المهمات في شرح الروضة والرافعيكتاب الأيمان
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وفيه ثلاثة أبواب:

الباب الأول: في نفس اليمين

قوله: ينعقد اليمين على المستقبل والماضي، فإن حلف على ماض كاذبًا وهو عالم فهي اليمين الغموس، سميت بذلك لأنها تغمس صاحبها في الإثم أو في النار.
انتهى.
وما اقتضاه كلامه من انعقاد يمين الغموس قد تابعه عليه في "الروضة"، وذكر ابن الصلاح في "مشكل الوسيط": أنها غير منعقدة عندنا، وأنا نوافق أبا حنيفة في عدم انعقادها، قال: ونحن نعتبر في وجوب الكفارة مجرد العقد والحنث، وقد وجد أولًا تعبير الانعقاد أي تعبير عقدها لا انعقادها، وذكر الماوردي نحوه فقال: فإذا ثبت وجوب الكفارة في اليمين الغموس ففي يمين محلولة غير منعقدة أولى، هذه عبارته.

قوله في "الروضة": ويستحب للمخاطب إبرار الحالف فإن لم يفعل وحنث الحالف لزمه الكفارة.
انتهى.
والذي يلزمه الكفارة هو الحالف لا المحلوف عليه خلافًا لأحمد.
ولفظ "الروضة" موهم، وقد استدرك على الرافعي فقال: هذا إذا لم يكن في الإبرار مفسدة بأن يضمن ارتكاب محرم أو مكروه، وكلامه يقتضي: أن المستحب الذي لا يكره تركه يستحب إبرار الحالف على تركه، وليس كذلك فسيأتي في الباب الثاني أن الحلف على تركه والإقامة عليها مكروهان.
فإذا كان الأمر كذلك في حق نفسه فبطريق الأولى في حق غيره.

الجزء: 9 - الصفحة: 103

قوله من "زوائده": ويكره السؤال بوجه الله تعالى ورد من سأل به للحديث المعروف فيهما.
انتهى كلامه.
والحديثان المشار إليهما ما رواه أبو داود عن جابر أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لا يسأل بوجه الله إلا الجنة" 1. وروى أبو داود أيضًا بأسانيد الصحيحين: "من سأل بالله تعالى فأعطوه" 2، وقد علمت من الحديث الأول استثناء الجنة، وقد صرح به المصنف في "الأذكار".

قوله: وإذا عقد اليمين بمشيئة الله تعالى لم يحنث، وهل نقول: اليمين منعقدة؟ منهم من قال: نعم، لكن المشيئة غير معلومة فلا يحكم بالحنث، هكذا نقل القاضي الروياني.
ومنهم: من يطلق القول بأنها غير منعقدة، وهكذا نقل صاحب "التهذيب".
انتهى.
لم يصحح منهما شيئًا في "الروضة" أيضًا، والصحيح عدم الانعقاد كما قاله البغوي كذا جزم به الرافعي في الباب الرابع من أبواب الطلاق فقال: وكذا يمنع الاستثناء انعقاد التعليق كقوله: أنت طالق إذا دَخَلْت الدار إن شاء الله تعالى.
ويمنع انعقاد النذر واليمين وصحة العفو عن القصاص والبيع وسائر التصرفات، وذكر في "المحرر" و"المنهاج" نحوه.

الجزء: 9 - الصفحة: 104

قوله: فإن قصد الاستثناء في خلال اليمين ففيه وجهان ذكرناهما في كتاب الطلاق، وممن صحح هذا الاستثناء: الداركي والقاضيان أبو الطيب والروياني، وممن لم يصححه: أبو الحسن ابن المرزبان وابن كج.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن الخلاف الذي أشار إليه الرافعي في الطلاق محله في أول الباب الرابع المعقود للاستثناء، والخلاف الذي هناك غير الخلاف المذكور هنا، فإن الخلاف هناك محله إذا وجدت منه الاستثناء بعد فراغ اليمين، ومحله هنا إذا وجدت النية في أثنائها، فهما مسألتان فراجعه من هناك.
الأمر الثاني: أن نُسخ الرافعي عارية من الواو بين أبي الحسين وابن المرزبان على جعل الثاني بدلًا من الأول، فإن ابن المرزبان كنيته أبو الحسين، وأتى في "الروضة" بابن القطان عوضًا عن أبي الحسين، وجعلهم ثلاثة وليس الأمر كذلك، وإن كان ابن القطان كنيته: أبو الحسين.

قوله من "زوائده": والصحيح تعميم الاستثناء للحمل.
انتهى.
وهذه المسألة قد ذكرها -رحمه الله- في ثلاثة مواضع: أولها: في الوقف.
وثانيها: في الباب الرابع من أبواب الطلاق.
وثالثها: في هذا الموضع.
واختلف فيها كلامه وكلام الرافعي فراجعه مما سبق.

قوله: وقول القائل: إن فعلت كذا فأنا يهودي، أو بريء من الله تعالى، أو من رسول الله، أو من الإسلام، أو من الكعبة، أو مستحل الخمر يتضمن تعظيم الإسلام وإبعاد النفس عن اليهود، ثم قال: هذا إذا قصد القائل تبعيد النفس عن ذلك، فأما من قال ذلك على قصد الرضى باليهود

الجزء: 9 - الصفحة: 105

وما في معناه، إذا فعل ذلك الفعل فهو كافر في الحال.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره في القسم الأول من اشتماله على تعظيم الإسلام وإبعاد النفس عن اليهود، قد ذكر قريبًا منه في "الروضة"، وهو يقتضي أن لا يكون حرامًا، ثم خالف -أعني: النووي- في كتاب "الأذكار" فجزم بالتحريم، فقال في آخر الكتاب: فصل: يحرم أن يقول إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني أو بريء من الإسلام أو نحو ذلك، فإن قاله وأراد حقيقة فعله وخروجه عن الإسلام بذلك، صار كافرًا في الحال، وجرت عليه أحكام المرتدين، وإن لم يرد ذلك لم يكفر لكنه ارتكب محرمًا فتجب عليه التوبة، هذه عبارته.
وذكر أيضًا الماوردي في "الحاوي" ما حاصله: التحريم على وفق ما في "الأذكار" -فليؤخذ به.
الأمر الثاني: أن كلام "الشرح" و"الروضة" ساكت عن حالة الإطلاق كمن مات عقب ذلك أو غاب وتعذر مراجعته، هل نحكم بالكفر فيها أم لا؟ والقياس يقتضي التكفير إذا عري عن القرائن الحاملة على غيره؛ لأن اللفظ بوضعه يقتضيه، وكلام النووي السابق نقله عن "الأذكار" يقتضي أنه لا يكفر بذلك، والقياس خلافه.

قوله: وأما: تالله بنقطتين من فوق فمنهم من قال: ليس بيمين، والأظهر: القطع بأنه يمين، واختلفوا في تأويل الأول، فمنهم من حمله على ما إذا قال له القاضي: قل: بالله، الموحدة فأتى بالمثناة لا تحسب للمخالفة، قال القفال بخلاف العكس، فإنه يحسب لكثرة استعماله، ولو أمره بالموحدة فأتى بالواو، قال الإمام: فيه تردد لأنهما لا يكادان يتفاوتان في مجرى الكلام ولا يمتنع أن لا يحسب للمخالفة، وهذا المعنى يأتي أيضًا في

الجزء: 9 - الصفحة: 106

صور القفال.
انتهى.
واعلم أن التردد الذي ذكره الإمام ذكره القاضي الحسين، وطرده في ما إذا أمره بالموحدة فأتى بالمثناة، وجميع ما نقلته عن الرافعي ليس فيه لفظة "يحنث" بالمثلثة في آخره، بل "يحسب" بالسين، فاعلم كل ما ذكرته.

قوله: لو قال: بالله، فشدد اللام كما كانت وحذف الألف بعدها فهو غير ذاكر لاسم الله تعالى، ولا حالف لأن البلة هي الرطوبة، فلو نوى بذلك فقال "الشيخ أبو محمد" و"الإمام" و"الغزالي": هو يمين ويحمل حذف الألف على اللحن؛ لأن الكلمة تجري كذلك على ألسنة العوام والخواص.
انتهى.
وقد وافق في "الروضة" على خطأ إطلاق هذه اللفظة لهذا المعنى ولكن نازع في تسميته لحنًا فقال: ينبغي أن لا يكون يمينًا لأن اليمين لا يكون إلا باسم الله تعالى أو صفته، ولا يُسلم أن هذا لحن لأن اللحن مخالفة صواب الإعراب، بل هذه كلمة أخرى، وما ذكراه معًا ليس كذلك بل هي لغة أخرى حكاها الزجاجي وكذا حكاه عنه "ابن الصلاح".

قوله: النوع الثالث: ما يطلق في حق الله تعالى وفي حق غيره ولا يغلب استعماله في الطرفين كالنبي والموجود والحي والمؤمن والكريم وما أشبهها، فلا يكون يمينًا إن نوى به غير الله تعالى أو أطلق، فإن نوى به الله تعالى فالذي أورده صاحب "المهذب" و"التهذيب" وغيرهما: أنه يكون يمينًا، ثم قال: والأظهر وبه أجاب الشيخ أبو حامد وابن الصباغ والعراقيون وتابعهم الإمام والغزالي: أنه لا يكون يمينًا، ووجهوه بأن اليمين إنما ينعقد إذا حلف باسم مُعَظّم.
انتهى كلامه.
وما صححوه هنا من عدم الانعقاد ذكر مثله في "الشرح الصغير"، وعبر: بالأظهر أيضًا، ثم خالف في "المحرر" فجزم بالانعقاد وهو الذي

الجزء: 9 - الصفحة: 107

صححه النووي في كتبه.
قال المتولي: إذا حلف بالمصحف فإن قال: وحُرمة ما هو مكتوب فيه: فهو يمين، وكذا لو قال: وحرْمة هذا المصحف، لأن احترامه بحرمة ما هو مكتوب فيه، وإذا أراد الرق والجلد لم يكن يمينًا.
انتهى.
قال في "الروضة": لم يتعرض لما إذا قال: والمصحف وأطلق فهو يمين، صرح به بعض الأصحاب وبه أفتى الدولعي، قال: لأن الحالف إنما يقصد القرآن المكتوب فيه لا الورق والمداد.
انتهى.
ومراد النووي بالإطلاق: أن لا ينوي القرآن مع كون التصوير كما ذكره يعني من حذف لفظ الحرمة.
إذا علمت ذلك ففيه أمران: أحدهما: أن ما نقله عن الدولعي ليس مطابقًا للتصوير، ويدل عليه التعليل الذي ذكره.
الثاني: أن ما قاله في "الروضة" من كونه يمينًا عند الإطلاق مع حذف لفظة "الحرمة" خلاف المشهور.
فقد جزم القاضي الحسين في "تعليقه" و"فتاويه" بأنه لا يكون يمينًا، ورأيته في أوائل "شرح التلخيص" للشيخ أبي علي مجزومًا به ومنقولًا عن الأصحاب، [ورأيته في "أدب القضاء" لابن أبي الدم مجزومًا به أيضًا ومنقولًا عنهم] 3 وزاد فقال: وقال: الشيخ أبو زيد: لو حلف بما في هذا المصحف لم يكن يمينًا، لأن الذي فيه سواد وبياض، قال: لو حلف بالذي أنزل القرآن على محمد، ففيه وجهان: مقتضى كلام ابن الصلاح في "فتاويه" والماوردي في "الحاوي": انعقاد الحلف بالمصحف، وحكى

الجزء: 9 - الصفحة: 108

الشيخ أبو حامد في "تعليقه": وجهين في ما إذا حلف به ناويًا المتلو وهو القرآن.
وحكى الماوردي في "الحاوي": وجهين في أنه هل يجزئ الحلف به عن الحلف بالله تعالى أم لا؟ أحدهما: نعم لاشتراكهما في الحنث بهما، والوجهان غريبان.

قوله: ولو قال: أقسمت بالله، ثم قال: أردت به [يمينًا] 4 ماضية قُبل في الباطن، وأما في الظاهر: فإن علم قُبِل، وإن لم يعلم: فالنص أنه يُقبل وكذلك في إرادة الوعد كقوله: أُقسم، وقال في الإيلاء: إذا قال: أقسمت بالله لا وطئتك، ثم ادعى ذلك أنه لا يُقْبل، وفي المسألتين ثلاث طرق: أشهرها قولان: أصحهما: القبول لظهور الاحتمال.
والثاني: القطع بالمنع.
والثالث: تقرير النصين، والفرق أن الإيلاء متعلق بحق المرأة بخلاف سائر الأيمان.
انتهى ملخصًا.
وما ذكره في الإيلاء من ترجيح القبول، قد ذكر فرعين يشكلان عليه: أحدهما: في أول هذا الباب فقال: وإذا حلف وقال: لم أقصد اليمين، صُدِّق، وفي الطلاق والعتاق والإيلاء لا يُصَدَّق في الظاهر لتعلق حق الغير به، هذا لفظه.
والفرع الثاني: ذكره في آخر باب ما يقع به الحنث في أول الفروع الزائدة على فروع "الوجيز" فقال: حلف لا يدخل الدار، ثم قال: أردت شهرًا أو يومًا، فإن كانت اليمين بالطلاق أو العتاق: لم يقبل في

الجزء: 9 - الصفحة: 109

الحكم، ويلحق بهما الإيلاء لتعلقه بحق الآدمي، [وإن كانت اليمين بالله تعالى ولم تتعلق بحق الآدمي] 5 قُبِل ظاهرًا وباطنًا.
انتهى.
وتبعه في "الروضة" على هذه المواضع.

قوله: وإذا أراد اليمين بهذه الألفاظ انعقدت يمينًا واحدة، والجمع بين الألفاظ تأكيد كقوله: والله الرحمن الرحيم، فلا يتعلق بالحنث فيها إلا كفارة واحدة، ولك أن تقول: إن قصد بكل لفظ يمينًا، فليكن كما لو حلف على الفعل الواحد مرارًا.
انتهى.
وما ذكره بحثًا رأيته في "الاستذكار" للدارمي نقلًا عن ابن القطان، فقال: إذا نوى التكرار ففي تكرر الكفارة القولان في من حلف على الفصل الواحد مرارًا وطرده أيضًا في قوله: والله الرحمن الرحيم، ونقله أيضًا في "الروضة" عنه.

قوله: وفي نذر اللجاج والغضب ثلاثة أقوال: أحدها: تلزمه كفارة يمين.
والثاني: الوفاء.
والثالث: يتخير.
وإيراد العراقيين يقتضي أن يكون المذهب هو التخيير، لكن الأصح على ما ذكره صاحب "التهذيب" وإبراهيم المروروذي والروياني والموفق ابن طاهر وغيرهم: وجوب الكفارة.
انتهى ملخصًا.
لم يصرح في "الشرح الصغير" أيضًا بتصحيح، وصحح في "المحرر" وجوب الكفارة، وعبر بالأصح، ذكره في كتاب النذر، وقد نقل في "الروضة" أيضًا هذه المسألة إلى النذر، وصحح من "زوائده" قول التخيير.

الجزء: 9 - الصفحة: 110

قوله: وأما إذا قال: إن كلمت فلانًا، أو فعلت كذا فمالي صدقة، فالمذهب الذي قاله الجمهور ونص عليه الشافعي: أنه بمنزلة قوله: فعليَّ أن أتصدق بمالي، وطريق الوفاء أن يتصدق بجميع أمواله.
انتهى كلامه.
وما ذكره من أن طريقه هو الصدقة بالجميع.
فيه كلام تعرفه قريبًا في أوائل كتاب النذر فراجعه.

الجزء: 9 - الصفحة: 111

فصل في لغات الباب

منها: ايم الله، بضم الميم وكسرها، والضم أشهر.
ومنها لاها الله: بالمد والقصر.
ومنها: نذر الغلق، ويمين الغلق: اسم لنذر اللجاج.
هو بفتح الغين المعجمة وفتح اللام.
لأنه يغلق به باب الفعل أي يسده.
ومنها: رتاج الكعبة، براء مكسورة ثم بالمثناة من فوق والجيم، هو بابها، وقيل: غلق بابها، وكذلك الرتج أيضًا بفتح الراء والتاء، وهما في اللغة اسمان للباب العظيم كما قاله الجوهري، قال: ويقال: إنه الباب المغلق وفيه باب صغير.

الجزء: 9 - الصفحة: 112

الباب الثاني: في كفارة اليمين

قوله: وفي السبب الموجب للكفارة وجهان: أحدهما: أنه اليمين إلا أنها توجب عند الحنث، كما يوجب ملك النصاب الزكاة عند انقضاء الحول، وكأن من قال به جعل الحنث شرطًا.
وأظهرهما عند عامة الأصحاب: أن السبب هو اليمين والحنث جميعًا.
انتهى.
وللخلاف فوائد منها: جواز التكفير بالصوم قبل الحنث وفيه وجهان: إن قلنا: أنها تجب باليمين جاز، وإن قلنا: تجب بهما وهو الصحيح فلا؛ لأن العبادات البدنية لا يجوز تقديمها على وقتها.
ومنها: إذا أراد العبد أن يكفر بالصوم بغير إذن سيده، وكان قد حلف بإذنه، فإن قلنا: إنها تجب باليمين جاز، وليس للسيد منعه.
وإن قلنا: بهما، وهو الصحيح فلا يصح، وللسيد منعه أيضًا.
وذكر بعضهم من فوائده أيضًا: ما إذا حلف ليفعلن كذا غدًا، فمات قبل الغد.
فإن قلنا: إن الكفارة تجب باليمين وجبت عليه، وإن قلنا: بهما وهو الصحيح فلا.
واعلم أن الإمام حكى وجهًا ثالثًا أن الكفارة تجب باليمين، ووقت وجوب إخراجها الحنث، قال: وهو كلام سخيف.
وحكى الماوردي رابعًا: أنها تجب بالحنث وحده لتعلقها بحل ما عقده،

الجزء: 9 - الصفحة: 113

واليمين شرط، قال: وهو الظاهر من مذهب الشافعي، ثم قال: والصحيح عندي اعتبار حال اليمين، فإن كان عقدها طاعة وحلها معصية وجبت الكفارة بالحنث وحده، وإن كان عقدها طاعة وحلها طاعة وجبت باليمين والحنث، ذكر ذلك في فصل أوله: فإذا ثبت وجوب الكفارة.
وهو وجه خامس، وقد سكت عما إذا كان عقدها وحلها مباحين إلا أنه قال في هذه الصورة قبل ذلك: إن الكفارة تتعلق باليمين وإنها بالحنث أحق، ويظهر مجيء ذلك هنا.

قوله: وإن كان الحنث بارتكاب محظور بأن حلف لا يشرب الخمر، فهل يحل التكفير قبل الشرب؟ فيه وجهان: أحدهما: وبه قال ابن القاص: المنع؛ لأنه يتطرق به إلى ارتكاب محظور، وهذا أرجح عند صاحب "التهذيب".
والثاني: يجوز لوجود أحد السببين والتكفير لا يتعلق به استباحة ولا تحريم، وهذا أقيس وأظهر عند الشيخ أبي حامد والإمام والروياني وغيرهم.
انتهى كلامه.
ومقتضاه ترجيح الجواز، وقد صرح به في "الشرح الصغير" فقال: إنه أظهر الوجهين، وصحح في "المحرر" المنع، فقال: ولا يجوز إن كان الحنث محرمًا على الأصح، هذا لفظه، واستدرك عليه في "المنهاج" فصحح الجواز.

قوله: ولا يجوز تقديم كفارة القتل، وجزاء الصيد على الجرح بحال، وعن أبي الطيب ابن شملة إثبات احتمال فيه تنزيلًا للعصمة وتحريم القتل بمنزلة أحد السببين، وحكى ابن كج في جزاء الصيد أيضًا، وجهًا أنه يجوز تقديمه على جرح الصيد، ووجهًا آخرًا أنه إن كان يقتله مختارًا بلا ضرورة.
لم يجز التقديم، وإن اضطره الصيد إليه فيجوز.
انتهى كلامه.

الجزء: 9 - الصفحة: 114

تابعه عليه في "الروضة"، وحاصله: أنه لا يجوز للمحرم أن يفدي الصيد [قبل جرحه، سواء اضطره الصيد] 6 إلى القتل أم لا.
إذا علمت ذلك فاعلم أن الصيد إذا ألجأ المحرم إلى القتل، فإن كان لصيال منه فلا كفارة، وإن كان لافتراسه في الطريق، ولم يتأت المشي إلا بقتله فكذلك في أصح القولين، وحينئذ فنقول: ما ذكره الرافعي من المنع من التقديم عند الاضطرار غير مستقيم، أما في الأولى وعلي المذهب في الثانية: فلأنه لا كفارة حتى يمنع تقديمها، وأما على القول الضعيف القائل بالوجوب: فلأنه قد صحح بعد ذلك بدون الصفحة في الحلق وغيره ما يخالفه، فقال: وإن وجد سبب يجوزها، بأن كان في رأسه أذى واحتاج إلى الطيب لمرض أو إلى لبس المخيط لشدة البرد ففي جواز التقديم وجهان، والظاهر الجواز.
هذا لفظه.
وحينئذ فقياس الصيد على هذا تصحيح الجواز واعلم أنه إذا اضطر إلى أكل الصيد، أو ركبه صائل تجب عليه على الصحيح.
فإن أراد الرافعي هذه الصور ونحوها وفيه تعد لم يستقم تصحيح امتناع التقديم لما ذكرناه من كونه كالحلق ونظائره في وجود السبب، بل أولى؛ لأن السبب في المضطر واجب الفعل، وكذلك في المصول عليه إذا كان الصائل كافرًا مطلقًا ومسلمًا قصد التحريم، والطفل ونفسه على قول مشهور.

قوله: الرابعة: يجوز تعجيل المنذور إذا كان ماليًا، كما إذا قال: إن شفا الله مريضى أو رد غائبى فلله علي أن أعتق عبدًا أو أتصدق بكذا يجوز تقديم الإعتاق والصدقة على الشفاء ورجوع الغائب، وفي "فتاوى القفال" ما ينازع فيه.
انتهى كلامه.

الجزء: 9 - الصفحة: 115

وما ذكره هنا من الجواز حتى أشعر كلامه باستغراب خلافه غريب.
فقد سبق منه في باب تعجيل الزكاة أن الأصح المنع، وسبق ذكر لفظه هناك فراجعه.

قوله: المسألة الثانية: الأيمان مكروهة إلا إذا كانت [في طاعة] 7 كالبيعة على الجهاد وكما قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "والله لأغزون قريشًا" 8، ويستثنى أيضًا الأيمان الواقعة في الدعاوى إذا كانت صادقة فإنها لا تكره.
انتهى.
وما اقتضاه كلامه من عدم وجوب اليمين في الدعاوى فيه تفصيل أذكره في موضعه، إن شاء الله تعالى.
قال في "الروضة": ولا يكره أيضًا اليمين إذا دعت إليه حاجة كتوكيد كلام، وتعظيم أمر كقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الحديث الصحيح: "فوالله لا يمل الله حتى تملوا" 9 وفي الحديث الآخر: "والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا" 10.

قوله: وإذا كفّر بالصوم لم يجب التتابع على الجديد، فإن أوجبناه

الجزء: 9 - الصفحة: 116

فأفطرت المرأة بعذر الحيض فقد قيل: لا ينقطع التتابع، كما في صوم الشهرين.
وقيل: ينقطع بالانقطاع؛ لأن تبعيد الأيام الثلاثة عن الحيض ممكن بخلاف الشهرين.
وقيل: الحيض هاهنا كالمرض هناك ففي قطعه التتابع قولان، والظاهر: أنه يقطع التتابع.
انتهى.
والصحيح من هذه الطرق: طريقة القطع بالانقطاع كذا صححه النووي في "أصل الروضة" وكلام الرافعي لا يؤخذ منه ذلك، فإن الذي ذكره إنما هو ترجيح للحكم من حيث الجملة، ولم ينص على الترجيح في خصوصية الطرق.

قوله من "زوائده": ويجزئ المنديل، صرح به أصحابنا، والمراد به هذا المعروف الذي يحمل في اليد، وقد صرح الدارمي بأن كل واحد من المنديل والعمامة يجزئ.
انتهى كلامه.
واعلم أن كثيرًا من الناس يستغرب كلام "الروضة" هاهنا فإن العمامة قد ذكرها الرافعي قبل هذا، وأما المنديل فمصرح به في أشهر الكتب وهو "التنبيه".
والجواب: أن كثيرًا من المشارقة الماضين وإلى الآن يطلقون المنديل على العمامة، فنص -رحمه الله- على إجزاء المنديل بالاصطلاح المعروف، وأكد دفع الاحتمال بجمع الدارمي بينهما فتفطن لذلك.
وما ذكره من الجمع بينهما ذكره أيضًا الروياني في "البحر" فقال: روى أبو يوسف ومحمد بن الحسن أن السراويل لا تجزئ لأنه تبع لغيره فرد عليهما بقوله: وهذا مبطل بالعمامة والمنديل.
هذه عبارته.

الجزء: 9 - الصفحة: 117

لكنه حكى في "القلنسوة"، ثلاثة أوجه.
ثالثها: إن كانت صغيرة تغطي قحف الرأس خاصة أي كالقبع والطاقية فلا تجزئ وإن كانت كبيرة تعم الرأس وتغطي الأذن والقفا فتجزئ.
ثم قال: والمذهب عدم الإجزاء مطلقًا لأنها تابعة تلبس تحت العمامة.
هذا كلامه.

قوله: ولا يجزئ الدرع والخف والمكعب والجورب في أظهر الوجهين.
وفي النعل طريقان: أشبههما على ما ذكر صاحب "الكتاب": إجراء الخلاف.
والثاني: القطع بالمنع.
انتهى.
والراجح: طريقة الخلاف كما ذهب إليه الغزالي، كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير" وعبر بالأظهر، والنووي في "أصل الروضة".
والمكعب: هو المداس.
والجورب: سبق ذكر تفسيره في مسح الخف.
والدرع: قميص لا كُمّ له.
ومن المعلوم إطلاقه أيضًا على الدرع من الحديد، وفيه أيضًا وجهان حكاهما ابن الرفعة في "المطلب"، وصحح المنع.

قوله من "زوائده": قال الدارمي: فإذا دفع ما لا يعتاد لبسه كجلود ونحوها لم تجزئه.
والله أعلم.
ومفهوم هذا الكلام أنه إذا اعتيد ذلك أجزأ.
وقد جزم به الماوردي في "الحاوي الصغير" وحكى وجهين من غير ترجيح في ما إذا لم يعتد ذكر ذلك في الجلود واللبود والفراء.

الجزء: 9 - الصفحة: 118

وذكر مثله صاحب "البحر" أيضًا، وقد تعرض الرافعي للبد، ونقل عن الصيدلاني: إجزاءه حيث اعتيد ذلك.

قوله: ولو أعتق المكاتب عن كفارته بإذن السيد ونفذنا تصرفاته إذا صدرت عن إذنه، قال الصيدلاني: الذي ذكره الأصحاب أن ذمته تبرأ عن الكفارة، والذي عندي فيه أن الأمر موقوف؛ لأنه قد يعجز فيرق فيكون الولاء موقوفًا، فوجب التوقف عن الكفارة.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على هذا النقل عن الأصحاب، ومقتضاه تصحيح عدم التوقف، لكنه قد صحح التوقف في كتاب الكتابة، وسوف أذكر لفظه في موضعه إن شاء الله تعالى.

قوله: والكفارة على التراخي.
اعلم أن هذه المسألة مذكورة في الرافعي و"الروضة" في مواضع كثيرة واختلف فيها -إذا كان سببها معصية- كلامهما معًا.
وقد تقدم إيضاح ذلك في كفارة الظهار فراجعه.

قوله: أما إذا مات العبد وعليه كفارة يمين فللسيد أن يكفر عنه بالإطعام أو بالكسوة.
فإن قلنا: إن العبد لا يملك بالتمليك لأن التكفير عنه في الحياة يتضمن دخوله في ملكه، والتكفير بعد الموت لا يستدعي ذلك وليس للسيد ملك محقق، فإن الرق لا يبقى بعد الموت فهو والحر سواء.
هذا ظاهر المذهب.
قال الإمام: ويتطرق إليه احتمال أنه لا يجوز.
انتهى.
واعلم أن النووي -رحمه الله- قد علل هذا الحكم بقوله: لأن التكفير عنه في الحياة يتضمن دخوله في ملكه والتكفير بعد الموت لا يستدعي ذلك؛ لأنه ليس للميت ملك محقق؛ ولأن الرق لا يبقى بعد الموت

الجزء: 9 - الصفحة: 119

فهو والحر سواء، وهذا ما قطع به الأصحاب، وفيه احتمال للإمام.
هذا لفظه.
وقد ظهر لك أن التعليل الثاني قد تحرف عليه لفظه واشتبه، ولزم من تحريفه ذكر ثلاث علل، وإنما ذكر الرافعي علتين.
والتعليل الأول في كلام الرافعي مشكل بما اقتضاه كلامه في الوصية من أن الوارث إذا أعتق من مال نفسه عن ميته صح وكان الولاء للميت.
ووجه الإشكال أن إثبات الولاء متوقف على الملك، فإن كان الأمر كما قاله هنا من أن التكفير بعد الموت لا يستدعي الدخول في الملك فلا ولاء له.
وأما التعليل الثاني: فقد نازع فيه الشيخ أبو علي السنجي فجزم بأن الرق لا يزول بالموت، كذا رأيته في "شرح التلخيص" له.

قوله: وإذا وَفّت التركة بحقوق الله تعالى وحقوق الآدميين قضيت جميعها، وإن لم توف نظر إن تعلق بعضها بالعين وبعضها بالذمة، فيقدم ما تعلق بالعين سواء اجتمع النوعان أو تجرد أحدهما.
فإن اجتمع النوعان والكل متعلق بالعين أو بالذمة فيقدم أولًا حق الله تعالى أو حق الآدمي أو يتساويان؟ فيه أقوال ذكرناها في مواضع.
انتهى كلامه.
وحاصله تخصيص الأقوال بما إذا تعلقا معًا بالعين أو بالذمة حتى إذا مات وعليه زكاة والنصاب باق فتقدم الزكاة قطعًا، وهذا الذي جزم به هنا من التخصيص قد اختلف فيه كلامه وكلام "الروضة" أيضًا.
وقد تقدم مبسوطًا في الزكاة قُبَيْل باب أداء الزكاة فليراجع منه.

قوله: وإذا لم يكن للميت تركة فتبرع الأجنبي بالإطعام أو الكسوة عنه

الجزء: 9 - الصفحة: 120

من مال نفسه ففيه وجهان: أظهرهما: الجواز، ثم قال: وفي الإعتاق في الكفارة المخيرة طريقان: أحدهما: أنه على الوجهين.
والثاني: القطع بالمنع.
انتهى.
والصحيح من حيث الجملة: أنه لا يصح، كذا صححه هنا الرافعي في "الشرح الصغير" والنووي في "أصل الروضة"، وقد تقدم في كتاب الوصية من كلام الرافعي ما يدل عليه أيضًا.

قوله في المسألة: ووجه منع الإعتاق بمعنيين: أحدهما: أن التكفير بغير الإعتاق متيسر فلا يعدل إلى الإعتاق لما فيه من عسر إثبات الولاء.
والثاني: أن فيه إضرارا بأقارب الميت من حيث إنهم يؤاخذون بجناية معتقه فيمنع منه الأجنبي، فإن كان المعتق وارثا فوجهان بناء على المعنيين، إن قلنا بالأول: فيجوز وهو الأظهر، وإن قلنا بالثاني: فلا.
انتهى كلامه بحروفه.
والتفريع المذكور في آخر كلامه ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا وهو على العكس، والصواب أن يقول: إن قلنا بالأول: فيمتنع، وإن قلنا بالثاني: فلا، وقد ذكره في "الروضة" كذلك إلا أنه أهمل التصحيح فلم يذكره بالكلية وهو عجيب.

الجزء: 9 - الصفحة: 121

الباب الثالث: فيما يقع به الحنث

وفيه أنواع:

النوع الأول: الدخول والمساكنة

قوله: ويجوز أن لا يعد الشخص داخلًا ولا خارجًا كما أن من دخل ببعض بدنه أو خرج ببعضه لا يحنث في يمين الدخول والخروج.
انتهى.
وفي هذا الكلام تفصيل، ذكر بعضه في أثناء الحلف على الدخول.
فنقول: كلامه هذا مشتمل على مسألتين: الأولى: أن يكون خارج الدار فيحلف على الدخول، فينظر: إن حلف على الإتيان به فأدخل رأسه أو يده أو رجليه وهو قاعد ونحو ذلك لم يبر.
وإن أدخل رِجْلًا واحدة، فإن اعتمد على الخارجة -أي كان قواه عليها بحيث لو رفع الداخلة لم يسقط فإنه لا يبر أيضًا، كما قاله البغوي في "فتاويه".
وإن اعتمد على الداخلة بر، وإن اعتمد عليهما ففيه نظر.
وإن حلف على النفي فيكون الحكم بالعكس من الإثبات، فإذا أدخل يده مثلًا أو رجله من غير اعتماد لم يحنث، وإن كان مع الاعتماد حنث، فإن اعتمد عليهما ففيه نظر.
ولو اضطجع وأخرج بعض بدنه فيحتمل اعتبار الأكثر بالمساحة، ويتجه اعتباره بالنقل لأن استقراره في الحقيقة عليه فأشبه الاعتماد على الرِّجْل.

قوله: والحالف على أن لا يدخل لا يحنث بدخول الطاق المعقود خارج الباب؛ لأنه لا يقال دخل؛ وقيل: يحنث؛ لأنه من الدار، ألا ترى أنه يدخل في بيعها.
انتهى.

الجزء: 9 - الصفحة: 122

والطاق في عرف أهل بغداد رحبة خارجة عن الباب عليها عقد معقود، والباب في صدر تلك الرحبة.
قال الإمام: والذي أراه أن محل الخلاف في الطاقات التي هي أمام أبواب العظماء نهيًا للأتباع الذين لا يحجبون، فأما الأبراج التي تخرج فيه وابتدأ إلى الشارع وليست من تربيع الدار فلا يحنث بها وجهًا واحدًا.

قوله: ولو حلف لا يتزوج وهو متزوج، أو لا يتطهر وهو متطهر، أو لا يتوضأ وهو متوضيء فاستدام النكاح والطهارة والوضوء لا يحنث.
انتهى.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، وجزم في "المحرر" بالحنث، قال في "المنهاج" من "زوائده": وهذا غلط للذهول.
والأمر كما قاله، فقد نص الشافعي في "الأم" على عدم الحنث في هذه المسائل، ونقله عنه القاضي أبو الطيب في "تعليقه".

قوله في "الروضة": وهل استدامة الطِّيب تَطَيّب؟ فيه وجهان: أصحهما: لا، وذكر الوجهين في ما لو حلف لا يطأ وهو في خلال الوطء فلم ينزع، أو لا يصوم وهو شارع في الصوم، أو لا يصلي وهو في خلال الصلاة.
ويتصور ذلك في ما لو حلف ناسيًا.
انتهى.
ومقتضى هذا الكلام تصحيح عدم الحنث في الجميع، وليس مطابقًا لكلام الرافعي فإنه إنما عبر بقوله: وذكر وجهين أيضًا، أعني بدون "أل" واعلم أن مسألة الصلاة لها صورة أخرى، وهو ما إذا كان أخرس فحلف بالإشارة فإن الصلاة لا تبطل كما يعرف من كلامهم في الطلاق.

قوله: قال في "التهذيب": لو حلف لا يغصب لم يحنث باستدامة

الجزء: 9 - الصفحة: 123

المغصوب في يده.
انتهى كلامه.
وهذا الحكم الذي نقله عن "التهذيب" وأقره عليه مشكل، فإنه يصدق أن يقال: غصبته شهرًا وسنة ونحو ذلك، وقد صرح الأصحاب في باب الغصب وفي مواضع كثيرة أن الغاصب في دوام الغصب غاصب، فوجب القطع بالحنث، وقد جزم به الماوردي في "الحاوي" فلتكن الفتوى عليه.
وقد اغتر النووي بهذا النقل فظنه صحيحًا من جهة المعنى، ومجزومًا به عند الأصحاب فأطلقه في "الروضة" من غير إعزائه إلى "التهذيب" فزاد الأمر خللًا وإيهامًا فليجتنب.

قوله: ولو حلف لا يسافر وهو في السفر فتوقف أو أخذ في العود في الحال لم يحنث، وإن سافر على وجهه حنث، وكأن الصورة في من حلف على الامتناع من ذلك السفر، وإلا فهو في العود مسافر.
انتهى كلامه.
وما ذكره من حمل العود على هذه الصورة قد تابعه عليه في "الروضة" وهو ذهول عن المنقول، فقد جزم الماوردي في "الحاوي" بأنه لا يحنث، وعلله بقوله: لأنه قد أخذ في ترك السفر.
وحكى وجهين في ما لو أقام بمكانه: أحدهما: يحنث، لبقائه على السفر.
والثاني: لا، لِكَفِّه عن السير.
واعلم أنه لابد في الوقوف من النظر في أنه وقف ناويًا للإقامة أو قاصدًا لشيء لا يقطع السفر.

قوله: وأصح الوجهين أن الخيام في حق القروي بيت.
ثم قال: واعترض عليه بأن من حلف ببغداد وغيرها أن لا يركبن دابة، لا يحنث بركوب الحمار، وإن كان أهل مصر يسمونه دابة.

الجزء: 9 - الصفحة: 124

ولو كان بيوت العرب عند قوم تقتضي التعميم لكان يحنث.
انتهى.
وهذه المسألة -أعني: ركوب الحمار- قد أسقطها من "الروضة"، والحكم فيها لا يعرف إلا بتنصيص كما قاله الرافعي في الخيام، وكما قالوه في الوصية أنه يعطى إليه الحمار، وإن كان الموصي في غير مصر على الصحيح.

قوله: ولو حلف لا يسكن، فمكث مشتغلًا بأسباب الخروج، بأن انتهض لجمع المتاع، وبأمر أهله بالخروج وبلبس ثوب الخروج فهل يحنث؟ فيه وجهان: أحدهما وينسب إلى العراقيين: نعم، لأنه أقام فيها مع التمكن من الخروج.
وأرجحهما عند كثير من المعتبرين وربما لم يذكروا سواه: المنع وبه قال القفال، ويؤيده ما ذكروا أنه لو خرج في الحال ثم عاد لنقل متاع أو زيارة أو عيادة مريض لا يحنث.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن الأصح عدم الحنث كذا جزم به في "المحرر"، وقال في "الشرح الصغير": إنه الأظهر.
وفي "الروضة": إنه الأصح، ولم يُنَبِّه فيها على أنه من "زوائده" بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.
واعلم أن كلام الرافعي يقتضي التوقف في نسبة الحنث إلى العراقيين، وليس فيه وقفة فإن كتبهم مصرحة بذلك، فقد جزم به شيخهم الشيخ أبو حامد والماوردي وابن الصباغ وصاحب "البيان" حتى أنهم جعلوا المسألة خلافية بيننا وبين الحنفية.

الجزء: 9 - الصفحة: 125

الأمر الثاني: أنه قد جعل من هذه الصور الاشتغال بلبس الثياب، وفيه نظر، فقد جزم الماوردي فيه: بأنه لا يحنث مع جزمه بالحنث في الاشتغال بجمع المتاع ونحوه، وهو ظاهر فإن الاستنابة فيه ممكنة بخلاف اللبس.

قوله: فإذا قال: والله لا أساكن فلانًا، فمكث الحالف وبنى بينهما حائلًا ولكل واحد من الجانبين مدخل أو أحدثًا مدخلًا، فوجهان: أحدهما: لا يحنث لانشغاله برفع المساكنة، وهذا ما رجحه في "التهذيب".
وأصحهما عند الجمهور: الحنث، لحصول المساكنة إلى أن يتم البناء من غير ضرورة.
انتهى كلامه.
وما ذكره من ترجيح الحنث ذكر نحوه في "الشرح الصغير" أيضًا، وأطلق الأصح من غير نقله عن الجمهور، وخالف في "المحرر" فقال: أظهر الوجهين أنه لا يحنث، وتبعه النووي في "الروضة" و"المنهاج" على هذا الاختلاف.

قوله في "الروضة": الحالة الثانية: أن لا تعد المساكنة لفظًا فينظر إن نوى موضعًا معينًا من بيت أو دار أو درب أو محلة أو بلد فالمذهب والذي قطع به الجمهور: أن اليمين محمولة على ما نوى.
وقيل: إن كانا يسكنان بيتًا من دار متحدة المرافق ونوى أن لا يساكنه، حملت اليمين عليه، وإن لم يكن كذلك ولا جرى ذكر تلك المساكنة كقول صاحبه: ساكني في هذا البيت، لم يقبل قوله ويحمل اليمين على الدار.
انتهى كلامه.
وتعبيره بقوله: ولو نوى أن لا يساكنه حملت اليمين عليه، قد شاهدته بخط النووي كذلك كما هو في النُّسخ أيضًا وهو غير مستقيم، وقد سقط

الجزء: 9 - الصفحة: 126

منه شيء ذكره الرافعي.
فإنه قال: ونوى أن لا يساكنه في ذلك البيت، وهذا واضح.
وقوله كقول صاحبي إلى آخره مثال لجريان تلك المساكنة فاعلمه.

قوله: ولو حلف أنه لا يصعد السماء ففي انعقاد يمينه وجهان: أصحهما على ما نقل في "التهذيب": المنع، لأن الحنث غير متصور.
انتهى.
صحح في "أصل الروضة" ما صححه في "التهذيب".

الجزء: 9 - الصفحة: 127

النوع الثاني: لفظ الأكل والشرب

قوله في "أصل الروضة" ولو قال: لا أشرب ماء الفرات، أو لا أشرب من الفرات، فسواء أخذ الماء بيديه أو في إناء أو كرع فيه حنث.
انتهى.
وتعبيره بقوله: لا أشرب ماء الفرات، رأيته كذلك بخط النووي -رحمه الله- كما هو موجود في نُسخ "الروضة" وهو غلط، لأن المعروف في المذهب في ما إذا حلف لا يشرب ماء النهر أو الغدير أو غيرهما: أنه لا يحنث بشرب بعضه، وقد ذكره قبل ذلك بنحو صفحة، والرافعي -رحمه الله- عَبّر بقوله: لا أشرب من ماء الفرات، بالإتيان "بمن" الدَّالة على التبعيض ومع الإتيان بها لا إشكال.

قوله: ولو قال: لا أكلم زيدًا وعمرًا بغير لا.
فلا يحنث إلا إذا كلمهما؛ لأن الواو العاطفة تجعل الجميع كالشيء الواحد، وكأنه قال: لا أكلمهما، بخلاف ما إذا كرر لا فإنهما يمينان.
انتهى.
وإنما قيد العطف بالواو لأنه إن كان بالغًا كان حالفًا على كلام عمرو بعد زيد بلا مهلة حتى لا يحنث إذا كلمهما معًا أو عمرو قبل زيد أو بعده بمهلة، ولو أتى بـ"ثم" فكذلك إلا أنه بمهلة، هذا هو مقتضى اللفظ.

قوله: قال: لا آكل هذا الرغيف لم يحنث جمل بعضه، فلو بقي ما يمكن التقاطه وأكله لم يحنث.
انتهى.
وهذه المسألة قد سبقت في آخر تعليق الطلاق فقال: لو علق بأكل رغيف فأكله إلا فتاتًا، قال القاضي الحسين: لا يحنث كحبة الرمان.
وقال الإمام: إن بقي قطعة تحس ويجعل لها موقع لم يحنث.
وربما ضبط ذلك بأن يسمى قطعة خبز، وإن دق مدركه لم يظهر له أثر

الجزء: 9 - الصفحة: 128

في بر ولا حنث، والوجه تنزيل إطلاق القاضي على هذا التفصيل.
هذا لفظه فافهم منه ما يفهم.

قوله: ولو حلف لا يأكل الرؤوس أو لا يشتريها حمل على التي تميز عن الأبدان وتباع منفردة، وهي رؤوس الإبل والبقر والغنم.
فلا يحنث برؤوس الصيد أو الحيتان، فإن كانت تباع منفردة في بلده حنث بأكلها هناك، وهل يحنث جملها في غير ذلك البلد؟ فيه وجهان: رجح الشيخ أبو حامد والروياني: المنع.
والأقوى: الحنث وهو أقرب إلى ظاهر النص، ويؤيده أن رأس الإبل لا يعتاد أكله وبيعه إلا في بعض المواضع والحنث يحصل به.
انتهى ملخصًا.
وما ذكره هنا من رجحان الحنث ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا.
إذا علمت ذلك فقد وافق النووي في "الروضة" على ما قاله الرافعي، وخالف في "تصحيح التنبيه" فصحح عدم الحنث، وكلام "المنهاج" أيضًا يوهمه.

قوله: ولو أخرجت البيضة من جوف الدجاجة وهي منعقدة فأكلها حنث، ولو أخرجت بعد موتها فأكلها ففي "تعليقة المروروذي" ذكر وجهين فيه.
انتهى.
والأصح كما قاله في "زوائد الروضة": هو الحنث.

قوله من "زوائده": ولو حلف على الخبز فأكل الرقاق والبقسماط أو البسيس.
انتهى.
هكذا ذكر -رحمه الله- التصوير بدون الحكم وترك بياضًا.
فأما البسيس: فهو أن يلت السويق أو الدقيق أو الأقط المطحون بالسمن أو بالزيت ثم يؤكل من غير طبخ، كذا ذكره الجوهري.

الجزء: 9 - الصفحة: 129

وأنشد عليه قول الراجز: لا تخبزا خبرًا وبسابسًا ... ولا تطيلا بمناخ حبسًا وإذا علمت ما ذكره تفسيرًا واستدلالًا قطعت أنه لا يحنث بالبسيس، وأما البقسماط: فقد سماه الجوهري خبزًا، فقال: الكعك خبز، وهو فارسي معرب، هذا لفظه.
والبقسماط: كعك، والرقاق في معناه.
نعم أهل العرف لا يسمون ذلك خبزًا.

قوله: وهل يدخل في اليمين على اللحم ما لا يؤكل كالميتة والخنزير والذئب والحمار وغيرها؟ فوجهان: رجح الشيخ أبو حامد والروياني: المنع.
والقفال وغيره: الحنث.
انتهى.
والأقوى كما قاله في "زوائد الروضة": عدم الحنث، وجزم به الماوردي في "الإقناع"، ورجحه المتولي.

قوله في "الروضة": والمذهب أنه لا يدخل في اللحم الأمعاء والطحال والكبد والكرش والرئة.
انتهى.
هذا الكلام لا يعلم منه هل الأصح طريقة الخلاف أو القطع؟ ولا أن الخلاف في تلك الطريقة وجهان أو قولان؟ وقد بينه الرافعي بجعل الخلاف وجهين، وصحح الطريقة الذاهبة إليه.

قوله: ولو حلف لا يأكل ميتة لم يحنث بأكل المذكاة وإن حلها الموت للعرف.

الجزء: 9 - الصفحة: 130

وإن أكل السمك فوجهان: قال في "التهذيب": المذهب أنه لا يحنث للعرف.
انتهى.
أطلق في "الروضة" تصحيحه.

قوله أيضًا في "الروضة": ولو حلف لا يركب الحمار فركب حمار وحش، فوجهان بناء على أن الحمارين جنس في الربا أم جنسان؟ انتهى.
وهو غلط فاحش فإن الحمار الأهلي لحمه نجس لا يصح بيعه لا بمثله ولا بغيره حتى يجيء الخلاف في أنَّا نجعله جنسًا واحدًا أو جنسين؟ وعبارة الرافعي صحيحة لا يرد عليها شيء فإنه قال: ولو حلف لا يأكل لحم البقر حنث بالجاموس، وكذا بالبقر الوحش على الأظهر، ونقل في "التهذيب" فيه وجهين بناء على الخلاف في أنه هل يجعل جنسًا واحدًا في الربا؟ ولو حلف لا يركب الحمار فركب حمار الوحش، ففيه وجهان متعلقان بالأصل المذكور.
هذا لفظه.
وحاصله أنّا إن جعلنا بقر الوحش والأهل في باب الربا جنسًا واحدًا لأجل اتحادهما في الاسم، فالاسم متحد في الحمارين أيضًا، فيحنث بهما فإن لم ننظر هناك إلى اتحاد الاسم وجعلناهما جنسين وهو الصحيح لم ننظر إليه أيضًا هنا، فلا يحنث بهما بل بالأهلي فقط.
وهذا التخريج صحيح فغلط فيه -رحمه الله- فذكر ما ذكر.
وقد تلخص أن الراجح في الوحشي هو: الحنث بأكل بَقَرِه لا بركوب حماره.
والحكم في الثاني: يُشْكل بالحنث في خبز الأرز لمن لا يعتاده وفي بيت الشعر بالنسبة إلى الحَضَرِي.

قوله: ولو حلف لا يأكل الجوز ففي "الكتاب": أنه يحنث بالجوز

الجزء: 9 - الصفحة: 131

الهندي، وفي "التهذيب": أنه لا يحنث به.
انتهى.
لم يصحح شيئًا في "الشرح الصغير" أيضًا ولا في "الروضة" والصحيح: عدم الحنث، فقد جزم به الرافعي في "المحرر" والنووي في "المنهاج" وكذلك صاحب "الحاوي الصغير".

قوله: ولو حلف لا يأكل سويقًا فاستفه أو تناوله بملعقة أو بأصبع مبلولة حنث، ولو ماثه في الماء وشربه حنث.
انتهى كلامه.
وماث: بالميم والثاء المثلثة معناه: مرس وأذاب، تقول: مثت الشيء في الماء أموثه موثًا وموثانًا.
إذا علمت ذلك فما ذكره الرافعي من الحنث في ما إذا أماثه وشربه، غلط مخالف للعقل والنقل.
أما العقل: فلأنه شارب وليس بآكل.
وأما النقل: فقد صرح ابن الصباغ [بالمسألة] 11 وعبر بالموث أيضًا، وجزم بأنه من قسم الشرب لا من قسم الأكل، وذكر إمام الحرمين مثله أيضًا.
لا جرم أن النووي قد جزم في "الروضة" بأنه لا يحنث، ولم يُنَبّه عليه من "زوائده".

قوله: ولو حلف لا يشرب السويق فالحكم بالعكس، ولو كان السويق خاثرًا بحيث أنه يؤخذ منه بالملاعق فتحساه فقد ذكر فيه اختلاف وجه، والأشبه: أنه ليس بشرب.
انتهى كلامه.
وهذا [التردد] 12 الذي أشار إليه الرافعي ليس هو خلافًا بين

الجزء: 9 - الصفحة: 132

الأصحاب وإنما هو احتمالان للإمام، فنقله الرافعي نقل يوهم أنه خلاف محقق، ثم إنه غلط أيضًا في حكايته غلطًا يقتضي عكس الحكم، فإن الإمام جزم بأنه يطلق عليه اسم الشرب، ولكن تردد في أن اسم الأكل هل يطلق عليه أيضًا أم لا؟ فإنه قال في الباب الثاني من "جامع الأيمان" بعد ورقة من أوله ما نصه: والذي يتردد الرأي فيه أن يكون خاثرًا يتأتى تعاطيه بالملاعق ويتأتى تحسيه على خثورته فكيف الوجه؟ هذا محتمل عندي، يجوز أن يقال: تحسيه شُرب في حكم البر والحنث، ويجوز أن يقال: يتناوله اسم الأكل والشرب جميعًا، والعلم عند الله تعالى، هذا لفظه.
وهو جازم بأنه شُرب حتى يحنث به جزمًا في مسألتنا على عكس ما قاله الرافعي وتبعه عليه في "الروضة"، والذي أوقع الرافعي في هذين الأمرين هو الغزالي في "الوسيط" فإنه قال: ولو حلف لا يشرب سويقًا فصار خاثرًا بحيث يؤكل بالملاعق فتحساه ففيه تردد.
هذه عبارته من غير زيادة عليها.
وكأنه أراد فرض المسألة في الأكل فسبق القلم أو الذهن إلى الشرب غلطًا وعبر بالتردد كما عبر به الإمام إلا أنه أطلقه ولم يضفه إليه، وإطلاقه صحيح إلا أنه محتمل لأمرين ففهم الرافعي منهما غير المراد، وقد وقع في "البسيط" على الصواب فإنه حكى الأمرين كما حكاهما في "النهاية"، ولو عبر في "الوسيط" بقوله "ولو حلف لا يأكل" لاستقام وقد نَبّه ابن الرفعة في "الكفاية" على أن التردد الذي حكاه الرافعي إنما هو احتمالين للإمام.
ولا شك أن الأمر كما قاله من أن الرافعي إنما أراد التردد الذي حكاه الإمام، إلا أنه -أعني: ابن الرفعة- لم يتفطن لما وراء ذلك فوقع في

الجزء: 9 - الصفحة: 133

غلطين نبهت عليهما في "الهداية".

قوله: ومنها إذا حلف لا يأكل السكر انعقدت اليمين على عين السكر دون ما يتخذ منه إلا إذا نوى، وكذا الحكم في العسل والتمر.
ثم إن ابتلع السكر من غير مضغ فقد أكله كما لو ابتلع الخبز على هيئته.
انتهى كلامه بحروفه.
وما ذكره من الحنث بالابتلاع قد ذكر قبل هذا بنحو ورقة مثله أيضًا، لكنه ذكر ما يخالفهما معًا في باب تعليق الطلاق بعد قوله: قال: القسم الثاني في فروع التعليقات، بنحو كراس فحكى وجهين وصحح عدم الحنث، وقد سبق ذكر لفظه هناك، وذكر سبب الاختلاف فراجعه.

قوله: والعطف في قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (68)﴾ 13 لتخصيص النخل والرمان كما في قوله تعالى: ﴿وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ 14 انتهى.
لقائل أن يقول: كيف يكون هذا من باب ذكر الخاص بعد العام مع أن الفاكهة هنا نكرة في سياق الإثبات فلا تعم؟ ويجاب عنه: بأنها نكرة في سياق الامتنان، وهي تعم، كما قاله القاضي أبو الطيب.

قوله: والثمار مختصة بالرطب، وأما الفاكهة فتطلق علي الرطب كالتفاح والليمون، دون القثاء والخيار، وعلى اليابس كالتمر والزبيب، وكذا لب الفستق والبندق ونحوهما في أقرب الوجهين.
ثم قال بعد ذلك: وقال في "التتمة": الفاكهة لا تتناول اليابس

الجزء: 9 - الصفحة: 134

كالتمرة، فإن كان هذا عن تحقيق أحوج إلى إعلام "الوجيز" انتهى كلامه.
وقد ظهر منه أنه مستغرب لما في "التتمة" متوقف في إثباته مؤذن بأن غيره لم يقل به مع أنه ثابت، فقد جزم الماوردي في "الحاوي": بأن ما يزول عنه الاسم الذي كان له في حال الرطوبة كالتمر والزبيب لا يحنث به، وحكى وجهين في ما لا يزول كالتين والخوخ والمشمش.
فتحصلنا على ثلاثة أوجه قديمة.
أحدها: ما قاله المتولي، والذي قاله أوجه مما رجحه الرافعي، بل غالب ما نقله في هذا الفصل مشكل.

الجزء: 9 - الصفحة: 135

النوع الثالث: في العقود

قوله: ولو حلف لا يأكل طعامًا اشتراه زيد لم يحنث بما رجع إليه بالإقالة أو خلص له بالقسمة، وإن جعلناه مما يتعين ويحنث بما يملكه بالتولية والاشتراك والسَّلم؛ لأنها بيوع في الحقيقة والإطلاق، ولا يحنث بما يملكه بالصلح على الصحيح [الذي أورده الصيدلاني والبغوي والمتولي والروياني.
انتهى كلامه] 15. وما ذكره في السَّلم مناقض لما صححه في بابه من عدم انعقاده بلفظ البيع، والرافعي -رحمه الله- قَلّد المتولي فإنه ذكر هذه المسائل بعينها في هذا الموضع، إلا أن المتولي قد ذكر مسألة السَّلم في بابها، وفي كتاب البيع وخرجها على أن الاعتبار بصيغ العقود أو بمعانيها؟ ولم يصحح فيها شيئًا.

قوله في المسألة: ولو اشترى زيد طعامًا وعمرو طعامًا وخلطاه فأكل الحالف من المختلط فثلاثة أوجه: أحدها: إن أكل أكثر من النصف حنث وإلا فلا، وهذا عند استواء القدرين.
والثاني: لا يحنث وإن أكل الجميع؛ لأنه لا يمكن الإشارة إلى شيء بأنه اشتراه زيد.
والثالث وهو الأصح: إن أكل من المخلوط قليلًا يمكن أن يكون مما اشتراه الآخر كعشر حبات من الحنطة وعشرين لم يحنث، وإن أكل قدرًا صالحًا كالكف والكفين حنث.

الجزء: 9 - الصفحة: 136

ثم قال: وقوله: في "الكتاب": حنث إذا أكل المخلوط.
يقع ظاهره على الجميع، وإذا أكل جميع المخلوط يحنث باتفاق الوجه الأول والثالث.
وينبغي أن يعلم بالواو للوجه الثاني، ولفظ "الوسيط": إذا أكل من المختلط.
وهذا يخالف الوجوه الثلاثة، وهو بعيد في نفسه فحسن أن يأول فيحمل على الأصح.
انتهى كلامه.
وحاصله أن لفظ "الوسيط" مخالف للأوجه الثلاثة، ولفظ "الوجيز" يوافق بعضها، وهو عجيب فإن لفظ "الوجيز" يخالف الثلاثة أيضًا فإن مدلوله أنه يحنث بأكل الجميع، ولا يحنث بأكل البعض، وهذا ليس واحدًا من الثلاثة فتأملها.
وأما كلام "الوسيط" فإنه لم يتعرض لتصويره بحث ولا غيره، فيحتمل أن يكون قد أراد المائعات أو الأدقة ونحوها فإنّ لنا وجهًا أنه يحنث بأكل القليل منه لامتزاجه، حكاه الماوردي وقال: إنه مذهب البصريين، وهو وجه متجه ينبغي الجزم به.

قوله: حلف لا يشتري أو لا يبيع، فوكل من باع أو اشترى له، أو لا يضرب عبده، فأمر من يضربه، أو حلف الأمير أو القاضي لا يضرب، فأمر الجلاد فضرب لم يحنث.
انتهى.
واعلم أن الرافعي في باب الخلع قد ذكر عن المتولي فرعًا مُقَيِّدًا لما أطلقه هنا وأقره عليه فينبغي استحضاره فقال: إذا قال: متى أعطيتني ألفًا فأنت طالق، فبعثته على يد وكيلها فقبضه الزوج لم تطلق لأنها لم تعط هي، ولو حضرت وقالت لوكيلها الحافظ لمالها: سَلِّم إليه، فَسلَّم طُلِّقت، وكأن تمكينها الزوج من المال المقصود إعطاء.

قوله: ولو حلف لا ينكح أو لا يتزوج، فوكل به فقبل له الوكيل، ففي حنثه وجهان، الذي أورده الصيدلاني وصاحب "الكتاب": أنه لا يحنث

الجزء: 9 - الصفحة: 137

كالبيع، والذي أورده صاحب "التهذيب": هو الحنث، لأنه هنا سفير محض.
انتهى.
لم يصحح شيئًا في "الشرح الصغير" ولا في "الروضة" هنا، والصحيح: هو الحنث، كذا جزم به الرافعي في كتاب النكاح في باب بيان الأولياء في الكلام على التوكيل فيه، وجزم به أيضًا في "المحرر" هنا وتبعه عليه في "المنهاج".
نعم جزم صاحب "التنبيه" بأنه لم يحنث ولم يستدرك عليه في تصحيحه.

قوله: ولو قبل لغيره نكاح امرأة فقضية الوجه الأول: أن يحنث، وقضية الثاني: أنه لا يحنث.
انتهى كلامه.
وهذا التخريج الذي ذكره من عنده قد تابعه عليه في "الروضة" وقد صرح الإمام في "النهاية" بالمسألة، وجزم بأنه لا يحنث وعلله بأنه لا يطلق عليه اسم التزويج المطلق، بل يقال: تزوج لغيره، ولهذا لابد من التصريح في العقد بالسفارة.
ثم قال: وقد قطع الأصحاب بهذا في الطريق هذه عبارته.
ثم نقل عن الصيدلاني ما يخالفه وخطأه فيه، وجزم به أيضًا الغزالي وهو واضح فوجب اعتماده للنقل والدليل.

قوله: وبمثله -أي عدم الحنث- أجاب في "الكتاب" في ما إذا قال: لا أكلم امرأة تزوجها زيد، وكلم امرأة قبل نكاحها لزيد وكيله، لكن هذا مبني على جوابه في المسألة السابقة، فإن قلنا: يحنث هناك حنث أيضًا هنا.
انتهى.
وما ذكره الغزالي في هذه المسألة قد نقله الإمام عن الأصحاب، قال: وهو القياس.

الجزء: 9 - الصفحة: 138

ونقل عن الصيدلاني: أنه يحنث، والصيدلاني قد تقدم عنه في المسألة السابقة موافقة الغزالي فكيف يستقيم تخريج هذه عليها؟ !

قوله: فروع: إذا حلف لا يحلق رأسه، فأمر غيره فحلقه ففيه طريقان: أحدهما: أنه كما إذا قال: لا أبيع، وأمر غيره بالبيع، وفيه الخلاف، أي والصحيح فيه أنه لا يحنث.
والثاني: القطع بالحنث لاطراد العُرف في الحلق بذلك.
انتهى كلامه.
والصحيح هو الحنث كذا جزم به الرافعي في كتاب الحج من شرحيه "الكبير" و"الصغير" في باب محرمات الإحرام في الكلام على تحريم الحلق.

قوله: ولو حلف لا يبيع لى زيد مالًا فوكل الحالف رجلًا بالبيع وأذن له في التوكيل فوكل الوكيل زيدًا حتى باعه حنث الحالف سواء علم زيد أم لم يعلم؛ لأن اليمين منعقدة على فض فعل زيد وقد فعل زيد باختياره.
انتهى.
وما أطلقه من الحنث عند جهل زيد تبعه عليه في "الروضة" وهو غير مستقيم، بل الصواب الجاري على القواعد أنه إن كان ذلك الغير لا يأثم بأمره [حنث، وإن كان يأثم بأمره] 16 فعلى القولين في الناسي.

قوله: هذا في ألفاظ المعاملات، وسيأتي خلاف في أنه هل يحمل لفظ العبادات على الصحيح كما إذا حلف لا يصوم ولا يصلي؟ ولا خلاف في أنه إذا حلف لا يحج يحنث بالحج الفاسد لأنه منعقد يجب المضي فيه كالصحيح.
انتهى كلامه.
وفيه أمور: أحدها: أن ما ذكره من وقوع خلاف يأتي بعد هذا في حمل العبادات

الجزء: 9 - الصفحة: 139

على الصحيحة، قد تابعه عليه في "الروضة" وهو سهو لا ذكر له، بل جزم بحملها على الصحيح، فإذا حلف مثلًا لا يصلي فأحرم بصلاة فاسدة لا يحنث، وإن أحرم بصحيحة ثم فسدت فيبني على أن اسم الصلاة هل يصدق بالإحرام أو بالركوع أو بالفراغ؟ فيحنث على الأول، ولا يحنث على الأخير.
وأما الثاني: فإن فسدت بعد الركوع حنث وإلا فلا [وهذا البناء أيضًا موافق لما جزموا به من اشتراط الصحة] 17، وقد ذكر قبل ذلك في ألفاظ العقود مثله أيضًا حتى إذا حلف لا يبيع [لا يحنث ببيع] 18 الخمر، فلو قال: لا أبيع الخمر، فكذلك على الصحيح، وقيل: يحنث ببيعه.
نعم حكى الرافعي في الطلاق في الكلام على المسألة السريجية في موضعين منها خلافًا في أن اللفظ عند الإطلاق يتناول الصحيح والفاسد أم يختص بالصحيح؟ إلا أنه في أحد الموضعين قيده [بألفاظ العقود وأطلق في الآخر، وذكر نحوه أعني الخلاف] 19 في لفظ العقود قُبَيل الصداق بأوراق في الكلام على نكاح العبد، واقتضى كلامه هناك أنه وإن تناوله فلا يحنث به بلا خلاف.
الأمر الثاني: إذا حلف لا يحج، فأحرم ثم جامع فإنه يحنث بالإحرام وذلك قبل حصول الإفساد، وحينئذ فكيف صورة الحنث بالحج الفاسد؟ ، وصورته ما إذا أحرم بالعمرة ثم أفسدها ثم أدخل عليها بالحج فإنه ينعقد فاسدًا على الصحيح، كذا ذكره الرافعي في الكلام على سنن الإحرام، ويتصور أيضًا في ما إذا حلف لا يحج حجة، ولا يصور بما إذا أحرم

الجزء: 9 - الصفحة: 140

وهو مجامع، فإن القول بانعقاده فاسدًا، وجه مرجوح كما نبينه في موضعه.
الأمر الثالث: أنّا قد فرقنا بين الفاسد والباطل في أبواب من العقود، منها: الخلع، ولا شك أنه كالصحيح في الحنث له لأن البينونة قد حصلت وملكت نفسها وحلت للأزواج.
ومثله: الوكالة الفاسدة كما إذا سمى لها عوضًا فاسدًا ونحوه، وأما الكتابة الفاسدة فلا يتجه الحنث بها لأن أثرها لم يحصل قبل الإعطاء، وأما العتق الحاصل بعده فإنه لأجل التعليق.

قوله: منها: إذا حلف لا يهب فيحنث بكل تمليك في الحياة خال عن العوض، ثم قال: ولا يحنث بالضيافة، لأنه لا تمليك فيها على الصحيح.
قال في "التتمة": وفيها وجه يصير بناء على أنه يملك الضيف الطعام الذي يأكله.
انتهى.
وما ذكره هنا من كون الضيف لا يملك واستبعد خلافه غريب، فقد سبق في باب الوليمة أن الجمهور على كونه تَمَلّك، وقد تقدم هناك الكلام عليه مبسوطًا.

قوله: ولو تم الإيجاب والقبول ولم يقبض فوجهان: أظهرهما عند المتولي: أنه يحنث، لأن الهبة قد تحققت والمتخلف الملك.
وعند صاحب "التهذيب": أنه لا يحنث؛ لأن مقصود الهبة لم يحصل.
انتهى.
صحح الرافعي في "المحرر": أنه لا يحنث، وعبر بالأظهر، وصححه النووي في "زوائد الروضة"، والمسألة نظير البيع المستعقب لخيار المجلس والشرط.

الجزء: 9 - الصفحة: 141

وقد قالوا: إن اليمين المتعلقة به يدور الحنث والبر فيها على وقوعه سواء انفسخ أم لم ينفسخ، لا على المقصود منه وهو حصول الملك، فإذا قال السيد: إن بعت هذا فهو حر فباعه عتق في الحال، سواء قلنا: الملك للبائع أو للمشتري أو موقوف، كذا ذكره الرافعي في الباب السابع في تعليق الطلاق في أوائل الطرف السابع المعقود لأنواع من التعليق، وتبعه عليه في "الروضة" وعلل العتق على قول ملك المشتري بأن البائع يجوز له الفسخ وإعتاقه فسخ ويعود الملك بالإعتاق إلى البائع، والذي قالوه هناك أصوب من المذكور هنا ويؤيده أيضًا ما ذكره الرافعي في الإقرار: أن الإقرار بالهبة ليس إقرارًا بالقبض على المشهور، وقيل: إن كانت العين في يد الموهوب له فالقول قوله.
وذكر أيضًا في أواخر الرهن في الاختلاف في قبض المرهون مثله.

قوله: ولو حلف لا يعتق عبدًا فكاتبه فعتق بالأداء لم يحنث، ذكره ابن القطان.
انتهى.
وما نقله من عدم العتق قد تابعه عليه في "الروضة" إلا أن القاعدة: أن تعليق العتق مع وجود الصفة إعتاق، سواء كانت الصفة من فعل السيد أم لا.
كذا صرح به في تعليق الطلاق في الكلام على نظيره، وهو أن تعليق الطلاق مع وجود الصفة تطليق، وهو في أثناء الطرف التالي المعقود للتعليق بالتطليق، وقد صرح الرافعي هناك بأن الخلع تطليق وإن كان متوقفًا على قبولها، قال: وإنما لم يقع الطلاق المعلق على التطليق لبينونتها، فتلخص أن الصواب: أن هذا إعتاق ويحنث به هاهنا.

قوله: ولو حلف لا مال له، وله مكاتب، لم يحنث في أصح الوجهين لأنه كالخارج عن ملكه، ويحنث بأم الولد في أصح الوجهين، لأن رقبتها مملوكة له، ولسيدها منافعها، وأرش الجناية عليها، ثم قال ما نصه: وفي

الجزء: 9 - الصفحة: 142

"البيان" طريقة قاطعة بأنه لا يحنث بالمكاتب.
انتهى كلامه.
وهذا النقل عن "البيان" ليس مطابقًا للذي فيه، فإنه لما ذكر الحلف على أنه لا مال له لم يذكر فيه المكاتب بالكلية، إنما ذكر ذلك في الباب في الحلف على أنه لا عبد له.
فقال بعد فراغه من الكلام على أنه لا مال له: فرع: وإن حلف لا يملك عبدًا وله مكاتب فمن أصحابنا من قال: فيه قولان، ثم قال: ومنهم من قال: لا يحنث قولًا واحدًا، هذا كلامه وهي مسألة أخرى غير مسألة الرافعي، وهل حكمهما واحد أم لا؟ فيه نظر يحتاج إلى نقل، وذكر في "المهذب" مثل ما في "البيان".
واعلم أن الخلاف المذكور في المكاتب مُفَرّع على قولنا: أنه باق على ملك السيد، وفيه ثلاثة أوجه حكاها في الكفاية هنا: أحدها: هذا، وهو المشهور.
وثانيها: أنه مملوك لا مالك له كسترة الكعبة.
وثالثها: أنه مملوك لنفسه ولم يعتق لأن ملكه لم يكمل.

قوله: ولو كان يملك منفعة بوصية أو إجارة لم يحنث على الصحيح.
انتهى.
وما صححه من عدم دخول المنفعة في المال، قد جزم بخلافه في كتاب الوصية فقال: الأموال تنقسم إلى أعيان ومنافع، هذا لفظه، وتبعه في "الروضة" على الموضعين.

قوله: ولو جنى عليه عمدًا فلم يقبض ولم يعف قال في "البيان": يحتمل أن يبني على أن موجب العمد ما إذا قلنا: القود، لم يحنث، وإن قلنا: القود أو المال، حنث، وقد يتوقف في هذا.
انتهى.
قال في "الروضة" من "زوائده": الصواب الجزم بأنه لا حنث.

قوله: ولو حلف لا ملك له حنث بالآبق، والمغصوب وبأم الولد

الجزء: 9 - الصفحة: 143

وبالوقف إن قلنا: يملكه، وبالمنفعة المستحقة وبالدين، وقياس ما سبق مجيء الخلاف في الآبق والمغصوب، وإن كان في نكاح الحالف امرأة ففي "التتمة": إن الحنث يبنى على أن النكاح هل فيه ملك أم هو عقد حل؟ فإن قلنا: فيه ملك، حنث.
انتهى كلامه.
وما نقله -رحمه الله- في أم الولد وما بعده إلى الكلام على المرأة قد سقط من "الروضة" فقال ما نصه: فرع: حلف لا ملك له حنث بالآبق والمغصوب، وإن كان له زوجة قال المتولي: يبنى على أن النكاح هل هو عقد تمليك أو عقد حلّ؟ فإن قلنا: تمليك حنث.
قلت: المختار أنه لا حنث إذا لم تكن نية؛ لأنه لا يفهم منه الزوجة.
هذا لفظه.
وكأنه انتقل نظره حالة الاختصار من المغصوب إلى المغصوب، أو سقط من النسخة التي اختصر منها.

قوله في المسألة من "زوائده": وينبغي أن لا يحنث بالكلب والسرجين وغيرهما من النجاسات، ولا بالزيت النجس إذا لم نجوز بيعه.
انتهى.
وما اقتضاه كلامه من انتفاء الملك عن الزيت النجس مردود؛ لأنه قد كان قبل التنجيس مملوكًا له، ووقوع النجاسة لم تخرجه عن طهارة العين وإنما منعت بيعه، ومنع البيع لا يلزم منه عدم الملك بدليل أم الولد، والحبة من الحنطة والموقوف إذا ملكناه للآدمي وغير ذلك.
واعلم أن الماوردي قد حكى ثلاثة أوجه في دخول الاختصاصات في مسمى الملك.
ثالثها: إن صدق عليه هذا الاسم قبل ذلك، ويصدق عليه أيضًا بعده كجلد الميتة، فإنه يسمى مالًا وإلا فلا.

الجزء: 9 - الصفحة: 144

النوع الرابع: في الإضافات

قوله: ولو حلف لا يدخل مسكن فلان، حنث بدخول مسكنه المملوك، والمستعار والمستأجر، وفي المغصوب وجهان: أحدهما: لا يحنث لأنه لا يسكن، وحكى الإمام فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يحنث؛ لأنه المستحق لسكناه.
وأصحها: وبه أجاب الصيدلاني: المنع؛ لأنه ليس مسكنه حقيقة.
وثالثها: أنه إن سكنها يومًا أو ساعة حنث؛ لأنه أعده مسكنًا وهو على استحقاقه وإلا فلا.
انتهى.
هذا موجود في نسخ الرافعي، وهو غير منتظم من وجوه يرجع بعضها إلى التصوير، وبعضها إلى التعليل، وبعضها في حكاية الأوجه، فقد انكشف الغطاء عن ذلك بحمد الله تعالى، وظهر أن سبب هذا الخلط وعدم الانتظام سقوط شيء من كلام الرافعي عُلِمَ من "الشرح الصغير"، فإنه قال: وفي المغصوب وجهان: وجه المنع: أنه لا حق له فيه حتى يضاف إليه، والأصح: الحنث فإنه لا يسكنه، وفي ملكه الذي لا يسكنه ثلاثة أوجه: أحدها: يحنث، لأنه يستحق سكناه.
. . . إلى آخر المسألة.
هذا لفظ الرافعي بحروفه.
وقد ظهر منه أن الساقط عجز المسألة الأولى وصدر الثانية.
وقد اختصره في "الروضة" باجتهاده فقال: وفي المغصوب وجهان: لأنه لا يملك سكناه، قلت: أصحهما الحنث، والله أعلم.
وفي دخول داره التي لا يسكنها أوجه إلى آخره.
هذه عبارته، وهو اجتهاد حسن وقد وقع لنا مثل ذلك أيضًا في السقط وبيانه من "الشرح

الجزء: 9 - الصفحة: 145

الصغير" واختصار النووي له باجتهاده.

قوله: حلف لا يدخل دار زيد، فباع زيد داره ثم اشترى غيرها، قال الصيدلاني: إن قال: أردت الأولى بعينها، لم يحنث بدخول الثانية.
وإن قال: أردت أي دار تكون في ملكه، حنث بالثانية دون الأولى.
وإن قال: أردت أي دار جرى عليها ملكه، حنث بأيهما دخل.
انتهى كلامه.
وسكت عن حالة الإطلاق، وقد نقل في "الكفاية" عن "زيادات العبادي": أنه لا يحنث بدخول الثانية في أظهر الوجهين.
ونقل عن "تهذيب البغوي": عكسه، فقد راجعت "الزيادات" و"التهذيب" فرأيت فيهما ما يدل على ما ذكره إلا أنهما ليسا صريحين في ذلك.

قوله: وإذا حلف لا يلبس ثوبًا حنث بلبس الرداء، ثم قال: ولا يحنث بوضع الثوب على الرأس، ولا بأن يفرشه ويرقد عليه، فإن ذلك ليس بلبس، ولو تَدَثّر به، قال في "الكتاب": فيه نظر، وأراد به تردد وجه، أحد الوجهين: أنه يحنث؛ لأن المتلفف في الدِّثار قريب من الارتداء.
وأظهرهما: المنع لأنه لا يسمى لبسًا.
انتهى كلامه.
وما ذكره في التَّدَثُر محله فيما إذا تَدَثَّر بقميص ونحوه، فأما إذا تَدَثَّر بقباء أو فرجية ففيه تفصيل نقله عن الإمام في تحريمه على المحرم وأقره عليه فقال: إن أخذ من بدنه ما إذا قام عُدّ لابسه لزمه الفدية، وإن كان بحيث لو قام أو قعد، لم يستمسك عليه إلا بمزيد أمر فلا انتهى.

الجزء: 9 - الصفحة: 146

تابعه في "الروضة" على نقل هذا التفصيل وسكوته عليه، وحينئذ فيجري مثله هاهنا ويحمل إطلاق الرافعي على ما تقدم، ولأجل هذا صرح الغزالي في "الوجيز" بتصويره في القميص.

قوله: فرع: حلف لا يلبس الخاتم فجعله في غير الخنصر من أصابعه، فعن المزني في "الجامع الكبير": أنه لا يحنث، لأن الخاتم في العادة لا يلبس في غير الخنصر، وعلى هذا الجواب جرى صاحب "التهذيب" وقاسه على ما إذا حلف أن لا يلبس القلنسوة فجعلها في رجله.
والذي حكاه الروياني عن الأصحاب: أنه يحنث.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة"، وفيه أمران يعلمان من كلام في الوديعة: أحدهما: أن الراجح ما قاله البغوي.
الأمر الثاني: أن محل هذا الخلاف في الرجل أما المرأة فتحنث جزمًا.
وقد سبق لفظ الرافعي هناك لغرض يتعلق به فراجعه، وسكت الرافعي عن حكم الخنثى، وقد سبق هناك بيان حكمه.

قوله: إذا حلف لا يخرج فلان أو زوجته بغير إذنه أو إلا بإذنه فخرج بغير إذنه حنث، وإن خرج بإذنه لم يحنث.
وهكذا لو قال: حتى آذن أو إلى أن آذن، أو إلا أن آذن وعلى التقديرين يَنْحَلّ اليمين حتى لو خرج بعد ذلك بإذن أو بغير إذن لم يحنث، وفي ما إذا قال: بغير إذني، أو إلا بإذني، قول أنها لا تَنحَل إلا بخروجها بالإذن، واختاره المزني والقفال، لأن المحلوف عليه هو الخروج بغير الإذن ولم يوجد، فأشبه ما إذا قال: إن خَرَجْت لابسة الحرير فأنت طالق، فخرجت غير لابسة فإن اليمين لا تَنْحَلّ، ووجه ظاهر المذهب

الجزء: 9 - الصفحة: 147

بوجهين: أحدهما: أن اليمين تعلقت بَخَرْجة واحدة وهي الأولى، وتلك الخَرْجَة إذا كانت بغير إذن توجب الحنث، فإن كانت بإذن حصل البر وارتفعت اليمين، ويؤيده أنه لو قال: إن كان خروجك الأول بغير إذني فأنت طالق، فخرجت أولًا بإذنه، ثم خرجت بغير إذنه لا يحنث.
والثاني: ذكر أبو الحسن العبادي أن القاضي الحسين -رحمه الله- قال: راجعت غير واحد من عِلْيَة أصحابنا -رحمهم الله- في تعليل هذه المسألة فلم أظفر بمقنع.
وعلله من جاء بعده بأن هذه اليمين لها جهة بر وهي الخروج بالإذن، وجهة حنث وهي الخروج بغير الإذن؛ لأن الاستثناء يقتضي النفي والإثبات جميعًا.
وإذا كانت لليمين جهتان ووجدت إحداهما تَنْحَلّ اليمين، ألا ترى أنه لو حلف على أنه لا يدخل الدار اليوم أو ليأكلن هذا الرغيف غدًا فإنه إن لم يدخل الدار في ذلك اليوم فإنه يبر، وإن ابتغى أكل الرغيف، وكذا إذا أكل الرغيف انحلت اليمين حتى لا يحنث، وإن دخل الدار ذلك اليوم.
انتهى ملخصًا.
وما ذكره -رحمه الله- من أن اليمين تعلقت بالخَرْجَة الأولى عجيب، فإنه مجرد دعوى لا دليل عليها بل قام الدليل على خلافها، وإنما تعلقت اليمين بأول خَرْجَة توجد بغير الإذن سواء كانت هي الأولى مطلقًا أم لم تكن، واستدل الرافعي عليه بقوله: ويؤيده أنه لو قال: إن كان خروجك الأولى.
. . . إلى آخره، عجيب أيضًا فإن هذا قد صرح فيه بالأولية، ومما يدل على أن اليمين ليست متعلقة بالأولى بخصوصها أنه لو

الجزء: 9 - الصفحة: 148

كان كذلك لكان يلزم أن تَنْحَلّ اليمين إذا وجد الخروج الأول مع النسيان، مع أن أشبه الوجهين كما قاله الرافعي بعد هذا بأوراق: أنها لا تَنْحَلّ، وعلله بأنّا إذا لم نحنثه لم نجعل يمينه متناولة لما وجد، وهذا التعليل الذي ذكره بعينه موجود في مسألتنا فيلزمه التسوية بينهما بلا شك، والأقرب إلحاق مسألتنا بتلك حتى يحنث فيهما جميعًا.
وأما التعليل الثاني: فإن كان المراد بقوله "جهة بر" أي: جهة يخرج بها من يمينه وتَنْحَلّ بها اليمين فلا يسلم أن الخروج بالإذن بهذه المثابة، فإن ذلك تعيين محل النزاع والذي يقول بهذه المثابة أنها إذا خرجت بعده بغير الإذن مطلق لا يسلم انحلال اليمين بخروجها بالإذن، وإن كان المراد بقوله: "جهة بر" [أي: جهة لا يحنث بها فمسلم، لكن لا يلزم من وجود ما لا يحنث به أن لا يحنث] 20 بعد ذلك لوجود ما دخل في يمينه.
وقول الرافعي: "عِلْيَة أصحابنا" هو بعين مهملة مكسورة ولام ساكنة وياء مفتوحة بنقطتين من تحت، وهو جمع لعلي مشدد الياء وهو الشريف الرفيع، يقال: رجل علي ورجال علية كصبي وصبية.
قاله "الجوهري".

قوله: ولو قال: إن خرجت بغير إذني لغير عبادة فأنت طالق، فخرجت لعبادة ثم عرضت حاجة فاشتغلت بها لم تطلق، وإن خرجت لعبادة وغيرها، فالمذكور في "الشامل" والمنسوب إلى نصه أيضًا في "الأم": أنه لا يحنث، وذكر صاحب "التهذيب": أنه الأصح، ويشبه أن يقال: إن كان المقصود من قوله: "لغير عبادة" ما هو بمعزل عن العبادة فلا يحنث، وهذا هو السابق إلى الأفهام، وإن كان المقصود ما يغايره في الحقيقة فمجموع العبادة

الجزء: 9 - الصفحة: 149

والحاجة الأخرى يغاير مجرد العبادة.
ولو قال: إن خرجت إلا لعبادة، فينبغي أن يحنث، لأنه يصدق أن يقال: لم تخرج للعبادة، وإنما خرجت لها ولغيرها.
انتهى كلامه.
وقد اختلف كلام "الروضة" في هذه المسألة اختلافًا عجيبًا فقال هنا من "زوائده": قلت: الصواب الجزم بأنه لا يحنث، والله أعلم.
وقال من "زوائده" أيضًا في أواخر تعليق الطلاق: قلت: الأصح الوقوع، وممن صححه الشاشي، والله أعلم.
وقد سبق ذكر الأصل والزيادة في موضعها، وجزم البندنيجي والشيخ أبو حامد بعدم الوقوع، وجزم بالوقوع المحاملي وصححه الماوردي.

الجزء: 9 - الصفحة: 150

النوع الخامس: في الكلام

قوله في "الروضة": حلف لا يكلمه فكتب إليه كتابًا أو أرسل إليه رسولًا فقولان: الجديد: لا يحنث، ومنهم من قطع به.
وقيل القديم: إنما هو إذا نوى بيمينه المكاتبة، وقيل: القولان في الغائب، فإن كان معه في المجلس لم يحنث قطعًا.
انتهى كلامه.
وحاصله حكاية أربع طرق، ولم يذكر الرافعي ذلك ولا يصح مجيئه أيضًا، بل المذكور فيه وهو الصواب: إنما هو ثلاث فقط، وجعل الثالث الذي في "الروضة" حملًا من صاحب الطريقة الثانية، وعبر بقوله: "وقال" عوضًا عن قول "الروضة".

قوله: وهجران المسلم حرام فوق ثلاثة أيام، قال في "الروضة": هذا إذا كان الهجر لحظوظ النفوس وتعنتات أهل الدنيا، فأما إذا كان المهجور مبتدعًا أو مجاهرًا بالظلم والفسق فلا يحرم مهاجرته أبدًا، وكذا إذا كان في المهاجرة مصلحة دينية.
انتهى.
وكلامه يقتضي أن المبتدع لا فرق فيه بين أن يكون مجاهرًا ببدعته أم لا، بخلاف الظالم والفاسق، والصواب التسوية، وقد سَوّى بين المبتدع والفاسق في أول باب الشقاق بين الزوجين في جواز الهجران من غير شرط، فقال: فإن كان عذر بأن كان [المهجور] 21 مذموم الحال لبدعة أو فسق أو نحوهما، أو كان فيه صلاح لدين المهاجر أو المهجور فلا يحرم، وعلى هذا ما ثبت من هجر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كعب بن مالك وصاحبيه، ونهيه

الجزء: 9 - الصفحة: 151

  • صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصحابة عن مكالمتهم.
    انتهى.
    وقد ذكر هناك عن الإمام أنه ذهب إلى أنه لا يحرم ترك الكلام أصلًا، لكن إذا تكلم فعليه أن يحنث.

قوله: وإن كانت مواصلتهما قبل ذلك بالكتابة والمراسلة فيرتفع الإثم بها، وإلا فإن تعذر الكلام لغيبة أحدهما عن الآخر فكذلك، وإلا ففيه وجهان بناء على القولين الجديد والقديم، حتى لو حلف أن يهاجر فلانًا فهل يحنث بالمكاتبة والمراسلة؟ فيه هذا الخلاف.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن ظاهر البناء يقتضي رجحان بقاء التحريم مع المراسلة والمكاتبة وعدم الحنث بهما؛ لأن الجديد: أن المكاتبة والمراسلة ليستا من قبيل الكلام، وقد صرح بالأول في "الروضة" من "زوائده"، فقال: والأصح: أنه لا يزول التحريم بالمكاتبة والمراسلة.
نعم صحح الرافعي في "الشرح الصغير" خلافه فقال: فيه وجهان بناء على القولين، والظاهر: الحنث وأن إثم المهاجرة المحرمة يرفع بهما.
الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" قد عبر بقوله: حتى لو حلف لا يهاجره، أعني بصيغة "لا" كذا رأيته بخطه والصواب ما في الرافعي.

قوله: ولو حلف لا يكلمه، فسَلّم عليه، حنث، فإن سلم على قوم وهو فيهم، واستثناه باللفظ لم يحنث، وإن استثناه بالنية فكذلك، وذكر فيه قولا آخر.
وإن أطلق: حنث في أظهر القولين عند الشيخ أبي حامد.
انتهى ملخصًا.
والصحيح ما صححه أبو حامد المذكور، فقد قال بعد هذا بأوراق في

الجزء: 9 - الصفحة: 152

الحلف على السلام: إنه الظاهر، وقال هنا في "الشرح الصغير" وأصل "الروضة": إنه الأظهر.

قوله: ولو صلى الحالف خلف المحلوف عليه فسبح لسهوه أو فتح عليه القراءة لم يحنث، ولو قرأ آية فُهِمَ منها مقصوده لا يحنث إن قصد القراءة وإلا فيحنث.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره في التسبيح والفتح من عدم التفصيل مع التفصيل في المسألة التي بعدها كالصريح في أنه لا فرق في التسبيح والفتح بين أن يقصد أم لا، مع أنه قد ذكره في إبطال الصلاة، فإذا ألحقه بالكلام وهو يقصد إفهامه به لزم الحنث.
الأمر الثاني: أن المسألة الثانية وهي فهم المقصود من الآية فيها كلام سبق في شرائط الصلاة فراجعه.

الجزء: 9 - الصفحة: 153

النوع السادس: في تأخير الحنث وتقديمه

قوله: إحداهما: حلف ليأكلن هذا الطعام غدًا فتلف قبل الغد، فيخرج على قولي المكره.
فإن قلنا: يحنث، فهل يحنث في الحال بحصول اليأس أو بعد مجيء الغد لأنه وقت البر والحنث؟ فيه قولان أو وجهان، والذي أورده ابن كج هو الثاني، والخلاف كالخلاف في ما لو حلف ليصعدن السماء غدًا.
قال في "التتمة": وفائدة الخلاف أنه لو كان معسرًا يكفر بالصوم، جاز أن ينوي صوم الغد عن كفاراته إن قلنا: يحنث قبل الغد.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن النووي في "الروضة" قد تابعه على التردد بين القولين والوجهين من غير ترجيح، والمعروف أنهما وجهان، فقد جزم به الرافعي قبل ذلك في النوع الثاني المعقود للأكل والشرب، وجزم به أيضًا في كتاب الصيام من "الروضة".
الأمر الثاني: أن الراجح هو الوجه الثاني وهو الحنث في الغد، كذا رجحه الرافعي في النوع المذكور، فقال: ويشبه أنّ ترجيح الثاني هنا أي في هذه المسألة ونحوها، وهو ما إذا تعلق المستحيل بوقت معين بخلاف ما إذا كان مطلقًا كما إذا قال: والله لأصعدن السماء، أو لأشربن ماء النهر، فإن الأصح أنه يحنث من الآن.
ومن فوائد الخلاف أيضًا كما قاله في "النهاية" و"البسيط" وقد تبعه عليه في "الروضة" أيضًا: ما لو مات الحالف قبل مجيء الغد أو أعسر، وقلنا: يعتبر في الكفارة حال الوجوب.

قوله في المسألة: فإن قلنا: لا يحنث قبل مجيء الغد، فهل يحنث إذا

الجزء: 9 - الصفحة: 154

مضى من الغد زمن إمكان الأكل أو قُبيل غروب الشمس؟ وجهان أصحهما عند البغوي: الأول.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن الراجح هو ما صححه البغوي، وقد صححه الإمام أيضًا وبالغ في تضعيف مقابله، وصححه أيضًا غيره.
الأمر الثاني: أن ما نقله من الحنث قُبيل الغروب على الوجه الآخر فإنه خلاف المعروف، ففي "الحاوي" و"النهاية" و"البسيط" وغيرها: أنه بعد الغروب.
وحكى الماوردي وجهًا رابعًا: أنه يحنث بمجرد طلوع الفجر، وعلله بأنه أول وقت البر فأشبه الصلاة التي يكون خروج وقتها دليلًا على وجوبها [بأوله] 22.

قوله: ولو قال: لأقضين حقك إلى أيام، ففي "المجرد" للقاضي أبي الطيب: أنه يحمل على ثلاثة أيام، وعلى هذا جرى الصيدلاني، وصاحب "التهذيب" وغيرهما، وقال آخرون منهم المحاملي: هو كالحين لأنه يقع على القليل والكثير، فيقال: أيام الفتنة.
انتهى.
وقد ذكر الرافعي في آخر تعليق الطلاق نقلًا عن البشنجي أنه لو حلف ليصومن أزمنة بر بيوم لاشتماله على أزمنة، ولو حلف ليصومن الأيام فيحمل على أيام العمر أو على ثلاثة أيام وهو الأولى، هذا كلامه.
والذاهب هناك إلى أيام العمر لا يأبى ما ذهب إليه هنا، لكن الذاهب هنا إلى إلحاقه بالحين يلزم اطراده هناك، وقد صحح في "الروضة" هنا الأول، قال: لأنه المفهوم عند الإطلاق، وأما أيام الفتنة ونحو ذلك فدلت عليه القرينة.

الجزء: 9 - الصفحة: 155

النوع السابع: في الخصومات

قوله: وإذا حلف لا يفارق غريمه حتى يستوفي حقه فلم يفارقه بل فارقه الغريم، فالظاهر وهو المشهور: أنه لا يحنث الحالف سواء تمكن من منعه أو من متابعته أو لم يتمكن؛ لأنه حلف على فعل نفسه فلا يحنث بفعل الغريم.
انتهى.
وما ذكره هنا من أنه لا عبرة بالتمكن، قد خالفه في "المحرر" فإنه شرط لعدم الحنث أن لا يتمكن فقال: وإن هرب صاحبه ولم يمكنه أن يتبعه لم يحنث.
هذا لفظه واستدرك عليه في "المنهاج" وصحح كما في "الروضة".

قوله: ولو قال لغريمه: والله لا يفارقني، فاليمين منعقدة على فعل الغير، ثم قال ما نصه: فإن فارقه ناسيًا أو مكرهًا خرج الحنث على القولين، ونقل صاحب "التهذيب" طريقة أخرى قاطعة بأنه يحنث، والاختيار يعتبر في فعل الحالف لا في فعل غيره.
انتهى كلامه.
وما ذكره من التخريج على القولين قد تابعه عليه في "الروضة" وهو غير مستقيم، فإنه قد سبق في الطلاق أنه إذا حلف على فعل غيره ففعل ذلك الغير الشيء المحلوف عليه ناسيًا أو مكرهًا فإن كان ممن لا يبالي بالحالف حنث، وإن كان ممن يبالي كزوجته فعلى القولين.
فينبغي أيضًا مراعاته هنا، والكلام الذي ذكره هنا لا إشعار له بهذا التفصيل بل يشعر بخلافه، إلا أن يقال كونه غريمًا له فجعله ممن يبالي به وهو ضعيف، فإنه قد يكون ممتنعًا عليه أولًا ببينة له.

قوله: وإذا قال: لا أفارقك حتى أستوفي حقي منك، فأفلس الغريم

الجزء: 9 - الصفحة: 156

فمنعه الحاكم من ملازمته ففارقه ففيه قولان: حنث المكره، وإن فارقه باختياره، حنث، وإن كان تركه واجبًا كما لو قال: لا أصلي الفرض، فصلى حنث.
انتهى كلامه.
وقد ذكر الرافعي في آخر تعليق الطلاق نظير هذه المسألة -أعني المفارقة بالاختيار- ونقل فيها خلافًا، ومن جملة ما نقله فيها عن الشافعي: أنه لا يحنث، وقد ذكرت المسألة هناك فراجعها.

قوله: ولا يشترط فيه -أي في الضرب المحلوف عليه- الإيلام، ألا ترى أنه يقال: ضربه ولم يؤلمه، ويخالف الحد والتعزير يعتبر فيهما الإيلام؛ لأن الغرض هناك الزجر، وإنما يحصل ذلك بالإيلام، واليمين يتعلق بالاسم، وقال مالك: يشترط الإيلام، وللأصحاب وجه مثله وذكرناه في الطلاق.
انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره غريب جدًا، فإنه قد سبق في الطلاق تصحيح العكس، وعبر بالأشهر، ووقع هذا الاختلاف أيضًا في "الروضة" على وجه هو أشد مما وقع في الرافعي، فقال في الطلاق: ويشترط فيه الإيلام على الأصح وقيل: لا يشترط، وعبر هنا بقوله: ولا يشترط الإيلام، وحكى وجه ضعيف.
أنه يشترط، وقد سبق في الطلاق.
هذا لفظه.
فانظر كيف جعله هناك الأصح وجعله هنا وجهًا ضعيفًا، وجزم الرافعى في "المحرر" والنووي في "المنهاج": بعدم اشتراطه، وبه أجاب الرافعي في البابين من "الشرح الصغير" فإنه صححه في هذا الباب كما صححه في "الكبير"، ونقله في الطلاق عن الأكثرين فقال: شرط بعضهم أن يكون فيه إيلام ولم يشترطه الأكثرون واكتفوا بالصدمة.
هذا لفظه.
وهو يقتضي أن ما وقع في "الكبير" هناك من كون الأشهر هو

الجزء: 9 - الصفحة: 157

الاشتراط غلط حصل من سبق قلم أو تحريف من الناقلين من المسودة وهو الظاهر.
واعلم أن محل الخلاف إذا لم يصف الضرب بالشدة، فإن وصفه به فقال: ضربًا شديدًا، فلابد من الإيلام الناجع، كما قاله الإمام في كتاب الأيمان.
قال: ولا حد نقف عنده في تحصيل البر ولكن الرجوع إلى ما يسمى شديدًا، وهذا يختلف لا محالة باختلاف حال الضروب.
انتهى.
وهذه المسألة قد صرح بها الشافعي في "المختصر" فقال: وإن لم يقل ضربًا شديدًا فأي ضرب ضربه إياه لم يحنث لأنه ضاربه.
هذه عبارته وذكرها أيضًا القاضي الحسين، والبغوي والرافعي في "المحرر" والنووي في "المنهاج"، وليس لها ذكر في "الشرحين" ولا في "الروضة".

قوله من "زوائده": قلت: ولو ضرب ميتًا لم يحنث، ولو ضرب مغمى عليه أو مجنونًا أو سكرانًا حنث لأنه محل الضرب بخلاف الميت، ذكره المتولي.
انتهى.
ومسألة الميت قد تقدم ذكرها من كلام الرافعي في كتاب الطلاق، ونقل فيها خلافًا عن حكاية المتولي.

قوله: ولو حلف ليضربن عبده مائة خشبة أو ليجلدنه مائة فضربه بعثكال عليه مائة شمراخ ضربة واحدة حصل البر إذا تيقن أن الكل أصابه، وما معنى إصابة الكل؟ الظاهر: أنه لا يشترط أنْ تُلاقي القضبان بدنه أو ملبوسه بل يكفي أن ينكبس بعضها على بعض بحيث يناله ثقل الكل، وفيه وجه: أنه لا يكفي الانكباس بل لابد من ملاقاة الجميع بدنه أو ملبوسه.
انتهى كلامه.

الجزء: 9 - الصفحة: 158

وما رجحه من عدم اشتراط المماسة قد رجحه أيضًا في "الشرح الصغير" وعبر بالظاهر أيضًا، وتبعه على ترجيحه النووي في "الروضة"، والذي نص عليه الشافعي: اعتبار المماسة لا الانكباس، وقد نقله عنه أيضًا الشيخ أبو حامد في "تعليقه" والماوردي في "الحاوي" وغيرهما.
قالوا: وصورة البر أن يأخذ ضِغثا مشدود الأسفل محلول الأعلى.

قوله: ولو شك في إصابة الكل [فالنص] 23 أنه لا يحنث، ونقل المزني عن نصه في ما إذا حلف ليدخلن الدار اليوم إلا أن يشاء زيد فلم يدخل ومات زيد ولم يعلم هل شاء أم لا؟ أنه يحنث، فقيل: فيها قولان، وقيل: بتقرير النصين.
والفرق أن الضرب سبب ظاهر في الانكباس والتثقيل فيكتفي به، وهناك لا أمارة تدل على أنه شاء، والأصل عدم المشيئة، والظاهر في الضرب: أنه لا يحنث، وإن ثبت الخلاف، وفي المشيئة أنه يحنث.
انتهى.
فيه أمور: أحدها: أن هذا الفرق الذي ذكره الرافعي مشهور في كتب الأصحاب على اختلاف طبقاتهم وهو يقتضي وجوه غلبة الظن في الضرب بإصابة الجميع، ولهذا قال في "المهذب": والظاهر إصابة الجميع، وصرح به الإمام أيضًا فقال: والوجه عندنا أن يقع الضرب على حالة يغلب على الظن حصول المطلوب منها، فلو لم يغلب على الظن فيبعد اعتقاد البر من غير ظن.
ثم قال: فإن قيل: إذا كان كذلك فلم اشتراط غلبة الظن؟ قلنا: لا أقل منها، هذه عبارته.

الجزء: 9 - الصفحة: 159

وذكر الغزالي نحوه وكذلك الشيخ أبو حامد في "تعليقه"، فإنه نقل عن المزني: أن الشافعي حَنّثه في المشيئة ولم يُحَنِّثه هنا بالشك، فأجاب عنه الشيخ بقوله: قلنا: لا فرق بين الموضعين وإنما حكم بالظاهر فيهما، هذه عبارته، وصرح به أيضًا البندنيجي وغيره.
إذا علمت ذلك فتعبير الرافعي وغيره فاسد مع ذكرهم هذا الفرق، وتصريحهم بغلبة الظن صحيح لأن الشك يطلق ويراد به التردد كيف كان لاسيما عند الفقهاء.
وقد ظن النووي أن الأصحاب مختلفون في اشتراط الظن وأن المراد بالشك عند الرافعي وغيره هو المستوى الطرفين، فقال: قلت: هكذا صور الجمهور مسألة الخلاف في ما إذا شك.
وذكر الدارمي وابن الصباغ والمتولي: أنه إذا شك حنث، وإنما لا يحنث على المنصوص إذا غلب على ظنه إصابة الجميع.
وهذا حسن لكن الأول أصح؛ لأنه بعد هذا الضرب يشك في الحنث والأصل عدمه.
هذا كلامه وهو عجيب يَظْهر فساده مما تقدم فإن كلام الأصحاب متفق على اشتراط الظن هنا تصريحًا أو تلويحًا، ولم نجد أحدًا صرح بأن المراد بالشك هو المستوى الطرفين، ثم إن التعليل الذي ذكره من "زوائده" عليه لا له؛ لأن المسألة إذا كانت مفروضة في ما إذا احتملت الإصابة وعدمها على السواء، وقد تعلق به حكم اليمين، والأصل عدم إصابة الجميع وإذا كان الأصل عدم إصابة الجميع ولا ظاهر يدل على خلافه لزم أن يكون الأصل على هذا التقدير هو الحنث، لا عدم الحنث.
الأمر الثاني: أن ما نقله عن الجمهور وارتضاه من تصوير مسألة الخلاف بالشك، إن أراد به تساوي الاحتمالين فقط فيخرج من كلامه ما إذا رجح

الجزء: 9 - الصفحة: 160

احتمال عدم إصابة الجميع، أو يرجح إصابة الجميع فيقال له: لم تبين حكمهما على القول الذي نسبته إلى الجمهور وصححته، وإن أراد مطلق التردد فيكون قد اختار عدم الحنث مع غلبة الظن بعدم الإصابة، ولا يمكن القول به.
الأمر الثالث: أن ترجيحه في الضرب بعدم الحنث يخالف ما ذكره في الطرف الثاني من كتاب حد الزنا فإنه قد جزم هناك بأنه إذا حصل الشك في الحد لا يجزئ، والمسألتان متشابهتان، ووقعت المسألتان كذلك في "الشرح الصغير" و"الروضة".

قوله: ولو حلف ليضربنه بالسوط لم يبر بالعصا والشماريخ لأنه لا يقع عليه اسم السوط، وإذا قال: مائة سوط، فالظاهر: أنه لا يحصل البر بضربه بعثكال عليه مائة شمراخ، ولكن يبر بأن يجمع مائة سوط ويشدها ويضربه دفعة واحدة، على ما سبق، وفيه وجه: أنه وإن ذكر السوط يبر بالعثكال كما في لفظ الخشبة، وهذا ما أورده صاحب "التهذيب".
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن ما صححه من كونه لا يبر بالعثكال عند تعبيره بالسوط ذكر مثله في "الشرح الصغير" وخالف في "المحرر"، فجزم بأنه يبر فقال: ولو حلف ليضربنه مائة سوط أو خشبة فشد مائة وضربه بها ضربة واحدة أو ضربه بعثكال عليه مائة شمراخ بَرّ، هذا لفظه.
ووقع هذا الاختلاف أيضًا بين "الروضة" و"المنهاج".
والصواب الذي عليه الفتوى أنه يكفي كما في "المحرر" و"المنهاج" فإنه المعروف في المذهب ولهذا قطع به الشيخ أبو حامد والبندنيجي والمحاملي والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ والبغوي وغيرهم، ويدل عليه أن الرافعي قد جزم بالاكتفاء -أي: بالعثكال- عند التعبير بالخشبة كما سبق

الجزء: 9 - الصفحة: 161

نقله عنه في المسألة المتقدمة، مع أن الشمراخ لا يطلق عليه اسم الخشب، فإما أن ننظر إلى اللفظ أو إلى المعنى.
والمذكور هنا من كون العثكال لا يكفي عند التعبير بالسوط نقله الإمام في "النهاية" فتابعه عليه الرافعي.
الأمر الثاني: أن مقتضى كلامه أنه لو حلف ليضربنه بالسوط لم يبر بالعصا والشماريخ جزمًا، وأنه إذا قال: مائة سوط، فيبر بها على وجه فتأمله، وهكذا كلام "الروضة" أيضًا، وهو باطل بلا شك فإن الخلاف كما يجري في الثانية يجري في الأولى.

قوله: وإذا حكمنا بعدم الحنث في الناسي والجاهل فهل تَنْحَلّ اليمين؟ فيه وجهان: أشبههما وبه أجاب الصيدلاني: لا تَنْحَلّ اليمين.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن هذا الذي ذكره هنا من أنه الأشبه ونقله عن الصيدلاني خاصة قد نقله في كتاب الإيلاء عن الأصحاب فقال: إنه الأوفق لكلام الأئمة.
ذكر ذلك في الحكم الرابع من الباب الثاني فاعلمه.
الأمر الثاني: أنه إذا قال: أنت طالق قبل أن أضربك بشهر، فضربها، فينظر كما قاله الرافعي في أوائل باب تعليق الطلاق: إن ضربها بعد شهر من وقت التعليق تَبَيّنا وقوع الطلاق ولا كلام.
وإن كان الضرب قبل ذلك لم تطلق على الصحيح وتَنْحَل اليمين حتى لو ضربها بعد ذلك لم يقع شيء.
قال: وللإمام احتمال أنها لا تَنْحَلّ لكون الضرب الأول ليس هو المحلوف عليه.
هذا كلامه.

الجزء: 9 - الصفحة: 162

وهذه المسألة مع مسألتنا على حد سواء، فإنه إذا علق على الضرب مثلا كان المعلق عليه هو الضرب من حيث هو لا يفيد التعميم ولا يفيد الاختيار؛ إذ لو كان المعلق عليه هو الضرب عمدًا لم يحنث بالناسي قطعًا، ولو كان هو الضرب مطلقًا عمدًا كان أو ناسيًا لكان يحنث بالنسيان قطعًا كما ذكره الرافعي في موضعه، فثبت أن المحلوف عليه قد وجد في كل من المثالين إلا أنه لم يحنث لمانع وهو عدم الاختيار في مسألتنا، واستحالة الحنث قبل اليمين في مسألة الطلاق.
فالمتوجه ما قاله هناك وهو انحلال اليمين لوجود المعلق عليه حقيقة.

قوله: وإذا حلف لا يدخل الدار فحمل بغير إذنه ولكنه كان قادرًا على الامتناع فلم يمتنع، فالظاهر: أنه لا يحنث أيضًا لأنه لم يوجد منه الدخول، ومنهم من جعل سكوته بمثابة الإذن في الدخول، ولو حمل بأمره حنث، وكان كما لو ركب دابة.
انتهى كلامه.
وما ذكره من ترجيح عدم الحنث عند القدرة على الامتناع قد ذكر في أواخر الشرط في الطلاق خلافه، وقد ذكرت لفظه هناك فراجعه.

قوله: ولو حلف لا يدخل على زيد وكان الحالف في بيت فدخل عليه زيد، فإن خرج الحالف في الحال [لم يحنث، وإلا فقيل: لا يحنث] 24. وقيل: فيه خلاف، بناء على استدامة الدخول هل هي دخول؟ ، وأجاب ابن الصباغ عن هذا بأن الاستدامة إن جعلت دخولًا كانا كالداخلين معًا فلا يكون أحدهما داخلًا على الآخر.
انتهى.
نقل القاضي أبو الطيب عن نصه في "الأم": أنه لا يحنث، واستحسن النووي مقالة ابن الصباغ.

الجزء: 9 - الصفحة: 163

قال -رحمه الله-: وليختم الباب بأصول مأثورة وفروع منثورة في فصلين.

قوله: وذكر القاضي ابن كج: أنه إذا قال: والله لا دخلت، وكرر ذلك ونوى التأكيد فهو يمين واحدة، وإن نوى بالثاني يمينًا أخرى أو أطلق فيلزمه بالحنث كفارة أو كفارتان؟ فيه وجهان.
انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدها: أن الأصح في ما إذا نوى الاستئناف أنه يلزمه كفارة واحدة، كذا صححه الرافعي في آخر كتاب الإيلاء فقال: إنه الأظهر عند الجمهور، وجزم به أيضًا في آخر الظهار في الكلام على تكرير لفظ الظهار، وقال في "الروضة" هنا من "زوائده": إنه الأصح.
الأمر الثاني: أن الرافعي جعل هذا الخلاف في آخر كتاب الإيلاء قولين على خلاف ما قاله هنا من أنه وجهان.
الأمر الثالث: أن هذه المسألة تشبه تكرار الظهار، وتكرار التحريم في الزوجة والأمة.
فأما الظهار فقال الرافعي: قد يكون الثاني متصلًا بالأول وقد يكون منفصلًا، فإن كان متصلًا: فإن أراد بالثاني التأكيد فهو ظهار واحد، وإن أراد ظهارًا آخر.
فالقديم: أنه ظهار واحد لا يتعلق به إلا كفارة واحدة قياسًا على اليمين.
الجديد: التعدد، لأنه كلام يتعلق به التحريم، فإذا كرره بقصد الاستئناف تكرر حكمه كالطلاق، فإن أطلق وجبت كفارة واحدة في أظهر القولين.
وأما إذا تفاصلت المرات وقصد الاستئناف أو أطلق فكل مرة ظهار برأسه، وفيه قول: إنه لا يكون الثاني ظهارًا آخر ما لم يكفر عن الأول.

الجزء: 9 - الصفحة: 164

هذا كلامه.
وأما ما إذا كرر التحريم في الزوجة أو الأمة فينظر، إن قال ذلك في مجلس واحد لزمه كفارة واحدة، فإن اختلف المجلس ونوى التأكيد فكذلك، وإن نوى الاستئناف تعددت الكفارة على الصحيح، وإن أطلق فعلى قولين، كذا نقله الرافعي في أركان الطلاق عن الصيدلاني ولم يخالفه، وجزم به في "الروضة" من غير نقله عن الصيدلاني، وهذان الفرعان قد اشتركا في أن كلًا منهما يقتضي كفارة ناجزة لا تتوقف على الوطء، وقد أوجبوا فيهما عند الاستئناف كفارتين بخلاف اليمين، وقد تقدم الفرق في كلام الرافعي بين الظهار واليمين، وذلك الفرق لا يأتي في ما إذا قال: أنت عليَّ حرام.
فإنها لا تحرم بذلك، وقد يفرق بين اليمين وبينهما بفرق واحد شامل وهو أن التحريم والظهار يوجبان الكفارة إيجابًا منجزًا، فلما أتى اللفظ الثاني وجد الكفارة قد استقرت باللفظ الأول فتعين إيجاب أخرى له، وإلا لزم إلغاؤه بخلاف اليمين، فإن وجوب الكفارة متأخر عنهما لتوقفه على فعل المحلوف عليه فأمكن الاقتصار على كفارة واحدة.
نعم أطلقوا في اليمين ولم يفصلوا بين أن يحلف على مستقبل أو لا، فإن كان الحكم كذلك فلا يزول الإشكال بما ذكرناه.
ويشكل على الفرق أيضًا ما ذكره الرافعي في آخر الظهار فقال: فرع: قال في "التهذيب": لو قال إن دخلت الدار فأنت عليّ كظهر أمي، وكرر هذا اللفظ ثلاثًا فإذا دخلت الدار صار مظاهرًا، فإن قصد التأكيد لم تجب إلا كفارة واحدة وإن قالها في مجالس، وإن قصد الاستئناف تعددت الكفارة ويجب الجميع بعود واحد بعد الدخول، فإن طلقها عقب الدخول لم يجب شيء وإن أطلق فهل يحمل على التأكيد أم الاستئناف؟ قولان.
هذا كلامه.

الجزء: 9 - الصفحة: 165

وجزم به في "الروضة" ولم ينقله عن "التهذيب" كما نقله الرافعي.
ووجه الإشكال أن وجوب الكفارة متوقف على الدخول، ومع ذلك فقد حكموا بالتعدد ولم يسووا بينه وبين اليمين، فإن قيل: لعل الفرق أن الظهار لما كان محرمًا قلنا فيه بالتعدد تغليظًا.
قلنا: فيلزم التفصيل في اليمين بين أن يحلف على فعل معصية أم لا.
وهاهنا تنبيه آخر: وهو أن الرافعي غاير بين التحريم وبين الظهار فيما إذا نوى الاستئناف في المجلس الواحد، فإنه أوجب به كفارة واحدة في التحريم وحكم بالتعدد في الظهار، وذكر الرافعي أيضًا في آخر الإيلاء أنه إذا أطلق فهل يحمل على التأكيد أم الاستئناف؟ فيه قولان، ثم قال المتولي: الأظهر: الحمل على التأكيد عند اتحاد المجلس، وعلى الاستئناف عند تعدده.

قوله: في كتب أصحاب أبي حنيفة أن المعرفة لا تدخل تحت النكرة لمغايرتهما، فإذا قال: لا يدخل داري أحد ولا يلبس ثوبي أحد، دخل في اليمين غير الحالف لأنه صار معرفًا بإضافة الدار والقميص إليه.
قالوا: ولو عرف نفسه بإضافة الفعل بأن قال: لا أُلبس هذا القميص أحدًا، أو عَرّف غيره بالإضافة إليه، لأنه صار معرفًا، وكذا لو قال: لا يقطع هذه اليد أحد، وأشار إلى يده، لم يدخل هو، وقد يتوقف في هذه الصورة الأخيرة والسابق إلى الفهم في غيرها ما ذكروه ويجوز أن تخرج الصورة الأولى على الخلاف في المخاطب هل يندرج تحت الخطاب؟ انتهى.
قال في "الروضة": الوجه الجزم بكل ما ذكروه، والله أعلم.

قوله: وفي كتبهم أن كلمة "أو" إذا دخلت بين نفيين اقتضت انتفاء كل منهما، ويشبه أن يكون حالفًا على الامتناع من أحدهما، فإذا فعل واحدًا أو امتنع من الآخر لم يحنث.
انتهى ملخصًا.

الجزء: 9 - الصفحة: 166

وذكر بعد تعليل عن الماوردي كلامًا مخالفًا لهذا فقال: وفي "الإقناع" للماوردي أنه لو قال: لا أكلت خبزًا أو لحمًا، يرجع إلى مراده منهما فيتعلق به اليمين.
هذا كلامه، وظاهره أنه أراد بالمراد تعيين [ما شاء.
وقد راجعت عبارته فوجدتها ظاهرة فيه.
فإنه عبر بالتعيين] 25 لا بالتبيين فقال: فتعين يمينه فيه.
وقد ذكرنا في أوائل تعليق الطلاق مسائل مما نحن فيه فراجعها.

قوله: ولو قال: لا أدخل هذه الدار، فهدمت ثم أعيدت بغير الآلة فدخلها لم يحنث، وإن أعيدت بتلك الآلة، فوجهان.
انتهى.
والأصح: الحنث، كذا صححه النووي في "زيادات الروضة" و"تصحيح التنبيه"، وسوف أذكر لك في نهاية الباب ما يقتضي أن الرافعي يرجح عدم الحنث.

قوله: حلف لا يشم الريحان لم يحنث بالورد والياسمين والبنفسج والنرجس والمرزنجوش والزعفران، ويمكن أن يقال: هذا في ما إذا عرف الريحان، أما إذا قال: لا أشم ريحانًا فيحنث بها جميعًا، فلا يبعد إطلاق اسم الرياحين عليها.
انتهى.
قال في "الروضة": الظاهر من حيث الدليل ومن مقتضى كلام الأصحاب: أنه لا فرق ولا يحنث مطلقًا بما سوى الضيمران.

قوله: حلف لا يتسرى، ففيه ثلاثة أوجه عن ابن سريج: أظهرها ويحكي عن نصه في "الأم": أن التسري يحصل بثلاثة أمور: ستر الجارية عن أعين الناس، والوطء، والإنزال.
والثاني: يكفي الستر والوطء.

الجزء: 9 - الصفحة: 167

والثالث: يكفي الوطء.
انتهي كلامه.
وهذه الأوجه التي ذكرها ونقلها عن ابن سريج قد ذكرها في آخر كتاب الوصية في الكلام على الرجوع ناقلًا لها عن ابن سريج أيضًا ولم يذكر فيها الوجه الذي صححه هنا بالكلية، بل ذكر عوضه وجهًا آخر لم يذكره هنا وهو الوطء مع الإنزال خاصة ولم يذكر معه الستر، فقال: واستشهد على هذا بأن الشافعي - رضي الله عنه - قال في الإيلاء: لو حلف أن لا يتسرى فوطيء جارية من جواريه وعزل لم يحنث، وإن لم يعزل حنث، لأنه قد طلب الولد وطلب الولد هو التسري، ثم قال بعد ذلك: وأما مسألة اليمين فعن ابن سريج في التسري ثلاثة أوجه: أحدها: أنه الوطء من غير عزل.
والثاني: أن التسري هو مجرد الوطء.
والثالث: أنه الوطء مع المنع من الخروج.
وعلى هذين الوجهين لا فرق بين أن يعزل وبين أن لا يعزل.
هذا لفظه بحروفه.
والاختلاف الذي ذكرناه واضح، ولم يذكر المسألة في "الروضة" هناك.
واعلم أن بين التعبيرين تفاوتًا آخر من وجهين: أحدهما: أنه عبر هناك بقوله: "من غير عزل"، وعبر هنا بقوله: "مع الإنزال"، فمن وطيء ولم ينزل يصدق عليه أنه لم يعزل، لأن العزل هو الإنزال خارجًا عنها ولم يوجد منه ذلك، ولا يقال أنزل فيها.
الثاني: أنه عبر هنا "بالستر عن الناس" وعبر في "الروضة" "بالمنع من الخروج"، فمن برزت في بيته للضيفان خارجة عن العبارة الأولى

الجزء: 9 - الصفحة: 168

وداخلة في الثانية.

قوله: نقلًا عن "فتاوى القفال": وأنه لو حلف لا يفعل كذا فجن وفعله في حال جنونه ففي الحنث قولان.
انتهى.
لم يصحح في "الروضة" شيئًا منها هاهنا، والصحيح في الرافعي و"الروضة" في آخر كتاب الإيلاء: عدم الحنث، وزادا على ذلك فنقلا طريقة القولين عن البغوي والمتولي، ونقلا عن العراقيين قاطبة القطع بعدم الحنث، فيكون جزمه هنا بطريقة القولين مخالفًا لما عليه الأكثرون.

قوله: أيضًا نقلا عنه: وأنه لو حلف لا يلبس ثوبًا من غزلها فرقع ثوبه برقعة كرباس من غزلها حنث، وقال أبو عاصم العبادي: لا يحنث، وتلك الرقعة تبع.
وإن التحف بلحاف من غزلها لم يحنث، وفي "الرقم": أنه لو طبخ أرزًا وعدسًا بودك فهو طبيخ، وإن طبخ بزيت أو سمن فليس بطبيخ.
انتهى.
وهذه المسائل قد تكلم عليها في "الروضة" فقال في الأولى: الصحيح قول أبي عاصم لأنه لا يسمى لابسًا ثوبًا من غزلها، وأما الالتحاف: فيجئ فيه الخلاف السابق في التدثر، وأما الثالثة: فالصواب فيها أن الكل طبيخ.

قوله: وفي "المبتدأ" للروياني: أنه لو قيل له: كلم زيدًا اليوم، فقال: والله لا كلمته.
انعقدت اليمين على الأبد إلا أن ينوي اليوم، فإن كان ذلك في طلاق وقال: أردت اليوم، لم يُقْبل في الحكم.
انتهى.
استدرك في "الروضة" فقال: الصواب قبوله في الحكم كما سبق في نظائره، والله أعلم.
وهذه المسألة -أعني عدم القبول في الحكم- قد حصل فيها اضطراب

الجزء: 9 - الصفحة: 169

شديد في كلام الرافعي و"الروضة" وقد أوضحته في الباب الأول من أبواب الأيمان.
واعلم أن حمل اليمين في أمثال هذه المسائل على التأبيد عند الإطلاق قد سبق ما يخالفه في آخر تعليق الطلاق، وخالف البغوي فقال: تتقيد بالحالة الراهنة للعرف.

قوله: وفي كتب الحنفية: أنه لو حلف ليضربن زوجته حتى يغشى عليها أو تموت حمل على الحقيقة، ولو قال: حتى أقتلها أو ترفع ميتة، حُمِلَ على أشد الضرب، ويظهر على أصلنا الحمل على الحقيقة أيضًا.
انتهى.
وما ذكره بحثًا من اعتبار الحقيقة في نحو هذا، وتابعه عليه في "الروضة" قد جزم به قبيل كتاب الرجعة بأسطر، فقال نقلًا عن تعليق الشيخ إبراهيم المروذي: إنه لو قال لزوجته أفرغي البيت من قماشك، فإن دخلت ووجدت فيه شيئًا من قماشك ولم أكسره على رأسك فأنت طالق، فدخل فوجد في البيت هاونًا لها فوجهان: أحدهما: لا تطلق للاستحالة.
والثاني: تطلق عند اليأس قُبَيْل موتها أو موته.
هذا كلامه.
وحاصله: الجزم بمراعاة الحقيقة من أن إرادتها في المثال المذكور هناك أبعد من إرادتها في المثال المذكور في هذا الباب، ولكن لما كانت الحقيقة هناك مستحيلة حكى وجهين في وقوع الطلاق في الحال كغيره من التعليقات المستحيلة فتفطن لذلك.
وقماش البيت هو متاعه كما قاله الجوهري؟ فلذلك جعلوا الهاون منه.

قوله: وفي كتبهم أيضًا: أنه لو حلف لا يجلس على هذه الأسطوانة أو الحائط فأعيد بناؤها بعد النقض وجلس على المعاد، لم يحنث، وإن حلف

الجزء: 9 - الصفحة: 170

لا يدخل هذا المسجد فزيد فيه فدخل موضع الزيادة لم يحنث، فإن حلف لا يدخل مسجد بني فلان فزيد فيه فدخل موضع الزيادة حنث وإن حلف لا يكتب بهذا القلم فكسره ثم براه وكتب به لم يحنث، وبأجوبتهم يحنث فيما عدا القلم وأن الكسب هو ما يمتلكه من المباحات وبالعقود دون ما يرثه، وقد يتردد في ما يدخل في ملكه باحتطاب عبده وقبوله الهبة والوصية فيجوز أن يلحق بما يدخل في ملكه إرشادًا، ويجوز أن يقال: تملك العبد أو إمساكه اكتساب، لما يستفيده، ويجوز أن يفرق بين أن يكون العبد مكتسبًا أو موروثًا، وأن الحلواء: كل حلو ليس في جنسه حامض نحو الخبيص والعسل والسكر دون العنب والأجاص.
والأشبه: أنه يشترط في إطلاق الحلو [أن يكون معمولًا.
وأن يخرج عنه العسل والسكر.
فالحلواء غير الحلوى] 26. وقال العبادي في "الرقم": هل يدخل في الحلوى اللوزينج والجوزينج؟ فيه وجهان.
انتهى ملخصًا فيه جملة مسائل: فأما المسألة الأولى: فقد وافق النووي فيها على أن جوابنا فيها كجواب الحنفية فلابد فيها من تفصيل ذكره القاضي أبو الطيب في كتاب الصلح من "تعليقته" في نظير المسألة، فقال: لو حلف لا يكتب بهذا القلم وهو مبري، فكسره ثم براه وكتب به لم يحنث، وإن كانت الأنبوبة واحدة لأن القلم اسم للمبري دون القصبة، وإنما تسمى القصبة قبل البري قلمًا مجازًا، لأنها ستصير قلمًا.
وكذا إذا قال: لا أقطع بهذا السكين فأبطل حدها وجعله في ظهرها وقطع بها لم يحنث.
ولو حلف لا يستند إلى هذا الحائط فهدم ثم بنى واستند، إن بني بتلك الآلة حنث، وإن أعيد بغيرها أو ببعضها لم يحنث.
هذا كلامه.

الجزء: 9 - الصفحة: 171

ويؤيد ما ذكره أيضًا القاضي ما سبق قريبًا أنه إذا حلف لا يدخل دارًا فهدمت ثم أعيدت بنقضها فإنه يحنث على الصحيح، إلا أن الرافعي -رحمه الله- لم يرجح في تلك المسألة شيئًا، والتصحيح المذكور من كلام النووي ولا يستقيم معه الدعوى بأنّا نوافق الحنفية فيه.
ويؤخذ من كلام الرافعي هنا ترجيح عدم الحنث هناك على خلاف ما رجحه في "الروضة".
وأما المسألة الثانية: فقد غلط فيها النووي في "الروضة" فإنه قال: نقلا عنهم ما نصه: ولو حلف لا يدخل هذا المسجد فزيد فيه فدخل الزيادة حنث.
هذا لفظه، فأسقط جواب مسألته الإشارة وتصوير الثانية أيضًا، ونقل جواب الثانية فجعله الأولى فلزم الخطأ في الحكم، وكأنه سقط من نسخته من قوله: "فزيد فيه" إلى "فزيد فيه" أو انتقل نظره، ثم إنه بعد اختصاره رأي أن ذلك غير مستقيم، فاعترض على الرافعي ظنًا منه أن ما نقله عنه في "الروضة" مطابق لما قاله فقال: قلت: في موافقتهم في مسألة زيادة المسجد نظر وينبغي أنه لا يحنث بدخولها لأن اليمين لم تتناوله حالة الحلف.
هذا لفظه.
ويدل على عدم الحنث عند الإشارة أن الأفضلية الثانية لمسجده -عليه الصلاة والسلام- المستفادة من قوله "صلاة في مسجدي هذا" 27 خاصة بما كان في زمنه دون ما زيد فيه بعد ذلك، وممن جزم بذلك النووي في مناسك الحج وغيره.
وأما المسألة الثالثة: وهي مسألة القلم فالنقل فيها عندنا على عكس ما نقله الرافعي عن الحنفية؛ وقد تقدم ذكره في ما نقلناه عن القاضي.
وأما المسألة الرابعة: وهي مسألة الكسب فقد حذف في "الروضة" ما

الجزء: 9 - الصفحة: 172

ذكره "الرافعي" في كسب الصيد.
وأما المسألة الخامسة: وهي مسألة الحلوى فالصواب فيها كما قاله في "الروضة": هو ما قاله الرافعي، وفي الحديث الصحيح: "أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يحب الحلوى والعسل" 28. واعلم أن اللوزينج: قطائف حشوه لوز وسكر، والجوزينج: حشوه جوز بعسل أو دبس.

قوله: ولو قال: لا أكلمه اليوم ستة أشهر.
فعليه أن يدع الكلام في ذلك اليوم كلما دار في الستة أشهر.
انتهى.
وهذه المسألة وقعت محرفة في كثير من نسخ الرافعي وفي فهمها قلق فحذفها النووي من "الروضة"، وحذف معها مسائل أخرى قريبة من ذلك في القلق والتحريف، وإن كان ساترها رقيقًا غير كثيف، بعضها من كلام الحنفية كما سنبينه، فإن الرافعي قد نقل عنهم هنا مسائل فما وافق عليه وارتضاه أقره وأبقاه، وإلا تتبعه بعدم التعويل عليه والركون لديه فلنقرر هذه المسائل ثم نتبعها بالسواقط.
فاعلم أن اليوم الواحد يدور في الشهر أربع مرات أو خمس مرات، فالحالف المذكور حينئذ قد حلف على ترك الكلام في ذلك اليوم في مدة دورانه في الستة أشهر، فإذا حلف في يوم السبت مثلًا فطريق البر أن يمتنع عن كلامه في كل سبت يأتي إلى انقضاء ستة أشهر.

قوله: ولو قال: في يوم السبت لا أكلمه اليوم عشرة أيام، [فاليمين] 29 على سبتين، وكذا لو قال: لا أكلمه يوم السبت يومين، ولو حلف لا يكلم

الجزء: 9 - الصفحة: 173

فلانًا الشتاء فأول ذلك إذا لبس الناس الحشو والفراء وأخرها إذا ألقوها في البلد الذي حلف فيه، والصيف على خلاف ذلك، والربيع آخر الشتاء ومستقبل الصيف إلى أن يتبين العشب، والخريف فصل بين الشتاء والصيف.
والظاهر عندنا: حملها على المُدَد المعلومة وأنه لو حلف لا يكلم فلانًا وفلانًا أو فلانًا يحنث بكلام الثالث، أو كلام الأولين، ولكن يجوز أن يريد أن لا يكلم الأول ولا أحد الأخيرين، وحينئذ فيحنث بكلام الأول أو أحد الأخيرين، لكن يجوز أن يريد أنه لا يكلم الثالث ولا يكلم أحد الأولين وحينئذ فيحنث بكلام الثالث أو بكلام أحد الأولين.
انتهى.
وهذه المسائل أيضًا من اللواتي قد أسقطن.
فأما المسألة الأولى: فمعناها معنى التي قبلها.
وأما الثانية: وهي مسألة الفصول فواضحة.
وأما الثالثة: فمشتملة على صورتين: الأولى: منها عطف فيها الثاني بالواو والثالث بأو.
والصورة الثانية: بالعكس.
فإذا استحضرت ما ذكرناه سهل فهمها، وما ذكره الرافعي من الرجوع إلى مراده ليس على إطلاقه بل محله إذا وصل الكلام وأداه على حالة واحدة، فإن فصل بوقفة أو مد صوت ونحو ذلك كما يتضح ويظهر لك بالتجربة عمل بمقتضاه، ويكون كما لو بين وهذا التفصيل ذكره الرافعي في باب الشك في الطلاق في الكلام على الألفاظ التي يحصل بها البيان، وقد سبق ذكره هناك للتنبيه على أغلاط وقعت للرافعي فيه وتبعه عليها في "الروضة" فراجعه.

قوله: وأنه لو حلف لا يساكنه، ذكر أصحابنا وجهين في أنه إذا نوى أن

الجزء: 9 - الصفحة: 174

لا يسكن هو والمحلوف عليه في البلد هل يحمل اليمين على ما نوى؟ وجه المنع: أن ذلك ليس بمساكنة، وإذا نوى ما لا يطابق اللفظ لم تعمل النية بمجردها وقاسوه على ما إذا قال: لا أساكنه وزعم أنه أراد المساكنة في إقليم.
انتهى.
وهذه المسألة أيضًا من السواقط، والخلاف الذي فيها سبق ذكره في موضعه، وأما عدم الحمل على الإقليم إذا نواه، وإن كان أغلظ في حقه فلم يتقدم له ذكر، وهي مسألة حسنة فتفطن لها.

قوله: وفي "فتاوي" الفقيه أبي الليث -يعني: السمرقندي الحنفي- كما قاله الرافعي في الطلاق: أن بعضهم سئل عن قَصّار ذهب من حانوته ثوب فاتهم أجيرًا له فقال: أنت خُنتني، فقال: والله ما خنتك، وكان قد أخذ الثوب وهو لغير القصار.
فقال: أخشى أن يحنث، ومال إليه الرافعي، وأنه لو قال: حقًا أفعل كذا، ليس بيمين عند بعضهم كقوله: صدقًا.
وقال آخرون: هو يمين، فإن الحق هو الله تعالى فكأنه قال: الله لأفعلن كذا، وينبغي أن يجعل كناية، وأن بعضهم قال: إذا حلف لا يأكل من [مال] 30 فلان، ثم تناهدا فأكل الحالف من ذلك لا يحنث لأنه أكل في عرف الناس من مال نفسه، ولينظر أكان مال فلان مخلوطًا بماله فأكل منه أو أكل من مال فلان خاصة.
فالمتناهدان تارة يخلطان وتارة يتناوبان على إحضار الطعام، وينجر النظر إلى أن الضيف يأكل ملك المضيف، أو يملك ما يتناوله؟ وأنه لو حلف لا يصطاد مادام الأمير في البلد فخرج الأمير منها فاصطاد

الجزء: 9 - الصفحة: 175

ثم رجع الأمير فاصطاد لا يحنث، لأنه لما خرج من البلدة سقطت اليمين.
وأنه لو حلف لا يركب فركب ظهر إنسان فعبر به النهر لم يحنث.
وأن بعضهم قال: لو قال: بسم الله لأفعلن كذا، فهو يمين، ولو قال بصيغة -الله تعالى- فلا، لأن الأول من أيمان الناس، ألا ترى أن القائل يقول: باسم الذي أنزلت من عنده السور، ولك أن تقول: إذا قلنا: الاسم حس المسمى، فالحلف بالله تعالى، وكلذا إن جعل الاسم صلة -أي زائد.
وإن أراد بالاسم التسمية لم يكن يمينًا.
وأما صيغة -الله تعالى- فتشبه أن تكون يمينًا إلا أن يريد به الوصف.
انتهى كلامه.
وهذه المسائل قد أسقطها أيضًا، وقد علمت ما للرافعي فيها من الكلام والأولى مذكورة في الرافعي بالعجمية فترجمها بعضهم.
والمناهدة: بالنون والدال المهملة هي: أكل المسافرين مجتمعين من أزوادهم.
وقد ذكر الرافعي المسألة في آخر تعليق الطلاق عن أبي العباس الروياني ونقل عنه أنه يحنث وأقره، وبحث النووي فيها وقد أسلفتها هناك فراجعها.
وأما مسألة الاصطياد فهي مسألة مهمة محتاج إليها لكثرة وقوع صورها في "الفتاوى" وقد ذكر الرافعي ما يوافق جواب أبي الليث في آخر تعليق الطلاق نقلًا عن البوشنجي فقال: وأنه لو قال لزوجته: إن دخلت دار فلان مادام فيها فأنت طالق، فتحول فلان منها ثم عاد إليها فدخلتها لا تطلق.
والمعنى الذي لمحوه هنا وأشار إليه أبو الليث بقوله: سقطت اليمين، هو انقطاع دوام كونه في البلد أو غيره مما حلف عليه بوجود الخروج مثلًا.

الجزء: 9 - الصفحة: 176

فصول الكتاب · 72 فصل
فصول المهمات في شرح الروضة والرافعي
المقدمةالمقدمةمقدمة المحققمقدمة المؤلفكتاب الطهارةكتاب التيممكتاب الحيضكتاب الصلاةكتاب الصلاةكتاب الصلاة بالجماعةكتاب صلاة المسافرينكتاب الجمعةكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الحجكتاب البيعكتاب الرهنكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب العاريةكتاب الغصبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب الجعالةكتاب الوقفكتاب الهبةكتاب اللقطةكتاب اللقيطكتاب الفرائضكتاب الوصاياكتاب الوديعةكتاب قسم الفيء والغنيمةكتاب قسم الصدقاتكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب القسم والنشوزكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفاراتكتاب "العدد"كتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجراحكتاب الدياتكتاب دعوى الدمكتاب الجنايات الموجبة للعقوباتكتاب موجبات الضمانكتاب السيركتاب [عقد] (1) الجزية والمهادنةكتاب الصيد والذبائحكتاب الضحايا والعقيقةكتاب الأطعمةكتاب السبق والرميكتاب الأيمانكتاب [النذر]كتاب القضاءكتاب الشهاداتكتاب الدعاوى والبيناتكتاب التدبيركتاب الكتابةكتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل