الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيينمسألة: [وزن الخماسي المكرر ثانية وثالثة]

مسألة: [وزن الخماسي المكرر ثانية وثالثة]

عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو البركات الأنباري
الكتاب
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين
المؤلف
عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (المتوفى: 577هـ)
الناشر
المكتبة العصرية
الطبعة
الأولى 1424هـ- 2003م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

1 ذهب الكوفيون إلى أن "صَمَحْمَح ودَمَكْمَكَ" على وزن فعلَّل.
وذهب البصريون إلى أنه على وزن فَعَلْعَلَ.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه على وزن فعلل، وذلك أن الأصل في "صمحمح ودمكمك صمحَّح ودمكَّك، إلا أنهم استثقلوا جمع ثلاث حاءات وثلاث كافات، فجعلوا الوسطى منها ميما، والإبدال لاجتماع الأمثال كثير في الاستعمال، قال الله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: 94] والأصل كُبِّبُوا؛ لأنه من "كَبَبْتُ الرجل على وجهه" إلا أنهم استثقلوا اجتماع ثلاث باءات فأبدل من الوسطى كاف، وقال الفرزدق: 1 موانع للأسرار إلا لأهلها ... ويُخْلِفْنَ ما ظنَّ الغَيورُ المُشَفْشَفُ

والأصل في المُشَفْشَفِ المشَفَّفُ لأنه من "شفَّتْه الغيرة، وشَفَّه الحُزْنُ" إلا أنه استثقل اجتماع ثلاث فاءات، فأبدل من الوسطى شينًا، وقال الآخر، وهو الأعشى: 1 وتَبْرُدُ بَرْدَ رداء العرو ... س بالصيف رقرقت فيه العبيرا = الفاعل، ومعناه المنقر والمفتش عن المساوي.
هذا كلام شارح النقائض بحروفه.
ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله "المشفشف" فإن الكوفيين زعموا في هذه الكلمة ونظائرها أن أصلها المشفف -بثلاث فاءات- فأبدلوا من الفاء الثانية حرفا من جنس فاء الكلمة -وهي الشين- فصار المشفشف، فهذه الشين لام أولى للكلمة لأنها بدل من لامها الأولى، وعلى هذا يكون المشفشف على وزن المفعلل، والذي يدلّ على ذلك الاشتقاق، فإنا رأينا العرب يقولون: شف جسم فلان؛ إذا هزل ونحل من الوجد والهم، وقالوا: شفه الوجد والهم يشفه -من مثال مده يمده- إذا أضعفه وهزله، ومن ذلك قول أبي ذؤيب الهذلي: فهن عكوف كنوح الكريـ ... ـم قد شف أكبادهن الهوى ثم رأينا هم يقولون في هذا المعنى نفسه: شفشفه الهم والحزن، فعلمنا أنهم أرادوا أن يضعفوا العين على مثال قطع وهذب، فاجتمع عندهم ثلاث فاءات، وهم يكرهون اجتماع ثلاثة أمثال، ففروا من ذلك إلى إبدال الثانية حرفا آخر، ووجدوا أن أحسن ما يفعلون أن يبدلوه حرفا من جنس فاء الكلمة.

والأصل في رقرقت رقَّقْتَ؛ لأنه من "الرِّقَّةِ" فأبدل من القاف الوسطى راء، وقال الآخر: 1 باتَتَ تُكَرْكِرُهُ الجنوب والأصل في تكركره تكرره؛ لأنه من "التكرير" فأبدل من الراء الوسطى كافا، وكذلك أيضا قالوا "تململ على فراشه" والأصل تملل لأنه من "المَلَّة" وهو الرماد الحارُّ، إلا أنهم أبدلوا من اللام الوسطى ميما، وكذلك قالوا "تغلغل في الشيء" والأصل تغلل؛ لأنه من "الغلل" وهو الماء الجارى بين الشجر، فأبدلوا من اللام الوسطى غينا، وكذلك قالوا "تكمكم" والأصل تكمَّم لأنه من "الكُمَّة" وهي القَلَنْسُوَة، فأبدلوا من الميم الوسطى كافا، وكذلك قالوا "حَثْحَث" والأصل حَثَّثَ لأنه من "الحث" إلا أنهم أبدلوا من الثاء الوسطى حاء كراهية لاجتماع الأمثال، فكذلك ههنا: الأصل فيه "صَمَحَّح" إلا أنهم أبدلوا من الحاء الوسطى ميما كراهية لاجتماع الأمثال، وكانت الميم أولى بالزيادة لأنها من حروف الزيادة التي تختص بالأسماء.
وقلنا "إنه لا يجوز أن يكون وزنه فعلعل" بتكرير العين؛ لأنه لو جاز أن يقال ذلك لجاز أن يقال صرصر، وسجسج وزنه فعفع لتكرير الفاء فيه؛ فلما بطل أن يكون صرصر على فعفع بطل أيضا أن يكون صمحمح على فعلعل.

قالوا: ولا يلزم على كلامنا، نحو "احْقَوْقَفَ الظَّبْيُ، واغْدَوْدَنَ الشَّعْرُ" وما أشبه ذلك، فإنه على وزن افْعَوْعَلَ؛ لأنا نقول: إنما قلنا إنه على وزن افعوعل؛ لأنه ليس في الأفعال ما هو على وزن "افْعَلَّل" فقلنا: إن وزنه على افعوعل، بخلاف ما هنا؛ فإن في الأسماء ما هو على وزن فَعَلَّل، نحو "سَفَرْجَلَ، فَرَزْدَقَ" وكذلك لا يلزم على كلامنا نحو "خُلَعْلَعَ" وهو الخُعَل، و"ذُرَحْرَح" وهو دويبة، فإنه على وزن فعلعل؛ لأنا نقول: إنما قلنا إنه على وزن فُعَلْعَل؛ لأنه ليس في الأسماء ما هو على وزن فُعَلَّل -بضم الأول- وإذا خرج لفظ عن أَبْنِيَةِ كلامهم دلَّ ذلك على زيادة الحرف فيه.
والذي يدل على ذلك أنهم قالوا في ذرحرح: ذُرَّاح، فأسقطوا أحد المثلين، ولو كان خماسيا لم يأتِ منه ذراح على وزن فُعَّال، نحو: كرَّام، وحسَّان؛ فبان الفرق بينهما.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إن وزنه فَعَلْعَلَ؛ لأن الظاهر أن العين واللام قد تكررتا فيه؛ فوجب أن يكون وزنه فَعَلْعَلَ، ألا ترى أنه إذا تكررت العين في نحو "ضرَّب وقتَّل" كان وزنه فَعَّل، أو تكرّرت اللام في نحو "احمرَّ واصفرَّ" كان وزنه افعلَّ؛ فكذلك ههنا: لما تكررت العين واللام في نحو "صمحمح ومكمك" يجب أن يكون وزنه فعلعل لتكرّرهما فيه، هذا حكم الظاهر، فمن ادَّعى قلبًا بقي مرتهنًا بإقامة الدليل.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إن الأصل صمحَّح، ودمكَّك" قلنا: هذا مجرد دَعْوَى لا يستند إلى معنًى، بل تكرير عين الفعل ولامه كتكرير فاء الفعل وعينه في مَرْمَرِيسٍ وهي الداهية، ومَرْمَرِيتٍ وهي القَفْر؛ لأنهما من1 المَرَاسَة والمَرْتِ، وأما تلك المواضع التي استشهدوا بها على الإبدال لاجتماع الأمثال؛ فهناك قام الدليل في ردّ الكلمة إلى أصلها، وذلك غير موجود ههنا.
وقولهم "لو جاز أن يقال إن وزن فعلعل -بتكرير العين- لجاز أن يقال: صرصر وسجسج، وزنه فَعْفَعَ لتكرير الفاء فيه" قلنا: هذا باطل، وذلك أن الحرف إنما يجعل زائدا في الاسم والفعل إذا كان على ثلاثة أحرف سواه، وهي فاء الفعل وعينه ولامه، وصرصر وسجسج لم يُوجَد فيه ذلك؛ فلو قلنا إن

وزنه فعفع لأدَّى ذلك إلى إسقاط لامه، وذلك لا يجوز، بخلاف صمحمح ودمكمك؛ فإنه قد وجد فيه ثلاثة أحرف فاء وعين ولام، فلما لم يؤدِّ ذلك إلى إسقاط لامه كان ذلك جائزا، وصار هذا كما تجعل إحدى الدالين في اسْوَدَّ زائدة، ولا تجعل إحدى الدالين في ردّ ومدّ زائدة؛ لأنا لو جعلنا إحداهما زائدة لأدّى ذلك إلى إسقاط لام الفعل أو عينه، وذلك لا يجوز؛ فكذلك ههنا، والله أعلم.

114-

جارٍ التحميل