مسألة: [هل تجوز إضافة الاسم إلى اسم يوافقه في المعنى؟]
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو البركات الأنباري
- الكتاب
- الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين
- المؤلف
- عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (المتوفى: 577هـ)
- الناشر
- المكتبة العصرية
- الطبعة
- الأولى 1424هـ- 2003م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
1
ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز إضافة الشيء إلى نفسه إذا اختلف اللفظان.
وذهب البصريون أنه لا يجوز.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأنه قد جاء في كتاب الله وكلام العرب كثيرًا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ اليقينِ﴾ [الواقعة: 95] واليقين في المعنى نعت للحق؛ لأن الأصل فيه الحق اليقين، والنعت في المعنى هو المنعوت، فأضاف المنعوت إلى النعت وهما بمعنى واحد، وقال تعالى: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ [يوسف: 109] والآخرة في المعنى نعت الدار، والأصل فيه وللدار الآخرة خير، كما قال تعالى في موضع آخر: ﴿ولَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ [الأنعام: 32] فأضاف دار إلى الآخرة، وهما بمعنى واحد، وقال تعالى: ﴿جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [قّ: 9] والحب في المعنى هو الحصيد، وقد أضافه إليه، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص: 44] والجانب في المعنى هو الغربي، ثم قال الراعي:
[372]
وقَرَّبَ جانب الغربي يَأْدُو ... مَدَبَّ السَّيلِ، واجتنب الشِّعَارَا1
ومن ذلك قولهم "صَلَاةُ الأولى، ومَسْجدُ الجامع، وبَقْلَةُ الحمقاء" والأولى في المعنى هي الصلاة، والجامع هو المسجد، والبقلة هي الحمقاء، وقد أضافوها إليها، فدل على ما قلناه.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز لأن الإضافة إنما يراد بها التعريف والتخصيص، والشيء لا يتعرف بنفسه، لأنه لو كان فيه تعريف كان مستغنيًا عن الإضافة، وإن لم يكن فيه تعريف كان بإضافته إلى اسمه أبعد من التعريف؛ إذ يستحيل أن يصير شيئًا آخر بإضافة اسمه إلى اسمه؛ فوجب أن لا يجوز كما لو كان لفظهما مُتَّفِقًا.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما ما احتجوا به فلا حجة لهم فيه؛ لأنه كله محمول على حذف المضاف إليه وإقامة صفته مقامه، أما قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ اليقينِ﴾ [الواقعة: 95] فالتقدير فيه: حق الأمر اليقين، كما قال تعالى: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5] أي دين الملة القيمة، وأما قوله تعالى: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ [يوسف: 109] فالتقدير فيه: ولدار الساعة الآخرة، وأما قوله تعالى: ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [قّ: 9] أي حب الزرع الحصيد، ووصف الزرع بالحصيد، وهو التحقيق1؛ لأن الحب اسم لما ينبت في الزرع، والحصد إنما يكون للزرع الذي ينبت فيه الحب، لا للحب، ألا ترى أنك تقول "حصدت الزرع" ولا تقول "حصدت الحب" وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص: 44] فالتقدير فيه: بجانب المكان الغربيّ، وأما قولهم "صلاة الأولى" فالتقدير فيه: صلاة الساعة الأولى، وأما قولهم "مسجد الجامع" فالتقدير فيه: مسجد الموضع الجامع، وأما قولهم "بقلة الحمقاء" فالتقدير فيه: بقلة الحبة الحمقاء2؛ لأن البقلة اسم لما نبت من تلك الحبة، ووصف الحبة بالحمق، وهو التحقيق1؛ لأنها الأصل، وما نَبَتَ = يرمى فيها ولزم مدرج السيول لأن الصيادين يبتعدون عنه، ومحل الاستشهاد عن المؤلف بهذا البيت في هذا الموضع قوله "جانب الغربي" فإن المراد بالجانب هو نفس المراد بالغربي عن الكوفيين، وقد أضاف الشاعر "جانب" إلى "الغربي" فيكون قد أضاف اسمًا إلى اسم آخر بمعناه، وزعموا أن قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ من هذا القبيل، والبصريون يذهبون إلى أن الكلام تقدير مضاف يكون موصوفًا بما جعل مضافًا إليه، أي جانب المكان الغربي، فهو من باب حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، وهو تكلّف لا داعي له.
1 كذا في الأصل في الموضعين، والراجح عندنا أن الواو في قوله "وهو التحقيق" زائدة، وأصل الكلام: ووصف الزرع بالحصيد هو التحقيق، وكذلك في الموضع الثاني.
2 في ر "بقلة الجنة الحمقاء" تحريف.
منها فرع عليها، فكان وصف الأصل بالحمق أولى من وصف الفرع، وإنما وصفت بذلك لأنها تنبت في مَجَارِي السيول فتقلعها، ولذلك يقولون في المثل "هو أحمق مِنْ رِجْلَةٍ" فإذا كان جميع ما احتجوا به محمولًا على حذف المضاف إليه وإقامة صفته مقامه على ما بيَّنَّا لم يكن لهم فيه حجّة، والله أعلم.
62-