وجهان: أصحهما عند الأكثرين أنها لا تثبت، ورجح صاحب "المهذب" الثبوت، وعن القفال في طائفة أن الخلاف في إجارة العين، أما إجارة الذمة فيثبت فيها لا محالة.
انتهى.
الجزء: 5 - الصفحة: 166
فيه أمران:
أحدهما: أن النووي قد تابعه في "الروضة" وأكثر كتبه "كالمنهاج" "وشرح المهذب" على عدم الثبوت في الإجارة، وخالف في تصحيح التنبيه فصحح الثبوت في الإجارة المعلقة بالزمان.
وحينئذ فيلزم منه الثبوت في غيرها بطريق الأولى كما هو مقرر في موضعه؛ ذكر ذلك في باب الإجارة.
الثاني: أن ما نقله الرافعي عن صاحب "المهذب" من ثبوت الخيار ليس مذكورًا في "المهذب".
وأما "التنبيه" فاختار فيه الثبوت في الإجارة على العمل، ولم يرجح شيئًا في الإجارة على مدة.
واعلم أن الشيخ أبا حامد والمحاملي وسليم الرازي والجرجاني والقاضي الحسين والغزالي قد صححوا خيار المجلس في أنواع الإجارات.
ونقله الرافعي عن الكرخي، وبه قطع الإمام فيما إذا كانت الإجارة واردة على الذمة، وصحح المنع في إجارة العين.
قوله: "فإن قلنا بثبوتها في إجارة العن فابتداء المدة يحسب من وقت
العقد على الصحيح.
فإن قلنا من حين التفرق فأراد المكري أن يلزمه من غيره في مدة الخيار.
قال الإمام: فلا تخير له فيما أظن، وإن كان محتملًا في القياس.
انتهى ملخصًا.
لقائل أن يقول: قالوا في بيع البائع في زمن الخيار أنه يصح، ويكون فسخًا فلم لا كان هاهنا مثله أيضًا؟
قوله: وإن تقابضا في عقد الصرف ثم أجازا في المجلس لزمه العقد، وإن أجازاه قبل التقابض فوجهان.
إلى آخره.
الجزء: 5 - الصفحة: 167
هذه المسألة سبق الكلام عليها في أوائل باب الربا فراجعه.
قوله: ولو تناديا متباعدين وتبايعا ففي ثبوت الخيار احتمالان للإمام، قطع صاحب "التتمة" بثبوته.
وعلى هذا فإذا فارق أحدهما موضعه فهل يبطل خيار الآخر؟ فيه احتمالان للإمام أيضًا.
انتهى ملخصًا.
والأصح ثبوت الخيار، وإن إختار الآخر يبطل بالمفارقة كذا صححه في "زيادات الروضة".
قوله: ولو مات أحدهما ثبت الخيار لوارثه في أصح القولين.
فإن قلنا: لا يثبت فقال في "التهذيب" لا ينقطع خيار الحى.
وقال الإمام: يلزم العقد من الجانبين.
انتهى ملخصًا.
والموجود في أكثر الكتب هو اللزوم من الجانبين كما قاله الإمام.
كذا قاله [ابن الرفعة في "المطلب" وصحح النووي في "زياداته" عدم الانقطاع كما قاله] 109 في "التهذيب".
وعلى كلامه اعتراض [لا يعرف إلا بذكر لفظ الأصل والزيادة فنقول قال في "الروضة"] 110: فإن لم يثبت الخيار للوارث فقد انقطع خيار الميت.
وأما الحى ففي "التهذيب" أن خياره لا ينقطع حتى يفارق ذلك المجلس.
وقال الإمام: يلزم العقد من الجانبين، ويجوز تقدير خلاف فيه لما سبق أن هذا الخيار لا يتبعض سقوطه لثبوته.
قلت: قول صاحب "التهذيب" أصح، وفيه وجه ثالث حكاه القاضي
الجزء: 5 - الصفحة: 168
الحسين: أنه يمتد حتى يجتمع هو والوارث؛ ورابع حكاه الروياني أنه ينقطع خياره بموت صاحبه.
فإذا بلغ الخبر للوارث جذب لهذا الخيار معه، والله أعلم.
هذا كلام "الروضة".
والاعتراض الذي عليه أن ذكره للوجه الرابع هنا سهو لأنه مفرع على عدم الخيار للوارث.
وهذا الذي عده رابعًا قائل بأن الخيار يثبت للوارث فلا يصح تفريعه عليه إلا أنه قد صرح بأنه لا يثبت إلا ببلوغ الخبر، وهذا لا شك فيه.
نعم! استفدنا منه وجهًا على القول بثبوت الخيار للوارث أنه ينقطع خيار الحى حتى يعلم الوارث فيثبت لهما، والصحيح خلافه، والصواب تفريعهما على القول بالبقاء.
قوله: وإن قلنا: يثبت -أي الخيار- للوارث وكان غائبًا فله الخيار إذا وصل إليه الخبر، ثم هو على الفور أو يمتد امتداد مجلس بلوغ الخبر إليه؟ فيه وجهان.
انتهى.
والراجح هو الثاني، كذا رجحه الرافعي في "الشرح الصغير" فقال: إنه أشبه الوجهين، وصححه النووي في "الروضة" من "زياداته" فقال: حاصل الخلاف في خيار المجلس للوارث الغائب أربعة أوجه: أصحها يمتد الخيار حتى يفارق مجلس الخبر.
والثاني: حتى يجتمعا.
والثالث: على الفور.
والرابع: يثبت له الخيار إذا أبصر المبيع ولا يتأخر.
قوله: ولو هرب أحدهما ولم يتبعه الآخر مع التمكن بطل خيارهما، وإن لم يتمكن بطل خيار الهارب وحده، قاله في "التهذيب".
انتهى.
الجزء: 5 - الصفحة: 169
والأصح خلاف ما قاله البغوي، كذا صححه النووي في "الروضة" من "زياداته" فقال: أطلق الفوراني والمتولي وصاحب "العدة" و"البيان" وغيرهم أنه يبطل خيارهما بلا تفصيل، وهو الأصح لأنه متمكن من الفسخ بالقول، ولأن الهارب فارق مختارًا بخلاف المكره، فإنه لا فعل له.
هذا كلامه.
قوله: ولو جن أحدهما أو أغمى عليه لم ينقطع الخيار بل يقوم وليه أو الحاكم مقامه فليفعل ما فيه الحط ولو خرس أحدهما في المجلس، فإن ضمنت له إشارة مفهمة أو كناية فهو على خياره وإلا نصب الحاكم نائبًا عنه.
انتهى.
وتعبيره بقوله: (عنه) يقتضي أنه غير محجور عليه لأن المولى عليه لا يستناب عنه، وهو كذلك فتفطن له.
وقد صرح ابن الرفعة في باب التدبير من [الكفاية] 111 بأنه مكلف رشيد لا يولى عليه.
واعلم أن النيابة عنه بالنسبة إلى الإجارة متجهة وأما الفسخ فإنه قادر عليه بمفارقة المجلس.
وإنما تستقيم النيابة في الأمرين بالنسبة إلى خيار الشرط.
واعلم أن ما ذكرناه قد صرح به الرافعي في الكلام على شروط الذابح، فإنه نقل عن البغوي أن الأخرس إن كانت إشارته مفهمة حلت ذبيحته، وإلا هو كالمجنون.
ثم قال: وقيل: سائر تصرفاته على هذا القياس هذه عبارته.
فأشعر ذلك بأن فيه وجهين، وأن الأصح هو النفوذ حتى لو تصدق أو أهدى ونحو ذلك نفذناه.
الجزء: 5 - الصفحة: 170
وما ذكره البغوي سبقه إليه شيخه القاضى الحسين وذكره النووي وقال: الأصح هو الجزم بحل ذبيحته.
السبب الثاني الشرط
قوله: ويصح خيار الشرط بالإجماع لما روى أن حبان بن منقذ أصابته لهة في رأسه وكان يخدع في البيوع فقال له -عليه السلام-: "إذا بايعت" فقل: "لا خلابة" 112 وجعل له الخيار ثلانًا.
وفي رواية: [وجعل له بذلك ثلاثة أيام وفي رواية ولك] 113 الخيار ثلاثًا.
وهذه الروايات كلها في كتب الفقه ولا تلقى في مشهورات كتب الحديث 114 سوى الرواية المقتصرة على قوله: "قل لا خلابة".
وأما ما ذكره في الكتاب وهو ولى الخيار ثلاثة أيام فلا يكاد يوجد في كتب الحديث ولا الفقه.
نعم في شرح مختصر الجويني للموفق بن طاهر: واشترط الخيار ثلاثًا وهما متقاربان.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدهما: أن النووي في "الروضة" قد تابعه على نقل الإجماع،
الجزء: 5 - الصفحة: 171
وليس كذلك فقد رأيت في "الاستذكار" عن قوم أنه لا يجوز فقال: خيار الشرط جائز، وقال قوم: لا يجوز.
هذه عبارته.
الثاني: هذه الأيام المشروطة يدخل فيها ما اشتملت عليه من الليالي للضرورة.
كذا قاله في "شرح المهذب".
وتقتضي هذه العلة أنه لو عقد وقت طلوع الفجر لا يثبت له الخيار في الليلة الثالثة بخلاف نظيره من مسح الخف، وكلام الرافعي في أول مواقيت الحج يوهم خلافه فإنه قال: وقال -عليه السلام-: "واشترط الخيار ثلاثًا"، والمراد الأيام والليالي.
هذه عبارته.
الأمر الثالث: أن حاصل ما قاله -رحمه الله- من إنكار الزيادة على قوله: (قل لا خلابة) وأن ذلك إنما يوجد في كتب الفقه، وما ذكره ليس كذلك، فقد روى البيهقي في "السنن الكبير" عن ابن عمر قال: سمعت رجلًا من الأنصار يشكو إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه لا يزال يغين في البيع فقال له رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إذا بايعت فقل: لا خلابة" ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاثة ليال.
ورواه أيضًا ابن ماجه بإسناد حسن كما قال في "شرح المهذب" والبخاري في تاريخه مرسلًا.
وقد ظهر لك أن ما أنكره قد رواه المذكورون بالمعنى وقد ظهر لك أيضًا أن جزمه في الحج بإسناد تلك الرواية إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مع ما ذكره فيها هاهنا في غاية التباين.
وحبَّان بحاء مهملة مفتوحة بلا خلاف وبالباء الموحدة.
قاله في "شرح المهذب".
قوله: وهذه الكلمة في الشرع عبارة عن اشتراط الخيار ثلاثًا.
فإذا علم بمدلولها البائع دون المشترى ففي ثبوت الخيار وجهان عن ابن القطان.
انتهى مخلصًا.
الجزء: 5 - الصفحة: 172
والصحيح عدم الثبوت.
كذا صححه النووي في "زيادات الروضة" و"شرح المهذب" وقال: إن مقابله شاذ ضعيف، بل غلط.
قوله في أصل "الروضة" إذا تبايعا بشرط الخيار ثلاثًا فما دونها فابتداء المدة من وقت العقد، وقيل: من التفرق.
ثم قال: وأما ابتداء مدة الأجل، فإن جعلنا الخيار من العقد فالأجل أولى، وإلا فوجهان.
انتهى كلامه.
وما جزم به في الأجل من حكاية وجهين إذا فرعنا على أن ابتداء المدة في الخيار من حين العقد قد خالفه في "شرح المهذب" فحكى طريقة أخرى قاطعه بأن الأجل كذلك أيضًا، وصححه فقال: إذا باع بثمن مؤجل ففي ابتداء وقت الأجل طريقان:
أصحهما: وبه قطع المصنف والعراقيون وجماعة من غيرهم: أنه من حين العقد وجهًا واحدًا.
والثاني: أنه مرتب على ابتداء مدة الخيار إن جعلناها من حين العقد فالأجل أولى.
وإن قلنا: من التفرق ففي الأجل وجهان.
هذا لفظه ولو شرط الخيار في أثناء خيار المجلس وقلنا بالصحيح وهو الصحة، كان ابتداء المدة من حين العقد على ما دل عليه كلام الرافعي.
قوله: ولو شرط الخيار إلى مدة يتسارع فيها الفساد إلى المبيع فهل يبطل البيع أو يصح ويباع عند الإشراف على الفساد؟
حكى يحيى اليمني عن بعض من لقيه فيه وجهين.
انتهى ملخصًا.
والأصح هو البطلان.
كذا صححه النووي في "زيادات الروضة" "وشرح المهذب"، وقال فيه: إن مقابله غلط ظاهر.
الجزء: 5 - الصفحة: 173
قوله: أما جواز اشتراط الخيار للمشتري فلحديث حَبّان، وأما للبائع أولهما فبالقياس عليه.
انتهى كلامه.
وما ذكره من أن حديث حَبّان ورد في المشتري فليس كذلك، وقد سبق لفظه على ما حكاه هو.
قوله: ولا يثبت في الشفعة بلا خلاف، ثم قال وكذا في الحوالة على ما حكاه العراقيون مع نقلهم الخلاف في خيار المجلس.
قال الإمام: ولا أعرف فرقًا بين الخيارين.
انتهى كلامه.
وهو لا يقتضي إثبات خلاف في خيار الشرط، وإنما يقتضي استشكال الفرق فقط.
وقد ذكر -أعني الرافعي- في كتاب الحوالة وقوع التردد فيه صريحًا فقال: وقد جمع الإمام الوجوه هكذا وقرب التردد في المسألة من التردد في أن الحوالة هل يلحقها خيار المجلس وخيار الشرط؟ قال: وكل ذلك ينبني على أن الحوالة استيفاء أو اعتياض.
هذا كلامه.
ولم يذكر في "الروضة" الموضع الثاني فلزم منه إسقاط الخلاف منها في هذه المسألة.
قوله: وإذا شرط الخيار للأجنبي، وقلنا بالصحيح وهو أنه يصح ولا يثبت للعاقد، فمات الأجنبي في زمن الخيار ثبت الآن للعاقد في أصح الوجهين، قاله في "التهذيب" انتهى.
والذي قاله في "التهذيب" هو الصحيح.
كذا صححه النووي في أصل "الروضة".
قوله: وحكى الإمام فيما إذا أطلق الوكيل شرط الخيار بالإذن المطلق من الموكل ثلاثة أوجه وهي أن الخيار يثبت للوكيل أم للموكل أم لهما؟ انتهى ملخصًا.
الجزء: 5 - الصفحة: 174
والأصح الأول، كذا صححه النووي من "زياداته".
قوله: واختلفوا في ملك المبيع في زمن الخيار على ثلاثة أقوال:
أحدها: للمشتري والملك في الثمن للبائع.
والثاني: للبائع، والملك في الثمن للمشتري.
والثالث: موقوف، فإن تم البيع بان حصول الملك للمشتري بنفس البيع، وإلا بان أن ملك البائع لم يزل، وكذا يتوقف في الثمن.
والأظهر أن الخلاف جار سواء كان الخيار لهما أو لأحدهما والأشبه توسط ذكره جماعة، وهو أنه إن كان الخيار للبائع فالأظهر بقاء الملك له، وإن كان للمشتري فالأظهر انتقاله إليه، وإن كان لهما فالأظهر الوقوف.
ولهذه الأقوال فروع كثيرة منها: هل يحل الوطء للبائع في زمن الخيار إذا كان الخيار له وحده أولهما معًا؟ فيه خلاف، والظاهر الحل إن جعلنا الملك له، والتحريم إن لم نجعله له.
ثم قال ما نصه:
أما إذا كان الخيار للمشتري وحده فحكم حل الوطء كما مر في حل الوطء للبائع إذا كان الخيار له أولهما.
انتهى كلامه.
وحاصل ما ذكر أن الصحيح جواز الوطء للمشتري في هذه الحالة لأنه جعل الحكم فيه كالبائع، وحكم البائع الجواز إذا جعلنا الملك له كما تقدم.
وحينئذ فيكون الصحيح في المشتري هو الجواز أيضًا عند انفراده بالخيار، لأن الصحيح أن الملك له.
إذا علمت ذلك فاعلم أن المشتري لا يباح له الوطء إلا إذا حصل الاستبراء عنده، وتجويزه الوطء له في زمن الخيار يستلزم الاعتداد بالاستبراء في ذلك الزمن.
والصحيح على ما قاله في باب الاستبراء أنه لا يكفي لضعف الملك، وقيل: يكفي، وصححه الإمام والغزالي.
الجزء: 5 - الصفحة: 175
وقيل: إن كان بوضع الحمل كفى لقوته، وإن كان بالحيض فلا.
واعلم أن هذه المسألة ذكرها الغزالي 115 في "الوجيز" هنا كذلك بناء على قاعدته التي أوضحها في باب الاستبراء مخالفًا للأكثرين، فتابعه عليها الرافعي غير باحث عن شرائطها فلزم ما لزم.
وقد أجاب ابن الرفعة في "شرح الوسيط" عن هذا الموضع بأن تحريم الوطء قد يكون لعدم الملك أو لعدم الاستبراء أو لغيرهما.
وقد ثبت لنا بهذا الملك الذي لم يستقر ثبوت الحل المتوقف على الأملاك، وزال التحريم المستند إلى عدم الملك، وإن حرم من جهة أخرى، ووقع الموضعان في "الروضة" كما وقعا في الكتاب.
قوله: ووراءها فروع:
أحدها: إذا تلف المبيع بأفة سماوية في زمان الخيار، وكان التلف بعد القبض، فإن قلنا: الملك للبائع انفسخ ويغرم للبائع القيمة، وفي مقدارها ما في المستعير والمستام.
وإن قلنا: الملك للمشتري أو موقوف فوجهان أو قولان: أصحهما: أنه لا ينفسخ.
ثم قال: فإن قلنا بالانفساخ فعلى المشتري القيمة.
قال الإمام: وهاهنا يجب القطع باعتبار قيمة يوم التلف، لأن الملك قبل ذلك للمشتري وإنما يقدر انتقاله إليه قبيل التلف.
انتهى كلامه.
وما نقله عن الإمام وأقره إنما يستقيم على قولنا: الملك للمشتري خاصة لا على قول الوقف.
وهو مفرع على القولين معًا.
قوله: ولو قبض المشتري المبيع في زمن الخيار وأتلفه متلف قبل إنقضائه إن قلنا الملك للبائع انفسخ البيع كالتلف.
الجزء: 5 - الصفحة: 176
وإن قلنا للمشتري أو موقوف نظر إن أتلفه أجنبي بنى على ما لو تلف إن قلنا: ينفسخ العقد هناك فهو كإتلاف الأجنبي المبيع قبل القبض، وسيأتي.
وإن قلنا: لا ينفسخ وهو الأصح فكذا هنا، وعلى الأجنبي القيمة والخيار بحاله فإن تم البيع فهو للمشتري، وإلا فللبائع.
انتهى.
وما ذكره هاهنا من إعطاء القيمة للبائع إذا لم يتم البيع فيه نظر، والقياس إذا قلنا: الملك للمشتري أنه يلزمه للبائع [قيمته] 116 يوم التلف، فإن كان ما ضمنه للأجنبي أكثر كانت الزيادة له لكون الملك له.
قوله: ولو اشترى زوجته بشرط الخيار ثم خاطبها بالطلاق في زمن الخيار، فإن تم العقد، وقلنا: الملك للمشتري أو موقوف [لم يقع الطلاق وإن قلنا للبائع وقع وإن فسخ وقلنا للبائع أو موقوف] 117 وقع.
وإن قلنا للمشتري فوجهان.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على حكاية الوجهين من [غير] 118 تصحيح والأصح منهما عدم الوقوع، كذا صححه الرافعي في كتاب الطلاق في الكلام على التعليقات، وعبر بقوله: (الأصح) إلا أنه فرض المسألة في الطلاق المعلق بالشراء، ولا فرق بينه وبين الإيقاع بعد الشراء، ولنذكر ما قاله، فإن فيه كلامًا آخر ينبغي الوقوف عليه فنقول: قال في القسم الثاني من تعليق الطلاق قبيل قوله ولو قال أنت طالق يوم يقدم فلان ما نصه:
فرع: إذا قال الحر لزوجته الأمة إن اشتريتك فأنت طالق، وقال سيدها: إن بعتك فأنت حرة فباعها لزوجها عتقت في الحال لأنا إن قلنا: الملك في زمن الخيار للبائع أو موقوف فالجارية ملكه، وقد وجدت الصفة.
الجزء: 5 - الصفحة: 177
وإن قلنا: الملك للمشتري فللبائع الفسخ واعتاقه فسخ فتعود الجارية بالإعتاق إلى ملكه.
وأما الطلاق، فقد أطلق ابن الحداد أنه يقع، قال الأصحاب: هذا تفريع على أن الملك في زمن الخيار للبائع، فإن النكاح على هذا القول باقٍ، وقد وجد شرط الطلاق فيقع.
وكذا الحكم على قولنا موقوف لأنه لم يتم البيع.
وأما إذا قلنا: الملك للمشتري فلا يقع الطلاق على الأصح لمصادفتة حال الملك وقوع الانفساخ.
انتهى كلامه.
وما ادعاه من كون الجارية ملكه على القول بالوقف ليس كذلك، بل إن انفسخ تبينا [أنها ملكه وإلا تبينا] 119 أنها للمشتري.
قوله في المسألة: وليس له الوطء في زمن الخيار لأنه لا يدري أيطأ بالملك أم بالزوجية.
هكذا حكى عن نصه، وفيه وجه آخر.
انتهى كلامه.
واعلم أنه ليس المنع هنا لأجل عدم تعيين الجهة المقتضية للحل، فإن عدم تعيينها لا يمنع الحل باطنا، وكذا في الظاهر في أصح الوجهين بل المنع لأن الملك في زمن الخيار للمشتري على قول.
وإذا ثبت الملك انفسخ النكاح، والملك الثابت ضعيف لا يفيد حل الوطء.
فمعنى كلام الشافعي أنه لا يدري أيطأ بالملك الضعيف الذي لا يبيح له أم بالزوجية؟ وما ذكرته من الحكم والتعليل صرح بجميعه الرافعي في آخر الباب الثالث من أبواب الإقرار.
قوله: وعن الصيمري أن قول البائع في زمن الخيار لا أبيع حتى تزيد في الثمن، وقول المشتري: لا أفعل اختيارًا للفسخ .. إلى آخر ما قال.
الجزء: 5 - الصفحة: 178
وما ذكره الصيمري قد جزم الرافعي في كتاب الوكالة بما يوافقه، فإنه ذكر في الكلام على القبول أن الوكيل إذا قال: لا أفعل كان ذلك ردًا للوكالة.
قوله: ومجرد الإذن في هذه التصرفات -يعني إذن البائع للمشتري- في البيع ونحوه لا يكون إجازة من البائع حتى لو رجع قبل التصرف كان على خياره، ذكره الصيدلاني وغيره.
ثم قال: الخامسة في القرض على البيع والإذن والتوكيل فيه وجهان:
أحدهما: أن هذه التصرفات فسخ من جهة البائع وإجازة من جهة المشتري.
وأظهرهما: لا.
انتهى.
وما ذكره الرافعي هنا إن أراد به إذن البائع أو المشتري لأجنبي في البيع فهو توكيل له، وذلك عطف للشيء على نفسه، وإن أراد به إذن البائع للمشتري فقد تقدم نقله عن الصيدلاني، وأيضًا فلأن إذن البائع للمشتري تقرير لملكه فلا [يتخيل] 120 أن يكون فسخًا منه.
قوله: فرع.
اشترى عبدًا بجارية ثم أعتقهما معًا نظر إن كان الخيار لهما عتقت الجارية بناء على ما سبق أن اعتاق البائع نافذ متضمن للفسخ، ولا يعتق العبد المشترى، وإن جعلنا الملك فيه لمشتريه لما فيه من إبطال حق صاحبه على الأصح.
وعلى وجه القائل بنفاذ إعتاق المشتري تفريعًا على أن الملك للمشتري يعتق العبد ولا تعتق الجارية.
وإن كان الخيار لمشتري العبد فثلاثة أوجه:
الجزء: 5 - الصفحة: 179
أصحها: يعتق العبد لأنه إجازة، والأصل استمرار العقد.
والثاني: تعتق الجارية لأن عتقها فسخ، فقدم على الإجازة، ولهذا لو فسخ أحد المتبايعين وأجاز الآخر قدم الفسخ.
والثالث: لا يعتق واحد منهما، وإن كان الخيار لبائع العبد وحده فالمعتق بالإضافة إلى العبد مشترٍ والخيار لصاحبه، وبالإضافة إلى الجارية بائع، والخيار لصاحبه.
وقد سبق الخلاف في اعتاقهما، والذي نفتي به أنه لا ينفذ العتق في واحد منهما في الحال، فإن فسخ صاحبه نفذ في الجارية، وإلا ففي العبد.
ولو كانت المسألة بحالها وأعتقهما مشتري الجارية فقس الحكم بما ذكرناه وقيل إن كان الخيار لهما عتق العبد دون الجارية، وإن كان للمعتق وحده فعلى الأوجه الثلاثة، ولا يخفى الثالث.
انتهى كلامه.
وما ذكره في القسم الثالث وهو ما إذا كان الخيار لبائع العبد غير مستقيم لا في حالة الفسخ ولا في حالة الإجازة.
أما في حالة الإجازة فواضح البطلان لأنه قد سبق أنه إذا كان الخيار لأحدهما فالملك في المبيع له، وأن الثمن يكون ملكًا لصاحبه، ولا يتصور اجتماع الثمن والمثمن في ملك شخص واحد.
وحينئذ فإذا كان الخيار لبائع العبد وحده كان الملك فيه له، وإذا لم ينفسخ ينتقل إلى المشتري بانقضاء الخيار فكيف يحكم بعتق العبد، وعتقه وقع قبل ذلك، وهو في حالة الخيار المحكوم بالملك فيها للبائع؟ والكلام في القول الذي عليه الفتوى لا في قول الوقف مطلقًا.
وأما ما ذكره في حالة الفسخ من نفوذ عتق الجارية فكيف يستقيم أيضًا لأنها وإن كانت حالة الإعتاق على ملكه لكون العبد على ملك بائعه لأن
الجزء: 5 - الصفحة: 180
الخيار فيه له، ولا يجتمع الثمن والمثمن في ملك شخص واحد إلا أنه قد حجر على نفسه فيها باشتراط الخيار لصاحبه لا له، فكيف ينفذ العتق، وليس له فيها تصرف، والحجر إنما انقطع عنها بفسخ صاحبه؟
وأما ما ذكره في الحال الذي قبله وهو الحال الثاني وهو أن يكون الخيار لمشتري العبد من تصحيح العتق فيه فغير مستقيم لأن الملك في الجارية له خاصة، وحينئذ يكون الملك في العبد لبائعه فلا يصح إعتاقه إياه.
فإن قيل: إذا كان الخيار لواحد، وجعلنا الملك له ومقابله لصاحبه فلم قلنا بالملك فيما بذله دون ما بذله صاحبه، ولم لا كان بالعكس؟ قلنا: لأنه إذا لم يكن بد من تمليكه لواحد فتمليكه لما بذله استصحابًا بالأصل أولى.
الجزء: 5 - الصفحة: 181
قال -رحمه الله-: القسم الثاني خيار النقيصة المنوط بفوات شيء من المعقود عليه كان يظن حصوله، وذلك الظن ينشأ من التزام شرطي أو تقرير فعلي أو قضاء عرفي.
قوله: ومن باع عينًا وهو يعلم بها عيبًا وجب عليه أن يبينه للمشتري.
انتهى كلامه.
وهو يوهم اختصاص الوجوب، [بالبائع وليس كذلك.
بل يجب أيضًا على الأجنبي إذا علم العيب أن يبينه للمشتري] 121. وقد جزم به النووي في "زيادات الروضة".
قوله: وكون الأرض ثقيلة الخراج عيب أيضًا وإن كنا لا نرى أصل الخراج في تلك البلاد.
انتهى كلامه.
إن قيل: كيف يتصور أن تكون الأرض خراجية ويصح بيعها؟
قلنا: ذكر الرافعي في زكاة النبات ما يؤخذ منه تصويره فقال نقلًا عن بعضهم من غير مخالفة له ما نصه.
هل يجوز أن يقال: الظاهر أن اليد للملك والظاهر أن الخراج ما ضرب إلا بحق فلا يترك أحد الظاهرين بالآخر.
انتهى.
ومقتضى ما قاله تصديقه وأنه يصح بيعها، ويتصور أيضًا بما إذا ضرب الخراج على أملاك ظلمًا.
نعم لو صالحنا الكفار على أن تكون الأراضي لهم، وأن يعطوا خراجًا، فإن الخراج جزية تسقط بإسلامهم كما قاله الأصحاب.
وحينئذ لو باعوا الأرض والحالة هذه فهل يصح أم لا؟ فيه نظر.
وقد اختلفت المالكية في المسألة على قولين.
الجزء: 5 - الصفحة: 182
قوله: وقول "الوجيز" واعتياد الزنا والسرقة والإباق عيب مشعر باعتبار الاعتياد، وليس كذلك.
أما في الزنا فقد نصوا عليه، ثم قال: وأما الإباق فعن أبي علي الزجاجي أنه لو أبق العبد في يد البائع فللمشتري الرد، وإن لم يأبق في يده، وهذا ما اختاره القاضي الحسين وقال: الفعلة الواحدة في الإباق يجوز أن تعد عيبًا أبدًا كالوطء في إبطال الحضانة والسرقة قريبة منهما.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذا الكلام يشعر بانفراد الغزالي باعتبار الاعتياد أو أنه من سبق القلم، ولأجل هذا لم يحك النووي في "الروضة" مقالته، بل جزم بعدم الاشتراط.
فأما ما اقتضاه كلامه في الزنا فمسلم، وأما السرقة والإباق فغريب جدًا، فقد جزم الإمام بما قاله الغزالي في أوائل باب السلم في فصل أوله قال: وإن فسد الرطب، فقال ما نصه: قلنا: اعتياد الإباق [عيب واتفاق الإباق] 122 لا يلتحق بالعيوب.
انتهى.
وذكر نحوه في باب بيع البزاة، وجزم به أيضًا القاضي الحسين في السرقة والإباق معًا، وقد نقله في "الكفاية" عن تعليقه.
وأما ما نقله عنه الرافعي من ثبوت الرد بالمرة فقلد فيه الهروي في "الإشراف" فإنه نقل كثيرًا من هذا الفصل عنه، ومن جملة ما فيه هذا الكلام تعليلًا لمسألة أخرى فقال: وإذا أبق العبد في يد البائع قيل: لا يرد المشتري إلا إذا أبق أيضًا عنده.
وقال الزجاجي: له الرد، وللشافعي ما يدل عليه، وكان القاضي الحسين يميل إليه ويقول: الفعلة الواحدة، ثم ذكر ما تقدم أن الرافعي نقله
الجزء: 5 - الصفحة: 183
عنه.
. . . إلى آخره.
ذكر ذلك في أوائل الكتاب في أثناء فصل عبر في أوله بقوله: يشتمل على مسائل في الرد.
الأمر الثاني: أن قول الرافعي: (وإن لم يأبق في يده) يدل على أن ثبوت الرد عند الإباق أولى عن عدمه.
وقد تقدم إيضاحه فيما نقلناه قريبًا عن الهروي وقد أوضح المسألة بأكثر من ذلك قبيل الكلام الذي نقلناه عنه فقال -أعني الهروي: لو وجد الإباق ونحوه في يد البائع والمشتري جاز الرد لأنه عيب وجد عند البائع، وبقى في يد المشتري وإن لم يوجد في يد المشتري فلا رد لأن العيوب قد ارتفعت، ولو وجدت هذه الأشياء في يد البائع وارتفعت في يده زمنًا بحيث يغلب على الظن زوالها، ثم باعه، ووجدت في يد المشتري قال الثقفي والزجاجي وأبو علي: لا يجوز الرد لاحتمال أن تلك المعاني ارتفعت ثم حدثت في يد المشتري كالمرض.
قوله: لو أخفش أو أجهر.
. . . إلى آخره.
ذكر الرافعي في الديات أن الخفش صغر العين وضعف البصر خلقة، ويقال: الذي يبصر بالليل دون النهار وأن الأعشى هو الذي يبصر بالنهار دون الليل، وذكره غيره، وعليه اقتصر النووي هنا من "زوائده" أن الخفش نوعان، ولم يتعرض لصغر العين.
قالوا: ومنه يسمى الخفاش، وهذا الذي ذكره من زوائده مخالف لما ذكره في الديات، وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى فراجعه.
وأما الأجهر فهو الذي لا يبصر في الشمس.
وأما الشاغية فهي بالشين والغين المعجمتين، وبعدها ياء بنقطتين من تحت، وهي السن الزائدة المخالفة لنبات الأسنان.
الجزء: 5 - الصفحة: 184
والدرداء بالمهملات هي التي سقطت أسنانها.
والثآليل بالثاء المثلثة ممدودة مهموز جمع تألولة، والوحشى بالحاء المهملة وشين معجمة ثم ياء مشددة هو ظهر الرجل واليد.
والحفر بحاء مهملة مفتوحة ثم فاء ساكنة ثم راء مهملة هو فساد أصل الأسنان تقول منه: حفرت أسنانه يحفر حفرًا على وزن كسر يكسر كسرًا وبنو أسد يقولونه على وزن تعب أي بالتاء المثناة يتعب تعبًا.
قوله: أو محرمة.
قال في "الروضة": هذا إذا كان إحرامها بإذن سيدها فإن كان بغير إذنه فلا خيار للمشتري لأن له تحليلها كالبائع.
قال: وقد ذكرنا هذا في آخر الحج، والأمر كما قال من ذكره إياه هناك إلا أنه نقله عن الجرجاني خاصة.
قوله: وله الرد بكون الجارية حاملًا ولا رد به في سائر الحيوانات وقال في [التهذيب] 123: يثبت به الرد انتهى كلامه.
وما ذكره في المسألتين قد ذكر فيهما ما يخالفه في آخر الباب فقال قبيل الكلام على الإقالة: ولو اشترى جارية أو بهيمة حائلًا فحملت عنده ثم اطلع على عيب، فإن نقصت بالحمل فلا رد، وإن لم تنقص فله الرد.
وأطلق بعضهم القول بأن الحمل الحادث نقص، أما في الجواري فلأنه يؤثر في النشاط والجمال.
وأما في البهائم فلأنه ينقص لحم المأكول ويخل بالحمل عليها والركوب.
انتهى ملخصًا.
ثم ذكر ما يخالف الموضعين جميعًا في كتاب الصداق فذكر ما حاصله
الجزء: 5 - الصفحة: 185
أنه عيب فيهما، وستعرف لفظه في موضعه إن شاء الله تعالى.
فتحصلنا على ثلاثة مواضع تابعه عليها [في "الروضة"] 124، وهي لا توافق بعضها بعضًا، ففي [الصداق] 125 أنه عيب فيهما، وفى آخر هذا الباب عكسه، وفي أوائله التفصيل.
ووقعت هذه المواضع أيضًا للرافعي في "الشرح الصغير" إلا أنه لم يذكر التفصيل بين الجارية والبهيمة في هذا الموضع، بل ذكره في كتاب الحج في الكلام على جزاء الصيد.
وبالتفصيل أجاب النووي في "شرح المهذب" في كفارة الإحرام، وفي الزكاة أيضًا في الكلام على إخراج الحامل، وعزاه إلى الأصحاب.
واقتصر الرافعي في "المحرر" على المذكور في الصداق.
قوله: ولا رد بكون الأمة مخفوضة أو غير مخفوضة.
المخفوضة بالخاء المعجمة والفاء والضاد المعجمة أيضًا هى المختونة، قاله الجوهري.
قال: واختفضت المرأة أي اختتنت، والخافضة الخاتنة، وتسمى بذلك لأن محل الختان كان مرتفعًا فانخفض.
قوله: ولو اشترى شيئًا فبان أن بائعه باعه بوكالة أو وصاية أو ولاية أو أمانة فهل له الرد لخطر فساد النيابة؟
حكى الماوردي فيه وجهين.
انتهى.
والأصح منهما منع الرد كما قاله في "الروضة" من "زياداته".
قوله: والضابط ثبوت الرد بكل ما نقص العين أو القيمة تنقيصًا يفوت
الجزء: 5 - الصفحة: 186
به غرض صحيح بشرط أن يكون الغالب في أمثاله عدمه فدخل الخصاء في نقصان العين، وإنما شرطنا فيه فوات غرض صحيح للاحتراز عما لو قطع من ساقه أو فخذه قطعة يسيرة وإنما اعتبرنا غلبة العدم لأن الثيابة مثلًا في الإماء تنقص القيمة ولا رد بها إلا إذا كانت صغيرة.
انتهى ملخصًا.
وقوة كلامه تقتضي أن الغلبة قيد في تنقيص القيمة خاصة، وقد تكون في نقصان العين أيضًا كقلع الأسنان في الكبير، فإنه قد صرح بذلك في البهائم، والقياس في الأدمي مثله، بل كلامه يقتضي عوده إليه أيضًا -أعني الآدمي.
قوله: إحداها: بيع العبد المرتد صحيح على المذهب ثم قال: وفي العبد الذي تحتم قتله في المحاربة ثلاثة طرق:
أظهرها: عند كثير من الأئمة: أن بيعه كبيع المرتد.
والثاني: وهو اختيار أبي حامد وطبقته: القطع بمنعه إذ لا منفعة فيه لاستحقاق قتله بخلاف المرتد فإنه ربما يسلم.
والثالث وبه قال القاضي أَبو الطيب: أنه كبيع الجاني.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الأصح هي الطريقة الأولى، كذا صححها النووي في أصل "الروضة"، ولم ينبه على أنه من "زياداته"، بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.
الأمر الثاني: أن اعتاق العبد المحارب صحيح بلا شك والبيع لغرض الإعتاق صحيح كم ذكره الرافعي في شراء العبد الزمن.
وصرح في "الروضة" بأنه لا خلاف فيه، وحينئذ فكيف يستقيم المذكور هنا لاسيما تعليل الطريقة الثانية؟
الجزء: 5 - الصفحة: 187
قوله من "زياداته" وقال صاحب "التلخيص" كل ما جاز بيعه فعلى متلفه القيمة إلا في مسألة وهى العبد المرتد يجوز بيعه ولا قيمة على متلفه قال القفال: هذا صحيح لا قيمة على متلفه لأنه مستحق الإتلاف.
قال: وكذا العبد إذا قتل في قطع الطريق فقتله رجل فلا قيمة عليه لأنه مستحق القتل.
قال فهذا يجوز بيعه، ولا قيمة على متلفه فهده صورة ثانية والله أعلم.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أنه أهمل -رحمه الله- صورة ثالثة وهي تارك الصلاة، فإنه قد نقل في الصلاة من "زياداته" عن صاحب "البيان" أن الأصحاب نصوا على أنه لا شيء على قاتله ولا شك أن بيعه لا يتقاعد عن بيع المرتد، وقاطع الطريق.
وأهمل أيضًا صورة رابعة وهي الزاني المحصن حيث لا يجب على قاتله شئ، وذلك مبسوط في موضعه فإن قيل: كيف تتصور هذه المسألة مع أن الحرية من شروط الإحصان؟
قلنا: في الكافر إذا زنى وهو محصن ثم التحق بدار الحرب فاسترق.
الثاني: أن صاحب "التلخيص" إنما عبر بقوله في أول المسألة فعلى متلفه القيمة، وتبعه الرافعي وغيره على التعبير به للاحتراز عما إذا غصبه غاصب وتلف عنده فإنه يضمنه.
وهذه المسألة مهمة نقلها إمام الحرمين في باب الأسير يؤخذ عليه العهد أن لا يهرب فقال: فرع: وذكر الشيخ -يعني أبا علي- في أثناء كلامه في "شرح التلخيص" أن العبد المرتد مال يباع ولو قتله مسلم لم يلزمه بقتله ضمانًا، ولو غصبه غاصب فتلف في يده لزم الضمان فإنه مال تام قابل للتصرفات المتعلقة بالملك التام وما كان كذلك
الجزء: 5 - الصفحة: 188
فهو مضمون باليد العادية، ولا يضمن بالقتل لأن قتله في حكم إقامة الحد، فمن ابتدر قتله من المسلمين كان مقيمًا حدا لله تعالى.
وهذا يمثل بعبد مغصوب في يد الغاصب يقول مولاه.
اقتله.
فلو قتله لم يضمنه، ولو تلف في يده ضمنه هذا لفظه.
قوله: الثالثة: لو اشترى جارية متزوجة عالمًا بزواجها أو علم ورضى فلا رد له.
فإن وجد بها عيبًا قديمًا بعد أن [افتضت] 126 في يده فله الرد إن جعلنا العيب الذي سببه متقدم من ضمان البائع، وإلا يرجع بالأرش، وهو ما بين قيمتها متزوجة ثيبًا سليمة، ومثلها معيبة.
انتهى ملخصًا.
واعتبار الثيوبة هنا ذكره أيضًا في "الشرح الصغير" وتابعه عليه في "الروضة" وهو غلط لأنا إن جعلناها من ضمان البائع لتقدم سببها فيلزم جواز الرد في هذه الحالة، وهو واضح، ولا كلام فيه وإن لم ينظر إلى سبب الوجود في يد البائع فغايته أن يكون كالثيابة الحادثة للتزويج الصادر منه، ولو كان كذلك لم تعتبر الثيابة عند تقويمها لأجل أرش العيب القديم قطعًا، فكذلك هذا فيثبت أن اعتبار هذه الثيوبة الحادثة بعد العقد والقبض غير مستقيم، وكيف يمكن اعتبارها مع أن المعتبر إما قيمة يوم العقد أو يوم القبض أو أقلهما كما ستعرفه.
والسبب المقتضى لوقوع الرافعي في هذا هو أن البغوي في "التهذيب" ذكره كذلك فتابعه عليه الرافعي من غير [إمعان] 127 في النظر، وشيخ البغوي وهو القاضي الحسين لما تكلم في "التعليق" على هذه المسألة لم يتعرض للثيوبة.
الجزء: 5 - الصفحة: 189
قوله: والتصرية أن يشد أخلاف الناقة.
إلى آخره.
الأخلاف بالخاء المعجمة جمع خلفه بكسر الخاء، وهي حلمة ضرع الناقة.
قاله الجوهري.
قوله: وهذا الفعل حرام لما فيه من التدليس.
انتهى.
وهذا الكلام يوهم اختصاص التحريم بما إذا أراد البيع، وليس كذلك فقد جزم صاحب "التتمة" بأنها حرام سواء أراد البيع أم لا لما فيه من إيذاء الحيوان.
قوله: قال أَبو حامد المروروزى: يمتد خيار التصرية لثلاثة أيام لظاهر الخبر 128.
والأصح وبه قال ابن أبي هريرة أنه على الفور كخيار العيب.
انتهى ملخصًا.
تابعه النووي في "الروضة" على تصحيح الفورية، وهو خلاف مذهب الشافعي -رحمه الله- فقد نص فى اختلاف العراقيين على أنه يمتد ثلاثًا لما نقله ابن الرفعة عن تعليق القاضي أبي الطيب، وكذلك نص عليه أيضًا في "الإملاء" كما نقله عنه الرويانى.
وقال ابن المنذر: إنه مذهب الشافعي.
وذهب إليه من الأصحاب الصيمري والماوردي والغزالي في "الخلاصة" وهو مقتضى كلام الروياني والشاشى، وبه قال الجوري بضم الجيم، والفوراني والغزالي في غير "الخلاصة" فيما إذا علم قبل الثلاث قالوا: فإن علم بعدها فيكون على الفور، وصحح البغوي أنه على الفور فتبعه الرافعي.
الجزء: 5 - الصفحة: 190
قوله: أما الجس ففيه وجهان:
أصحهما عند الشيخ أبي محمد وغيره أنه يتعين التمر وعلى هذا لو أعوز التمر قال الماوردي: يرد قيمته بالمدينة.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على نقل هذا فقط عن الماوردي مع أن الماوردي قد حكى فيه وجهين: أحدهما هذا.
والثاني: قيمة أقرب بلاد التمر إليه.
قوله: وأما القدر ففيه وجهان:
أصحهما: أن الواجب صاع، قل اللبن أم كثر.
والثاني: أن الواجب يتقدر بقدر اللبن.
ثم قال ما نصه: ومتى قلنا بالوجه الثاني فقد قال الإمام تعتبر القيمة الوسط للتمر بالحجاز.
وقيمة مثل ذلك الحيوان [بالحجاز 129]، فإذا كان اللبن عشر الشاة أوجبنا من الصاع عشر قيمة الشاة.
انتهى كلامه.
تابعه عليه في "الروضة"، وهو تفريع لا يلتئم بعضه ببعض لأنه تفريع على الوجه الثاني، وهو أن الواجب يتقدر بقدر اللبن، وأول هذا التفريع يقتضي اعتبار التمر والحيوان، وآخره يقتضي نسبة اللبن من الحيوان.
والذي قاله الإمام: أنا إذا لم نري إيجاب الصاع تعتبر قيمة التمر والحيوان، فإذا فعلنا جرى الأمر في المبذول على الحد المطلوب.
هذا كلامه.
وهو موهم وقد أوضحه الغزالي في "الوسيط" فقال: إنا نقوم شاة وسطًا وصناعًا وسطًا في أكثر الأحوال فإذا قيل: هو عشر الشاة مثلًا أوجبنا من التمر ما هو قيمة عشر الشاة.
هذا كلامه، وليس فيه اعتبار اللبن لا
الجزء: 5 - الصفحة: 191
في الأول ولا في الآخر، وقد اختصره الشيخ عز الدين على هذا المعنى أيضًا.
قوله: غير المصراة [إذا حلب لبنها ثم ردها بعيب قال في "التهذيب" يرد بدل اللبن كالمصراة] 130 وفى تعليق أبي حامد حكاية عن نصه أنه لا يرده لأنه قليل غير معتني بجمعه بخلاف المصراة ورأى الإمام تخريج ذلك على أن اللبن يأخذ قسطًا من الثمن أم لا؟ انتهى.
وقد ذكر الرافعي بعد هذا الفرع بنحو صفحة فرعًا آخر قد يشتبه بهذا فقال: إذا رضى بإمساك المصراة ثم وجد بها عيبًا قديمًا نص على أنه يردها ويرد بدل اللبن وقيل: هو كمن اشترى عبدين فتلف أحدهما وأراد رد الآخر.
هذا كلامه فاستحضره هنا، ثم إن ما نقله الرافعي عن "التهذيب" في الفرع الأول من وجوب رد بدل اللبن ليس فيه تصريح بأن البدل هو الصاع لأنه أوجب الرد كما يجب أيضًا الرد في المصراة.
وقد صرح الماوردي بأنه لا يلزمه رد الصاع لأنه عوض المصراة، قال: وإنما يرد اللبن فإن اتفقا على قدره، وإلا فالقول قول المشتري.
قوله: الثالثة: لو لم يقصد البائع التصرية، لكن ترك الحلاب ناسيًا أو لشغلٍ عَرَض أو تَصَرَّتْ هي بنفسها فهل يثبت الخيار؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا وبه أجاب في الكتاب لعدم التدليس.
والثاني: نعم، للتغرير وهو الأصح عند صاحب "التهذيب" انتهى.
لم يصحح شيئًا منهما فى "الشرح الصغير" أيضًا ولا في "الروضة"، واختار في "الحاوي الصغير" أنه لا رد.
قوله.
ولو اشترى من يعتق عليه ثم وجد به عيبًا ففي وجوب الأرش
الجزء: 5 - الصفحة: 192
وجهان نقلهما ابن كج عن أبي الحسين -يعني: ابن القطان.
قال ابن كج: وعندي أنه يجب.
انتهى ملخصًا.
وهذا الكلام مقتضاه حصول العتق جزمًا، وإنما التردد في وجوب الأرش.
إذا علمت ذلك فقد ذكر في الوكالة ما يخالفه فقال في الباب الثاني منها: فرع: سيأتي في القراض أن الوكيل بالشراء هل يشتري من يعتق على الموكل؟ إن قلنا يشتريه فكان معيبًا فللوكيل رده ولأنه لا يعتق على الموكل قبل الرضى بالعيب، ذكره في "التهذيب"، وليس بين المذكور هنا وفي الوكالة فرق إلا مباشرته، ولا أثر لها قطعًا مع صحة البيع في الموضعين والجهل بالعيب وقد صرح في الوكالة بأنه إذا ثبت الخيار للوكيل ثبت للموكل وهو يقوي الإشكال.
والصحيح في الوجهين المحال عليهما في القراض هو جواز الشراء كما صححه هناك، وصورة المسألة الثانية أن يجهل الوكيل العيب.
فأما إذا علم به فلا يقع للموكل كما نبه عليه في الوكالة قبيل هذا الموضع المذكور.
قوله: وإذا زال ملكه عن المبيع بعوض ثم عرف العيب لم يرجع بالأرش على الأصح.
قال أَبو إسحاق وابن الحداد: لأنه استدرك الظلامة وقال ابن أبي هريرة:
الجزء: 5 - الصفحة: 193
لأنه ما آيس من الرد فربما يعود إليه، ويتمكن من رده، وهذا أصح المعنيين عند الشيخ أبي حامد والقاضي أبي الطيب، ونص عليه الشافعي ثم قال: فلو حدث به عيب في يد المشتري الثاني [ثم ظهر به عيب قديم فغرم له الأرش أي للمشتري الثاني] 131 ففي رجوعه بالأرش على بائعه وجهان:
قال ابن الحداد: لا يرجع لأنه ربما قبله بائعه لو قبله هو فكان متبرعًا بغرامة الأرش.
وأظهرهما: أنه يرجع لأنه ربما لا يقبله بائعه فيتضرر، قال الشيخ أبو علي: ويمكن بناء هذين الوجهين على ما سبق من المعنيين إن عللنا بالأول فإذا غرم الأرش زال استدراك الظلامة فيرجع.
وإن عللنا بالثانى فلا يرجع لأنه ربما يرتفع العيب الحادث فيعود إليه.
قال: وعلى الوجهين جميعًا لا يرجع ما لم يغرم للثاني، فإنه ربما لا يطالبه الثاني بشيء فيبقى مستدركًا للظلامة.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أنه قد سبق أن ابن الحداد لا يرى التعليل باليأس، فكيف يبني مقالته عليه، وجمهور الأصحاب لا يرون التعليل باستدراك الظلامة، فكيف يخرج مقالتهم أيضًا عليه؟
فالصواب جريان الخلاف مطلقًا، وتعليله ما سبق.
الأمر الثاني: أن ما نقله عن الشيخ أبي عليّ من عدم الرجوع قبل الغرم إنما يستقيم على طريقته من كونه غير آيس.
أما الرافعي فإنه لما صحح جواز الرجوع مع أن العلة فيه اليأس لزم منه أن يكون آيسًا.
وحينئذ فيرجع غرم أم لم يغرم، وصحح في أصل "الروضة" أن العلة هي اليأس كما هو مقتضى كلام الرافعي.
الجزء: 5 - الصفحة: 194
قوله: القسم الثاني: أن يزول لا بِعوضَ فينظر إن عاد لا بعوض أيضًا ففي جواز الرد خلاف ثم قال: وإن عاد بعوض كما لو استبرأه، فإن قلنا: لا يرد في الحالة الأولى، فكذلك هاهنا.
ويرد على البائع الأخير.
وإن قلنا: يرد.
فهاهنا يرد على الأول أو على الأخير، أو يتخير؟ فيه ثلاثة أوجه خارجة مما سبق.
انتهى كلامه.
وما ادعاه من امتناع الرد على الثاني هنا ليس كذلك لفقد علته، وذلك لأن العلة على ما قاله هى التطويل لأنه لو رده على الثاني لرده الثاني عليه، وهذا المعنى لا يأتي هنا لأنه أعطاه بلا عوض فلا يرد أن يورد عليه.
قوله: باع زيد عمرًا شيئًا ثم اشتراه منه وظهر عيب كان في يد زيد، فإن كانا جاهلين فلزيد الرد إن اشتراه بغير جنس ما باعه أو بأكثر منه، ثم لعمرو أن يرد عليه، وإن اشتراه بمثله فلا رد لزيد في أحد الوجهين لأن عمرًا يرده عليه فلا فائدة، وله الرد في أصحهما لأنه ربما رضى به فلم يرد.
انتهى.
اعلم أن هذه المسألة قد ذكرها الرافعي في الكلام على القبض، ونقل عن المتولي من غير مخالفة له أن البيع والحالة هذه أي بمثل الثمن الأول إقالة وتبعه عليه في "الروضة" وإذا كان إقالة لزم امتناع الرد.
وفي المسألة المذكورة بحث وتنبيه آخر، وسأذكرها هناك إن شاء الله تعالى فراجعه.
قوله: فإن تعلق به حق بأن رهنه ثم علم العيب فلا رد في الحال، وهل له الأرش؛ إن عللنا باستدراك الظلامة فنعم.
وإن عللنا بتوقع العود فلا.
ثم قال: وإن أجره ولم نجوز بيع المسأجر فهو كالرهن، وإن جوزناه فإن رضى البائع به مسلوب المنفعة مدة الإجارة رد عليه، وإلا تعذر الرد ففي الأرش الوجهان.
انتهى.
الجزء: 5 - الصفحة: 195
واعلم أن الرافعي قد ذكر في التخالف أن البائع إذا رضى بأخذ المبيع وهو مستأجر أخذه، ولا ينزعه من يد [المستأجر] 132 ويكون المسمى للمشتري ويرجع البائع عليه أي على المشتري بأجرة مثل المدة.
قوله: ولو عرف [العيب] 133 بعد تزويج الجارية أو العبد ولم يرض البائع بالأخذ قطع بعضهم بأن المشتري يأخذ الأرش هنا، واختاره الروياني والمتولي.
انتهى.
واعلم أن في هذا الكلام إطلاقًا فصله الروياني على خلاف ما أجمله هنا، وسيأتي ذكره بعد نحو ورقتين من كتابنا.
قوله: والرد على الفور.
. . . إلى آخره.
اعلم أن الإمام قد نبه في الباب الثاني من أبواب الكتابة في الحكم الأول منه على فائدة جليلة، واردة على هذا الإطلاق، ونقلها عنه الرافعي هناك جازمًا بها فقال ما نصه: قال الإمام: الموصوف المقبوض إذا وجده معيبًا، فإن قلنا: إنه يملكه بالرضى فلا شك في أن الرد ليس على الفور [والملك موقوف على الرضى، وإن قلنا يحصل الملك فيه بالقبض فيجوز أن يقال الرد على الفور] 134 كما في شراء الأعيان.
والأوجه المنع لأنه ليس معقودًا عليه.
وإنما يثبت الفور في ما يؤدي رده إلى دفع العقد إبقاء للعقد.
انتهى كلامه.
فاستفدنا من ذلك أن كل حق يثبت في الذمة لا يجب فيه الرد على
الجزء: 5 - الصفحة: 196
الفور سواء كان [مبيعًا] 135 كما إذا أسلم بلفظ البيع أو كان ثمنًا للمبيع أو دين سلم.
قوله نقلًا عن "الوجيز": وترك التقصير بأن يرد عليه في الوقت إن كان حاضرًا.
وإن كان غائبًا أشهد شاهدين حاضرين.
فإن لم يكن حضر عند القاضي.
انتهى كلامه.
ونقل عن "الوسيط" نحوه أيضًا، وأنه صرح بأنه لو رفع إلى القاضي والمردود عليه حاضر كان تقصيرًا، ثم قال الرافعي بعد ذلك ما نصه: وفي الترتيب المذكور إشكال لأن الحضور في هذا الموضع إما أن يعني به الاجتماع في المجلس أو الكون في البلد.
فإن كان الأول فإن لم يكن البائع عنده ولا وجد الشهود لم يسعى إلى القاضي ولا يسعى إلى البائع؟ واللائق بمن يمنع المبادرة إلى القاضي إذا وجد البائع أن يمنع منها إذا أمكنه الوصول إليه.
فإن كان الثاني فأي حاجة إلى أن يقول شاهدين حاضرين، ومعلوم أن الغائب عن البلد لا يمكن إشهاده.
انتهى.
وقول الرافعي: (لم يسعى) تقديره لأي شيء يسعى وهو بكسر اللام بعدها ميم مفتوحة، ثم فعل مضارع في آخره ألف.
ووقع في نسخ الرافعي بلم الجازمة وحذف الألف من يسعى على الجزم ولا معنى له، بل هو كما ذكرناه.
وأما إيضاحه فهو أن الغزالي قد ذكر أنه لا يجوز العدول إلى الحاكم مع وجود المالك، وأنه إذا لم يجد المالك ولا الشهود يجوز العدول إليه -أعني الحاكم- ويترك المالك: فقال الرافعي: ينبغي التسوية بين حضوره وعدم
الجزء: 5 - الصفحة: 197
حضوره [حتى إذا جعلنا الذهاب إليه عند الوجود] 136 تقصيرًا كان ذلك عند عدمه.
قوله في الرد على الغائب: قال القاضي في "فتاويه" يدعي شراء ذلك الشيء من فلان الغائب بثمن معلوم، وأنه أقبضه الثمن ثم ظهر العيب، وأنه فسخ [البيع] 137، ويقيم البينة على ذلك في وجه مسخر ينصبه القاضي ويحلفه القاضي مع البينة لأنه قضاء على الغائب ثم يأخذ المبيع منه ويضعه في يدي عدل ويبقى الثمن دينًا على الغائب فيقبضه القاضي من ماله.
وإن لم يجد له سوى المبيع باعه فيه.
انتهى كلامه.
وما ذكره الرافعي في هذه المسألة يوهم أو يقتضي أن المشتري إذا فسخ بالعيب ليس له حبس المبيع لاسترداده الثمن، وليس كذلك، بل له حبسه إلى قبضه.
كذا نقله الرافعي في الكلام على حكم المبيع قبل القبض عن صاحب "التتمة" وأقره وبني عليه امتناع تصرف البائع فيه.
قوله: وإلى أن ينتهي إلى الخصم أو القاضي هل يلزمه الاشهاد على الفسخ إذا تمكن منه؟ فيه وجهان منقولان عن صاحب "التتمة" وغيره أصحهما اللزوم.
انتهى كلامه.
ومقتضاه رجحان اللزوم، وقد صرح به في "الشرح الصغير" هنا فقال: فيه وجهان، واللزوم أشبه بالترجيح عندهم، وكذلك في "المحرر" أيضًا فقال: إنه أظهر الوجهين.
إذا علمت ذلك فقد ذكر في الشفعة في الكلام على ما إذا بلغه الخبر وهو غائب فسار من غير إشهاد ما يخالفه فإنه قال: والظاهر أنه لا يجب الاشهاد كما لو أنقد وكيلًا.
الجزء: 5 - الصفحة: 198
وليطرد ذلك فيما إذا كان حاضرًا في البلد فخرج إليه أو إلى مجلس الحكم كما سبق في الرد بالعيب.
انتهى كلامه.
ذكر مثله أيضًا في "الشرح الصغير" ولم يتعرض لهذا في "المحرر": ولا شك أن البابين من جهة المعنى على حد واحد، وقد صرح الأصحاب بذلك، بل صرح هو به في هذا الباب فقال: واعلم أن القول في كيفية المبادرة وما يكون تقصيرًا وما لا يكون إنما نبسطه في كتاب الشفعة.
هذا كلامه.
فدل على ما قلناه من استواء البابين، وهو واضح وقد وقع الموضعان كذلك في "الروضة" وصحح في تصحيح التنبيه في مسألة الشفعة أنه يجب على عكس ما ذكره في "الروضة" هناك.
ومن نظائر المسألة نفي الولد، وقد رجح فيه الرافعي في كتاب اللعان وجوب الإشهاد إذا كان غائبًا وسار لنفيه، واقتضى كلامه أنه لا يجب على الحاضر.
قوله: ولو عجز في الحال عن الإشهاد فهل عليه التلفظ بالفسخ؟ فيه وجهان: أصحهما عند الإمام وصاحب "التهذيب" أنه لا حاجة إليه.
انتهى كلامه.
ذكر في "الروضة" مثله أيضًا، والراجح في هذه المسألة أنه لابد منه فقد قال صاحب "التتمة": إذا اطلع ليلًا ولم يتمكن من الحاكم والإشهاد والبائع فلابد من الفسخ باللفظ عند عامة الأصحاب، وجوز القفال التأخير.
وهذا الكلام صريح في حكايته عن الأكثرين، وليس في كلام الرافعي ترجيح إلا عن الإمام والبغوي، لكنه في "الشرح الصغير" صرح بالتصحيح فقال: الأصح أنه لا حاجة إليه.
الجزء: 5 - الصفحة: 199
فإنه لما لم يجد في "الكبير" إلا هذا الترجيح صرح به.
واعلم أن الإمام لم يفرضها في حال العجز كما فرضه الرافعي، بل أطلق، وأيضًا فإنه جازم بعدم الوجوب لا مصحح له.
قوله: ولو قال: لم أعلم أن الرد يبطل بالتأخير قبل قوله: لأنه يخفي على العوام.
انتهى.
استدرك النووي فقال: شرطه أن يكون مثله ممن يخفي عليه؛ قال: وكذلك الشفعة.
وهذه المسألة مع نظائرها نذكرها إن شاء الله تعالى مبسوطة في النكاح.
قوله: فلو كان المبيع رقيقًا فاستخدمه في مدة طلب الخصم أو القاضي بطل حقه، وإن كان بشيء خفيف.
انتهى كلامه.
واعلم أن الإستخدام هو طلب الخدمة، وحينئذ فيؤخذ من التعبير به أنه لو خدمه وهو ساكت لم يضر، وهو متجه، وأن مجرد الطلب يؤثر سواء وجد العمل أم لم يوجد، وفيه نظر.
قوله: ولو ركب الدابة للانتفاع فاطلع على العيب لم يجز استدامة الركوب، وإن توجه للرد بخلاف ما لو كان لابسًا ثوبًا فاطلع على عيبه في الطريق، فتوجه للرد ولم ينزع فهو معذور، لأن نزع الثوب في الطريق لا يعتاد، قاله المارودي.
انتهى كلامه.
وما ذكره المارودي في الثوب يتعين تصويره في ذوي الهيئات، فإن غالب المحترفة لا يمتنعون من ذلك، ويأتي أيضًا نحوه في النزول عن الدابة.
قوله من "زوائده": قلت لو اشتري عبدًا فأبق قبل القبض فأجاز المشتري المبيع ثم أراد الفسخ فله ذلك ما لم يعد العبد إليه، ذكره الإمام الرافعي في آخر المسائل المنثورة في آخر كتاب الإجارة.
انتهى.
الجزء: 5 - الصفحة: 200
وهذه المسألة وأخواتها كالغصب والصباغ.
ذكرها الرافعي في الباب الذي يلي ما نحن فيه، وهو باب حكم المبيع قبل القبض، وحكى فيها خلافًا وتفاريع، وبسط الكلام فيها فراجعها.
قوله: ولو زال العيب الحادث بعد ما أخذ المشتري أرش العيب القديم فهل له الفسخ ورد الأرش؟ فيه وجهان: أصحهما: المنع.
وإن كان بعد قضاء القاضي فوجهان مرتبان، والأصح كما قاله البغوي أيضًا المنع.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الأصح هو ما صححه البغوي، كذا صححه النووي في أصل "الروضة"؛ لكن في "الحاوى الصغير" جواز الرد.
الثاني: أن ما ذكره الرافعي من ترتيب الخلاف [على الخلاف] 138 يؤخذ منه وجه فارق بين المسألتين، ولم يذكره النووي في "الروضة" بل سوى بين المسألتين.
قوله: واعلم أن كل ما يثبت الرد على البائع لو كان في يده يمنع الرد إذا حدث في يد المشتري، وما لا رد به على البائع لا يمنع الرد إذا حدث في يد المشتري إلا في الأقل.
فلو خصي العبد ثم عرف به عيبًا قديمًا فلا رد، وإن ازدادت قيمته، ولو نسى القرآن أو الحرفة ثم عرف به عيبًا قديمًا فلا رد لنقصان القيمة.
انتهى كلامه.
ومعنى قوله: (إلا في الأقل) أنه يتصور أن لا يرد المشتري بالشيء على البائع، ومع ذلك يمنع الرد إذا حدث عند المشتري.
الجزء: 5 - الصفحة: 201
قال ابن الرفعة في "المطلب": ولعله احترز به عما ذكره ابن الصباغ من أنه إذا اشترى عبدًا له أصبع زائدة فقطعها فإنه يمنع الرد، وإن زادت به قيمته كما إذا خصي العبد، وإن كان لو اشتراه وقد قطع البائع أصبعه الزائدة قبل البيع ولا شين لا يثبت للمشتري الخيار بخلاف الخصي.
وما ذكره ابن الصباغ من امتناع الرد قد سبقه إليه القاضي أَبو الطيب، وخالفهما المتولي فقال: إن له الرد، لكن قال ذلك بعد: إن قرر أن فعل البائع له ليس بعيب، وهو ماشٍ على قاعدته.
وأما القاضي أَبو الطيب وابن الصباغ فيحتمل أن [لا] 139 يكونا قالا ذلك لأنهما يريان أنه عيب حتى يرد به المشتري لو صدر عند البائع.
ويحتمل أن يكون المستند أنه جزء ورد عليه العقد وهو غير موجود حالة الرد.
قوله: ولو زوجها ثم عرف بها عيبا فكذلك، أي ليس له الرد لنقصان القيمة.
قال الروياني: إلا أن يقول الزوج: إن ردك المشتري بعيب فأنت طالق، وكان ذلك قبل الدخول، فله الرد لزوال المانع بالرد.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على حصر الرد فيما ذكره الروياني وليس كذلك، فإن التزويج لو كان من البائع كان كتعليق الطلاق على الرد لأنه بالرد ينفسخ النكاح.
ولم أر هذه الصورة مسطورة، وقد توقف ابن الرفعة في "المطلب" فيما ذكره الروياني لأجل مقارنة العيب للرد، والتوقف ضعيف لأن المعنى المقتضي للامتناع وهو نقصان القيمة غير موجود.
قلت: ويندفع النظر المذكور بما إذا قال الزوج: فأنت طالق قبيله.
الجزء: 5 - الصفحة: 202
قوله: وإذا اشترى حليًا بوزنه من جنسه ثم أطلع علي عيب قديم بعد حدوث آخر عنده ففيه أوجه:
أحدها: وهو اختيار القاضي الطبري وصاحب "المهذب" ومعظم العراقيين: أنه يفسخ البيع، ويرد الحلي مع أرش العيب الحادث.
. . . إلى آخر ما قال.
فيه أمران:
أحدهما: أن الرافعي لم يصرح هنا بتصحيح، وقد صرح به في "الشرح الصغير" فقال: إن هذا الوجه ذهب إليه الأكثرون، وصححه أيضًا النووي في "أصل الروضة".
الثاني: لم يبين الرافعي أن الفاسخ هو الحاكم أو المشتري؟ وقد بينه الشيخ أَبو حامد وصاحب "العدة" فقالا: إن الفاسخ هو الحاكم.
قوله في "الروضة": فرع:
لو اطلع على عيب الثوب بعد صبغه فأراد البائع إعطاء الأرش وأراد المشتري رد الثوب وأخذ قيمة الصبغ فالأصح أن المجاب هو البائع، ولو كان بالعكس فوجهان، قطع ابن الصباغ والمتولي بأن المجاب هو البائع أيضًا.
انتهى ملخصًا.
صرح الرافعي بأن الراجح في المسألة الثانية هو ما قالاه، فقال بعد حكاية هذا في أثناء بحث ما نصه: وقضية إيراد الأئمة أنه لا يجاب المشتري إذا طلب الأرش.
انتهى.
فحذف النووي الترجيح المذكور، مع أن الواقف على هذا الكلام لو لم يظفر به -أعني بهذا: الترجيح- لكان [لا] 140 يتوقف في إجابة المشتري
الجزء: 5 - الصفحة: 203
لأنه طالب لتقرير العقد.
والأصح فيه أنه يجاب طالبه كما تكلموا عليه في مسألة امتناع الرد بحدوث العيب إذا لم يرض البائع بأخذه مجانًا، بل مسألة الصبغ أولى بالإجابة لأن في إجابة البائع لما سأله فيها إخراج عين من ملك المشتري لم يرض بإخراجها، ثم إنهم قد قالوا أيضًا بتقديم الإجازة على الفسخ فيما إذا اشترى عبدًا بأمة ثم أعتقهما فإن الأصح تنفيذ إعتاق ما يقتضي إبقاء العقد.
وبالجملة فهذه المسألة مشكلة خارجة عن القواعد محتاجة للفرق بينها وبين ما سبق.
قوله: ولو اشترى شيئًا مأكوله في جوفه فكسر منه مقدارًا يعرف به العيب فوجده معيبًا ففي رده خلاف.
فإن جوزنا ففي تفريعه أرش الكسر خلاف.
ثم قال: فإن قلنا بالتغريم غرم ما بين قيمته صحيحًا فاسد اللب ومكسورًا فاسد اللب ولا ينظر إلى الثمن.
انتهى كلامه.
وحاصل ما ذكره أن العين المبيعة إذا رجعت إلى البائع بانفساخ العقد فوجد بها عيبًا وطالب بالعيب فإنه ينسب الأرش إلى القيمة لا إلى الثمن.
والمعني فيه أن العقد قد انفسخ، وصار المقبوض في يده كالمستام.
إذا علمت هذا الحكم وتعليله فقد جزم في الفلس بما يخالفه فقال فيما إذا رجع غريم المفلس في العين، وقد نقصت بفعل مضمون أنه يطالب مع الغرماء بأرش النقص من الثمن.
ووقع الموضعان كذلك في "الشرح الصغير" و"الروضة"، واقتصر في "المحرر" على ذكرها في الفلس.
ولأجل هذا الاختلاف أثبت ابن الرفعة في "الكفاية" في المسألتين خلافًا.
الجزء: 5 - الصفحة: 204
قوله: فإذا باع بعض المبيع ثم اطلع على عيب فهل يرجع بحصة الباقي؟ فيه وجهان:
قال في "التهذيب": أصحهما: أنه يرجع.
انتهى.
والصحيح ما قاله صاحب "التهذيب"، كذا صححه النووي في أصل "الروضة".
قوله: فإذا وجد بالمبيع عيبًا يمكن حدوثه فادعى البائع أنه حدث عند المشتري، وأنكر المشتري فالقول قول البائع لأن الأصل لزوم العقد واستمراره.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أننا وإن صدقنا البائع فإذا حلف ثم جرى الفسخ بعده فتحالف وطالب المشتري بأرشه، وزعم أنه أثبت حدوثه بيمينه فلا نجيبه إليه لأن يمينه وإن صلحت للدفع عنه فلا تصلح لشغل ذمة المشتري، بل للمشتري أن يحلف الآن أنه ليس بحادث.
قاله الغزالي في "الوسيط" هنا، وسبقه إليه القاضي ثم الإمام.
الثاني: رأيت فىِ "المطارحات" لابن القطان مسألة حسنة غريبة فيها تقييد لإطلاق تصديق البائع فقال: لو ادعى المشتري عينين في يد البائع فاعترف بأحدهما، وادعى حدوث الآخر في يده حتى يمتنع عليه الرد كان القول قول المشتري، وجعلها قاعدة عامة حيث كان العيب يثبت الرد صدق البائع، وحيث كان يبطله صدق المشتري، وهذا الذي قاله متعين عملًا بالأصل في الموضعين.
قوله: ولو اختلفا في بعض الصفات هل هو عيب فقال واحد من أهل المعرفة: إنه عيب، فهل يثبت الرد؟ قال في "التهذيب": نعم.
واعتبر في "التتمة" شهادة اثنين.
انتهى.
الجزء: 5 - الصفحة: 205
تابعه في "الروضة" على حكاية الوجهين من غير ترجيح.
وقال في "المطلب": القياس ما قاله صاحب "التتمة" وجزم به القفال في "فتاويه" ويشهد له أيضًا ما قاله الرافعي في الديات، وتابعه عليه النووي أيضًا أنّا إذا أوجبنا الخلفات فلابد من معرفة الحمل من قول عدلين من أهل الخبرة، والحمل من جملة العيوب المذكورة.
هاهنا وإن لم يكن في البهائم عيبًا.
قوله: وفي "التتمة" ذكر وجه أن الفسح يرفع العقد من أصله مطلقًا أي قبل القبض وبعده تخريجًا من القول بوجوب مهر المثل إذا فسخ النكاح بعيب حدث بعد المسيس.
انتهى كلامه.
وما قاله ليس مطابقا لما في "التتمة"، فإنه قد ذكر أن الرد يرفع العقد من أصله تخريجًا من نص الشافعي في النكاح على أن الرجل إذا وطئ امرأته ثم وجد بها عيبًا يفسخ النكاح يغرم لها مهر المثل.
قال: ووجه هذه الطريقة المخرجة أن سبب الفسخ قارن العقد وهو العيب فاستند في الحكم إليه، ويجعل كأنه جمع في العقد بين موجود ومعدوم حتى يصير كأن العقد لم يكن.
انتهى كلامه.
وهو صريح في اختصاص هذا الوجه المخرج بالعيب المقارن على خلاف ما دل عليه تعبير الرافعي.
وعلى هذا فيكون الفسخ بالعيب الحادث مضافًا إلى وقت حدوثه كما ذهب بعض الأصحاب إليه في فسخ النكاح.
قوله: وإن افتضها الأجنبي بآلة الافتضاض فعليه المهر، وهل يدخل فيه أرش البكارة أو الرد؟ فيه وجهان: أصحهما: يدخل.
انتهى.
هذه المسألة سبق الكلام عليها واضحا في آخر باب البيوع المنهي عنها فراجعه.
الجزء: 5 - الصفحة: 206
قوله: لنا ما روى أن مخلد بن خفاف ابتاع غلامًا.
. . . الحديث المعروف 141.
وروى في آخره أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: "الخراج بالضمان".
أما مخلد فإنه بميم مفتوحة وخاء معجمة ساكنة.
وخفاف بضم الخاء المعجمة وتخفيف الفاء، وهو غفاري يقال: إن له ولأبيه ولجده صحبة.
وحديثه هذا رواه أَبو داود وابن حبان في "صحيحه" وكذلك الترمذي والحاكم وقالا: إنه صحيح.
قوله: ولو اشترى جارية فولدت ثم اطلع على عيب بها فهل يتعين الأرش أم يجوز التفريق؟ فيه اختلاف.
ثم قال: وسنذكر نظيره في الرهن.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الأصح في هذه المسألة أنه لا يجوز التفريق، وكذا صرح الرافعي بالمسألة، وبالتصحيح في باب الفلس في الكلام على الرجوع وعبر بالأصح فافهمه، فإن المسألة ليس فيها تصحيح في هذا الباب.
الثاني: أن الرافعي أشار بقوله: (وسنذكر نظيره في الرهن) إلى أن الأم
الجزء: 5 - الصفحة: 207
إذا رهنت دون الولد أو بالعكس واحتجنا إلى البيع فإنه لا يجوز التفريق على الأصح، غير أنه لا يؤخذ منه امتناع التفريق في هذه المسألة لأن الرافعي لم يجعل المسألة كالمسألة وإنما جعل الخلاف نظير الخلاف، وهو نظيره لكونه أيضًا خلافًا في جواز التفريق.
وقد عبر النووي في "الروضة" عن هذه العبارة بتعبير فاسد فقال: وستأتي المسألة مع نظيرها في الرهن.
هذا لفظه.
والمسألة ليس لها ذكر في الرهن، وليست أيضًا نظير هذه.
قوله: فأما إذا اشترى جارية أو بهيمة حاملًا ثم وجد بها عيبًا، فإن كانت حاملًا بعد ردها كذلك وإن وضعت الحمل، ونقصت بالولاة فلا رد.
انتهى كلامه.
وما قاله -رحمه الله- من امتناع الرد بسبب النقصان الحاصل من الولادة تابعه عليه في "الروضة" وهو صحيح إن كان المشتري عالمًا بالحمل حالة العقد، أو علم به بعد ذلك ورضى.
فأما إذا استمر الجهل إلى الوضع فلا، وقد تقدم في أول الباب أن العيب إذا حصل في يد المشتري بسبب موجود في يد البائع كافتضاض البكر وقطع العبد وقتله بما سبق من النكاح والجناية والردة هل يكون من ضمان البائع أو المشتري؟ فيه ثلاثة أوجه:
أصحها: إن علم المشتري بذلك كان من ضمانه وإلا فمن ضمان البائع.
قوله: ولو اشترى جارية أو بهيمة حائلًا فحملت ثم اطلع على عيب، فإن نقصت بالحمل فلا رد إن كان الحمل في يد المشتري، وإن لم تنقص أو كان الحمل في يد البائع فله الرد.
وأما الولد فإن قلنا: يعرف ويأخذ قسطًا من الثمن فيبقى للمشتري
الجزء: 5 - الصفحة: 208
فيأخذه إذا انفصل.
وحكى الماوردي وجهًا آخر أنه للبائع لاتصاله بالأم عند الرد.
وإن قلنا: لا يعرف فهو للبائع، ويكون تبعًا للأم عند الفسخ كما يكون تبعًا لها عند العقد.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن الكلام على أن الحمل هل هو عيب أم لا؟ وقد سبق في العيوب ذكره، وذكر ما وقع فيه من المخالفة في كلامه وكلام النووي فراجعه.
الثانى: أن الحمل هل يتبع الأم في الفسخ أم لا؟ وحاصل ما ذكره هنا ترجيح عدم الدخول.
إذا علمت ذلك فقد ذكر في نظيره من الفلس ما يخالفه فقال في آخر الباب في الكلام على رجوع البائع: ولو كانت حائلًا عند الشراء حاملًا عند الرجوع ففي رجوع البائع في الحمل قولان، والأكثرون مائلون إلى ترجيح قول الرجوع، وذكروا أنه المنصوص لأن الحمل تابع في البيع، فكذا في الرجوع انتهى ملخصًا.
ووقع الموضعان كذلك في "الشرح الصغير" و"الروضة" والصواب التسوية بينهما.
وحينئذ فينبغي أن تكون الفتوى على انتقال الحمل مع الأم لنقله إياه في الفلس عن الأكثرين، وهو مقتضى كلام "المحرر"، فإنه هنا جعل الزيادات المتصلة للبائع، ولم يستثنى منها شيئًا، وصرح به هناك.
ومن نظائر المسألة رهن الجارية أو البهيمة حائلًا ثم تحمل، والأصح أن الرهن لا يتعدى إلى الولد وكذلك رجوع الوالد في الهبة.
والصحيح فيها أن الحمل لا يتبع الأم على وفق ما صححوه في هذا
الجزء: 5 - الصفحة: 209
الباب.
كذا صححه النووي في "الروضة" وهو مقتضى كلام الرافعي، فإنه بناه على أنه هل يأخذ قسطًا من الثمن كما فعل هنا؟ .
الأمر الثالث: إذا قلنا: لا يتبع في الفلس، فقال الشيخ أَبو محمد: يرجع فيها قبل الوضع.
وقال الصيدلاني وغيره: لا يرجع في الحال، بل يصبر إلى انقضاء المدة، هكذا قاله الرافعي.
ومقتضاه رجحان الثاني، وحينئذ فقياسه أن لا يجوز للمشتري أن يفسخ بالعيب حتى تضع، لكن ذكر النووي هناك من "زياداته" أن قول الشيخ أبي محمد هو ظاهر كلام الأكثرين.
وفي "الشرح" و"الروضة" حكاية الوجهين في الواهب من غير ترجيح.
وسبب امتناع الرجوع قبل الوضع أنه إدخال ملك اختيارًا فلم يجز عند عدم دخول الحمل كبيع الحامل بحر، فإنهم صححوا امتناعه، وعللوه بأن مقتضى البيع دخول الحمل مع الأم، ولم يوجد فصار نظير ما إذا باع الجارية واستثنى حملها.
وقد تقدم [الكلام على] 142 هذا التعليل في موضعه.
الأمر الرابع: أن النووي قد ذكر أيضًا من "زياداته" في كتاب الفلس نقلًا عن الماوردي من غير مخالفة له أنا إذا قلنا: إن الحمل لا يتبع الأم فلا تسلم الجارية إلى البائع، ولا تبقى في يد المشتري أو الغرماء لأن لكل واحد حقا، وقياس هذا إنما يأتي في الرد بالعيب، وظاهر كلامهم يأباه.
واعلم أن الحمل يندرج في المعاوضة قطعًا، وفي اندراجه في غيرها من العقود والفسوخ قولان، حتى الهبة نقل الإمام فيها أن الجديد عدم
الجزء: 5 - الصفحة: 210
الاندراج، وكلام الرافعي يقتضي الجزم فيها بالاندراج، وفي الرهن الأصح الاندراج وفي الفلس والرجوع بالهبة.
قوله: لكن لو أقاله في البعض ليعجل الباقي أو عجل المسلم إليه البعض ليقيله في الباقي فهي فاسدة.
انتهى كلامه.
وهذه المسألة سبق الكلام عليها واضحًا في أول البيوع المنهي عنها فراجعه.
قوله من "زياداته": قال القفال في "شرحه في التلخيص": لو تقايلا ثم اختلفا في الثمن ففيه ثلاثة أوجه، سواء قلنا: الإقالة بيع أو فسخ:
أصحها -وهو قول ابن المرزبان-: أن القول قول البائع.
والثاني: قول المشتري.
والثالث: يتحالفان وتبطل الإقالة.
انتهى كلامه.
وهذه المسألة لم أرها في "شرح التلخيص" المذكور وينبغي تحرير تصويرها لأنه إن كان قبل قبض الثمن فلا فائدة في الاختلاف لأنه ساقط عن المشتري، قليلًا كان أو كثيرًا.
فإن قيل: قد يكون معينا وتحصل منه زوائد يطلبها البائع.
قلنا: حينئذ لا موجب لتصديق البائع وإعطائه ما يدعيه بمجرد قوله.
وإن كان بعد القبض فتصديق البائع واضح لأنه غارم، ومجيء الخلاف بعيد لاسيما التحالف، فإنه يؤول أيضًا إلى النزاع بعد الانفساخ فلا يبقي له فائدة.
قوله: ولو رد العقد علي درهمين معينين فخرج أحدهما نحاسًا له قيمة فالعقد باطل لأنه بان أنه غير ما عقد عليه، وقيل: إنه صحيح تغليبًا للإشارة.
انتهى كلامه.
الجزء: 5 - الصفحة: 211
وما ذكره هنا من تغليب العبارة على الإشارة، قد ذكر في أوائل كتاب النكاح في الكلام على المعقود عليه ما يعكر عليه فإنه ذكر هناك ما إذا قال: بعتك فرسي هذا، وهو بغل، وذكر فيه ما يقتضي الصحة تغليبًا للإشارة، ونقل هناك أيضًا عن الروياني في "البحر" أنه لو قال: زوجتك هذا الغلام وأشار إلى ابنته صح، وكلامه أيضًا يقتضي صحة البيع في كتاب الخلع، ولم يتعرض في "الروضة" للموضع الثاني.
قوله من زياداته: ولو اشترى سلعة بألف في الذمة فقضاه عنه أجنبي متبرعًا فرد السلعة بعيب لزم البائع رد الألف، وعلى من يرد؟ وجهان:
أحدهما: على الأجنبي لأنه الدافع.
والثاني: على المشتري لأنه تقدر دخوله في ملكه فإذا رد المبيع رد إليه ما يقابله، وبهذا الوجه قطع صاحب المعاياة.
انتهى كلامه.
وهذا الكلام فيه إشعار برجحان الثاني لأن تصحيح بعض أئمة المذهب معمول به فضلًا عن القطع، لكن نقل في الصداق ما يخالفه فقال في أوائل السبب الرابع من الباب الثاني ما نصه: وإذا كان الابن بالغًا وأدى الأب عنه الصداق فهو كالأجنبي إذا أدى عنه، والأصح في صورة الأجنبي عود النصف إليه لا إلى الزوج، قاله الإمام.
انتهى.
وذكر أيضًا في كتاب الضمان نحوه فقال: وإذا ضمن الثمن عن المشتري بغير إذنه وأداه فرده المشتري بعيب أو غيره فهل يرجع ما دفعه إليه أم للمشتري؟ قال: على الخلاف المذكور في الصداق ولا ذكر لهذه المسألة في "الشرح الصغير".
قوله أيضًا من "زياداته": قال القفال والصيدلاني وآخرون: إذا اشترى ثوبًا وقبضه وسلم ثمنه ثم وجد بالثوب عيبًا قديمًا فرده فوجد الثمن معيبًا ناقص الصفة بأمر حدث عند البائع يأخذه ناقصًا ولا شيء عليه له بسبب
الجزء: 5 - الصفحة: 212
النقص، وفيه احتمال لإمام الحرمين ذكره في باب تعجيل الزكاة.
انتهى كلامه.
هذه المسألة ذكرها الرافعي في المانع الأول من موانع الرد، وما ذكره هنا أيضًا من جعل الرجوع احتمالًا غريب، فإنه وجه ثابت قوي على ما صرح به هو هناك فقال: لا أرش لنقص صفة المسمى في الأصح.
الجزء: 5 - الصفحة: 213
قال -رحمه الله-: النظر
الثالث في حكم العقد قبل القبض وبعده
قوله: الأول أن يتلفه المشتري فهو قبض منه على المذهب -إلى آخره.
يستثني من ذلك ما إذا اشترى عبدًا [فارتد] 143 قبل القبض وكان المشتري هو الإمام فقتله فإنه لا يكون قبضًا ولا يستقر عليه الثمن بخلاف ما إذا كان غير الإمام فإنه مستقر عليه، كذا نقله الرافعي قبيل باب الديات عن "فتاوى البغوي" وأقره.
ويستثني أيضًا ما لو قتله قصاصًا ففى "المطلب" لابن الرفعة أنه يظهر أن يكون كالآفة.
والقياس في تارك الصلاة وقاطع الطريق والزاني المحصن أن يكونوا كالمرتدين في هذا الحكم.
ويتصور كون الزاني المحصن عبدًا مع أن شرط الإحصان الحرية في الكافر إذا زنى ثم لحق بدار الحرب فاسترق.
وقد سبق في أواخر الرد بالعيب كلام آخر متعلق بهذه الصورة.
واعلم أن استقرار الثمن على قاتل المرتد إذا كان غير الإمام مشكل، فإنه لو قتله لم يلزمه شيء كما ستعرفه واضحًا في خيار النقص، فكيف يستقر عليه الثمن مع أن هذا القتل غير مضمون، وهكذا القول أيضًا في الثلاثة التي ألحقها.
وأما القتل للصيال فسيأتي في كلامه.
قوله: والثالث أن يتلفه البائع فطريقان: أظهرهما: أنه على قولين:
الجزء: 5 - الصفحة: 214
أصحهما: انفساخ العقد.
انتهى كلامه.
وما صححه هاهنا من الانفساخ قد صححه أيضًا في باب الفلس في الكلام على رجوع البائع فقال: إنه الأصح عند صاحب "التهذيب" وغيره، وصححه أيضًا هنا في "الشرح الصغير" و"المحرر" [لكنه أعادها في "الشرح الصغير" في أوائل كتاب الصداق وقال: الأصح] 144 أنه كإتلاف الأجنبي؛ والفتوى على المذكور هنا وهو الانفساخ.
فإن الرافعي نقله في آخر المسألة عند الكلام على رقم كلام الغزالي عن الجمهور.
قوله: ولو صال العبد المبيع على المشتري في يد البائع فقتله دفعًا، فعن الشيخ أبي علي ألا يستقر الثمن عليه.
وعن القاضي أنه يستقر.
انتهى.
والأصح عدم الاستقرار، وكذا قال النووي من "زياداته".
قوله: ولو أغرق البحر الأرض المشتراة أو وقع عليها صخور عظيمة من جبل بجنبها أو كسيها رمل فهل هو كالمتلف أو أثرها ثبوت الخيار؟ فيه وجهان، الأشبه الثاني.
انتهى.
وما ذكره هاهنا من ترجيح ثبوت الخيار قد ذكر ما يخالفه في موضعين من هذا الكتاب: أحدهما في كتاب الشفعة [فإنه جزم في أوائل الباب الثاني منها بأن غرق الأرض إتلاف لا تعييب.
حتى إنه إذا حصل في بعض الأرض المشتراة] 145 فلا يأخذ الشفيع إلا بالحصة.
والثاني في آخر الإجارة فقال فيما إذا استأجر أرضًا فغرقت بالماء أنه يكون كانهدام الدار.
والصحيح في انهدامها الانفساخ لا الخيار.
الجزء: 5 - الصفحة: 215
ووقعت هذه المواضع أيضًا في "الروضة"، وعبر عن قول الرافعي هنا الأشبه والثاني بقوله: إنه الأصح.
وذكر في "الشرح الصغير" الموضع الثاني فقط، ولم يتعرض للمسألة في "المحرر" ولا في "مختصره".
قوله: إذا اشترى عبدين وتلف أحدهما قبل القبض انفسخ البيع فيه، وفي الثاني قولا تفريق الصفقة.
انتهى.
وهذه المسألة سبق الكلام عليها في تفريق الصفقة فراجعه.
قوله: وأصح الأوجه أنه يصح إعتاق المبيع قبل القبض سواء كان للبائع حق الحبس أم لا ثم قال: فلو وقفه ففي "التتمة" أنه ينبني على أن الوقف هل يفتقر إلى القبول؟
إن قلنا: نعم.
فهو كالبيع، وإلا، فكالإعتاق وبهذا أجاب صاحب "الحاوي".
انتهى.
وهذه المقالة التي نقلها هنا عن "التتمة" وارتضاها ولم يردها نقلها عنه أيضًا في وقف الراهن المرهون ثم صحيح القطع، بإنه لا يلتحق بالعتق وأنه يبطل مطلقًا.
والقياس التسوية بين البابين وإلا فما الفرق.
قوله: ولو باع المبيع قبل القبض من البائع لم يصح في أصح الوجهين، ثم قال: والوجهان فيما إذا باع بغير جنس الثمن أو بزيادة أو نقصان أو تفاوت صفة وإلا فهو إقالة بصيغة البيع.
قاله في "التتمة".
انتهى.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" وكذلك النووي في "الروضة".
والنقل المذكور قد نقله صاحب "التتمة" عن بعضهم فقال: السابعة: إذا باع المبيع قبل القبض من البائع فمن أصحابنا من قال: إن باع منه بغير جنس الثمن الأول وقدره وصفته فهو إقالة بلفظ البيع.
الجزء: 5 - الصفحة: 216
ومنهم من قال: البيع منه جائز لأن المنع من البيع بحق أو للعجز عن التسليم فأيهما كان ففي حقه معدوم هذا لفظه.
وقد ذكر شيخه القاضي الحسين هذه المسألة بزيادة لابد من معرفتها، فإن حكم المسألة متوقف عليها فقال وإن باعه بمثل ذلك الثمن جنسًا وقدرًا إن جوزنا البيع في المسألة الأولى فهاهنا أولى، وإلا فوجهان:
أحدهما: لا يجوز كذلك.
والثاني: يجوز ويجعل إقالة بلفظ البيع.
والوجهان في الحقيقة يبنيان على أن العبرة في العقد باللفظ أو بالمعنى؟ هذا لفظه.
وفي المسألة كلام آخر سبق ذكره في الرد بالعيب في الكلام على ما إذا اطلع على العيب بعد زوال الملك فراجعه والأصح كما قاله الرافعي في أوائل السلم أن العبرة باللفظ.
وحينئذ فلا يصح هذا على الصحيح.
والعجب من إسقاط الرافعي هذه الزيادة.
قوله: فلو وهب منه أي من البائع قبل القبض أو رهن فطريقان:
أحدهما: القطع بالمنع.
وأصحهما في ما نقل عن صاحب "التهذيب": أنه على القولين.
انتهى.
والصحيح ما قاله صاحب "التهذيب" كذا صححه النووي في أصل "الروضة".
قوله: والأمانات كالوديعة.
ثم قال: والمال في يد المستأجر بعد المدة.
انتهى.
وهذه المسألة فيها كلام يأتي ذكره إن شاء الله تعالى في الإجارة فراجعه.
الجزء: 5 - الصفحة: 217
قوله: فمنها ما حكاه صاحب "التلخيص" عن النص أن الأرزاق التي يخرجها السلطان للناس يجوز بيعها قبل القبض، فمنهم من قال: هذا إذا قرره السلطان فتكون يد السلطان في الحفظ يد المفرز، ويكفي ذلك لصحة البيع.
ومنهم من لم يكتف بذلك، وحمل النص على ما إذا وكل وكيلًا في فقبضه الوكيل ثم باعه الموكل، وإلا فهو بيع شيء غير مملوك، وهذا ما أورده القفال في الشرح.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران نبه عليهما في "الروضة":
أحدهما: أن الأصح هو الأول، وإن كان على خلاف القاعدة للرفق بالجند.
الثاني: أن مراد الرافعي بقوله: وهو الذي أورده القفال في "الشرح" إنما هو عدم الاكتفاء فإنه نقل هكذا في "شرح التلخيص" له، وأما الحمل المذكور على ما إذا وكل فلم يذكره.
قال: وصرح القفال بأن مراد الشافعي بالرزق هو الغنيمة.
انتهى كلام "الروضة".
والذي ذكره الرافعي والنووي هنا كلام غير محرر مخالف للقواعد والنقول في المسألة بعينها، ويصح بما ذكره الرافعي في كتاب السير فإنه قال: وقولنا: تملك الغنيمة بالقسمة، محله إذا رضي الغانم بالقسمة أو قبل ما عينه له الإمام.
وأما إذا رد فينبغي أن يصح رده.
وذكر البغوي فيه خلافًا فقال: إذا أقر الإمام الخمس وأقرر نصيب كل واحد منهم أو أقرر لكل طائفة شيئًا معلومًا فلا يملكونه قبل اختيار التملك على الأصح حتى لو ترك بعضهم حقه صرف إلى الباقين هذا كلامه.
الجزء: 5 - الصفحة: 218
وحينئذ فيكون ما ذكره هاهنا من صحة البيع في نصيبه وهو في يد الإمام صحيحًا متجهًا ماشيًا على القياس لأنه بيع الغانم المقدار الذي عينه له الإمام قبول منه له لاسيما إذا وجد منه الرضى بقسمة الإمام، ولو أفرز الإمام للأجناد المرتبين في ديوان الجيش شيئًا من مال [الفيء] 146 كان بيعه قبل قبضهم له مخرجًا على ما ذكرناه في الغنيمة.
قوله: ومنها: الشفيع إذا تملك الشقص قال في "التهذيب": له بيعه قبل القبض.
وقال في "التتمة": ليس له ذلك لأن الأخذ بها معاوضة.
قال في "الروضة": من "زوائده" إن الثاني أقوى.
انتهى.
وفيه أمران:
أحدهما: أن الرافعي قد صرح بالتصحيح في باب الشفعة فقال: إنه أظهر الوجهين، وعبر عنه في "الروضة" بالأصح.
وكلامه هنا يؤذن بعدم استحضاره إياه.
الأمر الثاني: أن النووي قد ذكر هناك تفصيلًا فقال: وفي نفوذ تصرف الشفيع قبل القبض إذا كان قد سلم الثمن وجهان:
أصحهما: المنع كالمشتري.
والثاني: الجواز لأنه قهري كالإرث.
ولو ملك بالإشهاد أو بقضاء القاضي لم ينفذ تصرفه قطعًا، وكذا لو ملك برضى المشتري يكون الثمن عنده.
هذا كلام "الروضة" إلا أنه مخالف لكلام الرافعي، فإنه -أعني الرافعي- نقل هذا التفصيل عن الإمام خاصة؛ ثم قال عقب حكايته له: والقياس التسوية.
هذا لفظه.
الجزء: 5 - الصفحة: 219
قوله: ومنها إذا استأجر صباغًا ليصبغ ثوبًا وسلمه إليه.
. . . إلى آخره.
وهذه المسألة فيها كلام يأتي ذكره إن شاء الله تعالى في آخر الفلس فراجعه.
قوله: فإذا باع بدراهم أو بدنانير في الذمة جاز الاستبدال عنها في الجديد لما روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما-.
قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع بالدنانير فآخذ مكانها الورق 147.
وإذا باع بغير الدراهم والدنانير فجواز الاستبدال عنه ينبني على أن الثمن ما ألصق به ثاء الثمنية إن قلنا: إنه هو.
فيجوز الاستبدال عنه كالنقدين وإن لم نقل بذلك فلا يجوز.
انتهى كلامه.
وما ادعاه من عدم الجواز إذا لم نقل بهذا الوجه تبعه عليه في "الروضة" وهو لا يستقيم لأن لنا وجهين آخرين:
أحدهما: أن الثمن هو النقدان لا غير، وعلى هذا فلا يجوز الاستبدال كما قال.
والثاني: أن الثمن هو النقد، فإن لم يكن أو كان العوضان نقدين فالثمن ما اتصل به الباء.
وهذا الوجه هو الصحيح، وحينئذ فيجوز الاستدلال، ويكون هو الصحيح لوجود الباء أيضًا مع انتفاء النقدية فاعلمه.
والبقيع الوارد في الحديث المذكور هو بالباء الموحدة وهو بقيع الغرقد
الجزء: 5 - الصفحة: 220
مدفن أهل المدينة، وكانوا يبيعون فيه الإبل لعدم كثرة الموتى فيه.
وفال ابن باطيس: الظاهر أنه بالنون، وحكاه ابن معن قولًا ورد عليهما النووي في "تهذيبه".
والحديث رواه أَبو داود.
قوله: وإن استبدل عنهما ما لا يوافقهما في علة الربا كما إذا استبدل عن الدراهم طعامًا أو ثيابًا نظر إن عين جاز.
وهل يشترط فيه القبض في المجلس؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم.
وهو اختيار الشيخ أبي حامد ويحكى عن أبي إسحاق وجماعة من الأصحاب، وصححه الغزالي، وهو ظاهر نصه في "المختصر".
وأصحهما عند الإمام وصاحب "التهذيب": أنه لا يشترط.
انتهى ملخصًا.
وكلامه ظاهر في رجحان الاشتراط، وليس كذلك، بل الصحيح عدم الاشتراط.
كذا صححه الرافعي في كتاب الصلح من هذا الكتاب، وصححه أيضًا هنا في "المحرر"، وهو مقتضى كلامه في "الشرح الصغير" وصححه النووي في "زياداته".
قوله: الضرب الثالث: ما ليس بمثمن ولا ثمن كالقرض والاتلاف، فيجوز الاستبدال عنه إذا استهلكه.
أما إذا بقى في يده فلا لأنا إن قلنا: إن القرض يملك بالقبض فبذله غير مستقر في الذمة، لأن للمقرض أن يرجع في عينه.
وإن قلنا: يملك بالتصرف فالمستقرض مسلط عليه، وذلك يوجب ضعف الملك في القرض.
انتهى كلامه.
وما نقله عن "الشامل" إذا ملكناه بالقبض صحيح وأما إذا قلنا: لا يملك
الجزء: 5 - الصفحة: 221
إلا بالتصرف فلا يصح نقلًا ولا معنى.
أما الأول فلأن صاحب الشامل إنما نقله عن بعضهم فقال: قال بعض أصحابنا: لا يجوز، وأشعر إيراده بترجيح خلافه.
وأما الثاني فلأن كلام الرافعي في الاستبدال عن الدين ولا دين على المقرض إذا قلنا: لا يملك إلا بالتصرف، فهي مسألة أخرى إلا أنها مسألة مهمة، وقد حذفها من "الروضة".
قوله: ولا يجوز استبدال المؤجل عن الحال، ويجوز عكسه، ويكون تعجيلًا.
انتهى.
واعلم أن المسألة لها ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يكون لكل منهما على الآخر دين أحدهما حال والآخر مؤجل فيتبادلان.
ثانيها: أن يبادله بدين له على غيره.
ثالثها: أن يكون لأحدهما على صاحبه دين فيبادله عنه بدين آخر لم يكن ثابتًا، بل يحدث إثباته، وفي كل من الثلاثة كلام يخصه بالنسبة إلى الجواز، وإلى اشتراط القبض في المجلس وغيرها، وبعضه يعرف مما سبق ومما يأتى.
قوله: وأما بيع الدين من غير من عليه، كما إذا كان له على إنسان مائة فاشترى من آخر عبدًا بتلك المائة فقولان:
أصحهما: المنع.
فإن جوزنا فيشترط أن يقبض مشتري الدين ذلك الدين ممن عليه، ويقبض بائع الدين العوض في المجلس حتى لو تفرقا قبل قبض أحدهما بطل العقد.
انتهى.
الجزء: 5 - الصفحة: 222
وما ذكره هاهنا من تصحيح المنع قد جزم به أيضًا في الكتابة في الحكم الثالث في الكلام على بيع نجوم الكتابة، لكنه ذكر في أواخر الخلع ما حاصله الجواز فقال في أوائل المسألة الخامسة: ولو قال: قبلت الخلع بألف في ذمة فلان فينبنى على أن العقد بألف فى ذمة آخر، هل يجوز؟ فيه خلاف.
فإن قلنا: يجوز.
تحالفا، وهذا الأصح عند الشيخ أبي حامد وصاحب "المهذب" وابن الصباغ وغيرهم.
هذا كلامه.
ولم يذكر ترجيحًا غيره، وهو صريح في رجحان الجواز.
وقد اختلف كلام النووي أيضًا في المسألة، فإنه قال في "الروضة" هنا من "زوائده": الأظهر الصحة.
وصرح بتصحيحه في آخر الخلع فقال في "اختصاره" لكلام الرافعي: والأصح التحالف بناء على صحة بيع الدين.
وقال في "المنهاج" هنا: الأظهر أنه لا يجوز، ولم يتعرض لها في الكتابة.
قوله من "زياداته": وقد حكى الرافعي بعد هذا وجهًا عند بيع الأرض المزروعة في باب الألفاظ المطلقة أنه لا يصح بيع الدار المشحونة، وأن إمام الحرمين ادعى أنه ظاهر المذهب.
انتهى كلامه.
والذي قاله النووي سهو، فإنه الوجه المحكى هناك إنما هو صحة القبض لا في صحة البيع.
قوله: وإن كان المبيع من المنقولات لم يكف في قبض التخلية، بل يشترط النقل والتحويل وفي قول رواه حرملة أنها تكفي.
وقيل: يكفي لنقل الضمان إلى المشتري، ولا يكفي لجواز تصرفه.
فعلى الأول يأمر العبد بالإنتقال من موضعه، ويسوق الدابة ويقودها.
انتهى.
زاد في "الروضة" على ذلك فقال: قلت: ولا يكفي استعماله
الجزء: 5 - الصفحة: 223
وركوبها بلا نقل، وكذا وطء الجارية على الصحيح، كذا ذكره في "البيان" والله أعلم.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن ما اقتضاه كلامهما من عدم الاكتفاء بركوب الدابة ليس على إطلاقه، بل صورته إذا كان بغير إذن البائع، فإن ركب بإذنه حصل القبض.
كذا جزم به الرافعي في كتاب الغصب في الكلام على ما إذا ركب دابة الغير.
فتفطن لذلك، فإنها مهمة.
الأمر الثاني: أن المبيع إذا كان خفيفًا يتناول باليد لابد في قبضه من تناوله، كما صرح به الفوراني والمحاملي وصاحب "التنبيه"، وقد استدركه في "الروضة" بعد هذا.
الأمر الثالث: إن هذه المسألة التي ذكرها على أنها من زياداته، واقتصر على نقلها عن "البيان" قد سبق ذكرها في كلام الرافعي مجزومًا بها، ذكر ذلك في الرد بالعيب في الكلام على الاستخدام.
قوله: ولو جاء البائع بالمبيع فقال المشتري: ضعه فوضعه بين يديه حصل القبض.
وإن وضعه ولم يقل شيئًا أو قال: لا أريده.
فكذا في الأصح.
ثم قال: ولو وضع المديون الدين بين يدى مستحقه ففي حصول التسليم خلاف مرتب على المبيع، وأولى بعدم الحصول لعدم تعيين الدين فيه.
انتهي.
لم يصحح شيئا في "الروضة"، وقد جزم في الشفعة بما يؤخذ منه ترجيح الحصول فقال: ثم لا يملك الشفيع بمجرد الأخذ، بل تعتبر مع ذلك أمور:
الأول: أن يسلم العوض إلى المشتري فيملك به إن سلمه، وإلا خلى
الجزء: 5 - الصفحة: 224
بينه وبينه، أو يرفع الأمر إلى القاضي حتى يلزمه التسليم، هذا لفظه وسنعيد هذه المسألة إن شاء الله تعالى في بابها لمعنى غير ما ذكرناه.
قوله: فلو قبض جزافًا ما اشتراه مكايلة دخل [المقبوض] 148 في ضمانه، وأما تصرفه فيه بالبيع ونحوه، فإن باع الكل لم يصح لأنه قد يزيد على القدر المستحق.
فإن باع ما استيقن أنه له فوجهان، ذهب الجمهور إلى أنه لا يصح لعدم القبض المستحق بالعقد، وعن أبي إسحاق أنه يصح.
انتهى.
وما ذكره من بطلان البيع في مقدار حقه وإن قبضه فاسد، قد ذكر عقبه ما يخالفه فقال: ولو قال الدافع: خذه فإنه كذا، فأخذه مصدقًا له فالقبض فاسد أيضًا حتى يجري إكتيال صحيح، فإن زاد رد الزيادة، وإن نقص أخذ الباقي.
انتهى.
ومقتضاه أنه لا يرد قدر حقه، وهو يستلزم صحة قبضه.
واعلم أنه إذا قبض جزافًا ما إذا اشتراه مكايلة فهلك في يده ففي انفساخ العقد وجهان حكاهما الرافعي في الكلام على الجوائح، ولم يرجح شيئًا منهما.
قوله: فلو تلف المقبوض فزعم الدافع أنه كان قدر حقه أو أكثر، وزعم القابض أنه كان دون حقه أو قدره فالقول قول القابض.
فلو أقر بجريان الكيل لم يسمع منه خلافه.
انتهى كلامه.
وما ذكره من عدم قبول قوله عند إقراره بجريان الكيل يقتضي أنه لا فرق بين أن يكون حقه متعلقًا بالعين خاصة والذمة خلية، كما إذا باعه الصبرة مكايلة وبين أن يكون الحق في الذمة كما إذا أسلم إليه أو اشترى منه صاعًا في ذمته، فإن الرافعي قد ذكر ذلك جميعه في هذا الفصل ثم أتي
الجزء: 5 - الصفحة: 225
بهذا الكلام عقبه، ولكنه قد صرح في كتاب الضمان بما يخالف ذلك إذا كان الحق في الذمة فقال: لو اختلف البائع والمشتري في نقص الصنجة الموزون بها الثمن صدق البائع بيمينه.
وذكر المسألة أيضًا في باب اختلاف المتبايعين، وفصل فيها فقال: لو اشترى طعامًا كيلًا وقبضه بالكيل أو وزنًا وقبضه بالوزن أو أسلم فيه وقبضه ثم جاء وادعى نقصًا.
فإن كان قدرًا يقع مثله في الكيل والوزن قبل، وإلا فقولان: أصحهما: عدم القبول.
انتهى.
ومقتضى قوله: (كيل) أنه يرجع بالنقصان، وإلا لم يكن للقبول فائدة.
وهو عكس ما جزم به أولًا، ووقع هذا الاختلاف أيضًا في "الروضة" وستكون لنا عودة إلى المسألة بعد هذا بنحو ورقة.
قوله: فليس على البائع الرضى بكيل المشتري، ولا على المشتري الرضى بكيل البائع، بل يتفقان على كيال، وإن لم يتراضيا نصب الحاكم أمينًا يتولاه كذا ذكره في "الحاوي".
انتهى كلامه.
تابعه عليه في "الروضة"، وظاهره يقتضي أن كيل المشتري معتد به، لكنه ذكر بعد ذلك بنحو ورقة ما يخالفه فقال: ولو أذن لمستحق الحنطة أن يكتال من الصبرة حقه ففيه وجهان:
أصحهما: أنه لا يجوز لأن الكيل أحد ركنى القبض وقد صار ثابتًا فيه من جهة البائع مفاصلًا لنفسه.
والثاني: يجوز لأنه المقصود منه معرفة المقدار.
قوله: وإن كان لزيد طعام على رجل سلمًا ولآخر مثله على زيد فأراد زيد أن يوفي ما عليه مما له على الآخر فقال: إذهب إلى فلان واقبض
الجزء: 5 - الصفحة: 226
لنفسك ما لي عليه فقبضه فهو فاسد.
ثم قال ما نصه: وإذا فسد القبض فالمقبوض مضمون على الآخذ، وهل تبرأ ذمة الدافع عن حق زيد؟
فيه وجهان: أصحهما: نعم.
وهما مبنيان على القولين في ما إذا باع نجوم الكتابة وقبضها المشتري هل يعتق المكاتب؟ . انتهى كلامه.
والقولان المبني عليهما محلهما إذا قلنا.
لا يصح بيع النجوم.
كذا ذكره صاحب "الشامل" و"التتمة" وغيرهما وكلام الرافعي يوهم خلافه فاحذره.
قوله: ولو اكتال زيد وقبضه لنفسه، ثم كاله على مشتريه وأقبضه فقد جرى الصاعان، وصح القبضان ثم إن وقع في الكيل الثاني زيادة أو نقصان، فإن كان قدر ما يقع بين الكيلين فالزيادة لزيد والنقصان عليه ولا رجوع له.
انتهى.
وما ذكره هاهنا من عدم الرجوع قد جزم بما يوافقه في باب زكاة المعشرات في الكلام على الخرص، ثم ذكر ما يخالف الموضعين معًا في باب التخالف، وجزم بما حاصله أنه يرجع، وقد سبق إيضاحه قبل هذه المسألة بقليل مع كلام آخر متعلق بها.
قوله: ومؤنة نقد الثمن هل هي على البائع أم على المشتري؟
حكي صاحب "الحاوي" فيه وجهين.
انتهى.
قال في "الروضة" من "زياداته": ينبغي أن يكون الأصح أنها على البائع، وما ذكره النووي بحثًا هو الأصح عند صاحب "الحاوي" فقد جزم به في كتاب القصاص في مسألة أجرة الجلاد الحدود في أجوبته عن أدلة أبي حنيفة.
وجزم به أيضًا الدبيلي في "أدب القضاء" ويتجه أنه إن كان الاحتياج
الجزء: 5 - الصفحة: 227
إلى النفاذ لأجل ظهور حال شيء ادعى البائع رداءته، وعلم به المشتري أيضًا فهو عليه أي على المشتري، وإلا فعلى البائع.
قوله: ولو كان عليه طعام أو غيره من سلم أو غيره فدفع إلى المستحق دراهم وقال: اشترِ بها مثل ما تستحقه علي واقبضه لي، ثم اقبضه لنفسك صح الشراء والقبض للموكل، ولا يصح قبضه لنفسه لاتحاد القابض والمقبض وامتناع كونه وكيلًا لغيره في حق نفسه.
وقيل: يصح قبضه لنفسه، وإنما الممتنع أن يقبض من نفسه لغيره.
ثم قال: ولو قال: اشترِ لنفسك فالتوكيل فاسد إذ كيف يشتري بمال الغير لنفسه؟ وتكون الدراهم أمانة في يده لأنه لم يقبضها ليمتلكها.
انتهى.
وما ذكره في أواخر كلامه من منع الشراء بمال الغير لنفسه قد ذكر في عكسه خلافه فإنه قال في باب الوكالة: لو قال لغيره اشترِ لي من مالك كذا بكذا صح شراؤه للموكل إلا في السلم فأي فرق بين أن يشتري بمال نفسه لغيره أو يشتري بمال غيره لنفسه.
وهذه المسألة قد سبق ذكرها أيضًا في البيع في الكلام على بيع الفضولي، وفصل فيها تفصيلًا آخر.
قوله: ولو طلب القسمة قبل القبض قال في "التتمة": يجاب إليها لأنا إن جعلنا القسمة إفرازًا فظاهر، وإن جعلناها بيعًا فإن الرضى غير معتبر فيه لأن الشريك يجبر عليه.
وإذا لم نعتبر الرضى جاز أن لا نعتبر القبض كما في الشفعة.
انتهى كلامه.
والتعبير بقوله: "كما في الشفعة" قد تابعه عليه في "الروضة" أيضًا فإن أراد أنه يجوز للشفيع أن يتصرف في الشقص قبل قبضه فالصحيح المنع كما ذكره في أوائل الباب الثاني من أبواب الشفعة.
الجزء: 5 - الصفحة: 228
وإن أراد أن يجوز للشفيع أن يأخذ قبل قبض المشتري فهو موافق لما يقتضيه كلامه في كتاب الشفعة غير أن النووي صرح بالمسألة في "زياداته"، وحكي فيها وجهين من غير تصريح بتصحيح، لكنه أقر صاحب "التنبيه" على المنع، ولم ينبه عليه في تصحيحه فاقتضى ذلك أن يكون هو الصحيح عنده.
وهذا الاحتمال الثاني لعله المراد، فإن صاحب "التنبيه" ذهب إلى أن الشفيع يمنع من التصرف في الشقص إلا بعد قبضه كما نقله عنه الرافعي في هذا الباب.
قوله: لكن لو اختلفا فقال البائع: لا أسلم المبيع حتى أقبض الثمن، وقال المشتري: لا أؤدي الثمن حتى أقبض المبيع ففيه أربعة أقوال:
أحدها: يجبران معًا بأن يأمر الحاكم كل واحد منهما بإحضار ما عليه.
فإذا أحضره سلم الثمن إلى البائع، والمبيع إلى المشتري، أو يأمرهما بالوضع عند عدل ليفعل العدل ذلك.
والثاني: لا يجبر واحد منهما، لكن يمنعان من التخاصم فإذا سلم أحدهما ما عليه أجبر الآخر.
والثالث: يجبر المشتري.
والرابع -وهو الأصح-: أنه يجبر البائع.
انتهى ملخصًا.
وما ذكره في هذه المسألة يستثنى منه مسائل منها إذا كان البائع وكيلًا فإنه لا يجبر على التسليم، بل لا يجوز له ذلك حتى يقبض الثمن كما ذكروه في بابه.
ومنها: عامل القراض حكمه حكم الوكيل.
ومنها: إذا باع الحاكم أموال المفلس.
قال الرافعي: فعن أبي الحسين أنه يجب البدائة بتسليم الثمن بلا خلاف.
وعن أبي إسحاق أنه يجيء هاهنا قولان:
الجزء: 5 - الصفحة: 229
أحدهما: إجبار المشتري.
والثاني: إجبارهما.
ولا يجيء قول الابتداء بالبائع لأن من يصرف لغيره فلابد أن يحتاط، ولا قول الإعراض عنهما لأن الحال لا يحتمل التأخير.
قوله: وهذا كله فيما إذا كان الثمن في الذمة، فإن كان معينًا سقط القول الثالث، وإن تبايعا عرضًا بعرض سقط القول الرابع أيضًا، وبقي القولان.
أحدهما: يجبران.
والثاني: لا يجبران.
ويشبه أن يكون الأول أظهر.
انتهى كلامه.
وما ذكره -رحمه الله- من سقوط القول الثالث فقط وإبقاء الرابع وهو إجبار البائع في ما إذا كان الثمن معينًا ولم يكن عوضًا مناقض لما ذكره في "الشرح الصغير" وللمذكور هنا أيضًا فيما إذا كان عرضين، ومخالف لكلام الأصحاب.
فأما "الشرح الصغير" فإنه سَوَّى بين العرضين وبين غيرهما في سقوط القولين فقال: فإن كان معينًا فيخاف هلاكه، ويتعين كالمبيع فلا يجيء فيه القول الأول والثاني، وكذا لو تبايعا عرضًا بعرض فيبقى فيهما قولان:
أحدهما: يجبران.
والأخر: لا يجبران، هذا كلامه.
وأما مخالفته لكلام الأصحاب، فإن المحاملي، والإمام والبغوي وغيرهم كما قاله في "الكفاية" قالوا: إن القولين يسقطان حيث كان الثمن معينًا.
الجزء: 5 - الصفحة: 230
وأما مخالفته للمذكور هنا، فإنه قد ذكر في العوضين سقوط الرابع أيضًا، وهو إجبار البائع مع اشتراكهما في التعيين، فإن فرق بأن الأول فيه ثمن وهو النقد، قلنا: الأصح عنده أن الثمن لا يختص به، بل بما دخلت عليه الباء يكون ثمنًا أيضًا.
ولهذا قال ابن الرفعة: إنه لا وجه لما قاله الرافعي.
وتابعه في "الروضة" على هذا الكلام، ثم تفطن في "المنهاج" فذكره على الصواب.
قوله: التفريع إن قلنا: يجبر البائع على التسليم أولا، أو قلنا: لا يجبر، ولكنه تبرع وابتدأ بالتسليم والمشتري قد يكون موسرًا، وقد يكون معسرًا.
إلى آخره.
لقائل أن يقول: قد تقدم أن محل الأقوال في الإجبار إنما هو عند عدم خوف الفوات.
وإذا كان معسرًا لم يحصل بهذا الشرط، فلا يستقيم أن يكون ذلك قسمًا من أقسام محل الخلاف.
وجوابه: أن هذه المسألة مفروضة فيما إذا ظن البائع وظننا أيضًا يساره فأخلق، أو طرأ الإعسار ونحو ذلك.
قوله في المسألة: فإن كان ماله في البلد حجر عليه إلى أن يسلم الثمن، ثم قال: وحكى صاحب "الكتاب" هاهنا وفي "الوسيط" وجها: أنه لا يحجر عليه، ويمهل إلى أن يأتي بالثمن، ولم أرَ لغيره نقل هذا الوجه على هذا الإطلاق.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على إنكار ذلك، وقد [رده] 149 ابن الرفعة في
الجزء: 5 - الصفحة: 231
"الكفاية" فقال: إن الغزالي لم يطلقه، بل حكاه فيما إذا كان المشترى عينًا، بعد أن حكى أنه إذا تحقق إفلاسه، ولم يكن معه سوى المبيع، أو كان وزادت الديون عليه فللبائع الرجوع.
فتعين أن مراده بالمعنى: من يساوى ماله ديونه أو زاد عليها، وإذا كان كذلك فهذا الوجه منقول في "النهاية" عن رواية الشيخ أبي محمد، وبه جزم القاضي الحسين في "التعليق".
قوله: وإن كان غائبًا على مسافة القصر، فلا يكلف البائع الصبر إلى إحضاره، بل يفسخ.
ثم قال: وحكى الإمام عن ابن سريج: أنه لا يفسخ، ولكن يرد المبيع يرد إلي البائع، ويحجر على [المشتري] 150، ولا يحجر] 151 عليه، أو يرد المبيع إلى البائع إلى أن يتوفر عليه المشتري ويمهل إلى الإحضار، وادعى في "الوسيط" أنه الصحيح.
انتهى.
وما نقله عن الإمام من أن ابن سريج قد قال في هذه الحالة: إن المبيع يرد إلى البائع، ويحجر على المشتري، قد تبعه عليه أيضًا في "الروضة"، وهو غلط، فإن في "النهاية" عن ابن سريج، أنه لا حجر وأما رد البيع فنقله عنه كما ذكره الرافعي، وهو إثباته وقد وقع في "الكفاية" لابن الرفعة هنا غلطان فاحشان نبهت عليهما في "الهداية" فتفطن لذلك.
قوله: الحالة الثانية: أن يكون معسرًا فهو مفلس، فالبائع أحق بمتاعه.
انتهى.
وهذا الكلام جميعه يدل على أن الرجوع إلى العين بالإفلاس لا يتوقف على حكم الحاكم، وليس كذلك فاعلمه، فقد قال الرافعي في أول كتاب
الجزء: 5 - الصفحة: 232
الفلس: الذي يدل عليه كلام الأصحاب هاهنا تعريضًا وتصريحًا افتقار الرجوع إلى توسط الحجر.
ثم قال: وقد حكينا في الكلام على البداءة بالتسليم ما يشعر بخلافه، وأشار إلى ما ذكرناه أولًا فاعلمه، وكلام الرافعي يقتضي أنه لم يظفر بخلاف في المسألة مع أن المسألة فيها وجهان شهيران، ممن حكاهما صاحب "المهذب".
نعم في افتقار الرجوع بعد الحجر إلى إذن الحاكم وجهان شهيران أيضًا.
قال الرافعي في الكلام على الرجوع، أشبههما: أنه لا يفتقر.
قوله: فإن كان في ما دون مسافة القصر، فهل هو كالذي في البلد أو كالذي على مسافة القصر؟ فيه وجهان.
انتهى.
لم يصحح شيئًا في "الشرح الصغير" أيضًا، والصحيح هو الأول، كذا جزم به في "المحرر"، وصححه في "الروضة" من "زياداته".
قوله: ولو لم يتفق التسليم حتى [حل] 152 الأجل فلا حبس أيضًا.
انتهى.
وما جزم به من عدم الحبس هنا قد تابعه عليه في "الروضة"، ثم حكى أعني الرافعي -في كتاب الصداق في حبس المرأة نفسها بذلك وجهين، وصحح الحبس ونقله عن الأكثرين، وأعادها في النفقات فحكى فيها وجهين من غير تصحيح، ثم إنه صحيح في الصداق من "الشرح الصغير": جواز الحبس فقال: وإن حل الأجل قبل [أن تسلم نفسها فأظهر الوجهين: أن لها الحبس لاستحقاقها المطالبة بعد] 153 الحلول كما في الابتداء.
هذا لفظه والصواب جواز الحبس كما رجحه في الصداق، فقد
الجزء: 5 - الصفحة: 233
نص عليه الشافعي في مسألة البيع كما نقله القاضي أَبو الطيب في كتاب الصداق عن حكاية المزني في المنثور، ونسب خلافه إلى الخطأ بسبب ذلك، ونقله أيضًا ابن الرفعة في "الكفاية" هناك، ومن نظائر المسألة حلول الأجل قبل إفلاس المشتري، وسنذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى.
قوله: ولو تبرع بالتسليم لم يكن له رده إلى حبسه [وكذا لو أعاره للمشتري على أصح الوجهين] 154. انتهى.
لقائل أن يقول: ما صورة مسألة إعارة البائع للمشتري؟ فإنه لا جائز أن يكون في زمن الخيار، فإن البائع لا يجب عليه إذ ذاك التسليم، ولو تبرع وسلم كان له الرد كما سبق، ولا جائز أن يكون بعد لزوم البيع لخروج المبيع عن ملك البائع وانتقاله إلى المشتري، وحينئذ فلا إعارة.
والجواب: أنه يتصور بما إذا أجر عينًا وباعها لغيره، ثم استأجرها من المستأجر وأعارها للمشتري قبل القبض.
ويتصور أيضًا بما إذا باعه نصف عبد، ثم أعاره النصف الذي على ملكه قبل قبض المشتري لما اشتراه هذا إذا أريد مطلق الإعارة كما يدل عليه [اطلاق] 155 كلامه.
فإن أراد إعارة المبيع فلا تأتي هذه الصورة، وقد يتصور بما إذا أعاره، ثم باعه.
ويقال: إن هذه الاعارة مانعة لحق الحبس، وبما إذا أعاره في زمن الخيار ثم انقضى الخيار وفيهما نظر.
قوله: فينبغي أن يكون تسليم النصف على الخلاف فيما إذا أخذ البائع بعض الثمن، هل عليه تسليم قطعة من المبيع؟ فيه وجهان ذكرناهما في
الجزء: 5 - الصفحة: 234
باب التفريق.
انتهى.
وكلامه هاهنا يقتضي أن هذا الخلاف ثابت فيما يقبل القسمة وما لا يقبلها، لاسيما وقد تقدم التمثيل بالعبد، مع أن الذي قدمه هناك أنه خاص بما يقبل القسمة ذكر ذلك قبيل الكلام على الخيار.
نعم أطلق الماوردي حكاية الوجهين عن ابن سريج من غير تفصيل.
الجزء: 5 - الصفحة: 235
قال -رحمه الله-:
النظر الرابع من كتاب البيع ... في موجب الألفاظ المطلقة
قوله: وإن لم يصرح بالمناصفة، بل أطلق الاشتراك، فقيل: يبطل، وهو ما أورده في ["التهذيب"] 156.
وقيل: يصح ويحمل على المناصفة، وهو ما أورده في "التتمة"، وصححه الغزالي.
انتهى ملخصا.
لم يصرح بتصحيح في "الشرح الصغير" أيضًا، والراجح هو الثاني، كذا جزم به في "المحرر"، وصححه في "الروضة" من "زياداته".
قوله: يكره أن يواطئ صاحبه فيبيعه بما اشتراه ثم يشتريه منه بأكثر، ليخبر به في المرابحة، فإن فعل قال ابن الصباغ: ثبت للمشتري الخيار.
وخالفه غيره أيضًا.
انتهى.
قال في "الروضة" من "زياداته": قول ابن الصباغ أقوى.
قوله: ولو اشترى شيئا بعرض وباعه مرابحة بلفظ الشراء أو بلفظ القيام، ذكر أنه اشتراه بعرض قيمته كذا، ولا يقتصر على ذكر القيمة، لأن البائع بالعرض يسدد فوق ما يسدد البائع بالنقد.
انتهى كلامه بحروفه.
تابعه عليه في "الروضة" وهو غلط، فإنه يقتضي أنه إذا باعه بلفظ القيام، يذكر أنه اشتراه بعرض قيمته كذا، وهو معلوم الفساد، فإنه يقع بلفظ الشراء لا بلفظ القيام.
ويقتضي أيضًا أنه إذا باع بلفظ القيام لا يقتصر على ذكر القيمة، وليس كذلك، فقد قال في آخر الباب: وإذا أجر دارًا بعبد، أو نكحت على عبد، أو خالع زوجته عليه، أو صالح عن النفقة عليه، لم يجز بيع العبد مرابحة
الجزء: 5 - الصفحة: 236
بلفظ الشراء، ويجوز بلفظ قام علي، ويذكر في الإجارة أجرة مثل الدار، وفي النكاح والخلع مهر المثل، وفي الصلح عن الدم الدية.
انتهى.
وقد جزم في هذه الأمور بذكر قيمتها دون ذكرها، وهو نظير البيع.
وقد ذكر صاحب "التتمة" المسألة بعبارة يظهر منها أنه سقط من كلام الرافعي شيء، فإنه قال: الثانية: إذا اشترى بعرض من العروض، فإن ذكر لفظ القيام وأخبر بقدر قيمة العرض جاز، وإن ذكر عبارة الشراء أو عبارة رأس المال لا يجوز اللهم إلا أن يقول: اشتريته بعرض قيمته كذا، أو رأس مالي فيه عرض قيمته كذا، وبعتك مرابحة، فإن فعل كان كناية لأن في عادة التجار يقع التفاوت بين شراء الشيء بالنقد وبين شرائه بالعرض فيشتري بالنقد بأقل مما يشتري به بالعرض [هذا كلامه.
فظهر بذلك أن الرافعي نقل المسألة من هذا الكتاب على عادته فسقط بعضها، وذكر في "التهذيب" نحوه أيضًا فقال: ولو اشتري شيئًا بعرض فباعه مرابحة بلفظ الشراء يقول اشتريته بعرض] 157 قيمته كذا.
فإن قال بلفظ قام سمي فيه العرض، قال القاضي -رحمه الله-: ويجب [أن يخبر إن اشتراه بالعرض، لأن العادة التشديد إذا اشتراه بالعرض.
انتهى كلامه، وحاصله أنه يكتفي بذكر قيمة] 158 العرض، وما نقله عن القاضي بعد ذلك فيحتمل أن يكون حكاية لمقالة ضعيفة على خلاف ما قدمه، ويحتمل أن يكون تعليلًا للمسألة [الأولى، لكن بإعادة صورة المسألة، وقد راجعت كلام القاضي المشار إليه] 159 وهو القاضي الحسين في تعليقه، فوجدته محتملًا لذلك، فإنه قال: وإذا اشترى [بعرض] 160 قال -رضي الله عنه-: يجب أن يخبر به ويقول: اشتريته بعرض، وقيمة
الجزء: 5 - الصفحة: 237
العرض، كذا لأن العادة فيما بين التجار أنهم يشددون في ما يبيعون بالعروض ويسامحون في ما يبيعون بالنقود، هذا كلامه.
ولا صراحة فيه، وقد ذكر بعد هذا بدون صفحة ما حاصله: أنه لا يجب فقال ما نصه: ففي الصداق أن تقول المرأة: قام عليّ بكذا، وهو [مهر مثلها، كما لو اشترى ثوبًا بثوب يقول قام عليّ بكذا وهو] 161 قيمة الثوب الذي اشتراه به، كذا هاهنا، وفي الإجارة أجرة المثل، وفي الصلح عن دم العمد دية المقتول، هذا لفظه.
وقد جزم به ابن الرفعة في "الكفاية" بجواز ذكر القيمة من غير شرائه بالعرض، ولم يعرج على ما قاله الرافعي، ولا أثبته وجهًا بالكلية ذهولًا عما وقع في الرافعي وعن سره.
قوله: ولو اشترى عبدين أو ثوبين وأراد بيع أحدهما مرابحة فسبيله أن يعرف قيمة كل واحد منهما يوم الشراء ويوزع الثمن على قدر القيمتين، ثم يبيعه بحصته من الثمن.
انتهى كلامه.
واعلم أنه إذا باع في هذه الحالة لا يقول: اشتريته بكذا، إلا أن يبين حقيقة الحال، هكذا ذكره صاحب "التتمة"، ونقله عنه أيضًا ابن يونس شارح "التنبيه"، وليس في كلام الرافعي، ولا كلام "الروضة" بيان ذلك، بل فيهما ما يوهم خلافه.
قوله: إذا قال: اشتريته بمائة فباعه مرابحة، ثم بان أنه اشتراه بتسعين فقولان:
أصحهما: أنا نحكم بانحطاط الزيادة وحصتها من الربح.
والثاني: لا حط، بل يثبت الخيار.
الجزء: 5 - الصفحة: 238
ثم قال: وجميع ما ذكرناه في ما إذا كان المبيع باقيًا، فأما إذا ظهر الحال بعد هلاك المبيع، فإن القاضي الماوردي ذكر أنه يحط الزيادة وربحها قولًا واحدًا؛ والظاهر جريان القولين.
انتهى كلامه.
وهذا الذي نقله عن الماوردي فقط قد صرح به أيضًا الشيخ في "المهذب" والشاش في "الحلية" ونقلاه عن الأصحاب.
وكلام الرافعي يقتضي أن ما ذكره من إطلاق القولين لم يأخذه من تصريح، بل من تعميم، وهذه النقول تدفع ما قاله.
قوله: وقول الغزالي في "الوجيز": فإن كذب في ذكر شيء من ذلك ففي استحقاق [حط] 162 قدر التفاوت قولان يقتضي اثبات الخلاف فيما إذا أخبر عن سلامة المبيع وكان معيبًا، أو عن حلول الثمن وكان مؤجلًا كما لو أخبر عن القدر كاذبًا، وقد صرح في "الوسيط" بذلك فيما إذا لم يخبر عن العيب فضلًا عن أن يخبر عن السلامة كاذبا، لكن لم أر لغير المصنف تعرضًا لذلك، فإن ثبت الخلاف فالسبيل على قول الحط النظر للقيمة ويقسط الثمن عليها.
انتهى كلامه.
وما قاله الرافعي غريب جدًا، فإن الذي قاله الغزالي قد جزم به الإمام في "النهاية".
ولما اختصر النووي ما نقله الرافعي عن الغزالي لم يذكر فيه الأجل، وجزم بثبوت الخيار فيه.
قوله: ولو أخبر بأن رأس المال مائة وباعه مرابحة، ثم قال: غلطت إنما هو مائة وعشرة وصدقه المشتري، فقيل: يصح البيع، وبه أجاب الغزالي في "الوجيز" والماوردي.
وقيل: يبطل، وصححه الإمام وصاحب "التهذيب".
انتهى ملخصًا.
لم يصرح بتصحيح في "الشرح الصغير" أيضًا، وصحح في "المحرر"
الجزء: 5 - الصفحة: 239
البطلان وعبر بالأصح.
وصحح النووي في زياداته من "المنهاج" و"الروضة": أنه يصح، قال: وبه قطع المحاملي والجرجاني وصاحب "المهذب" والشاشي وخلائق.
قوله: وإن كذبه ولم يبين لغلطه وجهًا محتملًا فلا يقبل قوله، وإن أقام عليه بنية فلا تسمع، فلأن اعترافه بأن الثمن مائة يكذب قوله الثاني ويبينه.
انتهى.
وما ذكره هاهنا قد تبعه عليه أيضًا النووي، وقد ذكر الرافعي في أواخر كتاب الدعاوي قبيل باب دعوى النسب مما جمع من "فتاوي القفال" وغيره مسألة في دعوى الوقفية فيما باعه قريبة من هذه المسألة، وسأذكرها في ذلك الموضع إن شاء الله تعالى فراجعها.
قوله: فإن زعم أن المشتري عالم بصدقه، وطلب تحليفه أنه لا يعلم فهل له ذلك؟ فيه وجهان:
فإن قلنا: يحلفه فنكل، ففي رد الثمن على المدعي وجهان مبنيان على أنها كالإقرار أو كالبينة؟ فعلى الأول: يرد، وعلى الثاني: لا.
انتهى ملخصًا.
والأصح في المسألة الأولى أن له تحليفه، كذا صححه الرافعي في "المحرر" وعبر بالأظهر، ونقله في باب الرهن والإقرار من "الكبير" على ظاهر النص ولكن في نظير المسألة، وصححه أيضًا النووي في "الزيادات".
وأما المسألة الثانية فمقتضى كلام الرافعي فيها تصحيح الرد، لأن اليمين المردودة كالإقرار على الصحيح، وحذف النووي هذه الزيادة التي يؤخذ منها تصحيح الرد، ثم صححه بعد ذلك من "زياداته".
قوله: ولم يذكروا خلافًا فيما إذا قال: بعت بما اشتريت، ونظائره.
وذكروا فيما إذا قال: أوصيت له بنصيب ابني وجهًا أنه لا يصح.
الجزء: 5 - الصفحة: 240
ولا فرق بين البابين، فكأنهم اقتصروا هنا على الأصح.
انتهى ملخصًا.
ولقائل أن يقول: الفرق بينهما أن التقدير هنا ظاهر لعدم قدرة المشتري على عين ما اشترى به، ولعدم العرض فيه بخصوصه بخلاف الوصية، فإنه مستولٍ على جميع المال، ولأنه قد يتوهم قدرته على الحرمان لكون المال ملكًا له فيقصده، وهذا الفرق أشار إليه النووي.
الجزء: 5 - الصفحة: 241
قال -رحمه الله
-: [الأول] (1) لفظ الأرض.
قوله: وإن كان في الأرض جَزَر أو فجل أو سلق أو ثوم، لم يدخل في بيع الأرض كالحنطة والشعير.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على عد السلق من هذا القسم وهو سهو، بل يكون للمشتري فإنه يحصد مرة بعد مرة.
قوله: وما يجز مرارًا كالقضب والقت والطرخون إلى آخره.
أما القت فبالقاف والتاء المثناة.
والقضب بالقاف والضاد المعجمة وهو القت أيضًا، ويسمى القرط والرطنة.
وأما الطرخون فبالخاء والنون، وهو نبت معروف، والجزر بكسر الجيم.
قوله: أما إذا كان فوق الأحجار زرع للبائع أو المشتري، ففي "التهذيب": أنه يُترك إلى أوان الحصاد لأن له غاية بخلاف الغراس، ومنهم من سوى بينه وبين الغراس.
انتهى.
والأصح قول صحاب "التهذيب"، كذا ذكره في "الروضة" من "زياداته".
قوله في أصل "الروضة": فرع:
هل له الأجرة في مدة بقاء الزرع؟ قطع الجمهور بأن لا أجرة، وقيل: وجهان: الأصح: لا أجرة.
. . . إلى آخره.
فيه أمران:
أحدهما: أنه قد جزم في "المنهاج" بطريقة الوجهين، فإنه عبر بلفظ الأصح.163
الجزء: 5 - الصفحة: 242
الثاني: أن محل هذا الخلاف إنما هو فيما إذا جهل المشتري وجود الزرع وأجاز، فإن كان عالمًا فلا أجرة، هذا مقتضى كلام الرافعي إقتضاء كالصريح، فإنه ذكر المسألة في أثناء الكلام على الحجارة، وبه صرح الإمام أيضًا.
قوله: تكلم إمام الحرمين في أن الأصحاب لم يوجبوا على هادم الجدار إعادته، بل أوجبوا أرشه، وأجاب عنه بأن طم الحفر لا يكاد يتفاوت، وهيئات الأبنية تختلف وتتفاوت، فشبه ذلك بذات الأمثال وهذا بذوات القيم، حتى لو رفع لبنة أو لبنتين من رأس الجدار، وأمكن الرد من غير اختلاف في الهيئة كان ذلك كطم الحفرة.
انتهى.
هذا الكلام يقتضي أن هذا الجواب للإمام، وليس كذلك، بل هو للقاضي الحسين ذكره قبيل باب الوقت الذي يحل فيه بيع الثمار.
نعم، وجدت وضع اللبنة واللبنتين من كلام الإمام.
قوله: وفي وجوب إعادة الجدار خلاف نذكره في الصلح إن شاء الله تعالى.
انتهى.
[وما ذكره من ثبوت خلاف في إعادته، وأنه مذكور في الصلح غلط، ولا خلاف في عدم الوجوب وستعرف ذلك إن شاء الله تعالى] (1).
اللفظ الثاني: البستان
قوله: وفي العريش الذي يوضع عليه القضبان تردد للشيخ أبي محمد، والظاهر عند الإمام: دخوله.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" أيضًا، والراجح هو الدخول كما رجحه الإمام، كذا رجحه الرافعي في "الشرح الصغير" فقال: إنه أظهر الوجهين، والغزالي وابن الرفعة في "الكفاية" فقالا: إنه الأصح، ولم يتعرض للمسألة في "المحرر".164
الجزء: 5 - الصفحة: 243
قوله من "زياداته": قال الغزالي وغيره: إذا قال: بعتك الدسكرة فهو كما إذا قال: بعتك العربة.
انتهى.
الدسكرة بفتح الدال وسكون السين المهملتين، ثم كاف وراء مفتوحتين أيضًا: هو قصر حوله بيوت وهو أيضًا عربي.
اللفظ الثالث: الدار
قوله: إلا أنه لا يجوز بيع ما فيه معدن الذهب بالذهب من جهة الربا، وفي بيعه بالفضة قولا الجمع في الصفقة الواحدة بين البيع والصرف.
انتهى كلامه.
وهذه المسألة فيها كلام سبق ذكره في الربا.
فليراجع.
قوله: وفي دخول حجر الرحى ثلاثة أوجه:
أصحها: يدخلان.
وثانيها: يدخل التحتاني دون الفوقاني.
ثم قال: وأشار الإمام إلى القطع بدخول الحجرين في بيع الطاحونة، وبدخول الإجانات المثبتة إذا باع باسم المدبغة والمصبغة، وأن الخلاف في دخولها تحت بيع الدار.
ثم قال: وفي "التتمة" ما يقتضي التسوية بين اسم الدار والمدبغة.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على القطع بدخول الحجرين معًا عند الإمام، وليس كذلك، بل الذي أشار الإمام إلى القطع به إنما هو التحتاني فقط.
وصرح بالخلاف في الفوقاني.
الجزء: 5 - الصفحة: 244
اللفظ الرابع: العبد
قوله: وإذا باع عبدًا ففي دخول ثيابه ثلاثة أوجه:
ثالثها: يدخل ساتر العورة دون غيره، ورجح صاحب "التهذيب" وغيره: أنها لا تدخل مطلقًا.
انتهى ملخصًا.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، ومقتضاه رجحان عدم الدخول، لكن رجح في "المحرر" دخولها فقال ما نصه: والأشبه دخول الثياب في بيع العبد.
هذا لفظه.
واستدرك عليه في "المنهاج" فصحح عدم الدخول، كما هو مقتضى كلام الشرحين، وصرح بتصحيحه في أصل "الروضة".
قوله في أصل "الروضة": ولا يدخل عذار الدابة في بيعها على الأصح كالسرج.
انتهى.
وهذا الكلام يقتضي أن الرافعي حكى فيه خلافًا، وليس كذلك، فإن الرافعي لما تكلم عن ثياب العبد قال: لكن صاحب "التهذيب" وغيره رجحوا الوجه الصائر إلى أن شيئًا منها لا يدخل في البيع، وكذا قالوا في عذار الدابة.
هذا كلامه.
وليس فيه ما يقتضي إثبات خلاف، ولم أره أيضًا إلا أن الغزالي في "الوسيط" أشار إلى ذلك بحثًا فقال: ولعل العذار من الفرس كساتر العورة من العبد، ولم ينقل الرافعي هذا الكلام.
اللفظ الخامس: الشجر
قوله: شجرة الفرصاد.
هو بكسر الفاء وبالصاد المهملة، وهو التوت الأحمر.
كذا قاله الجوهري.
الجزء: 5 - الصفحة: 245
قوله: وهل يدخل الغرس في البيع؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، لأنه يستحق منفعته لا إلى غاية، وذلك لا يكون إلا على سبيل الملك.
وأصحهما: لا.
وقد يستحق على المالك المنفعة لا إلى غاية كما لو أعار جداره ليضع غيره الجذع عليه.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا وفيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره في إعارة الجدار من كون المستعير يستحق المنفعة إنما هو اختيار صاحب "التنبيه" وجماعة، لكن الصحيح ما ذكره هو والنووي في كتاب الصلح: جواز الرجوع، ولم يذكر في "الروضة" هذا التعليل فسلم من الاختلاف.
الأمر الثاني: لقائل أن يقول: هل محل الخلاف فيما سامت الشجرة من الأرض دون ما تمتد إليه أغصانها، أم الخلاف في الجميع؟
فإن كان الثاني فيلزم أن يتجدد للمشتري في كل وقت ملك لم يكن.
قوله: الثانية: لو باع شجرة يابسة ثابتة فعلى المشتري تفريغ الأرض عنها للعادة.
قال في "التتمة": فلو شرط إبقاءها فسد البيع، كما لو اشترى الثمرة بعد التأبير وشرط عدم القطع عند الجذاذ.
انتهى كلامه.
وتعبيره بقوله: (بعد التأبير) [وقع أيضًا في "الروضة" غير أنه عبر بقوله: مؤبرة.
وأتى بهذا القيد لأجل تصحيح] 165 العقد.
وهذا التعبير فاسد، بل صوابه بعد بدو الصلاح، فإن التأبير ليس مقتضيًا لتصحيح العقد عند الإطلاق، بل المقتضى له إنما هو الجذاذ، كما
الجزء: 5 - الصفحة: 246
سنذكره بعد ذلك، حتى لو اشتراها بعد التأبير وقبل بدو الصلاح بدون شرط القطع، لم يصح العقد.
قوله: الثالث: قال في "التهذيب": نشقق بعض الجوزق من الكرسف كتشقق الكل، وما تشقق من الورد يبقي للبائع، وما لم يتشقق يكون للمشتري، وإن كانا على شجرة واحدة، ولا يبيع البعض دون البعض بخلاف ثمر النخل لأن المشقق لا يقطع بل يترك إلى إدراك الكل، وما تشقق من الورد يجني ولا يترك إلى تشقق الباقي.
وذكر أيضًا أن التين والعنب إن ظهر بعضه دون بعض، فما ظهر يكون للبائع، وما لم يظهر يكون للمشتري، وهذه الصورة الأخيرة محل التوقف.
انتهى كلامه.
وما نقله عن البغوي في الورد وارتضاه [واقتضى كلامه عدم التوقف فيه أيضًا تابعه أيضًا في "الروضة" عليه، وقد خالفه فيه الشيخ أبو إسحاق فجزم في "التنبيه" بأن الجميع للبائع.
وارتضاه] 166 النووي فلم يستدركه عليه في تصحيحه، والعجب من إهماله لاسيما من النووي.
وما نقله عن البغوي أيضًا آخرًا في التين والعنب وتوقف فيه قد صرح به أيضًا الشيخ في "المهذب"، وصرح به أيضًا المتولي والروياني فقالا: إنه لا خلاف فيه لكنهما إنما تكلما في التين خاصة.
[ولم يتعرض في "المحرر" و"الشرح الصغير" للبعض إلا بالنسبة إلى ثمر النخل خاصة] 167.
قوله: إحداهما: لو تعذر السقى لانقطاع الماء وعظم ضرر النخل بإبقاء [الثمار ففيه قولان منقولان عن "الأم"] 168.
الجزء: 5 - الصفحة: 247
قال أبو القاسم الكرخي: أصحهما: أنه ليس له الإبقاء دفعًا للضرر عن المشتري.
انتهى كلامه.
والصحيح ما قاله الكرخي، كذا صححه أيضًا الروياني في "البحر"، وابن أبي عصرون، والنووي في أصل "الروضة".
قوله: وإذا باع الشجرة وبقيت الثمرة للبائع، وكان السقي يضر بالثمار وينفع الأشجار، فأراد المشتري أن يسقي [ونازعه البائع فوجهان قال ابن أبي هريرة: للمشتري أن يسقي] 169 ولا يبالي بضرر البائع، لأنه قد رضى به حين أقدم على العقد.
وقال أبو إسحاق: يفسخ العقد، وهو الأظهر، وإن أضر بالأشجار وينفع الثمار فأراد البائع السقي جرى الوجهان، فعند ابن أبي هريرة: للبائع السقي، وقول أبي إسحاق لا يختلف.
ثم قال ما نصه: وحكى الإمام وصاحب الكتاب في الصورتين ثلاثة أوجه:
أحدها: يجاب المشتري لأنه التزم سلامة الأشجار للبائع.
وثانيها: أنه يجاب البائع لاستحقاقه إبقاء الثمار.
والثالث: يتساويان.
وترجيح الوجه الأول مما لم نره إلا لصاحب الكتاب.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما قاله في تعليل الوجه الأول غلط انعكس عليه، والصواب أن يقول: لأن البائع قد التزم سلامة الأشجار له.
وقد ذكره في "الشرح الصغير" على الصواب، وذكره في "الروضة" بدون تعليل على عادته فاتفق أن سلم من الاعتراض.
الجزء: 5 - الصفحة: 248
الأمر الثاني: أن هذا الترجيح الذي ذكره الغزالي وأنكره عليه قد سبقه إليه الفوراني في "الإبانة" فجزم به، وكذلك الأرغياني في "فتاوى النهاية"، ولم يتعرض في "الشرح الصغير" و"الروضة" لاختصاص الغزالي بهذا الترجيح فسلما من الاعتراض.
قوله: الثالثة: لو لم يسق البائع وتضرر المشتري ببقاء الثمار لامتصاصها رطوبة الشجر، أجبر على السقى أو القطع.
فإن تعذر السقي لانقطاع الماء ففيه القولان السابقان.
انتهى.
ومحل هذين القولين كما نقله في "الروضة" من "زياداته" عن الإمام وصاحب "التهذيب" في ما إذا كان للبائع نفع في ترك الثمرة، فإن لم يكن وجب القطع بلا خلاف.
اللفظ السادس بيع الثمار
قوله: ولا يجوز بيع الثمار قبل بدو الصلاح إلا بشرط القطع.
. . . إلى آخره.
ثم قال: أما الجواز بشرط القطع فمجمع عليه.
انتهى.
والمسألة ليست إجماعية، فقد حكى ابن حزم في "المحلى" عن سفيان الثوري ابن أبي ليلى: أنه لا يصح مع هذا الشرط [أيضًا، ونقله الشيخ تقي الدين في "شرح العمدة".
ومحل المنع بدون هذا الشرط] 170 كما قاله في "الروضة": ما إذا كانت الشجرة ثابتة، فإن كانت مقطوعة صح بيعها مطلقًا، لأن الثمرة لا تبقى عليها فتصير كشرط القطع.
قوله: ولو باع الثمرة قبل بدو الصلاح من مالك الأشجار بأن يبيع إنسانًا
الجزء: 5 - الصفحة: 249
"شجرة" فتبقى الثمرة له، ثم يبيعه الثمرة أو يوصي بالثمرة لإنسان، ثم يبيع الموصي له الثمرة من الوارث، ففي اشتراط القطع وجهان: أصحهما عند الجمهور: يشترط لكن لا يلزمه الوفاء به.
انتهى.
تابعه النووي في "الروضة" هنا على تصحيح وجوب الاشتراط، ثم صحح عكسه في كتاب المساقاة، فقال في الباب الثاني منه قبيل الفصل المعقود لموت المالك: أن الأصح أنه لا [يجب اشتراط] 171 القطع، وما صححه في هذا الباب هو الذي صححه في باقي كتبه، وهو المعروف أيضًا، فلتكن الفتوى عليه ولم يصحح الرافعي هناك شيئًا.
واعلم أنه يتصور أيضًا كون الشجرة للمشتري والثمرة للبائع أن يهبها له أو يبيعها بشرط القطع، ثم يريد شراءها منه.
قوله: ولو كانت الثمرة غير مؤبرة فاستثناها لنفسه، لم يجب شرط القطع في أصح الوجهين، زاد على هذا في "الروضة" فقال ما نصه: قلت: قال الإمام: إذا قلنا: يجب شرط القطع فأطلق فظاهر كلام الأصحاب أن الاستثناء باطل والثمرة للمشتري، قال: وهذا مشكل فإن صرف الثمرة إليه مع التصريح باستثنائها محال.
قال: فالوجه عند الاستثناء المطلق شرطًا فاسدًا مفسدًا للعقد في الأشجار كاستثناء الحمل.
انتهى كلامه.
واعلم أن مذهب الشافعي في هذه المسألة هو ما رآه الإمام بحثًا، وهو بطلان المبيع فاعلمه كذا نقله القاضي الحسين في "فتاويه" وعبر بقوله: المنصوص أن البيع باطل، هذا لفظه.
وهو جلى مقيس ماشٍ على القواعد فيجب الأخذ به.
قوله: الحالة [الثانية] 172: أن تباع الثمار مع الأشجار فيجوز من غير
الجزء: 5 - الصفحة: 250
شرط القطع، لما روي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "من باع [نخلًا] 173 بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع" 174.
ثم قال: والمعنى فيه: أن الثمرة [هبتها] 175 تبع الأصل، والأصل غير متعرض للعاهة وقد يحتمل في الشيء إذا كان تابعًا ما لا يحتمل فيه إذا أفرد بالتصرف كالحمل في البطن، واللبن في الضرع.
انتهى كلامه.
وهذا القياس باطل لأنه إن كان مراده ما إذا باع الحيوان وسكت عن حمله أو عن لبنه، فإن بيعه صحيح، غير أنه ليس نظير مسألتنا فإن كلامنا فيما إذا باع النخيل والثمار.
ولو باع النخيل وسكت عن الثمار لم يدخل، وإن كان مراده ما إذا صرح بالحمل واللبن، وهو نظير المسألة، غير أن البيع باطل على الصحيح كما سبق في البيع فيلزم إما فساد القياس، أو فساد الحكم المقاس عليه فيفسد القياس أيضًا.
قوله: فاعلمه [وأعلمه] 176.
الأولى: أمر من العلم وهمزتها همزة وصل ولامها مفتوحة.
والثانية: أمر من الإعلام، وهمزتها للقطع ولامها مكسورة أى فافهمه، واعلم به كلام "الوجيز" بالواو.
قوله: ويجوز بيع الشعير أو السلت في سنبله، ثم قال: ولو كان للثمرة أو الحب كمام لا يزال إلا عند الأكل كالرمان والعلس فكمثل.
انتهى كلامه.
وما ذكره هنا من جواز بيع العلس في كمامه، جزم به أيضًا في باب بيع
الجزء: 5 - الصفحة: 251
الغرر من "شرح المهذب"، وزاد على ذلك فقال: لا خلاف في جوازه.
إذا علمت ذلك فقد جزم في أواخر السلم بخلافه، فقال قبيل الكلام على اشتراط الجودة والرداءة ما نصه: ولا يجوز السلم في العلس والأرز لاستتارهما بالكمام.
انتهى.
وتابعه في "الروضة" على الموضعين.
قوله: وماله كمامان يزول أحدهما ويبقى الآخر إلى وقت الأكل كالجوز واللوز والرانج لا يجوز بيعه في القشرة العليا، [وفيه قول: أنه يجوز ما دام رطبًا.
وبه قال ابن القاصي والإصطخري، ثم قال: بيع الباقلاء في القشرة العليا] 177 على هذا الخلاف.
ثم قال: وادعى الإمام أن الأظهر في الباقلاء الأخضر: بيعه في قشرته لأن الشافعي - رضي الله عنه - أمر بعض [أعوانه] 178 أن يشتري له الباقلاء الرطب.
انتهى.
زاد النووي في "الروضة" على هذا فقال: قلت: المنصوص في "الأم": أنه لا يصح بيعه، وهذا إذا كان الجوز واللوز والباقلاء رطبًا، فإن بقي في قشره الأعلى فيبس، لم يجز بيعه وجهًا واحدًا إذا لم نجوز بيع الغائب، كذا قاله الإمام وصاحب "التهذيب" وغيرهما.
انتهى.
إذا علمت الأصل والزيادة ففيه أمور:
أحدها: أن تعبيره بقوله: (كمامان) غير مستقيم، لأن مراده إنما هو [فردان من أفراد] 179 الأكمة بلا شك، وتعبيره ينفيه لأن الكمام جمع، وكذلك الأكمة والأكمام والأكاميم والمفرد كمامة، وكم بكسر الكاف.
قاله الجوهري.
فكان الصواب كمامتان بالتاء أو كمان.
الجزء: 5 - الصفحة: 252
الأمر الثاني: أن ما نقله عن ابن القاص من الجواز ليس كذلك، بل صرح بالمنع إلا في الباقلاء فجوزه، فقال في "التلخيص": ولا يجوز بيع شيء وعليه قشرتان حتى ترتفع العليا، إلا واحدًا وهو بيع الفول رطبًا قلته تخريجًا.
هذا لفظه.
وذكر في "المفتاح" نحوه أيضًا فقال: ولا يجوز بيع الجوز حتى يرفع قشرها، فأطلق ولم يفصل بين الرطب واليابس.
نعم اللوز الذي يؤكل قشره نقل فيه عن المروزي، أنه يجوز.
الأمر الثالث: أن العون الذي أمره الشافعي بالشراء هو الربيع، كذا ذكره القفال في "شرح التلخيص" في أوائل البيع فقال: وقد حكى عن الربيع أنه قال: مر الشافعي - رضي الله عنه - ببغداد بباب الطاق فأعطاني كسرة فاشتريت له بها الفول الرطب في قشره.
هذا لفظه.
وذكره القاضي الحسين والشيخ أبو علي في "شرح التلخيص" أيضًا، [والكسرة هي القطعة من الدراهم أو الدينار تكسر منه للحوائج الصغار ومن ذلك] 180 قولهم: الكسرة والقراضة.
قال الجوهري: الكسرة: القطعة من الشيء المكسور، والجمع: كسر، مثل قطعة وقطع.
الرابع: أن بيع قصب السكر وهو مستور في قشره جائز، كما ذكره في "شرح المهذب" المسمى "بالاستقصاء"، ونقله في "المطلب" هنا عن "الحاوي".
وعلى هذا فيسأل عن الفرق بينه وبين الباقلاء على أن ما صححه الإمام قد صححه القاضي الحسين فقال: إنه المذهب، والشيخ أبو علي وقال: إنه الأصح، والقفال في "شرح التلخيص" أيضًا.
الجزء: 5 - الصفحة: 253
الخامس: أن ما نقله النووي في "زياداته" عن الإمام والبغوي مقتضاه: تجويز ذلك إذا جوزنا بيع الغائب، لكن سيأتي بعد هذا عن البغوي ما يشكل على ما يقتضيه كلامه هنا.
قوله في أصل "الروضة": وأما ما لا يرى حبه في سنبله كالحنطة والعدس والسمسم، فما دام في سنبله لا يجوز بيعه منفردًا عن سنبله قطعًا.
انتهى كلامه.
وما ادعاه من القطع ذكره أيضًا في "شرح المهذب" في باب ما نهى عنه من بيع الغرر، وعبر بقوله: بلا خلاف، وهو مردود، لم يذكره الرافعي -رحمه الله- فقد قال القاضي الحسين في تعليقه في باب الوقت الذي يحل فيه بيع الثمار ما نصه: فأما بيع الحنطة في السنبلة إن باعها بدون السنابل لا يجوز على الصحيح من المذهب.
هذا لفظه.
قوله: ومعها -أي مع السنبل- قولان: الجديد: المنع لستر المقصود بما لا يتعلق به الصلاح كبيع تراب الصاغة والكدس بعد الدياسة وقبل التصفية.
انتهى.
الكدس بضم الكاف وبالدال المهملة الساكنة وبالسين المهملة هو المعبر عنه في بلادنا بالجرن بضم الجيم، قال الجوهري: الكدس بالضم واحد أكداس الطعام.
قوله في أصل "الروضة": كبيع تراب الصاغة وكبيع الحنطة مع تبنها، فإنه لا يصح قطعًا.
انتهى كلامه.
وما ادعاه من نفي الخلاف لم يذكره الرافعي، وذكر مثله في "شرح المهذب" في باب ما نهى عنه من بيع الغرر، وعبر بقوله: (اتفق أصحابنا) وهو غير مستقيم، فإن بعضهم قد ذهب إلى الصحة فيهما.
وممن حكاه ابن الرفعة في "الكفاية"، وصرح بمسألة التراب
الجزء: 5 - الصفحة: 254
بخصوصها، الفوراني في "الإبانة" هنا، وحكى فيها طريقين طريقة جازمة بالبطلان، وأخرى بالتخريج على بيع الغائب، ونقل الإمام الطريقة الثانية عن المحققين، وقال في "الوسيط": إنها الأظهر.
قوله: والأرز كالشعير يباع في السنابل، لأنه قد يدخر في قشره، وبهذا قال ابن القاص وأبو علي الطبري، ومنهم من قال: هو كالحنطة.
انتهى كلامه.
وما صححه من إلحاق الأرز بالشعير، قد ذكر في آخر السلم ما يخالفه فقال قبيل الكلام على اشتراط الجودة والرداءة ما نصه: ولا يجوز السلم في العلس والأرز لاستتارهما بالكمام.
انتهى.
وقد تقدم ذكر هذا الموضع قبل هذا بقليل، وقد صرح النووي في فتاويه بخلاف ما ذكره في باب السلم فقال: الأصح أنه يجوز السلم فيه.
واعلم أن ما جزم به في باب السلم من المنع في العلس، قد تقدم ما يخالفه أيضًا فاستحضره.
قوله: ويجوز بيع القنبيط في الأرض، وكذلك نوع من الشلجم يكون ظاهرًا بخلاف الفجل والسلق ونحوهما.
انتهى.
القنبيط: بقاف مضمومة ثم نون مشددة مفتوحة ثم باء موحدة.
والشلجم، بفتح الشين المعجمة والجيم.
والسلق: بكسر السين.
والفجل: بضم الفاء، كذا ضبطه الجوهري.
قوله: وهل القول بالمنع في صور الفصل مقطوع به أم هو مفرع على قول منع بيع الغائب؟ ذكر الإمام أنه مفرع عليه.
وفي "التهذيب": أن المنع في بيع الجوز وما في معناه في الأرض ليس
الجزء: 5 - الصفحة: 255
مبنيًا على بيع الغائب، لأن في بيع الغائب يمكن رد المبيع بعد الرؤية بصفته وهاهنا لا يمكن ذلك.
انتهى.
والصحيح من الخلاف الذي ذكره وهو بيع المستور في الأرض: هو المنع مطلقًا، فقد نقله الماوردي عن الجمهور، وصححه النووي في "الروضة" هنا وفي "شرح المهذب" في باب ما نهى عنه من بيع الغرر.
واعلم أن من جملة ما ذكره الرافعي في هذا الفصل بيع الجوز واللوز والباقلاء، ونحو ذلك من الجاف في قشرته.
والتعليل الذي ذكره البغوي هنا في منع ما في الأرض على قول بيع الغائب يقتضي المنع فيها أيضًا.
فأما الجوز واللوز ونحوهما، فالأمر فيه كذلك على ما دل عليه كلامه في "شرح المهذب".
وأما الباقلاء فجزم فيه في "الشرح المذكور" بالجواز على هذا القول -أعني على جواز بيع الغائب-، ولا سبيل إلى الفرق.
قوله: والمحاقلة أن يبيع الرجل الزرع بمائة فرق من الحنطة، وهي مأخوذة من الحقل وهو المساحة التي تزرع.
. . . إلى آخره.
الفرق بالفاء والراء والقاف مكيال معروف، وأما الحقل فهو بفتح الحاء وسكون القاف، وهو جمع حقلة، والحقلة المزرعة الطيبة التي لا بناء فيها ولا شجر.
قاله الجوهري.
إذا علمت ذلك فكان الصواب أن يقول: من الحقلة وهو الساحة، أو من الحقل وهو الساحات، وأيضًا فليس هو مطلق الساحات بل الساحات الطيبة كما تقدم.
قوله: بيع العرايا جائز، وهو أن يبيع رطب نخلة أو نخلتين باعتبار الخرص بقدر كيله من الثمر.
انتهى.
الجزء: 5 - الصفحة: 256
تابعه في "الروضة" على تقييد ذلك بالرطب، وهو يوهم المنع في البسر، وليس كذلك، بل حكمه حكم الرطب، كما صرح به الماوردي في "الحاوي".
قوله: لنا ما روى عن سهل بن أبي حثمة أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع الثمر بالتمر إلا أنه أرخص في العرية أن تباع بخرصها تمرًا ليأكلها رطبًا 181. انتهى.
حثمة بفتح الحاء المهملة وسكون الثاء المثلثة، والثمر المذكور أولًا هو بالثاء المثلثة وهو الرطب، وأما المذكور ثانيًا فهو بالمثناة وهو الجاف.
والخرص هنا يجوز فيه فتح الخاء وهو الأشهر وكسرها.
قاله في "شرح مسلم"، وعلى التقديرين فالمراد المخروص.
قوله: ويجوز فيما دون خمسة أوسق من الثمر لا في ما زاد على الخمسة، وكذا [في الخمسة] 182 في أظهر القولين، هذا إذا باع في صفقة.
فلو باع قدرًا كبيرًا في صفقات لا تزيد كل واحدة على ما ذكرنا جاز، وكذا لو باع في صفقة لرجلين بحيث خص كل واحد القدر الجائز، فلو باع رجلان لرجل [فوجهان:
أصحهما: أنه كبيع رجل لرجلين] 183.
والثاني: كبيعه لرجل صفقة.
ولو باع رجلًا لرجلين صفقة لم يجز في ما زاد على عشرة أوسق، ويجوز فيما دون العشرة، وفي العشرة القولان.
انتهى كلامه.
وما ذكره في آخره في صورة بيع الرجلين للرجلين، قد تابعه عليه في
الجزء: 5 - الصفحة: 257
"الروضة"، وقياس ما سبق في هذه المسألة أن لا نعتبر بلفظ العشرة الأوسق كما ذكره، بل العشرين فنقول: لم يجز فيما زاد على عشرين، ويجوز فيما دون العشرين، وفي العشرين القولان فاعلمه.
وإنما قلنا ذلك لأن الصفقة متعددة ولكل واحد أن يبيع عند التعدد أكثر من خمسة أوسق، فإذا كان لرجين مثلًا ستة عشر وساقًا فباعاها من رجلين [جاز، لأن كل واحد منهما باع نصيبه وهو ثمانية أوسق من رجلين] 184، فيصير كأنه باع من كل واحد منهما أربعة أوسق.
وقد صرح به كذلك مع وضوحه جماعة، وحينئذ فإذا عبر بلفظ العشرين كما أشرنا إليه يصح أن يقول: لا يجوز فيما زاد عليها، ويجوز في [ما نقص، وفي العشرين قولان.
وينبغي تأويل قول الرافعي: لم يجز في] 185 أكثر من عشرين -أي: لكل منهما- فيكون للاثنين عشرون.
قوله: أما لو باع الرطب على النخيل بالرطب على النخيل خرصًا فيهما أو بالرطب على وجه الأرض كيلًا ففي جوازه أوجه: أصحها: لا يجوز.
ثم قال: ولو باع الرطب على وجه الأرض [بالرطب على وجه الأرض] 186 لم يجز، وذكر القفال في "شرح التلخيص" أنه على الخلاف لأنه إذا جاز البيع وأحدهما أو كلاهما على رأس النخيل خرصًا، واحتملت الجهالة فلأن يجوز مع تحقق الكيل في الجانبين أولى.
انتهى كلامه.
وهو يوهم أن تحقيق الكيل كافٍ في جواز ذلك عند القفال، وليس كذلك فاعلمه، بل المراد الكيل مع الخرص أيضًا فافهمه، فقد صرح به القفال في "شرح التلخيص"، وقال القاضي حسين: لا خلاف فيه.
قوله: فللحوائج حالتان:
الجزء: 5 - الصفحة: 258
إحداهما: أن تعرض قبل التخلية فهي من ضمان البائع، فإن تلف جميع الثمار انفسخ العقد، وإن تلف بعضه انفسخ فيه، وفي الباقي قولا التفريق.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على الجزم بطريقة القولين، والصحيح في تلف بعض المعقود عليه قبل القبض طريقة القطع بعدم الانفساخ، لا هذه الطريقة التي جزم بها كما تقدم بسطه في تفريق الصفقة.
قوله في "الروضة": وإن عرضت بعدها، فإن كان باعها بعد بدو الصلاح فقولان:
الجديد الأظهر: أن الحوائج من ضمان المشتري، ولا فرق على القولين بين أن يشتري القطع أم لا.
وقيل: إن شرطه كانت من ضمان المشتري قطعًا لتفريطه، ويحكى هذا عن القفال.
وقيل: إن شرطه كانت من ضمان البائع قطعًا، لأن ما شرط قطعه فقبضه بالقطع والنقل، وقد تلف قبل القبض.
انتهى.
وما ذكره النووي في هذه المسألة مخالف لتصوير الرافعي، فإنه قال -أعني الرافعي-: والثانية: أن يعرض بعد التخلية فينظر: إن باعها بعد بدو الصلاح فقولان: الجديد: أنها من ضمان المشتري.
ثم قال: وإن باع الثمار قبل بدو الصلاح بشرط القطع ولم يقطعها حتى أصابتها جائحة ففيها ثلاثة طرق:
أظهرها: أنه على قولين.
[والثاني] 187: أنها من ضمان المشتري قولًا واحدًا لتفريطه بترك القطع، ويحكي هذا عن القفال.
الجزء: 5 - الصفحة: 259
والثالث: أنها من ضمان البائع قولًا واحدًا، لأنه لما شرط القطع كان القبض فيه بالقطع والنقل، هذا كلام الرافعي بحروفه.
وإذا تأملته علمت أن كلام "الروضة" عليه مناقشة من وجهين:
أحدهما: حكايته للطرق في البيع بعد بدو الصلاح وإنما محلها في البيع قبله، وهكذا ذكره في "الشرح الصغير" أيضًا، وكذلك في "المحرر"، غير أنه مع شرط القطع لا يبقي فرق في المعنى بين ما قبل بدو الصلاح وما بعده.
والوجه الثاني: إسقاط القسم الثاني من القسمين المذكورين في المسألة، وهو البيع قبل بدو الصلاح [وتعبيره في "الروضة" بقوله: فإن كان بعد بدو الصلاح] 188 يقتضي تقسيم المسألة إلى قسمين، مع أنه لم يذكر الثاني.
واعلم أن محل القولين في ضمان الجوائح إنما هو عند بيع الثمار لغير مالك الشجر، فإن باعها له فهي من ضمان المشتري بلا خلاف لانقطاع العلائق كما ذكره في "الروضة" من زياداته.
قوله: ولو غابت الثمار بعد القبض بالجوائح فلا خيار أيضًا على الجديد.
انتهى ملخصا.
وما ذكره هنا من عدم الخيار قد جزم بعكسه في "المحرر" فقال: وإن عرضت جائحة مهلكة كحر أو برد بعد التخلية، فالجديد أنها من ضمان المشتري، وإن تعيبت بها فله الخيار.
هذا لفظه بحروفه.
وقد غيره النووي في "المنهاج" فقال: ولو تعيبت بترك [البائع] 189 السقى فله الخيار.
واعتذر في "الدقائق" عن تعبيره، وهو اختصار عجيب.
قوله: وإذا ترك البائع السقى فتلفت الثمار بعد التخلية، فالأصح: القطع
الجزء: 5 - الصفحة: 260
بالانفساخ، لاستناد هذه الآفة إلى ترك السقي المستحق بالعقد قبل التخلية.
ثم قال: وما يستند إلى سبب سابق قبل القبض [قد] 190 ينزل منزلة ما لو سبق بنفسه كما ذكرنا في القتل بالردة السابقة، والقطع بالسرقة السابقة وموت العبد من المرض المتقدم على القبض.
انتهى كلامه.
وهو يقتضي أن الصور التي استشهد بها يجب الضمان فيها على البائع مطلقًا، لكنه قد سبق في خيار النقص أن العبد إذا مات من المرض السابق فالأشهر: القطع بأنه من ضمن المشتري لأن المرض يتزايد.
وأما القتل بالردة، والقطع بالسرقة فالأصح: التفصيل بين العلم والجهل، ولم يتعرض في "الروضة" في هذا الباب لهذه الصور، وذكرها الرافعي في "الشرح الصغير" في الموضعين كما ذكرها في "الكبير"، إلا المرتد فإنه جعله هناك من ضمان البائع، ولم يفصل.
قوله: فرع:
لو باع الثمار مع الأشجار فتلفت الثمار بجائحه قبل التخلية بطل العقد فيها، وفي الأشجار قولان.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الصحيح في تلف بعض المعقود عليه قبل القبض هو طريقة القطع بعدم الانفساخ لا طريقة القولين كما تقدم إيضاحه في تفريق الصفقة.
الثاني: أن النووي في "الروضة" عبر بقوله: وفي الأشجار القولان بزيادة (ال)، واقتضى كلامه عودهما إلى القولين في ضمان الجوائح فإنهما المقدمان على هذه المسألة لا غيرهما.
وقد تكرر منه هنا الإحالة [عليهما] 191 وهو سهو فاعلمه.
الجزء: 5 - الصفحة: 261
قوله: وإذا باع الثمرة [بعد] 192 بدو الصلاح وكان تلاحقها نادرًا، فاتفق أن تلاحقت [ولم تتميز أو كان الغالب تلاحقها فشرط القطع فلم يتفق حتى تلاحقت] 193 ففي انفساخ العقد قولان.
أظهرهما على ما رواه المصنف: أنه لا ينفسخ لبقاء عين المبيع، بل [يثبت] 194 الخيار للمشتري لأنه أعظم من إباق العبد.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور:
أحدها: أن الأصح هو الانفساخ، فقد صححه الأكثرون منهم القاضى أبو الطيب في "التعليق"، والشيخ أبو إسحاق في "المهذب"، والغزالي في "البسيط"، والشاشي في "الحلية"، وابن أبي عصرون في "الانتصار"، وكذلك الأرغياني في "فتاوي النهاية" لكن فيما قبل القبض خاصة.
وصححه أيضًا النووي في "شرح الوسيط" فقال: والأصح من القولين أنه ينفسخ العقد، وممن صححه صاحب "المهذب" وصاحب "الانتصار".
هذا لفظ النووي.
وأطلق الرافعي في "المحرر" و"الشرح الصغير"، والنووي في "الروضة": التصحيح بأن العقد لا يبطل اعتمادًا على ما وقفا عليه من الترجيح المتقدم نقله عن "الوجيز" خاصة، ولهذا عبر الرافعي في الكتابين المذكورين باللفظ الذي عبر به في "الوجيز".
الأمر الثاني: أن ثبوت الخيار للمشتري تفريعًا على عدم الانفساخ، ذكره الغزالي فمشي عليه الرافعي ومقتضاه أن له أن يبادر بالفسخ، والمنصوص عليه في "مختصر المزني" تفريعًا على هذا القول، وكذلك في كتب أكثر الأصحاب حتى في "التنبيه"، وأقره عليه النووي في "تصحيحه": أن البائع بالخيار إن سمح بحقه أقر العقد، وإلا فسخناه.
الجزء: 5 - الصفحة: 262
الأمر الثالث: إذا قلنا بثبوت الخيار للمشتري فمعناه أنه يرفع الأمر إلي الحاكم، ويكون الحاكم هو الذي يفسخ.
هكذا صرح به جماعة منهم القاضي أبو الطيب في "التعليق" والماوردي في "الحاوي"، ونقله ابن الرفعة في "الكفاية" عنهما ولم يخالفهما، وهو متجه، فإن هذا الفسخ ليس [بالعيب] 195 بل لقطع المنازعة، وكلام الرافعي يوهم خلاف ذلك.
فتفطن له.
واستفدنا أيضًا من كونه لقطع المنازعة: أن لا يكون على الفور كالفسخ بعد التحالف.
قوله: ويجري القولان فيما إذا باعه حنطة أو مائعًا فانصب عليه مثله قبل القبض، بخلاف اختلاط الثوب بمثله أو الشاة بمثلها، فإنه لا يبطل على المذهب كما قاله في "التتمة"، لأنه يورث الاشتباه وهو مانع بخلاف الإشاعة.
انتهى ملخصًا.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، وهذا الذي ذكره في "التتمة" قد ذكر مثله في "البحر" وأطلق في "الروضة" تصحيحه أيضًا.
قوله: ولو باع جزة من القصب بشرط القطع، ولم يقطعها حتى طالت، وتعذر التمييز جرى القولان، ومنهم من قطع بعدم الانفساخ هاهنا تشبيها لطولها بكبر الشجرة والثمرة وسمن الحيوان وهو ضعيف، لأن البائع مجبر على التسليم في الأشياء المذكورة بزياداتها، وهاهنا لا يجبر على تسليم ما زاد.
انتهى كلامه.
وما ذكره في آخر كلامه في تضعيف هذه الطريقة من كونه لا يجبر على التسليم تابعه عليه في "الروضة"، وهو يقتضي اعتقاد أن هذا القائل يقول بذلك قطعًا، لكن في "الحاوي" للماوردي: الجزم بأن الزيادة عند هذا القائل [للمشتري] 196، وعلله بأنها زيادة لا تتميز.
الجزء: 5 - الصفحة: 263
باب معاملات العبيد
قوله: [يجوز للسيد أن يأذن لعبده في التجارة إلى آخره.
قيده الشيخ في "التنبيه" والجرجاني في "التحرير" و"الشافي" بما إذا كان العبد رشيدًا، وسبقهما إليه الماوردي فقال: يشترط أن يصح تصرفه لنفسه لو كان حرًا.
ومقتضى ما ذكروه: اشتراط ذلك أيضًا عند شرائه لنفسه، وكتابته عليها وإنجازه وغير ذلك.
وفيه نظر.
قوله: ] 197 ومنها العبد المأذون لا ينعزل بالإباق، بل له التصرف في البلد الذي خرج إليه إلا إذا خص السيد الإذن بهذا البلد.
وقال أبو حنيفة: يصير محجورًا عليه.
ثم قال: ولو أذن لجاريته في التجارة، ثم استولدها ففيه هذا الخلاف.
انتهى كلامه.
واعلم أن نسخ الرافعي مختلفة في مسألة الاستيلاد، ففي بعضها التعبير بقوله: ففيه هذا الخلاف كما تقدم.
وأشار إلى الخلاف بيننا وبين أبي حنيفة، [وعلى هذه النسخة فلا ينعزل عندنا، وينعزل عند أبي حنيفة] 198، وفي بعضها التعبير بقوله: ففي هذا اختلاف، وعلى هذا فلا تصحيح في هذه المسألة في الكتاب.
وقد اختصر في "الروضة" هذا الموضع فقال: ولو أذن لأمته ثم استولدها لم تنعزل على الصحيح، وهذا الاختصار غير مطابق له.
أما على النسخة الأولى: فلا خلاف عندنا، وأما على الثانية: فلا تصحيح.
الجزء: 5 - الصفحة: 264
ولم يذكر المسألة في "الشرح الصغير"، والأقرب ما في النسخة الأولى لبعد ثبوت الخلاف في هذه المسألة لأنه يبعد أن يقع من مصنف لكتاب مبسوط متأخر محرر لاسيما الرافعي، والاستقراء أن يذكر خلافًا في فرع من الفروع النظرية من غير ذكر ترجيح ما، ولا تعليل لشيء من ذلك الخلاف ولا بيان أن الخلاف عند العلماء أو عندنا، وهل هو وجهان أو قولان؟ فظهر بذلك صحة النسخة الأولى، وحينئذ فيكون الحكم هو الجزم بالصحة في هذه المسألة، وقد جزم به صاحب "التتمة" و"التهذيب" وغيرهما.
قوله: ومنها: إذا ركبته الديون لم يزل ملك سيده عما في يده، فلو تصرف فيه ببيع أو هبة أو إعتاق بإذن المأذون والغرماء جاز، ويكون الدين في ذمة العبد، وإن أذن العبد دون الغرماء لم يجز، وإن أذن الغرماء دون العبد فوجهان.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أنه قد سوى في النكاح في باب المولى عليه بين إذن الغرماء دون العبد وبين العكس، وحكى في المسألتين وجهين، على عكس ما جزم به هاهنا من المخالفة.
الأمر الثاني: أن الصحيح من هذين الوجهين في ما عدا العتق هو عدم الصحة، كذا ذكره الرافعي في النكاح أيضًا في الموضع المذكور، وصححه في "الروضة" هنا من "زياداته" في الجميع.
ولنذكر ما قاله الرافعي هناك لتعرف عبارته في الأمرين فقال: وإن كان عليه دين، فإن زوجها السيد بإذن العبد [والغرماء صح، لأن الحق لا يعدوهم، وإن زوجها بإذن العبد] 199 دون الغرماء أو بإذن الغرماء دون العبد لم يصح على أظهر الوجهين.
الجزء: 5 - الصفحة: 265
ثم قال: وبيع السيد وهبته ووطؤه هذه الجارية كالتزويج في حال قيام الدين وعدمه.
الثالث: أن ما ذكره في العتق هنا قد ذكر فيه ما يخالفه في النكاح في الموضع المذكور فقال: ولو أعتق عبدًا لمأذون وعلى المأذون دين، أو أعتق الوارث عبدًا من التركة وعلى المورث دين، قال صاحب "التهذيب": قيل في نفوذ العتق [قولان] 200 كما في إعتاق المرهون.
والمذهب أنه إن كان معسرًا لم ينفذ العتق، وإن كان موسرًا نفذ.
انتهى.
وهذا التفصيل الذي ذكره [فيه وهو الفرق بين الموسر والمعسر وتابعه عليه في "الروضة" لم يذكره في هذا الباب بالكلية، والذي ذكره هنا إنما يستقيم في المعسر، ثم إن الذي ذكره] 201 في النكاح إنما يصح إذا كان بغير إذن فاعلمه.
قوله: وإقرار المأذون بدين المعاملة مقبول سواء أقر لأبيه وابنه أو لأجنبي.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة"، وفيه أمران ذكرهما الرافعي في أوائل كتاب الإقرار، وفيهما شرح لهذا الكلام فقال: إذا أقر المديون بدين لا يتعلق بالتجارة كالقرض ونحوه تعلق بذمته، ولو أطلق ولم يبين الجهة لم ينزل على دين المعاملة على أصح الوجهين لاحتمال أنه إتلاف.
ولو أقر بعد الحجر بدين معاملة أضافه إلى حال الإذن، لم تقبل إضافته على الأصح.
قوله: فإذا باع المأذون سلعة وقبض الثمن فاستحقت السلعة، وقد تلف الثمن في يد العبد فللمشتري الرجوع ببدله على العبد، لأنه المباشر للعقد.
وفي وجه لا رجوع عليه، وفي مطالبة السيد ثلاثة أوجه رتبها الإمام:
الجزء: 5 - الصفحة: 266
أصحها: أنه يطالب أيضًا، لأن العقد له.
والثاني: لا.
والثالث: إن كان في يد العبد وفاء فلا يطالب وإلا طولب.
ثم قال: ولو اشترى المأذون شيئًا للتجارة، ففي مطالبة السيد بالثمن الأوجه.
انتهى.
وهو صريح في أن ديون معاملات العبد تجب على السيد، ويؤمر بقضائها.
إذا علمت ذلك فقد ذكر بعد ذلك بدون ورقة ما يخالفه فقال: ولا تتعلق ديون معاملة العبد برقبته ولا بذمة السيد.
انتهى.
وهو غريب جدًا، ولا يستقيم أن يجمع بينهما بأن يقال: لا شيء في ذمته، لكن يطالب ليؤدي من أموال التجارة عنه، لأن أحد الأوجه أنه إن كان في يد العبد وفاء لم يطالب وإلا طولب.
وقد وقع هذا الاختلاف في "الشرح الصغير" و"المحرر" و"المنهاج" ووقع أيضًا في "الروضة" على وجه أشد مما وقع في الشرح، فإنه ادعى نفي الخلاف في الموضع الثاني فقال: ولا بذمة السيد قطعًا.
قوله في المسألة: والوجه الأول والثاني جاريان في عامل القراض مع رب المال لتنزيل رب المال منزلة العمرة على المال المعين.
انتهى كلامه.
وهذا التعليل الذي ذكره الرافعي -رحمه الله- تعليل للوجه الثاني، وكأنه ترك تعليل الأول لوضوحه.
قوله: ولو اشترى بألف في الذمة، فتلفت الألف قبل أن ينفذها ففي انفساخ العقد وجهان: أصحهما: أنه لا ينفسخ، وعلى هذا فوجهان: أحدهما: أنه يجب على السيد ألف آخر، لأن العقد وقع له.
الجزء: 5 - الصفحة: 267
والثاني: لا يلزمه، ولكنه إن أخرج ألفا آخر مضى العقد، وإلا فللبائع الفسخ.
ويشبه أن يكون هذا أظهر.
انتهى ملخصًا.
وهذا الوجه الذي رجحه الرافعي بحثًا، قد صرح بتصحيحه في "الشرح الصغير" فقال: إنه أظهر الوجهين، وكذلك النووي في أصل "الروضة" فقال: إنه الأصح.
وتصحيح هذا الوجه منهما لا يوافق ما ذكراه في القاعدة المتقدمة، وهي لزوم دين معاملة العبد للسيد، فإنا إن قلنا بلزومه عليه لزم إيجاب الألف هنا، وأن يكون العقد باقيًا.
وإن قلنا بعدم اللزوم، لزم الانفساخ فالتخيير لا يوافق تلك القاعدة، والموافق للأصح منها: هو لزوم الألف.
لا جرم أن الإمام لما ذكر الخلاف في لزوم دين المعاملة على السيد، وصحح قول اللزوم، وعلله بما علله الرافعي، ثم ذكر هذه المسألة صحح أن العقد باقٍ، ويلزم السيد ألف أخرى.
وأيضًا فإن التلف هنا هو نظير التلف في يد الوكيل وعامل القراض.
ولما ذكر مسألة القراض في بابها لم يحكِ فيها الوجه الذي رجحه في هذه المسألة فضلًا عن ترجيحه، ولم يرجح فيها أيضًا شيئًا.
وأما مسألة الوكيل فحكاه وفيها غير أنه لم يصرح فيها بتصحيح، وتابعه في "الروضة" على ذلك كله، غير أنه صحح في "تصحيح التنبيه" في مسألة القراض انقلاب العقد إلى العامل، وهو أقرب من تصحيح التخيير.
قوله: وهل تتعلق ديون التجارة بما يكسبه بعد الحجر؟ فيه وجهان:
قال في "التهذيب": أصحهما: أنه لا تتعلق به.
انتهى.
الجزء: 5 - الصفحة: 268
وما قاله البغوي هو الصحيح، كذا صححه النووي في أصل "الروضة".
قوله من "زياداته": قال في "التهذيب": لو جنى على المأذون، أو كلانت أمة فوطئت بشبهة، لا تقضي ديون التجارة من الأرش والمهر.
انتهى كلامه.
وما ذكره هنا من عدم التعلق بالمهر، وجزم به ولم يذكر في الباب خلافه، قد جزم بعكسه في كتاب النكاح في باب المولى عليه في الكلام على الولاية على الرقيق، وهو من زوائده أيضًا، وستعرف لفظه في موضعه فراجعه.
قوله أيضًا من "زياداته": ولو [اشترى] 202 المأذون من يعتق على سيده بغير إذنه لم يصح على الأظهر.
فإن قلنا: يصح، ولم يكن على المأذون دين عتق على المولى، وإن كان فقي عتقه قولان كما لو اشترى بإذن المولى، وإن اشترى بإذنه صح، فإن لم يكن على المأذون دين عتق وإلا فقولان:
أحدهما: لا يعتق.
والثاني: يعتق ويغرم قيمته للغرماء.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذه الزيادة جميعها قد ذكره [الرافعي في الباب الثاني من أبواب القراض وذكرها] 203 في "الروضة" أيضًا تبعًا له.
الثاني: أن النووي في "تصحيح التنبيه" قد صحح من القولين في ما
الجزء: 5 - الصفحة: 269
إذا اشترى بإذن السيد، وكان عليه دين أنه لا يعتق.
ونقل ابن الرفعة في باب القراض من "المطلب" عن الأصحاب: أنه كالراهن فقال: نعم قالوا: إن كان عليه دين ففي عتقه عليه الخلاف في عتق الراهن، وأجروه فيما إذا باشر السيد عتق عبد اشتراه المأذون للتجارة، وقد ركبته الديون.
هذا كلامه.
وأشار إليه الرافعي أيضًا في باب القراض، فإنه شبهه بالمرهون، وحينئذ فيكون الصحيح: التفصيل بين الموسر وغيره، ولا يتجه غيره، هذا كله إذا اشتراه بالإذن.
فإن اشتراه بغير الإذن، وكان عليه دين ففي العتق أيضًا قولان.
لكن هل هما مخرجان على القولين فيما إذا وقع الشراء بالإذن حتى يكون الصحيح الذي في إحداهما تصحيحًا في الأخرى أو مرتبان وأولى بالبطلان؟ ، اختلف فيه كلام "الروضة"، فالمذكور في هذا الباب كما تقدم نقله عنه هو التخريج، وفي باب القراض هو الترتيب.
وينبني على هذا الاختلاف ما إذا قلنا بالترجيح المستفاد من كلام الرافعي و"المطلب"، وهو إلحاقه بالمرهون فكان السيد في مسألتنا وهو الشراء بغير الإذن موسرًا.
فعلى المذكور في "الروضة" هنا يستفاد [تصحيح الإعتاق، وعلى المذكور هناك لا يستفاد] 204.
واعلم أن شراء القريب بإذن السيد بمنزلة إعتاق السيد، وقد تقدم في أول الباب أنه يفصل فيه بين الموسر والمعسر.
الجزء: 5 - الصفحة: 270
قوله: فرع:
لو أذن لعبده في التجارة مطلقًا ولم يعين مالًا، فعن أبي طاهر الزيادي: أنه لا يصح هذا الإذن، وعن غيره: أنه يصح، وله التصرف في أنواع الأموال.
انتهى.
لم يصحح شيئًا في "الروضة" أيضًا، ولا تعرض لها في "المحرر" ولا في "الشرح الصغير".
فمراد الرافعي بقوله: (ولم يعين مالًا) أي نوعًا من المال يتجر منه.
قوله: وأصح الوجهين: أنه لا يصح شراؤه دون إذن السيد، لأنه لو صح، فإن أثبتنا الملك له فليس أهلًا لذلك، وإن أثبتناه للسيد بعوض عليه فهو لم يرض به، وإن كان بعوض على العبد فيلزم حصول أحد العوضين لغير من يلزمه مقابله.
انتهى ملخصًا.
وما صححه الرافعي في هذه المسألة سبقه إليه الإمام والمتولي، وهو مخالف للجمهور.
فإن الماوردي والقاضي أبا الطيب قد صرحا بأن الجمهور على الصحة.
وما ذكره في دليل [المنع] 205 فهو منقوض بالمأذون، فإنهم اتفقوا على أن ما اشتراه يكون ملكًا للسيد مع اختلافهم في من يكون الثمن في ذمته.
قوله من "زياداته": ولا يحل للمكاتب التسري بغير إذن سيده، وبإذنه قولان كتبرعه.
انتهى.
وهذا الكلام يشعر برجحان الجواز، لأنه الصحيح في التبرع بالإذن، لكن الصحيح منع التسري، وسيأتي بسطه في موضعه إن شاء الله تعالى.
الجزء: 5 - الصفحة: 271
باب اختلاف المتبايعين
قوله: مثل أن يختلفا في قدر الثمن فيقول البائع: بعتك هذا بمائة، ويقول المشتري: بخمسين، فينظر: إن كان لأحدهما بينة قضى بها، فإن أقام كل واحد منهما بينة على ما يقوله سمعتا.
ثم إن قلنا بالتساقط فكأن لا بينة وإلا توقفنا إلى ظهور الحال.
وإن لم يكن لواحد منهما بينة فيتحالفان.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن حاصل ما ذكره تفريعًا على عدم التساقط وهو [قول] 206 الاستعمال مجيء قول الوقف دون قول القرعة والقسمة.
وما ذكره هنا مخالف لما ذكره في كتاب الدعاوى والبينات في أثناء الركن الخامس المعقود للبينة، فإنه قال: إن قول القرعة يأتى هنا خلافًا لابن سلمة، وأن قول القسمة والتوقف لا يأتيان على المشهور، فلم يوافق ما ذكره هاهنا إلا في أن قول القسمة لا يأتي.
وأما القولان الآخران فذكر كلًا منهما على العكس مما هنا، أما الوقف فبعدم إتيانه، وأما القرعة فبإتيانها، غير أنه مثل هناك بالاختلاف في الإجارة، وسأذكره في موضعه فراجعه.
وحكى عن ابن سريج: تقديم بينة مدعى الزيادة.
[الأمر الثاني] 207: إن الرافعي -رحمه الله- إنما مثل هنا بالمثال المذكور للإشارة إلى أن شرط التحالف أن يكون ما يدعيه البائع أكثر.
وقد صرح الرافعي به في الاختلاف في الصداق فقال: وإنما يحسن
الجزء: 5 - الصفحة: 272
وضع المسألة إذا كان ما تدعيه المرأة أكثر.
قوله: ولو قال البائع: بعتك العبد، فقال: [بل] 208 الجارية ولم يختلفا في الثمن: نظر، إن كان الثمن معينًا تحالفا كما لو اختلفا في جنس الثمن، وإن كان في الذمة فوجهان:
أحدهما: يتحالفان، قاله ابن الحداد واختاره القاضى أبو الطيب وابن الصباغ.
والثاني: لا، قاله الشيخ أبو حامد واختاره الإمام وصاحب "التهذيب".
ونظير المسألة اختلاف الزوجين في أنه أصدقها أباها أو أمها.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" أيضًا، وفيه أمور:
أحدها: أن الرافعي لم يذكر قسيم قوله: (ولم يختلفا في الثمن) وكان ينبغي أن يقول: فإن اختلفا كان حكمه كذا، ولا يغني عنه ما ذكره هو وغيره من أن الاختلاف في قدر الثمن يوجب التحالف، فإن الصورة المطلوبة أن يختلفا فيه مع الاختلاف في عين المبيع.
ولم يذكر الشيخ في "المهذب" و"التنبيه" هذا القيد.
[الأمر الثاني] 209: أن الأصح من الخلاف عدم التحالف، فقد نص عليه الشافعي في "البويطي" في باب السلم، فقال بعد أن ذكر التحالف في السلم ما نصه: فإن ادعى أحدهما أن البيع إنما كان بشيء وخالفه الآخر، مثل قوله: اسلفني درهمًا في كذا، وقال هذا: بل دينار، فالقول قول البائع مع يمينه.
ويفسخ السلم لأنهما لم يجتمعا على أصل واحد.
هذا لفظه بحروفه.
الجزء: 5 - الصفحة: 273
وصحح الرافعي في "الشرح الصغير" هنا التحالف، وعبر بالأظهر، وصححه أيضًا النووي في أصل "الروضة" في الباب الخامس من كتاب الصداق، فإنه صحح التحالف في المسألة المتقدمة، وهي ما إذا قال الزوج: أصدقتك أباك، فقالت: بل أمي.
وهذا الخلاف هو الخلاف في مسألتنا بعينه، صرح به الرافعي هناك، وكلامه أيضًا هنا يشعر به، لكنه لم يصرح بتصحيح، بل التصحيح من تصرف النووي.
الثالث: أن المنقول عن ابن الحداد إنما هو التحالف في مسألة الصداق، كما نقله عنه القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما، ولم يتكلم في مسألة البيع، قال في "الكفاية": ومسألة الصداق المذكورة العوضان فيها معينان، فيصح فيها التحالف قطعا كما لو كان الثمن معينًا، وردد في "المطلب" فقال: إما أن يقطع فيها بالتحالف نظرًا لما ذكرناه، أو يقطع بعدمه نظرًا إلى أن الصداق عقد مستقل لكون النكاح لا يفسد بفساده، فلا تحالف جزمًا، فليست نظير مسألة البيع أصلًا حتى يكون قول ابن الحداد بالجواز في هذه يلزم منه الجواز في تلك.
الرابع: أن ما نقله عن الإمام أيضًا من المنع ليس في كلامه ما يقتضيه، بل كلامه يؤخذ منه الجواز، لأنه قال: إن الخلاف يلتفت إلى ما لو أقر بألف عن ضمان فقال: المقر له عن جهة أخرى.
والأصح في إقرار عبده اللزوم، ولم يتعرض لهذه المسألة في "المحرر" ولا في "المنهاج".
قوله: ولو ادعى صحة العقد والآخر فساده فوجهان: أصحهما عند صاحب "التهذيب": تصديق مدعي الفساد، وأصحهما عند الغزالي، وهو اختيار الشيخ أبى حامد وابن الصباغ: تصديق مدعي
الجزء: 5 - الصفحة: 274
الصحة، لأن الظاهر من العقود الجارية بين المسلمين صحتها.
وأيضًا فلو قال: هذا الذي بعتنيه حر الأصل.
وقال البائع: بل هو مملوك، فالقول قول البائع.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما اقتضاه كلامه من رجحان الثاني، قد صرح به في "المحرر"، وعبر بالأصح، وصححه أيضًا النووي وغيره.
ويستثنى من هذه القاعدة مسائل، منها: إذا باع ذراعًا من أرض وهما يعلمان ذرعانها، [فادعى البائع] 210 أنه أراد ذراعًا معينًا حتى لا يصح العقد، وادعى المشتري الشيوع حتى يصح ويكون كأنه باعه العشر مثلًا على تقدير أن يكون ذرعها عشرة، ففي المصدق منهما احتمالان ذكرهما الرافعي من غير ترجيح.
والأرجح منهما على ما قاله في "الروضة" من "زياداته": تصديق البائع فيفسد.
ومنها: لو اختلفا في أن الصلح وقع على الإنكار أو الاعتراف، فإن القول قول مدعي الإنكار حتى يفسد كما ستعرفه في كتاب الصلح فراجعه.
ومنها: لو قال السيد: كاتبتك وأنا مجنون أو محجور عليّ، [وقال] 211 العبد كنت في حال الكمال، وعرف للسيد جنون أو حجر كان هو المصدق.
كذا جزم به الرافعي في الكتابة في أثناء الحكم الثاني.
الأمر الثاني: أن استدلاله بما إذا اختلفا في أن المبيع حر أم رقيق؟ يقتضي الاتفاق عليه، لكنه قد ذكر بعد ذلك بنحو ورقة: أنه لو كان في
الجزء: 5 - الصفحة: 275
يده عصير فوجدناه خمرًا بعد البيع، فقال المشتري: كان عند الشراء خمرًا، وأنكر البائع، كان على الخلاف في مدعي الصحة والفساد.
قوله: ولو رد المسلم فيه على المسلم إليه بعيب، فقال المسلم إليه: [ليس] 212 هذا هو الذي قبضته مني، فالأصح أن القول قول المسلم لأن اشتغال ذمة المسلم إليه معلوم، والبراءة غير معلومة.
والوجهان جاريان في الثمن في الذمة.
ثم قال بعد ذلك: ولك أن تقول: الفارق بين الثمن والمسلم فيه ظاهر، فإن الاعتياض عن المسلم فيه غير جائز، وفي الثمن [لو رضي] 213 بالمقبوض لوقع عن الاستحقاق، وإن لم يكن من جنسه متى كانت له قيمة لأن الاستبدال عن الثمن جائز.
انتهى.
ولك أن تقول: الاستبدال لابد فيه من لفظ يدل عليه، إما بالصريح أو بالكناية كسائر العقود، فكيف يكتفي بمجرد الرضا؟
قوله: ولو اشترى طعامًا كيلًا وقبضه بالكيل، أو وزنًا وقبضه بالوزن أو أسلم فيه وقبضه، ثم جاء وادعي نقصانًا فيه، نظر: إن كان قدرًا يقع مثله في الكيل والوزن قبل، وإلا فقولان.
. . . إلى آخره.
هذه المسألة سبق الكلام عليها في الكلام على حكم المبيع قبل القبض فلتراجع.
قوله: ولو باعه عصيرًا وسلمه إليه فوجده خمرًا، فقال البائع: تخمر في يدك، وأنكر المشتري، فأيهما يصدق؟ فيه قولان.
انتهى ملخصًا.
والأظهر: تصديق البائع، كذا صححه في "الروضة" من "زياداته"،
الجزء: 5 - الصفحة: 276
وفي "تصحيح التنبيه".
قوله: ولو قال المشتري: بعت العبد بشرط أنه كاتب، وأنكر البائع فوجهان:
أحدهما: أن القول قول البائع، كما لو اختلفا في العيب.
والثاني: أنهما يتحالفان، قاله في "التتمة" وهذا أصح.
انتهى كلامه.
والأصح ما قاله صاحب "التتمة"، كذا صححه النووي في أصل "الروضة".
قوله: ويبدأ في التحالف بالبائع، وفي قول بالمشتري.
ثم قال: وتقديم أحد الجانبين مخصوص بما إذا باع عرضًا بثمن في الذمة.
فأما إذا تبادلا عرضًا بعرض، فلا يتجه إلا التسوية على ما ذكر الإمام، وينبغي أن يخرج ذلك على أن الثمن ما أدى.
انتهى كلامه.
وهذا التخريج ليس بلازم، قال في "المطلب": لأن مأخذ البداءة قوة جانب على جانب، كما ذكروه في تعليل الأقوال، وذلك مفقود هاهنا.
قوله: ظاهر نص الشافعي - رضي الله عنه - الاكتفاء بيمين واحدة من كل واحد من المتعاقدين يجمع فيها بين النفي والإثبات، فيقول البائع: ما بعته [بخمسمائة] 214، وإنما بعته بألف، ويقول المشتري: ما اشتريته بألف، وإنما اشتريته بخمسمائة.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على الإثبات بصيغة إنما، وهو المذكور أيضًا في "المحرر"، وهذه اللفظة لا حاجة إليها.
الجزء: 5 - الصفحة: 277
قوله: ولو عرض اليمين عليهما فنكلا جميعًا ففيه وجهان للإمام:
أحدهما: أن تناكلهما كتحالفهما.
والثاني: أنه يوقف الأمر، وكأنهما تركا الخصومة.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذه المسألة قد صرح بها الماوردي في "الحاوي"، وجزم بالاحتمال الثاني وهو التوقف، ونقله الإمام في آخر كلامه عن بعض المتقدمين بعد أن ذكر أن أئمة المذهب لم يتعرضوا للمسألة، وصححه النووي في "الروضة" من زياداته، وخالف الغزالي في "البسيط" فقال: له حكم التحالف على [الظاهر] 215.
الأمر الثاني: أن تعبير الرافعي بقوله: فيه وجهان للإمام -يستفاد منه: أنهما احتمالان له، وأن الرافعي يرى أن احتمالات الإمام وجوهًا، وقد صرح بذلك في مواضع كثيرة.
ولما اختصر النووي في "الروضة" كلام الرافعي أطلق حكاية وجهين في المسألة، ولم يعزهما إلى الإمام كما عزاه الرافعي، ثم استدرك عليه فقال من "زياداته": هذان الوجهان ذكرهما الإمام احتمالين لنفسه، وإطلاقه أنهما وجهان، ثم استدراكه بأنهما احتمالان غريب.
قوله: ومن الذي يفسخه؟ فيه وجهان:
أحدهما: الحاكم، كالفسخ بالعنة لأنه فسخ مجتهد فيه.
وأظهرهما: أن للمتعاقدين أيضًا أن يفسخا، ولأحدهما أن ينفرد به كالفسخ بالعيب.
انتهى كلامه.
تابعه عليه في "الروضة" وفيه أمور:
الجزء: 5 - الصفحة: 278
أحدها: أن ما ذكره في الفسخ بالعنة من تعين الحاكم فيه مناقض لما ذكره في كتاب النكاح، فإنه صحح جواز انفراد المرأة بالفسخ بعد ثبوتها بين يدي الحاكم، وسأذكر لفظه في موضعه.
وحذف التعليل من "الروضة" فسلم من الاختلاف.
الثاني: أن حكاية الخلاف في جواز الفسخ لأحدهما واضحة.
وأما بالنسبة إليهما معًا فسهو، لأن المتعاقدين يجوز لهما الفسخ بلا سبب، بلا خلاف، فما ظنك عند وقوع الاختلاف.
وقد صرح بالمسألة في الكلام على الإقالة، وهو في أثناء خيار النقض فقال: إنه يجوز لهما رفع العقد، بلفظ الفسخ، ولم يحك فيه خلافًا، ونقله هو في هذا الباب بعد هذا بقليل، وقال: إنه لا شك فيه، والموقع في هذا الوهم لمن وقع فيه أن بعض الأصحاب عبر بقوله: لأحدهما، وبعضهم عبر بقوله: لهما، وهو يريد ما أراده الأول -أي كل منهما على البدل- فجمع بينهما.
فتلخص أن الخلاف إنما هو بالنسبة إلى أحدهما خاصة.
الأمر الثالث: أن ما صححه من جواز الفسخ لأحدهما قد سبقه إلى تصحيحه الغزالي والجرجاني.
وأما الأول فصححه الأكثرون، منهم القاضي حسين والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ والمتولي والروياني والشاشي في "الحلية" والهروي في "الإشراف" والغزالي في "الخلاصة" وابن أبي عصرون.
قوله: قال الإمام: وإذا قلنا: الحاكم هو الذي يفسخ فذاك إذا استمرا على النزاع، ولم يفسخا أو التمسا الفسخ.
أما إذا أعرضا عن الخصومة، ولم يتفقا على شيء ولا فسخا ففيه تردد.
انتهى.
الجزء: 5 - الصفحة: 279
تابعه في "الروضة" على حكاية هذا التردد، وهو يقتضي أنهما لم يقفا في المسألة على نقل، وقد رأيت المسألة مصرحًا بها في تعليقة القاضي الحسين، وجزم بأنه ليس للقاضي أن يفسخ العقد بينهما.
قوله في أصل "الروضة": ثم إذا فسخ العقد ارتفع في الظاهر، وهل يرتفع في الباطن؟ فيه ثلاثة أوجه:
ثالثها: إن كان البائع صادقًا فنعم لتعذر وصوله إلى حقه، وإن كان كاذبًا فلا.
ثم قال: وقال الإمام: إن صدر الفسخ من المحق فالوجه تنفيذه باطنًا، وإن صدر من المبطل [فالوجه منعه باطنًا، وإن صدر منهما فلا شك في الانفساخ باطنًا، وليس ذلك موضع الخلاف ويكون ذلك كما لو تقايلا، وإذا صدر من المبطل] 216 ولم ينفذه باطنًا، فطريق الصادق إنشاء الفسخ إن أراد الملك فيما عاد إليه، وإن صدر من القاضي فالظاهر الانفساخ باطنًا لينتفع به المحق.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره صريح في أن القياس على الإقالة من كلام الإمام، وكذلك ما بعده أيضًا، وهو خلاف ما في الرافعي، فإنه قد صرح بنقله عن "الوسيط"، وعطف ما بعده عليه، وكذلك هو في "الوسيط".
الثاني: أن ما ذكره الغزالي من القياس على الإقالة، ونقله عنه الرافعي مرتضيًا له، وجزم بصحته النووي ليس بقياس صحيح، فإن كلًا من المتبايعين لو قال بعد صدور البيع: فسخت البيع، لم ينفسخ البيع، ولم يجعله إقالة اتفاقًا، سواء قال ذلك بحضرة صاحبه أو في غيبته.
وإنما تقع الإقالة، ويحصل الفسخ بها إذا صدرت بالإيجاب والقبول
الجزء: 5 - الصفحة: 280
بشرطهما المعتبر، وهو أن يكون الثاني جوابًا للأول، وأن يقع على الفور وأن لا يفصل بكلام، وقد يتلفظ كل منهما بذلك بدون شيء من هذه الشرائط.
قوله: وإذا انفسخ البيع بالتحالف، أو فسخ فعلى المشتري رد المبيع إن كان قائمًا، وقيمته إن كان تالفًا.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن إيجاب القيمة محله إذا كان المبيع متقومًا، فإن كان مثليًا فإنه يأتي فيه ما سبق في البيع الفاسد، والأصح فيه المثل كما سبق.
الأمر الثاني: أنه قد ذكر بعد ذلك أنه لا فرق في التلف بين الحسي والشرعي كالبيع والاعتاق وغيرهما.
إذا علمت ذلك فقد ذكر في "الروضة" من "زياداته" في الكلام على الإقالة، وهو في أثناء خيار النقض عن القفال في شرحه "للتلخيص": أنهما لو تقايلا ثم اختلفا في الثمن ففيه ثلاثة أوجه، سواء قلنا: الإقالة بيع أو فسخ:
أصحها: أن القول قول البائع.
والثاني: قول المشتري.
والثالث: يتحالفان، وتبطل الإقالة.
انتهى.
وقد تقدم الكلام على هذه المسألة هناك فراجعه.
قوله: وفي القيمة المعتبرة وجوه، وقال الإمام أقوال: أصحها: أن الاعتبار بقيمة يوم التلف.
انتهى.
وما رجحه هاهنا من كون الخلاف وجوهًا، قد جزم بخلافه في "المحرر" فقال: والاعتبار بقيمة يوم التلف على أصح الأقوال.
هذا لفظه.
الجزء: 5 - الصفحة: 281
وتبعه في "الروضة" و"المنهاج" على هذا الاختلاف.
قوله: وإن أجره بني على جواز بيع المستأجر، [إن منعناه فهو كما لو رهنه، وإلا فللبائع أخذه، وإن كان أجره للبائع فله أخذه لا محالة.
انتهى.
عبر في "الروضة" بقوله: قطعًا وهو بناء منهما على زعمهما أن البيع من البائع لا خلاف في صحته، وليس كذلك كما ستعرفه في الإجارة.
قوله: وإذا أخذ قيمة الآبق للحيلولة ثم عاد فأصح الوجهين: أنه يرده ويسترد القيمة: وأما المرهون فالأصح، القطع بأنه لا يرد، وقيل: على الوجهين، ثم قال: وأما المستأجر] 217 فإن منعنا بيعه فهل هو كالمرهون أم كالإباق؟ فيه احتمالان للإمام.
انتهى كلامه.
تابعه عليه في "الروضة"، وهو يدل على أنهما لم يظفرا بالمسألة، وقد صرح بها القاضي الحسين في "تعليقه" وألحقها بالآبق.
وأيضًا فإن الإمام نفسه قد رجح ذلك، فإنه بعد ذكره لهذا التردد قال: الأظهر أنه كالآبق.
قوله: ثم إذا انفسخ العقد ارتفع في الظاهر، وفي الباطن ثلاثة أوجه: ثالثها: إن كان البائع صادقًا ارتفع، وإلا فلا.
ثم قال: واعلم أن جميع ما ذكرناه مفرغ في قالب واحد، وهو أن يكون اختلافهما في قدر الثمن.
. . . إلى آخره.
القالب بفتح اللام، ومراده بهذا الكلام، أن جميع ما تقدم من الخلاف يأتي حيث اختلفا في قدر الثمن، هذا ما ظهر لي من مراده، وإن كان مثل هذا الكلام لا يستعمل لإرادة هذا المعنى، لاسيما أن الكلام والمثال إنما هو في هذه الصورة، فلم نستفد منه شيئًا آخر.
الجزء: 5 - الصفحة: 282
قوله: ولو جرى العقد بين وكيلين ففي تحالفهما وجهان.
وجه المنع: أن فائدة اليمين الإقرار، وإقرار الوكيل لا يقبل.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذه المسألة ذكرها الرافعي في الباب السادس من أبواب الصداق، واقتضى كلامه أن الأصح هو التحالف، فإنه ذكر فيما إذا اختلف الزوج وولي الصغيرة أو المجنونة، أن الأصح عند الأصحاب: هو التحالف.
ثم قال: وهذا الخلاف يجري في وكيل البائع ووكيل المشتري، وفي وكيل أحدهما مع الآخر، وفي المسألة كلام آخر نذكره في الدعاوي إن شاء الله تعالى.
الأمر الثاني: أن النووي قد ذكر من "زياداته" هنا: أنه ينبغي أن يكون الأصح هو التحالف.
قال: وفائدته الفسخ، أو إن نكل أحدهما فيحلف الآخر، ويقضي له إذا قلنا: حلفه مع النكول كالبينة، وما قاله من القضاء للآخر إذا حلف بعد نكول خصمه ليس كذلك فاعلمه، فإن الصحيح المذكور في الدعاوي: أن الحكم لا يتعدى إلى ثالث إذا جعلنا النكول، ورد اليمين كالبينة.
وما قاله هنا هو الوجه المرجوح في بابه حتى نقل -أعني الرافعي- في آخر الشركة اتفاق الأئمة على ضعفه.
قوله من "زوائده": ولو باع شيئا ومات، فظهر أن المبيع كان لابن الميت، فقال المشتري: باعه عليك أبوك في صغرك لحاجة، وصدقه الابن أن الأب باعه في صغره، لكن قال: لم يبعه عليّ بل باعه لنفسه متعديًا.
قال الغزالي في "الفتاوي": فالقول قول المشتري، لأن الأب نائب الشرع، فلا يفهم إلا لحجة.
انتهى كلامه.
الجزء: 5 - الصفحة: 283
هذه المسألة ذكرها الرافعي في أواخر باب الحجر وحكى فيها خلافًا، وصحح ما نقله هنا عن الغزالي، [وسيأتي] (1) في أصل "الروضة" هناك.
باب السلم
قوله: ذكروا في تفسير السلم عبارات متقاربة، منها: أنه عقد على موصوف في الذمة ببدل يعطي عاجلًا.
. . . إلى آخره.
هذه العبارة قد اختارها النووي في "لغات التنبيه" فقال: إنها أحسن العبارات، ويرد عليها وما بعدها أمران:
أحدهما: ما إذا وقع بلفظ البيع أو بلفظ الشراء، ولم يقع بعده لفظ السلم، فإنه لا ينعقد سلمًا على الأصح، بل بيعًا كما ذكره هو بعد ذلك، وسنذكره واضحًا.
الثاني: أن إعطاءه عاجلًا شرط من شروط الصحة، وليس داخلًا في حقيقة السلم.
لا جرم لم يذكر هذه الزيادة في "المحرر"، بل قال: هو بيع موصوف في الذمة، لكن يرد على هذا التعبير ما إذا عقد بلفظ البيع، فإنه ليس بسلم على الصحيح، بل يكون بيعًا.
قوله: ويجوز أن يجعل رأس المال منفعة دار أو عبد مدة معلومة، ويسلمها بتسليم العين، انتهى كلامه.
هذه المسألة أسقطها النووي فلم يذكرها في "الروضة" هاهنا.
قال ابن الرفعة: وإنما قلنا: يحصل التسليم بالعين، لأنه لما تعذر القبض الحقيقي اكتفينا بهذه لأنه الممكن.
قلت: وفيه نظر لأن المعتبر في هذا الباب، إنما هو القبض الحقيقي، ولهذا لا تكفي الحوالة كما قاله الرافعي هاهنا، ولا الإبراء كما قاله في باب218
الجزء: 5 - الصفحة: 284
الإجارة وهكذا الحكم في الربا أيضًا.
ولو كانت المنفعة متعلقة ببدنه، كما لو جعل رأس المال تعليم سورة أو خدمة شهر وسلم نفسه، فإن أخرج نفسه بعد ذلك من التسليم كما هو الغالب لم يكف بخلاف الدار والعبد، لأنهما مال فيمكن الحكم باستدامة اليد الشرعية عليهما، والحر لا يدخل تحت اليد المتصلة، فكيف في حال الانقطاع، وإن لم يخرج نفسه ففيه نظر لما ذكرناه.
والمتجه: الجواز لأن الأجرة تستقر بذلك، وكلام "المنهاج" يقتضي الاكتفاء مطلقًا، فإنه عبر بقوله: ويجوز كونه منفعة، ويقبض بقبض العين.
هذه عبارته، والقياس ما ذكرناه.
قوله: ولو قبض رأس المال، ثم رده إلى المسلم عن دين، قال أبو العباس الروياني: لا يصح، لأنه تصرف قبل انبرام ملكه، فإذا تفرقا فعن بعض الأصحاب: أنه يصح السلم لحصول القبض، وإلزام الملك، ويستأنف إقباضه للدين.
انتهى.
والصحيح في هذه المسألة: صحة إقباضه عن الدين، وأن العقد يلزم فافهمه، وذلك لأن التصرف قبل انبرام الملك أي في مدة [خيار البائع، وإنما يمتنع إذا كان مع غير البائع لأن صحته تقتضي اسقاط ما ثبت له من] 219 الخيار.
فأما إذا كان معه فالأصح فيه الصحة، ويكون ذلك إجازة منهما.
كذا ذكره الرافعي في الكلام على الخيار، وفي باب الربا.
وحينئذ فيكون إقباضه له عن الدين صحيحًا وإلزامًا للعقد فاعلمه.
وسكوت الرافعي والنووي على ما تقدم يشعر بأن الحكم كذلك، وبأنهما قد ارتضياه، وكأنهما لم يستحضرا ما قدماه.
الجزء: 5 - الصفحة: 285
قوله: ولو كان له في ذمة الغير دراهم، فقال: أسلمت إليك الدراهم التي في ذمتك على كذا، نظر: إن شرط الأجل فيه فهو باطل لأنه بيع الدين بالدين، وإن كان حالًا ولم يسلم المسلم فيه قبل التفريق فكمثل، وإن أحضره وسلمه فوجهان:
أحدهما: يصح كما لو صالح من تلك الدراهم على دنانير وسلمها في المجلس.
وأظهرهما: المنع، لأن قبض المسلم فيه ليس شرط، وإن كان المسلم حالًا، فلو وجد لكان متبرعًا به، وأحكام البيع لا تبنى على التبرعات.
ألا ترى أنه لو باع طعاما بطعام إلى أجل، ثم تبرعا بالاحضار لم يجز.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ادعاه من أن قبض المسلم فيه ليس بشرط، إن أراده في هذه المسألة فممنوع، لأن من يشترط إحضار أحد العوضين يشترطه في صحة هذا العقد، وإن أراد في غيرها لم يضر.
الأمر الثاني: أنه على تقدير أن لا يكون قبضه شرطًا، لكن لا يقال فيه أنه تبرع، لأنه يجب على المسلم إليه الإعطاء في مجلس [العقد، فكيف يقال: لا يجب وهو حال قادر عليه؟ فإذا كان حالًا فيشترط عند هذا القائل تسليمه في المجلس] 220، فكيف يكون تبرعًا؟
وأما تنظيره بما إذا باع طعامًا إلى أجل فظاهر الفساد، لأن الإحضار هناك تبرع بلا شك.
وقوله: (متبرعًا به) هو بفتح الراء على البناء للمفعول.
الجزء: 5 - الصفحة: 286
قوله: وأطلق صاحب "التتمة" وجهين في أن تسليم المسلم فيه في المجلس، وهو حال هل يغني عن تسليم رأس المال؟ والأظهر المنع.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على إطلاق المنع، إلا أنه إنما يتجه إذا ورد بلفظ السلم أو بلفظ البيع، واعتبرنا المعنى.
فإن قلنا بالصحيح، وهو اعتبار اللفظ فيتجه أن يكفي، لأن المانع حينئذ كونه بيع دين بدين، [فإذا وجد القبض من أحد الجانبين كفى لزوال المانع.
ولعل الرافعي إنما عبر] 221 بالمسلم فيه لهذا المعنى.
قوله في أصل "الروضة": ولو كان رأس المال عبدًا فأعتقه المسلم إليه قبل القبض لم يصح، إن لم يصح اعتاق المشتري قبل القبض، وإلا فوجهان.
والفرق أنه لو نفذ لكان قبضًا حكميًا، ولا يكفي ذلك في السلم.
ثم قال ما نصه: فإن صححنا فتفرقا قبل قبضه بطل العقد، وإلا فيصح، وفي نفوذ العتق وجهان.
انتهى كلامه.
وهذا التفريع الذي ذكره على تصحيح العتق ظاهر الفساد، فإنه كيف يفرع على نفوذه تفريعًا يكون فيه وجهان في عدم نفوذه.
وأيضًا فإنا إذا نفذناه يحصل القبض به حكمًا كما أشار إليه، فكيف يقول بإبطال العقد عند عدم قبضه؟ وقد عبر الرافعى بقوله: فعلى هذا -أي فعلى القول بالفرق- وهو الإبطال هنا والصحة في المشتري، وهو تفريع لا وقفة فيه ولا في حكاية الخلاف بعد ذلك في نفوذ العتق، وقد حكاه المتولي في "التتمة" كذلك.
وبناء الوجهين على أن الراهن إذا أعتق وقلنا: لا ينفذ اعتاقه، فانفك الرهن هل ينفذ أو لا؟ فاتضح كيفية الخلاف المحكي في ["المهذب"] 222 لا
الجزء: 5 - الصفحة: 287
سيما شرحه إذا وقع في كلام الرافعي من كلام "التتمة" لاستمداد كلامه منها.
قوله: ولو أسلم بلفظ الشراء فقال: اشتريت منك ثوبًا أو طعامًا صفته كذا بهذه الدراهم، فقال: [اشتريت منك ما] 223 بعته منك انعقد، لأن كل سلم بيع.
وهل هو سلم اعتبارًا بالمعنى أو بيع اعتبارًا باللفظ؟ فيه وجهان:
الأصح على ما ذكره صاحب "التهذيب" وغيره: أن الاعتبار باللفظ.
والصحيح عند ابن الصباغ: اعتبار المعنى.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما نقله عن ابن الصباغ قد نص عليه الشافعي في "الإملاء" كما نقله [عنه] 224 الشيخ أبو حامد، ونقله عن العراقيين، وصححه الروياني والجرجاني، وذكر الرافعي في "الأيمان" ما يقتضيه، فقال فيما إذا حلف لا يأكل طعاما اشتراه زيد ما نصه: ويحنث بما يملكه بالتولية والإشراك وبما ملكه بالسلم، لأنها شراء في الحقيقة والإطلاق هذه عبارته.
وذكر مثله أيضًا في الإجارة، فإنه حكى هذا الخلاف في الإجارة الواردة على الذمة.
ونقل عن البغوي: أنه رجح مراعاة المعنى، ثم قال -أعني الرافعي-: إن ما صار إليه البغوي في الإجارة لا يلائم ما صار إليه في السلم.
ثم وافقه الرافعي في "المحرر" على ما رجحه هناك، واقتضى كلامه في الشرحين أن الأكثرين عليه، وحينئذ فيقال للرافعي، قد ثبت بقولك أن كلامك أيضًا هنا لا يلائم كلامك هناك.
الجزء: 5 - الصفحة: 288
وحينئذ فلابد من ترجيح أحد هذين الموضعين فرجحنا بنص الشافعي، فلتكن الفتوى على مراعاة المعنى.
وأما نظرهم إلى أن البيع مختص بالأعيان فيجري عليه هنا حكم الأعيان ففاسد، لأنه يلزم منه بطلان العقد بالكلية، وليس كذلك، فثبت رجحان كونه سلمًا لمقتضى الترجيح في الإجارة، ونص الشافعي عليه، وكثرة القائلين به وفساد دليل مقابله.
لا جرم أن الرافعي لم يصرح هنا بترجيح لا في "الكبير" ولا في "الصغير"، فإنه عبر بقوله: ورجح أي على البناء للمفعول.
نعم ذكر في "المحرر" أنه أقرب، فصرح النووي بتصحيحه في "الروضة" و"المنهاج" جريًا على عادته.
الأمر الثاني: أن محل انعقاده بيعًا إذا اقتصر على لفظ الشراء أو البيع، فإن ضم إليه لفظ السلم فقال مثلًا: بعتك أردب قمح في ذمتي سلمًا بكذا، أو قال: اشتريت منك أردبًا في ذمتك سلمًا بكذا، فإنه يكون سلمًا.
كذا جزم به الرافعي في الكلام على تفريق الصفقة في اختلاف الأحكام.
قوله: ولو قال: اشتريت منك ثوبًا صفته كذا في ذمتك بعشرة دراهم في ذمتي.
فإن جعلناه سلمًا وجب تعيين الدراهم، وتسليمها في المجلس، وإن جعلناه بيعًا لم يجب.
انتهى لفظه بحروفه.
وتابعه عليه النووي في "الروضة"، ومقتضاه أنه لا يجب التعيين ولا التسليم تفريعًا على الوجه المصحح، وهو جعله بيعًا مراعاة للمعنى.
فأما ما قاله في التسليم فمسلم، وأما التعيين فلا بل لابد منه، وإلا لصار بيع الحالي بالحالي أي بيع الدَّين بالدَّين، وقد أجمعوا على منعه للحديث الصحيح.
الجزء: 5 - الصفحة: 289
وممن صرح به المحاملي، ورأيته أيضًا في "فوائد المهذب" لابن عصرون نقلًا عن الفارقي تلميذ الشيخ أبى إسحاق.
فينبغي أن يحمل قوله: (لم يجب) على المجموع السابق ذكره، لأن المجموع لم يجب، بل إنما يجب [بعضه] 225 غير أن مثل هذا لا يستعمله الفقهاء، ولا يريدونه ولا يفهمه الواقف على كلامهم.
قوله: ولو وقت بفصح النصارى، نص الشافعي - رضي الله عنه - على أنه لا يجوز.
فأخذ بعض الأصحاب إطلاقه اجتنابًا عن التأقيت بمواقيت الكفار، وعامتهم فصلوا فقالوا: إن اختص بمعرفة وقته الكفار فالجواب ما ذكره، لأنه لا اعتماد على قولهم، وإن عرفه المسلمون أيضًا جاز، وكذلك سائر أعياد أهل الملل، وسواء اعتبرنا معرفتهما أم لا.
فلو عرفا كفى على الصحيح، وقيل: يشترط معرفة عدلين من المسلمين سواهما، لأنهما قد يختلفان فلابد من مرجع.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على إطلاق المنع إذا عرفه الكفار فقط، وليس على إطلاقه، بل يستثني ما إذا كانوا عددًا كثيرًا في البلاد الكبار بحيث يستحيل تواطؤهم على الكذب، فإنه يكفي لحصول العلم بقولهم، وهذا التنبيه استدركه ابن الصباغ في "الشامل".
والفصح بكسر الفاء وإسكان الصاد وبالحاء المهملتين هو عيد النصارى.
قال الجوهري: وذلك إذا أكلوا اللحم وأفطروا.
قوله: الثالث لو أقتا بنفير الحجيج وقيد بالأول أو بالثاني جاز، وكذا إن أطلقا على الأصح، ويحمل على الأول.
ثم قال، وحكى عن "الحاوي" أن التوقيت بالنفير الأول أو الثاني لأهل مكة جائز، لأنه معروف عندهم ولغيرهم وجهان، وأن في التوقيت بيوم
الجزء: 5 - الصفحة: 290
القر لأهل مكة وجهين أيضًا، لأنه لا يعرفه إلا خواصهم، وهذا غير فقيه لأنا إن اعتبرنا علم المتعاقدين فلا فرق، وإلا فهي مشهورة في كل ناحية عند الفقهاء وغيرهم.
انتهى.
اعترض في "الروضة" على كلام الرافعي فقال بعد قوله: إن القر هو الحادي عشر من ذي الحجة، وهذا الوجه الذي ذكره في "الحاوي" قوي.
ودعوى الإمام الرافعي شهرته عند غير الفقهاء ومن في معناهم لا يقبل، بل ربما لا يعرف القر كثير من المتفقهين والله أعلم.
وهذا الاعتراض الذي ذكره في "الروضة" غلط فاحش، فإن الرافعي يريد أن معرفة الآجال هل يكفي فيها علم المتعاقدين أم لابد من معرفة عدلين؟ فيه خلاف سبق.
فإن اعتبرنا علم المتعاقدين فلا فرق بين النفر والقر، إن علما بهما صح، وإلا فلا، وإن لم نعتبر علمهما، وقلنا: لابد من عدلين فكذلك أيضًا لأنه لا يتصور خلو مكة ولا غيرها من النواحي عن عدلين من الفقهاء يعرفان القر فلا فرق أيضًا.
قوله: قال الإمام: لو عقدا وقد بقى من صفر لحظة، ونقص الربيعان وجمادى فيحسب الربيعان بالأهلة، ويضم جمادى إلى اللحظة الباقية من صفر، ويكملان بيوم من جمادى الآخرة سوى لحظة.
ثم قال: كنت أود في هذه الصور أن يكتفي بالأشهر الثلاثة، فإنها جرت عربية كوامل، وما تمناه هو الذي نقله أبو سعيد المتولي وغيره، وقطعهما بحلول الأجل بانسلاخ جمادى في الصورة المذكورة، وأن العدد إنما يراعى في ما إذا جرى العقد في غير اليوم الأخير، وهو الصواب.
انتهى كلام.
تابعه في "الروضة" على حصره في اليوم الأخير وليس كذلك، بل لو وقع العقد في الليلة الأخيرة كان كاليوم في أنه لا يراعى فيه العدد أيضًا
الجزء: 5 - الصفحة: 291
للمعنى الذي ذكره.
وأشار الرافعي بقوله في الصورة المذكورة [إلى] 226 نقصان جمادى، فلو كان تامًا لم يتوقف على انسلاخه بل بإكمال ثلاثين، حتى لو كان العقد وقت الزوال من اليوم الأخير من صفر حل الأجل بزوال اليوم [الأخير] 227 من جمادى إذا جاء كاملًا، كما صرح به صاحب "التتمة".
قوله: ولو قال: محله في الجمعة أو في رمضان فوجهان:
أصحهما: المنع، لأنه جعل اليوم أو الشهر طرفًا فكأنه قال: محله وقت من أوقات يوم كذا، وفرقوا بينه وبين الطلاق بأن الطلاق يجوز تعليقه بالمجاهيل والأغرار، بخلاف السلم، قال ابن الصباغ: نعم، لكن لو كان كذلك لوقع في الجزء الأخير دون الأول، وهذا حسن، والفرق مشكل.
انتهى كلامه.
وفرق إسماعيل الحضرمي بأن الطلاق لما قبل التعليق بالمجهول قبله بالعام، وتعلق بأوله والسّلم لا يؤجل بقدوم زيد، فلا يؤجل بعام.
قوله في أصل "الروضة": ولو قال: إلى أول رمضان أو آخره بطل.
كذا قاله الأصحاب، لأنه يقع على جميع النصف الأول أو الآخر.
قال الإمام والبغوي: ينبغي أن يصح ويحمل على الجزء الأول.
انتهى كلامه.
ذكر الرافعي نحوه أيضًا، وما ذكره غريب، فقد قال الشافعي في "البويطي": ويسمى أول الشهر أو كذا وكذا يومًا يمضي من الشهر، [وصرح به أيضًا الشيخ أبو حامد وسوى بين "إلى شهر رمضان" و"إلى غرته" و"إلى هلاله" و"إلى أوله" قال: إنه إذا قال إلى أول يوم من الشهر] 228، فالمحل أول جزء من أول اليوم.
الجزء: 5 - الصفحة: 292
وكذلك الماوردي سوى بين الشهر والأول والغرة، [بل جعل الأول والغرة] 229 أصلين، وألحق الشهر بهما.
وقال في "الشرح الصغير": الأقوى الصحة.
قوله: ولو أسلم في شيء ببلد لا يوجد مثله فيه ويوجد في غيره، قال في "النهاية": إن كان قريبًا منه صح، وإن كان بعيدًا فلا.
قال: ولا تعتبر مسافة القصر هاهنا، وإنما التقريب فيه أن يقال: إن كان يعتاد نقله إليه في معرض المعاملة لا في معرض التحف والمصادرات صح السلم، وإلا فلا.
ويجئ في آخر الفصل ما ينازع في الإعراض عن مسافة القصر.
انتهى كلامه.
وقال في آخر الفصل في الكلام على انقطاع المسلم فيه: وإن أمكن نقل المسلم فيه من غير تلك البلدة إليها وجب نقله إن كان في حد القرب وبم يضبط؟ .
أما صاحب "التهذيب" في آخرين فإنهم نقلوا وجهين، أقربهما: أنه يجب نقله فيما دون مسافة القصر.
والثاني: من مسافة العدوى.
وأما الإمام فإنه جرى على الإعراض عن مسافة القصر.
إلى آخره.
ويؤخذ من مجموع كلام الرافعي أن الراجح في المسألة الأولى اعتبار مسافة القصر أيضًا، على خلاف ما قاله الإمام.
إذا علمت ذلك فقد جزم في "المحرر" بما قاله الإمام، وتبعه النووي عليه في "المنهاج".
الجزء: 5 - الصفحة: 293
والتحف بضم التاء وفتح الحاء جمعة تحفة ساكن الحاء ومفتوحها أيضًا وهي الهدايا.
قاله الجوهري.
قوله فيما إذا انقطع المسلم فيه: فإن أجاز ثم بدا له مكن من الفسخ، كزوجة المولى، ووجهه الإمام: بأن هذه الإجازة إنظار، وقد يتوقف الناظر في كونها إنظار أو يميل إلى أنها إسقاط حق كإجازة زوجة العنين.
ويجوز أن يقرر فيه وجهان، لأن الإمام حكى وجهين في أنه لو صرح بإسقاط حق الفسخ هل يسقط؟ وقال: الصحيح أنه لا يسقط.
انتهى كلامه.
اعلم أن النووي قد ذكر هنا كلامًا فيه شيء يظهر [بذكر] 230 لفظه فقال: فإن أجاز ثم بدا له مكن من الفسخ كزوجة المولى إذا رضيت ثم أرادت المطالبة كان لها ذلك.
قلت: هذا هو الصحيح، وذكر صاحب "التتمة" في باب التفليس وجهين في أن هذا الخيار على الفور أم لا، كالوجهين في خيار من ثبت له الرجوع بالإفلاس، والله أعلم.
هذا لفظه بحروفه.
ومقتضاه أن هذا الخلاف المحكي عن صاحب "التتمة" هو خلاف في المسألة التي بحث فيها الرافعي، وهو ما إذا أجاز ثم بدا له فتأمله، وليس كذلك، فإنهما مسألتان مستقلتان، ولا يلزم من كونه على التراخي أنه إذا اختار خصلة يجوز له الرجوع عنها كالمفلس.
قوله: ولو وجد المسلم فيه عند قوم يبيعونه بثمن غالٍ فليس بانقطاع، بل يجب تحصيله.
انتهى كلامه.
وهذه المسألة قد يحصل فيها اشتباه على كثير من الناس، وغلط في فهمها، وذلك لأن الغلاء يطلق، ويراد به الزيادة على ثمن المثل كما يقول الشخص لوكيله: ارددها فإنها غالية، ويطلق ويراد به ارتفاع الأسعار،
الجزء: 5 - الصفحة: 294
وأن يبيع بثمن مثله في ذلك الزمان، كما يقال: كان ذلك في زمن الغلاء لا في زمن الرخص.
والمراد هنا إنما هو الثانى، وأما الأول فلا يكلف به، لأن فيه إجحافًا زائدًا، وتكليفًا بما لا نهاية له، فإن صاحب السلعة قد يبالغ في الزيادة وقد جعل الشارع الموجود بأكثر من قيمته كالمعدوم بدليل الرقبة وماء الطهارة، وغير ذلك، ومما يدل على ما قلناه من كون المراد هو الثاني أن الغاصب مع تعديه لا يكلف القسم الأول على الأصح، كما قاله في "الروضة" في بابه، فبالأولى هذا، ولم يصحح الرافعي [في "الشرحين"] 231 هناك شيئًا.
والحاصل أنهما مسألتان، ذكرت إحداهما هنا والأخرى هناك، والبابان محتاجان إلى ذكر كل واحدة من المسألتين.
وقد صح في كتاب الكفارات أنه لا يلزمه شراء الرقبة بالثمن الغالي.
ولعل الفرق بينه وبين السلم تأكد حق الآدمي إلا أن يقال: المراد بالغلاء هناك الزيادة على ثمن المثل غير أن الخلاف في إيجابه بعيد، وجزم في كتاب الأطعمة نقلًا عن "التهذيب": بأن المضطر يجب عليه أن يشتري بالثمن الغالي، وفسره بالزيادة الكبيرة.
قوله في "الروضة": ولو أمكن نقله وجب إن كان قريبًا، وهو ما دون مسافة القصر.
وقيل: هي المسافة التي لو خرج إليها بكرة أمكنه الرجوع إلى أهله ليلًا، ثم قال ما نصه: وقال الإمام: لا اعتبار بمسافة القصر؛ فإن أمكن النقل على غيبته، فالأصح: أنه لا ينفسخ قطعًا، وقيل: على القولين.
انتهى كلامه.
وتعبيره بقوله: على غيبته تحريف، والصواب وهو المذكور في "النهاية"
الجزء: 5 - الصفحة: 295
والرافعي على عسر بالسين والراء، ثم إن هذا اللفظ .. إلى آخره هو من تتمة كلام الإمام فاعلمه.
قوله: ولو عين موضعًا فخرب وخرج عن صلاحية التسليم فأوجه:
أحدها: يتعين ذلك الموضع.
والثاني: لا، وللمسلم الخيار.
والثالث: يتعين أقرب موضع صالح.
انتهى.
قال النووي في "زياداته": الأقيس هو الثالث.
انتهى.
وما ذكره النووي إن كان حاصله متجهًا فناقص موهم، بل لابد أن يقال فيه مع هذا: إن ذلك الأقرب الصالح له حالان:
أحدهما: أن يكون أبعد من المعين ابتداءًا فيستحق أجرة الزائد، لأن العقد لم يقتضيه، وإنما أوجبناه لغرض المستحق جمعًا بين المصلحتين، كما ذكروا في نظائر لهذا.
الحال الثاني: أن يكون أقرب، فيتجه تخيير المسلم، فيقال له: إن شئت فأسلم لك في المعين ولا كلام، وإن شئت سلم لك في الصالح من غير حط شيء من الأجرة.
قوله: وحمل الإمام إطلاق الأصحاب على جواز السلم في الموزون كيلًا على ما يعد الكيل في مثله ضبطًا، حتى لو أسلم في فتات المسك والعنبر ونحوهما كيلًا لم يصح.
انتهى كلامه.
وليس فيه تصريح بأن الأمر كما قاله الإمام، أو على ما أطلقه الأصحاب، والأمر كما أطلقوه من عدم الاشتراط، كذا صرح به الرافعي بعد ذلك، فقال في أثناء الشرط السادس: ويجوز في اللآلئ الصغار إذا عم وجودها كيلًا ووزنًا.
الجزء: 5 - الصفحة: 296
وجزم النووي في "تصحيح التنبيه": بالاشتراط، كما قاله الإمام، وكأنه إذ ذاك وقف على الموضع الأول فقط، ولم يستحضر ما قاله الرافعي ثانيًا.
ولم يصرح في "الروضة" بشيء، غير أنه ذكر عقب الموضع الثاني أن كلام الرافعي هنا مخالف لما تقدم نقله عن الإمام، قال: وكأنه اختار ما أطلقه الأصحاب.
هذا كلامه.
ولم يذكر غير ذلك، ولم يخالفه أيضًا في اختياره.
قوله: ولا يجوز السلم في الجوز واللوز عددًا، ويجوز وزنًا، وفي الكيل وجهان نقلهما صاحب "البيان"، المذكور منهما فى "الشامل": الجواز، وكذا في الفستق والبندق.
واستدرك الإمام فقال: قشور الجوز واللوز مختلفة [منها غلاظ، ومنها رقاق والغرض يختلف باختلافهما فيمتنع السلم فيهما] 232 بالوزن أيضًا.
وليحمل ما أطلقه الأصحاب على النوع الذي لا تختلف قشوره في الغالب.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، وفيه أمور:
أحدها: أن منع الكيل قد نص عليه الشافعي في "البويطي" فقال: ولا يجوز إلا وزنًا.
هذا لفظه بحروفه.
ونص في "مختصر المزني" على الجواز، فتلخص أن الخلاف قولان [لا وجهان] 233.
الثاني: أن الراجح في هذه المسألة هو الجواز، فقد قال الرافعي في "المحرر": إنه أشبه الوجهين.
وصححه النووي في "الروضة" و"المنهاج"، ولم ينبه في "الروضة"
الجزء: 5 - الصفحة: 297
على أنه من "زياداته"، بل أدخله في كلام الرافعي، فتفطن له.
الأمر الثالث: أن حكم السلم في الجوز واللوز وزنًا، هو كما أطلقه الأصحاب لا كما استدركه الإمام، كذا نبه عليه النووي في "شرح الوسيط" فقال بعد حكايته لمقالة الإمام ما نصه: والمشهور في المذهب هو الذي أطلقه الأصحاب، ونص عليه الشافعي انتهى.
وجزم الرافعي في "المحرر" بالتقييد بما استدركه الإمام، وتبعه عليه النووي في "الروضة" و"المنهاج"، والصواب: التمسك بما قاله في "شرح الوسيط"، لأنه متبع لا مختصر.
قوله: ولا يجوز السلم في البطيخة الواحدة والسفرجلة الواحدة، ولا في عدد منها، لأنه يحتاج إلى ذكر حجمها ووزنها، وذلك يورث عزة الوجود.
انتهى كلامه.
تابعه عليه في "الروضة" وفيه أمران:
أحدهما: أن منعه في البطيخة الواحدة وفي العدد منه، قد سبقه إليه جماعة، لكن نص الشافعي في "البويطي" على الجواز فقال: ويسمى اللون ويصف صغيره وكبيره ووسطه، ولو وصف وزن كل واحدة من هذا كان أحوط، وإلا لم يضره، وكذلك البيض هذا لفظه بحروفه، ومن "البويطي" نقلته.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد عدى هذا الحكم إلى البيض والباذنجان والرمان.
وحذف النووي من "الروضة" ذكره بالنسبة إلى هذه الأمور فاعلمه.
قوله من "زياداته" معترضًا على الرافعي: كذا قال أصحابنا
الجزء: 5 - الصفحة: 298
الخراسانيون يشترط في اللبن الجمع بين العدد والوزن، ولم يعتبر العراقيون أو معظمهم الوزن، فقد نص الشافعي -رحمه الله- في آخر كتاب السلم من "الأم" على أن الوزن فيه مستحب و [لو] 234 تركه فلا بأس، لكن يشترط أن يذكر طوله وعرضه وثخانته وأنه من طين معروف.
انتهى.
ومقتضى هذه الزيادة أن يكون الراجح: أنه لا يشترط، وقد نص عليه أيضًا الشافعي في "البويطي" فقال: لا بأس بالسلم في الطوب والحجارة إن ضبط طوله وعرضه، وإلا وزن.
هذا لفظه بحروفه.
لكن جزم النووي في "المنهاج" تبعًا للمحرر باشتراطه.
قوله: لكن في منع السلم في الجارية وولدها أو أختها إشكال، على الإطلاق، لأنهم حكوا عن نصه: أنه لو شرط كون العبد كاتبًا والجارية ماشطة جاز.
ولمدعٍ أن يدعى ندرة اجتماع الكتابة والمشط مع الصفات التي يجب التعرض لها، بل قضية ما أطلقوه تجويز السلم في عبد وجارية بشرط كون هذا كاتبًا، وتلك ماشطة، وكما يندر كون أحد الرفيقين ولد الآخر مع اجتماع الصفات المشروطة فيهما، فكذلك يندر كون أحدهما كاتبًا والآخر ماشطًا مع اجتماع تلك الصفات، فلنسوِ بين الصورتين في المنع والتجويز.
انتهى كلامه.
وما ذكره من المشابهة ضعيف، فإن الفرق بينهما أن اشتراط الكتابة في العبد، والمشط في الجارية يسهل تحصيله بالاكتساب، وليس فيه إلا زيادة وصف على الأوصاف المطلوبة.
وإذا أسلم في عبد وجارية بهذه الصفة فلا تعلق لأحدهما بالآخر، ولا هو وصف فيه.
الجزء: 5 - الصفحة: 299
أما البنوة والأخوة فوصف غير مكتسب فيعز اجتماعه مع باقي الأوصاف، وكونها ذات ولد وصف فيها.
قوله نقلًا عن الصيمري: ولو شرط كونه زانيًا أو قاذفًا أو سارقًا جاز، بخلاف ما لو شرط كون الجارية مغنية أو عوادة لا يصح.
وفرق الصيمري بينهما بأنها صناعة محظورة، وتلك أمور تحدث كالقمار، وهذا فرق لا يقبله ذهنك.
انتهى.
فأما اشتراط الزنا والسرقة ونحوهما، فقد خالف الصيمري فيه غيره فقال: لا يصح اشتراطه.
وقد نقل الوجهين معًا الماوردي في "الحاوي"، وأما المنع في المغنية فقال الماوردي أيضًا: إن كان الغناء مباحًا فيجوز، وإن كان محرمًا -أي بأن كان بالعود ونحوه- فوجهان: أصحهما: المنع.
واعلم أنه قد وقع في "الروضة" التعبير بالقوادة بالقاف، كذا رأيته بخطه كما هو مذكور في النسخ أيضًا، ولكنك إذا تأملت الفرق المذكور علمت أن الصواب بالعين كما وقع في الرافعي، وأن المتجه على هذا القول إلحاق القوادة -أعني بالقاف- بالسارقة ونحوها.
ولم يذكر في "الروضة" الفرق المذكور، واقتصر على الحكم موهمًا تسلميه.
قوله: وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه اشترى راحلة بأربعة أبعرة يوفيها صاحبها بالربذة 235. انتهى.
[والربذة قد سبق الكلام عليها في التيمم] 236.
قوله: ولو اختلف نتاج بني فلان فكان فيها أرحبية ومهرية ومجيدية.
الجزء: 5 - الصفحة: 300
إلى آخره.
هذه الألفاظ سبق الكلام عليها في الزكاة.
قوله: وأما قول "الوجيز" غير مؤدن، فإن الشافعي - رضي الله عنه - ذكر في "المختصر": أنه يقوله في السلم في البعير غير مؤدن، نقى من العيوب، سبط الخلق، مجفر الجنبين.
والمؤدن ناقص الخلقة.
والسبط: المديد القامة الوافر الأعضاء.
والمجفر الجنبين: عظيمهما وواسعهما، واتفق الأصحاب على أن ذكر هذه الأمور ليس بشرط.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن المودن بفتح الدال المهملة وبالنون هو الناقص الخلق السيء العدا.
والسبط قد فسره في "الكتاب" وهو بسين مفتوحة وباء موحدة تسكن وتكسر.
والمجفر بميم مضمومة وجيم ساكنة وفاء مفتوحة.
الثاني: أن دعواه الاتفاق على عدم الاشتراط ليس على إطلاقه، فقد شرط الماوردي في الإبل والخيل ذكر القد فيقول مربوع أو مشرف.
قوله: ولو ذكر معه الشيات، كالأغر والمحجل واللطيم كان أولى.
انتهى.
الشيات جمع شية وهي كل لون يخالف معظم لون الفرس وغيره، قال تعالى: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: 71] أي ليست متلونة.
واللطيم من الخيل الذي سالت غرته في أحد شقي وجهه، يقال منه: لطم الفرس على البناء لما لم يسم فاعله، قاله الجوهري.
الجزء: 5 - الصفحة: 301
قوله: ومنها الطيور: فيجوز السلم فيها، وقال في "المهذب": لا يجوز.
انتهى.
ذكر مثله أيضًا في "الروضة"، وقريبًا منه في "الشرح الصغير" وفيه إشعار بأن غير الشيخ لم يقله ولاسيما من المتقدمين على الشيخ وهو غريب.
فقد نص الشافعي في (البويطي) على المنع فقال ما نصه ولا يجوز السلم في الطير لأنها لا تنضبط بسن ولا ذرع.
هذا لفظه بحروفه ومنه نقلت.
نعم: نص الشافعي في غيره على الصحة، ونقله الروياني وغيره.
قوله: وفي كتب أصحابنا العراقيين اعتبار أمر شائع -أي في اللحم- وهو بيان السمن والهزال.
انتهى.
وهذا الشرط نقله أيضًا عنهم في "الشرح الصغير" و"الروضة" وليس فيه تصريح بموافقتهم ولا مخالفتهم، وقد أهمله الرافعي في "المحرر" وكذلك النووي في "المنهاج"، وفيه إشعار بعدم اعتباره، ولابد منه فقد نص الشافعي عليه في "البويطي".
قوله: ولا يلزم قبول الرأس والرجل من الطير والذنب من السمكة.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على هذه العبارة] 237 وفيها إشعار بأن رأس السمكة يجب قبولها، وليس كذلك فاعلمه، فقد نص الشافعي في "البويطي" على أنه لا يجب، فقال ما نصه: ولا بأس بالسلم في الحيتان، ويسمى أجناسها وصغارها وكبارها وأجلها ووزنها، وحيث يقبض لا يوزن ذنبها ولا رأسها.
هذا لفظه.
وجزم ابن الرفعة بذلك، ولم يتعرض لكلام الرافعي ولا لهذا النص، ثم حكى فيما إذا كان الحوت صغيرًا وجهًا أنه يجب قبول الرأس والذنب،
الجزء: 5 - الصفحة: 302
لأن العادة أكلهما معه.
ثم [قال: والمذهب الأول، وأيضًا فقد نص الشافعي في "الأم" كما] 238 قاله في "المطلب" على أنه: إذا كان على الذنب لحم وجب قبوله.
قوله في أصل "الروضة": في السلم في الدبس والعسل المصفى بالنار والسكر والفانيد واللبا وجهان استبعد الإمام المنع فيها كلها.
قلت: وممن اختار الصحة في هذه الأشياء: الغزالي وصاحب "التتمة" والله أعلم.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن الأصح في الجميع هو المنع على ما يقتضيه كلام الرافعي.
الثاني: أن في السكر والفانيد طريقة قاطعة بالجواز حكاها الرافعي، ولم يذكرها في "الروضة"، ولنذكر عبارة الرافعي ليعرف منه الموضعان فقال: والسمن والدبس والسكر والفانيد كالخبز، ففي سلمها الوجهان.
وأشار الإمام إلى طريقة قاطعة بجواز السلم في السكر والفانيد.
هذا لفظه.
ثم قال: وفي اللبا والعسل المصفى بالنار الوجهان.
وهذا الكلام مقتضاه المنع في جميع هذه الأشياء لأنه الصحيح في الخبز.
ويؤيده أن [الأصح] 239 في باب الربا إلحاق ما دخلته النار للتمييز عما دخلته، للطبخ حتى لا يجوز بيع بعضه ببعض، فأطلق النووي ذكر الوجهين فقط، ثم حذف هذه الطريقة المنقولة عن الإمام، وحكى عنه شيئًا آخر.
الثالث: [أن النووي] 240 صحح في "تصحيح التنبيه" جواز الجميع، لكنه لم يصرح فيه بالعسل والسمن غير أنه يؤخذ منه، فإنه لما عدد هذه
الجزء: 5 - الصفحة: 303
الأشياء جعل ضابطها أن تكون النار لطيفة، ولا شك أن نار العسل المشار إليه وهو عسل النحل ألطف من نار السكر.
ولم يصرح في غير هذا الكتاب بتصحيح، فإنه لم يتعرض لذلك في "المنهاج"، وأما في "الروضة" فكما تقدم.
الرابع: أن ما نقله عن صاحب "التتمة" من تجويز السلم في الخمسة المتقدم غلط، إنما اختار الجواز في اللبا قبل أن يخلطه باللبن وتطبخ، أما بعد طبخه، فلا.
قوله: وتردد صاحب "التقريب" في السلم في الماء ورد لاختلاف تأثير النار فيما يتصعد ويقطر.
انتهى.
لم يصحح في "الروضة" شيئًا أيضًا، والراجح هو الجواز، فقد قال الروياني: إنه أصح عندي وعند عامة الأصحاب.
قوله: والأكارع كالرؤوس.
انتهى.
أهمل شرطًا آخر في الأكارع لم يذكره، ونبه عليه النووي في "الروضة"، وهو بيان أنها من الأيدي والأرجل.
قوله: وفي كتاب القاضي ابن كج اعتبار شرط آخر -أي لتجويز السلم في الرؤوس على قول-، وهو أن يكون المشافر والمناخر منحاة عنها، وهذا لا اعتماد عليه.
انتهى كلامه.
وما قاله ابن كج قد وافقه عليه الماوردي في المشافر.
قوله: وهل يحتاج في السمن إلى التعرض للحديث والعتيق، قال الشيخ أبو حامد: لا بل العتيق معيب لا يصح السلم فيه.
وقال القاضي أبو الطيب: العتيق المتغير هو المعيب لأكل عتيق، فيجب البيان.
انتهى كلامه.
الجزء: 5 - الصفحة: 304
وفيه أمران:
أحدهما: أن ما نقله عن القاضي أبي الطيب، قد تبعه عليه في "الروضة" أيضًا، لكن نقل عنه في "الشامل" أنه إن اختلفت القيمة وجب البيان، وإلا فلا فقال ما نصه: قال القاضي: ونقول حديث أو عتيق إن كان يختلف.
الأمر الثاني: أن النووي لم يصحح شيئًا في "الروضة" أيضًا، والراجح عند الرافعي: وجوب البيان، كذا رجحه الرافعي في "الشرح الصغير" فقال: إنه أشبه الوجهين، ولم يتعرض للمسألة في "المحرر" ولا في "المنهاج"، وما نقله عن الشيخ أبي حامد من الحكم والتعليل قد نص عليه الشافعي.
والغريب أن الشيخ أبا حامد قد نقله عنه، فاقتصار الرافعي عليه في غاية العجب.
وقد نقله عنه في "الشامل" فقال: وقال الشيخ أبو حامد: قال الشافعي: إطلاقه يقتضي الحديث، فإن العتيق معيب، وإنما يصلح للخراج.
انتهى كلامه، فتلخص من ذلك أنه مذهبنا.
قوله: وليس في الزبد إلا الوزن.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على أنه لا يصح السلم فيه كيلًا، بل وزنا، لكن نص الشافعي في "الأم" على أنه يصح السلم فيه كيلًا ووزنًا.
قوله: ولا يجوز السلم في القز وفيه الدود حيًا ولا ميتًا، لأنه يمنع معرفة وزن القز، وبعد خروج الدود يجوز.
انتهى.
تابعه عليه في "الروضة"، وذكر قبل ذلك في أوائل البيع في الكلام على شروط البيع من "زياداته": جواز بيع القز وفيه الدود وزنًا، على [خلاف] 241 ما جزم به هاهنا من فساد التقدير بالوزن، وذكرت لفظه هناك.
الجزء: 5 - الصفحة: 305
وثبت أن الصواب هو المذكور هنا، وهو المنع فراجعه.
قوله: الخامسة: إذا أسلم في الثياب بين الجنس ثم قال: ويبين الغلظ والرقة والنعومة والخشونة .. إلى آخره.
ذكر في "الشرح الصغير" و"المحرر": الصفاقة والرقة مع الغلظ والرقة، ولابد من ذلك، فإن الغلظ والرقة راجعان إلى كيفية [الغزل، وقد صرح الرافعي بذلك أيضًا قبل هذا بقليل، والصفاقة والرقة راجعان إلى كيفية] 242 النسج.
فالصفاقة: انضمام بعض الخيوط إلى بعض، مأخوذ من الصفق، وهو ضرب آلة النسج.
والرقة: تباعدها.
والحاصل: أن هذين الوصفين لابد من التعرض لهما في العقد، وأن التعبير عنهما بهذه الألفاظ صحيح إلا الرقة، فإن استعماله فيما ذكر ومغاير للرقة مخالف لما قاله الجوهري، فإنه قد صرح بأن الدقيق والرقيق خلاف الغليظ على أن الشيخ أبا حامد قد سبق إلى ذكر هذه الألفاظ، وعبر بعبارة هي أحسن من عبارة الرافعي فقال: الدقة أو الغلظ والصفاقة أو الرقة، ولم يتعرض في "الروضة" للفظتين الأخيرتين تبعًا لما قاله الرافعي.
قوله: وعن الصيمري أنه يجوز السلم في القميص والسراويلات إذا ضبطت طولًا وعرضًا وضيقًا وسعة.
انتهى كلامه.
وما نقله عن الصيمري من الجواز وأقره، ولم يذكر في هذا الباب، بعده ولا قبله ما يخالفه، قد ذكر في آخر الباب الثاني من أبواب الخلع عكسه، فإنه صرح بعدم جواز السلم فيها، ولم يحك فيها خلافًا، وستعرف لفظه في موضعه إن شاء الله تعالى.
الجزء: 5 - الصفحة: 306
ووقع الموضعان [في الروضة] 243 كذلك، وذكرها الرافعي في "الشرح الصغير" في الخلع فقط كما ذكرها في "الكبير"، ولم يذكرها في "المحرر"، والفتوى على خلاف ما قاله هنا.
قوله: وكل شيء لا يتأتى وزنه بالقبان لكن يوزن بالعرض على الماء.
انتهى.
وكيفية الوزن بالماء [ذكرها الرافعي في باب الربا فقال ما نصه: وقد يتأتى الوزن بالماء] 244 بأن يوضع الشيء في ظرف، ويلقى على الماء وينظر مقدار غوصه.
قوله: وفي الرصاص يذكر نوعه من قلعى وغيره وفي الصفر من شبه وغيره.
انتهى.
الشبه بشين معجمة وباء موحدة مفتوحتين ضرب من النحاس.
قاله الجوهري.
قوله: فنقول: السلم في المنافع كتعليم القرآن وغيره جائز، ذكره الروياني.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على نقل الجواز عنه من غير مخالفة له، وهو الصواب على كلام فيه يأتيك إن شاء الله تعالى في باب القرض.
قوله من "زياداته": ولو أسلم الدراهم في الدنانير أو بالعكس سلمًا حالًا، فوجهان محكيان في "البيان"، والأصح المنصوص: المنع.
انتهى ملخصًا.
وتوجيه المنع كما قاله في "البيان": أن لفظ السلم يقتضي تقديم أحد العوضين، واستحقاق قبضه دون الآخر، والصرف يقتضي تسليم العوضين
الجزء: 5 - الصفحة: 307
في المجلس فيصادف أحكامها.
والعجب من نقل هذا الحكم عن "البيان" بدون نقل تعليله عنه، وفيه غموض ودقة.
نعم نقل الرافعي في أول الباب في جعل رأس المال دينًا نحوه، وزاده إيضاحًا فقال: لأن قبض المسلم فيه ليس بشرط، فلو وجد لكان متبرعًا به، وأحكام البيع لا تبنى على التبرعات.
واعلم أن صاحب [البيان] 245 نقل عن الشيخ أبي حامد المنع في هذه المسألة، وليست كما قاله، بل إنما نقله أبو حامد المذكور عن النص، ثم قال: وعندي أنه يجوز.
قوله: ولا يجوز السلم في الحباب والطساس والطناجير.
انتهى.
وأما الحباب بكسر الحاء المهملة وبالبائن الموحدتين فهي جمع حب.
والطساس: بكسر الطاء جمع طس بفتحها، ويقال فيه: طست بإبدال سينه الثانية تاء.
والطناجير: جمع طنجير بكسر الطاء، قاله الصنعاني، قال العسكري في "التلخيص" في كتاب أسماء الأشياء ونعوتها: هو أعجمي يضرب فيه، قالوا: طنجرت اللحم فهو مطنجر إذا طبخته في الطنجير، قال بعضهم: هو الدست.
قوله: كما يجوز في مربعات الصرم [وقطع الجلود وزنًا، ولا يجوز في الجلود على هيئتها لتفاوتها دقة وغلظًا.
انتهى كلامه.
الصرم: ] 246 بصاد مفتوحة وراء مهملة ساكنة وفي آخره ميم، هو
الجزء: 5 - الصفحة: 308
الجلد بلغة فارس.
قاله الجوهري، ولم أرَ هذا كله في "الروضة".
قوله: وإذا أسلم في التمر بين النوع.
. . . إلى آخره.
أهمل هو والنووي شرطًا آخر، وهو كون جفافه على النخل أو بعد الجذاذ، ولابد منه كما قاله الماوردي فإن الأول أنقى، والثاني أصفى.
قوله: وفي العسل يبين أنه جبلى أو بلدي .. إلى آخره.
قال الماوردي: ولابد أن يبين أيضًا مرعاه وقُوته ورقته.
قوله: إحداهما: ذهب العراقيون إلى اشتراط التعرض للجودة والرداءة، وظاهر النص يوافق ما ذكره.
وقال غيرهم: لا حاجة إليه، وهو الأظهر.
انتهى.
ودعواه أن ظاهر النص يوافقهم غريب، فقد نص على اشتراطه في مواضع من "الأم" نصًا صريحًا، لا جرم أن النووي قد اعترض عليه في "الروضة" أيضًا.
قوله: ولا يجوز السلم في الأرز والعلس لاستتارهما بالكمام.
انتهى.
وما ذكره هنا في الأرز والعلس، قد سبق فيهما ما يخالفه في الكلام على بيع الثمار فراجعه.
الجزء: 5 - الصفحة: 309
الباب الثاني في أداء المسلم فيه والعرض
قوله: ويجب تسليم التمر جافًا، والرطب غير مشدخ.
انتهى.
هو بالشين والخاء المعجمتين.
قال في "الأم": وهو ما لم يترطب مشدخ، وأراد بذلك أنه عولج بالتغمير ونحوه حتى ترطب، وهو المسمى بالمعمول في بلاد مصر.
قوله: ولو أتى بالمسلم فيه قبل المحل، وامتنع المسلم من قبوله فقال الجمهور: إن كان له في الامتناع غرض، كما إذا كان وقت نهب، أو كان مما يحتاج إلى مكان له مؤنة كالحنطة الكثيرة فلا يجبر على القبول.
. . . إلى آخره.
وهذا الكلام يقتضي أن الحنطة وغيرها من الحبوب إذا كانت قليلة يجبر على قبولها، وأن الحجارة الكبيرة ونحوها لا إجبار فيها، لما فيها من مؤنة المكان وهو عكس ما قاله الشافعي في "الأم"، فإنه قال في باب تعجيل الكتابة ما نصه: قال الشافعي: ولو كاتبه على عرض من العروض، فإن كان لا يتغير على طول الحبس كالحديد والنحاس والرصاص وغيرها مما لا يتغير على طول الحبس، وكالدراهم والدنانير يلزم السيد أن يقبلها منه.
ثم قال بعد ذلك: والحنطة والشعير والأرز مما يتغير.
ثم قال: وكل موضع [أجبرت السيد على قبضه من المكاتب] 247 أخبرت فيه رب الدين، وإلا فلا.
انتهى.
ومخالفته لكلام الرافعي واضحة، وهذا المعنى الذي اعتبره الشافعي من التغيير على طول الزمان لم يتعرض له الرافعي، ولابد منه فإنه غرض صحيح لاسيما من الذين يطلبون الأسعار في الحبوب ونحوها.
وأما المعنى الذي اعتبره الرافعي من مؤنة الموضع، فهو حقير في
الجزء: 5 - الصفحة: 310
الغالب بالنسبة إلى فائدة التعجيل، فلذلك أهمل الشافعى اعتباره.
قوله: فإن كان للمؤدى غرض فى التعجيل سوى براءة الذمة كفكاك الرهن وبراءة الضامن أجبر على القبول.
ثم قال: وهل يلتحق بهذه الأعذار خوفه من انقطاع الجنس قبل الحلول؟ فيه وجهان، المذكور منهما فى الكتاب أنه يلتحق.
انتهى.
لم يصرح بتصحيح فى "الشرح الصغير" أيضًا، والأصح ما قاله فى "الوجيز"، كذا صححه النووي في "الروضة" ولم ينبه على أنه من "زياداته"، بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.
قوله: ولو ظفر بالمستقرض في غير مكان الإقراض فأخذ منه القيمة ثم عاد إلى مكان الإقراض فطلب أحدهما رد القيمة والرجوع إلى المثل، ففي إجابته وجهان، انتهى ملخصًا.
والأصح عدم الإجابة، كذا قاله النووي من "زياداته".
قوله: وكذا فى المسلم يطالب بقيمة بلد العقد إذا جوزنا أخذ قيمته.
انتهى.
واطلاقه اعتبار قيمة بلد العقد في السلم ذكره أيضًا في "الشرح الصغير"، وليس كذلك، فإن المعتبر فى السلم قيمة الموضع الذي يستحق فيه التسليم، ثم قد يكون بلد العقد، وقد يكون غيره، وقد استدركه عليه في "الروضة".
قوله: والبكر الفتى من الإبل، والبازل الذي له ثمان سنين تمامًا.
انتهى.
والفتى بفاء مفتوحة وتاء مثناه مكسورة وياء بنقطتين من تحت مشددة وجمعه أفتاء كيتيم وأيتام.
قال الجوهري: وهو خلاف المسن يعني أنه الصغير.
والبازل بالباء الموحدة والزاي المعجمة.
قوله: ويعتبر فى القرض أهلية التبرع، لأن القرض تبرع أو فيه شائبة
الجزء: 5 - الصفحة: 311
التبرع.
ألا ترى أنه لا يقرض الولى مال الطفل إلا لضرورة.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن إطلاقه منع الولى من إقراض مال الطفل ليس كذلك على ما ذكره في كتاب [الحجر] 248، فإنه فصل هناك فجوز للقاضى دون غيره، لكن فيه كلام يذكر هناك إن شاء الله تعالى فراجعه.
الأمر الثاني: أن الرافعي متردد في أن القرض تبرع محض، أو فيه شائبة التبرع؟ .
وجزم بعد هذا فى أثناء الباب بالاحتمال الثاني، وجزم به أيضًا في كتاب الضمان، وبالغ في نفي الاحتمال الأول فقال: واعلم أن القول بكون الضمان تبرعًا إنما يظهر حيث لا يثبت [الرجوع] 249، فأما حيث يثبت فهو إقراض لا محض تبرع، هذا لفظه.
وذكر فى كتاب الوصية نحوه فقال: أما التبرع فهو إزالة الملك عن مال مجانًا.
ووافقه النووي على هذا، ولكن قال: إنه ينبغي أن يضم إليه ما يدخل فى الاختصاصات، فيقال عن مال ونحوه.
ثم خالف فى الضمان فقال من "زياداته": إن القرض تبرع.
قوله: وأما الصيغة، فالإيجاب لابد منه، وهو أن يقول: أقرضتك أو أسلفتك أو خذ هذا بمثله.
. . . إلى آخره.
لم يبين هل هذه الصيغ كلها صرائح، أو بعضها صريح وبعضها كناية.
وظاهر كلامه أن الجميع صرائح، لكنه قد نص فى البيع على أنه إذا قال: خذ هذا بمثله، يكون كناية فينبغى هنا كذلك، وذكر النووي في "الروضة" هذه الصيغ كما ذكرها الرافعي.
الجزء: 5 - الصفحة: 312
قوله: فإن اختلفا في ذكر البدل، كان القول قول المخاطب.
انتهى كلامه.
والتعبير بالمخاطب تعبير ملتبس لا يدرى هل هو بفتح الطاء أو بكسرها، وفتح الطاء هو المراد هنا، ولهذا عبر في "الروضة" بقوله: الآخذ، وحكى وجهًا من زياداته أن القول قول الدافع، قال: وهو متجه.
قوله من "زياداته": وفي "التتمة" وجه أن الاقتصار على ملكتك، قرض.
انتهى.
وما حكاه عن "التتمة" لم أرَ له ذكرًا فيها، لا في هذا الباب ولا في غيره.
قوله: فأما الجارية المحرمة بنسب أو رضاع أو مصاهرة، فلا خلاف فى جواز إقراضها منه.
انتهى كلامه.
وما ادعاه من نفى الخلاف ذكره أيضًا في "الشرح الصغير"، وليس كذلك، فقد حكي الماوردي في "الحاوي" في قرضها منه ومن المرأة وجهين لأصحابنا [ونسب الجواز إلى البغداديين، والمنع إلى البصريين قال: وعلى رأيهم] 250 يصرف جنسًا لا يجوز إقراضه.
وهذا الموضع قد استدركه أيضًا النووي.
قوله: وما لا يجوز السلم فيه هل يجوز قرضه؟ إن قلنا: الواجب فى المتقوم القيمة جاز؛ وإن قلنا: المثل فلا.
انتهى.
ومقتضى هذا تصحيح منع قرضه، لأن الصحيح إيجاب المثل لا القيمة، ويستثني من هذا الإطلاق جزء الدار، فإنه لا يجوز السلم فيها قطعًا كما صرح به الرافعي وغيره.
ومع هذا فيجوز قرضه، كما نقله في "المطلب" في كتاب الشفعة عن
الجزء: 5 - الصفحة: 313
الأصحاب، وهو مقتضى كلام الرافعي أيضًا هناك، فإنه قال في أوائل الباب الثاني: ومنها: قال في "التتمة": "إذا استقرض شقصًا أخذه الشفيع بقيمته.
وإن قلنا: إن المستقرض يرد المثل لأن القرض مبنى على الإرفاق والشفعة ملحقة بالإتلاف هذا لفظه.
فجعل القرض مجزومًا به، ففرع عليه هذا التفريع الذي نقله عن صاحب "التتمة"، ولم يرده بل ارتضاه، ثم إنه حكم بجوازه مع قولنا: إنه يرد المثل، فدل ذلك على استثناء هذه المسألة كما قلناه.
ونص أيضًا على الجواز في الباب الأول من أبواب الشفعة ناقلًا له عن "التتمة" أيضًا، لكن جزم الماوردي في "الحاوي" بأنه لا يجوز قرض العقار، ويمكن حمله على الدار جميعها، وما قاله أولئك على الجزء فقط.
قوله: وفى إقراض الخبز وجهان كما فى السلم، وأصحهما عند البغوي: المنع.
واختار ابن الصباغ وغيره: الجواز.
انتهى ملخصًا.
زاد في "الروضة" عليه أن صاحب "التتمة" و"المستظهرى" قطعا بجوازه.
إذا علمت ذلك فاعلم أن الراجح فى هذه المسألة هو الجواز، كذا رجحه الرافعي في "الشرح الصغير" فقال ما نصه: وفي إقراض الخبز وجهان كما في السلم، والمختار الجواز للحاجة وإطباق الناس عليه، هذا لفظه.
وعبارة "الكبير" و"الروضة" تقتضى أن القائلين به أكثر من القائلين بالمنع.
الجزء: 5 - الصفحة: 314
وإذا جوزنا إقراض الخبز، فقال الدارمي فى "الاستذكار": إن اتفقا على رد الخبز أو القيمة: جاز، وإن اختلفا فقال ابن المرزبان: الأولى القيمة.
فإن شرط عليه رد الخبز فوجهان قالهما ابن القطان.
قوله من "زياداته": وفى فتاوى القاضي: أنه لا يجوز إقراض الروبة لأنها تختلف بالحموضة، قال: ولا يجوز إقراض المنافع، لأنه لا يجوز السلم فيها.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن الروبة براء مهملة مضمومة وبعدها واو ساكنة ثم باء موحدة مفتوحة وهى الخميرة التي تلقى من اللبن الحامض على اللبن الحليب ليروب، قاله الجوهرى.
الثانى: أن ما نقله عن فتاوى القاضي من امتناع قرض المنافع وأقره عليه هو موجود فى "فتاويه" قبيل الإجارة وبعد القراض، لكن صرح المتولى أيضًا فى هذا الباب بجواز قرض المنافع فقال: السادسة: إقراض المنافع جائز عندنا حتى إذا قال: أقرضتك منفعة عبدى أو دارى شهرًا وسلم العين صار مستحقًا للمنافع يتصرف فيها على حسب اختياره، هذا لفظه.
فتعبيره بقوله: (عندنا) يقتضى نقله عن المذهب وشهرته فيه.
وسأذكر أيضًا ما يوضح ترجيحه.
الثالث: أن ما نقله أيضًا عن القاضى [فى الفتاوى المذكورة من امتناع قرض المنافع قد رأيته أيضًا مصرحًا به فى كتاب الغصب من كتابه المسمى "بالإشراف"، ثم فرع على ذلك فقال فلو قال أقرضتك منافع هذه الدار
الجزء: 5 - الصفحة: 315
احتمل أن يكون إباحة.
الأمر الرابع: أن ما حكاه عنه] 251 فى تعليل امتناع القرض بامتناع السلم وأقره عليه، واقتضى كلامه الاتفاق عليه عجيب، فقد جزم الرافعي فى الإجارة بالجواز، فقال: إنه يجوز إيرادها على المنافع الكائنة فى الذمة بلفظ السلم، ويكون سلمًا، ونص عليه الشافعي، وقد ذكره الرافعي أيضًا في كتاب السلم نقلًا عن الروياني ولم يخالفه، وتقدم ذكر لفظه هناك فراجعه.
وإذا بطل مستنده فى امتناع القرض، وهو امتناع السلم لزم أن يكون الصواب هو الجواز كما تقدمت الإشارة إليه.
وذكر القاضى الحسين فى باب الغصب من تعليقه أن منافع الدور لا يصح السلم فيها.
قلت: وسببه أن اختلاف الغرض لمكانها يوجب بالضرورة تعيين الدار، وإذا عين صار نظير السلم فى ثمرة نخلة معينة أو قرية صغيرة، وهو باطل، لأن انقطاعه لا يؤمن.
وهكذا القول فى منفعة سائر الأعيان بخلاف المنافع الكائنة في الذمة كالخياطة ونحوها، فتعين حمل المنع على الأول، والجواز على الثانى، ولا خلاف ولا اختلاف، ويكون الجواز فى المعين مستثنى.
قوله في أصل "الروضة": ولو أقرضه بلا شرط فرد أجود أو أكثر أو ببلد آخر جاز، ولا فرق بين الربوى وغيره، ولا بين الرجل المشهور برد الزيادة وغيره على الصحيح فيها.
انتهى كلامه.
ومدلوله أن الوجه المحكي هو في جواز قبول الزيادة، فأما في الربوي فصحيح.
الجزء: 5 - الصفحة: 316
وأما الوجه في المشهور برد الزيادة فهو في صحة إقراضه، كذا حكاه الرافعي، وما قاله في "الروضة" سهو.
قوله: الثانية: يجوز أن يقرضه بشرط الرهن والكفيل، وكذا بشرط أن يشهد أو يقر به عند الحاكم، انتهى.
لقائل أن يقول: ما فائدة هذا الشرط حتي يحكم بصحته، لأنه لا يجب على المقترض الوفاء بما شرط عليه من الرهن وغيره، ولا يجب أيضًا على المشروط كفالته أن يتكفل، وقد صرحوا بذلك في البيع المشروط فيه هذه الأمور، وإنما صححنا هذه الشروط في البيع، لأن فيه فائدة وهى الفسخ على تقدير أن لا يحصل سواء كان الثمن حالًا أو مؤجلًا، ثم يأخذ العين إن كانت باقية وقيمتها إن كانت تالفة، وأما المقرض فيجوز له فى كل وقت أن يرجع.
قوله: لا شك أن المستقرض يتملك ما استقرضه.
انتهى كلامه.
وهو يقتضى أنه لا خلاف فيه، وليس كذلك فقد حكي الخوري في "شرح المختصر" قولًا: أنه لا يملكه وإنما سلطه المقرض على إتلافه.
قال: وهذا هو المحفوظ للشافعى.
قوله: فى أصل "الروضة": وإن قلنا يملك بالتصرف، فمعناه إذا تصرف فتبين ثبوت ملكه انتهى كلامه.
وليس فيه بيان الوقت الذي يملك فيه، وقد جزم الرافعي هاهنا بأنه قبيل التصرف، فإنه عبر بقوله: قبيله.
وحكي -أعني الرافعي- في الكلام على الزكاة المعجلة عن الإمام بحثًا آخر فقال: ينقدح فيه أمران:
أحدهما: [هذا.
الجزء: 5 - الصفحة: 317
والثانى: أن يستند الملك إلى حالة القبض، وقد صرح الغزالي في "البسيط" هنا بحكايته وجهًا.
قوله: ] 252 وإذا فرعنا على الوجه الأول، وهو أن المراد بالتصرف الذي يتوقف عليه الملك على القول الضعيف وهو المزيل للملك، فهل يكفي البيع بشرط الخيار؟ إن قلنا: إنه لا يزيل الملك فلا.
وإن قلنا أنه يزيل فوجهان.
انتهى كلامه.
واعلم أن خيار المجلس هل يمنع نقل [الملك] 253 أم لا؟ فيه الخلاف فى خيار الشرط، فجزمهم بأن البيع يكفى بدون خيار الشرط يقتضي الجزم به مع خيار المجلس أيضًا، وما الفرق بين خيار المجلس والشرط؟
قوله: ولو استقرض من يعتق عليه لم يعتق على القول بأنه يملكه بالتصرف.
قال صاحب "التهذيب": ويجوز أن يقال: يعتق عليه [ويحكم بالملك قبيله.
انتهى.
وما حكاه الرافعي احتمالًا فقط قد جزم به] 254 صاحب "التتمة" وقال: وجهًا واحدًا، لأنه لو كان عبدًا أجنبيًا وأعتقه نفذ، وكل سبب يفيد اعتبار عتق الأجنبي يفيد عتق القريب.
قوله في أصل "الروضة": وإن اقترض متقومًا، فالأصح عند الأكثرين: أنه يرد مثله من حيث الصورة، والثاني: يرد القيمة يوم القبض إن قلنا: يملك به، وإن قلنا بالتصرف فوجهان: أحدهما: كذلك.
الجزء: 5 - الصفحة: 318
والثاني: تجب قيمته أكثر ما كان من القبض إلى التصرف.
انتهى كلامه.
والصحيح من هذين الوجهين هو الوجه الثاني وهو وجوب الأكثر.
كذا صححه هو -أعني النووي- في "نكت الوسيط"، وصححه أيضًا الرافعي في شرحيه "الكبير" و"الصغير" معًا فقال: فإن قلنا بالأول -أي وجوب القيمة- فالاعتبار بقيمة يوم القبض، إن قلنا: يملك القرض بالقبض.
فإن قلنا: يملك بالتصرف فالأكثر من يوم القبض إلى يوم التصرف، وفيه وجه أن الاعتبار بيوم القبض، هذا لفظ الرافعي في "الكبير" بحروفه.
وقد ذكر في "الصغير" مثله أيضًا، فعدل النووي عنه، وحكي وجهين من غير ترجيح، وكأنه والله أعلم وقعت له هنا نسخة سقيمة فاختصر منها، ومحل هذه المسألة فى الرافعي قبيل هذا الموضع، ولكن نقله النووي إلى هنا.
الجزء: 5 - الصفحة: 319