مسألة: [هل تأتي "أو" بمعنى الواو، وبمعنى "بل"؟]
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو البركات الأنباري
- الكتاب
- الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين
- المؤلف
- عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (المتوفى: 577هـ)
- الناشر
- المكتبة العصرية
- الطبعة
- الأولى 1424هـ- 2003م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
1
ذهب الكوفيون إلى أن "أو" تكون بمعنى الواو، وبمعنى بل.
وذهب البصريون إلى أنها لا تكون بمعنى الواو، ولا بمعني بل.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأنه قد جاء ذلك كثيرًا في كتاب الله تعالى وكلام العرب، قال الله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُون﴾ [الصافات: 147] فقيل في التفسير: إنها بمعنى بل، أي: بل يزيدون، وقيل: إنها بمعنى الواو، أي: ويزيدون، ثم قال الشاعر:
1
بَدَتْ مثل قَرْنِ الشمس في رَوْنَقِ الضُّحَى ... وصُورَتِهَا أو أَنْتِ في العَيْنِ أَمْلَحُ
أراد "بل وقال تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ [الإنسان: 24] أي: وكفورًا، ثم قال النابغة:
1
قالت: ألا لَيْتَمَا هذَا الحَمَامُ لَنَا ... إِلَى حَمَامَتِنَا، أو نِصْفُهُ فَقَدِ = مطلقًا، احتجاجًا بقول جرير: ماذا ترى في عيال قد برمت بهم ... لم أحص عدتهم إلا بعداد كانوا ثمانين، أو زادوا ثمانية ... لولا رجاؤك قد قتلت أولادي وقراءة أبي السمال "أَوْ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ" بسكون واو أو" ا. هـ كلامه وقال البغدادي في شرح شواهده: "على أن أو فيه بمعنى بل للإضراب الانتقالي، وقيل: للشك، كأن كثرتهم أوجبت الشك في عدتهم، ومن ثم احتجاج في عدتهم إلى عداد، وقال الكوفيون: أو هنا بمعنى الواو" ا. هـ كلامه.
والحاصل أن الكوفيين يخرجون هذا البيت بأحد تخريجين: الأول: أن أو بمعنى واو العطف التي لمطلق الجمع، والمعنى عليه: كانوا ثمانين وزادوا ثمانية، والثاني: أن أو بمعنى بل للإضراب الانتقالي، والمعنى عليه: كانوا ثمانين بل زادوا على الثمانين ثمانية، وقد ذكر هذا شراح الألفية منهم ابن عقيل "1/ 181" والأشموني "برقم 847" والبصريون يخرجونه على أن أو فيه للشك، وسيذكر المؤلف هذا التخريج قريبا.
أي: ونِصْفُه، والشواهد على هذا النحو من كتاب الله تعالى وكلام العرب أكثرُ من أن تُحْصَى.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الأصل في "أو" أن تكون لأحد الشيئين على الإبهام، بخلاف الواو وبل؛ لأن الواو معناها الجمع بين الشيئين، وبل معناها الإضراب، وكلاهما مخالف لمعنى أو، والأصل في كل حرف أن لا يدل إلا على ما وُضِعَ له، ولا يدل على معنى حرف آخر؛ فنحن تمسكنا بالأصل، ومن تمسك بالأصل استغنى عن إقامة الدليل، ومن عدل عن الأصل بقي مُرْتَهَنًا بإقامة الدليل، ولا دليل لهم يدل على صحة ما ادعوه.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: 174] فلا حجة لهم فيه، وذلك من وجهين؛ أحدهما: أن يكون للتخيير، والمعنى أنهم إذا رآهم الرائي تخير في أن يقدرهم مائة ألف، أو يزيدون على ذلك، والوجه الثاني: أن يكون بمعنى الشك، والمعنى أن الرائي إذا رآهم شك في عِدَّتِهِم لكثرتهم، أي: أن حالهم حال من يُشَك في عدتهم لكثرتهم؛ فالشك يرجع إلى الرائي، لا إلى الحق تعالى: كما قال تعالى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: 175] بصيغة التعجب، والتعجب يرجع إلى المخاطبين، لا إلى الله تعالى، أي: حالهم حال من يُتَعَجب منه؛ لأن حقيقة التعجب في حق الحق لا تتحقق؛ لأن التعجب إنما يكون بحدوث علم بعد أن لم يكن، ولهذا قيل في معناه: التعجب ما ظهر حكمه وخفي سببه، والحق تعالى عالم بما كان، وبما يكون، وبما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون، وكما أن التعجب يرجع إلى الخلق لا إلى الحق، فكذلك ههنا.
= النحاة، فإن الذي تعودوا أن يقولوه: إن المحذوف هو الحرف العاطف والمعطوف به، كما في الآية الكريمة التي تلاها ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾ التقدير: فضرب فانفجرت، فالمحذوف الذي قدره هو فاء العطف والفعل الذي تعطفه هذه الفاء على ما قبله، فأما ما قدره في البيت فهو معطوف على اسم مذكور بحرف مذكور وعاطف آخر لاسم مذكور على المعطوف المحذوف، وهذا شيء عجيب أوقعه فيه التعصب للبصريين ولو سلمنا أن ذلك جائز لما صلح أيضا؛ لأن مراد النابغة أن يصف هذه الفتاة بدقة النظر وسرعة الحساب فكيف يتفق ذلك مع شكلها فيما تتمناه هذا ما ظهر لي.
والنحاة يستشهدون بهذا البيت أيضا على أن ليت إذا اتصلت بها ما الزائدة لم تخرجها عما استقر لها من الاختصاص بالجمل الاسمية، وأن الأكثر فيها مع الاتصال بما إعمالها في الاسم والخبر، وهم يروون قوله "ألا ليتما هذا الحمام" بنصب الحمام على الإعمال، وبرفعه على الإهمال.
وأما احتجاجهم بقول الشاعر: [301] .... أو أنتِ في العين أَمْلَحُ فالرواية فيه "أم أنت في العين أملح" ولئن سلمنا أن الرواية "أو" فلا حجة لهم فيه أيضا؛ لأن "أو" فيه للشك، وليست بمعنى بل؛ لأن مذهب الشعراء أن يخرجوا الكلام مُخْرَج الشك وإن لم يكن هناك شك؛ ليدلوا بذلك على قوة الشبه، ويسمى في صنعة الشعر "تجاهل العارف" كقول الشاعر: 1 فَيَا ظَبْيَةَ الوَعْسَاءِ بين جُلَاجِل ... وبين النَّقَا آأَنْتِ أَمْ أُمُّ سَالِمِ؟ وكقول الآخر: 2 بالله يا ظَبَيَاتِ القَاعِ قُلْنَ لَنَا: ... ليلاي منكنّ أَمْ ليلى من البَشَرِ؟
وإن لم يكن هناك شك ولا شبهة، وإذا كانوا يخرجون الكلام مُخْرَجَ الشك وإن لم يكن هناك شك لم تخرج "أو" عن أصلها.
وأما قول الله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ [الإنسان: 24] فلا حجة لهم فيه؛ لأن "أو" فيها للإباحة، أي: قد أبحتُكَ كُلَّ وَاحِدٍ منهما كيف شئت، كما تقول في الأمر "جالس الحسن أو ابن سيرين" أي: قد أبحتك مجالسة كل واحد منهما كيف شئت، والمنع بمنزلة الإباحة، فكما أنه لا يمتنع من شيء أبحته له، فكذلك لا يُقْدِم على شيء نهيته عنه، وأما قول الآخر:
[302]
... أو نِصْفُهُ فَقَدِ
فنقول: الرواية "ونصفه فقد" بالواو؛ فلا يكون لكم فيه شاهد، ولو سلمنا أن الرواية على ما رويتموه فنقول: "أو" فيه باقية على أصلها، وهو أن يكون التقدير فيه: ليتما هذا الحمام أو هو ونصفه، فحذف المعطوف عليه وحرف العطف، كقوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ [البقرة: 60] أي: فضرب فانفجرت، وعلى هذا التقدير قول الشاعر:
1
ألا فَالبَثَا شَهْرَيْنِ أَوْ نِصْفَ ثَالِثِ
أي: شهرين أو شهرين ونصف ثالث، ألا ترى أنك لا تقول مبتدئا "لبثت نصف ثالث" وإذا وجب أن يكون المعطوف عليه محذوفًا كانت باقية على أصلها، فدلَّ على صحة ما ذهبنا إليه، والله أعلم.
= هذا النوع من الكلام تجاهل العارف، وهو نظير ما ذكرناه في البيت السابق، ونظير هذين البيتين قول أبي الطيب المتنبي: أتراها لكثرة العشاق ... تحسب الدمع خلقة في المآقي؟ وقول التهامي يشكو السهر: قصرت جفوني أم تباعد بينها ... أم مقلتي خلقت بلا أشفار؟ وقول مهيار الديلمي: سلا ظبية الوادي - وما الظبي مثلها ... وإن كان مصقول الترائب أكحلا - أأنت أمرت البدر أن يصدع الدجى ... وعلمت غصن البان أن يتميلا؟
68-