فصل1يجبُ أن نعتقدَ1أن الله - سبحانه وتعالى - كان ولا شيءَ معه2، وهو - سبحانه وتعالى - على ما كان، وأنَّه سبحانه واحدٌ في ذاته، واحدٌ في صفاته، واحدٌ في مخلوقاته.3
وأنَّه سبحانه بائنٌ1من خلقه، لا2يَحُلُّ3في شيءٍ ولا يتّحدُ4به.
وأنَّ صفاتهِ سبحانه قديمةٌ بقدم ذاتِهِ1لا ينفصل عنها، وأن الموجوداتِ كلَّها حادثةٌ، وأنَّه سبحانه الأوَل ليس قبله شيء، والآخر2
الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي1ليس فوقه شيء، والباطن ليس دونه شيء.2
وأنَّه سبحانه لم يَبُن عنه شيءٌ من حيث علمُه وقدرتُه وإيجادُه وملكُه، ولم يتَّصل به شيءٌ من حيث ذاتُه3، وأنَّ ذاته سبحانه لا تُشبه الذوات، وصفاته لا تُشبه الصفات، والتصرفَ في أدلتها وتأويلها لا يشبه التصرفات، وأنَّه سبحانه محيطٌ بكلِّ شيء، وخالقُ كلِّ شيء، ورازقُ كلِّ شيء، كان خالقاً قبل وجود الخلق، ورزاقاً قبل وجود الرزق4، وله الصفاتُ العُلى، والأسماءُ الحُسنى، والمثلُ الأعلى.
الموجوداتُ كلُّها مفتقرةٌ إليه، وهو سبحانه غيرُ مفتقرٍ إلى شيء، والعرشُ والكرسيُّ والسمواتُ السبعُ، والأرضون السبعُ، ومن فيهنَّ، وما بينهنّ، وحَمَلةُ ذلك كلَّه محمولون بقدرته1، وهو - سبحانه وتعالى - مُتوجَّه ذلك كلَّه.
وأنَّه سبحانه لا يحيطُ به شيء، ولا يستعينُ بشيء، بل الموجوداتُ كلُّها مُحَاطٌ بها، مستعينةٌ به - سبحانه وتعالى -.
وأنَّه - سبحانه وتعالى - عالمٌ بعلم1، قادرٌ بقدرة، حيٌّ بحياة، مريدٌ بإرادة، سميعٌ بسمع2، بصيرٌ ببصر3، متكلِّمٌ بكلام4، لا يُشبِه [في شيءٍ من ذلك]5شيئاً من مخلوقاته، ولا يُشبَّه به شيءٌ من مخلوقاته.
ولا يَحدُّه - سبحانه وتعالى - حدٌّ6، ولا يُعرَّفُ إلا بتعريفه، ولا يُتصرف إلا
بتصريفه، ولا يُكيِّفهُ سبحانه تكييف1، ولا يُمثِّله تمثيل.2
وأنَّه سبحانه استوى على العرشِ كما نطق به الكتاب العزيز في ستِّ1آياتٍ كريماتٍ بلا كيف، بل كيفَ شاءَ من غير مُمَاسَّةٍ.2....
أو احتياجٍ1إلى العرش، مع تنزيهه سبحانه عن الجلوس أو القعود2أو غيرهما من صفات المُحدَثين.
....................
وأنَّه - سبحانه وتعالى - ينزلُ كلَّ ليلةٍ إلى السَّماء الدنيا1، وكذلك يوم عرفة23، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة المرويات عن جماعة من
الصحابة والصحابيات، وأنَّ ذلك كيف شاءَ لا كما نفهمُه1من مواجيد ذواتنا، وأنَّه كلما خطر بالبال أو تُصوَّر في الذهن فالله تعالى بخلافه.2
وقد نفى بعضهم النزولَ، وضعَّف الأحاديثَ، أو تأوَّلَها خوفاً من التحيُّز3،
أو الحركةِ والانتقال1الملازمين للأجسام والمُحدَثين، والمحققون
أثبتوها، وأوجبوا الإيمان بها كما يشاء، وقد ذكر البخاريُّ في صحيحه رواية: "أنَّ الله يتنزَّل"1، وقال2بعضهم: والتنزُّل غير النزول.
والله - سبحانه وتعالى - عالٍ في الدنوِّ دانٍ في العلوِّ.
وجميع الآيات والأحاديث الثابتاتِ من المجيء، والنزول، وإثبات الوجه، وغيرِ ذلك من الصفات أوجب العلماء الإيمانَ بها، وعدمَ الفكر فيها أو تصورِها3، ومن تكلم فيها منهم تكلم بتأويلها4على ما يليق بجلال الله - سبحانه وتعالى -، مع اعتقاد نفي جميع صفات المخلوقين.
وقد رُوِّينا في حديثٍ مرفوعٍ حسنٍ: أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "تفكَّروا في آلاء الله، ولا تتفكروا5في ذات الله".6
والكتاب العزيز ناطقٌ
[بالتحضيض]1على التفكُّر في خلقِ السموات والأرض والنظر في آياتهما2، ويجب الإيمان بما عدا ذلك، والتسليمُ له، وتفويض3
العلم الذاتيِّ إلى الله تعالى، وأمَّا العلمُ بالوجودِ والقدرةِ والتنزيه والتبرِّي من الحولِ والقوةِ إلا به - سبحانه وتعالى -، فهو المطلوب الذي وقع التكليف به.
وأمَّا التصورُ والإدراكُ والإحاطةُ1فذلك خاصٌّ بِه - سبحانه وتعالى -، وحظُّ العالمِ العلويِّ والسفليِّ الإيمانُ بوجوده لا تصوُّرَ ذاتِه وشهودُه لا سبيلَ لنبيٍّ مرسلٍ ولا ملَكٍ مقرَّبٍ إلى الاطِّلاعِ على ذلك، ولا الإحاطةِ بشيءٍ منه، فالعجزُ عن الإدراكِ2إدراكٌ.3
وقوة الإيمان حاملةٌ على اليقين، واليقين قد يصير في قوته والتمسكِ به ككشفِ الغطاءِ4؛ ولهذا قال عليٌّ - رضي الله عنه -: (لو كُشفَ الغطاءُ
ما ازددتُ يقيناً)1، وبهذا المعنى امتاز الصدِّيق - رضي الله عنه - وغيره من الصحابة - رضي الله عنهم - على سائر الأمة، حتىّ كان أحدهم يجعل المُخبَرَ عنه2في المستقبل وجودياً في الحال، كإخباره - صلى الله عليه وسلم - عن الخاتم الذهب أنَّه جمرةٌ من نارٍ، فألقاهُ من يده وذهب، فقيل له: خذ خاتمك انتفع به، فقال: والله، لا آخذه.3
وما ذاك إلا أنَّ4المُغيَّبَ عنه صار يقيناً عنده5، فبالأثر يُستدلُّ على المؤثِّرِ، فإذا تمكَّن معرفةُ المؤثِّرِ، وهو الله
- سبحانه وتعالى -، اُستُدِلَّ به على جميع الموجودات، وصار - سبحانه وتعالى - عند العبد دليلَها، وهاديها، ومعطيها، ومانعَها، ومعلمَها، ومفهمَها، بواسطة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإلهامِه سبحانه العبدَ على وفق ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم -. فإن خرج العبد عن هذا الطور هلك، وخُذِلَ - فنعوذ با لله من الخذلان، والهلاك، والحرمان -. فإذا كان حالهم - رضي الله عنهم - في الشيء التافه هذا الحالَ، وعاملوه بمعاملة1عين اليقين بإخباره - صلى الله عليه وسلم -، فما ظنُّك بهم، فالحقُّ شهدته قلوبُهم، واطمأنت إليه أبشارُهم2، وسكنت إليه جوارحهم.
لقد ظَهرْتَ فلا تخفى على أحدٍ... إلا على أَكْمَهٍ3لا يعرفُ القمرا4