مسألة: [هل تنصب لام الجحود بنفسها؟ وهل يتقدم معمول منصوبها عليها؟]
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو البركات الأنباري
- الكتاب
- الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين
- المؤلف
- عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (المتوفى: 577هـ)
- الناشر
- المكتبة العصرية
- الطبعة
- الأولى 1424هـ- 2003م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
1
ذهب الكوفيون إلى أن لام الجَحْدِ هي الناصبة بنفسها، ويجوز إظهار "أن" بعدها للتوكيد، نحو: "ما كان زيد لأن يدخل دارك، وما كان عمرو لأن يأكل طعامك" ويجوز تقديم مفعول الفعل المنصوب بلام الجحد عليها، نحو "ما كان زيد دارك ليدخل، وما كان عمرو طعامك ليأكل".
وذهب البصريون إلى أن الناصب للفعل "أن" مقدرة بعدها، ولا يجوز إظهارها، ولا يجوز تقديم مفعول الفعل المنصوب بلام الجحد عليها.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنها هي العاملة بنفسها وجواز إظهار "أن" بعدها ما قدمناه في مسألة لام كي.
وأما الدليل على جواز تقديم المنصوب على الفعل المنصوب لام الجحد؛ فما قال الشاعر:
1
لقد عَذَلَتْنِي أُمُّ عمرو، ولم أكن ... مَقَالَتَهَا ما كنتُ حيّا لأَسْمَعَا
أراد "ولم أكن لأسمع مقالتها" وقدم منصوبَ لأسمع عليه، وفيه لام الجحود، فدلَّ على جوازه، وفيه أيضًا دليل على صحة ما ذهبنا إليه من أن لام الجحود هي العاملة بنفسها من غير1 تقدير "أن" إذ لو كانت أنْ ههنا مُقَدَّرَة لكانت مع الفعل بمنزلة المصدر، وما كان في صلة المصدر لا يتقدم عليه.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أن الناصب "أن" المقدرة بعدها ما قَدَّمْناه في مسألة لام كي.
وأما الدليل على أنه لا يجوز إظهار "أن" بعدها فمن وجهين؛ أحدهما: أن قولهم: "ما كان زيد ليدخل، وما كان عمرو ليأكل" جواب فعل ليس تقديره تقدير اسم، ولا لفظه لفظ اسم؛ لأنه جواب لقول قائل "زيد سوف يدخل، وعمرو سوف يأكل" فلو قلنا "ما كان زيد لأن يدخل، وما كان عمرو لأن يأكل" بإظهار أن لكنا جعلنا مقابل سوف يدخل وسوف يأكل اسمًا؛ لأن أنْ مع الفعل بمنزلة المصدر وهو اسم؛ فلذلك2 لم يجز إظهارها كما لا يجوز إظهار الفعل في قولك "إياك = وأصل الكلام: ولم أكن أسمع مقالتها، ثم يبين هذا الفعل المحذوف الذي أضمره بقوله "لأسمعا" والسر في هذا الخلاف أن الكوفيين يقولون: الناصب للمضارع هو اللام التي للجحود، والبصريون يقولون: الناصب له هو أن المصدرية مضمرة بعد اللام، والمضارع صلة لأن المصدرية، ومعمول الصلة لا يتقدم على الموصول، ولكن هذه القاعدة منقوضة من أساسها، وإن كان قد ارتضاها الجمهور من الفريقين؛ فقد تقدم معمول الصلة على الموصول في قول العجاج:
ربيته حتى إذا تمعددا ... كان جزائي بالعصا أن أجلدا
فإن قوله "بالعصا" متعلق بقوله "أجلدا" وهو معمول لأن المصدرية، ونظيره قول ربيعة بن مقروم الضبي:
هلا سألت وخبر قوم عندهم ... وشفاء غيك خابرا أن تسألي
فإن قوله "خابرا" مفعول به تقدم على عامله وهو قوله "تسألي" المنصوب بأن المصدرية، وقد اضطر النحاة لتتم لهم قاعدتهم أن يقولوا: إن "خابرا" منصوب بفعل محذوف يدل عليه الفعل المذكور، وإن قول العجاج "بالعصا" متعلق بفعل محذوف يدل عليه الفعل المذكور بعده.
ومثل هذين البيتين قول الآخر وسيأتي قريبا في كلام المؤلف "ص596":
وإني امرؤ من عصبة خندفية ... أبت للأعادي أن تذل رقابها
وسنعود إلى هذه المسألة مرة أخرى، غير أنا نبادر فنقرر أنا لا نرى مع كثرة الشواهد التي تثبت في مسألة من المسائل أن نعرض عن الشواهد ثم نتمسك بالتعليل؛ لأن هذا عدول عن النص إلى القياس، وذلك لا يجوز، فاعرف هذا، ولا تغفل عنه.
1 في ر "عن غير" وليس بشيء.
2 في ر "فكذلك لم يجز".
وزيدًا" والوجه الثاني: أن التقدير عندهم: ما كان زيد مُقَدِّرًا لأن يدخل أو نحو ذلك من التقدير الذي يوجب المستقبل من الفعل، و"أنْ" توجب الاستقبال، فاستغنى بما تضمن الكلام من تقدير الاستقبال عن ذكر "أنْ".
ومنهم من قال: إنما لم يجز إظهار "أن" بعدها لأنها صارت بدلا من اللفظ بها؛ لأنك إذا قلت "ما كان زيد ليدخل" كان نفيًا لسيدخل، كما لو أظهرت "أن" فقلت "ما كان زيد لأن يدخل" فلما صارت بدلا منها كما أن ألف الاستفهام بدل من واو القسم في قولهم: "أللهِ لأقومنَّ" لم يجز إظهارها؛ إذا كانت اللام بدلا منها فكأنها مظهرة.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قول الشاعر:
[386]
..... ولم أكن ... مقالتها ما كنت حيا لأسمعا
فلا حجّة لهم فيه؛ لأن "مقالتها" منصوب بفعل مقدر، كأنه قال: ولم أكن لأسمع مقالتها، لا بقوله "لأسْمَعَا" كما قال الشاعر:
1
وإني امرؤ عن عصبة خِنْدِفِيّةِ ... أَبَتْ للأَعَادِي أنْ تَدِيخَ رِقَابُها
فاللام في قوله "للأعادي" لا تكون من صلة "أن تَدِيخَ" بل من صلة فعل مُقَدَّرٍ قبله، وتقديره "أبت أن تديخ" وجعل هذا المُظْهَر تفسيرًا لذلك المقدر، وهذا النحو في كلامهم أكثر من أن يحصى، والله أعلم.
= كنت زيدًا لأضرب، وأنشدوا "لقد وعدتني أم عمرو ... البيت السابق" ولا دليل في ذلك؛ لأنا نقول: إنه منصوب بإضمار فعل، كأنه قال: ولم أكن لأسمع مقالتها، ثم بين ما أضمر بقوله لأسمعا، كما في قوله "أبت للأعادي أن تذل رقابها" التقدير: أبت أن تذل رقابها للأعادي، ثم كرر الفعل بيانا للمضمر، فاعرفه" ا. هـ كلامه.
ويقول أبو رجاء: لقد أصل النحاة قاعدة أن معمول الصلة لا يتقدم على الموصول، واستنبطوا لهذه القاعدة علة حاصلها أن الصلة تكملة وتمام للموصول، وهما في قوة الكلمة الواحدة، وأن المعمول من تكملة العامل، وتقديم المعمول كتقديم عجز الكلمة على صدرها، ولما كان تقديم عجز الكلمة على صدرها غير جائز كان تقديم ما هو بمنزلة عجز الكلمة على ما هو بمنزلة صدرها غير جائز أيضًا، فيكون تقديم معمول الصلة على الموصول غير جائز، وفاتهم أن النص مقدم على القياس وعلى التعليل، وأن تقدير شيء وفي الكلام ما يغني عنه مما لا يصح ارتكابه ولا اللجوء إليه، ثم إنهم يقولون دائما: إن الجار والمجرور يتوسع فيهما ما لا يتوسع في غيرهما، فهلا اعتذروا عن تقدم معمول الفعل المعمول لأن المصدرية في هذا البيت بأن هذا المعمول جار ومجرور، وأن الجار والمجرور يتوسع فيهما ما لا يتوسع في غيرهما، ولكننا نعتقد أن البصريين لما رأوا معمول الفعل المنصوب بعد لام الجحود في البيت السابق "الشاهد رقم 386" مفعولا صريحا وليس جارا ومجرورًا، وأن حجة الكوفيين قائمة به، لما رأوا ذلك تغاضوا عن كون المعمول في هذا البيت جارا ومجرورًا وساقوا الكلام مساقًا واحدًا، فتنبه لذلك، وأجل فيه نظرك، والله يتولاك بعصمته وتأييده.
83-