كتاب الإجارة
وفيه ثلاثة أبواب:
الباب الأول: في أركانها
قوله: وذكر الشاشي في "الشامل" أنه يقال: أجارة بالضم أيضًا.
ويقال: استأجرت دار فلان وأجرني داره ومملوكه يؤجرهما إيجارًا فهو مؤجر وذاك مؤجر، ولا يقال: مؤاجر ولا آجر.
أما المؤاجر فهو من قولك أجر الأجير مؤاجرة، كما يقال: ضارعه وعامله، وآجر هذا فاعل وأجر داره، أفعل لا فاعل فلا يجئ فيه بفاعل، وأما الأجر فهو فاعل.
كقولك: أجره بأجرة وبأجرة أجره إذا أعطاه أجرًا وقولك: أجره بأجرة إذا صار أجيرًا، انتهى كلامه وهو يحتاج إلي إيضاح.
فأما قوله: ولا يقال مؤاجر ولا أجر فهو بكسر الجيم، فيهما يعني أنه لا يقال في اسم الفاعل من أجرني داره ومملوكه إلا مؤجر كما ذكرناه.
ولا يقال مؤاجر ولا آجر، ثم استدل عليه بما ذكره، وإذا لم يصح في اسم الفاعل مؤاجر بكسر الجيم لا يصح في العبد ونحوه.
مؤاجر أيضًا بفتحها فكذلك يجوز قراءتها في كلام الرافعي بالمعنيين، وما ذكره من نفي مؤاجر ليس كذلك، بل قد ثبت عن العرب.
كذا نقله الواحدي، ونقله عنه النووي في "لغات التنبيه".
فقال: قال الواحدة: قال المبرد: يقال أجرت داري ومملوكي، غير ممدود وآجرت ممدود.
قال المبرد: والأول أكثر.
الجزء: 6 - الصفحة: 132
وقال الأخفش: ومن العرب من يقول: أجرت غلامي أجرًا، فهو مأجور وأجرته إيجارًا فهو مؤجر وآجرته علي فاعلته فهو مؤاجر هذا كلامه.
وأما قوله: وأجر هذا فاعل فهو بفتح الجيم وهو مبتدأ وهذه صفة له، وفاعل مفتوح العين وهو خير له يعني أنه لما تقرر أن مؤاجر لا يكون إلا لفاعل المفتوح العين صح ذلك في قولنا: أجر الأجير، لأن وزن آجر منه فاعل، ولم يصح في أجر داره وزن أجر منه أفعل.
وأما قوله: وأما الآجر.
. إلى آخره، فهو بيان لامتناع اللفظة الثانية فذكر ما حاصله أن آجر أي مكسور الجيم اسم فاعل لأجر إما بمعنى إعطاء الأجر أو بمعنى صار أجيرًا لأن وزنه فيهما فعل كما تقدم، واسم الفاعل من فعل فاعل وأما أجر من قولك أجر داره فوزنه أفعل، وقياس أفعل مفعل.
قوله: وأصل هذا العقد من "الكتاب" قوله تعالى ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6].
وقضية موسى وشعيب -عليهما السلام-: انتهى كلامه.
فأما الآية الأولى فإنما تدل على أنه إذا وقع الإرضاع وجبت الأجرة، وليس فيها تعرض إلى صحة العقد وجواز تعاطيه.
ألا ترى أن المسجد تجب أجرته على من أشغله بأمتعته ولا تصح إجارته.
وأما الآية الثانية: فاستدلاله بها يدل على اختياره أن شرع من قبلنا شرع لنا، والمسألة فيها قولان:
أصحهما: وهو مقتضى كلام عامة الأصحاب أنه ليس بشرع، كذا ذكره في "كتاب الأطعمة"، وتابعه عليه في "الروضة".
قوله: فعن أبي إسحاق وغيره أن المعقود عليه العين لتستوفي منها المنفعة لأن المنافع معدومة وقال المعظم: العين غير معقود عليها، لأن العين
الجزء: 6 - الصفحة: 133
لا يجوز التصرف فيها.
ثم قال: ويشبه أن لا يكون ما حكيناه خلافًا محققًا انتهى ملخصًا.
تابعه في "الروضة" على أنه خلاف لفظي لا فائدة له، وليس كذلك بل له فوائد:
إحداها: إذا لم يقبض العين المستأجرة، ثم أراد إجارتها لغير مؤجرها، فإنه فيه خلافًا مشهورًا وهو من ثمرة هذا الخلاف، فقد بناه الماوردي في "الحاوي" عليه.
قال: فإن قلنا: مورد الإجارة العين، لم يصح لعدم قبضها.
وإن قلنا: المنفعة، صح لأن المنافع لا تصير مقبوضة بعد قبض العين فلم يؤثر فيها القبض.
الفائدة الثانية: أن الخلاف المشهور في استئجار الكلب من ثمرة هذا الخلاف، كذا رأيته في باب بيع الكلاب من "تعليقه" القاضي حسين وفي كتاب البيع من كتاب "الأسرار" له أيضًا، ونقله ابن الرفعة هنا في "شرح التنبيه" عن الجبلي فقط، مع نقله له في البيع في "شرح الوسيط" عن القاضي، واستدرك الإمام هذا البناء وقال: إنه لا يتجه لأنه ينتقض ببدن الجزء فإن إجارته صحيحة قولًا واحدًا.
وخرج أيضًا عليه ابن الرفعة في "شرح الوسيط" الخلاف في استئجار الكافر العبد المسلم.
الفائدة الثالثة: إذا اقترض عينًا وقلنا لا تملك إلا بالتصرف، فقد اختلفوا فيه فقيل: المراد التصرف المزيل للملك، وقيل: المتعلق بالرقبة، وقيل: المستدعي للملك.
وقال الرافعي: فلا تكفي الإجارة على الوجه الأول ولا على الثاني.
والذي قاله موافق للمصحح هنا من أن المعقود عليه هو المنفعة، فإن قلنا
الجزء: 6 - الصفحة: 134
المعقود عليه هو الرقبة فقد وجد ضابط الوجه الثاني فيكفي عند القائل به.
الفائدة الرابعة: ذكرها ابن الرفعة بحثًا فقال: وقد حكى في "البحر" وجهًا أن حلي الذهب لا يجوز إجارته بالذهب، وحلي الفضة لا يجوز إجارته بالفضة.
ثم قال -أعني: ابن الرفعة- إنه لا يظهر له وجه إلا التخريج على مذهب أبي إسحاق.
قال: وإذا كان كذلك فقد صار خلافًا محققًا ونشأ منه الاختلاف في هذا الفرع.
قوله: ولو قال: ملكتك منفعتها شهرًا، جاز ولو قال: بعتك، فوجهان:
أحدهما: يجوز لأن الإجارة صنف من البيع.
وأظهرهما: المنع لأن البيع موضوع لملك الأعيان فلا يستعمل في المنافع، كما لا ينعقد البيع بلفظ الإجارة.
ثم قال: ووراءه شيئان غريبان:
أحدهما: أن هذين الوجهين قد طردهما صاحب "التهذيب" في التمليك.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن كلامه كالصريح في عدم الانعقاد بلفظ البيع مع النية أيضًا، كما في البيع بلفظ الإجارة ولا شك في بطلانه، بل ينبغي كونه صريحًا لأن مقتضى كونه صنفًا جواز البيع به، وإن كان البيع أعم كالبيع مع التمليك.
الأمر الثاني: أن كلامه صريح في أن التمليك طريقين: أشهرهما: القطع بالصحة، والثاني على وجهين.
ولم يتعرض في "الروضة" لحكاية هذين الطريقين، بل جزم بالطريقة
الجزء: 6 - الصفحة: 135
الضعيفة وهي طريقة الوجهين وهو غريب جدًا.
قوله: وهل تغني مشاهدة الأجرة عن معرفة القدر؟ فيه طريقان:
أحدهما: أنه على القولين في رأس مال السلم.
والثاني: القطع بالجواز، وكيف ما كان فالظاهر: الجواز.
انتهى.
والصحيح على ما ذكره الشيخ في "التنبيه" والغزالي في "الوجيز" طريقة القطع، وكلام "الروضة" يوهم تصحيحها أيضًا.
فإنه قال: فيه طريقان: أحدهما: على قولي رأس مال السلم.
والثاني: القطع بالجواز وهو المذهب هذا لفظه.
قوله: فإن تعاقدا على الذمة بلفظ الإجارة ففي اشتراط قبض الأجرة في المجلس وجهان بنوهما على أن الاعتبار باللفظ أو بالمعنى؟ اختار مختارون اعتبار اللفظ.
وأصحهما: عند العراقيين والشيخ أبي علي اعتبار المعنى، وتابعهم صاحب ["المهذب"] 1 لكنه لا يلائم مصيره في ما إذا أسلم بلفظ الشراء إلى أن الأصح اعتبار اللفظ انتهى ملخصًا.
ذكره نحوه في "الشرح الصغير" وكذلك في "الروضة" وفي المسألة كلام ينبغي الوقوف عليه سبق ذكره في السلم.
قوله: إحداها ذكر الغزالي أن استئجار تفاحة للشم فاسد، وكأن المنع ناشيء من أن التفاحة لا تقصد للشم فيكون استئجارها كشراء الحبة الواحدة من الحنطة، فإن كثر فالوجه الصحة لأنهم نصوا على جواز استئجار المسك والرياحين للشم، ومن التفاح ما هو أطيب من كثير من الرياحين.
انتهى.
لقائل أن يقول الفرق أن المقصود من المسك والرياحين هو الشم فجازت
الجزء: 6 - الصفحة: 136
إجارته لذلك والمقصود من التفاح الأكل والرائحة غير مقصودة.
قوله: وفي استئجار الدراهم والدنانير وجهان، أصحهما: المنع.
ثم قال: وأما استئجار الأطعمة لتزيين الحوانيت بها فكلام المصنف هنا وفي"الوسيط" يقتضي القطع بمنعه، وكذلك ذكره القاضي الحسين وعن الإمام وغيره أنه على الوجهين، انتهى كلامه.
والأصح طريقة الوجهين، كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير" وعبر بالأظهر، وصحح النووي في "الروضة" طريقة القطع ولم ينبه على أنه من "زياداته"، بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.
قوله: والوجهان -أي: في الدراهم والدنانير- جاريان في استئجار الأشجار لتجفيف الثياب عليها والوقوف في ظلها وربط الدواب بها، لأن الأشجار لا تقصد لهذه الأغراض، وذهب بعضهم إلي أن الأصح: الصحة ههنا.
انتهى كلامه.
لقائل أن يقول: كيف يتصور الخلاف في استئجار الشجرة للوقوف في ظلها؟ لأن الأرض التي يقف فيها المستأجر إن كانت رقبتها أو منفعتها ملكًا له فليس لصاحب الشجرة المنع من الوقوف فيها، وهو واضح، وإن كانت مباحة فكذلك، وإن كانت لصاحب الشجرة فالاستئجار في هذه الحالة صحيح بلا خلاف، لأنه استئجار على الاستقرار في هذه الأرض.
فما صورة الخلاف؟
وجوابه: أن يقال: يتصور في ما إذا كانت الأرض مباحة أو للمستأجر وكانت الأغصان مائلة إلى ملك صاحب الشجرة، وأمكن تمييلها إلى الأرض المذكورة فاستأجرها على الوقوف في ظلها بأن يميلها إلى ناحيته.
وكذلك إذا كانت الأغصان مائلة إلى الأرض التي يقف فيها المستأجر فاستأجرها ليمتنع المالك من قطعها.
الجزء: 6 - الصفحة: 137
قوله: الثانية الاستئجار لإرضاع الطفل جائز وتستحق به منفعة وعين، فالمنفعة أن تضع الصبي في حجرها وتلقمه الثدي، وتعصره بقدر الحاجة والعين هو اللبن الذي يمتصه الصبي.
وفي الأصل الذي يتناوله هذا العقد وجهان:
أحدهما: أن الأصل اللبن وأما فعلها فتابع لأن اللبن مقصود لغيره وفعلها طريق إليه.
وأصحهما: أنه فعلها واللبن يستحق تبعًا، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6]، علق الإجارة بفعل الإرضاع لا باللبن.
انتهى كلامه.
وما ذكره من أن الأصل هو الفعل واللبن تبع قد ذكر ما يخالفه في أوائل الباب الثاني.
فقال: في ما إذا استأجرها للحضانة والرضاع أو لأحدهما وقلنا: الآخر يتبع فانقطع اللبن، أن فيه ثلاثة أوجه مبنية على أن المعقود عليه في الإجارة ماذا؟
أحدها: أنه اللبن والحضانة تابعة، فعلى هذا ينفسخ العقد بانقطاعه.
والثاني: الحضانة واللبن تابع فلا ينفسخ.
ثم قال ما نصه: وأصحهما أن المعقود عليه كلاهما لأنهما مقصودان، فعلى هذا ينفسخ العقد في الإرضاع ثم قال: وحسن أن يفرق فيقال: إن صرح فمقصودان وإن ذكر أحدهما فهو المقصود والآخر تابع، انتهى.
فلم يذكر هناك ما صححه هنا بالكلية، وتبعه في "الروضة" على الموضعين.
قوله: ثم إن استأجرها للحضانة مع الإرضاع جاز، وإن استأجرها
الجزء: 6 - الصفحة: 138
للحضانة ونفي الإرضاع فكذلك في الأصح.
ثم قال ما نصه: قال الإمام: وهذا الخلاف في ما إذا قصر الإجارة على صرف اللبن إلى الصبي، وقطع عنه وضعه في الحجر ونحوه.
فأما الحضانة بالتفسير الذي سنذكره أي تحفظ الصبي ونحوه فلا خلاف في جواز قطعه عن الإرضاع.
انتهى كلامه.
وما نقله عن الإمام من نفي الخلاف وارتضاه تبعه عليه في "الروضة"، وليس كذلك، فقد صرح القاضي الحسين بجريان الخلاف في الحضانة بالتفسير المذكور، ونقله عنه ابن الرفعة في "الكفاية".
قوله: الرابعة استئجار القناة للزراعة بمائها جائز لأنا إن قلنا الماء لا يملك فكالشبكة للاصطياد، وإلا فالمنابع آبار الماء، وقد جوزوا استئجار بئر الماء للإسقاء، والتي بعدها مستأجرة لإجراء الماء فيها.
وقال الروياني في "الحلية": إذا أكثر إقرار القناة ليكون أحق بمائها جاز في وجه وهو الاختيار، والمعروف منعه، ومقتضى لفظه أن يكون تفريعا على أن الماء لا يملك.
انتهى كلامه.
وتعبيره في آخره بقوله: أجاز في وجه، هو الصواب وهو كذلك في كلام الروياني وفي "الروضة" التي هي بخط المصنف وتقع في كثير من النسخ، وفي وجه بزيادة "الواو"، وهو خطأ، وفي كلام الرافعي هنا بعض غموض فلنوضحه فنقول: القناة هو الموضع الذي ينبع فيه الماء.
وقوله: فالمنابع آبار الماء أي المنفعة المعقود عليها هو نفس الآبار الذي نبع فيها الماء.
وقوله: والتي تغذها -أي: المجاري التي تغذ القناة، وقوله: وقال الروياني هو الكلام السابق بعينه، إلا أنا إستفدنا منه جريان الخلاف.
قوله: واستئجار من لا يحسن القرآن ليعلمه باطل قال في "الوسيط": فإن
الجزء: 6 - الصفحة: 139
وسع عليه وقتًا يقدر فيه على التعلم قبل التعليم ففيه وجهان: والأصح: المنع لأن المنفعة مستحقة من عينه والعين لا تقبل شرط التأجيل.
انتهى.
اعلم أن الإمام -رحمه الله- حكى هذين الوجهين في باب الجعل والجعالة عن كتاب الصداق عن العراقيين، ثم قال: ومحلهما إذا كان يحسن مقدارا يشتغل بتعليمه في الحال، أو كانت الإجارة مع تعلقها بالعين واردة على مدة تتسع للتعلم والتعليم، أما إذا لم تكن مدة وكان لا يحسن شيئا البتة فلا وجه إلا القطع بفساد الإجارة لتحقق العجز عن المستحق في الحال هذا كلامه، نقله في "الوسيط" إلى هذا الموضع.
وقد علمت مما قاله الإمام أنه إذا كان يحسن شيئا جرى الوجهان أيضا، وإن لم يتسع الوقت وهذه الصورة واردة على ما نقله الرافعي، والتصحيح المذكور للغزالي لا للرافعي فاعلمه.
قوله في "الروضة": ولو استأجر أرضا للزراعة وعليها الماء فإن رجى انحساره وقت الزراعة بالعادة صحت الإجارة على المذهب، وقيل إن لم ير الأرض لم يصح في قول، انتهى ملخصا.
وحاصله: أنه إذا لم ير الأرض ففيه طريقان:
أصحهما: القطع بالصحة.
والثانية: على قولين ولم يصحح الرافعي شيئا من الطريقين بل حكاهما.
ثم قال: والظاهر الصحة سواء أجرينا القولين أم لا.
قوله: فأشبه ما إذا استأجر دارًا مشحونة بالأمتعة يمكن الاشتغال بنقلها في الحال، فإنه يجوز على الأظهر، إلا أن الشيخ أبا محمد حكى وجها في المنع، انتهى كلامه.
وسيأتي في آخر الإجارة ضابط النقل في الحال فراجعه.
الجزء: 6 - الصفحة: 140
قوله: ولو أجر داره سنة من زيد ثم أجرها منه أيضا السنة الثانية، فالأصح المنصوص الجواز، وحكى أبو الفرج السرخسي طريقة قاطعة بالمنع ثم قال: فلو انفسخ العقد لم يقدح في الثاني لأنه عارض.
انتهى ملخصًا.
وهذه المسألة الأخيرة من المسائل المهمات، وقد أسقطها من "الروضة"، وأسقط أيضا طريقة القطع لأن الرافعي ذكرها في الكلام على "الوجيز".
قوله: والحجامة وبزغ الدابة.
البزغ بالباء الموحدة المفتوحة والزاء الساكنة والغين المعجمة، واصلة الشق، ولهذا يقال بزغت الشمس إذا طلعت.
والمراد هنا فتح الماء إذا نزل في الحافر يقال بزغ البيطار بالتشديد، وقد سبق الكلام على هذه اللفظة في الرهن أيضا.
قوله: وإذا استأجره لقلع سنن موجعة ثم امتنع المستأجر من قلعه.
قال في "الشامل": لا يجبر عليه إلا أنه إذا سلم الأجير نفسه، ومضى مدة إمكان العمل وجب على المستأجر الأجرة ثم ذكر القاضي أبو الطيب أنها لا تستقر انتهى.
فيه أمور:
أحدهما: أن مقتضى هذا الجزم بأن المستأجر لا يجب عليه أن يسلم إلى الأجير العين التي استأجره ليعمل فيها، وذكر أيضا مثله في القسم الثاني من الباب الثالث.
فقال: في الكلام على ما إذا استأجره لخياطة ثوب ما نصه: ولو بدا له في قطع الثوب العين وهو باق قال الإمام: المتجه أنه لا يجب عليه الإتيان لأنه قد نسج له عرض في الامتناع، لكن تستقر الأجرة عليه إذا سلم الأجير نفسه انتهى.
وهو كالأول في عدم الإجبار على التسليم، ولم يذكر في كتاب الإجارة
الجزء: 6 - الصفحة: 141
ما يخالفهما، وجزم في آخر كتاب المساقاة بعكسه، وقد تقدم ذكر لفظه هناك فراجعه وذكر أيضا نحوه في الكلام على حكم المبيع قبل القبض، وقد تقدم ذكره هناك أيضا.
وفي منع البيع كلام آخر يأتي في آخر الإجارة.
الأمر الثاني: أن ما قاله صاحب "الشامل" من استقرار الأجرة بالتسليم، قد اقتصر عليه الرافعي في "الشرح الصغير" ومقتضاه رجحان الاستقرار.
ولم يصرح في "الروضة" أيضا بترجيح، ونقل من زياداته عن "البيان" كما في "الشامل".
الأمر الثالث: إن ما نقلناه في هذه المسألة من الكلام المتقدم صريح في عدم وجوب التسليم وإن فرعنا على أن الأجرة لا تستقر بتسليم نفسه لكنه صرح بعد ذلك بقليل في أثناء فرع بأنه يجبر عليه.
فقال: إذا قلنا لا تستقر الأجرة بالتسليم فيرفع الأمر إلى الحاكم ليجبره عليه.
قوله: في أصل "الروضة": أما الزوج فيجوز استئجاره لامرأته إلا إذا استأجرها لإرضاع ولده منها ففيه وجهان:
أحدهما: المنع وبه قطع العراقيون، وأصحهما: الجواز انتهى كلامه.
وما ادعاه من قطع العراقيين غريب فإن "التنبيه" من كتب العراقيين المشهورة، وقد حكى فيه في باب نفقة الأقارب وجهين من غير ترجيح، وحكاهما أيضا في "المهذب"، وكذلك صاحب "البيان".
وقد أعاد الرافعي المسألة في باب نفقة الأقارب فراجعها من ذلك الموضع، فقد ذكرنا فيها أمورا يتعين الوقوف عليها.
قوله: ولو أجرت نفسها ولا زوج لها، ثم نكحت في المدة فالإجارة بحالها وليس للزوج منعها من ترفيه ما التزمته، كما لو أجرت نفسها بإذنه،
الجزء: 6 - الصفحة: 142
ولكن يستمتع بها في أوقات فراغها.
انتهى كلامه.
قال الماوردي: في كتاب النفقات من "الحاوي" وللزوج الخيار إذا كان جاهلا لفوات الاستمتاع عليه بالنهار ولا يسقط خياره برضى المستأجر بالخيار.
قوله: في "الروضة": فإن جمع بين التقدير بالعمل والزمان فقال استأجرتك لتخيط لي هذا القميص اليوم فوجهان أصحهما: بطلان العقد، والثاني: صحته.
وعلي هذا فوجهان: أصحهما: يستحق الأجرة بأسرعهما فإن انقضى اليوم قبل تمام العمل استحقها، وإن تم العمل قبل تمام اليوم استحقها.
والثاني: الاعتبار بالعمل فإن تم أولا استحقها، وإن تم اليوم أولا وجب إتمامه، فإن قال: إنك إن فرغت قبل تمام اليوم لم تخط غيره بطلت الإجارة، لأن زمن العمل يصير مجهولًا، انتهى.
وهذا الذي ذكره في آخر كلامه لا يستقيم مع ما قبله لأن الحكم ببطلان العقد لا يستقيم تفريعه على شيء من الوجهين اللذين قبله، لا على اعتبار الأسرع ولا على اعتبار العمل، وهذا الغلط الذي وقع في "الروضة" سببه سقوط شيء من كلام الرافعي، وذلك أن الرافعي بعد ذكره الوجهين قال ما نصه: وبالأول أفتى القفال، وذكره أنه إن انقضى النهار أولًا لم تلزمه خياطة الباقي، فإن تم العمل أولا فللمستأجر أن يأتي بمثل ذلك القميص ليخيطه باقي النهار.
فإن قال في الإجارة: على أنك إن فرغت قبل تمام اليوم لم تخط غيره بطلت الإجارة.
هذا كلامه فاستفدنا منه وجها ثالثًا لم يذكره النووي أن الاعتبار بالزمان، ثم فرع الرافعي على هذا الوجه ما سبق ذكره وهو صحيح من
الجزء: 6 - الصفحة: 143
هذا الوجه لكن في كلام الرافعي إشكال من وجه آخر، وهو أنه قد ذكر أن القفال أفتى بالأول ثم فرع ما بعده عليه، وهو غير ملائم وكأنه سقط شيء من كلام الرافعي وأصله.
وذكر وجهًا آخر أنه إن انقضى النهار إلى آخره، وهذا هو السبب في وقوع الخلل في "الروضة".
قوله: ومن هذا النوع الاستئجار لتعليم القرآن ذكر الإمام وصاحب الكتاب أنه يعين السور والآيات التى يعلمها، [أو يقدر بالمدة] 2 فيقول لتعلمني شهرا.
وفي إيراد غيرهما ما يفهم عدم الاكتفاء بذكر المدة واشتراط تعيين السور والآيات لتفاوتهما في الحفظ والتعليم بسهولة وصعوبة، انتهى كلامه.
لم يصرح هنا بترجيح، وقد اختلف كلامه في الراجح من هاتين المقالتين، فرجح في "الشرح الصغير" هنا أنه لا يكفي التقدير بالمدة.
فقال ما نصه: ذهب الإمام والغزالي إلى أنه يصح، وقيل لا لتغاير السور والآيات في سهولة الحفظ وصعوبته وهو الأشبه انتهى.
وذكر في "التذنيب" أيضا هنا مثله، ثم جزم فيه أي في "الشرح الصغير" وفي "الكبير" أيضا في كتاب الصداق في أثناء الكلام على الطلاق قبل الدخول بأن التقدير بها كافِ.
وقال في "الروضة" من زياداته هنا: إنه الأصح.
قوله: فالوجه تنزيل الاستئجار لقراءة القرآن عند القبر على صورة إنتفاع الميت بالقراءة وذكروا له طريقين: أحدهما: أن يعقب القراءة بالدعاء للميت؛ لأن الدعاء يلحقه والدعاء
الجزء: 6 - الصفحة: 144
بعد القراءة أقرب إجابة وأكثر بركة.
والثاني: ذكر الشيخ عبد الكريم الشالوسي أنه إن نوى القارئ بقراءته، أن يكون ثوابها للميت لم يلحقه، وإن قرأ ثم جعل ما حصل من الأجر له فهذا دعاء بحصول ذلك الأجر للميت فينفع الميت.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن الرافعي قد ذكر في كتاب الوصية عن القاضي أبي الطيب طريقا ثالثًا يأتي الكلام عليها في ذلك الموضع، وهي أن الميت كالحي الحاضر فيرجى له الرحمة ووصول البركة ولهذا قال النووي هنا من زياداته: المختار صحة الإجارة مطلقًا، فإن موضع القراءة موضع بركة وتنزيل الرحمة.
الأمر الثاني: أن القارئ له حالتان: إحداهما أن يجزم بالجعل.
والثانية: أن يدعو به، والتصوير الذي ذكره الرافعي قد رأيته هكذا في فتاوى الحناطي نقلا عن الشالوسي لكنه يقتضي الأول، والحكم الذي أجاب به يقتضي الثاني.
وقد وافق في "الروضة" على ذلك، ثم خالف في "الأذكار".
فقال: المختار أنه يدعو بالجعل، فيقول اللهم اجعل ثوابها واصلًا لفلان.
ولنذكر عبارة فتاوى الحناطي لينظر فيها من ينظر.
فنقول: قال ما نصه: قال الشيخ الإمام دوير الكرخي سمعت شيخي عبد الكريم الشالوسي يقول: إن القارئ إن نوى بقراءته أن يكون ثوابها للميت لم تلحقه، إذ جعل له قبيل حصوله، وتلاوته عبادة البدن فلا تقع عن الغير، وإن قرأ ثم جعل ما حصل من الثواب للميت يبلغه، إذ قد جعل ما حصل من الأجر لغيره، والميت يؤجر بدعاء الغير هذا كلامه.
ودوير بضم الدال المهملة مصغرًا، والكرخي بكاف وراء مفتوحتين بعدهما جيم.
الجزء: 6 - الصفحة: 145
الأمر الثالث: أن جزمه بكون الدعاء ينفع الميت غير مستقيم، بل هو وغيره من الأدعية موقوف على الإجابة، فإن إستجيبت الدعوة نفعت، وإلا نفعت الداعي خاصة، لأن الدعاء من جملة العبادات.
الأمر الرابع: أن الشالوسي بالشين المعجمة، وأما الثانية فمهملة، قد تقدم إيضاحه في مقدمة هذا الكتاب فراجعه.
قوله: وفي "شرح المفتاح" أنه لابد في إجارة الدار من عدد السكان من الرجال والنساء والصبيان، ثم لا يمنع من دخول زائر وضيف، وإن بات فيها ليالي.
انتهى.
وليس في كلامه -رحمه الله- ما يدل على أن هذه المقالة شاذة، أو معمول بها، وقد بينه النووي فقال من زياداته: هذا الإشتراط لا يعرف لغيره والمختار أنه لا يعتبر، لكن يسكن فيها من جرت العادة به في مثلها.
قال: وهذا مقتضى إطلاق الأصحاب، فلا عدول عنه.
قوله: في "الروضة": وفي تقدير المدة ثلاثة أقوال المشهور أنه يجوز إلى مدة يبقى إليها ذلك الشيء غالبا، فلا يؤجر العبد أكثر من ثلاثين سنة والدابة أكثر من عشرة.
والثاني: لا يجوز أكثر من سنة.
والثالث: يجوز إلى ثلاثين.
انتهى.
ذكر الرافعي طريقة قاطعة بنفي الثالث لم يذكرها المصنف.
قوله: ولو قال أجرتكها للزراعة، ولم يذكر ما يزرع أو البناء والفراش، وأطلق صح، وقيل: لا، ومن جوز قال يزرع ما شاء للإطلاق، وكان يحتمل التنزيل على الأقل.
انتهى.
وهذا الذي ذكره بحثًا واقتضى عدم وقوفه عليه قد تابعه عليه في "الروضة"، وقد صرح بحكايته، وجها الخوارزمي في كتابه "الكافي".
الجزء: 6 - الصفحة: 146
قوله: ولو قال أجرتك هذه الأرض، فإن شئت فازرعها، وإن شئت فاغرسها، فأصح الوجهين على ما ذكر في الكتاب صحة الإجارة، ويجبر المستأجر والثاني المنع.
انتهى.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضا، والصحيح: ما صححه الغزالي، فقد صححه في "المحرر"، وكذلك النووي أيضًا في أصل "الروضة".
قوله: ويجب أن يقول مهملج أو بحرا أو قطوف في أظهر الوجهين، انتهى.
المهملج بالجيم مشتق من الهملجة وهو فارسي والبحر بالباء الموحدة والحاء المهملة هو الواسع [الجري] 3 والقطوف من الدواب البطيء.
وقال أبو زيد: هو الضيق المشي.
قوله: الخامسة: إذا استأجر دابة للركوب فليبينا قدر السير كل يوم، وإذا أراد أحدهما المجاوزة على المشروط، أو النزول دونه لخوف أو خصب لم يكن له ذلك.
قاله في "التهذيب" وكان يجوز أن يجعل الخوف عذرا لمن يحتاط، ويؤمر الأخر بموافقته، انتهى.
وهذا الذي ذكره الرافعي بحثًا قد صرح الإمام به في نظير المسألة.
فقال: فيما إذا استأجر دابة إلى بلد ليعود منها راكبا أنه لا يقيم فيها على خلاف المعهود، ثم قال: فإن مكث في ذلك المكان احتياطا للدابة بسبب خوف حصل كان في حكم المودع المؤتمن في تلك المدة، أي حتى لا يحسب عليه كما قاله ابن الرفعة، فلو لم يكن الخوف عذرا في الإقامة تحسب عليه تلك المدة.
الجزء: 6 - الصفحة: 147
ولم يقف النووي على ما ذكره الإمام، بل ضعف كلام البغوي فقال: إن ما قاله ضعيف.
قوله: فإن كان المحمول حاضرا ورأه المؤجر كفى، وإن كان في ظرف وجب أن يمتحنه باليد تخمينا لوزنه وإن لم يكن حاضرًا فلابد من تقديره بالوزن أو الكيل.
انتهى كلامه.
وما ذكره من كون ما في الظرف يجب امتحانه باليد قد أسقطه من "الروضة"، واقتضى تعبيره أنه لابد من تقديره بالوزن أو الكيل، فإنه قال: فإن كان حاضرا ورأه المؤجر كفى، وإلا فلابد من تقديره بالوزن أو الكيل هذا لفظه.
قوله: أما إذا قدر بالكيل، فقال: عشرة أقفزة مما شئت فالمفهوم من كلام أبي الفرج السرخسي أنه لا يغني عن ذكر الجنس لاختلاف الأجناس في النقل مع الإستواء في الكيل، لكن يجوز أن يجعل ذلك رضى بأقل الأجناس كما جعل في الورق رضى تأجير الأجناس.
انتهى.
وهذا القياس الذي استند إليه الرافعى ضعيف والفرق ظاهر وهو أن اختلاف التأثير بعد الاستواء في الوزن يسير بخلاف الكيل، لا جرم أن النووي ذكر من زياداته أن الصواب ما قاله السرخسي، ثم فرق بهذا الفرق.
قوله: وإن دخلت أي الظروف في وزن المتاع فإن قال مائة من الحنطة بظرفها، صح العقد لزوال الغرر بذكر الوزن، هكذا ذكروه لكنا إذا اعتبرنا ذكر الجنس مع الوزن وجب أن يعرف قدر الحنطة وحدها وقدر الظرف وحده، انتهى كلامه.
والصحيح على ما ذكروه قبل ذلك أن الجنس لا يكفي بل لابد من الوزن معه، وحينئذ فيكون الصحيح عدم الصحة في ما إذا قال بظرفها.
ولم يذكر النووي في "الروضة" هذا التخريج الذي ذكره الرافعي، فلزم
الجزء: 6 - الصفحة: 148
من كلامه الجزم بالصحة على خلاف ما في الرافعي.
قوله: ومن الأغراض سقي الأرض فلو كانت الإجارة في الذمة لم يجب بيان الدابة ومعرفة جنسها.
ثم قال: وتقدر المنفعة إما بالزمان أو بالعمل.
انتهى.
ذكر مثله في "الشرح الصغير"، وتابعه عليه في "الروضة" وفيه أمران:
أحدهما: أنه صريح في أن الدابة لا يشترط معرفتها إذا قدر السقي بالزمان، وذلك مخالف للمسألة الآتية بعد هذه المسألة وهي الاستئجار على الحرث، فإنه شرط فيه معرفة الدابة وهي الاستئجار على الحرث، فإنه شرط فيه معرفة الدابة إذا وقعت الإجارة على الزمان وعلله بأن العمل يختلف باختلاف حال الدابة بخلاف ما إذا وقعت على أرض مقدرة، وهذا المعنى الذي ذكره -رحمه الله- موجود بعينه في السقي قطعا، ولا سبيل إلى المغايرة بينهما، والاشتراط أظهر على وفق ما قاله في الحرث على أن الغزالي في "الوسيط" قد ذكر في الحرث عكس ما قاله الرافعي فإنه شرط معرفتا إن كانت مقدرة بالمساحة دون الزمان، والعجب أن الرافعي لم ينبه عليه.
الأمر الثاني: أن كلامه يقتضي أنه إذا قدر المنفعة بالزمان لا يشترط معرفة الأرض فإنه لم يشترط ذلك، وهو وإن كان متجها من جهة المعنى، لكنه ذكر بعد ذلك في الاستئجار للحراثة أنه لابد من معرفة الأرض، وإن قدرت بالزمان، ونظير المسألة ما إذا استأجر لحفر بئر أو نهر، وقد ذكره أيضًا قبل ذلك وكلامه فيه وهم.
الجزء: 6 - الصفحة: 149
الباب الثاني: في "أحكام الإجارة الصحيحة"
قوله: فلو استأجر للرضاع والحضانة وقلنا: إن الاستئجار لأحدهما يستتبع الآخر فانقطع اللبن، إلي آخر ما قاله.
وهذه المسألة سبق الكلام عليها في الباب الأول.
قوله: وفي وجوب الصبر على الوراق ثلاثة طرق أشبهها: الرجوع فيه إلى العادة، فإن اضطربت وجب البيان وإلا بطل.
وأشهرها: القطع بأنه لا يجب عليه.
والثالث: أنه علي الخلاف في استتباع الحضانة اللبن، انتهى ملخصا.
واقتصر في ["الشرح الصغير" على ترجيح الأول وعبر بالأشبه كما عبر به ههنا.
واقتصر] 4، في "المحرر" على ترجيح عدم الوجوب فإنه ذكر أنه المشهور، كما ذكره في "الكبير" وارتضاه وعبر في "الروضة" عن قول الرافعي الأشبه الرجوع إلى العادة بقوله الأصح، واستدرك في "المنهاج" على "المحرر" وصحح العرف.
قوله: وإذا غصب العين المستأجرة وقدر المالك على نزعها ففي وجوبه القولان في العمارة، انتهى.
زاد النووي على هذا فقال: قلت ينبغي أن يكون الأصح وجوب النزع والله أعلم.
وما ذكره هنا من زياداته، قد ذكر في آخر كتاب الإجارة ما يخالفه.
فقال من زياداته أيضًا: الثانية لا يلزم المؤجر أن يدفع عن العين المستأجرة الحريق والنهب وغيرهما وإنما عليه تسليم العين ورد الأجرة إن
الجزء: 6 - الصفحة: 150
تعذر الاستيفاء بخلاف المستأجر إذا قدر عليه من غير خطر، فإنه يلزمه كالمودع.
قوله: المسألة الثانية: تطهير الدار عن الكناسة والأنون عن الرماد في دوام الإجارة على المستأجر لأنهما حصلا بفعله، وكسح الثلج عن السطح من وظيفة المؤجر لأنه كالعمارة ثم قال: وأما الثلج في عرصة الدار فإن خف ولم يمنع الإنتفاع فهو ملحق بكنس الدار، وإن كثف فكذلك على الظاهر.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن المراد بإلحاق الثلج بالكناسة إنما هو في عدم الوجوب على المؤجر حتى لو امتنع المستأجر أيضا من إزالته لم يكلف ذلك قطعًا.
وكيف يعقل تكليفه بإزالة ما لم يصدر منه وهو واضح، وقد توهم الرافعي أن المراد إيجابه، على المستأجر فبنى عليه بحثًا.
فإنه قال بعد ذلك: ويلزم المستأجر بعد انقضاء المدة التطهير من الكناسة، وفسروها بالقشور وما سقط من الطعام ونحوه دون التراب الذي يجتمع بهبوب الرياح لأنه حصل لا بفعله، لكن قد مر في ثلج العرصة أنه لا يجب على المؤجر بل هو كالكناسة مع أنه حصل لا بفعله فيجوز أن يكون التراب أيضا كالكناسات في إنهاء الإجارة، وإن حصل لا بفعله، انتهى كلامه.
فانظر كيف حاول الوجوب في التراب على المستأجر كما يجب في الكناسة، واستند في ذلك إلى أن ثلج العرصة يجب عليه إزالته لكونهم قالوا: لا يجب على المؤجر، وما قاله خطأ كما تقدم وقد نبه عليه أيضا النووي من "زياداته".
الأمر الثاني: أن الرافعي حكى وجهين في تنقية البالوعة والحش ونحوهما في دوام الإجارة.
الجزء: 6 - الصفحة: 151
أحدهما: أن التفريع على المؤجر تمكينا من الانتفاع وأظهرهما على المستأجر لأن الإمتلاء يحصل بفعله انتهى.
والتعليلان موجودان في الكناسة والرماد فيلزم جريانهما.
قوله: وهل للمالك منع المستأجر من زراعة الزرع المعين ابتداء إذا ضاق الوقت؟ فيه وجهان، انتهى.
لم يصحح أيضًا شيئًا في "الشرح الصغير" ولا ذكر لها في "المحرر"، والصحيح عدم المنع كذا صححه في "الروضة".
قوله: الثالثة إذا استأجر لبناء والغراس فإن شرطا القلع بعد المدة صح، وإن شرطا الإبقاء فوجهان: أحدهما أن العقد فاسد بجهالة المدة، وهذا أرجح في إيراد جماعة منهم الإمام وصاحب "التهذيب".
والثاني: يصح لأن الإطلاق يقتضي الإبقاء فلا يضر شرطه، وهذا ما أجاب به العراقيون كلهم أو معظمهم، انتهى كلامه.
لم يصرح النووي أيضا بتصحيح في "الروضة" وقد صرح برجحان الثاني في "الشرح الصغير" فقال: وأرجحهما الصحة هذا لفظه.
قوله: وإن لم يشترطا إبقاء ولا قلع لم يقلع مجانًا، بل بأي شيء فيه ما سبق في العارية ثم قال: وإذا عين المؤجر خصلة فامتنع المستأجر، ففي إجباره ما ذكرناه في إجبار المستعير، فإن أجبر كلف تفريغ الأرض مجانا وإلا لم يكلف، بل هو كما لو امتنع المؤجر عن الإختيار، وحينئذ يبيع الحاكم الأرض وما فيها أو يعرض عنهما، فيه خلاف قد مر ويخرج من ذلك عند الاختصار وجهان كما ذكر في الكتاب:
أحدهما: يكلف ذلك لرد الأرض كما أخذ.
وأقيسهما: المنع ولا يبطل حقه من العوض بامتناعه.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
الجزء: 6 - الصفحة: 152
أحدهما: أن الذي أحال عليه، وهو حكم العارية مضطرب اضطرابًا شديدا سبق إيضاحه.
الثاني: أن ما ذكره في آخر كلام من خروج وجهين، كما في الوجيز غير منتظم، فإنه قدم أنا إن أجبرناه كلف التفريغ مجانا وإلا فلا فإن أراد أن ذلك الحكم يختلف باختلاف الحال كما ذكره في العارية فمن أين الخلاف، وإن كان مراده أن لنا خلافًا في الإجبار، إذا عين المؤجر خصلة، ويصير الأمر كما لو لم يجيز شيئًا فليس كذلك في العارية.
ذكروا أيضًا فقوله كما ذكر في الكتاب لا يطابق هذا، فإن الغزالي إنما حكى الوجهين على قولنا بالإجبار على إجابة المؤجر في أنه هل يجب الأرش أم لا؟
قوله: وعن "البويطي" أنه لا يجوز العدول إلى غير الزرع المعين فمن الأصحاب من قال: إنه قول للشافعي [رواه، ومنهم من قال: إنه رأى رآه، انتهى.
وهذا الذي رواه عن "البويطي" بصيغة التعريض ويوقف في أنه هل هو مذهبه، أو قول للشافعي] 5 قد صرح به في "البويطي" وجعله من كلام الشافعي فقال: وإن كان زرع بعينه سماه، فليس له أن يزرع في أرضه غير الزرع الذي سمي له، ويجعل لكل ذلك مدة، وقد قيل له أن يزرعها غير ما سمى له إذا كان أنفع للأرض مما شاء.
هذا لفظه لكن ههنا فائدة ينبغي أن تعلمها وهي أن "البويطي" قد روى قولا آخر عن الشافعي أنه يجوز ذكره بعد هذا بدون الصفحة في النسخة التي وقفت عليها.
فقال ناقلًا عن الشافعي ما نصه: قال: وإن كاري أرضًا على أن يزرعها
الجزء: 6 - الصفحة: 153
حنطة فزرعها شعيرًا وهو أنفع للأرض لم يكن له أن يمنعه بشرطه عليه لأنه ينفعه هذا لفظه.
قوله: ولو قال أجرتكها لتزرع هذه الحنطة ففي صحة العقد وجهان: أحدهما: المنع لأن تلك الحنطة قد تتلف فيتعذر الزراعة.
والثاني: يصح، ولا تتعذر الزراعة بتلف الحنطة، انتهى.
والأصح كما قاله في "الروضة" هو الصحة لأن الزراعة لا تتعذر بتلف الحنطة.
قال: ولو تعذرت لم يكن إحتمال التلف مانعا كالاستئجار لإرضاع هذا الصبي، ولم يتعرض للمسألة في "المحرر" ولا في "الشرح الصغير".
قوله: ولو قال: لتزرع الحنطة ولا تزرع غيرها ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يفسد لأنه ينافي مقتضاه، قال ابن كج والروياني: إنه المذهب.
والثاني: واختاره الأمام أنه يصح العقد ويفسد الشرط لأنه لا يتعلق به غرض صحيح.
والثالث: يصحان، انتهى ملخصًا.
لم يذكر في "الشرح الصغير" ترجيحا إلا للوجه الثاني فإنه نقل رجحانه عن الإمام كما نقله ههنا.
فقال في "الروضة" من زياداته: الأقوى بطلان العقد غير أنه قد وقع له ههنا غلط، وهو أنه صورها في ما إذا أشار إلى حنطة معينة وقال: لتزرع هذه الحنطة دون غيرها، ولم ينقل الرافعي الأوجه في الصورة التي ذكره هو في الإشارة إلى معينة، بل جزم فيها بالبطلان نقلا عن "التهذيب".
وقد يحث في "الشرح الصغير" في مجيء الوجهين فقال: ويشبه أن يجيء فيها الوجهان الأخيران.
الجزء: 6 - الصفحة: 154
قوله: في أصل "الروضة": فرع: إذا تعدى المستأجر للحنطة فزرع الذرة ولم يتخاصما حتى انقضت المدة، وحصد الذرة، فالمذهب وهو نصه في "المختصر" أن المؤجر بالخيار بين أن يأخذ المسمى ويدل النقصان الزائد بزراعة الذرة على ضرر الحنطة، وبين أن يأخذ أجرة المثل لزرع الذرة.
وقال كثيرون في المسألة قولان إلى آخره.
اعلم أن هذه الطريقة الثانية هي المرجحة في الرافعي.
وعبر بقوله: أشهرهما على قولين، ثم إنه ذكر بعد ذلك أن طريقة القطع أوفق لظاهر النص وهذا لا يقتضي تصحيح هذه الطريقة، فإن كونها أقرب إلي ظاهر النص لا ينافي كون الصحيح عند الأصحاب خلافها، ولأجل ذلك اقتصر في "الشرح الصغير" على تصحيح تلك الطريقة أعني طريقة القولين.
ونقلها ابن الرفعة في "الكفاية" عن تصحيح الرافعي ومراده في "الشرح الكبير" كأنه الذي ينقل عنه وأما "الصغير" فإنه لم يقف عليه.
قوله: وفي السرج عند أكبر الفرس للركوب وجوه، ثالثها إتباع السادة، انتهى.
لم يصحح شيئا في "الشرح الصغير" أيضًا ورجح في "المحرر" إتباع العرف.
فقال: إنه الأشبه، ونقله عنه في "الروضة" مقتصرًا عليه، وعبر عنه بالأصح.
قوله: في "الروضة": أما ما هو للتسهيل على الراكب، كالمحمل والمظلة، والوطاء والغطاء الحبل الذي يشد به المحمل على البعير والذي يشد به أحد المحملين إلى الآخر فعلى المستأجر والعرف مطرد به.
وفي "المهذب" وجه في الحبل الذي يشد به أحدهما إلى الآخر أنه على
الجزء: 6 - الصفحة: 155
المستأجر، وهو شاذ.
انتهى كلامه.
وتعبيره في آخر كلامه بالمستأجر رأيته أيضًا بخطه وهو سهو، والصواب المؤجر.
وعبارة الرافعي صحيحة.
قوله: وأما شد أحد المحملين إلى الآخر هل هو على المؤجر كالشد علي الحمل أو على المستأجر لأنه إصلاح ملكه؟ فيه وجهان.
انتهى ملخصًا.
ذكرهما الرافعي أيضًا بعد ذلك في الكلام على إعانة الراكب، ولم يصحح منهما شيئًا أيضًا، والراجح أنه يجب على المؤجر.
كذا رجحه هناك في "الشرح الصغير" فقال: بعد أن عدد ما يجب عليه، وفي شد أحد المحملين إلى الآخر وهما بعد على الأرض وجهان أشبههما لزومه أيضًا.
وقال في "الروضة" من زياداته أيضًا إنه الأصح.
قوله: وإذا اعتيد النزول للإراحة، ولم يتعرضا له في العقد، فلا يجب على المرأة والمريض وفي الرجل القوي وجهان، وحكم النزول عند العقبات الصحاب كذلك أيضًا.
انتهى ملخصًا.
قال في "الروضة": ينبغي أن يكون الأصح: الوجوب عند العقبات دون الإراحة.
قال: ثم الكلام مفروض في طريق يعتاد النزول فيه لإراحة الدابة، فإن لم يكن معتادا لم يجب مطلقًا.
قال: والشيخ العاجز كالمريض والمرأة كما قاله الأصحاب.
قال: وينبغي أن يلحق بهم من كانت له وجاهة ظاهرة وشهرة يخل المشي بمروءته في العادة.
قوله: وإن اكتراها للحج عليها ركبها إلي منى ثم إلى عرفات، ثم إلى
الجزء: 6 - الصفحة: 156
المزدلفة، ثم إلى منى، ثم إلى مكة للطواف.
ثم قال ما نصه: وهل يركبها من مكة إلى منى للرمي والطواف؟ فيه وجهان، هذا لفظه، وفيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره من العود إلى الطواف، قد تبعه عليه في "الروضة" وهو سهو إذ لا طواف إلا بالبيت، ولا طواف في منى، وأيضًا فإنه لم يبق من الأطوفة إلا طواف الوداع.
ولا يصح القول بوجوبه على المؤجر لأنه إذا تحلل التحللين فقد انتهى الحج، والذي يظهر أن الرافعي قصد التعبير بالمبيت فسبق العلم إلى الطواف.
الأمر الثاني: قال في "الروضة" وينبغي أن يكون الأصح من الوجهين المذكورين هو الوجوب لأن الحج لم يفرغ.
قوله: وإذا استأجر ثوبا للبس لم ينم فيه ليلا، وفي وقت القيلولة وجهان: أصحهما أن له ذلك، وهو الذي أورده الأكثرون، انتهى.
والتقييد بوقف القيلولة يوهم أن النوم في غيره مخالف له وليس كذلك، فإن الأكثرين كما قاله في "الروضة"، قالوا: يجوز النوم فيه بالنهار من غير تقييد بالقيلولة.
قال لكن ضبطه الصيمري فقال: إن نام ساعة أو ساعتين جاز لأنه متعارف، وإن نام أكثر النهار لم يجز.
قوله: والمنفعة المطلوبة بالعقد لها مستوف ومستوفى منه، ومستوفي به، فأما المستوفى فهو المستحق الاستيفاء فله أن يبدل نفسه بغيره في الركوب والسكنى، وكذلك إذا استأجر دابة لحمل القطن فله حمل الصوف والوبر، أو لحمل الحديد فله حمل الرصاص، وأما المستوفى منه فكالدار والدابة المعينة فلا يجوز إبداله.
الجزء: 6 - الصفحة: 157
وأما المستوفي به فكالثوب المعين للخياطة وفي إبداله وجهان: أصحهما الجواز لأنه طريق، فأشبه الراكب والمتاع المعين للحمل، انتهى.
وتمثيله للقسم الأول بالحمل وقع أيضًا في "الروضة" وليس بصحيح، بل هو من القسم الثالث بلا شك، فإن قيل: كونه من الثالث واضح ولكن كيف نقيسه عليه، فالجواب أن هذا الفرد، متفق عليه، فلذلك قاس عليه الباقي كذا نقله الرافعي في الباب الثالث فقال: وبين الشيخ أبو علي محل الخلاف.
فقال: محله إذا التزم في ذمته خياطة ثوب معين أو حمل متاع معين، أما لو استأجر دابة معينة لركوب أو حمل متاع فلا خلاف في جواز إبدال الراكب والمتاع.
وفرق بأن العقد والحالة هذه يتناول المدة بدليل استقرار الأجرة بتسليمها وإن لم يركب إلى آخره، فهذا عذر الرافعي عن الثاني خاصة لكنه لا يعرف إلا بتوقيف فكان الصواب أن يبين حاله، ثم يقيس عليه.
قوله: وهل يضمن ما يتلف في يده بعد مضي المدة؟ ينبني على وجوب الرد على المستأجر وفيه وجهان:
أصحهما عند الغزالي: أنه لا يجب وإنما عليه التخلية.
وأقربهما إلى ظاهر كلام الشافعي، واختاره الأصطخري: أنه يلزمه الرد مؤنته، انتهى ملخصًا.
وما ذكره ههنا فيه إشعار برجحان الثاني لكنه خالفه في موضعين من هذا الكتاب:
أحدهما: في البيع في الكلام على حكم المبيع قبل القبض.
والموضع الثاني: في كتاب العارية، وقد تقدم ذكر عبارته في الموضعين، وخالفه أيضًا في "المحرر" فقال: إنه الأظهر للوجهين.
الجزء: 6 - الصفحة: 158
وتبعه النووي على هذه المواضع، ولم يذكر في "الشرح الصغير" ترجيحًا إلى ترجيح الغزالي فقط.
قوله: قال القاضي أبو الطيب ولو شرط عليه الرد لزمه بلا خلاف، ومنعه ابن الصباغ وقال: من لا يوجبه عليه ينبغي أن لا يحرر شرطه.
انتهى.
تابعه في "الروضة" عليه، وهو يقتضي إقرار القاضي على نفي الخلاف، وأنه ليس في المسألة نزاع إلا ما ذكره ابن الصباغ بحثًا وهو غريب فقد صرح العبادي في "الزيادات" بالخلاف في المسألة وهما ينقلان منه كثيرًا.
فقال: إنها فاسدة عندنا، يعني عند المراوزة خلافًا للإصطخري.
قوله: والأجير المشترك هو الذي ينتقل العمل في ذمته, والمنفرد هو الذي أجر نفسه مدة معلومة, انتهى.
والحدان المذكوران لا يوجد منهما الحكم في إجارة العين، بل الأول يقتضي أنه منفرد، والثاني يقتضي أنه مشترك.
قوله: وقيل: المشترك هو الذي شاركه في الرأي فقال: اعمل في أي موضع شئت، والمنفرد هو الذي عين عليه الموضع، انتهى.
وتخييره في الموضع لا مشاركة فيه في الرأي إنما الشريك في الأمكنة بمعنى عدم التخصيص.
لا جرم أن الإمام لم يفسر بذلك، بل عبر بقوله: من لا يتعين لعمله مكان، والغالب أن الرافعي إنما أخذه منه.
قوله: وحيث قلنا بوجوب الضمان على الأجير فالواجب أقصى قيمته من يوم القبض إلي يوم التلف، أم قيمة يوم التلف فيه وجهان، انتهى.
والأصح هو الثاني: كذا صححه النووي في "الروضة".
قوله: وإن أتلف أجبني الثوب المقصور في يد الأجير، وجعلنا القصارة
الجزء: 6 - الصفحة: 159
عيبا، وفسخ غرم الأجنبي الثوب لمالكه غير مقصور، وقيمة القصارة للأجير، انتهى.
لم يبين المراد من قيمة القصارة وقد بينها في "النهاية" فقال: قيمة الثوب عشرة والأجرة المسماة درهم، والثوب المقصور قيمته خمسة عشر وأجرة مثل القصارة نصف، فالذي قطع به الأئمة قاطبة أنه لا يغرم للقصارة خمسة بل يرجع بمقدار أجرته.
ثم المسألة محتملة فيجوز أن يقال يستحق مقدار المسمى، فكأن ذلك القدر رجع إليه بالفسخ، ويجوز أن يقال يطالب بأجرة مثله فإن الشيخ أسقط اعتبار المسمى، هذا كلامه.
وعدم المطالبة بالخمسة مشكل لأنه أتلف ما قيمته خمسة عشر بدليل المطالبة بها لو لم يفسخ، فينبغي توزيعها عليها بالنسبة.
قوله: فرع: سلم ثوبًا إلي فصار ليقصره فجحد ثم أتى به مقصورًا، إستحق الأجرة إن قصره ثم جحده، وإن جحد ثم قصر فوجهان: وجه المنع أنه عمل لنفسه وخرج الصيدلاني الوجهين على القولين في أن الأجير على الحج إذا صرف الإحرام إلى نفسه، هل يستحق الأجرة؟ انتهى.
والصحيح في مسألة القصارة هو الاستحقاق فإن الرافعي لما حكى القولين في الحج قال ما نصه: وأصحهما: أنه يستحق لصحة العقد في الابتداء، وحصول غرض المستأجر وهذا الخلاف يجري في ما إذا دفع ثوبًا إلى صباغ ليصبغه فأمسكه لنفسه وجحده وصبغه لنفسه ثم رده، هل يستحق الأجرة، وعلى هذا نظائر.
ثم قال: فإن قلنا بالإستحقاق فالأصح وجوب المسمى، وقيل أجرة المثل، انتهى كلام الرافعي ولم يستحضر النووي هذا الكلام المذكور في الحج وقال هنا من زياداته ما نصه: ينبغي أن يكون أصحهما الفرق بين أن يقصد
الجزء: 6 - الصفحة: 160
بعلمه نفسه فلا أجرة أو يقصد عمله عن الإجارة الواجبة فيستحق انتهى.
ولم يذكر ترجيحا غيره أصلا، وهو مخالف لما تقدم من كونه يستحق مطلقًا فلا التفات إليه فإن عبارته تدل على أنه لم يستحضر ما سبق وقد ذكر أيضًا أعني النووي في "إحياء الموات" ما يوافق الاستحقاق فقال ناقلا عن الرافعي: لو قال مالك المعدن لشخص: اعمل فيه فما استخرجته فهو لنفسك أو قال: استخرج لنفسك فالحاصل لمالك المعدن لأنه هبة مجهولة، وفي استحقاقه الأجرة وجهان لأنه لم يتبرع، بل عمل لنفسه، ولم يحصل له، قلت ثبوتها أصح انتهى.
ويسأل عن الفرق بين هذا وبين ما إذا استأجر الأب الأم لإرضاع الولد، وقلنا لا يجوز فإن الأصح في "الروضة" أنها لا تستحق أجرة المثل مع أنها دخلت طامعة، وقريب من هذه المسائل ما إذا قالت المرأة إن طلقتني فأنت بريء من صداقي فطلقها، فإنه لا يستحق شيئا على الصحيح، وسيأتي ذلك في موضعه.
قوله: كما إذا ضرب الدابة أو كبحها باللجام.
الكبح بالكاف المفتوحة والباء الموحدة الساكنة والحاء المهملة هو جذب الدابة باللجام لكئي تقف تقول منه كبحت الدابة، ويقال فيه أيضًا أكمحتها وأكفحتها بالألف فيهما، والكبح أيضًا على وزن الأول وحروفه، إلا أن الثاني منه تاء مثناة من فوق مدلوله رمى الجسم بشيء يؤثر فيه كما قاله الجوهري.
قال: ويطلق أيضًا على الأكل من الطعام إلى أن يشبع.
وإذا علمت ذلك علمت أن ما وقع في الرافعي يجوز قراءته بالموحدة والمثناة.
وقد ذكر الرافعي ألفاظًا أخرى منها التلميذ ومنها البزغ بباء موحدة
الجزء: 6 - الصفحة: 161
مفتوحة وزاي [ساكنة وغين] 6 معجمة أيضًا هو شرط الحاجم والبيطار لإخراج الدم، والألة تسمى المبزغ بكسر الميم.
قوله: وكذا لو ركب الدابة من هو أثقل منه وقرار الضمان على الثاني إن كان عالما وإلا فعلى الأول، انتهى كلامه.
وما ذكره من أن قرار الضمان على الأول ليس على إطلاقه، بل محله أن تكون يد الثاني لا تقتضي الضمان كالمستأجر ونحوه.
فإن كانت تقتضي كالمستعير فالقرار عليه كما أوضحوه في الغصب.
قوله: ولو أكرى دابة وركباها فارتدفها ثالث بغير إذنهما فهلكت الدابة ففيما يجب على المرتدف ثلاثة أوجه:
أحدها: نصف القيمة.
والثاني: ثلثها.
والثالث: تقسط على قدر أوزانهم فيلزمه حصة وزنه، انتهى ملخصا.
والأصح هو الثاني كذا صححه في "الروضة".
قوله: وإذا دفع ثوبًا إلى خياط ليقطعه ويخيطه فخاطه قباء ثم اختلفا، فقال الخياط هكذا أمرتني وقال المالك بل أمرتك أن تقطعه قميصا فالذي نص عليه الشافعي في "الإملاء" أنهما يتحالفان ونقله أيضًا عنه المزني في "الجامع الكبير"، ونقل أعني الشافعي عن أبي حنيفة أن القول قول المالك.
وعن ابن أبي ليلى أن القول قول الخياط، ثم قال: وكلاهما مدخول، وإن كان جواب أبي حنيفة أشبه بالحق، واختلف الأصحاب في المسألة على طرق حاصلها أقوال:
أصحها: عند الأكثرين تصديق المالك لأنهما لو اختلفا في أصل الإذن
الجزء: 6 - الصفحة: 162
لكان القول قول المالك فكذلك إذا اختلفا في صفته، وهذا كما لو قال دفعت هذا المال إليك وديعة، فقال: بل رهنا أو هبة فإن المصدق هو المالك، وأيضًا فإن الخياط معترف بأنه أحدث نقصا في الثوب ويدعي أنه مأذون فيه والأصل عدمه.
وأيضًا فإنه يدعي أنه أتى بالعمل الذي استأجره عليه والمالك ينكر، فأشبه ما إذا استأجره لحمل متاع، وقال الأجير: حملته إليك وأنكر المالك، فالقول قول المالك.
والقول الثاني: يصدق الخياط لأنهما اتفقا على الإذن في القطع، والظاهر أنه لا يتجاوز المأذون ولأن المالك يدعي علة الغرم، والأصل عدمه.
والثالث: يتحالفان لأنهما اتفقا على عقد معاوضة، واختلفا في صفته لأن كل واحد مدعي ومدعى عليه, فالخياط يدعي الأجرة والمالك ينكرها، وبهذا القول قال أبو علي الطبري، وصاحب "التقريب" والشيخ أبو حامد.
ونقله السرخسي عن ابن سريج، وصححه الغزالي ورجح أبو إسحاق، وابن أبي هريرة، والقاضي أبو حامد وغيرهم نفي التحالف.
ونقل عن ابن سريج أيضًا.
والرابع: إن جرى بينهما عقد تحالفا كسائر الإختلافات، وإن لم يقع عقد فلا لأن الخياط لا يدعي الأجرة، وإنما النزاع في الأرش، انتهى ملخصا.
فيه أمور:
أحدها: أن ذكر القول الرابع يقتضي أن الأقوال السابقة جارية مع وجود العقد وبدونه، وهو باطل قطعا، فإن التحالف لا يجري إلا عند الاتفاق على العقد، وأيضًا فالمسألة مصورة بذلك.
الأمر الثاني: أن الصواب نقلا واستدلالًا إنما هو القطع بالتحالف، أما النقل فلأنه المنقول في هذا الكلام عن الشافعي نفسه، والقولان الأخيران
الجزء: 6 - الصفحة: 163
حكاهما عن غيره، بل زاد على ذلك وقال: أنهما معا مدخولان كما سبق فكيف يمكن مع ذلك أن يكون مذهب الشافعي غير التحالف.
وأما نقله ذلك عن الأكثرين فقلد فيه صاحب "البيان"، ولا شك أن الأصحاب المتقدمين على الرافعي على اختلاف طبقاتهم على ثلاثة أقسام:
الأول: من لم يتعرض للمسألة بالكلية وهم جماعات.
الثاني: من حكى خلافًا ولم يصحح شيئًا منهم القاضي الحسين في تعليقته والصيدلاني في "شرح المختصر" والفوراني في كتابيه "الإبانة" و"العمد" والمتولي في "التتمة"، والإمام في "النهاية" وابن الصباغ في "الشامل" والبغوي في "التهذيب" وأبو عبد الله الطبري في "العدة" والخوارزمي في "الكافي" والقاضي مجلي في "الذخائر".
والقسم الثالث: المصححون لتصديق المالك كما قاله الرافعي، ومنهم أبو الحسن منصور التميمي في كتاب "المسافر"، وأبو الحسن ابن خيران في "اللطيف"، والشيخ أبو محمد الجويني في "مختصر المختصر" و"السلسلة"، وأبو خلف الطبري في "شرح المفتاح"، والغزالي في "عقود المختصر" والسرخسي في "الأمالي"، والروياني في "البحر" و"الحلية"، وأبو نصر الأرغياني في "الفتاوى" وأبو سعد ابن أبي عصرون في كتبه، والهروي في "شرح أدب القضاء" للعبادي.
نعم عبر هذا بالقياس لا بالأصح ونحوه.
وذكر الشافعي في كتاب الصلح من "البويطي" نحوه ورأيت في "أدب القضاء" للإصطخري الميل إليه فإنه عبر بقوله: وكأنه أقوى.
القسم الرابع: المصححون لقول التحالف، فمنهم القفال كما نقله عنه في "البحر" والقاضي أبو الطيب كما نقله عن الشيخ نصر المقدسي في "التهذيب" وفي "المقصود"، وصححه أيضًا الدارمي في "الاستذكار"،
الجزء: 6 - الصفحة: 164
والمحاملي في "المقنع" وفي كتابه المسمى "بالقولين والوجهين"، وكذلك في كتاب "عدة للمسافر وكفاية الحاضر"، والماوردي في "الحاوي"، وأبو علي البندنيجي في "تعليقه" وسليم الرازي في "المجرد"، وفي "رؤوس المسائل" وفي "الكافي" أيضًا والشيخ نصر المقدسي في "التهذيب" وفي "المقصود" وفي "الكافي" والشيخ أبو إسحاق في "المهذب"، و"التنبيه"، والغزالي في "الوسيط" و"الوجيز"، والجرجاني في "التحرير" ,والشاشي في "الحلية"، وأبو نصر البندنيجي في كتاب "المعتمد" وكلام أبي علي الزجاجي في "التهذيب" يقتضي أنه قول الشافعي لا غيره.
وقد تقدم من كلام الرافعي نقل ذلك أيضًا عن أبي علي الطبري، وصاحب "التقريب"، والشيخ أبي حامد، وقد ذكرت لك أيها الواقف على هذه المسألة نقولا موافقة للرافعي لم يطلع عليها بالكلية.
وذكرت أيضًا من ذهب إلى خلاف ذلك والذاهبون إليه أكثر، ومنهم شيخا الطريقتين العراقية والخراسانية القفال والشيخ أبو حامد.
وهو الموافق لنص الشافعي، وللقواعد المذهبية كما سيأتي بيانه فوجب القول به وبالله التوفيق.
وأما تصويب التحالف من جهة الاستدلال فلأن قاعدتنا ذلك في كل عقد معاوضة اتفقا عليه، واختلفا في صفته فما وجه خروج هذه الصورة عن هذه القاعدة العامة المتفق عليها، ولأنهما لو اختلفا والثوب صحيح فقال المالك استأجرتك لتخيطه قميصًا، وقال الخياط بل استأجرتني لأخيطه قباء تحالفا بلا خلاف كما قاله الماوردي، قال وإذا تحالفا قبل القطع وجب القول به بعده لأن كل ما أوجب التحالف مع تغير أحواله وهذا أيضًا دليل قطعي على التحالف، فإن التحالف يجوز بعد تلف المبيع وتعيبه كما هو مذكور في بابه، وأما الاستدلالات التي اعتمد عليها الرافعي في تصديق المالك تعجيبة.
الجزء: 6 - الصفحة: 165
أما الأول: وهو استدلاله بقوله لأنهما لو اختلفا في أصل الإذن لكان القول قول المالك فكذلك إذا اختلفا في صفته، فجوابه: أن المتبايعين لو اختلفا في أصل البيع كان القول قول المنكر بلا نزاع، ولو اختلفا في صفته فإنهما يتحالفان، ولو قلنا بهذا لبطلت مسائل التحالف كلها وتعطلت قاعدته وارتفع، بابه ثم إنا في التحالف قد أعملنا هذه القاعدة بعينها لأن البائع مثلا إذا قال بعتك بعشرة، فقال المشتري بل بخمسة فكل واحد منهما لما كان القول قوله في نفي العقد كان القول قوله في صفته، ولهذا أحلفنا كلا منهما على إثبات ما يقوله، ونفي ما يقوله الآخر، لأنا جعلنا القول قوله ولكن مع يمينه لاحتمال، فلو لم يجعل القول قوله لم نحلفه فلما قبلنا قول كل منهما في التحالف مع يمينه لأجل أن من كان القول قوله في شيء كان القول قوله في صفة ذلك الشيء، ولم يكن لأحدهما مرجع على الآخر فسخنا العقد.
وأما الثاني: وهو استدلاله بقوله كما لو قال دفعت هذا المال إليك وديعة فقال: بل رهنا أو هبة فإن المصدق هو المالك فذهول عجيب أيضًا، لأن التحالف إنما يشرع إذا اتفقا على العقد الواحد واختلفا في صفته وقد وجد ذلك في مسألتنا دون هذه المسألة.
وأما الثالث: وهو إستدلاله بقوله لأن الخياط معترف بأنه أحدث نقصًا في الثوب ويدعي أنه مأذون، والأصل عدمه فعجيب لأنا لا نسلم أن الأصل عدمه ولهذا حلفنا المالك على عدمه وحلفناه هو على عدم ما يقوله المالك، ثم فسخنا لعدم ترجيح أحدهما على الآخر.
وهكذا مسائل التحالف كلها فإن الأصل عدم اشتراط الخيار والأجل والرهن والضمان مع مشروعية التحالف لما ذكرناه.
وأما الرابع: وهو استدلاله بقوله لأن الخياط يدعي أنه أتى بالعمل الذي استأجره عليه والمالك ينكره فأشبه ما إذا استأجره لحمل متاع فقال الأجير حملت وأنكر المالك فأعجب مما قبله لأن التحالف إنما شرع عند الاتفاق
الجزء: 6 - الصفحة: 166
على العقد والاختلاف في صفته، وقد وجد ذلك في مسألتنا، وأما الاستئجار لحمل المتاع فإن النزاع فيه لم يقع في صفة العقد، بل في الإتيان بالمعقود عليه، وأين هذا من ذاك فثبت بما قلناه بطلان جميع أدلة القول بتصديق المالك.
وأما تصديق الخياط وأدلته فالرافعي وغيره يسلمون ضعفها، والذي يظهر أن هذه الأدلة جميعها إنما ذكروها للرد على قول ابن أبي ليلى وهو تصديق الخياط عند ذكرهم لقوله، وقول أبي حنيفة فقط، وهكذا سلكه الشافعي نفسه والرد على ابن أبي ليلى بذلك صحيح.
وأما جمع قول التحالف معه في الاستدلال بها فمردود لما ذكرناه، فثبت أن الحق هو التحالف، ولا شك أن بعض الأصحاب نظر إلى ما حكاه في "الجامع الكبير" من قول أبي حنيفة وابن أبي ليلى وأن قول أبي حنيفة أشبه، وذهل عن ما بعده وهو التصريح بضعفها.
وعن ما في "الإملاء" وغيره وهو التصريح بالتحالف فذهب إليه، واستدل عليه بهذه الأمور الضعيفة التي حصل فيها الالتباس فقلده فيه من بعده، وكثيرا ما يقع ذلك.
قوله: فإن صدقنا الخياط بيمينه، فإذا حلف فلا أرش عليه , وفي الأجرة وجهان:
أظهرهما: أنها لا تجب أيضًا لأنه في الأجرة مدعى فيكون القول قول المنكر.
وفائدة يمينه دفع الغرم عن نفسه، فإن أوجبناها ففي مقدارها وجهان:
أحدهما: المسمى إتمامًا لتصديقه.
وأظهرهما: أجرة المثل، لأنا لو صدقناه من كل وجه لم يأمن أن يدعى مالًا كثيرًا كاذبًا، انتهى.
الجزء: 6 - الصفحة: 167
فيه أمران:
أحدهما: أن النووي في "الروضة" لم يبين الراجح من الوجهين الأخيرين.
الثاني: أن المسألة مفروضة في ما إذا اختلفا مع الاتفاق على الأجرة المسماة في العقد وحينئذ تمتنع الزيادة عليها، فإن انضم إلى الاختلاف في صفة القطع اختلافهما في قدر الأجرة فتلك مسألة أخرى، والتحالف جار فيها بلا شك كما قاله في "الإقليد" وأبدى ابن الرفعة في "المطلب" ذلك أيضًا بأن رب الثوب قد وافقه على استحقاقه بالعقد، واختلافهما إنما حصل في ما يتقرر به.
وقد جعلنا القول قول الخياط، وهذا يظهر بصحيح أصل الإستحقاق.
نعم إن كان الإذن في ضمن جعالة فالمسمى لا يجب فيها إلا بفراغ العمل، فإذا وقع الخلاف فيه وقع الخلاف في الاستحقاق فلا يثبت المسمى وقد ثبت تسمية الإذن في العمل، فوجب أن يجب له أجرة المثل.
واعلم أنه إن كان المسمى أقل من أجرة المثل فهو الواجب بلا نزاع لأنه لا يدعي أكثر منه كذا قالوه، وخرجه ابن أبي الدم على مسألة تقتضي إثبات خلاف، وفرق بينهما في المطلب.
قوله: فإن قلنا لا أجرة له بيمينه فله أن يدعي الأجرة على المالك، ويحلفه فإن نكل فهل يجدد اليمين على الخياط أم يكتفي بيمينه السابقة فيه وجهان:
أحدهما: يجدد لأن إثبات المال بيمين المدعى من غير نكول بعيد.
والثاني: وبه قال القاضي الحسين لا يجدد وكأن يمينه السابقة كانت موقوفه على النكول، انتهى.
الجزء: 6 - الصفحة: 168
والصحيح هو الأول فقد قال الإمام: ذهب إليه ذاهبون.
وقال: إنه قياس الخصومات وهو حسن منقاس ولم ينقل الثاني إلا عن القاضي خاصة، وقد رجح النووي أيضًا ما قلناه.
فقال: وينبغي أن يكون أصحهما التجديد وهذه قضية مستأنفة هذه عبارته.
ولم يستحضر الأصح الذي نقلناه، ولو استحضره لذكره بلا شك لاشتماله على الترجيح النقلي والقياسي.
قوله: في أصل "الروضة" وإن صدقنا المالك بيمينه فعلى الخياط أرش النقصان، وقيل وجهان، فإن أوجبنا فوجهان:
أحدهما: ما بين قيمته صحيحًا ومقطوعًا.
والثاني: ما بين قيمته مقطوعًا قميصًا ومقطوعًا قباء انتهى.
والأصح هو الأول، فإن الأصحاب بنوهما على أصلين:
أحدهما: إذا اكترى أرضًا ليزرع الحنطة فزرع ما هو أضر كالذرة ففيه قولان:
أصحهما: يعرض عن عقد الإجارة، ويلزمه بأجرة المثل.
والثاني: يغرم تفاوت ما بين الزرعين.
الأصل الثاني: الوكيل في البيع إذا ضمناه ففيه قولان: أصحهما يغرم جميع القيمة.
والثاني: يحط عنه ما يتغابن الناس به لأنه كالمأذون فيه.
قالوا فعلى الأول من المسألتين يغرم هنا جميع الأرش، وهو التفاوت ما بين قيمته صحيحًا ومقطوعًا، حتى لو لم يكن قبل القطع فلا شيء عليه.
هذا كلامهم، ومقتضاه تصحيح الأول، وقد صرح بتصحيحه إمام
الجزء: 6 - الصفحة: 169
الحرمين فقال: إنه الأصح، واختاره ابن عصرون في "المرشد" والعجب أن الرافعي نقل عن الشيخ أبي محمد أنه مبني على هذين الأصلين فحذف ذلك من "الروضة" وأرسل الخلاف من غير تصحيح.
واعلم أن مقتضى عبارتهم أن الخياطة لا تدخل في التقويم، فلذلك لم يقولوا بين قيمته، صحيحًا ومخيطًا قباء.
قوله: فإن قلنا يغرم التفاوت بين القطعتين فهل يستحق الأجرة للقدر الذي يصلح للقميص من القطع فيه وجهان: الذي أجاب به منهما صاحب "المهذب" هو الاستحقاق، لكونه مأذونًا فيه وضعفه ابن الصباغ لأنه لم يقطعه للقميص، انتهى.
والأصح منهما عدم الاستحقاق، فقد نقله صاحب "البيان" عن نص الشافعي وعلله بما سبق وهو كونه لم يقطعه، لكونه قميصًا.
وقال في "البحر": إن مقابله ليس بشيء، ولهذا صححه في "الروضة" من زوائده.
قوله: وأما كيفية اليمين إذا صدقنا الخياط فقال في "الشامل": أن يحلف بالله ما أديت لي في قطعه قميصًا، ولقد أديت في قطعه قباء.
انتهى.
قال في "الروضة": وقال الشيخ أبو حامد: يحلف لقد أديت لي في قطعه قباء فقط، وهذا أصح إن لم يثبت للخياط أجرة؛ لأن هذا القدر كاف في نفي الغرم، فإن أثبتناها فقول صاحب "الشامل" هو الصواب.
هذا كلامه، وفيه أمور:
أحدهما: في البحث عن تعبير النووي بقوله فقط هل هو من جملة اليمين أم لا؟ فإن كانت فيجوز أن يكون الشيخ أبو حامد اكتفى بذلك لأجلها لأنها في قوة قولنا: أديت لي في قطعه قباء لا قميصًا، وحينئذ فيستوي اليمينان، فإن كانت هذه اللفظة من كلام الناقل بمعنى أنه قال هذا
الجزء: 6 - الصفحة: 170
فقط فيجيء ما يقوله النووي، فالجواب أنها من كلام الناقل، فإن الشيخ أبا حامد لم يتعرض لذلك، وممن نقله عنه كما ذكرناه صاحب "البيان" والظاهر أن "النووي" إنما نقله عنه على عادته في كثرة النقل عنه، ونقله أيضًا كذلك ابن الرفعة وغيره.
الأمر الثاني: أن المسألة مشهورة في المذهب فقد قال: بوجوب الجمع جماعات منهم البندنيجي والقاضي الحسين، والقاضي أبو الطيب، وإمام الحرمين والغزالي وغيرهم، والثاني صححه الماوردي والروياني.
الأمر الثالث: أن التصحيح الذي قاله النووي وجعله الصواب لا وجه له، بل الذي يقول إنه يكفي الحلف على أنه أمره بقطعه قباء يقول بذلك سواء قلنا يستحق الأجرة أم لا كما قاله في "المطلب" لأنا إن قلنا يستحقها فهو يدعيها بالإذن في القباء وقد أثبته بيمينه، وإن قلنا لا يستحقها فالاقتصار واضح.
ومدرك القائل بأنه لابد أن يحلف أيضًا على أنه ما أمره بقطعه قميصًا لأنه ادعى ذلك فيحتاج أن ينفيه، ولكن للأخر أن يجيب بأن الحلف على الإذن في القباء يتضمن نفي ذلك فالذي زعم النووي أنه الصواب لا وجه له ويبقى حينئذ النظر في المقالتين، ولا شك أن الأكثرين على الجمع، والراجح من جهة المعنى هو الثاني على أنه لا وجه له بالكلية، فإن قول الخياط ما أديت لي في قطعه قميصًا لا أثر له في نفي الأرش ولا استحقاق أجرة، فإنه إنما دل على نفي الإذن خاصة، والذي دل على الأمرين هو قوله لقد أذنت لي في قطعه قباء فإنه نفى الأرش لعدم التعدي، وأثبت الأجرة لوجود الإذن.
ويدل لما قلناه أنا إذا صدقنا المالك فيكيفه الحلف على النفي، كما نقله الرافعي عن ابن الصباغ وأقره وجزم به في "النهاية" و"البسيط" والنفي في
الجزء: 6 - الصفحة: 171
جانب المالك نظير الإثبات في جانب الخياط.
قوله: وإن فرعنا على قول التحالف قال ابن كج: كان المالك هنا كالبائع.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على أن المالك كالبائع ويظهر أنه سهو، بل الخياط كالبائع لأنه بائع المنفعة ويدل عليه ما قالوه في البيع في تمييز البائع عن المشتري من دخول الياء ووجود النقد وأيضًا استعمال المؤجر لنعت إذا صححنا العقد بها.
الجزء: 6 - الصفحة: 172
الباب الثالث: في "الطوارئ الموجبة للفسخ"
قوله: وإن فات أي فوات العين المستأجرة في خلال المدة انفسخ العقد في الباقي، وفي الماض، يجيء الطريقان في ما إذا اشترى عيدين وقبض أحدهما فتلف الثاني قبل القبض.
ثم قال: فإن قلنا: لا ينفسخ فهل له خيار الفسخ؟ فيه وجهان:
أصحهما: عند الإمام وصاحب "التهذيب": لا، لأن منافعه قد صارت مستوفاة.
والثاني: وبه أجاب ابن الصباغ وآخرون، نعم، لأن جميع المعقود عليه لم يسلم له، انتهى كلامه.
لم يصرح بتصحيح في "الروضة" أيضًا، والصحيح أنه ليس له ذلك، كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير" وعبر بالأصح.
قوله: والنص في انهدام الدار الانفساخ وفي انقطاع ماء الأرض ثبوت الفسخ فقيل بتقرير النصين والأظهر طريقة التخريج، لكن الأظهر من القولين في كل مسألة ما نص عليه، انتهى ملخصًا.
كيف يستقيم تصحيح التخريج على تصحيحه تصحيح التقرير، فإن مقتضى التخريج المساواة لا الفرق، فالجمع بينهما متناف.
قوله: ولو غصب العين المستأجرة وانقضت المدة فينبني على أن إتلاف المبيع هل هو فسخ أم لا؟ ثم قال: والذي نص عليه الشافعي وأجاب به الأصحاب انفساخ الإجارة، انتهى.
تابعه النووي في "الروضة" على ذلك وفيه أمران:
أحدهما: أن النووي قد خالف في "تحرير التنبيه" فجزم بأنه كإتلافه،
الجزء: 6 - الصفحة: 173
وادعى أنه الصواب وأنه وقع كذلك في نسخة المصنف، وهذا يقتضي تصحيح عدم الإنفساخ على خلاف ما قاله الشافعي والأصحاب وهو تناقض فاحش.
وقد فرق القاضي حسين بفرق ذكره الرافعي أيضًا بعد هذا في نظير المسألة، وهو أن المعقود عليه في باب البيع هو المال وهو واجب على الجاني فيتعدى العقد من العين إلى بدلها بخلاف الإجارة، فإن المعقود عليها هي المنفعة، وهي غير واجبة على متلفها، إنما الواجب المال فلهذا لم يتعد العقد من المنفعة إلى بدلها وليست المسألة في "المحرر" ولا في "المنهاج"، والمذكور فيهما إنما هو غصب العين من غير مضى مدة، والحكم فيه أنه مخير.
الأمر الثاني: أن الشافعي والأصحاب إذا كانوا قائلين بالانفساخ فمن أين للرافعي والنووي البناء المذكور؟ وكيف يجزمان بشيء قد خالفهما فيه الشافعي وأصحابه؟
والظاهر أنه سقط من المسألة شيء، وأصله جمهور الأصحاب، أو نحو هذا.
قوله: الثانية للمكري مخاصمة من غصب العين المكراه أو سرقها لحق الملك، وهل للمكتري مخاصمتهم؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم لأنه يستحق المنفعة فيطالبه ليستوفي المنفعة.
وأظهرهما: ويحكى عن نص الشافعي - رضي الله عنه - لا لأنه ليس بمالك، ولا نائب عن المالك فأشبه المودع والمستعير والوجهان جاريان في أن المرتهن هل يخاصم؛ لأن له حقا في المرهون؟ انتهى.
تابعه عليه في "الروضة" وفيه أمور:
أحدهما: أن ما جزم به في المودع عنده من أنه لا يخاصم قد جزم به أيضًا في الباب الثالث من أبواب الرهن وفي كتاب السرقة أيضًا، لكنه
الجزء: 6 - الصفحة: 174
خالف المواضع الثلاث فجزم في كتاب الحج في باب محظورات الإحرام في الكلام على الحلق بأن له المخاصمة وسبق ذكر لفظه هناك فراجعه.
الأمر الثاني: أن ما ذكره ههنا من حكاية الخلاف في المرتهن وجهين قد خالفه في الرهن أيضًا، في الموضع المتقدم ذكره وهو الباب الثالث، وقد سبق إيضاحه.
الأمر الثالث: أن محل الخلاف في مخاصمة المرتهن إنما هو عند امتناع الراهن من المخاصمة، كما ذكره أيضًا في الرهن، وكلامه هنا يقتضي خلافه.
الأمر الرابع: أن الرافعي قد جزم في آخر الدعاوى بأن للمرتهن أن يخاصم ولم يفصل، وهو عجيب، وقد سبق إيضاحه في الرهن.
قوله: ولو تلف الثوب المعين للخياطة ففي انفساخ العقد خلاف سبق إيضاحه في الباب الثاني أصحهما عند العراقيين والشيخ أبي علي ينفسخ وإن حكمنا بأن الإجارة لا تنفسخ فلم يأت به لعجز أو مع القدرة حتى مضت مدة توفية إمكان العمل، ففي استقرار الأجرة وجهان نقلهما الإمام، انتهى.
لم يصحح شيئا في "الشرح الصغير" أيضًا، ولا أصح عدم الاستقرار، كذا صححه النووي في زياداته.
قوله: وموت الصبي المعين للتعليم كتلف الثوب المعين للخياطة، وكذا الصبي المعين للإرضاع، انتهى.
لكن إذا قلنا الإجارة لا تنفسخ في المعين للإرضاع فلم يأت بصبي آخر لعجزه، فلا يكون كالثوب في إجراء الوجهين المتقدمين فاعلمه.
فقد صرح به الرافعي في كتاب الخلع في الركن الخامس منه نقلا عن البغوي وغيره.
الجزء: 6 - الصفحة: 175
وصرح به النووي من "زياداته" ردًا على الرافعي حيث حاول التسوية بينهما في إجراء الوجهين، وكأن الفرق أن القدرة على تحصيل الثوب أكثر من القدرة على تحصيل الرضيع.
قوله: ولو أوصى بمنفعة داره لزيد مدة عمر زيد [فقبل] 7 الوصية وأخرها مدة ثم مات في أثنائها انفسخت الإجارة، لأنها حقه بموته، انتهى كلامه.
وهذه المسألة قد عبر عنها في "الروضة" بقوله ولو أوصى بداره لزيد إلى آخر المسألة، ولم يجعل مورد الوصية هو المنفعة، بل بالعين إذا علمت ذلك فالذي ذكره كل منهما مردود أما الرافعي فإنه قد جزم في كتاب الوصية بأن هذه الوصية أي الوصية بالمنافع المقيدة بعمر الموصى له إباحة المنافع لا تمليك، حتى لا تصح الإجارة.
وفي الإعارة وجهان ذكر ذلك في الباب الثاني في القسم الثاني منه وهو المعقود للأحكام المعنوية، وسأذكر لفظه في موضعه إن شاء الله تعالى فراجعه.
وأما التصوير الذي ذكره النووي فلأنه وصية على صورة العمري، وحكمه حكم العمري في حال الحياة حتى يتأبد ويورث عنه، ولا يعود إلى ورثة المعمر.
وسأذكره في كتاب الهبة واضحا إن شاء الله تعالى فراجعه.
قوله: ولو هرب الجمال فأذن الحاكم للمستأجر أن ينفق عليها ويرجع فاختلفا في المقدار صدق المستأجر، وقيل الجمال.
انتهى ملخصًا.
قال الأصحاب إنما يقبل قول المستأجر إذا ادعى نفقة مثله في العادة، وقد استدركه عليه في "الروضة".
الجزء: 6 - الصفحة: 176
قوله: ولو لم تكن المدة مقدرة، كما لو استأجر دابة للركوب إلى بلد، ثم لم يسلمها حتى مضت مدة يمكن فيها المضي إليه لم تنفسخ الإجارة في أظهر الوجهين.
وعلى هذا ففي "الوسيط" أن للمكترى الخيار لتأخر حقه: ورواية الأصحاب تخالف ما رواه فإنهم قالوا: لا خيار للمكترى كما لا خيار للمشتري إذا امتنع البائع من تسليم المبيع مدة ثم سلمه.
انتهى كلامه.
ذكر في "الروضة" مثله أيضًا، وهذا القياس يقتضي شيئين:
[أحدهما: ثبوت الخيار للمشتري قبل تسليم البائع وليس كذلك] 8 على ما قرره الرافعي في باب "التفليس".
الثاني: أنه لم يصور مسألة الإجارة هنا بما إذا امتنع ثم سلم كما صوره في المقاس عليه، وقياسه عليه يقتضي ثبوت الخيار للمستأجر قبل التسليم واعلم أن اقتضاه كلام الرافعي من انفراد الغزالي بالخيار ليس كذلك، فقد سبقه إليه الماوردي في "الحاوي"، ونقله عنه في "الكفاية" وهو المتجه أيضًا.
والفرق بينه وبين امتناع البائع من التسليم ظاهر فإن الإجارة لا تراد للدوام ولا في كل وقت وزمان بل عند الحاجة إليها، فإذا تعذر عليه السير مثلا في الوقت الذي استأجر فيه فقد فات المطلوب فأثبتنا الخيار والملك يراد غالبا للدوام.
قوله: ولو كانت الإجارة فاسدة استقرت فيها أجرة المثل بما يستقر به المسمى [في الإجارة الصحيحة سواء انتفع أم لا وسواء كانت أجرة المثل أقل من المسمى] 9 أم أكثر.
انتهى كلامه.
وذكر قبل ذلك أن الأجرة في الإجارة الصحيحة تستقر إذا سلم العين
الجزء: 6 - الصفحة: 177
ومضت المدة أو عرضها عليه، ومضى زمن بعد العرض يمكن فيه الاستيفاء سواء كانت الإجارة على العين أو على الذمة، وهذا الكلام بإطلاقه يشعر بأن الأجرة تستقر في الإجارة الفاسدة إذا حصل الغرض ومضى زمن يمكن الاستيفاء فيه، وهو باطل لأنه لم يلتزم الأجرة لعقد ولا وضع يده على مال الغير.
وقد ذكر في "المهذب" نحو ما ذكره الرافعي، فاستدرك عليه صاحب "البيان" بنحو ما ذكرته.
فقال: والذي يقتضيه المذهب أنه لا شيء لأن الأجرة إنما تستقر بعقد صحيح، ويتمكن فيه من استيفاء المنفعة، أو بأن تتلف المنفعة تحت يده ولم يوجد ههنا أحدهما هذا كلامه.
رأيت ذلك في كتاب "تذكرة العالم وإرشاد المتعلم" لأبي حفص عمر ولد الإمام أبي العباس ابن سريج.
فقال: إذا وقعت الإجارة على فساد فعلى المستأجر إن كان سكن أو استخدم أجر مثل ذلك هذه عبارته، فقيد ذلك بما إذا انتفع.
قوله: في أصل "الروضة": فرع: أجر الحر نفسه مدة لعمل معلوم، وسلم نفسه فلم يستعمله المستأجر حتى مضت المدة، أو مدة يمكن فيها ذلك العمل استقرت الأجرة على الأصح ويجري الخلاف في ما إذا ألزم ذمة الحر عملا فسلم نفسه، انتهى.
وتعبيره بقوله مدة لعمل معلوم قد شاهدته كذلك في "الروضة" التي هي بخط النووي كما وقع في سائر النسخ، وهو لا يستقيم مع التقسيم الآتي عقبه وهو استقرار الأجرة تارة بمضي المدة وتارة بالعمل، فإن اجتماعهما في عقد واحد مفسد له.
وهذا الخلل وقع من إسقاط لفظة واحدة من كلام الرافعي، وهي "أو"
الجزء: 6 - الصفحة: 178
الدالة على التقسيم فإنه أعني الرافعي عبر بقوله مدة أو لعمل معلوم فأسقطها النووي ظنا منه أنها زائدة لكون الإجارة لابد فيها من بيان نوع العمل وذهل عما سيأتي فلزم الخلل، وليس هذا هو المراد بل المراد بالعمل المضبوط ما كان مقدرًا بالعمل خاصة كخياطة الثوب وبناء الحائط، ولكن سكت الرافعي عن بيان نوع العمل لأنه قد تقدم من كلامه أنه لابد منه، وليس هذا موضعه فتفطن له.
قوله: المسألة الثانية أكرى عينا مدة ثم إن المؤجر إستوفى منفعة المدة.
حكي المتولي فيه طريقين: أحدهما أنه كما لو أتلف البائع المبيع قبل القبض.
والثاني: القطع بالانفساخ فرقا بأن الواجب هناك بالإتلاف إنما هو القيمة، وأنها قابلة للبيع فجاز أن يتعدى حكم البيع إليها، وأما ههنا فالذي يقدر وجوبه هو الأجرة، وأنها لا تقبل الإجارة فلا يتعدى حكم الإجارة إليها، انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وهو يوهم أن إتلاف البائع ليس فيه طريقة قاطعة بالإنفساخ، وليس كذلك فقد تقدم في كتاب البيع أن فيه طريقين:
أصحهما: أن فيه قولين أظهرهما إنفساخ العقد.
والثانية: القطع بالإنفساخ.
وكلام "التتمة" صحيح لا اعتراض عليه، فإنه لم يذكر في البيع إلا قولين، ولم يحك الطريقة القاطعة فلذلك حسن منه هنا حكاية الطريقين.
نعم الفرق الذي ذكره صاحب "التتمة"، قد ذكره القاضي حسين في "تعليقه" أيضًا، ونستفيد منه أن بعض من قال هناك: إنه لا ينفسخ قائل هنا بالانفساخ، وحينئذ فيقال في المسألة طريقان:
أحدهما: القطع بالانفساخ.
الجزء: 6 - الصفحة: 179
والثانية: أنها كإتلاف المبيع حتى يجيء فيها الطريقان إلا أن حاصلها لا يخرج عن طريقين.
قوله: الإجارة قد تكون من الموقوف عليه، وقد تكون من المتولي، فإذا أجر البطن الأول، من الموقوف عليهم، ثم مات في أثناء المدة بطلت الإجارة في الأصح، لأن المنافع بعد موته لغيره، ولا ولاية له عليه، فإن أبقينا الإجارة فحصة المدة الباقية من الأجرة تكون للبطن الثاني فإن أتلفها الأول فهي دين في تركته.
ثم قال: وإذا أجر المتولي فموته لا يؤثر لأنه ناظر للكل وقيل يبطل.
فيه أمور:
أحدها: في تصوير القسم الأول، فإن لقائل أن يقول الموقوف عليه إن كان ناظرا أيضًا فهو القسم الثاني، وإن لم يكن ناظرًا لم يصح إيجاره بالكلية، فالجواب أن ذلك يتصور بما إذا لم يجعل الواقف النظر لأحد، وقلنا النظر فيه للموقوف عليه، فكل بطن ينظر لنفسه خاصة ولا ولاية له على غيره، فلذلك بطلت الإجارة للمعنى المذكور.
ويتصور على المذهب أيضًا بما إذا شرط الواقف النظر لذلك أي للموقوف عليه بحيث أن كل مستحق ينظر في حصته.
وقد أوضح ابن الصلاح ذلك في "فتاويه"، فإنه أجاب بما قلناه.
ثم قال: ولتعلم أن إجارة هذا ليس من قبيل إجارة النظار، فإن المراد بالناظر في هذا أن يكون غير الموقوف عليه، وحيث يؤجر الموقوف عليه فلا يؤجر إلا إذا شرط له النظر، لكن نظره لا يلحقه بالناظر الأجنبي، فإن نظره لا يتعدى إلى غيره من أهل الوقف، بخلاف الناظر غير المستحق هذا كلامه وصرح به أيضًا صاحب "الشامل".
فقال: وإذا أجر الناظر في الوقف بالوصية إليه أو الحاكم أو أمين الحكم
الجزء: 6 - الصفحة: 180
مدة فمات البطن الأول لم تنفسخ الإجارة لأن الذي عقدها له النظر على جميع البطون، وإن كان الذي أجرها البطن الأول من أهل الموقف، إذا قلنا يجوز لهم أو كان الواقف جعل لكل بطن أن يؤجر نصيبه، فيجوز ذلك وجهًا واحدًا فإذا مات البطن الأول قبل انقضاء مدة الإجارة فهل تبطل في ما بقي من المدة؟ وجهان:
وجه الانفساخ أنه أجر ما لا يستحق منفعته، هذا كلام صاحب "الشامل"، ذكره في آخر كتاب العطايا ويبق النظر في مسألة، وهو أنه لو جعل النظر للأرشد فانتقل بعض الوقف للبطن الثاني والأرشد من الطبقة الأولى، فأجر الأرشد ثم مات فالمتجه عدم الانفساخ لأن ولايته باقية عليهم، وإن لم يكن أجنبي.
الأمر الثاني: إذا أجر الناظر الوقف سنين وأخذ الأجرة، فلا يجوز أن يعطي جميع الأجرة للبطن الأول، وإنما يعطي بقدر ما مضى من الزمان.
فإن دفع أكثر منه فمات الآخذ ضمن الناظر تلك الزيادة للبطن الثاني، هكذا رأيته في "فتاوى القفال" فتفطن له، فإنه أمر مهم وقياسه القول به أيضًا في ما إذا صدرت الإجارة من الوقوف عليه حتى يجوز له التصرف في قدر ما مضى خاصة.
الثالث: أن الضمير في قوله في آخر كلامه فموته عائد إلى البطن الأول لا إلى الناظر.
قوله: ولو أجر الولي الصبي مدة يبلغ فيها بالسن لم يصح في ما زاد على البلوغ ولو أجره مدة لا يبلغ فيها بالسن فاتفق الإحتلام في أثنائها فوجهان: أظهرها: على ما ذكره الشيخ أبو إسحاق والروياني في "الحلية" أن الإجارة تبقى.
الجزء: 6 - الصفحة: 181
وأصحهما: عند الإمام والمتولي أنها لا تبقى، انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره في المسألة الأولى يؤخذ منه أنه لو غاب الصبي عن وليه مدة يبلغ فيها بالسن ولم يعلم هل بلغ رشيدًا أم لا؟ لم يكن لوليه التصرف في ماله، ولا إخراج زكاته استصحابًا لحكم الصغير، بل المتصرف في ذلك، إنما هو الحاكم.
نعم، ذكر الجرجاني في "الشافي" أنا إذا قلنا أن إختيار الولي للصغير يكون بعد البلوغ فهل المخاطب بذلك هو الولي أو الحاكم؟ فيه وجهان، والذي حكاه لابد من جريانه هنا.
الأمر الثاني: أن الرافعي لم يصحح في "الشرح الصغير" أيضًا شيئًا، وصحح في "المحرر" الوجه الأول وهو البقاء وعبر بالأظهر.
ونقل النووي في "الروضة" عن "المحرر" أنه صحح الثاني وهو البطلان.
والذي قاله غلط، فإن المذكور فيه ما قدمته وقد ذكره أيضًا على الصواب في "مختصره" له.
قوله: وإذا أجر عبده ثم أعتقه ففي رجوعه على السيد بأجرة المثل للمدة الواقعة بعد العتق وجهان في رواية بعضهم وقولان في رواية آخرين.
أصحهما: وهو الجديد في رواية من جعلهما قولين بأنه لا يرجع، انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الرافعي قد صحح أن الخلاف وجهان كذا ذكره في "الشرح الصغير".
فقال: فيه وجهان، وقيل: قولان هذا لفظه، ولم يبين ذلك في "المحرر"، بل حكى خلافًا مطلقًا وصحح النووي في "الروضة" من الأصل
الجزء: 6 - الصفحة: 182
أن الخلاف قولان، وبه جزم في "المنهاج" أيضًا فاعلمه.
الأمر الثاني: أن ما ذكره من جعل القول بالرجوع قديما تقليدًا لمن حكاه، قد تبعه عليه في "الروضة" وليس كذلك، فإن الشافعي نص عليه في "الأم" في كتاب الصلح المذكور بعد أبواب اللعان.
فقال في الكلام على ما إذا صالح على خدمة عبد سنة ما نصه: ولو كانت المسألة بحالها فأعتقه السيد كان العتق جائزًا، أو كانت الخدمة عليه إلى منتهى السنة يرجع بها على السيد لأن الإجارة بيع من البيوع لا ينقض ما دام المستأجر مسلمًا هذا كلامه.
وقد ذكرت لك غير مرة أن الرافعي -رحمه الله- كان قليل الإطلاع على نصوص الشافعي.
قوله: ولو ظهر بالعبد عيب بعد العتق وفسخ المستأجر الإجارة، فالمنافع للعتيق إن قلنا يرجع بمنافعه على السيد، وإلا فهل هي له أو للسيد؟ فيه وجهان.
انتهى.
هذان الوجهان بناهما في "التتمة" على أن الفسخ يرفع العقد من حينه وأصله، فإن قلنا بالأول فهي للسيد، [وإلا فللعتيق، وهو بناء ظاهر وحينئذ فيكون الأصح أنها للسيد] 10.
وقد نقل الرافعي بعد هذا عنه هذا البناء، وأقره في نظير المسألة، وهو ما إذا أجره، ثم باعه وكذلك ذكره القاضي الحسين وغيره.
إذا علمت ذلك فقد صحح النووي من "زوائده" أنها للعتيق، ولم ينقله عن أحد وهو مخالف للمنقول والمعقول فيكون مردودا.
وقد حكى المتولي أيضًا هذا الخلاف في ما إذا أوصى بمنفعة العبد لزيد وبرقيته لآخر، فرد زيد الوصية، وفيه نظر والمتجه هنا رجوعها للورثة.
الجزء: 6 - الصفحة: 183
ومن نظائر المسألة ما إذا أجر داره ثم وقفها أو وهبها، ثم فسخت الإجارة، ولم أقف الآن فيها علي نقل.
قوله: ولو أجر أم ولده ومات في المدة عتقن وفي بطلان الإجارة الغلاف المذكور في ما إذا أجر البطن الأول الواقف ومات، انتهى.
وحاصله تصحيح بطلان إجارتها، لأنه الأصح في إيجار البطن الأول كما سبق.
إذا علمت ذلك فقد جزم في أوائل كتاب الوقف بعدم البطلان وستعرف لفظه هناك، وتبعه في "الروضة" على الموضعين.
قوله: وكتابة العبد المكري جائزة عند ابن القطان، وغير جائزة عن ابن كج، انتهى.
والصحيح المنع فقد رأيته منصوصًا عليه للشافعي في "البويطي" و"الأم" وهو المجزوم به في هذا الكتاب وفي "الروضة" في كتاب الكتابة ولم يستحضر النووي هنا ما هو مذكور هناك فقال من "زياداته": البطلان أقوى، وقد حكى الرافعي في كتابة العبد الموصي بمنفعته وجهين، وصحح المنع أيضًا.
وتبعه عليه في "الروضة" ذكر ذلك في باب الوصية.
قوله: في أصل "الروضة": إذا باع العين المستأجرة فله حالان:
الأول: البيع للمستأجر وهو صحيح قطعًا.
انتهى.
ليس كما قال من دعوى القطع ولذلك لم يذكره الرافعي أيضًا، فقد عبر الغزالي في "الوسيط" بقوله: والظاهر الصحة، وهذا يشعر إشعارًا ظاهرًا بجريان الخلاف، وصرح به محمد بن يحيى تلميذ الغزالي في كتابه المسمى "المحيط في شرح الوسيط"، ورأيته أيضًا مصرحًا به في "شرح المفتاح" لأبي الخير سلامة بن إسماعيل بن جماعة المقدسي.
فقال: فرع: قد ذكرنا أنه إذا باع الشيء المؤاجر هل يصح بيعه أم لا؟
الجزء: 6 - الصفحة: 184
على قولين فإذا ثبت هذا، فإن باعه من المستأجر فهل يصح ذلك أم لا؟ على القولين.
هذا لفظه.
وعلل وجه الانفساخ بأن الملك قد صار له، وهذا التصنيف في نحو حجم "الوجيز" وأكبر منه بيسير، ومنه نسخة موقوفة بالمدرسة الظاهرية بالقاهرة.
وأبو الخير المذكور قد نقل عنه ابن أبي الدم الحموي في "شرح الوسيط" في كتاب العدد وفي غيره، وقال: إنه رجل مجهول وليس كما قال، بل هو معروف، توفي سنة ثمانين وأربع مائة، نقله المفشراني عن الحافظ المنذري ذكره الكنجي في "تاريخ بيت المقدس" في ترجمة الفقيه سلطان المقدسي، رأيته أيضًا مذكور في خطبة كتاب "البيان" الذي ألفه الفقيه سلطان المذكور في التقاء الختانين فقال: كان عديم النظير في زمنه لما كان مخصوصًا به من حضور القلب وصفاء الذهن وجودة الحفظ هذا لفظه.
قوله: في "الروضة": ويتخرج على الخلاف في أن الإجارة والملك هل يجتمعان؟ مسائل:
إحداها: أوصى لزيد برقبة دار، ولعمرو بمنفعتها، وأجرها لعمرو، ففي صحة الإجارة الوجهان.
انتهى.
وتعبيره بقوله لعمرو رأيته بخطه كما هو أيضًا في النسخ، وصوابه لزيد، كما ذكره الرافعي.
قوله: وإذا باعها من غير المستأجر فقولان أصحهما الصحة إلى أخره.
يستثنى من جريان الخلاف مسائل منها إذا هرب الجمال وترك الجمال المستأجرة، فإنه يباع منها بقدر الحاجة لينفق عليها من ثمنه.
قال الرافعي: ولا يخرج على الخلاف في بيع المستأجر لأنه محل ضرورة.
ومنها إذا كان البيع في ضمن عتق، كما لو قال اعتق عبدك عني على
الجزء: 6 - الصفحة: 185
كراء فأعتقه عنه وهو مستأجر فإنه يصح قطعا لقوة العتق، كذا نقله الرافعي في أواخر العتق من "فتاوى القفال" وارتضاه.
قوله في المسألة: قال -يعني صاحب "التتمة": ولو تقايلا الإجارة، فإن قلنا: الإقالة بيع فمنفعة بقية المدة للبائع، وإن قلنا: فسخ، فكذلك على الصحيح لأنها ترفع العقد من حينها بلا محالة.
انتهى كلامه.
وما نقله عن صاحب "التتمة" من نفي الخلاف في الإقالة، وأقره عليه، ذكره كذلك في "التتمة" وعبر بقوله: بلا خلاف، وعبر عنه في "الروضة" بقوله: قطعًا، وليس كما قال من نفي الخلاف، بل فيها خلاف مشهور ذكره الرافعي في أوائل حكم المبيع قبل القبض.
الجزء: 6 - الصفحة: 186
قال -رحمه الله-: وكما افتتحنا كتاب الإجارة بمقدمات فإنا نختمه بمؤخرات
قوله: الأولى لو قال: ألزمت ذمتك نسج ثوب صفته كذا على أن تنسجه بنفسك، لم يصح لأن في هذا التعيين غررا، لأنه ربما يموت ولهذا لم يجز تعيين ما يؤدي منه المسلم فيه.
انتهى.
وما جزم به ههنا من عدم الصحة قد سبق منه في كتاب الحج، في الكلام على الاستئجار له ما يقتضي أن المشهور خلافه، وتقدم ذكر لفظه هناك فراجعه.
قوله: وفي إجارته من المؤجر -أي قبل قبضه- وجهان، كما في البيع من البائع.
انتهى كلامه.
والمفهوم منه رجحان البطلان؛ لأنه الراجح في البيع، وسيأتي أيضًا التصريح به، ووافقه النووي هناك عليه، لكن خالفه هنا فذكر من "زياداته" أن الأصح صحته.
قوله: ولو أجر الدار المشحونة، وكان تفريغها يستدعي مدة ففيها جوابان:
أحدهما: أنه إن أمكن التفريغ في مدة ليس لمثلها أجرة صح العقد وإلا فلا.
والثاني: أنه إن كان يذهب في التفريغ جميع مدة الإجارة لم يصح، وإن كان يبقى منها شيء صح ولزم قسطه، وخَرَّجُوا على الجوابين ما إذا استأجر دارًا ببلد آخر، فإنه لا يتأتى التسليم إلا بقطع المسافة بين البلدين، وما إذا باع جمرا وزنا وكان ينماع بعضه إلى أن يوزن.
انتهى ملخصًا.
قال في "الروضة": الصحيح من الجوابين هو الأول.
الجزء: 6 - الصفحة: 187
قال: والأصح عندي فيما إذا استأجر دارًا ببلد آخر الصحة، وفي الجمد المنع لإمكان بيعه جزافًا.
انتهى.
وههنا أمران:
أحدهما: أن الرافعي قد ذكر المسألة الأولى في الباب الأول، وصحح الجواز، وقد تقدم لفظه هناك، وذكر النووي في "المسائل المنثورة" نحوه، فقال: قال الشافعي والأصحاب لا تصح إيجارة الأرض المشغولة بالبناء للزراعة لعلتين:
أحدهما: أنها مستورة.
والثانية: أنه لا يمكن تسليمها في الحال، وذكر أيضًا في "فتاويه" قريبًا من ذلك، فقال: إذا استأجر أرضًا بنى المؤجر في بعضها.
فقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: إن كان يمكن نقل الجدران في زمان قريب ليس لمثله أجرة صح استئجار العرصة وموضع الجدران إذا كان رآها قبل العقد، وإن لم يمكن نقلها في زمن قريب وأمكن ابتياع الجدران أو بيع مغارسها، فقد أمكن الانتفاع بها عقب الإجارة فتصح، وإن لم يكن ذلك ففيه قولان: تفريق الصفقة.
الأمر الثاني: أن الماوردي قد قال في "الحاوي": إن اليوم الواحد هو أول مدة يصح استئجار الدار فيها للسكنى وقال: وما دون ذلك تافه لم يجر به عرف فلم يصح به عقد، وقد استفدنا مما قاله ضابط المدة التي لمثلها أجرة.
قوله في الاستئجار للخدمة: وعن أبي سهل الصعلوكي أن علف الدابة وحلب الحلوبة وخدمة الزوجة لا تلزمه إلا بالتنصيص عليه ويجوز أن يرجع فيه إلى العادة، وقال النهروي: تدخل.
انتهى.
قد اختلفت النسخ، ففي بعضها أبو سهل كما هو ههنا، وفي بعضها نسبته إلى سهل، وهو ولد المذكور، وكلاهما صاحب وجه.
الجزء: 6 - الصفحة: 188
قوله: وذكر بعض من شرح "المفتاح" أنه ليس له إخراجه من البلدة إلا إن شرط عليه مسافة معلومة من كل جانب، وأن عليه المكث عنده إلى صلاة العشاء.
انتهى كلامه.
زاد النووي فقال: المختار في هذا كله الرجوع إلي عادة الخادم في ذلك البلد، وذلك الوقت.
انتهى.
والعجب من الرافعي والنووي كيف نقلا هذه المسألة عن هذا الشارح المجهول حتى خالف النووي لأجل ذلك، واختار الرجوع إلى العرف مع أن المسألة قد نص عليها الشافعي -رحمه الله- في "الأم" في كتاب الصلح، وهذا الباب بعد أبواب اللعان، فقال في الكلام على ما إذا صالح على خدمة عبد ما نصه: قال -يعني الشافعي: ولصاحب الخدمة أن يخدمه غيره ويؤاجره غيره في مثل عمله، وليس له أن يخرجه من المصر إلا بإذن سيده.
هذا لفظه بحروفه، ومنه نقلته: وصرح أيضًا القاضي الحسين بذلك فقال: إلا أن يشترط له مسافة معلومة من كل جانب من فرسخ إلى خمسة عشر، وصرح أيضًا بأنه عليه الإقامة إلى صلاة العشاء.
قوله: في المؤخرة الثانية نقلا عن الزيادات للعبادي: وأنه إذا إستأجر جملًا ليحمل وقرا إلى داره، وهي ضيقة الباب، هل عليه إدخاله الباب؟ فيه قولان للعرف.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" وهو يقتضي الجزم بصحة الاستئجار، وأن القولين في الإدخال وعدمه، وليس كذلك، بل الثاني فساد العقد إن لم يحصل شرط الدخول، فإن العبادي قد عبر بقوله: فيه قولان:
أحدهما: يجب للعرف.
والثاني: أنه يفسد إلا أن يشترط هذا والجمال يدخله، ولا يكلف أن يرفعه إلى السطح.
هذا لفظه كذا نقلته من نسخة هي بخط الفخر بن عساكر
الجزء: 6 - الصفحة: 189
ومقابلته ووجه الإفساد يعارض العرف واللفظ، وتقييد المسألة بالباب الضيق لا فائدة له عند قائل: التعليل فتأمله، وما اقتضاه كلام الرافعي هنا قد تبعه عليه ابن الرفعة على وجه هو أشد في الغلط وأصرح، وقد نبهت عليه في "الهداية إلى أوهام الكفاية" فراجعه.
واعلم أن الوقر.
بكسر الواو هو الحمل، يقال: جاء فلان يحمل وقره، قاله الجوهري.
قوله: ولو أراد المستأجر أن يستبدل عن المنفعة شيئًا آخر يقبضه لم يجز إن كانت الإجارة في الذمة، وإن كانت إجارة عين، قال صاحب "التهذيب": هو كما لو أجر العين المستأجرة من المؤجر وفيه وجهان، الأصح جواز إن جرى ذلك بعد القبض.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما جزم به من منع الاستبدال عن المنفعة في إجارة الذمة، وإن كان بعد القبض قد جزم بخلافه في الباب الذي قبله في النوع الثالث المعقود لإجارة الدواب في أثناء كلامه -أوله: قال: ولو تلفت الدابة، فقال فيه ما نصه: وإن أراد المكتري أن يعتاض عن حقه في إجارة الذمة إن كان قبل أن يتسلم دابة، لم يجز لأنه اعتياض عن المسلم فيه، وإن كان بعد التسليم جاز؛ لأن الاعتياض والحالة هذه واقع عن حق في عين هكذا ذكره الأئمة.
انتهى لفظه، وهو اختلاف غريب ووقع الموضعان كذلك في "الروضة"، ولم يتعرض للمسألة في "الشرح الصغير" ولا في "المحرر".
الأمر الثاني: أن اشتراط قبض العين في جواز إجارة العين للمستأجر من المؤجر قد تابعه عليه النووي أيضًا لكنه قد تقدم من كلامه -أعني النووي- قبل ذلك بنحو ورقتين أن الأصح جوازه، وتقدم التنبيه عليه.
قوله: ولو دفع ثوبًا إلى قصار ليقصره بأجرة، ثم استرجعه فقال: لم
الجزء: 6 - الصفحة: 190
أقصره بعد فلا أرده، فقال صاحب الثوب: لا أريد أن تقصره واردده إلى، فلم يرد وتلف الثوب عنده لزمه ضمانه، وإن قصره ورده فلا أجرة له، وعلى هذا قياس الغزل عند النساج ونظائره.
انتهى كلامه.
هذه المسألة التي ذكرها -رحمه الله- صورتها أن لا يقع عقد صحيح، فأما إذا وقع فلا ضمان إن تلف، ويستحق الأجرة إن قصره.
قوله: وأن الأكار لو تعمد ترك السقي إلى آخره.
الأكار: بهمزة مفتوحة وكاف مشددة وراء مهملة هو العامل في المساقاة، يجمع على أكرة بفتح الهمزة والكاف على وزن البررة، وهو على خلاف القياس.
قوله في المؤخرة الثالثة: عن "المنثور" المزني أنه لو استأجره لخياطة ثوب، فخاط بعضه واحترق الثوب استحق الأجرة لما عمل وأنه لو استأجره لحمل جب إلى مكان معلوم فزلقت رجله في الطريق وانكسر الجب لا يستحق شيئًا من الأجرة، وفرق بينهما بأن الخياطة تظهر على الثوب فوقع العمل مسلمًا بظهور أثره، والحمل لا يظهر أثره على الجب.
انتهى كلامه.
وما ذكره من استحقاق الأجرة للمقدار الذي عمله، محله إذا كان العمل في ملك المستأجر أو بحضرته؛ لأنه إذا كان كذلك كان مسلمًا له، فيكون كتلف المبيع بعد القبض بخلاف ما إذا لم يكن في ملكه ولا بحضرته فإن لم يقع مسلمًا له فيكون كالمبيع قبل القبض، وقد ذكره الرافعي كذلك قبل هذا، ثم إنه لا يختص بالخياطة، بل كل ما يلحق بالأعيان كالقصارة فحكمه كذلك، فأما سياسة الدواب ونحوها من الآثار كحمل الشيء فلا يستقر.
قوله: ولو أجر أرضًا إجارة صحيحة ثم غرقت بسيل أو بماء نبع فيها، نظر إن لم يتوقع انحساره في مدة الإجارة، فهو كما لو انهدمت الدار.
انتهى.
الجزء: 6 - الصفحة: 191
وما ذكره من كونه تعيبًا تابعه عليه في "الروضة" وتقدم خلافه في باب حكم المبيع قبل القبض فراجعه.
قوله: تعطل الرحى لانقطاع الماء والحمام لخلل في الأبنية، أو لنقص الماء في بئر ونحوه كانهدام الدار، وكذا لو استأجر قناة فانقطع ماؤها، فلو نقص ثبت الخيار.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على أن تعطيل الحمام والقناة لانقطاع الماء بمثابة انهدام الدار والأصح في الانهدام الفسخ لا ثبوت الخيار، إذا علمت ذلك، فقد ذكر الرافعي عند الكلام على الانهدام، أن الأصح انقطاع ماء الأرض التي استأجرها للزراعة لا يوجب الفسخ، بل الخيار، وفرقوا بأن اسم الأرض باق بخلاف الدار، وبأن سوق الماء ممكن، وهذان الفرقان جاريان بعينهما هاهنا، وحينئذ فنظير ما قالوه هناك التخيير، فإن هذا مثال آخر للمسألة لا مسألة أخرى، ووقع الموضعان في "الروضة" أيضًا كذلك.
قوله: فرع: بيع الحديقة التي ساقى عليها في المدة يشبه العين المستأجرة، ولم أر له ذكرًا، نعم في فتاوى صاحب "التهذيب" أن المالك إن باعها قبل خروج الثمرة لم يصح، لأن للعامل حقًا في ثمارها، فكأنه استثنى بعض الثمرة وإن كان بعد خروج الثمرة يصح البيع في الأشجار ونصيب المالك من الثمار، ولا حاجة إلى شرط القطع، لأنها بيعة مع الأصول وتكون للعامل مع المشتري، كما كان مع البائع وإن باع نصيبه من الثمرة وحدها لم يصح للحاجة إلى شرط القطع وتعذره في الشائع.
انتهى كلامه.
زاد في "الروضة" على هذا فقال: هذا الذي قاله البغوي حسن.
انتهى.
فأما ما قاله الرافعي من كونه لم يره، وتابعه عليه أيضًا في "الروضة" فقد صرح بها البويطي في "مختصره" في كتاب المساقاة وجزم بجواز بيع الأشجار مطلقًا.
الجزء: 6 - الصفحة: 192
فقال ما نصه: وإذا أفلس رب الحائط بيع الحائط وكان المساقي على معاملته والمشتري بالخيار إن لم يعلم بالمساقاة، فإن قيل: وكيف يجوز لرجل أن يشتري الأصل وللساقي فيه حق إلى أجل؟ قيل لسنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أجاز بيع النخل وبه ثمرة قد أبرت.
انتهى لفظه بحروفه.
وهذه المسألة من كلام البويطي كما هو مصرح به في "مختصره" وأما ما قاله البغوي واستحسنه النووي فمردود، فإن الرافعي قد جزم في الباب الثاني من أبواب "الوصية" بأن بيع الشاة الموصى بسلخها صحيح، وادعى أنه لا خلاف فيه وهو نظير ما نحن فيه، فإن المعنى الذي استندوا إليه موجود بعينه في الوصية ومع ذلك لم يلتفتوا إليه.
قوله من "زيادته" نقلا عن "فتاوى الغزالى": الخامسة إذا جعل غلة في المسجد وأغلقه لزمه أجرته؛ لأنه كما يضمن المسجد بالإتلاف يضمن منفعته، ثم قال -أعني النووي- وتقييده بما إذا أغلقه لا حاجة له، بل لو لم يغلقه ينبغي أن تجب الأجرة للعلة المذكورة.
انتهى كلامه.
وما ذكره -رحمه الله- من أن التقييد بالغلق لا حاجة له، ومن رجحان الوجوب بحثًا عند عدم الغلق غريب وذهول عجيب، فإن الغزالي إنما قيده بذلك لأجل إيجاب أجرة الجميع حتى إذا لم يغلقه لا تلزمه إلا أجرة الموضع المشغول، وقد صرح به الغزالي في "فتاويه" هكذا، فقال: الجواب: تلزمه أجرة الجميع مهما طرح فيه العلة وأغلقه كما لو طرح في بيت من جملة دار، وفي الدهليز وأغلق الباب يلزمه أجرة الجميع.
هذا لفظ الغزالي بحروفه، والعجب أن النووي في هذه الزيادة قد أوجب أجرته بكماله.
فقال: لزمه أجرته -أي المسجد ولم يقل: أجرة البقعة المشغولة فصار التقييد بالإغلاق ضروريا حتى لو لم يذكره الغزالي لكان يجب إيراده عليه، أو أعجب من ذلك أن النووي قد ذكر أيضًا المسألة من "زوائده" في آخر
الجزء: 6 - الصفحة: 193
باب الغصب، بهذا التفصيل ناقلًا لها عن الفتاوى المذكورة هناك فراجعه.
واعلم أن كلام الغزالي في هذه المسألة يحتاج إلى البحث عنه من وجوه قد تعرض لجميعها صاحب "التتمة" فقال في الباب الأول من كتاب الغصب في الفصل الرابع منه: الرابع إذا انتفع بمسجد، إما بأن اتخذه مسكنًا أو مخزنًا يحفظ فيه متاعه ضمن أجرة المثل، وتكون لمصالح المسلمين، كما لو أتلف مالًا من بيت المال فأما إن أغلق باب المسجد ومنع الناس من الصلاة فيه لا يضمن؛ لأن المسجد لا تثبت عليه اليد ويخالف ما لو حبس حرًا، لأن منفعة الحر تستحق بالإجارة، ومنفعة المسجد لا تستحق بالإجارة، وعلى هذا فلو انتفع بشارع من شوارع المسلمين فسكنه أو حفظ فيه متاعه، ومنع الناس من الممر فيه ضمن المنافع، فأما إذا نصب على الشارع بابا وأغلقه ولم ينتفع بالبقعة، لا يضمن لأن الشارع حق لجميع المسلمين كالمسجد سواء ويخالف الأرض الموقوفة على مصالح المسلمين إذا استولى عليها ظالم يضمن أجرة مثلها؛ لأنها لم تتعين لنوع منفعة، بل يجوز الانتفاع بها كما يجوز الانتفاع بالأراضي المملوكة، وأما الشارع فقد تعين وجه الانتفاع به كالمسجد سواء، وعلى هذا الأرض الموقوفة على دفن الموتى فيها وأراضي عرفات إن استولى عليها ظالم وانتفع بها ضَمِن، وإن لم ينتفع لم يضمن كالمسجد.
هذا كلام صاحب "التتمة"، وقد ظهر لك منه أشياء منها مستحق الأجرة، ومنها أنه لا فرق في الوجوب بين أن يغلقه أو لا، ومنها أنه وإن ضمن هذه المنفعة بالتفويت لا يضمنها بالفوات، ويؤيده أن المسجد حر كما قالوه في الوقف وحبس الحر لا يقتضي أجرة.
واعلم أن القاضي الحسين في كتاب إحياء الموات قبيل باب إقطاع المعادن، قد حكى وجهين في وجوب الأجرة على من أشغل المسجد بوضع الأمتعة، وعلل عدم الوجوب بأنه لا يجوز إجارته، فلا قيمة لتلك البقعة، وقد تقدم عن "التتمة" نحوه.
الجزء: 6 - الصفحة: 194
قوله أيضًا من "زياداته": السادسة استأجر بهيمة إلى بلد لحمل متاع ثم أراد في أثناء الطريق بيعه، والرجوع وطلب رد بعض الأجرة، فليس له شيء، لأن الإجارة عقد لازم، بل إن باعه فله حمل مثله إلى المقصد المسمى.
انتهى كلامه.
وقد تقدم في الباب الأول في الكلام علي العجز الشرعي، أنه ذكر ما يخالف هذا فراجعه.
الجزء: 6 - الصفحة: 195