الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيينمسألة: [القول في تقديم خبر "ما زال" وأخواتها عليهن]

مسألة: [القول في تقديم خبر "ما زال" وأخواتها عليهن]

عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو البركات الأنباري
الكتاب
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين
المؤلف
عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (المتوفى: 577هـ)
الناشر
المكتبة العصرية
الطبعة
الأولى 1424هـ- 2003م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

1 ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز تقديم خبر "ما زال" عليها، وما كان في معناها من أخواتها، وإليه ذهب أبو الحسن بن كَيْسَان، وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز ذلك، وإليه ذهب أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء من الكوفيين، وأجمعوا على أنه لا يجوز تقديم خبر "ما دَامَ" عليها.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأن "ما زال" ليس بنفي للفعل، وإنما هو نفي لمفارقة الفعل، وبيان أن الفاعل حاله في الفعل متطاولة، والذي يدل على أنه ليس بنفي إن "زال" فيه معنى النفي، و "ما" للنفي، فلما دخل النفي على النفي صار إيجابًا، والذي يدل على أن النفي إذا دخل على النفي صار إيجابًا، أنك إذا قلت "انتفى الشئ" كان ضدًا للإثبات، فإذا أدخلت عليه النفي نحو "ما انْتَفَى" صار موجبًا؛ فدل على أن نفي النفي إيجاب، وإذا كان كذلك صار "ما زال" بمنزلة "كان" في أنه إيجاب، وكما أن "كأن" يجوز تقديم خبرها عليها نفسها، فكذلك"ما زال" ينبغي أن يجوز تقديم خبرها عليها، ولذلك لم يقولوا "ما زال زيد إلا قائمًا" كما لم يقولوا "كان زيد إلا قائمًا" لأن "إلا" إنما يؤتى بها لنقض النفي، كقولك "ما مررت إلا بزيد، وما ضربت إلا زيدًا" نفيت المرور والضرب أولًا، وأدخلت "إلا" فأثبتهما لزيد، وأبطلت النفي ونقضته، ولهذا إذا قلتم إنها إذا دخلت على "ما" التي ترفع الاسم وتنصب الخبر أبطلت عملها؛ لأنها إنما عملت لشبهها بليس في أنها تنفي الحال، كم أن ليس تنفي الحال؛ فإذا دخلت "إلا" عليها أبطلت معنى النفي، فزال شبهها بليس، فبطل عملها؛ فإذا كان الكلام ثابتًا فلا يفتقر إلى إثباته؛ ألا ترى أنك لو قلت "مررت إلا بأحد" لم يجز؛ لأن إثبات الثابت

ونقض النفي مع تعرِّي الكلام منه محال، فدل على أن "ما زال" في الإثبات بمنزلة "كان" فكما لا يقال "كان زيد إلا قائمًا" فكذلك لا يقال "ما زال زيد إلا قائمًا" فأما قول الشاعر: 1 حَرَاجِيجُ ما تَنْفَكُّ إلا مُنَاخَةً ... على الخسف أو نرمي بها بلدًا قَفْرَا

فالكلام عليه من أربعة أوجه؛ فالوجه الأول: أنه يروى "ما تنفك آلا مناخة" والآل: الشخص؛ يقال "هذا آلٌ قد بدا" أي شخص؛ وبه سمي الآل؛ لأنه يرفع الشخوص أول النهار وآخره؛ قال الشاعر: 1 كأننا رَعْنُ قَفٍّ يرفع الآلَا أي يرفعه الآل؛ وهو من المقلوب.
والوجه الثاني: أنه يروى "ما تنفك إلا مناخَةٌ" بالرفع، فلا يكون فيه حجة.
والوجه الثالث: أنه قد رُوِي بالنصب، ولكن ليس هو منصوبًا لأنه خبر "ما تنفك" وإنما خبرها "على الخسف" فكأنه قال: ما تنفك على الخسف، أي تُظْلَم إلا أن تناخ.
والوجه الرابع: أنه جعل "ما تنفك"

كلمة تامة؛ لأنك تقول "انفكت يده" فتوهم فيه التمام، ثم استثنى، وهذا الوجه رواه هشام عن الكسائي.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز تقديم خبر "ما زال" عليها لأن "ما" للنفي، والنفي له صدر الكلام؛ فجرى مَجْرَى حرف الاستفهام في أن له صدر الكلام، والسّرّ فيه هو أن الحرف إنما جاء لإفادة المعنى في الاسم والفعل؛ فينبغي أن يأتِيَ قبلهما، لا بعدهما، وكما أن حرف الاستفهام لا يعمل ما بعده فيما قبله فكذلك ههنا، ألا ترى أنك لو قلت في الاستفهام "زيدًا أَضَرَبْتَ" لم يجز، لأنك تقدم ما هو متعلق بما بعد حرف الاستفهام عليه؛ فكذلك ههنا؛ إذا قلت "قائما ما زال زيدٌ" ينبغي أن لا يجوز لأنك تقدم ما هو متعلق بما بعد حرف النفي عليه.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إن ما زال ليس بنفي للفعل، وإنما هو نفي لمفارقة الفعل، والنفي إذا دخل على النفي صار إيجابًا" قلنا: هذا حجة عليكم، فإنّا كما أجمعنا على أن "ما زال" ليس بنفي للفعل أجمعنا على أن "ما" للنفي، ثم لو لم تكن "ما" للنفي لما صار الكلام بدخولها إيجابًا، فالكلام إيجابءَ و "ما" نفي؛ بدليل أنا لو قدرنا زوال النفي عنها لما كان الكلام إيجابًا، وإذا كانت للنفي فينبغي أن لا يتقدم ما هو متعلق بما بعدها عليها؛ لأنها تستحق صدر الكلام كالاستفهام.
وأما "ما دام" فلم يجز تقديم خبرها عليها نفسها لأن "ما" فيه مصدرية لا نافية، وذلك المصدر بمعنى ظرف الزمان؛ ألا ترى أنك إذا قلت "لا أفعل هذا ما دام زيد قائمًا" كان التقدير فيه: زَمَنَ دوام زيد قائمًا، كقولك "جِئْتكَ مَقْدَمَ الحاجِّ، وخُفُوق النجم" أي زمن مقدم الحاج وزمن خفوق النجم، إلا أنه حُذِفَ المضاف الذي هو الزمن، وأقيم المصدر الذي هو المضاف إليه مقامه، وإذا كانت "ما" في"ما دام" بمنزلة المصدر فما كان من صلة المصدر لا يتقدم عليه، والله أعلم.

18-

جارٍ التحميل