الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيينمسألة: [هل يجوز العطف على الضمير المخفوض؟]

مسألة: [هل يجوز العطف على الضمير المخفوض؟]

عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو البركات الأنباري
الكتاب
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين
المؤلف
عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (المتوفى: 577هـ)
الناشر
المكتبة العصرية
الطبعة
الأولى 1424هـ- 2003م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

1 ذهب الكوفيون إلى أنه يجب العطف على الضمير المخفوض، وذلك نحو قولك "مررت بك وزيد" وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنه يجوز أنه قد جاء ذلك في التنزيل وكلام العرب، قال الله تعالى: "وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامِ" [النساء: من الآية1] بالخفض وهي قراءة أحد القراء السبعة -وهو حمزة الزيات- وقراءة إبراهيم النخعي وقتادة ويحيى بن وثاب وطلحة بن مصرف والأعمش، ورواية الأصفهاني والحلبي عن عبد الوارث، وقال تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 127] فما: في موضع خفض لأنه عطف على الضمير المخفوض في "فيهن" وقال تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إليكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ [النساء: 162] فالمقيمين: في موضع خفض بالعطف على الكاف في "إليك" والتقدير فيه: يؤمنون بما أنزل إليك وإلى المقيمين الصلاة يعني من الأنبياء عليهم السلام، ويجوز أيضًا أن يكون عطفًا على الكاف في "قبلك" والتقدير فيه: ومن قبل المقيمين الصلاة، يعني من أمتك، وقال تعالى: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 217] فعطف "المسجد الحرام" على الهاء من "به" وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ [الحجر: 20] فمن: في موضع خفض بالعطف على

الضمير المخفوض في "لكم" فدلَّ على جوازه، وقال الشاعر: 1 فاليوم قَرَّبْتَ تَهْجُونَا وتَشْتِمُنَا ... فاذهب فما بك والأيامِ من عَجَبِ فالأيام: خفض بالعطف على الكاف في "بك" والتقدير: بك وبالأيام، وقال الآخر: [181] أَكُرُّ على الكَتِيبَةِ لا أبالي ... أفيها كان حَتْفِي أم سِوَاهَا فعطف "سواها" بأم على الضمير في "فيها" والتقدير: أم في سواها.
وقال الآخر: 2 تُعَلَّقُ في مِثْلِ السَّوَارِي سُيُوفُنَا ... ومَا بَيْنَها والْكَعْبِ غُوطٌ نَفَانِفُ

فالكعب: مخفوض بالعطف على الضمير المخفوض في "بينها" والتقدير: وما بينها وبين الكعب غوط نفانف، يعني أن قومه طوال، وأن السيف على الرجل منهم كأنه على سارية من طوله، وبين السيف وكعب الرجل منهم غائط -وهو المكان المطمئن من الأرض- ونفانف: واسعة، أي بين السيف والكعب مسافة؛ فعطف "الكعب"1 على الضمير المخفوض في "بينها" وقال الآخر: 1 هَلَّا سألت بِذِي الجَمَاجِمِ عَنْهُمُ ... وأبي نُعَيْمٍ ذي اللِّوَاء المُحْرِق = بين الشيئين، وكل شيء بينه وبين الأرض مهوى فهو نفنف، ويدل لهذا أنه يروى "فما بينها والأرض مهوى نفانف" وقال ذو الرمة: ترى قرطها من حرة الليت مشرفا ... على هلك في نفنف يتطوح وفسر الأصمعي النفنف بالمهواة بين الجبلين.
ومحل الاستشهاد بالبيت قوله "فما بينها والكعب" حيث عطف الكعب بالواو على الضمير المتصل المخفوض بإضافة الظرف -وهو قوله: بين- إليه، من غير أن يعيد العامل في المعطوف عليه مع المعطوف، وهو يدل للكوفيين الذي أجازوا ذلك، ولم يقصروه على حال الضرورة.
ونظير ذلك ما أنشده ابن الناظم نقلًا عن الأخفش: بنا أبدًا لا غيرنا تدرك المنى ... وتكشف غماء الخطوب الفوادح فقد عطف "غيرنا" بلا على الضمير المتصل المجرور محلّا بالباء في قوله "بنا" من غير أن يعيد العامل في المعطوف عليه مع المعطوف، ونظير ذلك أيضًا ما أنشه ابن الناظم: إذا أوقدوا نار لحرب عدوهم ... فقد خاب من يصلى بها وسعيرها فقد عطف قوله "سعيرها" بالواو على الضمير المجرور محلّا بالباء في قوله "بها" من غير أن عيد العامل في المعطوف عليه مع المعطوف.

فأبي نعيم: خفض بالعطف على الضمير المخفوض في "عنهم"؛ فهذه كلها شواهد ظاهرة تدل على جوازه.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز، وذلك لأن الجار مع المجرور بمنزلة شيء واحد، فإذا عطفت على الضمير المجرور -والضمير إذا كان مجرورًا اتصل بالجار، ولم ينفصل منه، ولهذا لا يكون إلا متصلًا، بخلاف ضمير المرفوع والمنصوب -فكأنك قد عطفت الاسم على الحرف الجار، وعَطْفُ الاسمِ عَلَى الحَرْفِ لا يجوز.
ومنهم من تمسّك بأن قال: إنما قلنا ذلك لأن الضمير قد صار عوضًا عن التنوين؛ فينبغي أن لا يجوز العطف عليه، كما لا يجوز العطف على التنوين، والدليل على استوائهما أنهم يقولون "يا غلام" فيحذفون الياء كما يحذفون التنوين وإنما اشتبها لأنهما على حرف واحد، وأنهما يكملان الاسم، وأنهما لا يُفْصَلُ بينهما وبينه بالظرف؛ وليس كذلك الاسم المظهر.
ومنهم من تمسك بأن قال: أجمعنا على أنه لا يجوز عطف المضمر المجرور على المظهر المجرور؛ فلا يجوز أن يقال "مررت بزيدٍ وَكَ" فكذلك ينبغي أن لا يجوز عطف المظهر المجرور على المضمر المجرور، فلا يقال "مررت بِكَ وزَيْدٍ" لأن الأسماء مشتركة في العطف، فكما لا يجوز أن يكون معطوفًا فلا يجوز أن يكون معطوفًا عليه.
والاعتماد على هذه الأدلة على الأول: وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ، الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: 1] فلا حجة لهم فيه من وجهين؛ أحدهما: أن قوله ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ ليس مجرورًا بالعطف على الضمير المجرور، وإنما هو مجرور بالقسم، وجواب القسم قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء: 1] والوجه الثاني: أن قوله ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ مجرور بباء مقدرة غير الملفوظ بها، وتقديره: وبالأرحام، فحذفت لدلالة الأولى عليها، وله شواهد كثيرة في كلامهم سنذكر طرفًا منها مُسْتَوْفًى في آخر المسألة إن شاء الله تعالى.
أما قوله تعالى ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 127] فلا حجة لهم فيه أيضًا من وجهين: أحدهما: أنا لا نسلم أنه في موضع جرّ، وإنما هو في موضع رفع

بالعطف على "الله" والتقدير فيه: الله يفتيكم فيهن ويفتيكم فيهن ما يتلى عليكم، وهو القرآن، وهو أوجه الوجهين.
والثاني: أنا نسلم أنه في موضع جر، ولكن بالعطف على "النساء" من قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ لا على الضمير المجرور في "فيهنَّ".
وأما قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إليكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ﴾ [النساء: 162] فلا حجة لهم أيضًا من وجهين: أحدهما: أنا لا نسلم أنه في موضع جر، وإنما هو في موضع نصب على المدح بتقدير فعل، وتقديره: أعني المقيمين، وذلك لأن العرب تنصب على المدح عند تكرر العطف والوصف، وقد يستأنف فيرفع، قال الله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَاليتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [البقرة: 177] فرفع "الموفون" على الاستئناف، فكأنه قال: وهم الموفون، ونصب "الصابرين" على المدح، فكأنه قال: اذكرِ الصابرين، ثم قالت الخرنق، امرأة من العرب: 1 لا يَبْعَدَنْ قومي الذين هُمُ ... سَمُّ العُدَاةِ وآفةُ الجُزْرِ

النازلون بكل مُعْتَرَكٍ ... والطيبين مَعَاقِدَ الأَزْرِ فنصبت "الطيبين" على المدح فكأنها قالت: أعني الطيبين، ويروى أيضا "والطيبون" بالرفع، أي: وهم الطيبون، وقال الشاعر: 1 إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمَامِ ... ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمْ وذا الرَّأْي حين تُغَمُّ الأمور ... بذات الصَّلِيلِ وذات اللُّجُمْ فنصب "ذا الرأي" على المدح، فكذلك ههنا، وقال الآخر: 2 وكلُّ قوم أَطَاعُوا أمر مُرْشِدِهِمْ ... إلا نُمَيْرًا أَطَاعَتْ أَمْرَ غَاوِيهَا

الظاعنين ولَمَّا يُظْعِنُوا أحدًا ... والقائلون: لِمَنْ دَارٌ نُخَلِّيهَا فرفع "القائلون" على الاستئناف؛ ولك أن ترفعهما جميعًا، ولك أن تنصبهما جميعا، ولك أن تنصب الأول وترفع الثاني، ولك أن ترفع الأول وتنصب الثاني، ولا خلاف في ذلك بين النحويين.
والوجه الثاني: أنا نسلم1 أنه في موضع جر، ولكن بالعطف على "ما" من قوله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: 177] فكأنه قال: يؤمنون بما أنزل إليك وبالمقيمين، على أنه قد روي عن عائشة عليها السلام أنها سئلت عن هذا الموضع، فقالت: هذا خطأ من الكاتب، وروي عن بعض لد عثمان أنه سئل عنه، فقال: إن الكاتب لما كتب ﴿مَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِك﴾ [البقرة: 177] قال: ما أكتب؟ فقيل له: اكتب والمقيمين الصلاة، يعني أن الممل أعمل قوله "اكتب" في "المقيمين" على أن الكاتب يكتبها بالواو كما كتب ما قبلها، فكتبها على لفظ الممل.
أما قوله تعالى: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 217] فلا حجة لهم فيه؛ لأن "المسجد الحرام" مجرور بالعطف على "سبيل الله" لا بالعطف على "به" والتقدير فيه: وصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام؛ لأن إضافة الصد عنه أكثر في الاستعمال من إضافة الكفر به، ألا ترى أنهم يقولون: "صددته عن المسجد"، ولا يكادون يقولون: "كفرت بالمسجد"؟ = أن يحملوا أحدا على مفارقة داره، فهم يخافون عدوهم لقلتهم ولذلهم وضعفهم، ولا يخافهم عدوهم، وقوله "والقائلون لمن دار نخليها" يريد أنهم إذا ارتحلوا عن دارهم وخلوها لم يعرفوا من يحلها من قبائل العرب، لأنهم أضعف من كل قبيلة، فكل قبيلة من قبائل العرب يجوز أن تحل دارهم.
والاستشهاد ههنا بهذين البيتين في قوله "والقائلون" حيث رفعه على القطع بإضمار مبتدأ، والتقدير: هم الظاعنون، ويجوز أن يكون قوله "الظاعنين" تابعا لقوله "نميرا" ويجوز أن يكون مقطوعًا بتقدير فعل، أي أذم الظاعنين، أو أهجو، أو نحو ذلك، وتجوز في الوصفين جميع الوجوه التي ذكرها المؤلف: إتباعهما، وقطعهما، وإتباع الأول وقطع الثاني، والذي لا يجوز هو أن تقطع ثم تتبع، وذلك لأن الرجوع إلى الإتباع بعد أن انصرفت عنه قبيح، إذ القطع يفيد أن شأن المذكورين معلوم مشهور لا يحتاج إلى وصف يبينه، فإن عدت إلى الإتباع بعد أن قطعت فكأنك نقضت ما أفدته أولا.
وكل موضع جاز فيه القطع فإنه يجوز أن يكون قطعه بالنصب بتقدير فعل مدح أو ذم ويجوز قطعه بالرفع بتقدير مبتدأ، سواء أكان المتبوع مرفوعًا أم منصوبًا أم مجرورًا، فاعرف ذلك وكن منه على ثبت.
1 في ر "أنا لا نسلم" وليس بصحيح.

وأما قوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ [الحجر: 20] فلا حجة لكم فيه؛ لأن "مَنْ" في موضع نصب بالعطف على "مَعَايِشَ" أي: جعلنا لكم فيها المعايش والعبيد والإماء.
وأما قول الشاعر: [292] فاذهب فما بك والأيام من عجب فلا حجة فيه أيضًا؛ لأنه مجرور على القسم، لا بالعطف على الكاف في "بك".
وأما قول الآخر: [181] أَفِيهَا كَانَ حَتْفِي أَمْ سِوَاهَا فلا حجة فيه أيضا؛ لأن "سواها" في موضع نصب على الظرف، وليس مجرورًا على العطف؛ لأنها لا تقع إلا منصوبة على الظرف، وقد ذكرنا ذلك في موضعه.
وأما قول الآخر: [293] وما بينها والكعبِ غُوطٌ نَفَانِفُ فلا حجة فيه أيضًا؛ لأنه ليس مجرورًا على ما ذكروا، وإنما هو مجرور على تقدير تكرير "بين" مرة أخرى، فكأنه قال: وما بينها وبين الكعب، فحذف الثانية لدلالة الأولى عليها، كما تقول العرب: ما كل بيضاءَ شحمةً، ولا سوداء تمرة، يريدون "ولا كل سوداء" فيحذفون "كل" الثانية لدلالة الأولى عليها، وقال الشاعر: 1 أَكُلَّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً ... ونارٍ تَوَقَّدُ بالليل نَارَا

أراد "وكل نار" فاستغنى عن تكرير "كل" وهذا كثير في كلامهم، وبهذا يبطل قول من توهَّم منكم أن ياء النسب في قولهم: "رأيت التيميَّ تيم عديَّ" اسم في موضع خفض؛ لأنه أبدل منهما "تَيْمِ عديِّ" فخفضه على البدل؛ لأن التقدير فيه: صاحب تيم عدي، فحذف "صاحب" وجر ما بعده بالإضافة؛ لأنه في تقدير الثَّبَات، وهذا هو الجواب عن قول الآخر: وأبي نعيم ذي اللواء المحرق ثم لو حُمِلَ ما أنشدوه من الأبيات على ما ادعوه لكان من الشَّاذ الذي لا يقاس عليه، والله أعلم.
= تستحق إطلاق هذا الاسم عليها هي النار التي يوقدها أربابها لقرى الضيفان ولهداية السالكين في ظلمات الليل.
والاستشهاد بالبيت ههنا في قوله: "ونار" فإن هذه الواو عاطفة، و"نار" يحتمل وجهين من الإعراب: الأول: أن يكون مجرورا بتقدير مضاف يكون معطوفا على كل في قوله: "كل امرئ" وعلى هذا الوجه يكون الشاعر قد حذف المضاف وأبقى المضاف إليه على جره، وأصل الكلام: أتحسبين كل امرئ امرأ وكل نار نارا، فكل امرئ: مفعول أول لتحسبين، وامرأ: مفعوله الثاني، وكل نار: معطوف على كل امرئ، ونارًا معطوف على امرأ، فعطف على المفعول الأول مثله، وعلى المفعول الثاني مثله، فهو عطف اثنين على معمولين لعامل واحد وهو تحسبين، وكل ما فيه أنه حذف المضاف وأبقى المضاف إليه على جره كما قلنا، وهذا الوجه هو أقرب وجوه الإعراب في هذه العبارة ونظائرها، وهو الذي يعنيه المؤلف باستشهاده بهذا البيت في هذا الموضع.
والوجه الثاني: أن تجعل الواو العاطفة قد عطفت جملة على جملة، فتقدر فعلا كالفعل السابق في الكلام، وتقدر له مفعولا أول يكون مضافا إلى نار المجرور، وتقدير الكلام على هذا الوجه: أتحسبين كل امرئ امرأ وتحسبين كل نار نارا، فحذف الفعل وفاعله ومفعوله الأول، وأبقى المضاف إليه والمفعول الثاني، وهذا الوجه أقل قبولًا من الوجه السابق لما فيه من كثرة المحذوفات.
والذي لا يجوز أن تذهب إليه هو أن تجعل "نار" المجرور معطوفا على "امرئ" المجرور، و"نارا" المنصوب معطوفا على "امرأ" المنصوب، وذلك لأن هذا الوجه الذي نحذرك منه يستلزم عطف معمولين على معمولين لعاملين مختلفين، ألست ترى "امرئ" المجرور معمولا لكل باعتباره مضافًا إليه والمضاف يعمل في المضاف إليه الجر، و"امرأ" المنصوب معمولًا لتحسبين باعتباره مفعولًا ثانيًا، والعطف على معمولي عاملين مختلفين مما لا يجيزه النحاة، أما تقدير "كل" وهو الوجه الأول وتقدير الفعل وهو الوجه الثاني فكل واحد منهما يخلصك من هذا المحذور، وإن كان أحدهما أفضل من الآخر، فاعرف هذا، وكن منه على ثبت، والله يرشدك ويبصرك.

66-

جارٍ التحميل