(13) يجب اعتقاد أن المؤمنَ إذا أذنبَ ذنوباً كثيرةً، صغائر كانت أو كبائر، لا يكفَّرُ بها وإن خرج من الدنيا غير تائبٍ منها، ومات على الإخلاص والتوحيد1، إلا أن يعتقد تحليلَ ما حرّم اللهُ، أو تحريم ما أحلّ الله، فإنّه يكفر بذلك؛ لأنه ذنبٌ من الذنوب القلبيّة المكفّرة.2
قال بعض العلماء: إلا أن يكون متاوّلاً في ذلك، قلنا: إن أردت التأويل المصادم فلا سمع ولا طاعة لك ولا لنا، وإن أردت التأويل الملائم فليس في ذلك كلامنا3، والله يعلم المفسدَ من المُصلح.
وأمر كلِّ من ارتكب ذنباً - لا نكفِّره به - إلى الله، إن شاء عفا عنه، وأدخله الجنَّة يومَ القيامةِ سالماً غانماً غير مبتلىً بالنار ولا يعاقب على ما [ارتكبه]1من الذنوب، واكتسبه، ثم استصحبه إلى القيامةِ من الآثام والأوزار، وإن شاء عاقبه وعذّبه مدّةً بعذاب النّار، فإن عذّبه لم يخلدْه فيها، بل يعتقه ويخرجه منها إلى نعيم دار القرار.2
وكان الشّيخ3الإمام أبو الطيب سهل بن محمّد الصعلوكيُّ4
- رحمه الله - يقول: (المؤمّن المذنبُ وإن عذِّب بالنار فإنّه لا يُلقى فيها إلقاء الكفار، ولا يَلقى فيها لقاء1الكفار2، ولا يشقى فيها3شقاء الكفار، ولا يبقى فيها بقاء الكفار4.5 قال الشّيخ الإمام6أبو عثمان الصابوني - رحمه الله - تلميذ أبي الطيب الصعلوكي المذكور: (معنى7ذلك أن الكافر يُجرُّ8على وجهه إلى النّار، ثم يُلقى9في النّار منكوساً في السلاسل، والأغلال، والأنكال الثقال.
والمؤمن المذنب إذا ابتُلِيَ بالنار؛ فإنّه يدخل كما يدخل المجرم السجن في الدنيا10[على الرِّجْل]11من غير تنكيسٍ وإلقاءٍ.12
ومعنى قوله: لا يلقى1من النّار لقاء [الكفار]2: أن الكافر يُحرق بدنُه كلُّه، وكلما3نضُجَ جلده بدِّل جلداً غيرَه ليذوق العذاب.4
وأما المؤمنون فلا تلفح وجوهَهم النارُ، ولا تحرق أعضاء السجود منهم5، وحرم6الله على النّار أعضاء سجوده.
ومعنى قوله: لا7يبقى في النّار بقاء الكفار؛ أن الكافر يخلدُ8ولا يخرج منها [أبداً]9، ولا يخلّد الله من مذنبي المؤمنين في النّار أحداً.
وقوله10: ولا يشقى بالنار شقاء الكفار فمعناه11: [أن الكفَّار]12يؤيسون13من رحمة الله، ولا14يرجون راحة بحالٍ، وأما المؤمنون فلا ينقطع طمعهم من رحمة الله في كل حال.
وعاقبة المؤمنين15كلهم الجنةُ؛ لأنهم خلقوا
لها، وخلقت لهم فضلًا من الله ومنةً.
واختلف العلماء من أصحاب الحديث، وغيرهم1في ترك المسلمِ صلاةَ الفرضِ متعمّداً، فكفّره بذلك أحمدُ بنُ حنبل2وجماعة من [علماء]3السلف، وأخرجوه [به]4عن5الإسلام)67، وبه
قال من أصحاب الشافعي منصورُ الفقيه12في كتابه: المسور في الفقه3رحمهما الله للخبر الصّحيح المعنى4المرويِّ في ذلك عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "بين العبد وبين5الكفر ترك الصّلاة"6، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "العهد الذي بيننا وبينهم الصّلاة فمن تركها فقد كفر".7
وقال شقيق بن سلمة أبو وائل1التابعيّ الإمام الجليل، وأدرك زمان النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -: (ما كان أصحابُ النّبيّ2محمّد3- صلى الله عليه وسلم - يعدُّون شيئاً تركُه كفرٌ غير الصّلاة).4
وذهب الشافعي وجمهور أصحابه وجماعة من علماء السلف رحمهم الله إلى أنه لا يكفّرُ [بها]1ما دام يعتقد وجوبها، وإنما يستوجب القتل كما يستوجبه المرتدُّ عن الإسلام.
وتأوّلوا الأحاديث على من ترك الصّلاة جاحداً لها2؛ كما أخبر الله تعالى عن يوسف - عليه السلام - أنَّه قال: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [يوسف: 37]3ولم يكن تلبّس بكفرٍ، ولكن ترْكه ترْكَ.4...................................
جاحدٍ له1.2