مسألة القول في نعم وبئس، أفعلان هما أما اسمان
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو البركات الأنباري
- الكتاب
- الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين
- المؤلف
- عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (المتوفى: 577هـ)
- الناشر
- المكتبة العصرية
- الطبعة
- الأولى 1424هـ- 2003م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
...
14- مسألة: [القول في نِعْمَ وبِئْسَ، أَفِعْلَانِ هما أم اسمان؟] 1
ذهب الكوفيون إلى أن "نِعْمَ، وبِئْسَ" اسمان مُبْتَدَآن.
وذهب البصريون إلى أنهما فعلان ماضيان لا يتصرَّفَان، وإليه ذهب علي بن حمزة الكسائي من الكوفيين.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنهما اسمان دخول حرف الخفض عليهما؛ فإنه قد جاء عن العرب أنها تقول "ما زيد بنعم الرجُلُ" قال حسّان بن ثابت:
1
ألستُ بِنِعْمَ الجارُ يُؤْلِفُ بَيْتَهُ ... أخَا قِلَّةٍ أو مُعْدِمَ المال مُصْرِمَا
وحُكي عن بعض فُصَحَاء العرب أنه قال "نِعْمَ السَّيْرُ على بِئْسَ العَيْرُ" وحكى أبو بكر بن الأنباري عن أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب عن سلمة عن الفراء أن أعرابيًّا بُشِّرَ بمولودة فقيل له: نعم المولودة مولودتك! فقال "والله ما هي بنعم المولودة: نُصْرَتُهَا بكاء، وبِرُّها سرقة" فأَدْخَلُوا عليها حرف الخفض، ودُخُولُ حرف الخفض يدل على أنهما اسمان؛ لأنه من خصائص الأسماء.
ومنهم من تمسّك بأن قال: الدليل على أنهما اسمان أن العرب تقول: "يا نعم المولى ويا نعم النصير" فنداؤهم نعم يدل على الاسمية؛ لأن النداء من خصائص الأسماء، ولو كان فعلا لما تَوَجَّهَ نحوه النداء.
قالوا: ولا يجوز أن يقال: إن المقصود بالنداء محذوف للعلم به -والتقدير فيه: يا ألله نعم المولى ونعم النصير أنت- فحذف المنادى لدلالة حرف النداء عليه كما حذف حرف النداء لدلالة المنادى عليه؛ لأنا نقول: الجواب عن هذا أن المنادى إنما يقدر محذوفًا إذا ولي حرفَ النداء فعلُ أمر وما جرى مجراه، كقراءة الكسائي وأبي جعفر المدني ويعقوب الحضرمي وأبي عبد الرحمن السلمي والحسن البصري وحميد الأعرج: = نحو قوله -صلى الله عليه وسلم: "من توضأ يوم الجمعة؛ فبها ونعمت" وأنت تقول: بئست المرأة حمالة الحطب، وبدليل اقتران ضمائر الرفع المتصلة بهما، تقول: نعما، ونعموا، وضمائر الرفع المتصلة لا تقترن بغير الأفعال، وأما حرف الجر فقد يدخل في اللفظ على الفعل وعلى الحرف أيضًا، ولكنه في التقدير داخل على الاسم، فمثال دخوله على الفعل المتفق على فعليته قول الراجز "انظر الشاهد رقم 64 الآتي":
والله ما ليلي بنام صاحبه ... ولا مخالط الليان جانبه
ومثال دخوله على الحرف قولك "عجبت من أن تلعب" والفريقان متفقان على مجيء مثل ذلك عن العرب، وهما أيضًا متفقان على أن هذا الظاهر غير مرضي، وأن الباء في قول الراجز "بنام صاحبه" لا بدّ أن تكون داخلة في التقدير على اسم محذوف، وتقدير الكلام والله ما ليلي بليل مقول فيه نام صاحبه، فمدخول الباء في البيت جملة تقع مقول قول محذوف، وهذا القول المحذوف صفة لموصوف محذوف أيضًا، وهذا الموصوف المحذوف هو مدخول الباء عند التحقيق، فإذا كان هذا تأويل الفريقين في قول الراجز "بنام صاحبه" فليكن هو تأويل قول حسان "بنعم الجار" أي بجار مقول فيه نعم الجار، وليكن هو تأويل قول الآخر "بنعم طير" إن سلمنا صحة هذه الرواية، أي بطير مقول في نعم طير، ولكن هذه الرواية غير صحيحة، والرواية الصحيحة "بنعم طير" بضم النون وسكون العين وهي رواية الكسائي، وإذا كان دخول حرف الجر في ظاهر اللفظ على كلمة لا يدل دلالة قاطعة على كونها اسمًا، وكذلك غير حرف الجر من الحروف التي قلنا: إنها من خصائص الأسماء كحروف النداء، وقد رأينا الاستعمال العربي الذائع يصل تاء التأنيث وضمائر الرفع الساكنة بكلمتي نعم وبئس من غير ضرورة ولا حاجة إلى تأويل؛ فليكن الصحيح في هذه المسألة هو مذهب البصريين، فاعرف ذلك.
"أَلَا يَسْجُدُوا لِلَّهِ" أراد يا هؤلاء اسجدوا، وكما قال الأخطل: 1 ألَا يا اسْلَمِي يا هندُ هندَ بنِي بَدْرِ ... وإنْ كَانَ حيَّانَا عِدًى آخر الدَّهْرِ وقال الآخر، وهو ذو الرُّمَّة: 2 ألا يا اسلمِي يا دار ميَّ على البِلَى ... ولا زال مُنْهَلًّا بِجَرْعَائِكِ القَطْرُ
وقال الآخر، وهو المرقِّش: 1 أَلَا يا اسلمي لا صَرْمَ لي اليَوْمَ فَاطِمَا ... ولا أبدًا ما دام وَصْلُكِ دائما وقال الآخر: 2 ألَا يا اسلمي قبل الفراق ظَعِينَا ... تحيَّة من أَمْسَى إليك حَزِينَا وقال الآخر: وهو الكُمَيْتُ: 3 ألا يا اسلمي يا تِرْبَ أسماء من تِرْبِ ... ألا يا اسلمي حُيِّيتِ عنِّي وعن صَحْبِي = حرف النداء في اللفظ على الفعل المتفق على فعليته، ولم يخرجه ذلك عن الفعلية؛ لأن الكلام على تقدير اسم يدخل يا عليه، وأصل الكلام: ألا يا دار مية أسلمي دار مي إلخ، وهو نظير ما ذكرناه في شرح الشاهد السابق.
وقال الآخر، وهو العجاج:
1
يا دار سلمى يا اسلمي ثم اسلمي ... بِسَمْسَمِ وعن يمين سَمْسَمِ
وقال الآخر:
2
أمسلم يا اسمع يابْنَ كلّ خليفةٍ ... ويا سائِسَ الدنيا ويا جبل الأرض
أراد "يا هذا اسمع".
وقال الآخر:
3
وقالت: ألا يا اسمع نَعِظْكَ بِخُطَّةٍ ... فقلتُ: سمعيًا فانطقِي وأصيبِي
أراد "وقالت يا هذا اسمع" فحذف المنادى لدلالة حرف النداء عليه.
وإنما اختصّ هذا التقدير بفعل الأمر دون الخبر لأن المنادَى مخاطبٌ، والمأمور مخاطبٌ، فحذفوا الأول من المخاطَبَيْنِ اكتفاء بالثاني عنه، وإذا كان هذا المنادى إنما يقدر محذوفًا فيما إذا ولي حرفَ النداء فعلُ أمرٍ فلا خلاف أن "نعم المولى" خبر؛ فيجب أن لا يقدَّر المنادى فيه محذوفًا، يدل على أن النداء لا يكاد ينفكُّ عن الأمر أو ما جرى مجراه من الطلب والنهي، ولذلك لا يكاد يوجد في كتاب الله تعالى نداء ينفك عن أمر أو نهي، ولهذا لما جاء بعده الخبر في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ [الحج: 73] شَفَعه الأمر في وقوله: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ فلما كان النداء لا يكاد ينفكُّ عن الأمر وهما جملتا خطاب جاز أن يحذف المنادى من الجملة الأولى، وليس كذلك "يا نعم المولى ونعم النصير" لأن نِعْمَ خبر؛ فلا يجوز أن يقدَّر المنادى فيه محذوفًا.
ومنهم من تمسّك بأن قال: الدليل على أنهما ليسا بفعلين أنه لا يحسن اقتران الزمان بهما كسائر الأفعال، ألا ترى أنك لا تقول "نعم الرجل أمْسِ" ولا "نعم الرجل غدًا" وكذلك أيضًا لا تقول "بئس الرجل أمس" ولا "بئس الرجل غدًا" فلما لم يحسن اقتران الزمان بهما عُلم أنهما ليسا بفعلين.
ومنهم من تمسّك بأن قال: الدليل على أنهما ليسا بفعلين أنهما غيرُ متصرفين، لأن التصرف من خصائص الأفعال، فلما لم يتصرَّفَا دلّ على أنهما ليسا بفعلين.
ومنهم من تمسّك بأن قال: الدليل على أنهما ليسا بفعلين أنه قد جاء عن العرب "نعيم الرجلُ زيدٌ" وليس في أمثلة الأفعال فعيل أَلبتة، فدلّ على أنهما اسمان، وليسا بفعلين.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الدليلُ على أنهما فعلان اتصالُ الضمير المرفوع بهما على حدِّ اتصاله بالفعل المتصرف؛ فإنه قد جاء عن العرب أنهم قالوا "نِعْمَا رجلين، ونِعْمُوا رجالًا" وحكى ذلك الكسائي، وقد رفعا مع ذلك المُظْهَرَ في نحو "نعم الرجلُ، وبئس الغلامُ" والمضمر في نحو "نعم رجلًا زيدٌ، وبئس غلامًا عمرو" فدلّ على أنهما فعلان.
ومنهم من تمسك بأن قال: الدليل على أنهما فعلان اتصالهما بتاء التأنيث = العلامة، كما كان اقتران حرف النداء في هذه الشواهد واقتران حرف الجر في بيت حسان غير دليل على اسمية ما دخل عليه حرف النداء وحرف الجر؛ لأن الكلام على تقدير محذوف ألبتة.
الساكنة التي لا يقلبها أحدٌ من العرب في الوقف هاء كما قلبوها في نحو رحمة وسنة وشجرة، ولك قولهم "نعمتِ المرأةُ، وبئست الجاريةُ" لأن هذه التاء يختصّ بها الفعل الماضي لا تَتَعَدَّاه، فلا يجوز الحكم باسمية ما اتصلت به.
اعترضوا على هذا بأن قالوا: قولكم "إن هذه التاء يختصّ بها الفعلُ" ليس بصحيح؛ لأنها قد اتصلت بالحرف في قولهم "رُبَّتَ، وثُمَّتَ، ولَاتَ" في قوله تعالى: ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [صّ: 3] قال الشاعر:
1
مَاوِيَّ بل رُبَّتَمَا غَارَةٍ ... شَعْوَاءَ كاللَّذْعَةِ بِالمِيسَمِ
وقال الآخر:
1
ثُمَّتَ قُمْنَا إلى جُردٍ مُسَوَّمَةٍ ... أَعْرَافُهُنَّ لِأَيْدِينَا مَنَادِيلُ
فلحاقها بالحرف يبطل ما ادّعَيْتُمُوهُ من اختصاص الفعل بها، وإذا بطل الاختصاص جاز أن تكون نعم وبئس اسمين لحقتهما هذه التاء كما لحقت رُبَّتَ وثُمَّتَ.
هذا على أن نعم وبئس لا تلزمهما التاء بوقوع المؤنث بعدهما كما تلزم الأفعال، ألا ترى أن قولك "قام المرأة، وقعد الجارية" لا يجوز في سَعة الكلام، = التأنيث اللاحقة لهذه الأفعال ساكنة، بخلاف تاء التأنيث في ثمت وفي ربت وفي لات، فإنها متحركة مفتوحة، فلما اختلفت التاء في هذه الكلمات عن التاء اللاحقة للأفعال دلّ على أنها ليست هي التاء التي نجعلها خاصة من خصائص الأفعال، بدليل أننا نقول: إن تاء التأنيث المختصة بالأفعال هي تاء التأنيث الساكنة، والوجه الثاني: أن تاء التأنيث اللاحقة للأفعال والتي هي خاصة من خصائص الفعل الماضي إنما تلحق الفعل لتدل على أن فاعله مؤنث؛ فأنت تقول: قامت هند، وقعدت فاطمة، وأقامت سلمى، وسافرت سعدى، فتأتي بهذه التاء ألبتة مع الفاعل المؤنث للفرق بين الفعل المذكر وفعل المؤنث؛ لأن بعض الأسماء يشترك في التسمية بها المذكر والمؤنث فلا يكفي ذكر هذه الأسماء من غير تأنيث الفعل للدلالة على أن المراد بها مؤنث، أما التاء اللاحقة لرب وثم ولا ليست بهذه المنزلة، بل المراد بها تأنيث اللفظ، فلتكن التاء التي هي من خصائص الأفعال هي التاء الدالة على تأنيث الفاعل الذي يسند الفعل المقترن بها إليه، والوجه الثالث: أنا نقول: إن لحاق هذه التاء لهذه الحروف شاذ عن القياس بالإجماع منا ومنكم، والحكم فيما عدا هذه الكلمات المحفوظة باقٍ على أصله لا ينقضه شيء.
بخلاف قولك: "نعم المرأة، وبئس الجارية" فإنه حَسَن في سَعَة الكلام؟ فبان الفرق بينهما.
وهذا الاعتراض الذي ذكروه ساقط، وأما التاء التي اتصلت برُبَّتَ وثَمَّتَ وإن كانت للتأنيث إلا أنها ليست التاء التي في نعمت وبئست، والدليل على ذلك من وجهين؛ أحدهما: أن التاء في "نعمت المرأةُ، وبئست الجاريةُ" لحقت الفعل لتأنيث الاسم الذي أسند إليه الفعل، كما لحقت في قولهم "قامت المرأة" لتأنيث الاسم الذي أسند إليه الفعلُ، والتاء في "ربت، وثمت" لحقت لتأنيث الحرف؛ لا لتأنيث شيء آخر، ألا ترى أنك تقول "رُبَّتَ رجل أَهَنْتُ" كما تقول "رُبَّتَ امرأة أكرمت" ولو كانت كالتاء في نعمت وبئست لما جاز أن تثبت مع المذكر كما لا يجوز أن تثبت مع المذكر في قولك "نعمت الرجل، وبئست الغلام"؛ فلما جاز أن تثبت التاء في رُبَّتَ مع المذكر دلّ على الفرق بينهما، والوجه الآخر: أن التاء اللاحقة للفعل تكون ساكنة، وهذه التاء التي تلحق هذين الحرفين تكون متحركة، فبان الفرق بينهما، وأما "لاَتَ" فلا نسلم أن التاء مزيدة فيها، بل هي كلمة على حيالها، وإن سلمنا أن التاء مزيدة فيها فالجواب من أربعة أوجه: وجهان ذكرناهما في ربت وثمت، ووجهان نذكرهما الآن؛ أحدهما: أن الكسائي كان يقف عليها بالهاء؛ فاحتجَّ بأنه سأل أبا فَقْعَس الأسديّ عنها فقال: "وَلَاهْ" فإذًا لا تكون بمنزلة التاء في ربت وثمت، ولا بمنزلة التاء في نعمت وبئست، والوجه الثاني: أن تكون التاء في "لات حين" متصلة بحين، لا بلا، كذلك ذكره أبو عُبيد القاسمُ بن سَلَّام، وحكى أنهم يزيدون التاء على حين وأوان والآن؛ فيقولون: "فعلت هذا تَحِينَ كذا، وتأوَانَ كذا، وتألآنَ" أي: حين كذا، وأوان كذا، والآن.
وقال الشاعر وهو أبو وَجْزَةَ السعدي:
1
العاطفون تَحِينَ ما مِنْ عاطفٍ ... والمُطْعِمُون زمان أين المُطْعِمُ
وقال أبو زبيد الطّائي: 1 طلبوا صلحنا ولا تأَوَانٍ ... فَأَجَبْنَا أنْ ليس حين بَقَاء = والآن، قال أبو زيد "سمعت من يقول: حسبك تلان، يريد الآن، فزاد التاء" ا. هـ. والرأي الثاني: أن هذه التاء زائدة في قوله "العاطفون" وأصلها هاء الوقف، ثم أجرى الكلمة في حال الوصل مجراها في حال الوقف، ثم قلب الهاء تاء مبسوطة، وعلى ذلك ينبغي أن تكتب "العاطفونت حين ... إلخ" وقد ذكر هذا الرأي ابن سيده بعد أن ذكر الرأي الأول عن أبي زيد، قال: "وقيل: أراد العاطفونه، فأجراه في الوصل على حد ما يكون عليه في الوقف، وذلك أنه يقال في الوقف: هؤلاء مسلمونه، وضاربونه، فتلحق الهاء لبيان حركة النون كما أنشدوا: أهكذا يا طيب تفعلونه ... أعللا ونحن منهلونه فصار التقدير: العاطفونه، ثم إنه شبه هاء الوقف بهاء التأنيث، فلما احتاج لإقامة الوزن إلى حركة الهاء قلبها تاء، كما تقول: هذا طلحة، فإذا وصلت صارت الهاء تاء فقلت: هذا طلحتنا، فعلى هذا قال: العاطفونه، وفتحت التاء كما فتحت في آخر ربت وثمت وذيت وكيت" ا. هـ. وقال ابن بري في بيت أبي وجزة:"هذه الهاء هي هاء السكت اضطر إلى تحركها، قال: ومثله: هم القائلون الخير والأمرونه ... إذا ما خشوا من محدث الأمر معظمًا" ا. هـ ونريد أن نبين لك أن هذه الهاء في قول أبي وجزة "العاطفونه" وفي تمثيل ابن سيده بقوله "هؤلاء مسلمونه" و "ضاربونه" ليست هاء ضمير الغائب على ما قد يتسرب إلى ذهنك، وذلك أن هذه الهاءات لو كانت ضمائر لكان الاسم مضافًا إليها، فكان يجب أن تحذف النون التي تلي علامة الإعراب وهي الواو في كل هذه الأمثلة، لما تعرف من أنه يحذف للإضافة تنوين الاسم المفرد ونون المثنى وجمع المذكر السالم، فتنبه لهذا، على أن من هذه الأمثلة ما لا يتعدى بنفسه مثل "الآمرونه" في البيت الذي أنشده ابن بري، وإنما يتعدى بالباء إلى المأمور به، فتقول: أمرته بكذا، ولا تقول: أمرته كذا، إلا على التوسع كما جاء في قول الشاعر: أمرتك الخير، فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مال وذا نشب
وقال الآخر:
1
نَوِّلِي قبل يوم نَأْيِي جِمَانَا ... وصِلِينَا كما زعمت تَلَانَا
واحتجَّ بحديث ابن عمر حين ذكر لرجل مَنَاقِب عثمان فقال له "اذهب بها تَالآنَ إلى أصحابك" واحتج بأنه وجدها مكتوبة في المصحف الذي يقال له الإمام "تَحِينَ" فدلّ على ما قلناه.
وقولهم "إن التاء لا تلزم نعم وبئس إذا وقع المؤنث بعدهما" فليس بصحيح، لأن التاء تلزمهما في لغة شطر العرب، كما تلزم في قام، ولا فرق عندهم بين "نعمت المرأة"، و "قامت المرأة" وإنما جاز عند الذين قالوا "نعم المرأة" ولم يجز عندهم "قام المرأة" لأن المرأة في قولهم "نعم المرأة هند" واقعة على الجنس كقولهم "الرجل أفضل من المرأة" أي جنسُ الرجال أفضل من جنس النساء، وكقولهم "أهلك الناس الدينارُ والدرهمُ" أي الدراهم والدنانير، وكوقوع الإنسان على الناس، قال الله تعالي: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4] أراد الناس، وإذا كان المراد بالمرأة استغراق الجنس فلا خلاف أن أسماء الأجناس والجموع يجوز تذكيرُ أفعالِها وتأنيثُها؛ فلهذا المعنى حذف تاء التأنيث من حذفها من "نعم المرأة" وإذا كانوا قد حذفوها في حال السعة من فعل المؤنث الحقيقي من قولهم "حضر القاضيَ اليوم امرأةٌ" فلا يبعد أن يحذفوها من فعل المؤنث الواقع = "لات" ههنا حرف نفي يعمل عمل إن ويدل على نفي الجنس، و "أوان" في هذا البيت مبني لا معرب، وبناؤه على السكون الذي هو الأصل في المبنيّات، ولكنه لما اجتمع ساكنان: سكون البناء، وسكون الألف السابقة، كسر آخره على الأصل في التخلص من التقاء الساكنين، ثم نوّن للضرورة، والرأي الثالث: أن "لات" حرف نفي، و "أوان" مبني على الكسر تشبيهًا له بنزال ونحوه لأنه على وزنه، وتنوينه للضرورة أيضًا، وهذان الرأيان يجريان على أن التاء مزيدة على "لات" ويجريان أيضًا على أن التاء مزيدة أيضًا على أوان، وعليه يكون العامل هو "لا" النافية للجنس، والرأي الرابع: أن تكون "لا" نافية، والتاء مزيدة على "أوان" وتأوان: مجرور بحرف جر محذوف، وحرف الجر هو من الاستغراقية، وكأنه قال: لا من أوان صلح لهم، وفي هذا القدر كفاية ومقنع.
على الجنس.
وقد قالوا "ما قعد إلا المرأة، وما قام إلا الجارية" فحذفوا تاء التأنيث ألبتة، ولم تأتِ مثبتة إلا في ضرورة.
فإن قالوا: إنما حذفت تاء التأنيث ههنا تنبيهًا على المعنى؛ لأن التقدير: ما قعد أحد إلا المرأة، وما قام أحد إلا الجارية.
قلنا: هذا مُسَلَّم، ولكن اللفظ يدل على أن المرأة والجارية غير بدل من أحد، وإن كان المعنى يدل على أنهما بدل، كما أن اللفظ يدل على أن "شَحْمًا" في قولك "تَفَقّأ الكبشُ شحمًا" غير فاعل، وإن كان المعنى يدل على أنه فاعل، فكما أنهم حذفوا تاء التأنيث من قولهم "ما قعد إلا المرأة" تنبيهًا على المعنى فكذلك حذفوها من قولهم "نعم المرأة" تنبيهًا على أن الاسم يراد به الجنس.
ومنهم من تمسك بأن قال: الدليل على أنهما فعلان ماضيان أنهما مبنيان على الفتح، ولو كانا اسمين لما كان لبنائهما وجه؛ إذ لا علة ههنا توجب بناءهما.
وهذا تمسّكٌ باسْتِصْحَاب الحال، وهو من أضعف الأدلة، والمعتمد عليه ما قدمناه.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "الدليل على أنهما اسمان دخول حرف الجر عليهما في قوله:
ألست بنعم الجارُ يُؤْلَفُ بيتَهُ
وقول بعض العرب: نعم السير على بئس العير، وقول الآخر: والله ما هي بنعم المولودة" فنقول: دخول حرف الجر عليهما ليس لهم فيه حجة؛ لأن الحكاية فيه مقدَّرة، وحرف الجر يدخل مع تقدير الحكاية على ما لا شُبْهَة في فعليته، قال الراجز:
1
والله ما ليلي بنامَ صاحِبُهْ ... ولا مخالط اللّيانِ جانِبُهْ
ولو كان الأمر كما زعمتم لوجب أن يحكم لنام بالاسمية؛ لدخول الباء عليه، وإذا لم يجز أن يحكم به بالاسمية لتقدير الحكاية فكذلك ههنا لا يجوز أن يحكم لنعم وبئس بالاسمية لدخول حرف الجر عليهما لتقدير الحكاية، والتقدير في قولك:
[50]
ألست بنعم الجار يؤلف بيته
ألست بجارٍ مقولٍ فيه نعم الجار، وكذلك التقدير في قول بعض العرب "نعم السير على بئس العير" "نعم السير على عَيْرٍ مقول فيه بئس العير" وكذلك التقدير في قول الآخر "والله ما هي بنعم المولودة" والله ما هي بمولودة مقول فيها نعم المولودة، وكذلك أيضًا التقدير في البيت الذي ذكرناه "والله ما ليلي بليل مقول فيه نام صاحبه" إلا أنهم حذفوا منها الموصوف وأقاموا الصفة مُقَامة.
كقوله تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: 11] أي دُرُوعًا سابغات، وكقوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5] أي المِلَّة القيمة؛ فصار التقدير فيها ألست بمقول فيها نعم الجار، ونعم السير على مقول فيه بئس العير، وما هي بمقول فيها نعم المولودة، وما ليلى بمقول فيه نام صاحبه، ثم حذفوا الصفة التي هي "مقول" وأقاموا المحكيَّ بها مُقَامَهَا، لأن القول يحذف كثيرًا كما يذكر كثيرًا، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: 3] أي = حرف الجر عليهما، ووجه الأبطال أنه لا يلزم من دخول حرف الجر في اللفظ على كلمة ما أن تكون هذه الكلمة اسمًا؛ لأن حرف الجر قد يدخل في اللفظ على كلمة قد اتفقنا على أنها فعل مثل نام في هذا البيت.
وهذا الذي ذكرناه وذكره مؤلف الكتاب في هذا البيت أحد رأيين للعلماء في هذا الشاهد، والرأي الآخر حكاه ابن منظور، وخلاصته أن "نام" ليس فعلًا باقيًا على فعليته، ولكنه صار مع ما بعده علمًا، فهو من باب الأعلام المحكية عن الجمل، وأنت خبير أن الأعلام المحكية عن الجمل تدخل عليها عوامل الأسماء، ويجوز أن تضاف إليها الأسماء كما قال الشاعر:
كذبتم وبيت الله لا تنكحونها ... بني شاب قرناها تصر وتحلب
فقول الشاعر هنا "نام صاحبه" مثل قول الشاعر "شاب قرناها" وهذا التخريج إنما ذهب إليه من روى في بيت الشاهد:
والله ما زيد بنام صاحبه
فكأنه قال: ما زيد بهذا الرجل المسمى نام صاحبه، إلا أن قوله بعد ذلك "ولا مخالط الليان" لا يلتئم مع الكلام السابق، على هذا التخريج، فإنه يسأل: على م يعطف قوله "ولا مخالط الليان"؟ فإنه لا يجوز حينئذ أن يعطف على "نام صاحبه" لكونه في هذه الحالة ليس صفة، إلا إذا لحظت معناه الأول قبل أن يصير علمًا، ولهذا استبعد جماعة من العلماء أن يكون "نام صاحبه" في هذا البيت علمًا.
يقولون: ما نعبدهم، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: 7] أي: يقولون ربنا، وقال تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ [الرعد: 23، 24] أي يقولون: سلام عليكم، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ [البقرة: 127] أي يقولون: ربنا؛ وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [آل عمران: 106] أي يقال لهم: أكفرتم، وقال تعالى: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ، إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ [الواقعة: 65-66] أي تقولون: إنا لمغرمون.
وهذا في كلام الله تعالى وكلام العرب كثيرًا جدًا، فلما كثر حَذْفه كثرة ذكره حذفوا الصّفة التي هي مقول؛ فدخل حرف الجر على الفعل لفظًا وإن كان داخلًا على غيره تقديرًا، كما دخلت الإضافة على الفعل لفظًا وإن كانت داخلة على غيره تقديرًا في قوله:
1
ما لك عندي غيرُ سهم وحَجَر، ... وغير كبدَاءَ شديدة الوَتَر
جادت بِكَفَّيْ كان من أَرْمَى البشر
أي: بكفَّيْ رجل كان من أرمى البشر، فحذف الموصوف الذي هو "رجل" وأقام الجملة مقامه، فوقعت الإضافة إلى الفعل لفظًا وإن كانت داخلة على غيره تقديرًا، فكذلك ههنا: دخل حرف الجر على الفعل لفظًا، وإن كان داخلًا على غيره تقديرًا.
ونحو هذا من الاتّساع مجيء الجملة الاستفهامية وَصْفًا في نحو قوله:
جاءوا بِضَيْحٍ هل رأيت الذئب قطّ
فقوله "هل رأيت الذّئب قط" جملة استفهامية في موضع وَصْف لضيح، وإن كانت لا تحتمل صدقًا ولا كذبًا، ولكنه كأنه قال: جاءوا بضيح يقول مَنْ رآه هل رأيت الذئب قط، فإنه يشبهه.
ونحو ذلك أيضًا من الاتساع مجيء الجملة الأمرية حالًا في قوله:
2
بئس مَقَامُ الشَّيخ أَمْرِسْ أَمْرِسِ ... إمَّا على قَعْوٍ، وإمَّا اقْعَنْسِسِ1
أراد بئس مقام الشيخ مقولا فيه أمرس أمرس، ذمَّ مقامًا يقال له ذلك فيه، و "أمرس" أعِدِ الحبل إلى موضعه من البكرة.
وإنما جاءت هذه الأشياء في غير أماكنها لسَعَة اللغة؛ وحَسَّنَ ذلك ما ذكرناه من إضمار القول؛ فدلّ على أن ما تمسّكوا به من دخول حرف الجر عليهما ليس بحجة يُسْتَنَدُ إليها، ولا يعتمد عليها.
وأما قولهم "إن العرب تقول: يا نعم المولى ويا نعم النصير" فنقول: المقصود بالنداء محذوف للعلم به، والتقدير فيه: يا الله نعم المولي ونعم النصير أنت.
وأما قولهم: "إن المنادى إنما يقدر محذوفًا إذا ولي حرف النداء فعل أمر" فليس بصحيح؛ لأنه لا فرق بين الفعل الأمريّ والخبريّ في امتناع مجيء كل واحد منهما بعد حرف النداء، إلا أن يقدَّر بينهما اسم يتوجه النداء إليه، والذي يدلُّّّ على أنه لا فرق بينهما مجيء الجملة الخبرية بعد حرف النداء بتقدير حذف المنادى كما = المهملة- هو أحد خشبتين يكتنفان البكرة وفيهما المحور، وهما قعوان، وقيل: القعوان الحديدتان اللتان تجري البكرة بينهما، وقال الأصمعي: إذا كان ما تجري البكرة وتدور فيه من حديد فهو خطاف، وإن كان من خشب فهو القعو، واقنسس: تأخر وارجع إلى خلف، ومعنى قوله "إما على قعو وإما اقعنسس" قال ابن منظور: إن استقى المستقي ببكرة فوقع حبلها في غير موضعه قيل له: أمرس، أي أعد حبلك إلى موضعه، وإن كان يستقي بغير البكرة ومتح حتى أوجعه ظهره فيقال له: اقعنسس واجذب الدلو، والاستشهاد بالبيت في قوله "بئس مقام الشيخ أمرس أمرس" فإن قوله "أمرس" جملة إنشائية لكونها مؤلفة من فعل أمر وفاعله وهو الضمير المستتر فيه وجوبًا، وقد وقعت هذه الجملة حالًا في ظاهر الأمر، ولما كان العلماء لا يجيزون مجيء الجملة الإنشائية حالا، إلا من لا يعتد بقوله، فقد جعلوا هذه الجملة معمولة لعامل محذوف هو الذي يقع حالا، وتقدير الكلام: بئس مقام الشيخ مقولا فيه: أمرس أمرس، وصاحب الحال هو قوله "الشيخ" المضاف إليه، وفي كلام ابن منظور ما يفيد أن هذه الجملة الإنشائية معمولة لعامل محذوف يقع نعتًا لمخصوص بالذم، وكأنه قال: بئس مقام الشيخ مقام مقول له فيه أمرس أمرس، وهو كلام مستقيم؛ فإن مجيء بئس وقائلها في أول الكلام يرشح لمجيء المخصوص بالذم؛ لأنه هو الذي جرت عادتهم في هذا الأسلوب أن يأتوا به، ولو قلت: إن هذه الجملة معمولة لقول محذوف يقع تمييزا، وإن التقدير: بئس مقام الشيخ مقاما مقولا فيه أمرس أمرس، لم تكن قد أبعدت، والاستشهاد على أية هذه الأحوال الثلاثة جارٍ مؤدٍ للغرض الذي يريده المؤلف، فإنه يقصد إلى أن يقول: إن من سنن العرب في كلامهم أن يحذفوا الكلمة من الكلام -وخاصة ما كان من مادة القول- وهم يريدونها، وإن ذلك واقع في أساليب كثيرة من أساليبهم.
تجيء الجملة الأمرية بعد حرف النداء بتقدير حذف المنادى، قال الشاعر: 1 يا لعَنْةَ ُالله والأقوام كلهمُ ... والصالحين على سِمْعَانَ من جَارِ أراد: يا هؤلاء لعنة الله على سمعان، وقال الآخر: 2 يا لعْنَةُ الله على أهل الرَّقَم ... أَهْلِ الحَمِير والوَقِيزِ والخُزُمْ وقال الآخر: 3 يا لعنَ الله بني السِّعْلَاتِ ... عمرو بن مَيْمُونٍ شِرَارِ النَّاتِ
أراد بالنات الناس فحول السين تاء، وقال الآخر:
1
يا قَاتَلَ الله صِبْيَانًا تجيء بهم ... أم الهُنَيْبِر من زَنْدٍ لها وَارِي
وهي جملة خبرية، فدل على أنه لا فرق في ذلك بين الجملة الأمرية والخبرية، فوجب أن يكون المنادى محذوفًا في قولهم "يا نعم المولى ويا نعم النصير".
والذي يدل على فساد ما ذهبوا إليه أنا أجمعنا على أن الجمل لا تُنَادى؛ وأجمعنا على أن "نعم الرَّجُلُ" جملة، وإن وقع الخلاف في نعم هل هي اسم وفعل، وإذا امتنع للإجماع قولنا "يا زيد منطلق" فكذلك يجب أن يمتنع "يا نعم الرجل" إلا على تقدير حذف المنادى على ما بينَّا.
وأما قولهم "إن النداء لا يكاد ينفك عن الأمر أو ما جرى مجراه، ولذلك لا = و "قبح الله فلانا" أي نحاه وأبعده عن الخير، ويروى "يا قاتل الله" وهو دعاء بالهلكة، و "السعلاة" -بكسر السين وسكون العين المهملة- أنثى الغول، ويقال: هي ساحرة الجن، وقد زعموا أن عمر بن يربوع تزوج سعلاة فأقامت دهرًا في بني تميم وأولدها عمرو أولادًا، و "عمرو بن يربوع" قالوا: هو بدل من السعلاة، ولو جعلته معطوفًا عليه بعاطف محذوف لم تكن قد أبعدت، و"النات" أرادبه الناس، و "أكيات" أراد به الأكياس: جمع كيس، وهو الحاذق الفطن.
ومحل الاستشهاد به ههنا قوله "يا قبح الله" حيث اقترن حرف النداء بجملة فعلية دعائية، وقد اتفق الفريقان على أن المنادى لا يكون جملة؛ فلزمهما جميعا أن يقدرا اسمًا مفردًا ليكون هو المنادى بهذا الحرف، وأصل الكلام عندهم: يا قوم قبح الله، أو يا هؤلاء قبح الله، وما أشبه ذلك.
وهذا أحد توجيهين في هذا البيت ونحوه، والثاني: أن "يا" ههنا حرف تنبيه، لا حرف نداء، وحرف التنبيه يدخل على الجمل الفعلية والاسمية، ونظير هذا البيت قول جرير: يا حبذا جبل الريان من بلد ... وحبذا ساكن الريان من كانا وقول الفرزدق: يا أرغم الله أنفًا أنت حامله ... يا ذا الخنى ومقال الزور والخطل
يكاد يوجد في كتاب الله تعالى نداء ينفك عن أمر أو نهي" قلنا: لا نسلم، بل يكثر مجيء الخبر والاستفهام مع النداء كثرة الأمر والنهي، أما الخبر فقد قال الله تعالى: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: 68] ، وقال تعالى في موضع آخر: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [مريم: 45] ، وقال تعالى في موضع آخر: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ [يوسف: 4]
وقال تعالى في موضع آخر: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: 100] ، وقال تعالى في موضع آخر: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: 23] وقال تعالى في موضع آخر: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر: 15] إلى غير ذلك من المواضع، وأما الاستفهام فقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِي لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: 1] ، وقال تعالى في موضع آخر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2] ، وقال تعالى في موضع آخر ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ﴾ [مريم: 42] ، وقال تعالى في موضع آخر: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر: 41] إلى غير ذلك من المواضع؛ فإذا كثر مجيء الخبر والاستفهام كثرة الأمر والنهي فقد تكافآ في الكثرة؛ فلا مزية لأحدهما عن الآخر.
وأما قولهم "إنه لا يحسن اقتران الزمان بهما؛ فلا يقال: نعم الرجل أمس، ولا بئس الغلام غدًا، ولا يجوز تصرفهما" فنقول: إنما امتنعا من اقترانهما بالزمان الماضي، وما جاء التصرف لأن "نعم" موضوع لغاية المدح و "بئس" موضوع لغاية الذم؛ فجعل دلالتهما مقصورة على الآن؛ لأنك إنما تمدح وتذم بما هو موجود في الممدوح أو المذموم، لا بما كان فزال، ولا بما سيكون ولم يقع.
وأما قولهم "إنه قد جاء عن العرب نَعِيْمَ الرَّجُلُ" فهذا مما ينفرد بروايته أبو علي قُطْرُب، وهي رواية شاذة، ولئن صحت فليس فيها حجة؛ لأن نِعْمَ أصله نَعِمَ على وزن فعل -بكسر العين- فأشبع الكسرة فنشأت الياء كما قال الشاعر:
[13]
تَنْفِي يَدَاهَا الحَصَى في كل هَاجِرَةٍ ... نَفْيَ الدَّرَاهِيم تَنْقَادُ الصَّيَارِيفِ
أراد الدرهم والصيارفَ، والذي يدلّ على أن أصل نِعْمَ نَعِمَ أنه يجوز فيها أربع لغات: نعم -بفتح النون وكسر العين- على الأصل، ونعم -بفتح النون وسكون العين- ونعم -بكسر النون والعين- ونعم -بكسر النون وسكون العين.
فمن قال نعم -بفتح النون وكسر العين- أتى بها على الأصل كقراءة ابن
عامر وحمزة والكسائي والأعمش وخلفٍ "فَنَعِمَّا" -بفتح النون وكسر العين- وكما قال طرفة: 1 ما أَقَلَّت قَدَم نَاعِلَهَا ... نَعِمَ السَّاعُونَ في الأمر المُبِرّ
ومَنْ قال نعم -بفتح النون وسكون العين- حذف كسرة العين، كقراءة يحيى بن وَثَّاب "فَنَعْمَ عُقْبَى الدَّار" بفتح النون وسكون العين، وكما قال الشاعر: 1 فَإِنْ أَهْجُهُ يضْجَرْ كما ضَجْرَ بَازِلٌ ... من الأُدْمِ دَبْرَتَ صَفْحَتَاه وَغَارِبُهْ أراد "ضجر، ودَبِرَت" فحذف، وقال الآخر: 2 إذا هَدَرَتْ شَقَاشِقُهُ ونَشَبَتْ ... له الأَظْفَارُ تُرْكَ له المَدَار ُ = الثقل الخروج من الشيء إلى ما يخالفه؛ ففي "نعم" بكسر النون والعين جميعًا نوع من الثقل ونوع من التخفيف، أما الثقل فناجم عن الكسر، وأما التخفيف فمنشؤه أن اللسان حين ينطق بالنون مكسورة ثم يأتي بالعين مكسورة أيضًا قد خرج من شيء إلى ما يشبهه ويوائمه فليس بحاجة إلى تغيير ضغطه وحركته، أما حين ينتقل من النون المفتوحة إلى العين المكسورة فإنه ينتقل من الشيء إلى ما يغايره ويخالفه فهو مضطر إلى أن يغير ضغطه وحركته؛ فلهذا كان نعم بكسر أوله وثانيه أخف من نعم بفتح أوله وكسر ثانيه، فاعرف ذلك وتنبّه له والله يرشدك.
أراد "نَشِبَتْ، وتُرِكَ" وقال الآخر وهو أبو النجم:
1
هَيَّجَهَا نَضْحٌ من الطّلِّ سَحَرْ
وهَزَّتِ الرِّيحُ النَّدَى حين قَطَرْ ... لو عُصْرَ منها البَان والمسكُ انْعَصَرْ
أراد "عُصِرَ" وقال الآخر:
2
رُجِمَ به الشيطان من هَوَائِه
أراد "رجم" وقال الآخر:
3
ونُفْخُوا في مَدَائِنِهم فَطَارُوا
أراد "ونُفِخُوا".
ومن قال نعم -بكسر النون والعين- كسر النون إتباعًا لكسرة العين، كقراءة زيد بن علي والحسن البصري ورؤبة "الْحَمْدِ لِلَّهِ" بكسر الدال إتباعًا لكسرة اللام، وكقراءة إبراهيم بن أبي عبلة "الْحَمْدُ لُلَّهِ" بضم اللام إتباعًا لضمة الدال، وكقولهم "مِنْتِن" بكسر الميم إتباعًا لكسرة التاء، وكقولهم أيضًا "مُنْتُن" بضم التاء إتباعا لضمة الميم.
ومن قال نِعْمَ -بكسر النون وسكون العين- نقل كسرة العين من نَعِمَ -بفتح النون وكسر العين- إلى النون، وعليها أكثر القراء؛ فلما جاز فيها هذه الأربع اللغات دلّ على أن أصلها نَعِمَ على وزن فَعِلَ؛ لأن كل ما كان على وزن فَعِلَ من الاسم والفعل وعينهُ حرف من حروف الحلق فإنه يجوز فيه أربع لغات، فالاسم نحو: فَخِذ وفِخِذ وفَخْذ وفِخْذ، والفعل نحو: قد شَهِدَ وشِهِدَ وشَهْدَ وشِهْدَ، على ما بيَّنَّا في نعم، وإذا ثبت أن الأصل في نِعْمَ نَعِمَ كانت الياء في "نَعِيم الرجل" إشباعًا؛ فلا يكون فيه دليل على الاسمية؛ فدلّ على أنهما فعلان لا اسمان، والله أعلم.