مسألة: [عامل الجزم في جواب الشرط]
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو البركات الأنباري
- الكتاب
- الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين
- المؤلف
- عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (المتوفى: 577هـ)
- الناشر
- المكتبة العصرية
- الطبعة
- الأولى 1424هـ- 2003م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
1
ذهب الكوفيون إلى أن جواب الشرط مجزوم على الجِوَارِ، واختلف البصريون؛ فذهب الأكثرون إلى أن العامل فيهما حرف الشرط، وذهب آخرون إلى أن حرف الشرط وفعل الشرط يعملان فيه، وذهب آخرون إلى أن حرف الشرط يعمل في فعل الشرط، وفعل الشرط يعمل في جواب الشرط، وذهب أبو عثمان المازني إلى أنه مبنيّ على الوَقْفِ.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه مجزوم على الجوار لأن جواب الشرط مجاور لفعل الشرط، لازم له، لا يكاد ينفكُّ عنه، فلما كان منه بهذه المنزلة في الجوار حمل عليه في الجزم، فكان مجزوما على الجوار، والحمل على الجوار كثير، قال الله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ والْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: 1] وجه الدليل أنه قال: ﴿وَالْمُشْرِكِينَ﴾ بالخفض على الجوار، وإن كان معطوفا على ﴿الَّذِينَ﴾ فهو مرفوع لأنه اسم "يكن"، وقال تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وأَرْجُلَكُمْ إلى الكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6] بالخفض على الجوار، وهي قراءة أبي عمرو، وابن كثير، وحمزة، ويحيى عن عاصم، وأبي جعفر، وخلف، وكان ينبغي أن يكون منصوبًا؛ لأنه معطوف على قوله: ﴿فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ وأَيْدِيَكُم﴾ [المائدة: 6] كما في القراءة الأخرى، وهي قراءة نافع، وابن عامر، والكسائي، وحفص عن عاصم، ويعقوب، ولو كان معطوفًا على قوله: ﴿بِرُؤُوسِكُمْ﴾ لكان ينبغي أن تكون الأرجل ممسوحة لا مغسولة، وهو مخالف لإجماع أئمة الأمة من السلف والخلف، إلا فيما لا يعد خلافًا، ثم قال زهير:
1
لَعِبَ الرِّيَاحُ بها وغَيَّرَهَا ... بَعْدِي سَوَافِي المُورِ والقَطْرِ
فخفض "القطر" على الجوار، وإن كان ينبغي أن يكون مرفوعًا؛ لأنه معطوف = الذي تقدم في المسألة 54 "وانظر الديوان 86-87" ورواية الأعلم "لعب الزمان بها.... إلخ" والسوافي: جمع سافية، وتطلق على الريح التي تسفي التراب، ويقال أيضًا على التراب الذي تسفيه الرياح، أي تذروه وتطيره وتهيجه، والمور -بضم الميم- هو التراب، والقطر -بفتح القاف وسكون الطاء- هو المطر، والاستشهاد بهذا البيت في قوله "والقطر" فإنه مجرور بدليل أن رويّ هذه القصيدة مجرور، فيسبق إلى الوهم أنه معطوف على "المور" لأنه هو المجرور بإضافة سوافي إليه، ولو عطف على المور للزم أن يكون معمولًا لسوافي؛ لأن العامل في المعطوف هو العامل في المعطوف عليه، ويلزم أن يكون تقدير الكلام: سوافي المور وسوافي القطر، ومراد الشاعر أن الذي غير هذه الديار شيئان: أحدهما: الرياح التي تسفي عليها التراب، وثانيهما: المطر، وهذا المعنى لا يتأدى إلا بأن يكون "القطر" معطوفا على سوافي مع أنه ليس للمطر سوافين فيكون مرفوعًا في التقدير، وجره لمجاورته المجرور، فتقول: القطر معطوف على سواف، والمعطوف على المرفوع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المجاورة.
والجر على الجوار واقع في العربية في بابي العطف والنعت -وزاد قوم في باب التوكيد أيضًا- فأما باب العطف فمنه هذا البيت، ومنه قول الآخر:
كم قد تمششت من قصّ وإنفحة ... جاءت إليك بذاك الأضؤن السود
تقول: تمششت العظم؛ إذا مصصت أطرافه، والقصّ -بفتح القاف- عظام الصدر، أو رأس الصدر، والإنفحة -بكسر الهمزة وسكون النون وفتح الفاء- كرش الحمل أو الجدي إذا كان لم يأكل، فإذا أكل فهو كرش، فقول الشاعر "وإنفحة" لا يجوز أن يكون معطوفا على "قص" لأنه لو كان معطوفا على قص لكان قوله تمششت عاملًا فيه، وقد علمت أن التمشش خاص بمص العظم، والإنفحة ليست عظمًا، فوجب أن يكون قوله "إنفحة" مفعولًا به لفعل محذوف، وتقدير الكلام: كم تمششت من عظم وأكلت إنفحة، ويكون إنفحة منصوبًا بفتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المجاورة.
وأما الجر إلى الجوار في باب النعت فمن شواهده قولهم "هذا جحر ضب خرب" -بجر خرب مع أنه نعت لجحر المرفوع؛ فخرب مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المجاورة، ونظيره قول امرئ القيس في معلقته:
كان ثبيرًا في عرانين وبله ... كبير أناس في بجاد مزمل
ثبير: اسم جبل، شبهه بكبير قوم مزمل في بجاد، فمزمل: نعت لكبير المرفوع على أنه خبر كأن، والرواية بجر مزمل بدليل رويّ القصيدة كلها، فهو مرفوع تبعًا لموصوفه وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المجاورة.
ونظيره قول دريد بن الصمة:
فجئت إليه والرياح تنوشه ... كوقع الصياصي في النسيج الممدد
فدافعت عنه الخيل حتى تبددت ... وحتى علاني حالك اللون أسود
فأسود صفه لحالك اللون، وأسود مجرور بدليل الرويّ، وحالك اللون: مرفوع لأنه فاعل =
على "سَوَافِي" ولا يكون معطوفًا على "المُورِ" وهو الغُبَار؛ لأنه ليس للقطر سوافٍ كالمور 251- حتى يعطفه عليه، وقال الآخر:
1
كأنَّمَا ضَرَبَتْ قُدَّامَ أعيُنِهَا ... قُطْنًا بِمُسْتَحْصِدِ الأوتار مَحْلُوجِ
فخفض "محلوج" على الجوار، وكان ينبغي أن يقول "محلوجًا"؛ لكونه وصلًا لقوله "قطنًا" ولكنه خفضه على الجوار، وقال الآخر:
2
كأنَّ نَسْجَ العَنْكَبُوتِ المُرْمَلِ = علاني، ولكنه جرّ أسود لكونه بجوار اللون المجرور بالإضافة.
وأما الجر للمجاورة في باب التوكيد فقد ورد منه قول الشاعر، وهو من شواهد ابن هشام في الشذور.
يا صاح بلغ ذوي الزوجات كلهم ... أن ليس وصل إذا انحلت عرى الذنب فإن قوله "كلهم" توكيد لذوي الواقع مفعولًا به لبلغ، وقد وردت الرواية بجر كل، وقد علمت أن التوكيد يتبع المؤكد في إعرابه؛ فكان حق العربية أن ينصب كلا، ولكنه لما وقع مجاورا للزوجات المجرور بالإضافة جره، فهذا الجر بسبب مجاورة الاسم المجرور.
والنحاة يذكرون أن الجر بسبب مجاورة الاسم المجرور سواء أكان في النعت أم في العطف -شاذ، وهو في باب التوكيد أشد شذوذًا، لأنهم مختلفون في مجيئه في هذا الباب، وفي اعتباره فيه.
فخفض "المُرْمَلِ" على الجوار، وكان ينبغي أن يقول: "المرملا" لكونه وَصْفًا = كرر البغدادي ذكره في شرح الشاهد رقم 349 من الخزانة "2/ 321" وبعد هذا البيت قوله:
على ذرى قلامه المهدل ... سبوب كتان بأيدي الغزل
المرمل -بوزن اسم المفعول- أي المنسوج، والقلام -بضم القاف وتشديد اللام- ضرب من النبت، والمهدّل أي المسترسل، والسبوب: الشقق أي قطع الكتان.
شبه نسيج العنكبوت على ما نبت من القلام حول المنهل بشقق من الكتان بأيدي الغازلات ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله "المرمل" فإنه مجرور بدليل روي الأبيات التي ذكرناها لك مما يليه، وهو صفة لنسج العنكبوت المنصوب لكونه اسم كأن، ومتى كان من المقرر الذي لا يحتمل التردد أن النعت يجب أن يطابق منعوته في حركة إعرابه كان من المسلم به أن هذه الكسرة التي في "المرمل" ليست هي الحركة التي اقتضاها العامل؛ لأن العامل يتقضي فتحة، فهو إذًا منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المجاورة، قال الأعلم "الشاهد فيه جر المرمل على العنكبوت نعتًا لها في اللفظ لقرب جوارها منه، وكان الخليل رحمه الله لا يجيز مثل هذا حتى يكون المتجاوران مستويين في التعريف والتنكير، والتأنيث والتذكير، والإفراد والتثنية والجمع، كقولهم: هذا جحر ضب خرب، وجحرًا ضبين خربين، وجحرة ضباب خربة، وسيبويه يجيز الحمل على الجوار وإن اختلف المتجاوران، إذا لم يشكل المعنى، كقولك: هذان جحرا ضب خربين، وهذا جحر ضبين خرب، واحتج ببيت العجاج هذا، لأنه حمل المرمل وهو مذكر على العنكبوت وهي مؤنثة، والمرمل من وصف الغزل في الحقيقة" ا. هـ، قال أبو رجاء: وقد قال قوم: إنه ليس في هذا البيت رد على الخليل، لأن العنكبوت تذكر وتؤنث، فيجوز أن يكون هنا مذكرًا، فلا يصلح البيت ردًّا عليه، ومثله مما ذكروه في سبيل الرد على الخليل قول الحطيئة، وأنشده ابن جني "3/ 220" والرضي لذلك، وشرحه البغدادي "2/ 321".
فإياكم وحية بطن وادٍ ... هموز الناب ليس لكم بسي
وحية البطن وادٍ: أراد نفسه، يريد أنه يحمي ناحيته ويذود عما يحميه فيجب عليهم أن يتقوه ويحذروا صولته، وهموز الناب: مأخوذ من الهمز وهو الضغط والغمز، وليس لكم بسي: أي ليست مثلكم ولا مستوية معكم، بل فوقكم وأعلى منكم، والاستشهاد به عندهم في قوله: "هموز الناب" فإن الرواية في هذه الكلمة بجر "هموز" مع أنها نعت للحية المنصوب على التحذير، وقد جرَّ الشاعر هذه الكلمة لأنها في مجاورة كلمة مجرورة وهي قوله: "وادٍ" والهموز مؤنثة لكونها صفة للحية والوادي مذكر، فدلَّ على أنه لا يلزم في الجرّ للمجاورة أن يكون المتجاوران متساويين في التذكير والتأنيث، كما ذهب إليه الخليل بن أحمد، بل يجوز مع تخالفهما في التذكير والتأنيث، وفي التعريف والتنكير، وفي الإفراد والتثنية والجمع، على ما قررناه لك من قبل، قال ابن جني "جر هموز لمجاورته الواد مع اختلاف المضاف والمضاف إليه تذكيرًا وتأنيثًا، فإن =
للنسج، لا للعنكبوت، ومن ذلك قولهم: "جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ" فخفضوا خربًا على الجوار، وكان ينبغي أن يكون مرفوعًا؛ لكونه في الحقيقة صفة للجحر، لا للضّبّ، فكذلك ههنا: جواب الشرط كان ينبغي أن يكون مرفوعًا، إلا أنه جزم للجوار، ولهذا إذا حلت بينه وبين فعل الشرط بالفاء أو بإذا رجع إلى الرفع، وقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْساً ولا رَهَقاً﴾ [الج-ن: 13] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: 36] .
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إن العامل هو حرف الشرط وذلك لأن حرف الشرط يقتضي جواب الشرط كما يقتضي فعل الشرط، وكما وجب أن يعمل في فعل الشرط فكذلك يجب أن يعمل في جواب الشرط.
وأما من ذهب إلى أن حرف الشرط وفعل الشرط يعملان في جواب الشرط فقال: إنما قلنا ذلك لأن حرف الشرط وفعل الشرط يقتضيان جواب الشرط؛ فلا ينفك أحدهما عن صاحبه، فلما اقتضياه معًا وجب أن يعملا فيه معًا؛ كما قلنا في الابتداء والمبتدأ أنهما يعملان في الخبر، فكذلك ههنا، غير أن هذا القول وإن اعتمد عليه كثير من البصريين فلا ينفك من ضعفٍ، وذلك لأن فعل الشرط فعل، والأصل في الفعل أن لا يعمل في الفعل، وإذ لم يكن للفعل تأثير في أن يعمل في الفعل، و"إنْ" له تأثير في العمل في الفعل؛ فإضافة ما لا تأثير له إلى ما له تأثير لا تأثير له.
والتحقيق فيه عندي أن يقال: إنَّ "إن" هو العامل في جواب الشرط بواسطة فعل الشرط؛ لأنه لا ينفك عنه؛ فحرف الشرط يعمل في جواب الشرط عند وجود فعل الشرط، لا به، كما أن النار تسخن الماء بواسطة القدر والحطب؛ فالتسخين إنما حصل عند وجودهما، لا بهما؛ لأن التسخين إنما حصل بالنار = حية مؤنث وما بعدها مذكر" ا. هـ، وفي هذه الكلام شيآن: الأول: أنه جعل خلاف الخليل وسيبويه في المضاف والمضاف إليه، والأعلم يجعله في المتجاورين اللذين هما المضاف إليه وما جر لمجاورته إياه، ويمكن في كلام سيبويه أن يحمل على كل واحد من هذين، لكني أستبعد أن يكون الخلاف بينهما في مساواة المضاف والمضاف إليه فيما ذكرنا، بل ينبغي أن يكون الخلاف بينهما في المتجاورين على ما فهمه الأعلم، والثاني: أن هذا البيت مثل بيت العجاج؛ لأن الحية يقال على الذكر وعلى الأنثى، والعرب تقول: حيّة ذكر، فيجوز أن يقال: إنه عنى هنا الحية الذكر، والبطن مذكر، فقد اتفق المضاف والمضاف إليه على كلام ابن جني، ويجوز أن يقال: إن هموز مذكر لكونه وصفًا للحية الذكر، والوادي مذكر، فاتفق المتجاوران تذكيرًا وتأنيثًا على ما هو كلام الأعلم، فاعرف هذا وتنبه له.
وحدها فكذلك ههنا؛ إنْ هو العامل في جواب الشرط عند وجود فعل الشرط لا أنه عامل1 معه.
وأما من ذهب إلى أن حرف الشرط يعمل في فعل الشرط، وفعل الشرط يعمل في جواب الشرط، فقال: لأن حرف الشرط حرف جزم، والحروف الجازمة ضعيفة فلا تعمل في شيئين، فوجب أن يكون فعل الشرط هو العامل.
وهذا القول ضعيف أيضًا؛ لأنه يؤدي إلى إعمال الفعل في الفعل. وقولهم: "الحروف الجازمة ضعيفة فلا تعمل في شيئين" باطل؛ لما بينا من وجه مناسبته للعمل في الشرط وجوابه لاقتضائه لهما، بخلاف غيره من الحروف الجازمة؛ فإنها لما اقتضت فعلًا واحدًا عملت في شيء واحد، وحرف الشرط لما اقتضى شيئين وجب أن يعمل في شيئين قياسًا على سائر العوامل.
فأما من ذهب إلى أنه مبني على الوقف فقال: لأن الفعل المضارع إنما أعرب بوقوعه موقع الاسم، وجواب الشرط لا يقع موقع الاسم؛ لأنه ليس من مواضعه؛ فوجب أن يكون مبنيًّا على أصله، فكذلك فعل الشرط2.
وهذا القول ليس بمعتدّ به عند البصريين؛ لظهور فساده؛ لأنه لو كان الأمر على ما زعمتم لكان ينبغي أن لا يكون الفعل معربا بعد أن وكي وإذن، وكذلك أيضًا بعد لم ولما ولام الأمر ولا في النهي؛ لأن الاسم لا يقع بعد هذه الأحرف؛ فكان ينبغي أن يكون الفعل بعدها مبنيا؛ لأنه لم يقع موقع الاسم؛ فلما انعقد الإجماع في هذه المواضع على أنه معرب، وأنه منصوب بدخول النواصب ومجزوم بدخول الجوازم؛ دلَّ على فساد ما ذهب إليه.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: 1] فلا حجة لهم فيه؛ لأن قوله: ﴿وَالْمُشْرِكِينَ﴾ ليس معطوفًا على ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وإنما هو معطوف على قوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ﴾ فدخله الجر لأنه معطوف على مجرور، لا على الجوار.
وأما قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلى الكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6] فلا حجة لهم فيه أيضًا؛ لأنه على قراءة من قرأ بالجر ليس معطوفا على قوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة: 6] وإنما هو معطوف على قوله: ﴿بِرُؤُوسِكُمْ﴾ على أن المراد بالمسح في الأرجل الغسل، وقال أبو زيد
الأنصاري: المسح خفيف الغسل، وكان أبو زيد الأنصاري من الثقات الأثبات في نقل اللغة، وهو من مشايخ سيبويه، وكان سيبويه إذا قال "سمعت الثقة" يريد أبا زيد الأنصاري.
والذي يدل على ذلك قوله: "تمسحت للصلاة" أي توضأت، والوضوء يشتمل على ممسوح ومغسول، والسر في ذلك أن المتوضئ لا يقنع بصب الماء على الأعضاء حتى يمسحها مع الغسل؛ فلذلك سمي الغسل مسحًا، فالرأس والرجل ممسوحان، إلا أن المسح في الرجل المراد به الغسل لبيان السنة، ولولا ذلك لكان محتملًا، والذي يدل على أن المراد به الغسل ورود التحديد في قوله: ﴿إِلَى الكَعْبَيْنِ﴾ والتحديد إنما جاء في المغسول لا في الممسوح، وقال قوله: الأرجل معطوفة على الرأس في الظاهر، لا في المعنى، وقد يعطف الشيء على الشيء والمعنى فيهما مختلف، قال الشاعر:
1
إذا ما الغانيات بَرَزْنَ يومًا ... وزَجَّجْنَ الحَوَاجِبَ والعُيُونَا
فعطف العيون على الحواجب وإن كانت العيون لا تُزَجَّجَ، وقال الآخر:
[334]
تراه كأن الله يَجْدَعُ أَنْفَهُ ... وعينيه إِنْ مولاه ثَابَ له وَفْرُ
فعطف عينيه على أنفه، وإن كانت العينان لا توصفان بالجدع؛ وقال لبيد: 1 فَعَلَا فروع الأَيْهُقَانِ وأَطْفَلَتْ ... بالجَلْهَتَيْنِ ظِبَاؤُهَا ونَعَامُهَا فعطف نعامها على ظباؤها، والنعام لا تُطْفِلُ، وإنما تَبِيضُ، وقال الآخر: [394] يالليت بَعْلَكِ في الوَغَى ... متقلّدًا سيفًا ورُمْحًا
فعطف "رمحًا" على "سيفًا" وإن كان الرمح لا يتقلّد، وقال الآخر: 1 علفتها تبنًا وماء باردًا ... حتى شَتَتْ هَمَّالَةً عَيْنَاهَا "ق ل د" وصحة الرواية "يا ليت زوجك قد غدا" وهو -كما قال الأخفش- من كلام عبد الله بن الزبعرى، ومحل الاستشهاد منه قوله "متقلدًا سيفا ورمحا" فإن ظاهره أن قوله "رمحًا" معطوف على قوله "سيفا" فيكون قوله "متقلدا" مسلطًا وعاملًا في المعطوف والمعطوف عليه جميعا، وقد قال علماء اللغة: إنه يقال: تقلد فلان سيفه، ولا يقال: تقلد رمحه، وإنما يقال: حمل رمحه، وقالوا "المقلد" -بضم الميم وفتح القاف وتشديد اللام مفتوحة- لموضع نجاد السيف من كتف الرجل، والكلام في هذا كالكلام الذي ذكرناه في الشواهد السابقة: إما أن يكون "رمحا" مفعولا لمحذوف، أي متقلدا سيفا ومعتقلا رمحا، وإما أن يكون متقلدا" قد ضمن معنى يصح تسلطيه على المعطوف والمعطوف عليه جميعا كحامل، قال ابن يعيش بعد أن أنشد البيت "يريد متقلدًا سيفًا ومعتقلًا رمحًا؛ لتعذر حمله على ما قبله، لأنه لا يقال: تقلّدت الرمح" ا. هـ.
فعطف ماء على تبنًا، وإن كان الماء لا يعلف، وقال الآخر:
1
شرَّاب أَلْبَان وتمر وأَقِطْ
فعطف تمرا على ألبان، وإن كان التمر لا يشرب، فكذلك عطف الأرجل على الرءوس وإن كانت لا تُمْسَحُ.
وأما قول زهير:
[254]
" ... سَوَافِي المُورِ والقَطْرِ
فلا حجة لهم فيه؛ لأنه معطوف على المور وهو الغبار، وقولهم: "لا يكون معطوفا على المور لأنه ليس للقطر سواف" قلنا: يجوز أن يكون قد سمى ما تسفيه الريح منه وقت نزوله سوافي كما يسمى ما تسفيه الريح من الغبار سوافي.
وأما قوله الآخر:
[391]
كأن نسج العنكبوت المُرْمَلِ
فنقول الرواية "المرمل" بكسر الميم، فيكون من وصف العنكبوت لا النسج،
وإن كانت الرواية التي ذكرتم صحيحة وأنه مجرور على الجوار، إلا أنه لا حجة فيه؛ لأن الحمل على الجوار من الشاذ الذي لا يعرج عليه.
وكذلك قوله:
[390]
قُطْنًا بمُسْتَحْصِدِ الأوتار مَحْلُوجِ
وقولهم: "جحر ضبّ خرب" محمول على الشذوذ الذي يقتصر فيه على السماع لقلته، ولا يقاس عليه؛ لأنه ليس كل ما حكي عنهم يقاس عليه، ألا ترى أن اللحياني حكى أن من العرب من يجزم بلن وينصب بلم، إلى غير ذلك من الشواذ التي لا يلتفت إليها ولا يقاس عليها، فكذلك ههنا، والله أعلم.
85-