(43) إذا علمتَ أن لك ربًّا وأنه متنزه عن صفات المربوبين، وأنه منفرد سبحانه بالوحدانية؛ لزمك الوقوفُ عند أمره، ونهيه، وإرشاده في كل شيء، فعظّمت ما عظّم، وحقّرت ما حقّر، وكرّمت ما كرّم، وأهنتَ ما أهان، وقدّمت ما قدّم، وأخّرت ما أخّر، وكبّرت ما كبّر، وصغّرت ما صغّر، وعلمت أنه لا حول ولا قوة لك إلا به، وأنه أوجدك من العدم، ولا يقدر على ذلك غيره، وطوّرك أطواراً، وبصّرك أبصاراً، وفتق1لك أنواراً، وطرق لك طرقاً، ودعاك إليه، وجعل لك بفضله ووعده عليه، كل ذلك ليعرفك وجوده، ويحقق2لك كرمه وجوده، فهو أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين.
مبتدئ بالنعم قبل استحقاقها، سابق بالنوال3قبل السؤال، إذا أعرضت4عنه أقبل عليك، يستدرجك بإنعامه وإفضاله، ويواصلك بعطائه ونواله، ويجود عليك بإلهامه وإرساله، ويفتق بصيرتك للفهم عنه وعن رسوله وآله5، وجعلك تدْعى في ملكوت السموات
والأرض1عظيماً، وصلَّت عليك ملائكة الله سبحانه، وسلّمت تسليماً، واستغفر لك كلُّ شيء حتى الحوت في الماء، والطير2في الهواء، وجعلك وارث الأنبياء شافعاً في عَرَصات القيامة، مقدماً فيها على شفاعة الشهداء، وصرت كالملح في الطعام لجميع الأشياء، مستغفراً للسابقين من المؤمنين، شفاء للخلفاء، تزال بك الأدواء ولا تزال إلا بالدواء، لا يتصرف إلا بأمرك لقيامك بأمر رب الأرض والسماء، وتشهد3لك الأشياء وأنت لا تشهدها؛ لئلا تحجب شهودك4لها، فشهودك لها إيماناً أفضل من شهودها عيانا؛ خوفاً من العطب، وطلباً للسلامة في المنقلب، والازدياد في الصعود والرغب.5