الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيينمسألة القول في الفصل بين المضاف والمضاف إليه

مسألة القول في الفصل بين المضاف والمضاف إليه

عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو البركات الأنباري
الكتاب
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين
المؤلف
عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (المتوفى: 577هـ)
الناشر
المكتبة العصرية
الطبعة
الأولى 1424هـ- 2003م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

... بسم الله الرحمن الرحيم 60- مسألة: [القول في الفصل بين المضاف والمضاف إليه] 1 ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز الفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير الظرف وحرف الخفض لضرورة الشعر.
وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز ذلك بغير الظرف وحرف الجر.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأن العرب قد استعملته كثيرًا في أشعارها، قال الشاعر: 1 فَزَجَجْتُهَا بِمَزَجَّةٍ ... زَجَّ القَلُوصَ أَبِي مَزَادَهْ

والتقدير: زج أبي مَزَادَةَ القَلُوصَ، ففصل بين المضاف والمضاف إليه بالقلوص، وهو مفعول، وليس بظرف ولا حرف خفض، وقال الآخر: 1 تمرُّ على ما تستمرُّ، وقد شَفَتْ ... غَلَائِلَ عبدُ القَيْسِ منها صُدُورِهَا = الذي هو قوله زج والمضاف إليه الذي هو قوله أبي مزادة بمفعول المضاف الذي هو قوله القلوص، وبيان ذلك أن زج مصدر فعل يتعدى إلى المفعول به، فهو يعمل عمل الفعل المتعدي: يرفع فاعلا، وينصب مفعولا، وتجوز إضافته إلى أيهما شاء المتكلم ثم يأتي بعد ذلك بالآخر، وقد أراد المتكلم ههنا أن يضيف هذا المصدر إلى فاعله وهو أبو مزادة، ففعل ذلك، ولكنه جاء بالمفعول بين المضاف والمضاف إليه، ولو أنه اتبع المهيع لقال: زج أبي مزادة القلوص، أو لقال: زج القلوص أبو مزادة، فأضاف المصدر إلى فاعله ثم أتى بمفعوله أو أضاف المصدر إلى مفعوله ثم أتى بفاعله، فلما لم يفعل أحد الوجهين مع تمكنه منه بغاية اليسر علمنا أنه لا يرى بهذا الفصل بأسًا، وأنه يعتقد جوازه من غير ضرورة ولا شذوذ، قال ابن اجني: "وفي هذا البيت عندي دليل على قوة إضافة المصدر إلى الفاعل عندهم، وأنه في نفوسهم أقوى من إضافته إلى المفعول، ألا تراه ارتكب ههنا الضرورة -مع تمكنه من ترك ارتكابها- لا لشيء غير الرغبة في إضافة المصدر إلى الفاعل دون المفعول" ا. هـ.

والتقدير: شفت غلائل صدورها عبد القيس منها، ففصل بين المضاف والمضاف إليه، وقال الآخر: 1 يَطُفْنَ بِحُوزِيِّ المَرَاتِعِ لَمْ تُرَعْ ... بِوَادِيهِ مِنْ قَرْعِ القِسِيَّ الكَنَائِنِ

والتقدير: مِنْ قَرْعِ الكَنَائِنِ القِسِيَّ، وقال الآخر: 1 فَأَصْبَحَتْ بَعْدَ خَطِّ بَهْجَتِهَا ... كأنَّ قَفْرًا رُسُومَهَا قَلَمَا والتقدير: بعد بهجتها، ففصل بين المضاف الذي هو "بعد" والمضاف إليه الذي هو "بهجتها" بالفعل الذي هو "خط" وتقدير البيت: فأصبحت قفرًا بعد بهجتها كأن قلما خط رسومها.
وقد حكى الكسائي عن العرب: هذا غلام والله زيد، وحكى أبو عبيدة قال: سمعت بعض العرب يقول: إن الشاة لَتَجْتَرُّ فتسمع صوت والله رَبِّهَا، ففصل بين المضاف والمضاف إليه بقوله "والله"، وإذا جاء هذا في الكلام ففي الشعر أولى، وقد قال ابن عامر أحد القراء السبعة ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ بنصب "أولادهم" وجر "شركائهم" ففصل بين المضاف والمضاف إليه بقوله "أولادهم" والتقدير فيه: قتلُ شركائِهِم أولادَهم، ولهذا كان منصوبًا في هذه القراءة، وإذا جاء في القرآن ففي الشعر أولى.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز ذلك لأن المضاف والمضاف إليه بمنزلة شيء واحد؛ فلا يجوز أن يفصل بينهما، وإنما جاز الفصل بينهما بالظرف وحرف الجر، كما قال عمرو بن قَمِيئَةَ: 2 لَمَّا رَأَتْ سَاتِيدَمَا اسْتَعْبَرَتْ ... للهِ دَرُّ اليوم مَنْ لَامَهَا

ففصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف؛ لأن التقدير لله در من لامها اليوم، وقال أبو حيّة النّميري: 1 كما خُطَّ الكتابُ بِكَفّ يومًا ... يهوديّ يُقَارِبُ أو يُزِيلُ = بلوغه الغاية في شيء ما، وصف الشاعر امرأة نظرت إلى ساتديما فذكرت به بلادها فاستعبرت شوقًا إليها، ثم قال: لله در من لامها اليوم على بكائها، يتعجب من شأن لائمها وينكر عليه فعله؛ لأنها عنده قد بكت بحق فلا محل للومها.
ومحل الاستشهاد هنا بهذا البيت قوله "در اليوم من لامها" فإن قوله "در" مضاف وقوله "من لامها" اسم موصول مضاف إليه، وقد فصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف وهو قوله "اليوم".

ففصل بين المضاف والمضاف إليه؛ لأن تقديره: بكف يهودي يومًا، وقال ذو الرمة: 1 كَأَنَّ أصواتَ من إِيغَالِهِنَّ بنا ... أَوَاخِرَ المَيْسِ أَصْوَاتُ الفَرَارِيج وقال امرأةٌ من العرب دُرْنَا بنتُ عَبْعَبَةَ الجَحْدَرِيَّة، وقيل: عَمْرَةُ الجُشَمِيَّة: 2 هما أَخَوَا في الحرب مَنْ لا أخا لَهُ ... إذا خاف يومًا نبوةً فدعاهما

ففصل بين المضاف والمضاف إليه؛ لأن تقديره: هما أخوا من لا أخا له في الحرب؛ لأن الظرف1 وحرف الجر يتسع فيهما ما لا يتسع في غيرهما، فبقينا فيما سواهما على مقتضى الأصل.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما ما أنشدوه فهو مع قلّته لا يعرف قائله؛ فلا يجوز الاحتجاج به.
وأما ما حكى الكسائي من قولهم "هذا غلامُ واللهِ زيدٍ" وما حكاه أبو عبيده عن بعض العرب من قولهم "فتسمع صَوْتَ والله رَبِّهَا" فنقول: إنما جاء ذلك في اليمين لأنها تدخل على أخبارهم للتوكيد، فكأنهم لما جازوا بها موضعها استدركوا ذلك بوضع اليمين حيث أدركوا من الكلام؛ ولهذا يسمونها في مثل هذا النحو "لغوًا" لزيادتها في الكلام في وقوعها غير موقعها.
والذي يدل على صحة هذا أنا أجمعنا وإياكم على أنه لم يجئ عنهم الفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير اليمين في اختيار الكلام.
وأما قراءة من قرأ من القراء: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ فلا يَسُوغُ لكم الاحتجاج بها: لأنكم لا تقولون بموجبها؛ لأن الإجماع واقع على امتناع الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول في غير ضرورة الشعر، والقرآن ليس فيه ضرورة، وإذا وقع الإجماع على امتناع الفصل [به] بينهما في حال الاختيار سقط الاحتجاج بها على حالة الاضطرار، فبان أنها إذا لم يجز أن تجعل حجّة في النظير لم يجز أن تجعل حجة في النقيض.
والبصريون يذهبون إلى وَهْي هذه القراءة وَوَهْم القارئ؛ إذ لو كانت صحيحة لكان ذلك من أفصح الكلام، وفي وقوع الإجماع على خلافه دليل على وَهْيِ القراءة، وإنما دعا ابن عامر إلى هذه القراءة أنه رأى في مصاحف أهل الشأم "شركائهم" مكتوبا بالياء ومصاحف أهل الحجاز والعراق "شركاؤهم" بالواو، فدلّ2 على صحة ما ذهبنا إليه، والله أعلم.
= والاستشهاد في قوله "معتاد" في الهيجا مصابرة" فإن قوله "معتاد مضاف إلى قوله "مصابرة" وقد فصل بينهما بالجار والمجرور وهو قوله "في الهيجا" وأصل الكلام: لأنت معتاد مصابرة في الهيجا.
1 قوله "لأن الظرف وحرف الجر يتسع فيهما" تعليل لقوله فيما سبق "وإنما جاز الفصل بينهما بالظرف وحرف الجر".
2 أي فدلَّ وهي القراءة وعدم صحة الاستدلال بها على صحة ما ذهبنا إليه.

61-

جارٍ التحميل