الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيينمسألة: [هل يجوز ترخيم الاسم الثلاثي؟]

مسألة: [هل يجوز ترخيم الاسم الثلاثي؟]

عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو البركات الأنباري
الكتاب
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين
المؤلف
عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (المتوفى: 577هـ)
الناشر
المكتبة العصرية
الطبعة
الأولى 1424هـ- 2003م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

1 ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز ترخيم الاسم الثلاثي إذا كان أوسطه متحركًا، وذلك نحو قولك في عُنُقٍ "يا عُنُ" وفي حَجَر "يا حَجَ" وفي كَتِف"ياكَتِ" وذهب بعضهم إلى أن الترخيم يجوز في الأسماء على الإطلاق.
وذهب البصريون إلى أن ترخيم ما كان على ثلاثة أحرف لا يجوز بحال، وإليه ذهب أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي من الكوفيين.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما جوزنا ترخيم ما كان على ثلاثة أحرف إذا كان أوسطه متحركًا لأن في الأسماء ما يماثله ويضاهيه نحو يَدٍ ودَمٍ، والأصل في يد يَدَيٌ، وفي دم دَمَوٌ في أحد القولين، بدليل قولهم: دَمَوَانً، وقد قال بعضهم: إن دمًا من ضوات الياء واحتج بقول الشاعر: [288] فَلَوْ أَنَّا عَلَى حَجَرٍ ذُبِحْنَا ... جَرَى الدَّمَيَانِ بالخَبَرِ اليَقِينِ1

والأكثرون على أنه من ذوا ت الواو، إلا أنهم استثقلوا الحركة على حرف العلة فيهما؛ لأن الحركات تستثقل على حرف العلة، فحذفوه طلبًا للتخفيف وفرارًا من الاستثقال، فبقيت يدٌ ودمٌ، فكذلك في محل الخلاف: الترخيم إنما وضع للتخفيف بالحذف، والحذف قد جاز في مثله للتخفيف، فوجب أن يكون جائزًا.
= الأشياء إلى أصولها، فمجيء الدميان بالياء يدل على أن اللام المحذوفة من "الدم" كانت ياء، وهذه المسألة خلافية بن النحاة من ناحيتين، ونحن نبين لك ذلك في وضوح واختصار فنقول: اعلم أولا أن العرب حذفت اللام من الدم لمجرد التخفيف فقالوا "دم" كما قالوا: غد، ويد، وأب، وأخ، وحم، وأنهم اشتقوا فعلا ووصفا من الدم فقالوا: دمى فلان يدمي فهو دم، بوزن فرح يفرح فرحًا فهو فرح من الصحيح وعمي يعمي عمى فهو عم وشجى يشجى شجى فهو شج من المعتل وأن أكثرهم يقولون في تثنية الدم "دميان" ومنهم من يقول في تثنيته "دموان" بفتح الميم التي قبل الياء أو الواو، وقد اختلف النحاة في المحذوف من "دم" أواو هو أم ياء؟ وفي أصل الميم قبل الحذف أمفتوحة هي أم ساكنة؟ فقال قوم: أصل دم دمي -بسكون الميم وبالياء في آخره- أما الدليل على أن أصل اللام ياء فهو تثنيته على "دميان" وأما الدليل على أن أصل الميم ساكنة فهو القياس؛ وذلك لأن أكثر ما حذف لامه اعتباطًا للتخفيف مثل ابن وغد ساكن العين، وتحريكها في التثنية لا يقطع بأنها كانت محركة في المفرد، وقال قوم: أصل اللام المحذوفة من "دم" واو, بدليل أنهم ثنوه فقالوا "دموان" ونحن بعد هذا نذكر لك كلام ابن الشَّجَرِي في أماليه في هذه المسألة فإنه -فيما نرى- أوفى كلامًا فيها، قال: "ودم عند بعض التصريفيين دمي -ساكن العين- قالوا: لأن الأصل في هذه المنقوصات أن تكون أعينها سواكن حتى يقوم دليل على الحركة، من حيث كان السكون هو الأصل والحركة طارئة، قالوا: وليس ظهور الحركة في قولنا دميان دليلًا على أن العين متحركة في الأصل؛ لأن الاسم إذا حذفت لامه واستمرت حركات الإعراب على عينه ثم أعيدت اللام في بعض تصاريف الكلمة ألزموا العين الحركة، وقال من خالف أصحاب هذا القول: أصل دم دمي -بفتح العين- لأن العرب قلبوا لامه ألفًا فألحقوه بباب رَحَا فقالوا: هذا دمًا، مثل قولهم: هذه رحا، وقال بعض العرب في تثنيته دمان فلم يردوا اللام، كما قالوا في تثنية يد: يدان، والوجه أن يكون العمل على الأكثر، وكذلك حكى قوم دموان، والأعرف فيه الياء، وعليه أنشدوا: جرى الدميان بالخبر اليقين ومن العرب من يقوم الدم -بتشديد الميم- كما تلفظ به العامة، وهي لغة رديئة، وأنشدوا لتأبط شرًّا: حيث التقت بكر وفهم كلها ... والدم يجري بينهم كالجدول والعامة تفعل مثل هذا في الفم أيضًا، وإنما يكون ذلك في الشعر، كما قال: يا ليتها قد خرجت من فمه ا. هـ كلامه، وفيه كفاية ومقنع.

قالوا: ولا يلزم على كلامنا إذا كان الأوسط منه ساكنًا؛ فإنه لا يجوز ترخيمه وإن كان له نظير نحو يَدٍ وغَدٍ؛ لأنا نقول: إنما لم يجز عندنا ترخيم ما كان الأوسط منه ساكنًا نحو زيد وعمرو لأنه إذا حذف الحرف الأخير وجب حذف الحرف الساكن الذي قبله؛ فيبقى الاسم على حرف واحد، وذلك لا نظير له في كلامهم، بخلاف ما إذا كان أوسطه متحركًا على ما بيّنا.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنه لا يجوز ترخيمه وذلك أنا أجمعنا على أن الترخيم في عرف النحويين إنما هو حذفٌ دخل في الاسم المنادى إذا كثرت حروفه، طلبًا للتخفيف، فإذا كان الترخيم إنما وضع في الأصل لهذا المعنى فهذا في محل الخلاف لا حاجة بنا إليه؛ لأن الاسم الثلاثي في غاية الخفة؛ فلا يحتمل الحذف، إذ لو قلنا إنه يخفف بحذف آخره لكان ذلك يؤدي إلى الإجحاف به؛ فدلَّ على ما قلناه.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إنما جوزنا ترخيمه لأن في الأسماء ما يماثله، نحو يَدٍ ودَمٍ" فنقول: الجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أنَّا نقول: إن هذه الأسماء قليلة في الاستعمال، بعيدة عن القياس: فأما قلتها في الاستعمال فظاهر؛ لأنها كلمات يسيرة معدودة، وأما بعدها عن القياس فظاهر أيضًا، وذلك لأن القياس يقتضي أن لا يحذف؛ لأن حرف العلة إذا كان متحركًا فلا يخلو: إما أن يكون ما قبله ساكنًا أو متحركًا، فإن كان ساكنًا فينبغي أن لا يحذف كما لا يحذف من ظَبْيٍ ونِحْيٍ وغَزْوٍ ولَهْوٍ؛ لأن الحركات إنما تستثقل على حرف العلة إذا كان ما قبله متحركًا لا ساكنًا، وإن كان ما قبله متحركًا فينبغي أن يقلب ألفًا ولا يحذف، كقولهم: رحًى، وعمًى، وعصًا، وقفًا، ألا ترى أن الأصل فيها رَحَيٌ وعَمَيٌ وعَصَوٌ وقَفَوٌ؛ بدليل قولهم: رَحَيَان، وعَمَيَان، وعَصَوَان، وقَفَوَان، إلا أنه لما تحركت الياء والواو، وانفتح ما قبلهما؛ قلبوا كل واحدة منهما ألفًا استثقالًا للحركات على حرف العلة مع تحرك ما قبله، إلى غير ذلك مما لا يمكن إحصاؤه، وعلي هذا سائر الثلاثي المقصور، وإذا ثبت أن هذه الأسماء قليلة في الاستعمال بعيدة عن القياس فوجب أن لا يقاس عليها.
والوجه الثاني: وهو أن نقول: قياس محل الخلاف على يد ودم، ليس بصحيح، وذلك لأنهم إنما حذفوا الياء والواو لاستثقال الحركات عليهما؛ لأنها تستثقل على حرف العلة، أما في الترخيم فإنما وضع الحذف فيه على خلاف القياس؛ لتخفيف الاسم الذي كثرت حروفه، ولم يوجد ههنا؛ لأنه أقل الأصول، وهي في غاية الخفة، فلو جوزنا ترخيمه لأدَّى إلى أن

ينقص1 عن أقل الأصول وإلى الإجحاف به، وذلك لا يجوز.
والذي يدل على فساد ما ذهبوا إليه أنه إذا كان الأوسط منه ساكنًا فإنه لا يجوز ترخيمه.
قولهم "إنما لم يجز ترخيمه إذا كان الأوسط منه ساكنًا؛ لأنه إذا حذف الحرف الأخير وجب حذف الساكن الذي قبله؛ فيبقى الاسم على حرف واحد" قلنا: لا نسلّم أنه إذا كان قبل الآخر حرف ساكن أنه يجب حذفه في الترخيم، وإنما هذا شيء ادَّعَيْتموه وجعلتموه أصلًا لكم لا يشهد به نقلٌ ولا قياسٌ، وسنبين فساده في المسألة التي بعد هذه، إن شاء الله تعالى:

50-

جارٍ التحميل