مسألة: [القول في تقديم معمول اسم الفعل عليه]
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو البركات الأنباري
- الكتاب
- الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين
- المؤلف
- عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (المتوفى: 577هـ)
- الناشر
- المكتبة العصرية
- الطبعة
- الأولى 1424هـ- 2003م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
1
ذهب الكوفيون إلى أن "عليك، ودونك، وعندك" في الإغراء يجوز تقديم معمولاتها عليها، نحو "زيدًا عليك، عمرًا عندك، وبكرًا دونك".
وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز تقديم معمولاتها عليها، وإليه ذهب الفراء من الكوفيين.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنه يجوز تقديم معمولاتها عليها النقل والقياس.
أما النقل فقد قال الله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 24] والتقدير فيه: عليكم كتاب الله: أي الزموا كتاب الله، فنصب كتاب الله بعليكم، فدَّل على جواز تقديمه.
واحتجوا أيضًا بالأبيات المشهورة:
1
يا أيها المائح دَلْوِي دُونَكُمَا ... إني رأيت الناس يَحْمِدُونَكَا
يُثْنُونَ خيرًا ويُمَجِّدُونَكَا
والتقدير فيه: دونك دلوي؛ فدلوي في موضع نصب بدونك؛ فدل على جواز تقديمه.
وأما القياس فقالوا: أجمعنا على أن هذه الألفاظ قامت مقام الفعل، ألا ترى أنك إذا قلت "عليك زيدًا" أي الزم زيدًا، وإذا قلت "عندك عمرا" أن تناول عمرا، وإذا قلت "دونك بكرا" أي خذ بكرًا، ولو قلت "زيدًا الزم، وعمرًا تناول، وبكرًا خذ" فقدمت المفعول لكان جائزًا، فكذلك مع ما قام مقامه.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنه لا يجوز تقديم معمولاتها عليها أن هذه الألفاظ فرعٌ على الفعل في العمل؛ لأنها إنما عملت عمله لقيامها مقامه؛ فينبغي أن لا تتصرف تصرفَهُ؛ فوجب أن لا يجوز تقديم معمولاتها عليها وصار هذا كما نقول في الحال إذا كان العامل فيها غير فعل؛ فإنه لا يجوز تقديمها عليه لعدم تصرفه، فكذلك ههنا؛ إذ لو قلنا إنه يَتَصَرَّف عملها، ويجوز تقديم معمولاتها عليها لأدَّى ذلك إلى التسوية بين الفرع والأصل، وذلك لا يجوز؛ لأن الفروع أبدًا تنحط عن درجات الأصول.
= هذا الشاهد، ولم يرتضِ البصريون هذا، وقالوا: إن البيت يحتمل وجوهًا أخرى من الإعراب؛ منها أن يكون "دلوي" مفعولًا به لفعل محذوف يفسره اسم الفعل، ومنها أن يكون "دلوي" مبتدأ وخبره الجملة من اسم الفعل وفاعله، والرابط ضمير منصوب بدونك محذوف، والتقدير: دلوي دونكه، كما تقول: دلوي خذه، ولم يذكر المؤلف هذا التخريج لأنه لا يجيزه، ومنها أن يكون دلوي خبر مبتدأ محذوف، ثم قالوا: إن البيت الواحد لا تثبت به قاعدة، فليكن هذا البيت شاذًّا إن لم تقبلوا تأويله.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 24] فليس لهم فيه حجة؛ لأن ﴿كِتَابَ اللهِ﴾ ليس منصوبا بعليكم، وإنما هو منصوب لأنه مصدر، والعامل فيه فعل مقدر، والتقدير فيه: كتب كتابًا اللهُ عليكم، وإنما قُدِّرَ هذا الفعل ولم يظهر لدلالة ما تقدم عليه، كما قال الشاعر: 1 ما إن يَمَسُّ الأرضَ إلا مَنْكِبٌ ... منه، وحرف السَّاقِ، طَيَّ المِحْمَلِ فقوله "طي المحمل" منصوب لأنه مصدر، والعامل فيه فعل مُقَدَّر، والتقدير فيه: طُوِيَ طي المحمل، وإنما قدر ولم يظهر لدليل ما تقدم عليه من قوله: "ما إن يمس الأرض إلا منكب منه"، فكذلك ههنا: قُدِّرَ هذا الفعل ولم يظهر لدلالة ما تقدم عليه من قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ﴾ [النساء: من الآية23] فإن فيه دلالة على أن ذلك مكتوب عليهم؛ فلما قدر هذا الفعل ولم يظهر بقي التقدير فيه: كتابًا اللهُ عليكم، ثم أضيف المصدر إلى الفاعل كقوله: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِي تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل: من الآية88] فَنَصَبَ
﴿صُنْعَ﴾ على المصدر بفعل مقدر، وإنما قدر هذا الفعل ولم يظهر لدلالة ما تقدم عليه من الكلام، والتقدير فيه: صَنَعَ صنعًا الله، وحُذِفَ الفعل وأضيف المصدر إلى الفاعل؛ لأنه يضاف إلى الفاعل كما يضاف إلى المفعول، وقال الراعي: 1 دَأَبْتُ إلى أن يَنْبُتَ الظِّلُّ بَعْدَمَا ... تَقَاصَرَ حتى كَادَ في الآل يَمْصَحُ وجِيفَ المَطَايَا، ثم قلتُ لصحبتي ... ولم ينزلوا: أَبْرَدْتُمُ فَتَرَوَّحُوا فنصب "وَجيفَ" على المصدر بفعل مُقَدَّر على ما تقدم، وأضاف المصدر إلى الفاعل، وقال لبيدٌ: 2 حتى تهجَّر في الرَّوَاح وهَاجَهَا ... طَلَبَ المُعَقبِ حَقَّهُ المَظْلُومُ
كأنه قال: طلبًا المعقبُ حَقَّهُ، ثم أضاف المصدر إلى المعقب وهو فاعل بدليل أنه قال "المظلوم" بالرفع حملًا للوصف على الموضع، وإضَافَةُ المصدر إلى الفاعل أكثر من أن تحصى، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ [البقرة: 251] فأضاف المصدر إلى اسم الله تعالى وهو الفاعل، ونحوه قولهم "ضربي زيدًا قائمًا، وأكثر شُرْبِي السويقَ ملتُوتًا" وقال الشاعر: 1 فلا تُكْثِرَا لَوْمِي، فإن أَخَاكُمَا ... بِذِكْرَاهُ ليلى العامرية مُولَعُ فأضاف المصدر إلى الضمير في "ذكراه" وهو فاعل، وقال الآخر: 2 أُفَنَى تِلَادِي وما جَمَّعْتُ مِنْ نَشَبِ ... قَرْعُ القَوَاقِيزِ أَفْوَاهَ الأَبَارِيقِ = الإطنابة وفيه ما ذكر ثلاث مرات: أبت لي عفتي، وأبى بلائي ... وأخذي الحمد بالثمن الربيح وإقحامي على المكروه نفسي ... وضربي هامة البطل المشيح
فأضاف المصدر إلى "القوافيز" وهو فاعل فيمن روى "أَفْوَاهَ" منصوبًا، ومن روى "أَفْوَاهُ" بالرفع جعله مضافًا إلى المفعول، والشواهد على هذا النحو كثيرة جدًّا.
وأما البيت الذي أنشدوه:
[143]
يا أيها المائح دَلْوِي دُونَكَا
فلا حُجَّةَ لهم فيه من وجهين؛ أحدهما: أن قوله "دلوي" ليس هو في موضع نصب، وإنما هو في موضع رفع؛ لأنه خبر مبتدأ مقدر1، والتقدير فيه: هذا دلوى دونكا.
والثاني: أنا نسلم2 أنه في موضع نصب، ولكنه لا يكون منصوبًا بدونك، وإنما هو منصوب بتقدير فعل؛ كأنه قال: خُذْ دَلْوِي دُونَكَ، و "دونك" مفسر لذلك الفعل المقدر.
وأما قولهم "إنها قامت مقام الفعل فيجوز تقديم معمولها عليها كالفعل" قلنا: هذا فاسد، وذلك لأن الفعل3 الذي قامت هذه الألفاظ مقامه يستحق في الأصل أن يعمل النصب، وهو متصرف في نفسه فتصرف عملهُ، وأما هذه الألفاظ فلا تستحق في الأصل أن تعمل النصب، وإنما أُعْمِلَتْ لقيامها مقام الفعل، وهي غير متصرفة في نفسها؛ فينبغي أن لا يتصرف عملها؛ فوجب أن لا يجوز تقديم معمولها عليها، والله أعلم.
= مصدرًا مضافًا إلى فاعله ثم بعد ذلك أتى بمفعوله، ومن رفع فقد جعل الفرع مصدرًا مضافًا إلى مفعوله ثم أتى بعد ذلك بفاعله، وكل من الوجهين صحيح من جهة العربية ومن جهة المعنى؛ فقد أضيف المصدر إلى فاعله ثم أتى بمفعوله كثيرًا كما في الشواهد السابقة وما أثرناه معها، وأضيف إلى مفعوله ثم أتى بفاعله كما في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ فإن الحج مصدر مضاف إلى مفعوله الذي هو البيت وقد جيء بعده بفاعله وهو قوله سبحانه من استطاع.
ومن الأول: -زيادة على ما أثرناه- قول الشاعر، وهو الأشجعي:
وعدت وكان الخلف منك سجية ... مواعيد عرقوب أخاه بيثرب
وقد جاء في القرآن الكريم من ذلك قوله تعالى: ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ ومنه قوله سبحانه: ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ ومن شواهد ذلك في اسم المصدر قول القطامي:
أكفرا بعد ردّ الموت عني ... وبعد عَطَائِك المائة الرتاعا 1 ويجوز أن يكون مبتدأ خبره الجملة من اسم الفعل وفاعله المستتر فيه وجوبًا، لكن المؤلف لا يجيز هذا الوجه، لأن الإخبار بالجملة الإنشائية لا يصح عنده؛ لذلك لم يذكر هذا الوجه، وقد نبهناك إلى ذلك في شرح الشاهد.
2 في ر "أنا لا نسلم ... إلخ" ولا يصح مع ما بعده.
3 في ر "الفعل التي" وليس بشيء.
28-