الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيينمسألة هل يحذف آخر المقصور والممدود عند التثنية إذا كثرت حروفهما؟

مسألة هل يحذف آخر المقصور والممدود عند التثنية إذا كثرت حروفهما؟

عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو البركات الأنباري
الكتاب
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين
المؤلف
عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (المتوفى: 577هـ)
الناشر
المكتبة العصرية
الطبعة
الأولى 1424هـ- 2003م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

... 110- مسألة: [هل يحذف آخر المقصود والممدود عند التثنية إذا كثرت حروفها؟] 1 ذهب الكوفيون إلى أن الاسم المقصور إذا كَثُرَتْ حروفه سقطت ألفه في التثنية؛ فقالوا في تثنية "خَوْزَلَى، وقَهْقَرَى": خَوْزَلَانِ، وقَهْقَرَانِ، وذهبوا أيضا فيما طال من الممدود إلى أنه يحذف الحرفان الآخران، فأجازوا في "قَاصعَاء، وحَاثِيَاء": قاصعان، وحاثيان.
وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز حذف شيء من ذلك في مقصور ولا ممدود.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه يجوز ذلك لأنه لما كثرت حروفهما وطال اللفظ بهما، والتثنية توجب زيادة ألف ونون أو ياء ونون عليهما ازدادا كثرة وطولا؛ فا جتمع فيهما ثقلان: ثقل أصليّ، وثقل طارئ؛ فجاز أن يحذف منها لكثرة حروفهما كما يحذفون لكثرة الاستعمال.
والذي يدل على أن طول الكلمة وكثرة حروفها له أثر في الحذف قولهم "اشْهَابَّ اشْهِبَابًا، واحْمَارَّ احْمِرَارًا"، وأصله اشهيبابًا واحميرارا، فحذفوا الياء لطول الكلمة وكثرة حروفها، وكذلك زعمتم أن "كينونة" أصلها كيَّنونة بالتشديد، ثم أوجبتم الحذف لطول الكلمة طلبا للتخفيف؛ فدل على أن طول الكلمة وكثرة حروفها له أثر في الحذف؛ فكذلك ههنا، وعلى هذا يخرج ما لم يكثر حروفه منهما؛ فإنه لا يجوز أن يحذف منه شيء لقلة حروفه وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنه لا يحذف منهما شيء؛ لأن التثنية إنما وردت على لفظ الواحد؛ فينبغي أن لا يحذف منه شيء، قَلَّتْ حروفُهُ أو كثرت.

والذي يدل على ذلك أن العرب لم تحذف فيما كثرت حروفه، كما حُذِفَ في ما قلت حروفه، فقالوا في تثنية جمادى: "جُمَادَيَيْنِ" من غير حذف، قال الشاعر: 1 شَهْرَيْ ربيع وجُمَادَيَيْنَهْ وقال الأخر: 2 جُمَادَيَيْنِ حُسُومًا

وقال الآخر: 1 جماديين حرام فثنوا ذلك على تمام الاسم على الأصل من غير حذف، والعدول عن الأصل والقياس والنقل من غير دليل لا وجه له.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إنما قلنا إنه يحذف لكثرة حروفهما وطول ألفاظهما" قلنا: كثرة الحروف لا تكون علة موجبة للحذف، وإنما يوجد ذلك في ألفاظ يسيرة نُقِلَتْ عنهم على خلاف الأصل والقياس، فيجب الاقتصار على تلك المواضع، ولا يقاس عليها غيرها؛ إذ ليس الحذف للكثرة قياسا مطردا؛ فإذا وجب الاقتصار على ما نقل من الحذف للكثرة بَطَلَ أن الحذف ههنا للكثرة؛ لورود النقل بخلافه.
وأما استشهادهم باشهباب وكَيْنُونة والأصل فيهما اشهيباب وكَيَّنونة بالتشديد فمخالف لما وقع الخلاف فيه؛ لأن الثقل فيهما لازم في أصل الكلمة غير عارضٍ، = السابق أن هذا الشاهد والكثير من أمثاله لا يرد مذهب الكوفيين من قبل أنهم لا يقولون بوجوب حذف ألف المقصور ولا بوجوب حذف همزة الممدود، وإنما يقولون: يجوز للمتكلم إذا استطال حروف الكلمة أن يحذف الألف أو الهمزة ويجوز له أن يأتي بالكلمة على الأصل ويقلب الألف ياء ويقلب الهمزة واوا أو يبقيها على تفصيل في الممدود معروف لك، وإذا كانوا لا يقولون بوجوب الحذف فمجيء الشواهد العديدة بالإثبات والقلب لا يرد مذهبهم؛ لأن هذه الشواهد جاءت على الوجه الآخر الذي يجوزونه أيضًا.

بخلاف ما وقع الخلاف فيه فإنه غير لازم في أصل الكلمة، بل هو عارض، لأن التثنية عارضة وليست لازمة، ثم أيضا استشهادهم بكينونة وأن أصلها كيَّنونة بالتشديد لا يستقيم؛ لأنه شيء لا يقولون به؛ لأن الأصل عندهم في كينونة كونونة، فأبدلوا من الواو ياء، فكيف يستشهدون على صحة مذهبهم بشيء لا يعتقدون صحته؟ فدل ذلك على صحة ما قلناه، والله أعلم

111-

جارٍ التحميل