أهل الأثرالأرشيف العلمي

(23) لا1نكفّر أحداً من أهل القبلة بذنبٍ2، ونكفّره به إذا اعتقد حلّه3، أو جواز ارتكابه، أو أنه مأمور به أو أفضل من غيره؛ لأنه أضاف إلى الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ما لا يجوز إضافته، ومن أضاف إليهما أو إلى أحدهما ما لا يجوز عليه فقد4كفر؛ إذ أوامر الرسول - صلى الله عليه وسلم - من أوامر الله؛ ولهذا5قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80].
وكذلك من أضاف إلى إجماع المسلمين المعتدِّ بهم ما لا يجوز إضافته إليه كفر6؛ لإخبار الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - بعصمتهم

من الخطأ.1
إذا عرفت هذا، فاعلم أنه من كفّر مسلماً بغير حقٍّ أو قال له: يا كافر، من غير استنادٍ إلى ما يكفر ظاهراً هل يكفر بذلك؟ اختلف قول أصحاب الشافعيّ المتأخرين فيه على وجهين: أحدهما: وهو قول جمهورهم أنه لا يكفر بل هو عاصٍ بذلك؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها، فإن كان كما قال، وإلا [حار]2عليه"3، فلم يصرّح - صلى الله عليه وسلم - بكفره، وإنما معناه: رجع

عليه إثم قوله.1
والثاني: وهو قول أصحاب الحديث منهم2والمحققين أنه يكفر؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - جعل الكفر راجعاً عليه عند عدم المحلّ في المدعوّ بالكفر، وذلك يقتضي الحكم بكفره، واختار هذا صاحبا التتمة3

والبحر1، والله أعلم. إذا عرفت هذا في أحد المسلمين، فاعلم أنه من كفّر نبيًّا أو صحابيًّا أو وليًّا من أولياء الله تعالى، أو أحداً من آل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو أزواجه، أو ضللهم؛ فإنه يكفر بذلك بلا شكٍّ.2
وقد تقدم الكلام3على من سبّ الله أو رسوله أو غيرهما من الرسل والأنبياء، وأما من سبّ صحابيًّا أو تنقصه؛ فالمشهور من مذاهب العلماء عدم تكفيره، والرجوع في أمره إلى الاجتهاد والأدب، وهو المشهور من قول مالك - رحمه الله - قال: (من شتم أحداً من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -: أبا بكر، أو عمر، أو عثمان، أو عليًّا، أو معاوية، أو

عمرو بن العاص، فإن قال: كانوا على ضلالٍ وكفرٍ قتل، وإن شتمهم بغير هذا من مشاتمة الناس نكّل نكالاً شديداً).1
وقال ابن حبيب2: (من غلا من الشيعة إلى بغض عثمان والبراءة منه أُدّب أدباً شديداً، ومن زاد إلى بغض أبي بكر، أو عمر3فالعقوبة عليه أشدّ، ويكرر ضربه ويطال سجنه حتى يموت، ولا يبلغ به القتل إلا في سبّ النبي - صلى الله عليه وسلم -).4
وقال أبو محمد بن أبي زيد5عن سحنون6:

(من قال في أبي بكر، أو عمر، أو عثمان، أو علي1- رضي الله عنهم -: إنهم كانوا على ضلالةٍ وكفر قتل، ومن شتم غيرهم من الصحابة بمثل هذا نكّل النكال الشديد).2
وروي عن مالك: من سبّ أبا بكر جلد، ومن سبّ عائشة قتل، قيل له: لم؟ قال: (من رماها فقد خالف القرآن3)4، قلت: قوله: فقد خالف القرآن، أي: كذّبه.
وبهذا المعنى تمسك من كفّر بسبِّ الصحابة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، قال: لأن الله تعالى أخبر بأنه رضي عنهم ورضوا عنه5، ومعلوم أن الله - سبحانه وتعالى - لا يرضى الكفر، ولا يرضى عن أصحابه، فمن كفّر من أخبر الله سبحانه برضاه

عنه فقد كذّب الله في خبره، ومن كذّب الله تعالى في خبره فهو كافرٌ إجماعاً1، والله أعلم.
وقال ابن شعبان2عن مالك - رحمه الله - في قتل من سبّ عائشة: (لأن الله تعالى يقول: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 17] فمن عاد لمثله فقد كفر).3

وحكى [أبو الحسن]1الصقلي2أن القاضي [أبا بكر بن الطيب]34قال: (إن الله تعالى إذا ذكر في القرآن ما نسبه إليه المشركون سبّح نفسه لنفسه؛ كقوله - سبحانه وتعالى -: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ [الأنبياء: 26]5في آيٍ [كثيرةٍ].6
وذكر تعالى ما نسبه المنافقون إلى عائشة، فقال: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ﴾ [النور: 16] سبّح نفسه في تبرئتها من السوء كما سبّح نفسه في تبرئته7من السوء).8
وهذا يشهد لمالك في قتل من سبّ عائشة، ومعنى هذا - والله أعلم: أن الله سبحانه

لما عظّم سبّها كما [عظّم]1نفسه، وكان سبّها سبًّا لنبيه - صلى الله عليه وسلم -، وقرن سبّ نبيه - صلى الله عليه وسلم - وأذاه بأذائه تعالى2، وكان حكم مؤذيه تعالى القتل كان مؤذي نبيه كذلك3، ولهذا قال ابن شعبان: (ومن سبّ غير عائشة من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ففيها قولان: أحدهما: يقتل؛ لأنه سبَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بسبّ حليلته.4
والآخر: أنها كسائر أصحابه يجلد حدّ المفتري، قال: وبالأول أقول).5
وشتم رجلٌ عائشة بالكوفة، فَقُدِّم إلى موسى بن عيسى العباسي6فقال: من أحضر هذا؟ قال ابن أبي ليلى7: أنا، فَجُلد

ثمانين، وحُلِق رأسه، وأسلمه في الحجّامين1.2 وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الله الله في أصحابي، الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضاً3،4بعدي، فمن أحبهم فبحبِّي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه".5
وقال - صلى الله عليه وسلم -6: "لا تسبوا

أصحابي، فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً"1.2 وروي في حديثٍ: "لا تسبوا أصحابي فإنه يجيء قومٌ في آخر الزمان يسبون أصحابي، فلا تصلّوا عليهم، ولا تصلّوا معهم، ولا تناكحوهم، ولا تجالسوهم، وان مرضوا فلا تعودوهم"3، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من سبّ أصحابي فاضربوه".4
وقد أعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن سبهم وأذاهم يؤذيه، وأذى النبي - صلى الله عليه وسلم - حرامٌ. وقال: "لا تؤذوني في أصحابي، ومن آذاهم فقد آذاني".5
وقال

  • صلى الله عليه وسلم -: "لا تؤذوني في عائشة".1
    وقال: "فاطمة بضعة منّي، يوذيني ما آذاها2.3 وروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه نذر4قطع لسان عبيد الله ابن [عمر]5؛ إذ شتم المقداد بن الأسود؛ فكلّم في ذلك فقال: (دعوني أقطع لسانه حتى لا يشتم أحداً6بعد أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -).7

وأُتي عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بأعرابيٍّ يهجو الأنصار، فقال: (لولا أنَّ له صحبةً لكفيتكموه).1
قال2مالك - رحمه الله -: (من انتقص أحداً من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فليس له [في]3هذا الفيء حقٌّ، قد قسّم الله الفيء في ثلاثة أصنافٍ، فقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: 8] الآية، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر: 9] الآية، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: 10] الآية، فمن تنقَّصهم فلا حقَّ له في فيء المسلمين).4

وفي كتاب ابن شعبان1: (من قال في واحد منهم: إنه ابن زانية [و]2أمه مسلمة، يحدُّ3عند بعض أصحابنا حدّين: حدًّا له، وحدًّا لأمّه، ولا أجعله كقاذف الجماعة في كلمة؛ لفضل هذا على غيره؛ ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من سبَّ أصحابي فاجلدوه".4
قال: "ومن قذف أمّ أحدهم وهي كافرةٌ حُدّ حدّ الفرية؛ لأنه سبّ له، فإن كان أحدٌ من ولد [هذا]5الصحابي حيًّا قام بما يجب [له]6، وإلا فمن قام به من المسلمين كان على الإمام قبول قيامه"، قال7: وليس8هذا كحقوق غير الصحابة، لحرمة هؤلاء [بنبيهم]9- صلى الله عليه وسلم -، ولو سمعه الإمام وأشهد عليه كان وليَّ القيام به.10
وروى أبو مصعبٍ11عن مالكٍ: (من انتسب إلى.........

[بيت]1النبي - صلى الله عليه وسلم - يضرب ضرباً وجيعاً، ويشهر ويحبس2طويلاً حتى تظهر توبته3؛ لأنه استخفاف بحقَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم -).4
وقال القاضي عياض - رحمه الله -: وأفتى أبو المطرّف الشعبي5- فقيه مالَقَة -6في رجل أنكر تحليف امرأةٍ.........................

بالليل1، وقال: لو كانت بنت أبي بكر الصديق ما حلفتْ إلا بالنهار، وصوب [قوله]2بعض المتسمِّين بالفقه، فقال أبو المطرف: (ذكر هذا لابنة أبي بكر الصديق في مثل3هذا يوجب عليه الضرب الشديد، والسجن الطويل، والفقيه الذي صوّب قوله هو أحق باسم الفسق من اسم [الفقيه]4، فيتقدم إليه في ذلك ويؤخر ولا تقبل فتواه ولا شهادته، وهي جرحةٌ ثابتة فيه، ويبغض في الله - عز وجل -)5، والله أعلم.6

فصول الكتاب · 130 فصل · 478 صفحة
الانتقال إلى صفحة
الاعتقاد الخالص من الشك والانتقاد
تأليف ابن العطار
تقدّمك في الكتاب: فصل — 100 من 130
فصول الاعتقاد الخالص من الشك والانتقاد · 478 صفحة
مقدمة الكتابالمقدمةالمقدمةأولاً: أهمية الموضوع، وأسباب اختياره:ثانياً: خطة البحث:ثالثاً: منهجي في التحقيق والتعليق.ثالثاً: منهجي في التحقيق والتعليق:أولاً: خدمة نصِّ الكتاب:ثانياً: منهجي في التعليق:: الدَّراسةالفصلُ الأول: ترجمة المؤلفتمهيد.تمهيدعصرهأولاً: أهم الملوك:اسمه ونسبهأسرتهمولدهنشأتهطلبه للعلمالرحلة في طلب العلمشيوخهشيوخهتلاميذهصفاته وأخلاقهمكانته العلميةتدريسهفتاواهمؤلفاتهاختصار نصيحة أهل الحديث:الاعتقاد الخالص من الشك والانتقاد:تحفة الطالبين في ترجمة الإِمام محيي الدين:ترتيب الفتاوى النووية:حكم الاحتكار عند غلاء الأسعار:حكم البلوى وابتلاء العباد:رسالة في أحكام الموتى وغسلهم:(رسالة في بيان الفرق الضالة)رسالة في السماع:سؤال عن قوم من أهل البدع يأكلون الحيات والنيران:شرح عمدة الحافظ وعدة اللافظ لابن مالك:العدة في شرح العمدة:فضل الجهاد:الفقه في حكم صيام جميع شعبان ورجب:مجلس في زيارة القبورمسألة في حكم المكوس:معجم الشيوخ:الوثائق المجموعة:وفاتهالفصل الثاني: دراسة الكتابالمبحث الأول: عنوان الكتاب، ونسبته لمؤلفه.المبحث الأول: عنوان الكتاب ونسبته لمؤلفهالمطلب الأول: عنوان الكتاب.المطلب الأول: عنوان الكتابالمطلب الثاني: نسبة الكتاب إلى مؤلفهالمبحث الثاني: مصادر المؤلف فى كتابهالمبحث الثالث: عرض لأهم قضايا الكتابأولاً: النُّزول:ثانياً: الرؤية:ثالثاً: مسألة خلق القرآن، واللفظ به:رابعاً: الفوقية والعلو:خامساً: الإيمان:سادساً: القضاء والقدر:سابعاً: الحب والبغض في الله:ثامناً: الكفر:المبحث الرابع: منهج المؤلف فى كتابهالمبحث الخامس: وصف النُّسخ الخطيَّةالمطلب الأول: وصف النُّسخ الخطيَّة.المطلب الأول: وصف النُّسخ الخطيةالنُّسخة الأولى:النُّسخة الثانية:النُّسخة الثالثة:المطلب الثاني: التملكات والتعليقاتالمطلب الثالث: تقويم المطبوع من الرسالةالمبحث السَّادس: تقويم الكتابالمطلب الأول: مزايا الكتاب.المطلب الأول: مزايا الكتابالمطلب الثاني: المآخد على الكتابفصل1يجبُ أن نعتقدَ1أن الله - سبحانه وتعالى - كان ولا شيءَ معه2، وهو - سبحانه وتعالى - على ما كان، وأنَّه سبحانه واحدٌ في ذاته، واحدٌ في صفاته، واحدٌ في مخلوقاته.3فصل2يجب أن نعتقد1أنَّ ما أثبته الله سبحانه في كتبه على لسان رسله - صلواتُ الله عليهم وسلامه - حقٌّ، وأنَّ جميع ما فيها من [الوجود]2والإيجاد الثابتين للإلهيَّة والتنزيه عن الحدثِ والمحدَثِ وصفاتِهما حقٌّ. وأنَّ الكتاب العزيز المُنزَّلَ على لسان محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - أتى بجميع ما فيها من ذلك وأبين، وأنَّه لا اختلاف بين الكتب، في ذلك، وأنَّه ناسخٌ لجميع الكتب. وأنَّ شريعة محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ناسخةٌ لجميع الشرائعِ.فصل3الوجود الذاتيُّ ثابتٌ له سبحانه، والصفات ثابتةٌ له - سبحانه وتعالى -[أزلاً]1أبداً. ووجود المخلوقين وصفاتهم منفيٌّ عنه سبحانه. فهو سبحانه قديمٌ أزليٌّ2دائمٌ سرمديٌّ3،.............................فصلفصل5رؤية الباري - عز وجل - في دار السلام واجبةُ الإيمان بها من غير اعتبارٍ بوهمٍ1، ولا تأويلٍ2بفهمٍ3، ولا إحاطةٍ ولا كيفية، إذ تأويلُها وتأويلُ كلَّ معنىً يضافُ إلى الربوبية؛ [تركُه، ولزومُ]4التسليم، وهو دين المرسلين، إذ التنزيه نفي التشبيه؛ لانفراده - سبحانه وتعالى - بوصف الوحدانية والفردانية، لا يشاركه فيه أحدٌ من البريَّة؛ لتعاليه سبحانه5عنفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصل (51)الخاتمةفهرس المصادر والمراجع
جارٍ التحميل