زيادة ثلاث مسائل في بعض النسخ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو البركات الأنباري
- الكتاب
- الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين
- المؤلف
- عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (المتوفى: 577هـ)
- الناشر
- المكتبة العصرية
- الطبعة
- الأولى 1424هـ- 2003م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
...
وُجِدَ في بعض النسخ زيادة ثلاث مسائِلَ ونحن نذكرها ههنا:
119- مسألة: [علام ينتصب خبر "كان" وثاني مفعولي "ظننت"؟] 1
ذهب الكوفيون إلى أن خبر "كان" والمفعول الثاني لـ "ظننت" نصب على الحال.
وذهب البصريون إلى أن نصبهما نصب المفعول، لا على الحال.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أن خبر "كان" نصب على الحال أن "كان" فعل غير واقع أي غير متعد والدليل على أنه غير واقع أن فعل الاثنين إذا كان واقعا فإنه يقع على الواحد والجمع نحو: ضَرَبَا رجلا، وضَرَبَا رجالا، ولا يجوز ذلك في "كان"، ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: كانا قائما، وكانا قياما، ويدل على ذلك أيضا أنك تَكْنِي عن الفعل الواقع نحو "ضَرَبْتُ زيدًا" فتقول: فَعَلْتُ بزيد، ولا تقول في كنت أخاك: فعلت بأخيك، وإذا لم يكن متعديا وجب أن يكون منصوبا نصب الحال، لا نصب المفعول؛ فإنا ما وجدنا فعلا ينصب مفعولا هو الفاعل في المعنى، إلا الحال، فكان حمله عليه أولى، ولأنه يحسن أن يقال فيه "كان زيد في حالة كذا" وكذلك يحسن أيضا في ظننت زيدا قائما "ظننت زيدا في حالة كذا" فدل على أنه نصب على الحال.
قالوا: ولا يجوز أن يقال "إنه لو كان نصبًا على الحال لما جاز أن يقع معرفة في نحو: كان زيد أخاك، وظننت عمرا غلامك، والحال لا تكون معرفة" لأنا نقول: إنما جاز ذلك لأن "أخاك، وغلامك" وما أشبه ذلك قام مقام الحال كقولك: ضربت زيدا سَوْطًا، فإن "سوطا" ينتصب على المصدر وإن كان آلة لقيامه مقام المصدر الذي هو ضرب2،
وكذلك ههنا.
علي أنه قد جاءت الحال معرفة في قولهم:
1
[فـ] أَرْسَلَهَا العِرَاكَ [وَلَمْ يَذُدْهَا ... وَلَمْ يُشْفَقْ عَلَى نَغَصِ الدَّخَالِ]
وطلبته جَهْدَك، وطَاقَتَك، ورجع عَوْده على بدئه، إلى غير ذلك فدل على صحة ما ذهبنا إليه.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنَّ نَصْبَهما نَصْبُ المفعول لا على الحال لأنهما يقعان1 ضميرا في نحو قولهم: "كُنَّاهُم، وإذا لم نكنهم فمن ذَا يَكُونُهُمُ؟ " قال الشاعر:
2
دَعِ الْخَمْرَ يَشْرَبُهَا الْغُوَاةُ فإِنَّنِي ... رَأَيْتُ أَخَاهَا مُغْنِيًا بِمَكَانِهَا
فإِنْ لَا يَكُنْهَا أَوْ تَكُنْهُ فَإِنَّهُ ... أَخُوهَا غَذَتْهُ أُمُّهُ بِلِبَانِهَا
أراد بقوله: "أخاها" الزبيب، وجعله أخا الخمر لأنهما من شجرة واحدة.
وقال الآخر:
1
تنفك تسمع ما حييت ... بهالك حتى تكونه أمر التجارة، فقال أبو الأسود فيه هذين البيتين، وقوله "فإلا يكنها" أي فإلا يكن أخو الخمر هو الخمر، وقوله "أو تكنه" أي أو تكن الخمر هي أخاها، فاسم "يكن" الأولى ضمير مستتر يعود على الأخ، والضمير البارز المتصل هو خبر يكن، وهو عائد إلى الخمر، واسم "تكن" الثانية ضمير مستتر عائد إلى الخمر، والضمير البارز المنصوب العائد إلى الأخ هو خبرها، ومحل الاستشهاد من هذا الشاهد ههنا قوله "يكنها أو تكنه" حيث جاء بخبر تكن ضميرا متصلا، وأصل القياس أن يكون خبرها ضميرا منفصلا، كما في قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي، وهو من شواهد الرضي وابن يعيش: لئن كان إياه لقد حال بعدنا ... عن العهد والإنسان قد يتغير وكما في قول العرجي في خبر ليس، وهو من شواهد سيبويه: ليت هذا الليل شهر ... لا نرى فيه عريبا ليس إياي وإيا ... ك ولا نخشى رقيبا ولو أن أبا الأسود قد جاء بالكلام على ما يقتضيه القياس لقال: فإلا يكن إيّاها أو تكن إياه فإنه أخوها، قال سيبويه "وتقول: كناهم، كما تقول: ضربناهم، وتقول: إذا لم نكنهم فمن ذا يكونهم؟ كما تقول: إذا لم نضربهم فمن ذا يضربهم؟ قال أبو الأسود الدؤلي: فإن لا يكنها أو تكنه فإنه أخوها ... البيت.
ا. هـ كلامه.
وقال الأعلم "أراد سيبويه كان لتصرفها تجري مجرى الأفعال الحقيقية في عملها، فيتصل بها ضمير خبرها اتصال ضمير المفعول بالفعل الحقيقي في نحو ضربته وضربني وما أشبهه" ا. هـ. ومن مجيء خبر ليس ضميرا متصلا قول رؤبة بن العجاج، وهو أيضا من شواهد الرضي وابن يعيش: عهدي بقومي كعديد الطيس ... إذ ذهب القوم الكرام ليسي وليس كما تعلم فعل ليس متصرفا، بل هو فعل جامد، ومن النحاة من يذهب إلى أنه حرف.
وكذلك قالوا أيضا "ظَنَنْتُهُ إياه"1 والضمائر لا تقع أحوالا بحال؛ فعدِمَ شروط الحال فيهما؛ فوجب أن ينتصبا نصب المفعول، لا على الحال.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم: "إن الفعل إذا كان واقعا فإن فعل الاثنين يقع منه على الواحد والجمع، نحو: ضربا رجلا، وضربا رجالا ولا يجوز ذلك في كان؛ فإنه لا يقال كانا قائما وكانا قياما" فنقول: إنما لم يجز في "كان" كما جاز في ضرب؛ لأن المفعول في "كان" هو الفاعل في المعنى، ولا يكون الاثنان واحدا ولا جماعة، وإنما كان المفعول في "كان" هو الفاعل في المعنى؛ لأنها تدخل على المبتدأ والخبر فيصير المبتدأ [بمنزلة الفاعل، والخبر] 2 بمنزلة المفعول، وكما يجب أن يكون الخبر هو المبتدأ في المعنى نحو "زيد مواضع، أولها في قوله "تكونه" حيث جاء بخبر كان ضميرا متصلا وهو الذي من أجله جاء المؤلف بهذا البيت هنا، وقد بينا ذلك في شرح الشاهد السابق والثاني في قوله "تنفكّ" ولهم في هذه الكلمة شاهدان: أحدهما أن الشاعر قد استعمل الفعل المضارع من انفك، ولما لم يحفظ النحاة من هذا الفعل غير الماضي والمضارع حكموا بأنه فعل متصرف تصرفا ناقصا، ومن مجيء المضارع قول الشاعر:
ليس ينفك ذا غنى واعتزاز ... كل ذي عفة مقل قنوع
وقول ذي الرمة:
قلائص لا تنفك إلا مناخة ... على الخسف أو نرمي بها بلدا قفرا
والشاهد الثاني من هذه الكلمة أنها جاءت في هذا البيت غير مسبوقة بالنفي أو ما يضاهيه، وذلك شاذ، والقياس ذكر نفي أو نهي قبل زال وبرح وفتئ وانفك.
ومثل هذا البيت في الإتيان بواحد من هذه الأفعال من غير أن يسبقه نفي أو نهي قول خداش بن زهير:
وأبرح ما أدام الله قومي ... بحمد الله منتطقا مجيدا
وهم يغتفرون أن يسقط الشاعر حرف النفي إذا كان الفعل مسبوقا بالقسم كقول امرئ القيس:
فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
وقول عبيد الله بن قيس الرقيات "د 189":
والله أبرح في مقدمة ... أهدي الجيوش على شكيته
حتى أفجعهم بإخوتهم ... وأسوق نسوتهم بنسويته
وقول الآخر:
لعمر أبي دهماء زالت عزيزة ... على قومها ما فتل الزند قادح 1 ومن ذلك قول الشاعر:
أخي حسبتك إياه وقد ملئت ... أرجاء صدرك بالأضغان والإحن
2 زيادة لا يتم الكلام إلا بها.
قائم"؛ فكذلك يجب أن يكون المفعول في معنى الفاعل؛ فلهذا امتنع في "كان" ما جاز في "ضرب" لا لما ادعيتم، على أنا لا نقول إن كان بمنزلة ضرب، فإن ضرب فعل حقيقي يدل على حدث وزمان، والمرفوع [به] فاعل حقيقي، والمنصوب به مفعول حقيقي، وأما "كان" فليس فعلا حقيقيا؛ بل يدل على الزمان المجرد عن الحدث، ولهذا يسمى فعلَ العبارةِ، فالمرفوع به مشبه بالفاعل والمنصوب به مشبه بالمفعول؛ فلهذا سمي المرفوع اسما، والمنصوب خبرا، ولهذا المعنى من الفرق لما كان ضرب فعلا حقيقيا جاز إذا كني عنه -نحو "ضربت زيدا"- أن يقال: فعلت بزيد، ولما كانت "كان" فعلا غير حقيقي، بل في فعليتها خلاف؛ لم يجز إذا كني عنها نحو "كنت أخاك" أن يقال: فعلت بأخيك.
وأما قولهم: "إنه يحسن أن يقال: كان زيد في حالة كذا، وكذلك يحسن أيضا في ظننت زيدا قائما: ظننت زيدا في حالة كذا؛ فدل على أن نصبهما نصب الحال" قلنا: هذا إنما يدل على الحال مع وجود شروط الحال بأسرها، ولم يوجد ذلك؛ لأنه من شروط الحال أن تأتي بعد تمام الكلام، ولم يوجد ذلك في "كان" الناقصة التي وقع فيها الخلاف دون التامة التي بمعنى وَقَعَ، ولم يوجد أيضا في المفعول الثاني لظننت التي بمعنى الظن أو العلم التي وقع فيها الخلاف، لا التي بمعنى التهمة، وكذلك من شروطها ألا تكون إلا نكرة، وكثيرا ما يقع خبر كان والمفعول الثاني لظننت معرفة، ولو كانا حالا لما جاز أن يقعا إلا نكرة؛ فلما جاز أن يقعا معرفة دل على أنهما ليسا بحال.
قولهم: "إنما جاز ذلك لأن المعرفة أقيمت مقام الحال، كما أقيمت الآلة مقام المصدر في قولهم: ضربت زيدا سوطا" قلنا: الفرق بينهما ظاهر، وذلك أنه إنما حسن أن ينصب "سوطا" على المصدر؛ لأنه نكرة قام مقام نكرة، فأفاد فائدته، فحسن أن ينصب بما نصب به لقيامه مقامه، وأما ههنا فلا يحسن أن يقوم المعرفة مقام الحال؛ لأن الحال لا تكون إلا نكرة، وهو معرفة؛ فلا يفيد أحدهما ما يفيده الآخر؛ فلا يجوز أن يقام مقامه؛ فلا يجوز أن ينصب بما نصب به.
وأما قولهم: "إن الحال قد جاء معرفة في قولهم: أرسلها العراك، وطلبته جهدك، ورجع عوده على بدئه" قلنا: هذه الألفاظ مع شذوذها وقلتها ليست أحوالا، وإنما هي مصادر دلت على أفعال في موضع الحال، فإذا قلت "أرسلها العراك" فالتقدير فيه: أرسلها تعترك العراك، على معنى تعترك الاعتراك، فأقاموا "العراك" مقام الاعتراك، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أنْبَتَكُمْ مِنَ الأرْضِ نَبَاتا﴾ [نوح: 17] ثم حذفوا "تعترك" وهو جملة في موضع الحال، وأقاموا المصدر دليلا
عليه، كما تقول: "إنما أنت سَيْرًا" أي تسير سيرا، وكذلك قولهم "طلبته جَهْدَك"، وطاقَتَك" كأنهم قالوا: طلبته تجتهد اجتهادك، ثم حذفوا "تجتهد" وهو جملة في موضع الحال، وأقاموا المصدر دليلا عليه، وهكذا التقدير في قولهم "رَجَعَ عودَه على بدئه"، وقد ذهب بعض النحويين إلى أن "عودة" منصوب برجع نصب المفعول لا نصب المصدر؛ لأن "رجع" يكون متعديا كما يكون لازما، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: 83] فعدى رجع [إلى] الكاف؛ فدل على أنه يكون متعديا، والأكثرون على الأول، وإنما أقاموا هذه المصادر مُقَامَ الأفعال في هذه المواضع؛ لأن في ألفاظ المصادر دلالة على الأفعال، على أن هذه الألفاظ شاذة لا يقاس عليها؛ فكذلك كل ما جاء من المصادر والأسماء بالألف واللام في موضع الحال؛ فإنه شاذ نادر لا يقاس عليه، والله أعلم.
120- مسألة [القول في تقديم التمييز إذا كان العامل فعلا متصرفا] 1
اختلف الكوفيون في جواز تقديم التمييز إذا كان العامل فيه فعلا متصفا نحو "تصبب زيد عرقا، وتفقأ الكبش شحما": فذهب بضعهم إلى جوازه ووافقهم على ذلك أبو عثمان المازني وأبو العباس المبرد من البصريين.
وذهب أكثر البصريين إلى أنه لا يجوز.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على جواز التقديم النقلُ والقياسُ.
أما النقل فقد جاء ذلك في كلامهم، قال الشاعر:
1
أَتَهْجُرُ سَلْمَى بِالْفِرَاقِ حَبِيبَهَا ... وَمَا كَانَ نَفْسًا بِالْفِرَاقِ تَطِيبُ؟!
وَجْهُ الدليل أنه نصب "نفسا" على التمييز، وقدمه على العامل فيه وهو "تطيب" لأن التقدير فيه: وما كان الشأنُ والحديثُ تطيب سلمى نفسا؛ فدل على جوازه.
وأما القياس فلأن هذا العامل فعل متصرف؛ فجاز تقديم معموله عليه كسائر الأفعال المتصرفة، ألا ترى أن الفعل لما كان متصرفا -نحو قولك: "ضرب زيد عمرا"- جاز تقدم معموله عليه نحو "عمرا ضرب زيد" ولهذا ذهبتم إلى أنه يجوز تقديم الحال على العامل فيها إذا كان فعلا متصرفا نحو "راكبا جاء زيد".
قالوا: ولا يجوز أن يقال: "تقديم الحال على العامل فيها لا يجوز عندكم ولا تقولون به، فكيف يجوز لكم الاستدلال بما لا يجوز عندكم ولا تقولون به؟ " لأنا نقول: كان القياس يقتضي أن يجوز تقديم الحال على العامل فيها إذا كان فعلا متصرفا، إلا أنه لم يجز لدليل دل عليه، وذلك لما يؤدي إليه من تقديم المضمر على المظهر على ما بينا في مسألة الحال، فبقينا فيما عداه على الأصل، وجاز لنا فنقابله برواية الزجاجي وإسماعيل بن نصر وأبي إسحاق:
وما كان نفسي بالفراق تطيب
فرواية برواية، والقياس من بعد حاكم، وذلك أن المميز هو الفاعل في المعنى، ألا ترى أن أصل الكلام: تصبب عرقي، وتفقأ شحمي، ثم نقل الفعل فصار في اللفظ لي، فخرج الفاعل في الأصل مميزا، فكما لا يجوز تقديم الفاعل على الفعل فكذلك لا يجوز تقديم المميز إذا كان هو الفاعل في المعنى على الفعل" ا. هـ كلامه.
ومما جاء فيه تقديم التمييز -سوى هذا البيت الذي وجدوا فيه رواية أخرى يتمسكون بها- قول ربيعة بن مقروم الضبي:
رددت بمثل السيد نهد مقلص ... كميش إذا عطفاه ماء تحلبا
وقول الآخر:
إذا المرء عينا قر بالعيش مثريا ... ولم يعن بالإحسان كان مذمما
وقول الآخر:
ضيعت حزمي في إبعادي الأملا ... وما ارعويت وشيبا رأسي اشتعلا
وقد اقتنع بهذه الشواهد أبو عثمان المازني وأبو العباس المبرّد والكسائي وأبو عمر الجرمي فذهبوا إلى جواز تقديم التمييز على عامله إذا كان هذا العامل فعلا متصرفا.
والله سبحانه وتعالى أعلى وأعلم، وأعز وأكرم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
اللهم إني أحمدك أحب الحمد إليك، وأطيب الحمد عندك، وأشكرك شكرا يوالي نعمك ويكافئ مزيدك، وأبتهل إليك أن تتقبل عملي، وتجعله لديك في سجل الحسنات، إنك سميع قريب مجيب الدعاء، يا رب العالمين، آمين.
أن نستدل به عليكم وإن كنا لا نقول به، لأنكم تقولون به؛ فصلح أن يكون إلزاما عليكم.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز تقديمه على العام فيه، وذلك لأنه هو الفاعل في المعنى، ألا ترى أنك إذا قلت "تصبب زيد عرقا، وتفقأ الكبش شحما" أن المتصبب هو العرق والمتفقئ هو الشحم، وكذلك لو قلت "حسن زيد غلاما، ودابة" لم يكن له حظ في الفعل من جهة المعنى، بل الفاعل في المعنى هو الغلام والدابة؛ فلما كان هو الفاعل في المعنى لم يجز تقديمه كما لو كان فاعلا لفظا.
قالوا: ولا يلزم على كلامنا الحال حيث يجوز تقديمها على العامل فيها نحو "راكبا جاء زيدا" فإن راكبا فاعل في المعنى ومع هذا يجوز تقديمه؛ لأنا نقول: الفرق بينهما ظاهر، وذلك لأنك إذا قلت "جاء زيد راكبا" فزيد هو الفاعل لفظا ومعنى، وإذا استوفى الفعل فاعله من جهة اللفظ والمعنى صار "راكبا" بمنزلة المفعول المختص باستيفاء الفعل فاعله من كل وجه؛ فجاز تقديمه كالمفعول نحو "عمرا ضرب زيد" بخلاف التمييز؛ فإنك إذا قلت "تصبب زيد عرقا، وتفقأ الكبش شحما، وحسن زيد غلاما" لم يكن زيد هو الفاعل في المعنى، بل الفاعل في المعنى هو العرق والشحم [والغلام] ، فلم يكن عرقا وشحما وغلاما بمنزلة المفعول من هذا الوجه؛ لأن [353] الفعل استوفى فاعله لفظا لا معنى، فلم يجز تقديمه كما جاز تقديم الفاعل1، وكذلك قولهم: "امتلأ الإناء ماء" فإنه وإن لم يكن مثل "تصبب زيد عرقا" لأنه لا يمكن أن تقول "امتلأ ماء الإناء" كما يمكن أن تقول "تصبب عرق زيد" إلا أنه لما كان يملأ الإناء كان فاعلا على الحقيقة.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما ما استدلوا به من قول الشاعر:
[503]
أَتَهْجُرُ سَلْمَى بِالْفِرَاقِ حَبِيبَهَا ... وَمَا كَانَ نَفْسًا بِالْفِرَاقِ تَطِيبُ
فإن الرواية الصحيحة:
[502]
وما كان نفسي بالفراق تطيب
وذلك لا حجة فيه، ولئن سلمنا صحة ما رويتموه فنقول: نصب "نفسا" بفعل مقدر، كأنه قال أعني نفسا، لا على التمييز، ولو قدرنا ما ذكرتموه فإنما جاء في الشعر قليلا على طريق الشذوذ؛ فلا يكون فيه حجة.
وأما قولهم: "إنه فعل متصرف فجاز تقديم معموله عليه كسائر الأفعال
المتصرفة إلى آخر ما قرروه" قلنا: الفرق بينهما ظاهر، وذلك لأن المنصوب في "ضَرَبَ زيد عمرا" منصوب لفظا ومعنى، وأما المنصوب في نحو "تصبب زيد عرقا" فإنه وإن لم يكن فاعلا لفظا فإنه فاعل معنى، فبان الفرق بينهما.
وأما احتجاجهم بتقديم الحال على العامل فيها فلا حجة لهم فيه؛ لأنهم لا يقولون به، ولا يعتقدون صحته، فكيف يجوز أن يستدلوا على الخصم بما لا يعتقدون صحته؟ قولهم: "كان القياس يقتضي أن يجوز تقديم الحال على العامل فيها، إلا أنه لم يجز عندنا لدليل دل عليه، وهو ما يؤدي إليه من تقديم المضمر على المظهر" قلنا: وكذلك نقول ههنا: كان القياس يقتضي أنه يجوز تقديم التمييز على العامل فيه، إلا أنه لم يجز عندنا لدليل دل عليه، وهو أن التمييز في المعنى هو الفاعل، والفاعل لا يجوز تقديمه على الفعل على ما بَيَّنَّا، وإذا جاز لكم أن تتركوا جواز التقديم هناك لدليل جاز لنا أن نتركه ههنا لدليل، على أنَّا قد بَيَّنَّا فساد ما ذهبتم إليه وصحة ما ذهبنا إليه، والله أعلم.
121- مسألة: [القول في "رُبَّ" اسم هو أو حرف؟] 1
ذهب الكوفيون إلى أن "رب" اسم.
وذهب البصريون إلى أنه حرف جر.
أما الكوفيون فإنهم احتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه اسم حملا على "كم" لأن "كم" للعدد والتكثير، و"رب" للعدد والتقليل، فكما أن كم اسم فكذلك رب.
والذي يدل على أن رب ليست بحرف جر أنها تخالف حروف الجر، وذلك في أربعة أشياء؛ أحدها: أنها لا تقع إلا في صدر الكلام، وحروف الجر لا تقع في صدر الكلام، وإنما تقع متوسطة؛ لأنها إنما دخلت رابطة بين الأسماء والأفعال.
والثاني: أنها لا تعمل إلا في نكرة وحروف الجر تعمل في النكرة والمعرفة.
والثالث: أنها لا تعمل إلا في نكرة موصوفة، وحروف الجر تعمل في نكرة موصوفة وغير موصوفة، والرابع: أنه لا يجوز عندكم إظهار الفعل الذي تتعلق به.
وكونه على خلاف الحروف في هذه الأشياء دليل على أنه ليس بحرف.
والذي يدل دلالة ظاهرة على أنه ليس بحرف أنه يدخله الحذف فيقال في رب "رب" قال الله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: 2] قرئ بالتخفيف كما قرئ بالتشديد، وفيها أربع لغات: ُربَّ ورُبَ ورَبَّ ورَبَ -بضم الراء وتشديد الباء وتخفيفها، وفتح الراء وتشديد الباء وتخفيفها- فدل على أنها ليست بحرف.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنها حرف أنها لا يحسن فيها علامات الأسماء ولا علامات الأفعال، وأنها قد جاءت لمعنى في غيرها كالحرف، وهو تقليل ما دخلت عليه نحو "رب رجل يفهم" أي ذلك قليل.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم: "إنما قلنا إنها اسم حملا
على كم؛ لأن كم للعدد والتكثير، ورب للعدد والتقليل "قلنا: لا نسلم أنها للعدد، وإنما هي للتقليل فقط، على أن "كم" إنما حكم بأنها اسم لأنه يحسن فيها علامات الأسماء، نحو حروف الجر، نحو: بكم رجل مررت، وما أشبه ذلك.
وجواز الإخبار عنه، نحو: كم رجلا لحاك، وهذا غير موجود في "رب" فدل على الفرق بينهما.
وأما قولهم: "إنها تخالف حروف الجر في أربعة أشياء: أحدها أنها لا تقع إلا في صدر الكلام: قلنا: إنما لا تقع إلا في صدر الكلام لأن معناها التقليل، وتقليل الشيء يقارب نفيه، فأشبهت حرف النفي، وحرف النفي له صدر الكلام.
وقولهم في الثاني "إنها لا تعمل إلا في نكرة" قلنا: لأنها لما كان معناها التقليل والنكرة تدل على الكثرة وجب ألا تدخل إلا على النكرة التي تدل على الكثرة؛ ليصح فيها معنى التقليل.
وقولهم في الثالث: "إنها لا تعمل إلا في نكرة موصوفة" قلنا: لأنهم جعلوا ذلك عوضًاعن حذف الفعل الذي تتعلق به، وقد يظهر ذلك الفعل في ضرورة الشعر.
وقولهم في الرابع: "إنه لا يجوز إظهار الفعل الذي تعلق به "قلنا: فعلوا ذلك إيجازا واختصارا، ألا ترى أنك إذا قلت: رب رجل يعلم" كان التقدير فيه: رب رجل يعلم أدركت، أو لقيت؛ فحذف لدلالة الحال عليه، كما حذفت في قوله تعالى: ﴿وَأدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ [النمل: 12] إلى قوله تعالى: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ [النمل: 12] ولم يذكر مرسلا؛ لدلالة الحال عليه.
والحذف على سبيل الوجوب والجواز لدلالة الحال عليه، والحذف على سبيل الوجوب والجواز لدلالة الحال كثير في كلامهم.
وأما قولهم: "إنه يدخله الحذف، والحذف لا يدخل الحرف" قلنا: لا نسلم؛ فإنه قد جاء الحذف في الحرف؛ فإن "أن" المشددة يجوز تخفيفها، وهي حرف، وكذلك حكى أبو العباس أحمد بن يحيى من أصحابكم في "سوف" [سف أفعل، و1 سو أفعل] فحذفتم الواو والفاء، وإذا جاز عندكم حذف حرفين فكيف يجوز أن تمنعوا جواز حذف حرف واحد؟ والله أعلم.
يقول المعتز بالله تعالى وحده، أبو رجاء محمد محيي الدين بن عبد المجيد: الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى.
وبعد؛ فقد أتممت بحمد الله تعالى ومعونته مراجعة كتاب "الإنصاف، في مسائل الخلاف، بين النحويين الكوفيين والبصريين" الذي صَنَّفَه الإمام كمال الدين أبو البركات عبد الرحمن بن محمد بن أبي سعيد الأنباري، النحوي، المولود في عام 513، والمتوفى في عام 577 من الهجرة، وهو كتاب فريد في بابه، لم ينشر للناطقين بالضاد كتاب آخر في موضوعه، وإن يكن لأسلافنا رضي الله عنهم في هذا الموضوع عدة مصنفات كلها حَريٌّ بالإخراج والذيوع.
وقد يسر الله تعالى لي -بعد أكثر من خمسة عشر عاما من إخراجه لأول مرة، وبعد أن نشر الكتاب ثلاث مرات- أن أنجز بعض ما وعدت به قراء العربية أن أخرج لهم مع هذا الكتاب شرحا يبين غوامضه، ويجلي فرائده، ويَتَرَصَّد مسالكه ومَسَاربه، ويكون فَيْصَلًا على أحكامه: يقر صحيحها، وينقض ما جانب فيه الجادة، وقد تضخم بذلك حجم الكتاب فصار ضعف الأصل أو يزيد، وإن كان في الأجل بقية وفي القوس مَنْزَع عدت إليه فأضفت ونقحت وهذبت، والله سبحانه المسئول أن يتولانا بفضله، وينفحنا بتأييده وتوفيقه.