الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيينمسألة: [القول في المؤنث بغير علامة تأنيث مما على زنة اسم الفاعل]

مسألة: [القول في المؤنث بغير علامة تأنيث مما على زنة اسم الفاعل]

عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو البركات الأنباري
الكتاب
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين
المؤلف
عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (المتوفى: 577هـ)
الناشر
المكتبة العصرية
الطبعة
الأولى 1424هـ- 2003م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

1 ذهب الكوفيون إلى أن علامة التأنيث إنما حُذِفَتْ من نحو "طالق، وطامث، وحائض، وحامل" لاختصاص المؤنث به.
وذهب البصريون إلى أنه إنما حذفت منه علامة التأنيث لأنهم قصدوا به النسب ولم يُجْرُوهُ على الفعل، وذهب بعضهم إلى أنهم إنما حذفوا علامة التأنيث منه لأنهم حملوه على المعنى كأنهم قالوا "شيء حائض".
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأن علامة التأنيث إنما دخلت في الأصل للفصل بين المذكر والمؤنث، ولا اشتراك بين المؤنث والمذكر في هذه الأوصاف من الطلاق والطمث والحيض والحمل، وإذا لم يقع الاشتراك لم يفتقر إلى إدخال علامة التأنيث؛ لأن الفصل بين شيئين لا اشتراك بينهما بحال محال.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما حذفت علامة التأنيث من هذا النحو لأن قولهم "طالق، وطامث، وحائص، وحامل" في معنى ذات طلاق وطمث وحيض وحمل، على معنى النسب، أي: قد عرفت بذلك، كما يقال: رجل رامح ونابل، أي ذو رمح ونبل، وليس محمولا على الفعل؛ واسم الفاعل إنما يؤنث على سبيل المتابعة للفعل، نحو ضربت المرأة تضرب فهي ضاربة، فإذا وضع على النسب لم يكن جاريا على الفعل ولا متبعا له، فلم تلحقه علامة التأنيث، وصار بمنزلة قولهم "امرأة مِعْطَار، ومِذْكَار، ومِئْنَاث، ومِئْشِير، ومِعْطِير، وصَبُور، وشكور، وخَوْد، وضَنَاك، وَصَنَاع، وحَصَان، وَرزَان" قال حسان: 1 حصان رَزَانٌ ما تُزَنٌ بِرِيبَةٍ ... وتصبح غَرْثَى من لحوم الغَوَافِلِ

فإن هذه الأوصاف وما أشبهها لما لم تكن جارية على الفعل لم تلحقها علامة التأنيث، فكذلك ههنا.
والذي يدل على صحة ما ذكرناه أنهم لو حملوه على الفعل لدخلته علامة التأنيث؛ فقيل: طَلَقَتْ فهي طالقة، وطمثت فهي طامثة، وحاضت فهي حائضة، وحملت فهي حاملة، وقال الشاعر، وهو الأعشى: 1 أيا جارتا بِينِي فإنك طالقه ... كذاك أمور الناس غادٍ وطارقه وقال: 2 تَمخَّضَتْ المَنُونُ له بيوم ... أَنَّى، ولكل حاملة تمام = رسول الله عائشة بنت الصديق أبي بكر، رضي الله تعالى عنها وعن أبيها وقد أنشد هذا البيت ابن منظور "غ رث - ح ص ن - ر ز ن - ز ن ن" والحصان -بفتح الحاء- العفيفة، والرزان -بفتح الراء- أي ذات ثبات ووقار وعفاف، وهي مع ذلك رزينة في مجلسها، وما تزن -بالبناء للمجهول- أي ما تتهم، والريبة: التهمة وموضع الشك، وغرثي: وصف المؤنث من الغرث -بالتحريك- وهو الجوع، أو أيسره، أو أشده، والغوافل: جمع غافلة، يعني أنها لا تغتاب أحدا.
ومحل الاستشهاد مجيء هذه الصفات -وهي حصان، ورزان- من غير تاء التأنيث، مع أنها جارية على مؤنث، وذلك بسبب كونها غير جارية على فعل.

ومنهم من تمسك بأن قال: إنما حذفوا علامة التأنيث من "طالق" ونحوه = وغيرها، كل هذا على المجاز، والمنون: المنية وهي الموت، وأني: أي أدرك وبلغ مداه، وقوله: "ولكل حاملة تمام" تذييل، يريد أن لكل حمل مدة ينتهي فيها وتتم مدته.
ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله: "حاملة" حيث جاء بهذا الوصف متصلا بتاء التأنيث مع أنه خاص بالإناث لا يوصف به غيرهن، وذلك لأنه جعله وصفا جاريا على الفعل، على نحو ما ذكرناه في الشواهد السابقة، قال ابن منظور "وامرأة حامل وحاملة، على النسب وعلى الفعل" يريد أنه يقال حامل على النسب، ويقال حامل على الفعل، فهو على طريق اللف والنشر" الأزهري: امرأة حامل وحاملة؛ إذا كانت حبلى، وفي التهذيب: إذا كان في بطنها ولد، وأنشد لعمرو بن حسان: تمخضت المنون.... البيت فمن قال حامل -بغير هاء- قال: هذا نعت لا يكون إلا للمؤنث، ومن قال حاملة بناه على حملت فهي حاملة؛ فإذا حملت المرأة شيئا على ظهرها أو على رأسها فهي حاملة لا غير، لأن الهاء إنما تلحق للفرق، فأما ما لا يكون للمذكر فقد استغنى فيه عن علامة التأنيث، فإذا أتى بها فإنما هو على الأصل، قال: هذا قول أهل الكوفة، وأما أهل البصرة فإنهم يقولون: هذا غير مستمر؛ لأن العرب قالوا: هذا رجل أيم، وامرأة أيم، ورجل عانس، وامرأة عانس، على الاشتراك وقالوا: امرأة مصبية، وكلبة مجربة، مع غير الاشتراك، قالوا: والصواب أن يقال: قولهم حامل وطالق وحائض وأشباه ذلك من الصفات التي لا علامة فيها للتأنيث، فإنما هي أوصاف مذكرة وصف بها الإناث، كما أن الربعة والرواية والخجأة أوصاف مؤنثة وصف بها الذكران" ا. هـ كلامه، وهو: كلام غير محدود ولا معلل، خلاصته أن الأصل أن يكون وصف المؤنث بعلامة تأنيث، ووصف المذكر بغير علامة، ولكنهم قد يعكسون فيجعلون وصف المذكر مقترنا بعلامة التأنيث ووصف المؤنث خاليا من علامة التأنيث، والكلام الدقيق هو ما قاله أبو البقاء بن يعيش في شرح المفصل "ص695" وذلك قوله "اعلم أنهم قالوا: امرأة طالق وحائض وطامث وقاعد للآيسة من الحيض، وعاصف في وصف الريح من قوله تعالى: ﴿جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾ [يونس: 22] فلم يأتوا فيه بالتاء وإن كان وصفا للمؤنث، وذلك لأنه لم يجر على الفعل، وإنما يلزم الفرق ما كان جاريا على الفعل؛ لأن الفعل لا بد من تأنيثه إذا كان فيه ضمير مؤنثا -حقيقيا- كان أو غير حقيقي -نحو هند ذهبت، وموعظة جاءت، فإذا جرى الاسم على الفعل لزمه الفرق بين المذكر والمؤنث كما كان كذلك في الفعل، وإذا لم يكن جاريا على الفعل كان بمنزلة المنسوب، فحائض بمعنى حائض -أي ذات حيض- على حد قولهم: رجل دارع، أي دارعي -بمعنى صا حب درع- ألا ترى أنك لا تقول درع فتجريه على فعل -كفرح- إنما قولك دارع أي ذو درع، وطالق أي أن الطلاق ثابت فيها، ومثله قولهم: مرضع، أي ذات رضاع، ومنه قوله تعالى: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِه﴾ أي ذات انفطار، وليس ذلك على معنى حاضت وانفطرت، إذ لو أريد ذلك لأتوا بالتاء وقالوا: حائضة غدا، وتطلق غدا، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج: 2] وقوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ [الأنبياء: 81] وقول الشاعر: رأيت جنون العام والعام قبله ... كحائضة يزني بها غير طاهر

لأنهم حملوه على المعنى، كأنهم قالوا: شيء طالق، أو إنسان طالق، كما قالوا: رجل رَبْعَةٌ، فأنثوا والموصوف مذكر على معنى نفس رَبْعة، وكما جاء في الحديث "مذ دَجَتِ الإسلام" لأن الإسلام بمعنى الملة، وكما حكى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال: سمعت أعرابيا يمانيا يقول: فلان لغوب جاءته كتابي فاحتقرها، فقلت له: أتقول "جاءته كتابي"؟ فقال: أليس بصحيفة؟ والحملُ على المعنى كثيرٌ في كلامهم، قال الشاعر: [327] قامت تبكيه على قبره ... من لي من بعدك يا عامر؟ تركتني في الدار ذَا غربة ... قد ذَلَّ من ليس له ناصر فقال "ذا غربة" ولم يقل "ذات غربة"؛ لأن المرأة في المعنى إنسان.
وقال الآخر: 1 إن السماحة والمُرُوءَةَ ضُمِّنَا ... قبرًا بمَرْوَ على الطريق الوَاضِحِ = وذلك كله يجري على الفعل على تقدير حاضت وطلقت، هذا مذهب الخليل، وسيبويه يتأوّل على أنه صفة شيء أو إنسان، والشيء مذكر، فكأنهم قالوا: شيء حائض، لأن الشيء عام يقع على المذكر والمؤنث" ا. هـ. وخلاصة هذا الكلام أن ما كان وصفا للمؤنث وليس فيه علامة تأنيث كائض وطالق وطامث لشيوخ البصرة فيه تأويلان: الأول تأويل الخليل، وحاصله أن هذا الوصف لا يراد به الحدوث، وإنما يراد به أنه قائم بصاحبه وأن صاحبه منسوب إليه، فمعنى "امرأة حائض" أنها منسوبة إلى الحيض وإن كانت خالية من دم الحيض حين إطلاق الوصف عليها فعلا، ومعنى "امرأة مرضع" أنها منسوبة إلى الرضاع نعني أن لها ولدًا في زمن الرضاع، ويقال لها مرضع ولو لم تكن ترضع وقت إطلاق الوصف عليها فعلا، فإذا أردت بحائض أن الدم الذي يسمى الحيض يقطر منها أو أردت بمرضع أن ثديها في فم ولدها لم يكن لك بد من أن تلحقهما التاء فتقول حائضة ومرضعة، وهذا هو الذي يسمونه جاريا على الفعل، والتأويل الثاني تأويل سيبويه، وخلاصته أنه تأول الموصوف بهذه الصفات الخالية من علامة التأنيث بمذكر، فجعل المرأة بمعنى شيء وبمعنى إنسان ليصح وصفه بالمذكر، وقد علمت أن مذهب الكوفيين أنه لا يلزم اقتران علامة التأنيث بالوصف الجاري على المؤنث متى كان هذا الوصف مما لا يوصف به المذكر، وفي هذا القدر كفاية ومقنع.

فقال "ضمنا" ولم يقل "ضمنتا" لأنه ذهب بالسماحة إلى السخاء وبالمروءة إلى الكرم، وقال الآخر: 1 فإن تَعْهَدِينِي وَلِي لِمَّةٌ ... فإنَّ الحَوَادِثَ أَوْدَى بِهَا = ومحل الاستشهاد من البيت قوله "ضمنا" فإن هذا فعل ماضي مبني للمجهول مسند إلى ضمير غائب هو ألف الاثنين يعود إلى مؤنثين وهما المروءة والنجدة، وكان من حق العربية عليه أن يؤنث هذا الفعل، فيلحق به التاء، فيقول "ضمنتا" لأن الفعل المسند إلى ضمير المؤنث يجب إلحاق علامة التأنيث به -سواء أكان هذا المؤنث حقيقي التأنيث أم كان مجازي التأنيث- إلا أن الشاعر ترك التاء بسبب كونه أراد المعنى، وبيان ذلك أن السماحة قد يطلق عليها الكرم أو الجود أو السخاء، وأن المروءة قد يطلق عليها كرم الطباع أو الشرف أو السمو، وكل ذلك مذكر، فذكر الفعل لأنه أراد بالضمير وصفين من هذه الأوصاف المذكورة، ونظير ذلك من القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ [الكهف: 98] وقوله سبحانه: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: 119] إذا جعلت اسم الإشارة في "ولذلك" عائدًا إلى الرحمة المستفاد من قوله سبحانه "إلا من رحم ربك" وهو رأي لبعض العلماء في الآية ألا ترى أنه قد جيء باسم الإشارة الموضوع للمفرد المذكر مشارا به إلى الرحمة، وذلك لأن معنى الرحمة هو الفضل والإنعام، فكأنه قيل: ولذلك الفضل أو لذلك الإنعام خلقهم، وكأنه قيل في الآية الأخرى هذا فضل من ربي، ونظير ذلك من الشعر مما لم يذكره المؤلف قول الخنساء: فذلك -يا هند- الرزية، فاعلمي ... ونيران حرب حين شب وقودها فقد أشارت باسم الإشارة الموضوع للمفرد المذكر في قولها "فذلك" إلى الرزية وهي مؤنثة لأنها أرادت من الرزية الرزء أو الخطب أو نحو ذلك، ونظيره قول امرئ القيس بن حجر الكندي: برهرهة رؤدة رخصة ... كخرعوبة البانة المنفطر البرهرهة: الرقيقة الجلد، والرؤدة: الناعمة الرخصة، والخرعوبة: القضيب الغضّ والمنفطر: المنشق، فأنت تراه قد قال "كخرعوبة البانة المنفطر" مع أن الخرعوبة مؤنث اللفظ، وكان من حقه أن يقول المنفطرة، إلا أنه لما كان الخرعوبة والغضّ بمعنى واحد أعاد الصفة على الخرعوبة كما يعيدها على الغضّ.

............................................................................. = الفعل الذي هو أودى مسند إلى ضمير مستتر يعود إلى الحوادث، والحوادث جمع حادثة، فهو جمع تكسير مفرده مؤنث، وقد زعم المؤلف تبعا لسيبويه وشراح كلامه أنه كان على الشاعر أن يقول: فإن الحوادث أودت بها؛ فيؤنث الفعل لكونه مسندا إلى ضمير يعود إلى مؤنث، ولكنه ترك تاء التأنيث لأن الحوادث يطلق عليها الحدثان، والحدثان مذكر، ويسند إليه الفعل بغير تاء كما في قول شاعر الحماسة: رمى الحدثان نسوة آل حرب ... بمقدار سمدن له سمودا فرد شعورهن السود بيضًا ... ورد وجوههن البيض سودا قال ابن منظور "فأما قول الأعشى: فإما تريني ولي لمّة -البيت فإنه حذف التاء للضرورة، وذلك لمكان الحاجة إلى الردف، وأما أبو علي الفارسي فذهب إلى أنه وضع الحوادث موضع الحدثان كما وضع الآخر الحدثان موضع الحوادث في قوله: ألا هلك الشهاب المستنير البيتين الآتيين برقم 470" ا. هـ. ولكن خيرًا من هذا التخريج أن يقال: إن الحوادث جمع تكسير، وإن جمع التكسير لكونه لم يسلم فيه بناء المفرد يصح أن يعود إليه الضمير من الفعل والوصف مذكرا أو مؤنثا -سواء أكان مفرده مذكرا أم كان مفرده مؤنثا- وقد تنبَّه لهذا بعض التنبه الأعلم حيث يقول "الشاهد فيه حذف التاء من أودت ضرورة، ودعا إلى حذفها إن القافية مردفة بالألف، وسوغ له حذفها أن تأنيث الحوادث غير حقيقي، وهي في معنى الحدثان" ا. هـ. وقد قلنا "إنه تنبه بعض التنبه" لأنه تنبه إلى أن تأنيث الحوادث غير حقيقي، ولم يكن تنبهه كاملا لأنه جعل ترك التاء في مثل هذا ضرورة، ولأنه عاد فقال "وهي في معنى الحدثان" والصواب أن التعليل لترك التاء ههنا هو أن مرجع الضمير جمع تكسير، وجمع التكسير يصح أن ينظر إليه على أنه جمع فيكون مذكرا ولو كان مفرده مؤنثا، وأن ينظر إليه على أنه جماعة فيكون مؤنثا ولو كان مفرده مذكرا، والوجهان جائزان في سعة الكلام عند علماء المصرين الكوفة والبصرة فما بالهم قد تركوا هذه القاعدة هنا، ورجعوا إلى أصل الكلام الأصيل، وانظر لذلك بحثا وافيا كتبناه في شرحنا على شذور الذهب "ص171-174". ومما ورد فيه إسناد الفعل إلى جمع التكسير الذي واحده مؤنث من غير أن يلحق بالفعل تاء التأنيث قول الشاعر، وأنشده القالي "الأمالي 2/ 281 ط الدار": فما لك إذ ترمين يا أم مالك ... حشاشة قلبي، شل منك الأصابع ألا تراه قد قال "شل الأصابع" والأصابع جمع إصبع، والإصبع مؤنثة، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم "هل أنت إلا إصبع دميت" وقد جاء الفعل المسند إلى الأصابع مؤنثا في بيت الفرزدق المشهور.
إذا قيل: أي الناس شر قبيلة ... أشارت كليب بالأكف الأصابع أي أشارت الأصابع إلى كليب مصاحبة الأكف، وقد أثرنا لك في شرح الشاهد 470 كلمة لابن يعيش صريحة في ذلك.
وفي هذا القدر كفاية وغناء إن شاء الله تعالى:

فقال: أودى" ولم يقل "أَوْدَتْ"؛ لأن الحوادث في معنى الحَدَثَانِ، وقال الآخر: 1 أَلَا هَلَكَ الشِّهَابُ المُسْتَنِيرُ ... ومِدْرَهُنَا الكَمِيُّ إذا نُغِيرُ

وحَمَّالُ المِئِينَ إذا أَلَمَّتْ ... بنا الحدثانُ، والأنف النّصُورُ فقال: "أَلَمَّتْ" لأنه ذهب بالحدثان إلى معنى الحوادث، وقال الآخر: 1 إن الأمور إذا الأحداث دَبَّرَهَا ... دون الشيوخ ترى في بعضها خَلَلَا فقال "دَبَّرَهَا" لأنه ذهب إلى معنى الحدث؛ لأن الحدث ههنا يؤدّي عن الجمع، وقال الآخر: 2 هنيئا لسعد ما اقتضى بعد وقعتي ... بناقة سعد والعَشِيَّةُ بَارِدُ = بالجماعة أنثته، قال الشاعر: أخذ العذارى عقدها فنظمنه وقال الراجز: إذا الرجال ولدت أولادها ... واضطربت من كبر أعضادها وجعلت أوصابها تعتادها ... فهي زروع قد دنا حصادها وما كان منه مجموعا جمع السلامة فما كان منه لمؤنث -نحو المسلمات والهندات- كان الوجه تأنيث الفعل، وإن كان الجمع للمذكرين بالواو والنون فالوجه تذكير الفعل فيه" ا. هـ المقصود منه.

فقال "بارد" لأنه حمل العشية على معنى العَشِيِّ.
وقال الآخر: 1 وإنَّ كلابا هذه عَشْرُ أَبْطُنٍ ... وأنت بريء من قبائلها العَشْرِ فقال "عشر أبطن" ولم يقل "عشرة" لأن البطن بمعنى القبيلة، وقال الآخر: 2 وقائع في مضر تسعةٌ ... وفي وائلٍ كانت العاشرة = وبارد وبرود، وقال الجوهري: برد الشيء -بالضم- وبردته أنا فهو مبرود، وبرّدته تبريدا.
ومحل الاستشهاد من البيت قوله: "والعشية بارد" حيث أخبر عن العشية وهي مؤنثة ببار، وأسقط تاء التأنيث، وقد علمنا أن لحاق تاء التأنيث في مثل هذا الموضع واجب، سواء أكان المؤنث الذي هو مرجع الضمير المستتر هنا في الوصف حقيقي التأنيث أم كان مجازي التأنيث، ولكن الشاعر استساغ أن يسقط تاء التأنيث لأن العشية يطلق عليها عشي، فلحظ المعنى؛ فعامل الفعل كما لو كان مسندا لضمير العشي.

فقال "تِسْعَة" ولم يقل "تِسْعٌ" لأنه حمل الوقائع على الأيام، يقال: فلان عالم بأيام العرب، أي بوقائعها، وقال الآخر: وهو عمر بن أبي ر بيعة: 1 وكان مِجَنِّي دون من كنت أتقي ... ثلاثُ شُخُوصٍ كَاعِبَانِ ومُعْصِرُ = أنك في ذكر العدد ومعدوده إما أن تذكرهما على طريقة العدد فتضيف اسم العدد إلى معدوده فتقول: عندي عشرة رجال أو لي بأس، وعندي عشر نساء ذوات خفر، وفي هذه الحال يجب مراعاة ما قاله النحاة في باب العدد فتذكر اسم العدد مع المعدود المؤنث وتؤنث اسم العدد مع المعدود المذكر كما سمعت في المثالين، وإما أن تأتي بالعدد ومعدوده على طريق الوصف فتقول: هؤلاء رجال عشر، وأولئك نساء عشرة، وفي هذه الحال يتنازعك أصلان: أحدهما أصل العدد ومعدوده الذي بيناه، وثانيهما النعت ومنعوته، وهذا يستلزم تأنيث النعت إذا كان منعوته مؤنثا وتذكير النعت إذا كان منعوته مذكرا، وأنت بالخيار بين أن تستجيب لأي الأصلين، نعني أنه يجوز لك أن تراعي قاعدة العدد والمعدود فتذكر اسم العدد مع المعدود المؤنث فتقول: النساء العشر وتؤنث العدد مع المعدود المذكر فتقول: الرجال العشرة، ويجوز لك أن تراعي قاعدة النعت مع منعوته فتذكر اسم العدد مع المنعوت المذكر فتقول: الرجال العشر، وتؤنث مع المؤنث فتقول: النساء العشرة، وعلى هذا يكون قول الشاعر "وقائع في مضر تسعة" قد جاء على أحد الطريقين الجائزين له، وهو طريق النعت مع منعوته.

فقال "ثلاث" ولم يقل "ثلاثة" لأنه عَنَى بالشخوص نِساءً، فحمله على المعنى، وقال الآخر، وهو الحطيئة: 1 ثلاثة أَنْفُسٍ وثلاثُ ذَوْدٍ ... لقد جَارَ الزَّمَانُ على عِيَالي فقال "ثلاثة أنفس" ولم يقل "ثلاث" حملًا على المعنى، وقال القَتَّالُ الكلابي: 2 قَبَائِلُنَا سَبْعٌ، وأَنْتُم ثلاثةٌ ... وللسَّبْعُ خيرٌ من ثلاثٍ وأكثرُ

فقال "ثلاثة" ولم يقل "ثلاث" حملًا على المعنى، وقال لبيد: 1 فَمَضَى وقَدَّمَهَا، وكانت عادَةً ... منه إذا هي عرَّدَتْ إقدَامُهَا فقال "كانت" لأن الإقدام في معنى التَّقْدِمة، وقال الآخر: 2 يا أيُّها الراكب المُزْجِي مَطِيَّتَهُ ... سائل بني أسدٍ: ما هذه الصَّوْتُ؟ = البطن، وقد ذكرنا ذلك من الشاهد رقم 473، لذلك جاء الشاعر هنا بلفظ ثلاثة مقترنًا بالتاء كما لو كان المعدود مذكرًا، من قبل أنه أراد المعنى فكأنه قال: وأنتم ثلاثة أبطن، قال الأعلم "الشاهد في قوله ثلاثة بإثبات الهاء وهو يريد القبائل، حملا على البطون؛ لأن معنى البطن والقبيلة واحد" ا. هـ.

فقال "هذه" لأن الصوت في معنى الصيحة، وقال الآخر: 1 وكانت من سَجِيَّتِنَا الغَفْرُ = عنده ما يقال، وأنهم -إن لم يقيموا المعذرة والدلالة على براءة ساحتهم- عاقبهم" ا. هـ. وقال ابن منظور "الصوت: الجرس، معروف مذكر، فأما قول رويشد بن كثير الطائي: يا أيها الراكب المزجي مطيته.... البيت فإنما أنّثه لأنه أراد به الضوضاء والجلبة على معنى الصيحة أو الاستغاثة، قال ابن سيده: وهذا قبيح من الضرورة -أعني تأنيث المذكر- لأنه خروج عن أصل إلى فرع، وإنما المستجاز من ذلك ردّ التأنيث إلى التذكير؛ لأن التذكير هو الأصل، بدلالة أن الشيء مذكر، وهو يقع على المذكر والمؤنث؛ فعلم بهذا عموم التذكير وأنه هو الأصل الذي لا ينكر، ونظير هذا الشذوذ قوله وهو من أبيات الكتاب "كتاب سيبويه 1/ 25": إذا بعض السنين تعرقتنا ... كفى الأيتام فقد أبي اليتيم قال: وهذا أسهل من تأنيث الصوت، لأن بعض السنين سنة، وهي مؤنثة وهي من لفظ السنين، وليس الصوت بعض الاستغاثة ولا من لفظها" ا. هـ. ونظير ذلك قول حاتم الطائي: أماوي قد طال التجنب والهجر ... وقد عذرتني في طلابكم العذر

أي: المَغْفِرَة، وقال الآخر، وهو طُفَيْل الغَنَوي: 1 إذ هي أَحْوَى، من الرِّبْعِيِّ، حاجِبُهُ ... والعين بالإِثْمِدِ الحَارِيِّ مَكْحُولُ ولم يقل "مكحولةٌ" لأن العين في المعنى عُضْو، وقال الآخر: 2 أرى رجلا منهم أسيفا كأنما ... يضُمُّ إلى كَشْحَيهِ كفًّا مُخَضَّبَا

فقال: "مخضبا" لأن الكفّ في المعنى عضو.
والحمل على المعنى أكثر في كلامهم من أن يُحْصَى، فكذلك ههنا.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم: "إن علامة التأنيث إنما دخلت للفصل بين المذكر والمؤنث، ولا اشتراك بين المذكر والمؤنث في هذه الأوصاف" قلنا: الجواب عن هذا من ثلاثة أوجه: أحدهما: أن هذا يبطل بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج: 2] ولو كانت علامة التأنيث إنما تدخل للفصل بين المذكر والمؤنث لكان ينبغي أن لا تدخل ههنا؛ لأن هذا وصف لا يكون في المذكر، فلما دخلت دلَّ على فساد ما ذهبوا إليه.
والوجه الثاني: أنه لو كان سبب حذفه علامة التأنيث من هذا النحو وجود الاختصاص وعدم الاشتراك لوجب أن لا يوجد الحذف مع وجود الاشتراك وعدم الاختصاص في نحو قولهم "رجل عاشق، وامرأة عاشق" و"رجل عانس، = المشهور أنه من التأسف لقطع يده، وقيل: بل هو أسير قد كبلت يده، ويقال: قد جرحها الغلّ، والقول الأول هو المجتمع عليه" ا. هـ. والكشح -بفتح الكاف وسكون الشين وآخره حاء مهملة- من الخاصرة إلى الضلع الخلف، والكف: اليد، وهي مؤنثة بدليل قول بشر بن أبي خازم: له كفان كف كف ضر ... وكف فواضل خضل نداها فأعاد الضمير عليها في قوله "نداها" مؤنثا، ومحل الاستشهاد من هذا البيت في هذا الموضع قوله: "كفا مخضّبا" فإن الظاهر أن قوله: "مخضبا" نعت لقوله: "كفا" ومخضب وصف مذكر، وقد علمت أن من القواعد المقررة التي لا يختلف فيها أحد أن النعت الحقيقي يجب أن يطابق المنعوت في تذكيره وتأنيثه.
ولهذا قال العلماء في بيت الشاهد: إنه ذكر النعت حملا على المعنى، وبيان ذلك أن الكف يطلق عليها لفظ "عضو" والعضو مذكر قال ابن منظور "خ ض ب": "ذكر على إرادة العضو، أو على [حد] قوله: فلا مزنة ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها ويجوز أن يكون صفة لرجل، أو حالًا من المضمر في يضم، أو من المخفوض في كشحيه" ا. هـ. وقال في "ك ف ف": "فأما قول الأعشى: أرى رجلا منهم أسيفا.... البيت فإنه أراد الساعد فذكر، وقيل: إنما أراد العضو، وقيل: هو حال من ضمير يضم أو من هاء كشحيه" ا. هـ، فذكر ما ذكره في الموضع الأول إلا أن يكون مخضبا وصفا لقوله رجلا، والخطب في ذلك سهل، فإن جعل قوله مخضبا حالا من الضمير المستتر في يضم أو من الضمير البارز المتصل في قوله كشحيه مثل جعله صفة لقوله رجلا، وكل ذلك أضعف من الحمل على المعنى.

وامرأة عانس" إذا طال مكثهما لا يتزوجان، و"رجل عاقر، وامرأة عاقر" إذا لم يولدلهما، و"رأس ناصل من الخضاب، ولحية ناصل" و"جَمَل نازع إلى وطنه، وناقة نازع" و"جمل ضامر، وناقة ضامر" و"جمل بازل، وناقة بازل" في كلمات كثيرة قال زهير: 1 فوقعتُ بين قُتُودِ عَنْسٍ ضامر ... لحَّاظَةٍ طَفَلَ العَشِيِّ سِنَادِ وقال الأعشى: 2 عَهْدِي بها في الحيّ قد سُرْبِلَتْ ... بيضاءَ مثل المُهْرَةِ الضامر

وقال زهير: 1 تُهَوِّنُ بُعْدَ الأرض عَنِّي فَرِيدَةٌ ... كِنَازُ البَضِيعِ سَهْوَةُ المَشْيِ بازلُ قال لبيد: 2 تَرْوِي المَحَاجِرَ بازل عُلْكُومُ = سقوط التاء من الوصف المراد به المؤنث في ألفاظ لا تختص بالمؤنث، بل تطلق على المؤنث وعلى المذكر، ولو أن ما ذكرتموه كان صحيحًا لم يقع ذلك في كلامهم، قال ابن يعيش بعد أن حكى مقالة الكوفيين: "وهو يفسد من وجوه، أحدها: أن ذلك لم يطرد فيما كان مختصا بالمؤنث، بل قد جاء أيضا فيما يشترك فيه الذكر والأنثى، قالوا: جمل بازل، وناقة بازل، وجمل ضامر، وناقة ضامر، قال الأعشى: عهدي بها في الحي قد سربلت.... البيت فإسقاط العلامة مما يشترك فيه القبيلان دليل على فساد ما ذهبوا إليه، وإن كان أكثر الحذف إنما وقع فيما يختص بالمؤنث، الثاني أنه ينتقض ما ذهبوا إليه بقولهم مرضعه بإثبات التاء فيما يختص بالمؤنث، الثالث أن التاء تلحق مع فعل المؤنث نحو حاضت المرأة وطلقت الجارية، ولو كان اختصاصه بالمؤنث يكفي فارقًا لم يفترق الحال بين الصفة والفعل، فاعرفه" ا. هـ كلامه.

وقال آخر: 1 ببازلٍ وَجْنَاءَ أو عَيهَلِّ كيف والأصمعي قد صنف في هذا النحو كتابًا؟!.
والوجه الثالث: وهو أنه لو كان الاختصاص سببا لحذف علامة التأنيث من اسم الفاعل لوجب أن يكون ذلك سببا لحذفها من الفعل؛ فيقال: المرأة طَلَقَ، وطَمِثَ، وحَاضَ، وحَمَلَ، كما يقال: طالق، وطامث، وحائص، وحامل؛ فلما = والجمل علكوم، وكل شديد صلب من الإبل وغيرها علكوم، وفي قصيدة كعب بن زهير والتي مدح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم: غلباء وجناء علكوم مذكرة ... في دفها سعة قدامها ميل ومحل الاستشهاد من هذا البيت ههنا قوله "بازل" حيث وصف الناقة به من غير أن يلحق به تاء التأنيث وذلك يدل على أن هذا اللفظ يطلق على الذكر والأنثى من غير تفرقة، على نحو ما بيناه لك في شرح الشواهد السابقة، وقد سمعت في شرح مفردات هذا البيت أن لفظ "علكوم" توصف به الناقة من غير تاء كما يوصف به الجمل، وسمعت بيت كعب الذي أتى فيه بعدة أوصاف للناقة كلها مؤنث بعلامة تأنيث وبينها "علكوم" بغير علامة تأنيث.

لم يجز أن تحذف علامة التأنيث من الفعل دلّ على أنه تعليل فاسد، ولا يلزم هذا على قول من حمله على المعنى كأنه قال: إنسان حائض؛ لأن الحمل على المعنى اتساع يُقْتَصر فيه على السماع، والتعليل بالاختصاص ليس باتساع، فينبغي أن لا يُقْتَصَر فيه على السماع، ولا يلزم أيضا على قول من حمله على النسب بوجه ما؛ لأنه جعل حائضا بمعنى ذات حيض، والفعل لا يدل على نفس الشيء؛ فيقال: إن هندا حاض، بمعنى هند ذات حيض، وإنما شأن الفعل الدلالة على المصدر والزمان، فبان الفرق بينهما، والله أعلم.

112-

جارٍ التحميل