مسألة "أي" الموصولة معربة دائما أو مبنية أحيانا؟
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو البركات الأنباري
- الكتاب
- الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين
- المؤلف
- عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (المتوفى: 577هـ)
- الناشر
- المكتبة العصرية
- الطبعة
- الأولى 1424هـ- 2003م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
... 102- مسألة: ["أي" الموصولة معربة دائما ومبنيّة أحينا؟] 1 ذهب الكوفيون إلى أن "أيهم" إذا كان بمعنى الذي وحذف العائد من الصلة معرب، نحو قولهم: "لأضربن أيُّهم أفضل"، وذهب البصريون إلى أنه مبنيّ على الضم، وأجمعوا على أنه إذا ذكر العائد أنه معرب، نحو قولهم: "لأضربنّ أيهم هو أفضل"، وذهب الخليل بن أحمد إلى أن "أيهم" مرفوع بالابتداء، و"أفضل" خبره، ويجعل "أيهم" استفهامًا، ويحمله على الحكاية بعد قول مقدر، والتقدير عنده: لأضربن الذي يقال له أيُّهُم أفضل، قال الشاعر: 1 ولقد أَبِيتُ من الفَتَاةِ بمنزل ... فأَبِيتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرُومُ
أي: فأَبِيتُ لا يقال لي هذا حَرِجٌ ولا محروم، وحَذْف القول في كتاب الله تعالى وكلام العرب أكثر من أن يحصى، وذهب يونس بن حبيب البصري إلى أن "أيهم" مرفوع بالابتداء، و"أفضل" خبره، ويجعل "أيهم" استفهامًا، ويعلق "لأضربن" عن العمل في "أيهم" فينزل الفعل المؤثر منزلة أفعال القلوب نحو "علمت أيهم في الدار".
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنه معرب منصوب بالفعل الذي قبله أنه قد جاء ذلك في كتاب الله تعالى وكلام العرب، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: 69] بالنصب، وهي قراءة هارون القارئ ومعاذ الهراء، ورواية عن يعقوب.
قالوا: ولا يجوز أن يقال "إن القراءة المشهورة بالضم هي حجة عليكم" لأنا نقول: هذه القراءة لا حجة لكم فيها، لأن الضمة فيها ضمة إعراب، لا ضمة بناء، فإن "أيهم" مرفوع لأنه مبتدأ وذلك من وجهين: = فإنما أراد: كانت كلا ب التي يقال لها: خا مري أم عا مر، وقد زعم بعضهم أن رفعه على النفي، كأنه قال: فأبيت لا حرج ولا محروم بالمكان الذي أنا به، وقول الخليل حكا ية لا كان يتكلم به قبل ذل ك، فكأنه حكى ذلك اللفظ، كما قال:
كذبتم وبيت الله لا تنكحونها ... بني شا ب قرنا ها تصر وتحلب
أي بني من يقال له ذلك.
والتفسير الآخر الذي على النفي كأنه أسهل" ا. هـ كلامه.
وقال الأعلم "الشا هد ف يرفع حرج ومحروم، وكان وجه الكلام نصبهما على الحال، ووجه رفعهما عند الخليل الحمل على الحكاية، والمعنى فأبيت كالذي يقال: لا حرج ولا محروم، ولا ي جوز رفعه حملا على مبتدأ مضمر كما لا يجوز كان زيد لا قا ئم ولا قا عد على تقدير لا هو قائم ولا قعد، لأنه ليس موضع تبعيض وقطع، فلذلك حمله على الحكا ية، كما قال بني شا ب قرنا ها، ويجوز رفعه على الابتداء وإضما ر الخبر، على معنى فأبيت لا حرج ولا محروم في المكان الذي أبيت فيه، ثم حذف هذا لعلم السا مع، وإذا نفي أن يكون مبيته حرج أو محروم فهو غير حرج وغير محروم، لأنه في ذلك المكان" ا. هـ كلام بحروفه، وقوله "ولا يجوز رفعه حملا على مبتدأ مضمر" ليس على إطلا قه، بل المرا د أنه لا يجوز رفعه على إضما ر مبتدأ تقديره: لا أنا حرج ولا محروم، من غير تقدير حكا ية كما هو في مطلع كلام سيبويه عن الخليل، وكيف لا يكون على تقدير مبتدأ أصلا والحكا ية إنما تقع في الجمل لا في المفردا ت؟ ولو سلمنا أن الحكا ية بالقول تكن في المفردا ت فما يكون إعراب لا حرج المرفوع؟ وكيف كان يقول من يحكي كلامه؟ وقال الصيرافي عن التخريج الثاني الذي ذكره سيبويه وذكره الأعلم أيضا، وذكر سيبويه أنه أسهل "وهذا التفسير أسهل؛ لأن المحذوف خبر حرج، وهو ظرف، وحذف الخبر في النفي كثير، كقولنا: لا حول ولا قو ة إلا بالله، أي لنا" ا. هـ.
أحدهما: أن قوله: ﴿لَنَنْزِعَنَّ﴾ عمل في: ﴿مِنْ﴾ وما بعدها، واكتفى الفعل بما ذكر معه، كما تقول "قتلت من كل قبيل، وأكلت من كل طعام" فيكتفي الفعل بما ذكر معه، فكذلك ههنا: عمل الفعل في الجار والمجرور واكتفى بذلك، ثم ابتدأ فقال: "أيهم أشد" فرفع "أيهم" بأشد كما رفع "أشد" بأيهم، على ما عرف من مذهبنا.
والوجه الثاني: أن الشيعة معناها الأعوان، وتقدير الآية: لننزعن من كل قوم شَايَعُوا فتنظروا أيهم أشد على الرحمن عتيًا، والنظر من دلائل الاستفهام، وهو مُقَدَّر معه، وأنت لو قلت "لأَنْظرنَّ أيهم أشد" لكان النظر معلقًا، لأن النظر والمعرفة والعِلْمَ ونحوهن من أفعال القلوب، وأفعال القلوب يسقط عملهن إذا كان بعدهن استفهام، فدل على أنه مرفوع لأنه مبتدأ.
والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه ما حكاه أبو عُمَرَ الجَرْمِي أنه قال: خرجت من الخندق -يعني خندق البصرة- حتى صرت إلى مكة، لم أسمع أحدا يقول "اضرب أيهم أفضل" أي: كلهم ينصبون، وكذلك لم يُرْوَ عن أحد من العرب "اضرب أيهم أفضل" بالضم، فدلَّ على صحة ما ذهبنا إليه.
والذي يدل على فساد قول مَنْ ذهب إلى أنه مبني على الضم أن المفرد من المبنيات إذا أضيف أعرب، نحو قبل وبعد، فصارت الإضافة توجب إعراب الاسم، وأيّ إذا أفردت أعربت، فلو قلنا "إنها إذ أضيفت بنيت" لكان هذا نقضًا للأصول، وذلك محال..
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنها مبنية ههنا على الضم، وذلك لأن القياس يقتضي أن تكون مبنية في كل حال، لوقوعها موقع حرف الجزاء والاستفهام والاسم الموصول كما بنيت "مَنْ، وما" لذلك في كل حالٍ، إلا أنهم أعربوها حملًا على نظيرها، وهو "بَعْض" وعلى نقيضها وهو "كل"، وذلك على خلاف القياس، فلما دخلها نقص بحذف العائد ضعفت فردّتْ إلى أصلها من البناء على مقتضى القياس، كما أن "ما" في لغة أهل الحجاز لما كان القياس يقتضي أن لا تعمل، إذا تقدم خبرها على اسمها أو دخل حرف الاستثناء بين الاسم والخبر ردّ على ما يقتضيه القياس من بطلان عملها، فكذلك ههنا: لما كان القياس يقتضي أن تكون مبنية، لما حذف منها العائد ردّت إلى ما يقتضيه القياس من البناء، يدل عليه أن "أيهم" استعملت استعمالا لم تستعمل عليه أخواتها من حذف المبتدأ معها، تقول: "اضرب أيهم أفضل" تريد أيهم هو أفضل، ولو قلت: "اضرب من أفضل، وكل ما أطيب" تريد من هو أفضل وما هو أطيب لم يجز، فلما
خالفت "أي" أخواتها فيما ذكرناه زال تمكنها؛ لأن كل شيء خرج عن بابه زال تمكنه، فوجب أن تبنى إذا استعملت على خلاف ما استعمل عليه أخواتها، كما أن "يا ألله" لما خالفت سائر ما فيه الألف واللام لم يحذفوا ألفه، وكذلك "ليس" لما لم تتصرف تصرف الفعل تركت على هذه الحال، ألا ترى أن أصل "ليس" لَيِس، مثل صَيِدَ البعير، وصَيِدَ البعير يجوز فيه التخفيف فيقال "صَيْدَ البعير" ويجب في ليس التخفيف، ولا يجوز أن يؤتى به على الأصل كما جاز أن يؤتى بصيد على الأصل؛ لأن ليس لم تتصرف تصرف الفعل، بخلاف صيد، ويدل عليه أيضا أنك لو قلت "صَيِدْتَ يا بعيرُ" لوجب أن ترد الفعل إلى أصله من الكسر، ولو قلت "لَيِسْتُ" لم يجز ردّه إلى الأصل، كل ذلك لمخالفته الفعل في التصرف وخروجه عن مشابهة نظائره، فكذلك ههنا: لما خالفت [أيّ] سائر أخواتها وخرجت عن مشابهة نظائرها وجب بناؤها، وإنما وجب بناؤها على الضم لأنهم لما حذفوا المبتدأ من صلتها بَنَوْهَا على الضم، لأنه أقوى الحركات.
والذي يدل على صحة هذا التعليل وأنهم إنما بنوها لخلاف1 المبتدأ أنا أجمعنا على أنهم إذا لم يحذفوا المبتدأ أعربوها ولم يبنوها فقالوا: "ضربت أيَّهُم هو في الدار" بالنصب، وإنما حسن حذف المبتدأ من صلة "أيّ" ولم يحسن حذفه مع غيرها من أخواتها لأن "أي" لا تنفك عن الإضافة، فيصير المضاف إليه عوضًا عن حذف المبتدأ، بخلاف غيرها من أخواتها؛ فلهذا حَسُنَ الحذف مع "أي" دون سائر أخواتها.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما احتجاجهم بقراءة من قرأ ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ [مريم: 69] بالنصب -فهي قراءة شاذة جاءت على لغة شاذة لبعض العرب، ولم يقع الخلاف في هذه اللغة، ولا في هذه القراءة؛ وإنما وقع الخلاف في اللغة الفصيحة المشهورة، والقراءة المشهورة التي عليها قَرَأَة الأمصار "أيهم" بالضم، وهي حجة عليهم.
قولهم: "إن الضمة فيها ضمة إعراب لا الضمة بناء، وإنه مرفوع لأنه مبتدأ لأن قوله: "لننزعن" عمل في من وما بعدها، واكتفى الفعل بما ذكر معه كقولهم: قتلت من كل قبيل" قلنا: هذا خلاف الظاهر؛ لأن قوله: "لننزعن" فعل معتدّ؛ فلا بد أن يكون له مفعول إما مظهر أو مقدر، و"أيّهم" يصلح أن يكون مفعولًا، وهو ملفوظ به مُظْهَر، فكان أولى من تقدير مفعول مقدر.
وأما قولهم: "إن تقدير الآية فتنظروا أيهم أشد" قلنا: وهذا أيضا خلاف الظاهر؛ لأنه ليس في اللفظ ما يدل على تقدير هذا الفعل، وقوله: "لننزعن" فعل يصلح أن يكون "أيهم" مفعولًا له، فكان أولى من تقدير فعل لا دليل يدل عليه ولا حاجة إليه.
وأما ما حكي عن أبي عمر الجرمي أنه قال: خرجت من الخندق فلم أسمع أحدا يقول ضَرَبْتُ أيُّهم أفضل، قلنا: هذا يدل على أنه ما سمع "أيهم" بالضم، وقد سمعه غيره.
والذي يدل على صحة هذه اللغة ما حكاه أبو عمرو الشيباني عن غسَّان -وهو أحد من تؤخذ عنه اللغة من العرب -أنه أنشد:
1
إذا ما أتيت بني مالك ... فسلّم على أيُّهم أفضل
برفع "أيهم" فدل على أنها لغة منقولة صحيحة لا وجه لإنكارها.
وأما قولهم: "إن المفرد من المبنيّات إذا أضيف أعرب، وأيُّ إذا أفردت
أعربت، فلو قلنا إنها إذا أضيفت بنيت لكان هذا نقضًا للأصول" قلنا: هذا باطل؛ لأن الإضافة إنما تردّ الاسم إلى حال الإعراب إذا استحق البناء في حال الإفراد، فأما إذا كان الموجب للبناء في حال الإضافة لم تُردَّ الإضافة ذلك الاسم إلى الإعراب، ألا ترى أن "لَدُنْ" في جميع لغاتها لما استحقت البناء في حال الإضافة لم تردّها الإضافة إلى الإعراب؛ فكذلك ههنا، وفي "لدن" ثماني لغات، وهي: "لَدُنْ، ولَدَنْ، ولَدَا، ولَدُ، ولَدْنَ، ولَدْنِ، ولَدْ، ولُدْ" وكلها مبنيّة على ما بيّنّا.
وأما ما ذهب إليه الخليل من الحكاية فبعيد في اختيار الكلام، وإنما يجوز مثله في الشعر، ألا ترى أنه لو جاز أن يقال "اضرب الفاسقُ الخبيثُ" بالرفع -أي: اضرب الذي يقال له الفاسق الخبيث، ولا خلاف أن هذا لا يقال بالإجماع.
وأما قول يونس فضعيف؛ لأن تعليق "اضرب" ونحوه من الأفعال لا يجوز لأنه فعل مؤثر؛ فلا يجوز إلغاؤه، وإنما يجوز أن تعلق أفعال القلوب عن الاستفهام، وهذا ليس بفعل من أفعال القلوب؛ فكان هذا القول ضعيفًا جدًّا، والله أعلم.
103-