مسألة: [هل يجوز أن تجيء واو العطف زائدة؟]
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو البركات الأنباري
- الكتاب
- الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين
- المؤلف
- عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (المتوفى: 577هـ)
- الناشر
- المكتبة العصرية
- الطبعة
- الأولى 1424هـ- 2003م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
1
ذهب الكوفيون إلى أن الواو العاطفة يجوز أن تقع زائدة، وإليه ذهب أبو الحسن الأخفش وأبو العباس المُبَرِّد وأبو القاسم بن بَرْهَان من البصريين.
وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أن الواو يجوز أن تقع زائدة أنه قد جاء ذلك كثيرًا في كتاب الله تعالى وكلام العرب، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهاَ﴾ [الزمر: 73] فالواو زائدة لأن التقدير فيه: فتحت أبوابها؛ لأنه جواب لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ كما قال تعالى في صفة سوق أهل النار إليها: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا َفُتِحَتْ أَبْوَابُهاَ﴾ [الزمر: 71] ولا فرق بين الآيتين، وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء: 96، 97] فالواو زائدة؛ لأن التقدير فيه: اقترب؛ لأنه جواب لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ﴾ وقال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: 1-5] والتقدير فيه أذنت، لأنه جواب "إذا" والشواهد على هذا النحو من التنزيل كثيرة.
وقال الشاعر:
1
فَلَمَّا أَجَزْنَا سَاحةَ الحَيِّ وانْتَحى ... بنا بَطْنُ حِقْفٍ ذِي قِفَافٍ عَقَنْقَلِ
والتقدير فيه: انتحى، والواو زائدة؛ لأنه جواب "لما" وقال الآخر:
1
حتى إذ قَمِلَتْ بُطُونُكُمُ ... ورَأَيتُمُ أَبْنَاءَكُمْ شَبُّوا = بطن من الأرض غامض، ويروى "بطن حقف" كما رواه المؤلف، والحقف -بالكسر- ما اعوج وتثنّى من الرمل، والقفاف: جمع قف -بالضم- وهو ما ارتفع من الأرض وغلظ ولم يبلغ أن يكون جبلًا، والعقنقل -بوزن سفرجل- المنعقد الداخل بعضه في بعض، واعلم قبل كل شيء أن من الرواة من يروي البيت الذي بعد هذا البيت المستشهد به هكذا: هصرت بفودي رأسها فتمايلت ... على هضيم الكشح ريّا المخلخل وهذه رواية الخطيب التبريزي، وعلى ذلك يكون جواب "لما" الواقعة في أول البيت المستشهد به هو قوله "هصرت.... إلخ" عند الفريقين، ولا يكون في البيت شاهد لما جاء به المؤلف من أجله، ومن الرواة من يروي البيت الذي عقب البيت المستشهد به هكذا: إذا قلت هاتي نوليني تمايلت ... على هضيم الكشح ريا المخلخل وهذه الرواية هي التي دار حولها جدال الكوفيين والبصريين، وكلا الفريقين يسلم أنه لا بد لـ"لما" التي في أول بيت الشاهد من جواب؛ أما الكوفيون فيقولون: جواب لما في البيت نفسه وهو قوله "انتحى بنا بطن خبت" وكأنه قد قال: لما قطعنا ساحة الحي وفارقناها اعترض لنا بطن خبت، والواو في قوله وانتحى بنا.... إلخ زائدة، وأما البصريون فيقولون: الجواب محذوف، وكأنه قد قال: لما قطعنا ساحة الحي وفارقناها أمنا من ترصد الوشاة، أو نلنا ما كنا تمنيناه، أو نحو ذلك.
قال الخطيب التبريزي: "وذكر بعضهم أن جواب لما قوله انتحى بنا، والواو مقحمة، ويجو أن تكون الواو غير مقحمة ويكون الجواب محذوفا، ويكون التقدير: فلما أجزنا ساحة الحي أمنا، وعلى هذا يكون رواية البيت بعده: إذا قلت هاتي ... البيت" ا. هـ.
وقَلَبْتُمُ ظَهْرَ المِجَنِّ لَنَا ... إنّ اللَّئِيمَ العَاجِزُ الخَبُّ
والتقدير فيه: قلبتم، والواو زائدة.
والشواهد على هذا النحو من أشعارهم أكثر من أن تحصى.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الواو في الأصل حرف وُضِعَ لمعنى؛ فلا يجوز أن يحكم بزيادته مهما أمكن أن يُجْزَى على أصله، وقد أمكن ههنا، وجميع ما استشهدوا به على الزيادة يمكن أن يُحْمَل فيه على أصله وسنبين ذلك في الجواب عن كلماتهم.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: 73] فنقول: هذه الآية لا حجة لكم فيها؛ لأن الواو في قوله: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ عاطفة وليست زائدة، وأما جواب ﴿إِذَا﴾ فمحذوف، والتقدير فيه: حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها فَازُوا ونَعِمُوا، وكذلك قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، واقترب﴾ [الأنبياء: 96، 97] الواو فيه عاطفة، وليست زائدة، والجواب محذوف، والتقدير فيه: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون قالوا يا ويلنا، فحذف القول، وقيل: جوابها: "فإذا هي شاخصة"، وكذلك قول الله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق 1: 5] الواو فيه عاطفة، وليست زائدة، والجواب محذوف، والتقدير فيه: إذا السماء انشقت وأذنت لربها وحقت وإذا الأرض مدت وألقت ما فيها وتخَلَّتْ وأذنت لربها وحقت يرى الإنسان الثواب والعقاب، ويدل على هذا التقدير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق: 6] أي ساعٍ إليه في عملك، والكَدْحُ: عمل الإنسان من الخير والشر الذي يُجَازَى عليه بالثواب والعقاب.
وأما قول الشاعر:
[288]
فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى ... بنا بطن حقف ذي قِفافٍ عقنقل
فالواو فيه أيضًا عاطفة، وليست زائدة، والجواب مقدر، والتقدير فيه: فلما = بها، والمراد في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ أدرك ثوابنا ونال المنزلة الرفيعة لدينا، وكذلك ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ تقديره: صادفوا الثواب الذي وعدوه، ونحوه، وكذلك قول الشاعر: حتى إذا امتلأت بطونكم وكان كذا وكذا تحقق منكم الغدر، واستحققتم اللّوم ونحو ذلك مما يصلح أن يكون جوابًا" ا. هـ.
أجزنا ساحة الحي وانتحى بنا بطن حقف ذي قفاف عقنقل خَلَوْنَا ونعمنا، وكذلك أيضا قول الآخر:
[289]
حتى إذا قَمِلَتْ بطونكم ... ورأيتم أبناؤكم شَبُّوا
وقلبتم ظهر المجن لنا ... إن اللئيم العاجز الخَبُّ
الواو فيه عاطفة، وليست زائدة، والتقدير فيه: حتى إذا قملت بطونكم ورأيتم أبناءكم شبوا وقلبتم ظهر المجن لنا بان غدركم ولُؤْمُكم.
وإنما حذف الجواب في هذه المواضع للعلم به؛ توخّيًا للإيجاز والاختصار.
وقد جاء حذف الجواب في كتاب الله تعالى وكلام العرب كثيرًا، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً﴾ [الرعد: 31] فحذف جواب "لو" ولا بدّ لها من الجواب، والتقدير فيه: ولو أن قرآنا سُيِّرَت به الجبال أو قطعت به الأرض لكان هذا القرآن، فحذفه للعلم به توخيا للإيجاز والاختصار، وقال تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: 20] فحذف جواب "لولا" والتقدير فيه: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لفَضَحَكُم بما ترتكبون من الفاحشة ولعاجَلَكم بالعقوبة؛ وقال عبد مَنَافٍ بن رِبْعٍ الهُذَلِيُّ:
1
حتى إذا أَسْلَكُوهُم في قُتَائِدَةٍ ... شَلَّا كما تَطْرُدُ الجَمَّالَةُ الشَّرُدَا
ولم يأتِ بالجواب؛ لأن هذا البيت آخر القصيدة؛ والتقدير فيه: حتى إذا أسلكوهم في قُتَائدة شُلُّوا شلًّا، فحذف للعلم به توخّيًا للإيجاز والاختصار على ما بيَّنَّا.
ثم حذف الجواب أبلغ في المعنى من إظهاره، ألا ترى أنك لو قلت لعبدك "والله لئن قمت إليك" وسكتَّ عن الجواب ذهب فكره إلى أنواع من العقوبة والمكروه من القتل والقطع والضرب والكسر، فإذا تمثلَتْ في فكره أنواع العقوبات وتكاثرت عظمت الحال في نفسه ولم يعلم أيها يتقي؛ فكان أبلغ في رَدْعِهِ وزَجْرِهِ عما يُكْرَه منه، ولو قلت "والله لئن قمت إليك لأضربنك" وأظهرت الجواب لم يذهب فكره إلى نوع من المكروه سوى الضرب؛ فكان ذلك دون حذف الجواب في نفسه؛ لأنه قد وَطَّنَ له نفسَه فيسهل ذلك عليه، قال كثير:
1
وقلت له: يا عَزَّ كُلّ مُلِمَّةٍ ... إذا وُطِّنَتْ يومًا لها النفسُ ذَلَّتِ
وكذلك الحال في الإحسان، نحو "والله لئن زرتني": إذا حذفت الجواب تصورت له أنواع الإحسان إليه من إكرامه والإنعام عليه؛ فكان ذلك أبلغ في استدعائه إلى الزيارة وإسراعه إليها، ولو قلت "والله لئن زرتني لأعطيتك درهما" لم يذهب فكره إلى غير الدرهم قط1؛ فكان ذلك دون حذف الجواب في نفسه؛ لأنه ربما يكون مستغنيا عنه غير راغب فيه؛ فلا يدعوه ذلك إلى الزيارة، وإذا حذفت الجواب تصورت له أنواع الإحسان إليه؛ فكان ذلك أدعى له إلى الزيارة، كما كان الأول أدعى إلى الترك، على ما بيَّنَّا، والله أعلم.
65-