مسألة: [هل تأتي ألفاظ الإشارة أسماء موصولة؟]
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو البركات الأنباري
- الكتاب
- الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين
- المؤلف
- عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (المتوفى: 577هـ)
- الناشر
- المكتبة العصرية
- الطبعة
- الأولى 1424هـ- 2003م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
1
ذهب الكوفيون إلى أن "هذا" وما أشبهه من أسماء الإشارة يكون بمعنى الذي والأسماء الموصولة، نحو "هذا قال ذاك زيد" أي: الذي قال ذاك زيد.
وذهب البصريون إلى أنه لا يكون بمعنى الذي، وكذلك سائر أسماء الإشارة لا تكون بمعنى الأسماء الموصولة.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأنه قد جاء ذلك في كتاب الله تعالى وكلام العرب، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 85] والتقدير فيه: ثم أنتم الذين تقتلون أنفسكم، فأنتم: مبتدأ، وهؤلاء: خبره وتقتلون: صلة هؤلاء، وقال تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء: 109] والتقدير فيه: ها أنتم الذين جادلتم عنهم، فأنتم: مبتدأ، وهؤلاء: خبره، وجادلتم: صلة هؤلاء، وقال تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: 17] والتقدير فيه: ما التي بيمينك، فما: مبتدأ، وتلك: خبرة، وبيمينك: صلة تلك، ثم قال ابن مُفَرِّغ:
1
عَدَسْ ما لِعَبَّادٍ عليك إمَارَةٌ ... أَمِنْتِ، وهذا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ
يريد: والذي تحملين طَلِيق؛ فدلَّ على أن أسماء الإشارة تكون بمعنى الأسماء الموصولة.
عَدَسْ: زَجْر البغل، وهو ههنا اسم لبغلة ابن مُفَرِّغ، وعَبَّاد: اسم وَالي سجستان حينئذ، وكان قد حبسه ثم أطلقه، فركب البغلة وجلس ينشد هذا البيت.
وكان الخليل يزعم أن "عدسا" كان رجلا عنيفًا بالبغال في أيام سليمان بن داود، فإذا قيل لها "عدس" انْزَعَجَتْ، وهذا ما لا يعرف في اللغة.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأن الأصل في "هذا" وما = وغيره، ومنه قول بيهس بن صريم الجرمي:
ألا ليت شعري هل أقولن لبغلتي: ... عدس، بعد ما طال السفار وكلت
وهو مبني على السكون، وربما أعربه الشاعر إذا اضطر، وكما قال بشر بن سفيان الراسبي:
فالله بيني وبين كل أخ ... يقول: أجذم، وقائل: عدسا
وربما سموا البغل نفسه عدس، ومنه قول الراجز:
إذا حملت بزتي على عدس ... على التي بين الحمار والفرس
فلا أبالي من غزا ومن جلس
وقوله في بيت الشاهد: "ما لعباد" أراد به عباد بن زياد والي سجستان في عهد معاوية بن أبي سفيان، وكان يزيد قد هجا عبادًا، ثم أخذه عبيد الله بن زياد أخو عباد فحبسه وعذبه وردّه إلى أخيه عباد، فلما بلغ معاوية ذلك أمر بإخلاء سبيله "إمارة" أي حكم وسلطان "طليق" حر لا يد لأحد عليه؛ لأنه قد أطلق سراحه.
ومحل الاستشهاد من البيت قوله "وهذا تحملين طليق" فإن الكوفيين والفراء ينشدون هذا البيت للاستدلال به على أن "هذا" اسم موصول بمعنى الذي، وهو مبتدأ، وجملة "تحملين" لا محل لها من الإعراب صلة الموصول؛ وطليق: خبر المبتدأ، وكأنه قد قال: والذي تحملينه طليق، قال الفراء: "العرب قد تذهب بذا وهذا إلى معنى الذي؛ فيقولون: من ذا يقول ذلك، في معنى: من الذي يقول، وقال يزيد بن مفرغ:
عدس ما لعباد.... البيت
كأنه قال: والذي تحملين طليق" ا. هـ كلامه، ولم يمنعهم من اعتبار ذا موصولة اقتران ها التنبيه بها ولا عدم تقدم ما أو من الاستفهاميتين عليها، مع أن المثال الذي ذكر الفراء أن العرب تقوله قد تقدم فيه على ذا من الاستفهامية ولم يقترن بها فيه حرف التنبيه؛ وأنكر البصريون صحة الاستدلال بهذا البيت على ما ذهب إليه الفراء والكوفيون، ولهم في تخريج البيت ثلاثة تخريجات؛ الأول أن يكون هذا اسم إشارة مبتدأ، وخبره قوله طليق، وجملة تحملين في محل نصب حال من الضمير المستتر في طليق، وكأنه قد قال: وهذا طليق حال كونه محمولا عليك، والثاني: أن يكون هذا اسم إشارة مبتدأ خبره محذوف وجملة تحملين في محل رفع صفة لذلك الخبر المحذوف، وطليق خبر ثان، وكأنه قد قال: وهذا رجل تحملينه طليق، والثالث: أن يكون هذا اسم إشارة مبتدأ، وله نعت هو اسم موصول محذوف وجملة تحملين لا محل لها صلة، وطليق خبر المبتدأ، وكأنه قد قال: وهذا الذي تحملينه طليق.
أشبهه من أسماء الإشارة أن تكون دالًّا على الإشارة، و"الذي" وسائر الأسماء الموصولة ليست في معناها؛ فينبغي أن لا يحمل عليها، وهذا تمسك بالأصل واستصحاب الحال، وهو من جمل الأدلة المذكورة، فمن ادَّعى أمرًا وراء ذلك بقي مُرْتَهَنًا بإقامة الدليل، ولا دليل لهم يدل على ما ادَّعوْهُ.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 85] فلا حجة لكم فيه من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون "هؤلاء" باقيًا على أصله من كونه اسم إشارة، وليس بمعنى الذي كما زعتم، ويكون في موضع نصب على الاختصاص، والتقدير فيه "أعني هؤلاء" كما قال عليه السلام "سلمان منا أهل البيت" فنصب "أهل" على الاختصاص، والتقدير فيه "أعني أهل البيت" وخبر أنتم: هؤلاء تقتلون1.
والوجه الثاني: أن يكون "هؤلاء" تأكيدا لأنتم، والخبر "تقتلون"، ثم هذا لا يستقيم على أصلكم، فإن "تقتلون" عندكم في موضع نصب؛ لأنه خبر التقريب، وخبر التقريب عندكم منصوب، كقولهم: "هذا زيد القائم" بالنصب، و"هذا زيد قائما" ولو كان صلة لما كان له موضع من الإعراب، وعندنا أنه يحتمل أن يكون في موضع نصب على الحال.
والوجه الثالث: أن يكون "هؤلاء" منادى مفردا، والتقدير فيه "ثم أنتم يا هؤلاء تقتلون" و"تقتلون" هو الخبر، ثم حذف حرف النداء كما قال تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: 29] وكما قال تعالى: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ [يوسف: 46] وحذف حرف النداء كثير في كلامهم.
وهذا الذي ذكرناه هو الجواب عن احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ﴾ [النساء: 109] .
وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: 17] فلا حجة لهم فيه؛ لأن "تلك" معناها الإشارة وليست بمعنى التي، والتقدير فيه: أي شيء هذه بيمينك و"تلك" بمعنى هذه كما يكون "ذلك" بمعنى هذا، قال الله تعالى: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: 1، 2] أي: هذا [304] الكتاب، ثم قال الشاعر وهو خُفَافُ بن نَدْبَةَ:
1
أقول له والرُّمْحُ يأَطِرُ مَتْنَهُ: ... تأمَّل خُفافًا؛ إنني أنا ذَلِكَا
أي: هذا والجار والمجرور في قوله تعالى: ﴿بِيَمِينِكَ﴾ في موضع نصب على الحال كأنه قال: أي شيء هذه كائنة بيمينك.
وأما قول الشاعر:
[443]
.. وهذا تحملين طليق
فلا حجة لهم فيه لأن "تحملين" في موضع الحال، كأنه قال: وهذا محمولًا طليق، ويحتمل أيضا أن يكون قد حذف الاسم الموصول للضرورة، ويكون التقدير: وهذا الذي تحملين طليق، وحذف الاسم الموصول يجوز في الضرورة، قال الشاعر:
445-
لكم مَسٍْجِدَا اللهِ المَزُورَان والحَصَى ... لكم قِبْصُهُ من بين أَثْرَى وأقتَرَا1 = ضمها، وهي أمه، وأبوه عمير بن الحارث بن الشريد السلمي، وخفاف ابن عم الخنساء تماضر بنت عمرو بن الشريد، وهو يقول هذا البيت وقد قتل مالك بن حمار سيد بني شمخ بن فزارة، وقبله قوله: فإن تك خيلي قد أصيب عميدها ... فعمدا على عيني تيممت مالكا والبيت من شواهد رضي الدين في باب اسم الإشارة من شرح الكافية، وشرحه البغدادي في الخزانة "2/ 470" وقد أنشده ابن دريد في الاشتقاق "ص309 مصر" وأبو العباس المبرد في الكامل "2/ 285 الخيرية" وابن قتيبة في الشعراء "ص196 أوروبة" وأراد بالعميد الذي أصيب معاوية بن عمرو بن الشريد أخا الخنساء، وتيممت: قصدت، ومالك: هو مالك بن حمار سيد بني شمخ، ومحل الاستشهاد بهذا البيت قوله "أنا ذلكا" أي هذا، والإشارة فيه قد قصد بها تعظيم المشار إليه، أي أنا ذلك الفارس الذي ملأ سمعك ذكره، نزل بعد درجته ورفعة محله وعظيم منزلته منزلة بعد المسافة، ولهذا استعمل مع اسم الإشارة اللام التي للبعد، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ .
أراد مَنْ أثرى ومن أقتر، فحذف للضرورة، فكذلك ههنا.
على أنه يجوز عندكم حذف الاسم الموصول في غير ضرورة الشعر؛ ولهذا ذهبتم إلى أن التقدير في قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ﴾ [النساء: 46] من يحرفون، فحذف "من" وهو الاسم الموصول، وكذلك ذهبتم إلى أن التقدير في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: 5] أي: الذي يحمل أسفارا، وإذا جاز هذا عندكم في القرآن ففي ضرورة الشعر أولى؛ فلا يكون لهم فيه حجة، والله أعلم.
= حسان بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه:
أمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء؟
التقدير: أمن يهجو رسول الله ومن يمدحه وينصره سواء؟ ولا يجوز أن تجعل جملة يمدحه وجملة ينصره معطوفتين على جملة يهجو رسول الله؛ لأنه يلزم عليه أن يكون الذي يهجوه والذي يمدحه واحدا، وهذا غير صحيح، ونظير ذلك قول الآخر:
ما الذي دأبه احتياط وحزم ... وهواه أطاع يستويان
التقدير: ما الذي دأبه احتياط وحزم والذي أطاع هواه، والقول في لزوم هذا التقدير كالقول الذي ذكرناه في بيت حسان.
واعلم أن حذف الموصول وإبقاء صلته قد أجازه الكوفيون والأخفش، واتبعهم ابن مالك في بعض كتبه، واشترط في بعض كتبه لجواز هذا الحذف أن يكون لموصول المحذوف معطوفًا على موصول آخر، وسائر البصريين لا يقرّون ذلك، ويجعلون الحذف من ضرورات الشعر.
104-