الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيينمسألة: ["كم" مركّبة أو مفردة؟]

مسألة: ["كم" مركّبة أو مفردة؟]

عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو البركات الأنباري
الكتاب
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين
المؤلف
عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (المتوفى: 577هـ)
الناشر
المكتبة العصرية
الطبعة
الأولى 1424هـ- 2003م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

1 ذهب الكوفيون إلى أن "كم" مركبة.
وذهب البصريون إلى أنها مفردة موضوعة للعدد.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأن الأصل في كم "ما" زيدت عليها الكاف؛ لأن العرب قد تصل الحرف في أوله وآخره، فما وصلته في أوله نحو: "هذا، وهذاك" وما وصلته في آخره نحو قوله تعالى: ﴿إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: 93] فكذلك ههنا: زادوا الكاف على "ما" فصارتا جميعًا كلمة واحدة، وكان الأصل أن يقال في "كم مالك": كما مالك، إلا أنه لما كثرت في "134" كلامهم وجرت على ألسنتهم حذفت الألف من آخرها وسكنت ميمها، كما فعلوا في "لِمْ" فصار "كم مالك" والمعنى: كأي شيء مالُكَ من الأعداد، والدليل على ذلك قولهم "كأيِّنْ من رجل رأيت" أي: كم من رجل رأيت، ونظير كم "لِمَ" فإن الأصل في لم "ما" زديت عليها اللام؛ فصارتا جميعًا كلمة واحدة، وحذفت الألف لكثرة الاستعمال وسكنت ميمها، فقالوا: لم فعلتَ كذا؟ قال الشاعر: [131] يا أبا الأسودِ لِمْ أَسْلَمْتَنِي ... لهمومٍ طارقاتٍ وذِكَر؟ وقال الآخر: 1 يا أَسَديُّ لم أكلته لِمَهْ؟ ... لو خافك اللهُ عليه حَرَّمَهْ فما قَرِبْتَ لحمه ولا دَمَهْ

يعني جَرْوَ كلب، ويقال: إن بني أسد كانت تأكله، فتعير ذلك.
وزيادة الكاف كثيرة، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11] وحكي عن بعض العرب أنه قيل له: كيف تصنعون الأقِطَ؟ قال: كَهيَّنٍ، وقال الراجز: 1 لَوَاحِقُ الأقراب فيها كالمَقَقْ = الجر عليها كما عرفت في شرح الشاهد رقم 131، ثم لم يكتفِ بحذف الألف حتى سكن الميم بعد أن كانت مفتوحة، و "لمه" مؤلفة كسابقتها من لام الجر مكسورة و "ما" الاستفهامية، وهذه الهاء يجوز أن تكون هاء السكت اجتلبها الراجز ليقف على "ما" الاستفهامية بعد حذف ألفها لكونها مجرورة بحرف الجر، ويجوز أن يكون قلب ألف "ما" هاء حين أراد الوقف، كما فعل راجز آخر في قوله.
وأنشده ابن يعيش "454 و1282": قد وردت من أمكنه ... من ههنا ومن هنه إن لم أروها فمه ألا ترى أنه قلب ألف "هنا" هاء، وقلب ألف "ما" في قوله "فمه" هاء، وأصل الكلام: إن لم أروها فما يكون؟ وأنت ترى أن الراجز الذي استشهد به المؤلف قد حذف ألف "ما" الاستفهامية وسكن الميم مرة، وقلب ألفها هاء، مرة أخرى، وهذا نوع من التصرف في الاسم الذي يشبه الحرف، وهو ما يريد المؤلف أن يقرره، فافهم ذلك والله يرشدك.

أي: المَقَقُ، وهو الطُّولُ.. وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنها مفردة لأن الأصل هو الإفراد، وإنما التركيب فرع، ومَنْ تمسك بالأصل خرج عن عُهْدَة المطالبة بالدليل، ومَنْ عَدَلَ عن الأصل افتقر إلى إقامة الدليل؛ لعدوله عن الأصل، واستصحابُ الحال أحد الأدلة المعتبرة.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إن الأصل في كم ما زيدت عليها الكاف" قلنا: لا نسلم؛ فإن هذا مجرد دعوى من غير دليل ولا معنى.
قولهم "إن العرب قد تصل الحرف في أوله نحو هذا" فقد قدمنا الجواب عنه فيما سبق.
وأما قولهم "كان الأصل أن يقال في كم مالك: كما مالك، إلا أنه لما كثر في كلامهم وجرى على ألسنتهم حذفت الألف لكثرة الاستعمال وسكنت الميم كما فعلوا ذلك في لِمَ" قلنا: لا نسلم أنه يجوز إسكان الميم في "لم" في اختيار الكلام، وإنما يجوز ذلك في الضرورة؛ فلا يكون فيه حجة، قال الشاعر: [131] يا أبا الأسود لِمْ أسلمتني وكما قال الأخر: [183] يا أسديُّ لم أكلته لِمَهْ فسكن "لم" للضرورة، تشبيهًا لها بما يجيء من الحروف على حرفين الثاني منهما ساكن؛ فلا يكون فيه حجة.
ثم لو كان الأمر كما زعمتم وأن كم كلِمَ لوجب أن يجوز فيها الأصل كما يجوز الأصل في لم فيقال: كَمَا مَالُكَ، كما يقال: لِمَا فعلت، وأن يجوز فيها الفتح مع حَذْفِ الألف كما يجوز في لِمَ فيقال: كَمَ مَالُكَ، كما يجوز لِمَ فعلت، وأن يجوز فيها هاء الوقف فيقال: كَمَهْ، كما يجوز في لِمَ هاء الوقف يقال: لِمَهْ؛ فلما لم يجز ذلك دلَّ على الفرق بينهما.
وأما قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11] فلا نسلم أن الكاف فيه زائدة؛ لأن "مثله" ههنا بمعنى هو، فكأنه قال ليس [كـ] هو شيء، والمِثلُ يطلق في كلام العرب ويُرَاد به ذات الشيء، يقول الرجل منهم: مِثْلِي لا يفعل هذا، أي: أنا لا أفعل هذا، ومثلي لا يقبل من مثلك، أي: أنا لا أقبل منك، قال الشاعر: 1 يا عاذِلي دَعْنِي من عَذْلِكَا ... مثلى لا يَقْبَلُ من مثلكا

أي: أنا لا أقبل منك.
ثم لو قلنا إن الكاف ههنا زائدة لما امتنع؛ لأن دخول الكاف ههنا كخروجها، ألا ترى أن معنى "ليس كمثله شيءٌ" ومعنى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ واحدٌ.
وكذلك الكاف في قوله: كَهَيِّنٍ، وقول الراجز: [184] لواحق الأقراب فيها كَالمَقَقْ بخلاف الكاف في "كَمْ" فإن الكاف في كم ليس دخولها كخروجها، بل لو قدّرنا حذفها من الكلام لاختلّ معناها ولم تحصل الفائدة بها، ألا ترى أن قولك "ما مالُكَ" لا يفيد ما يفيد قولك "كم مالُكَ" فدلَّ على الفرق بينهما، والله أعلم.
= بصفاتك، وقد جرت عادة العرب في كلامهم أنهم يكنون بهذه العبارة عن معنى "أنا لا أقبل منك" قال ابن هشام في المغني "ص179": "ولأنهم إذا بالغوا في نفي الفعل عن أحد قالوا "مثلك لا يفعل كذا" ومرادهم إنما هو النفي عن ذاته، ولكنهم إذا نفوه عمن هو على أخص أوصافه فقد نفوه عنه" ا. هـ. وقال الخطيب القزويني في الإيضاح "ص325 بتحقيقنا" وهو يمثل للكناية: "وكقولهم مثلك لا يبخل.
قال الزمخشري: نفوا البخل عن مثله وهم يريدون نفيه عن ذاته، قصدوا المبالغة في ذلك فسلكوا به طريق الكناية؛ لأنهم إذا نفوه عمن هو على أخص أوصافه فقد نفوه عنه" وأقول: إن العرب تسلك سبيل الكناية بلفظ مثل ولفظ غير فيقولون: مثلك يرعى الحق، ومثلك يعرف الفضل لذويه، ومثلك لا يغضي على القذى، ومثلك يؤدّي الواجب، ومنه قول الشاعر: مثلك يثني المزن عن صوبه ... ويسترد الدمع مع غربه وقالوا: غيري يخوف بالتهديد، وغيري يقنع باليسير، وغيري يفعل كذا، وهم يريدون أنا لا أخوف بالتهديد، وأنا لا أقنع باليسير، وأنا لا أفعل كذا، ومنه قول الشاعر وهو المتنبي: غيري بأكثر هذا الناس ينخدع ... إن قاتلوا جبنوا أو حدثوا شجعوا وكذلك قول الآخر: وهو أبو تمام: وغير يأكل المعروف سحتًا ... وتشحب عنده بيض الأيادي وقد سبقهما إلى مثل ذلك عنترة بن شداد العبسي في قوله: سواي يهاب الموت أو يرهب الردى ... وغيري يهوى أن يعيش مخلدا وهذا أبلغ من أن يقول: أنا لا أهاب الموت، وأنا لا آكل المعروف سحتًا، وأنا لا أنخدع بأكثر الناس، أما أن المراد بهذا الكلام ما ذكرناه فقد أوضحه الشاعر في قوله: ولم أقل مثلك أعني به ... سواك يا فردًا بلا مشبه وأما أنه أبلغ مما لو صرحت بالضمير المنفصل وحذفت المثل والغير فلأنه كناية، والكناية -كما هو مقرر- أبلغ من التصريح؛ لأنها تساوي عند التحقيق ذكرى الدعوى مع إقامة البينة عليها.

41-

جارٍ التحميل