مسألة: [هل يجوز توكيد النكرة توكيدًا معنويًا؟]
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو البركات الأنباري
- الكتاب
- الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين
- المؤلف
- عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (المتوفى: 577هـ)
- الناشر
- المكتبة العصرية
- الطبعة
- الأولى 1424هـ- 2003م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
1
ذهب الكوفيون إلى أن توكيد النكرة بغير لفظها جائز، إذا كانت مؤقتة نحو قولك: "قعدت يومًا كله، وقمت ليلة كلها".
وذهب البصريون إلى أن تأكيد النكرة بغير لفظها غير جائز على الإطلاق.
وأجمعوا على جواز تأكيدها بلفظها نحو: "جاءني رجلٌ رجل، ورأيت رجلًا رجلًا، ومررت برجلٍ رجلٍ" وما أشبه ذلك.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أن تأكيدها جائز النقلُ والقياسُ:
أما النقل فقد جاء ذلك عن العرب، قال الشاعر:
1
لكنَّه شَاقَهُ أَنْ قيل ذا رَجَبٌ ... يا ليت عِدَّةَ حَوْلٍ كلِّهِ رَجَبُ
فأَكَّد "حول" وهو نكرة بقوله "كله"؛ فدل على جوازه.
وقال الآخر:
1
إذا القَعُودُ كَرَّ فِيهَا حَفَدَا ... يومًا جديدًا كلّهُ مُطَرَّدا
فأكد "يومًا" وهو نكرة بقوله "كلّه".
وقال الآخر:
[286]
زَحَرْتَ بِهِ لَيْلَةً كلّهَا ... فجئتَ بِهِ مُؤْيدًا خَنْفَقِيقَا2 = الألفية تبعًا لوالده "ياليت عدة شهر" وقال ابن هشام -وتبعه الشيخ خالد- إن ذلك تحريف؛ لأنه لا يتصوّر أن يتمنى أحد أن يكون الشهر كله رجبًا؛ فإن الشهر الواحد لا يكون بعضه رجبًا وبعضه غير رجب حتى يتمنى أن يكون كله رجبًا، ولكن الشاعر يتمنى أن تكون شهوره كلها رجبًا.
والاستشهاد بالبيت ههنا في قوله "حول كله" حيث جر "كله" على التوكيد لحول، ولا شك أن كلمة "حول" نكرة محدودة أي أنها ذات أول وآخر معروفان، فيكون فيه دليل على جواز توكيد النكرة المحدودة، والرواية على هذا بتنوين "حول" وجر "كله" وقد رد ابن يعيش الاستدلال بهذا البيت وزعم أن الرواية بجر "حول" من غير تنوين على أن كلمة "حول" مضاف و"كل" مضاف إليه، وذلك تمحل بعيد، والذي نرجحه أن كلام ابن يعيش هذا محرف عما ذكره المؤلف من أن الرواية عندهم "يا ليت عدة حولي" بإضافة حول إلى ياء المتكلم، وهو أيضا تمحّل، ولكنه أقرب مما وقع في شرح المفصل.
ونظير هذا البيت -في توكيد النكرة المحدودة بلفظ يدل على الشمول والإحاطة- قول العرجي وهو من شواهد مغني اللبيب: نلبث حولا كاملا كله ... لا نلتقي إلا على منهج
فأكد "ليلةً" هي نكرة بقوله: "كلها" ومؤيدًا خنفقيقًا: اسمان من أسماء الداهية.
وقال الأخر:
1
قد صَرَّتِ البَكْرَةُ يومًا أَجْمَعَا = أعنت عديا على شأوها ... تعادي فريقا وتنفي فريقا أطعت اليمين عناد الشمال ... تنحي بحد المواسي الحلوقا وقوله: "يا حكيم" هزء منه وسخرية به، أي أنت الذي تزعم أنك حكيم وتخطئ هذ الخطأ، وقوله: "أطعت اليمين عناد الشمال" مثل ضربه، يريد فعلت فعلا أمكنت به أعداءنا منا، وقوله: "زحرت به ليلة كلها" أصل الزحير والزحار -مثل النعيب والنعاب- إخراج الصوت أو النفس بأنين عند عمل أو شدة، ويقال للمرأة إذا ولدت ولدًا: زحرت به، وتزحرت به، وقوله: "وجئت به مؤيدا خنفقيقا" أي ناقصًا مقصرًا والاستشهاد بهذا البيت في قوله: "ليلة كلها" حيث أكد قوله: "ليلة" وهي نكرة محدودة لها أول وآخر معروفان معهودان بقوله: "كلها" وذلك يدل لمذهب الكوفيين الذين أجازوا توكيد النكرة، ونظير هذا البيت -في توكيد النكرة- قول الراجز.
يا ليتني كنت صبيا مرضعا ... تحملني الذلفاء حولا أكتعا إذا بكيت قبلتني أربعا ... إذًا ظللت الدهر أبكي أجمعا الاستشهاد به في قوله: "حولا أكتعا" فإنه أكد قوله: "حولًا" وهو نكرة محدودة ذات أول وآخر معروفين بقوله: "أكتعا" وهو لفظ من ألفاظ التوكيد المعروفة.
وقد بيّن ابن هشام الصحيح من المذهبين بإيجاز في قوله: "وإذا لم يفد توكيد النكرة لم يجز باتفاق، وإن أفاد جاز عند الكوفيين، وهو الصحيح، وتحصل الفائدة بأن يكون المؤكد محدودًا والتوكيد من ألفاظ الإحاطة، كاعتكفت أسبوعًا كله، وقوله: يا ليت عدة حول كله رجب ا. هـ.
فأَكَّدَ "يومًا "بأجمع؛ فدلّ على جوازه.
وأما القياس فلأن اليوم مؤقت يجوز أن يقعد في بعضه، والليلة مؤقتة يجوز أن يقوم في بعضها، فإذا قلت "قعدت يوما كلُّهُ، وقمت ليلة كلَّهَا" صح معنى التوكيد؛ فدلَّ على صحة ما ذهبنا إلى.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أن تأكيد النكرة غير جائز من وجهين:
أحدهما: أن النكرة شائعة ليس لها عين ثابتة كالمعرفة؛ فينبغي أن لا تفتقر إلى تأكيد؛ لأن تأكيد ما لا يعرف لا فائدة فيه، وأما قولهم "رأيت درهما كل درهم" وما أشبه ذلك فهو محمول على الوصف لا على التأكيد.
والوجه الثاني: أن النكرة تدل على الشياع والعموم، والتوكيد يدل على التخصيص والتعيين، وكل واحد منهما ضِدُّ صاحبه؛ فلا يصلح أن يكون مؤكدًا له، ولو جوزنا ذلك لكنا قد صيرنا الشائع مخصصًا، وهذا ليس بتأكيد، بل هو ضد ما وضع له؛ لأن التأكيد تقرير، وهذا تغيير، ولهذا المعنى امتنع أن يجوز وصف النكرة بالمعرفة أو المعرفة بالنكرة؛ لأن كل واحد منهما ضد صاحبه؛ لأن النكرة شائعة، والمعرفة مخصوصة، والصفة في المعنى هي الموصوف، ويستحيل أن يكون الشيء الواحد شائعًا مخصوصًا في حال واحدة؛ فكذلك ههنا.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما ما استشهدوا به من الأبيات فلا حجة فيه: أما قول الشاعر:
[284]
يا ليت عِدَّةَ حَوْلٍ كلِّهِ رَجَبُ
فنقول الرواية الصحيحة:
[284]
يا ليت عدة حولي كلِّهِ رَجَبُ
بالإضافة، وهو معرفة لا نكرة، وأما قول الآخر:
[285]
يومًا جديدًا كله مطردًا" = مستساغ ومن الشواهد على جواز توكيد النكرة إن أفاد توكيدها ما أنشده سيبويه "1/ 44":
ثلاث كلهن قتلت عمدا ... فأخزى الله رابعة تعود
الرواية عنده برفع ثلاث ورفع كلهن، وإن كان مذهبه في مثل ذلك النصب بالفعل بدليل قوله بعد إنشاده "فهذا ضعيف، والوجه الأكثر الأعرف النصب" وإنما كان هذا ضعيفًا لأنه لم يذكر العائد على المبتدأ، ولو أنه قال "ثلاث كلهن قتلته عمدا" لكان مرضيًا عنده، وعلى كل حال فإن الشاعر قد أكد قوله "ثلاث" وهو نكرة بقوله "كلهن" وذلك ظاهر إن شاء الله.
فلا حجة فيه؛ لأنه يحتمل أن يكون توكيدًا للمضمر في جديد، والمضمرات لا تكون إلا معارف، وكان هذا أولى به؛ لأنه أقرب إليه من "يوم" فعلى هذا يكون الإنشاد بالرفع، وأما قول الآخر:
[287]
قد صَرَّتِ البكرة يومًا أجمعا
فنقول: هذا البيت مجهول لا يعرف قائله؛ فلا يجوز الاحتجاج به.
ثم لو قدرنا أن هذه الأبيات التي ذكروها كلها صحيحة عن العرب، وأن الرواية1 ما ادعوه لَمَا كان فيها حجة، وذلك لشذوذها وقلتها في بابها؛ إذ لو طردنا القياس ففي كل ما جاء شاذًّا مخالفًا للأصول والقياس وجعلناه أصلًا لكان ذلك يؤدي إلى أن تختلط الأصول بغيرها، وأن يُجْعَل ما ليس بأصل أصلًا، وذلك يفسد الصناعة بأسرها، وذلك لا يجوز.
على أن هذه المواضع كلها محمولة على البدل، لا على التأكيد.
وأما قولهم "إن اليوم مؤقتٌ فيجوز أن يقعد بعضه والليلة مؤقتة فيجوز أن يقوم بعضها، فإذا أكدت صح معنى التوكيد" قلنا: هذا لا يستقيم فإن اليوم وإن كان مؤقتا إلا أنه لم يخرج عن كونه نكرة شائعة، وتأكيد الشائع المنكور بالمعرفة لا يجوز كالصفة؛ ولأن تأكيد ما لا يعرف لا فائدة فيه على ما بيَّنَّا، والله أعلم.
64-