مسألة: [القول في هل يقال "لَوْلَايَ" و"لَوْلَاكَ"؟ وموضع الضمائر]
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو البركات الأنباري
- الكتاب
- الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين
- المؤلف
- عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (المتوفى: 577هـ)
- الناشر
- المكتبة العصرية
- الطبعة
- الأولى 1424هـ- 2003م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
1
ذهب الكوفيون إلى أن الياء والكاف في "لولاي، ولولاك2" في موضع رفع، وإليه ذهب أبو الحسن الأخفش من البصريين.
وذهب البصريون إلى أن الياء والكاف في موضع جرٍّ بلولا.
وذهب أبو العباس المُبَرِّد إلى أنه لا يجوز أن يقال "لولاي، ولولاك" ويجب أن يقال "لولا أنا، ولولا أنت" فيؤتى3 بالضمير المنفصل كما جاء به التنزيل في قوله: ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: 31] ولهذا لم يأتِ في التنزيل إلا منفصلًا.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إن الياء والكاف في موضع رفع لأن الظاهر الذي قام الياء والكاف مقامه رَفْعٌ بها على مذهبنا، وبالابتداء على مذهبكم؛ فكذلك ما قام مقامه.
قالوا: ولا يجوز أن يقال "هذا يبطل بعسى؛ فإن عسى تعمل في المظهر الرفع وفي المكنيِّ النصب" لأنا نقول: الجواب على هذا من ثلاثة أوجه؛ أحدها: أنا لا نسلم أنها تنصب المكني، وإنما هو في موضع رفع بعسى، فاستعير للرفع لفظ النصب في عسى، كما استعير لفظ الجر في "لولاي، ولولاك" وإليه ذهب الأخفش من أصحابكم.
والوجه الثاني: أن الكاف في موضع نصب بعسى، وأن اسمها مضمر فيها، وإليه ذهب أبو العباس المُبَرِّد من أصحابكم.
والوجه الثالث: أنا نسلم4 أنه في موضع نصب، ولكن لأنها حملت على "لعلَّ" فجعل لها اسم منصوب وخبر مرفوع، وهو ههنا مقدر، وإنما حملت على "لعلَّ" لأنها في
معناها، ألا ترى أن "عسى" فيها معنى الطمع، كما أن لعل فيها معنى الطمع، فأمَّا "لولا" فليس في حروف الخفض ما هو بمعناه فيحمل عليه، فبان الفرق بينهما، ولأنه لو كان المكني في موضع خفض لكنا نجد اسمًا ظاهرًا مخفوضًا بلولا؛ لأنه ليس في كلام العرب حرف يعمل الخفض في المكني دون الظاهر؛ فلو كانت مما يخفض لما كان يخلو أن يجيء ذلك في بعض المواضع أو في الشعر الذي يأتي بالمستجاز، وفي عدم ذلك دليل على أنه لا يجوز أن تخفض اسمًا ظاهرًا ولا مضمرًا؛ فدل على أن الضمير بعد "لولاك" في موضع رفع.
يدل عليه أن المكنيّ كما يستوي لفظه في النصب والخفض نحو "أكرمتك، ومررت بك" فقد يستوي لفظه أيضا في الرفع والخفض نحو "قمنا، ومر بنا" فيكون لفظ المكنيّ في الرفع والخفض واحدًا، وإذا كان كذلك جاز أن تكون الكاف في موضع "أنت" رفعًا.
قالوا: ولا يجوز أن يقال "لو كان الرفع محمولًا على الجر في لولاك لوجب أن يُفْصَلَ بين المكنيّ المرفوع والمجرور في المتكلم كما فصل بين لفظ المكني المنصوب والمجرور في المتكلم نحو: أكرمني، ومرّ بي: لأنّا نقول: النون في المنصوب لم تدخل لتفصل بين المكني المنصوب والمكني المخفوض، وإنما دخلت النون في المكني المنصوب لاتصاله بالفعل؛ فلو لم يأتوابهذه النون لأدّى ذلك إلى أن يكسر الفعل لمكان الياء؛ لأن ياء المتكلم لا يكون ما قبلها إلا مكسورا؛ والفعل لا يدخله الكسر؛ لأنه إذا لم يدخله الجر -وهو غير لازم؛ استثقالًا له- فلأن لا يدخله الكسر الذي هو لازم استثقالًا له كان ذلك من طريق الأولى.
وأما المكني المخفوض فلم تدخله هذه النون لأنه يتصل بالحرف، والحرف لا يلزم أن تدخل عليه هذه النون، و"لولا" حرف؛ فلهذا المعنى لم تدخل عليه هذه النون.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إن المكني في "لولاي، ولولاك" في موضع جر لأن الياء والكاف لا تكونان علامة مرفوع، والمصير إلى ما لا نظير له في كلامهم محال؛ ولا يجوز أن يتوهم أنهما في موضع نصب؛ لأن "لولا" حرف، وليس بفعل له فاعل مرفوع فيكون الضمير في موضع نصب، وإذا لم يكن في موضع رفع ولا نصب وجب أن يكون في موضع جر.
قالوا: فلا يجوز أن يقال: "إذا زعمتم أن لولا تخفض الياء والكاف فحروف الخفض لا بد أن تتعلق بفعل فبأي فعل تتعلق؟ " لأنا نقول: قد تكون الحروف في موضع مبتدأ لا تتعلق بشيء كقولك "بحسبك زيد" ومعناه حسبك، قال الشاعر:
[100]
بحسبك في القوم أن يعلموا ... بأنك فيهم غني مضرّ
وكقولهم: "هل من أحد عندك" أي هل أحد عندك؟ قال الله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: 59] أي ما لكم إله غيره، ولهذا كان ﴿غَيْرُهُ﴾ مرفوعًا في قراءة من قرأ بالرفع؛ فموضعها رفع بالابتداء وإن كانت قد عملت الجر، وكذلك "لولا" إذا عملت الجر صارت بمنزلة الباء في "بحسبك" ومن في "هل من أحد عندك" ولا فرق بينهما.
والصحيح ما ذهب إليه الكوفيون.
وأما الجواب عن كلمات البصريين: أما قولهم: "إن الياء والكاف لا يكونان علامة مرفوع" قلنا: لا نسلم؛ فإنه قد يجوز أن تدخل علامة الرفع على الخفض، ألا ترى أنه يجوز أن يقال "ما أنا كأنت" وأنت: من علامات المرفوع، وهو ههنا في موضع مخفوض، فكذلك ههنا؛ الياء والكاف من علامات المخفوض، وهما في "لولاي، ولولاك" من علامات المرفوع.
والذي يدل على أن "لولا" ليس بحرف خفض أنه لو كان حرف خفض لكان يجب أن يتعلق بفعل أو معنى فعل، وليس له ههنا ما يتعلق به.
قولهم: "قد يكون الحرف في موضع مبتدأ لا يتعلق بشيء" قلنا: الأصل في حروف الخفض أن لا يجوز الابتداء بها، وأن لا تقع في موضع مبتدأ، وإنما جاز ذلك نادرًا في حرف زائد دخوله كخروجه كقولهم: "بحسبك زيد، وما جاءني من أحد" لأن الحرف في نية الاطِّراح؛ إذ لا فائدة له، ألا ترى أن قولك "بحسبك زيد، وحسبك زيد" في معنى واحد، وكذلك قولك "ما جاءني من أحد، وما جاءني أحد" في المعنى واحد، فأما الحرف إذا جاء لمعنى ولم يكن زائدًا فلا بد أن يتعلق بفعل أو معنى فعل، ولولا: حرف جاء لمعنى، وليس بزائد؛ لأنه ليس دخوله كخروجه، ألا ترى أنك لو حذفتها لبطل ذلك المعنى الذي دخلت من أجله، بخلاف الباء في "بحسبك زيد" ومن في قولك "ما جاءني من أحد" فبان الفرق بينهما.
ثم لو سلمنا أن الحرف مطلقا إذا وقع في موضع ابتداء لا يتعلق بشيء فلا نسلم ههنا أن الحرف في موضع ابتداء، وقد بيّنّا فساد ذلك فيما قبل.
وأما إنكار أبي العباس المبرد جوازه فلا وَجْهَ له؛ لأنه قد جاء ذلك كثيرا في كلامهم، وأشعارهم، قال الشاعر:
1
وأنت امرؤ لولاي طِحْتُ كما هَوَى ... بِأَجْرَامِهِ من قُلَّةِ النِّيقِ مُنْهَوِي
........................................................................... = المسألة22 من نفس القصيد التي منها الشاهد المذكور، وهذا البيت من شواهد سيبويه "1/ 388" وابن يعيش في شرح المفصل "ص437" ورضي الدين في باب الضمير من شرح الكافية، وشرحه البغدادي في الخزانة "2/ 430" والمبرد في الكامل "2/ 209" وابن جني في الخصائص "2/ 259" والأشموني "رقم 525" وابن عقيل "رقم 200" وشرحه العيني "3/ 262 بها مش الخزانة" وطحت: سقطت وهلكت، ويجوز في الطاء الضم والكسر؛ لأن عين هذا الفعل جاء بالواو وبالياء وإن كانت الياء أكثر، تقول: طاح يطوح كقال يقول، وطاح يطيح كباع يبيع، وهوى: سقط من أعلى إلى أسفل، وهو على وِزَان رمى يرمي، فأما هوي يهوى بمعنى عشق يعشق فوزانه رضي يرضى، والأجرام: جمع جرم، وجرم كل شيء جثته، والقلة ومثلا القنة -بضم القاف وتشديد ما بعدها- أعلى الجبل، والنيق -بكسر النون- أرفع موضع في الجبل، والمنهوي: الساقط.
ومحل الاستشهاد من هذا البيت هنا قوله "لولاي" حيث وقع الضمير المتصل الذي أصله أن يكون في محل جر أو محل نصب بعد لولا، ولولا عند جمهرة النحاة حرف من حروف الابتداء تطلب اسمًا ظاهرًا مرفوعًا كما في قول الراجز، وهو عامر بن الأكوع رضي الله عنه:
والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
أو ضميرًا منفصلًا كما في قوله تعالى: ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: 31] وقد اختلف النحاة في مثل "لولاي" أهو جائز أم لا؟ فقال أبو العباس المبرد: هو تعبير غير جائز عربية، فإن وقع في كلما فهو خطأ، وقال غيره من العلماء: هو جائز لوروده في كلام العرب المحتجّ بكلامهم، غير أنه ليس بالمنهج المطرد ولا المهيع المستمر، قال أبوسعيد السيرافي: "ما كان لأبي العباس المبرد أن يسقط الاستشهاد بشعر رجل من العرب قد روى قصيدته النحويون وغيرهم، ولا أن ينكر ما أجمع الجماعة على روايته عن العرب" هـ، ويقول أبو رجاء: وما كان لأبي العباس المبرّد أن ينكر ورود مثل هذا التعبير عن العرب، وهو يروي هذا البيت في الكامل "2/ 209 الخيرية" ويروي قبله بيتًا فيه هذا التعبير، وهو قول رجل من الخوارج لم يعينه، وهو أعشى همدان:
ويوم نجي تلافيته ... ولولاي لاصطلم العسكر
وقد ورد في رجز لرؤبة، وهو قوله:
لولا كما قد خرجت نفساهما
ورؤبة عنده أفصح العرب، وهو ممن لا تنكر فصاحته.
ثم اختلف القائلون بصحة هذا التعبير، ولهم فيه ثلاث مذاهب:
فذهب سيبويه رحمه الله تعالى إلى أن هذه الياء في "لولاي" والكاف في "لولاك" والهاء في "لولاه" في محل جر بلولا، ولولا حينئذ حرف جر، لا حرف ابتداء، ولا تتعلق بشيء وعنده أن لولا على وجهين: الوجه الأول تكون فيه حرف ابتداء وذلك إذا وقع بعدا الاسم الظاهر كما في رجز عامر بن الأكوع، أو وقع بعدها ضمير رفع منفصل كما في الآية الكريمة التي ترونا، والوجه الثاني أن تكون حرف جر لا يتعلق بشيء كما في هذا البيت، قال: "هذا باب ما يكون مضمرا فيه الاسم متحولا عن حاله إذا أظهر بعده الاسم.
وذلك =
وقال الآخر:
1
أَتُطْمِعُ فِينَا مَنْ أَرَاقَ دِمَاءَنَا ... ولولاك لم يَعْرِضْ لأحْسَابِنَا حَسَنْ = لولاك ولولاي، إذا أضمرت فيه الاسم جر، وإذا أظهرت رفع، ولو جاءت علامة الإضمار على القياس لقلت: لولا أنت، كما قال سبحانه ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: 31] ولكنهم جعلوه مضمرا مجرورا، والدليل على ذلك أن الياء والكاف لا تكونان علامة مضمر مرفوع، قال الشاعر: وكم موطن لولاي.. البيت وهذا قول الخليل ويونس" ا. هـ كلامه.
والمذهب الثاني: مذهب الأَخْفَش والفَرَّاء، وحاصله أن الياء والكاف والهاء في محل رفع بالابتداء، ولولا حرف ابتداء على حالها، وليس لها إلا حال واحدة، ولكن العرب وضعت ضمير الجر في موضع ضمير الرفع، كما عكسوا فوضعوا ضمير الرفع، في موضع ضمير الجر فقالوا: ما أنا كأنت ولا أنت كأنا.
والمذهب الثالث: مذهب الكسائي، وتلخيصه أن الاسم المرتفع بعد "لولا" فاعل بفعل محذوف يدل عليه المقام، وتقدير الكلام: لو لم يكن فعلي، وذلك لأن "لولا" عنده تختص بالفعل، ولم أجد نصًّا صريحًا عنه يمنع وقوع الضمير المتصل بعد لولا أو يجيزه، إلا ما ذكره ابن يعيش استنباطًا في شرح مذهبه حيث يقول "وأما الكسائي فكان يرى ارتفاع الاسم بعد لولا بفعل مضمر، معناه لو لم يكن فعلي، فعلى هذا ينبغي إذا كنى عنه أن تقول: لولا أنا، ولولا أنت، لأن الفعل لم يظهر فتتصل به كنايته، فوجب أن يكون الضمير منفصلا" ا. هـ كلامه بحروفه، وقوله: "فعلى هذا.... إلخ" استنباط من عنده بحسب الأصول والقواعد، ولعل الكسائي يجيز وضع الضمير المتصل في مكان المنفصل المرفوع كالأخفش والفراء، والفرق بينهما هو في العامل في الضمير؛ فالأخفش والفراء يريان أن العامل في الضمير هو الابتداء لأن لولا عندهما لا تكون إلا حرف ابتداء، والكسائي يرى أن العامل في الضمير الفعل المقدر؛ لأن لولا حرف يختص بالفعل فلا يقع بعده إلا الفعل لفظًا أو تقديرًا، وارجع إلى المسألة العاشرة.
وقال بعض العرب: 1 أَوْمَتْ بعينيها من الهَوْدَج ... لولاك هذا العام لم أَحْجُج وأما مجيء الضمير المنفصل بعده نحو "لولا أنا ولولا أنت" كما قال تعالى: ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: 31] فلا خلاف أنه أكثر في كلامهم وأفصح، وعدم مجيء الضمير المتصل في التنزيل لا يدل على عدم جوازه، ألا ترى أنه لم يأتِ في التنزيل ترك عمل "ما" في المبتدأ والخبر نحو "ما زيد قائم، وما عمرو منطلق" وإن كانت لغة جائزة فصيحة، وهي لغة بني تميم، قال الشاعر: 2 رِكَابُ حُسَيْلٍ أَشْهُرَ الصَّيْفِ بُدَّنٌ ... ونَاقَةُ عمرو ما يُحَلَّ لها رَحْلُ ثم لم يدل عدم مجيئها في التنزيل على أنها غير جائزة ولا فصيحة؛ فكذلك ههنا، والله أعلم.
98-