مسألة [هل يجوز إظهار "أن" المصدرية بعد "لكي" وبعد حتى؟]
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو البركات الأنباري
- الكتاب
- الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين
- المؤلف
- عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (المتوفى: 577هـ)
- الناشر
- المكتبة العصرية
- الطبعة
- الأولى 1424هـ- 2003م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
1
ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز إظهار "أن" بعد "كي" نحو "جئت لكي أن أكرمك" فتنصب "أكرمك" بكي، "وأن" توكيد لها، ولا عمل لها.
وذهب بعضهم إلى أن العامل في قولك "جئت لكي أن أكرمك" اللام، وكي وأن توكيدان لها، وكذلك أيضًا يجوز إظهار "أن" بعد حتى.
وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز إظهار "أن" بعد شيء من ذلك بحال.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنه يجوز إظهار "أن" بعدها النقل والقياس.
أما من جهة النقل فقد قال الشاعر:
1
أردت لِكَيْمَا أن تَطِيرَ بِقِرْبَتِي ... فتتركها شَنًّا بِبَيْدَاءَ بَلْقَعِ
وأما من جهة القياس فلأَنَّ "أنْ" جاءت للتوكيد، والتوكيد من كلام العرب؛ فدخلت "أن" توكيدًا لها، لاتفاقهما في المعنى وإن اختلفتا في اللفظ كما قال الشاعر:
1
قد يَكْسِبُ المالَ الهِدَانُ الجافي ... بغير لا عَصْفِ ولا اصْطِرَافِ = ومحل الاستشهاد بهذا البيت قوله "لكيما أن" حيث أظهر الشاعر "أن" المصدرية بعد كي، وفي هذه العبارة ثلاثة مذاهب للنحاة: المذهب الأول: مذهب جمهور الكوفيين، وتلخيصه أن "كي" في جميع استعمالاتها حرف مصدري ناصب للفعل المضارع بنفسه مثل أن المصدرية الناصبة للمضارع، فإن جاءت "أن" بعدها كما في هذا البيت فأن إما زائدة، وإما بدل من كي، وإما توكيد لكي، لأنهما بمعنى واحد، ونختار أنها توكيد، وإن جاءت اللام بعدها كما في قول الشاعر: كي لتقضيني رقية ما ... وعدتني غير مختلس وكما في بعض الروايات في الشاهد رقم "346" الذي سبق قريبًا تكون اللام زائدة، وإن دخلت على "ما" الاستفهامية نحو قولك "كيمه" كانت كي أيضًا مصدرية، والمضارع المنصوب منها محذوف، وما الاستفهامية مفعول به للمضارع المحذوف، فإذا قال لك قائل "أزورك غدا" فقلت له "كيمه" فكأنك قلت: كي أفعل ماذا؟ المذهب الثاني: مذهب الكسائي، وحاصله أن كي في جميع استعمالاتها حرف جر، دالٍ على التعليل، وانتصاب المضارع بعدها بأن المصدرية مقدرة، فإن تقدمت عليها اللام الدالة على التعليل نحو قوله تعالى: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا﴾ فكي بدل من اللام أو توكيد لها ومعناهما واحد، وإن تأخرت اللام كما في البيت الذي أنشدناه والشاهد رقم "346" السابق، فاللام حينئذ بدل من كي أو توكيد لها.
المذهب الثالث: مذهب جمهور البصريين، وحاصله أن "كي" تأتي على ثلاثة أوجه: الأول: أن تكون اسمًا مختصرًا من كيف، والثاني: أن تكون حرف جر دال على التعليل مثل اللام فتدخل على ما الاستفهامية وعلى ما المصدرية، والثالث: أن تكون حرفًا مصدريًا مثل أن المصدرية في المعنى والعمل، ولتفصيل مواضع كل واحد من هذه الوجوه الثلاثة مكان غير هذا الموضع.
ومثل البيت المستشهد به قول جميل بن معمر العذري، وهو من شواهد الرضي وابن هشام في المغني: فقالت: أكل الناس أصبحت مانحًا ... لسانك كيما أن تغر وتخدعا؟ ومثله أيضًا قول الآخر، وأنشده أبو ثروان: أردت لكيما أن ترى لي عثرة ... ومن ذا الذي يعطى الكمال فيكمل؟
فأكد "غير" بلا؛ لاتفاقهما في المعنى، ولهذا قلنا: إن العمل لكي، وأن لا عمل لها؛ لأنها دخلت توكيدا لها، وكذلك أيضًا قلنا: إن العمل للام في قولك "جئت لكي أن أكرمك" لأن كي وأن تأكيدان للام، ولا يبعد في كلامهم مثل ذلك؛ فقد قالوا: لا إن ما رأيتُ مثل زيد، فجمعوا بين ثلاثة أحرف من حروف الجحد للمبالغة في التوكيد، فكذلك ههنا.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إظهار "أنْ" بعد "لكي" لا يخلو: إما أن تكون لأنها قد كانت مقدرة فجاز إظهارها بعد الإضمار، وإما أن تكون مزيدة ابتداء من غير أن تكون قد كانت مقدرة، بطل أن يقال "إنها قد كانت مقدرة" لأن "لكي" تعمل بنفسها، ولا تعمل بتقدير "أن" ولو كانت تعمل بتقدير "أن" لكان ينبغي إذا ظهرت "أن" أن يكون العمل لأن دونها، فلما أضيف العمل إليها دلَّ على أنها العامل بنفسها، لا بتقدير أن، وبطل أن يقال أنها تكون مزيدة ابتداء؛ لأن ذلك ليس بمقيس فيفتقر إلى توقيف عن العرب، ولم يثبت عنهم في ذلك شيء، فوجب أن لا يجوز ذلك.
ومنهم من تمسك بأن قالوا: إنما لم يجز إظهار "أن" بعد كي وحتى؛ لأن كي وحتى صارتا بدلًا من اللفظ بأن، كما صارت "ما" بدلًا عن الفعل في قولهم: أما أنت منطلقا انطلقت معك، والتقدير فيه: أن كنت منطلقا انطلقت معك، فحذف الفعل وجعلت "ما" عوضا عنه، وكما لا يجوز أن يظهر الفعل بعد "ما" لئلا يجمع بين البدل والمبدل؛ فكذلك ههنا.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما البيت الذي أنشدوه فلا حجة لهم فيه من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن هذا البيت غير معروف، ولا يعرف قائله، فلا يكون فيه حجة1.
= الغليظ والعصف ومثله الاعتصاف: الطلب والحيلة، تقول: عصف فلان يعصف عصفا -من مثال ضرب يضرب ضربا- واعتصف، تريد أنه كسب وطلب واحتال وكد، وتقول: اصطرف فلان في طلب الكسب، إذا تصرف وكان ذا حيلة.
وقد أنشد المؤلف هذا البيت على لسان الكوفيين ليقرر أن الكلمتين إذا كان معناهما واحدًا جاز أن تؤكد إحداهما بالأخرى كما أكد الراجز "غير" بلا في هذا الرجز أو كما تقع أن المصدرية بعد كي المصدرية فتكون أن توكيدًا لكي، وهذا ظاهر بعد أن ذكرنا مذهبهم مفصلًا في شرح الشاهد السابق.
1 لا نرى لك أن تقر هذا -لا في هذا الموضع ولا في غيره، ولا على لسان الكوفيين ولا البصريين- فكم من الشواهد التي يستدل بها هؤلاء وهؤلاء وهي غير منسوبة ولا لها سوابق أو لواحق، وفي كتاب سيبويه وحده خمسون بيتًا لم يعثر لها العلماء بعد الجهد والعناء الشديدين على نسبة لقائل معين.
والوجه الثاني: أن يكون قد أظهر "أن" بعد "كي" لضرورة الشعر؛ وما يأتي للضرورة لا يأتي في اختيار الكلام.
والوجه الثالث: أن يكون الشاعر أبدل "أن" من "كيما" لأنهما بمعنى واحد، كما يبدل الفعل من الفعل إذا كان في معناه؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ العَذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ [الفرقان: 69] فـ "يضاعف" بدل من "يلق" وقال الشاعر:
1
متى تأتنا تُلْمِمْ بنا في ديارنا ... تجد حطبًا جزلًا ونارًا تَأَجَّجَا
2
إن يَغْدِرُوا أو يَجْبُنُوا ... أو يَبْخَلُوا لا يَحْفِلُوا
يغدوا عليك مُرَجَّلِـ ... ـين كأنهم لم يفعلوا
فيغدوا: بدل من قوله: "لا يحفلوا" فكذلك ههنا، وعلى كل حال فهو قليل في الاستعمال.
وأما قولهم "إن التأكيد من كلام العرب؛ فدخلت أنْ للتأكيد" قلنا: إنما جاز التوكيد فيما وقع عليه الإجماع؛ لأنه قد جاء عن العرب كثيرًا متواترًا شائعًا، بخلاف ما وقع الخلاف فيه؛ فإنه لم يأتِ عنهم فيه إلا شاذًّا نادرًا لا يُعَرَّج عليه، ولم يثبت ذلك الشاذ النادر أيضًا عنهم؛ فوجب أن لا يكون جائزًا، والله أعلم.
ــ
= "إن يبخلوا أو يجبنوا.... البيتين" فقوله يغدوا على البدل من قوله لا يحفلوا كما هو؛ لأن غدوهم مرجلين دليل على أنهم لم يحفلوا بقبيح ما أتوه؛ فهو تفسير له وتبيين" ا. هـ.
81-