الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيينمسألة: [هل تدخل نون التوكيد الخفيفة على فعل الاثنين وفعل جماعة النسوة؟]

مسألة: [هل تدخل نون التوكيد الخفيفة على فعل الاثنين وفعل جماعة النسوة؟]

عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو البركات الأنباري
الكتاب
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين
المؤلف
عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (المتوفى: 577هـ)
الناشر
المكتبة العصرية
الطبعة
الأولى 1424هـ- 2003م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

1 ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز إدخال نون التوكيد الخفيفة على فعل الاثنين وجماعة النسوة، نحو "افْعَلَانْ وافْعَلْنَانْ" بالنون الخفيفة، وإليه ذهب يونس بن حبيب البصري.
وذهب البصريون إلى انه لا يجوز إدخالها في هذين الموضعين.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه يجوز ذلك لوجهين: أحدهما: أن هذه النون الخفيفة مخففة من الثقيلة، وأجمعنا على أن النون الثقيلة تدخل في هذين الموضعين؛ فكذلك النون الخفيفة.
والوجه الثاني: أن هذه النون إنما دخلت في القسم والأمر والنهي والاستفهام والشرط بإمَّا لتوكيد الفعل المستقل، فكما يجوز إدخالها للتوكيد على كل فعل مستقبل وقع في هذه المواضع فكذلك فيما وقع الخلاف فيه، قُصَارَى ما يُقَدَّر أن يقال: إنه يؤدي إلى اجتماع الساكنين الألف والنون، وقد جاء ذلك في كلام العرب؛ لأن الألف فيها فرط مد، والمد يقوم مقام الحركة، وقد قرأ نافع، وهو أحد أئمة القراء ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ﴾ [الأنعام: 162] بسكون الياء من ﴿وَمَحْيَايَ﴾ فجمع بين الساكنين وهما الألف والياء، فكذلك ههنا، وقد حكي عن بعض العرب أنه قال "التقت حلقتا البطان" بإثبات الألف مع لام التعريف، وقد حكي عن بعض العرب أيضًا أنه قال "له ثُلُثَا المالِ" بإثبات الألف، فجمع بينها وبين لام التعريف وهما ساكنان لما في الألف من إفراط المد، ولذلك أيضًا يجوز تخفيف الهمزة المتحركة إذا كان قبلها ألف نحو هَبَاءة، والهمزة المخففة ساكنة.
والذي يدل على صحة مذهبنا قراءة ابن عامر "ولا تتعبان" بنون

التوكيد الخفيفة، والمراد به موسى وهارون، فدل على ما قلناه.
قالوا: ولا يجوز أن يقال: "إنما يجتمع حرفان ساكنان في الوصل، إذا كان الثاني منهما مدغما في مثله، نحو "دابَّة، وتُمُودَّ، وأُصَيْمّ" لأنا نقول: إن هذا النحو قد يلحقه ما يوجب له الإدغام، نحو قولنك "اضربا نُّعْمَانَ، واضربانِّي" فالنون الأولى في قولك "اضربا نعمان" نون التوكيد الخفيفة، والنون الثانية نون "نعمان" وكذلك النون الأولى في "اضربانّي" نون التوكيد المخففة، والنون الثانية التي تصحب ضمير المتكلم1؛ فينبغي أن تجيزوا هذا الإدغام؛ لأن الألف تقع وبعدها نونٌ مشددة، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: 89] في قراءة من قرأ بالتشديد، فلما لم تجيزوا ذلك دلَّ على فساد ما ذهبتم إليه.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز دخول نون التوكيد الخفيفة في هذين الموضعين، وذلك لأن نون الاثنين التي للإعراب تسقط؛ لأن نون التوكيد إذا دخلت على الفعل المعرب أكدت فيه الفعلية فردَّته إلى أصله وهو البناء، فإذا سقطت النون بقيت الألف؛ فلو أدخل عليها نون التوكيد الخفيفة لم يَخْل: إما أن تحذف الألف أو تكسر النون، أو تُقَرَّ ساكنة، بطل أن تحذف الألف؛ لأنه بحذفها يلتبس فعل الاثنين بالواحد، وبطل أن تكسر النون؛ لأنه لا يعلم هل هي نون الإعراب أو نون التوكيد، وبطل أن تُقَرَّ ساكنة؛ لأنه يؤدي إلى أن يجمع بين ساكنين مظهرين في الإدراج، وذلك لا يجوز؛ لأنه إنما يكون ذلك في كلامهم إذا كان الثاني منهما مدغما، نحو "دابّة، وضالّة، وتمودّ الثوب، ومُدَيْقّ، وأصيمّ" وما أشبه ذلك؛ فبطل إدخال هذه النون في فعل الاثنين.
وكذلك أيضًا يبطل إدخالها في فعل جماعة النسوة، وذلك لأنك إذا ألحقته إياها لم يَخْلُ: إما أن تبين النونين مظهرتين، أو تدغم إحداهما في الأخرى، أو تلحق الألف فتقول: "يفعلنان" بطل أن تبين النونين مظهرتين؛ لأنه يؤدي إلى اجتماع المثلين، وذلك لا يجوز، وبطل أن تدغم إحداهما في الأخرى؛ لأن لام الفعل ساكنة، والمدغم كذلك؛ فيلتقي ساكنان، وساكنان لا يجتمعان؛ فيؤدي إلى تحريك اللام مع ضمير الفاعل من غير فائدة، وذلك لا يجوز، وكان أيضًا يؤدي إلى اللبس؛ لأنه لا يخلو: إما أن تحرك اللام بالفتح، أو الضم، أو الكسر؛ فإن حركتها بالفتح التبس بفعل الواحد إذا لحقته النون الشديدة، نحو "تضربنَّ يا رجل" وإن حركتها بالضم التبس بفعل الجمع، نحو "تضربُنَّ يا رجال" وإنّ حركتها

بالكسر التبس بفعل المرأة المخاطبة، نحو "تضربنَّ يا امرأة" فبطل تحريك اللام، وبطل أن تلحق الألف؛ لأنه لا يخلو: إما أن تكسر النون لالتقاء الساكنين، أو تترك ساكنة مع الألف، بطل أن تكسر لالتقاء الساكنين؛ لأنها تجري مجرى نون الإعراب، وذلك لا يجوز، وبطل أن تترك ساكنة مع الألف؛ لأنه يجتمع ساكنان على غير حَدِّه؛ لأنه لم ينقل ذلك عن أحد من العرب، ولا نظير له في كلامهم، وذلك لا يجوز؛ فإذا ثبت هذا فلسنا بمضطرين إلى إدخالها على صورة لم تنقل عن أحد من العرب وتخرج بها عن منهاج كلامهم.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم: "إن النون الخفيفة مخففة من الثقيلة" قلنا: لا نسلم، بل كل واحد منهما أصل في نفسه، غير مأخوذ من صاحبة؛ فالنون الشديدة والخفيفة، وإن اشتركا في التأكيد فهما متغايران في الحقيقة، وكلتاهما لتأكيد الفعل، وإخراجه عن الحال، وإخلاصه للاستقبال، والثقيلة آكد في هذا المعنى من الخفيفة.
والذي يدل على أن الخفيفة ليست مخففة من الثقيلة أن الخفيفة تتغير في الوقف، ويوقف عليها بالألف، قال الله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق: 15] وقال تعالى: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلِيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف: 32] أجمع القرَّاء على أن الوقف في هذين الموضعين ﴿لَنَسْفَعًا﴾ ، ﴿َلِيَكُونًا﴾ بالألف لا غير.
وقال الشاعر: 1 يَحْسِبُهُ الجاهل ما لم يعلما ... شيخًا على كرسيّه معمَّمًا

فقال "يَعْلَمَا" بالألف، ولا يجوز أن يكون ههنا بالنون؛ لمكان قوله "مُعَمَّمَا" بالألف، لأن النون لا تكون وصلا مع الألف في لغة من يجعلها وصلا، ولا رويًّا مع الميم إلا في الإكفاء، وهو عيب من عيوب الشعر، ولو جاز أن تقع رويّا معها لما جاز ههنا؛ لأن النون مقيدة، والميم مطلقة، فإن أتى بتنوين الإطلاق على لغة بعض العرب فقال "معمما" بالتنوين جاز أن يقول "يَعْلَمَنْ" بالنون؛ لأنهم يجعلون في القافية مكان الألف والواو والياء تنوينا، ولا فرق عنده في ذلك بين أن تكون هذه الأحرف أصلية أو منقلبة أو زائدة، في اسم أو فعل، كما قال الشاعر: 1 أَقِلِّي اللَّوْمَ عاذلَ والعتابَنْ ... وقولي: إنْ أَصَبْتُ لقد أَصَابَنْ = شيء يوضع في فم السّقاء ويصبّ اللبن فيه مخافة أن يقع على الأرض، والثمال -بضم الثاء- ههنا الرغو، ويحسبه: أي الوطب الذي علاه الثمال، وما في قوله "ما لم يعلما" مصدرية ظرفية: أي مدة عدم علمه، ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله "يعلما" والعلماء يستشهدون بهذه الكلمة لشيئين: أولهما أن نون التوكيد تنقلب ألفًا في الوقف، ألا ترى الراجز قد جاء بهذه الكلمة في آخر البيت بالألف لأن آخر البيت محل الوقف؟ والثاني أن الفعل المضارع المنفي بلم تدخل عليه نون التوكيد تشبيهًا للم بلا الناهية، وسيبويه يرى أن ذلك لا يكون إلا في الضرورة، قال الأعلم "الشاهد فيه دخول النون في قوله لم يعلمن، وليس المضارع بعد لم من مواضع نون التوكيد، ضرورة" ا. هـ بتوضيح يسير.

وكما قال الشاعر: 1 وقد كنت من سلمى سنين ثمانيًا ... على صِيرِ أمرٍ ما يُمِرُّ وما يَحْلُنْ وكما قال الشاعر: 2 قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدَّخُول فَحَوْمَلِ = لم ينون، لما لم يريدوا الترنم أبدلوا مكان المدة نونًا، ولفظوا بتمام البناء وما هو منه، كما فعل أهل الحجاز ذلك بحروف المد" ا. هـ الثالث: أنهم سموا هذا التنوين تنوين الترنم، مع أنه في الواقع تنوين المقصود منه ترك الترنم كما سمعت في عبارة سيبويه، وقد قال العلماء: إن هذه التسمية على تقدير مضاف، أي تنوين قطع الترنّم، أو ما أشبه ذلك.

بتنوين الرويّ، وإنما يفعلون ذلك إذا أرادوا ترك الترنم؛ لأن التنوين ليس فيه من الامتداد ما في الألف والواو والياء؛ فإثبات النون في "يعلمن" في القافية على هذه اللغة لا يدل على أنه لا يجب أن يوقف عليها بالألف في سائر الكلام، وقال الشاعر: 1 وإيَّاكَ والمَيْتَاتِ لا تَقْرَبَنَّهَا ... ولا تَعْبُدِ الشيطان، واللهَ فاعبدا = الحروف العاطفة من شرح الكافية، وشرحه البغدادي في الخزانة "4/ 397" وقف: فعل أمر من الوقوف، والألف المتصلة به تحتمل وجهين: الأول أن تكون ضمير المثنى المخاطب، والثاني أن تكون منقلبة عن نون التوكيد، والأصل "قفن" ثم أبدل النون ألفا للوقف، ثم عامل الكلمة في الوصل معاملتها في الوقف، ونبك: مضارع من البكاء مجزوم في جواب الأمر، والسقط -مثلث السين والقاف ساكنة- ما تساقط من الرمل، واللوى -بكسر أوله مقصورًا- المكان الذي يسترق فيه الرمل فيخرج منه إلى الجدد، والدخول وحومل: موضعان وكان الأصمعي يعيب امرأ القيس في قوله "بين الدخول فحومل" ويقول: كان ينبغي أن يجيء بواو العطف فيقول "بين الدخول وحومل" لأن كلمة بين لا تضاف إلا إلى متعدد، سواء أكان بلفظ واحد كأن يكون المضاف إليه مثنى أو مجموعًا نحو أن تقول: جلست بين الرجلين الكريمين، أو تقول: جلست بين العلماء، أم كان تعدده بالعطف وذلك لا يكون إلا بالواو، وقد اعتذر العلماء عن امرئ القيس بأن غرضه بين أماكن الدخول فأماكن حومل، فهو من باب التعدد بلفظ واحد.
ومحل الاستشهاد بهذا البيت ههنا قوله "ومنزلن" وقوله "فحوملن" حيث ألحق المنشد النون في الكلمتين، والقول فيهما كالقول في البيتين السابقين.

والشواهد على هذا النحو كثيرة جدا؛ فلو كانت هذه النون مخففة من الثقيلة لما كانت تتغير في الوقف، ألا ترى أن نون "إن" و"لكن" المخففتين من إنَّ ولكنَّ الثقيلتين؛ لما كانتا مخففتين من الثقيلتين لم تتغيرا في الوقف عما كانتا عليه في الوصل؛ فلما تغيرت النون الخفيفة في الوقف دلَّ على أنها ليست مخففة من الثقيلة، يدل عليه أن النون الخفيفة تحذف في الوقف إذا كان ما قبلها مضموما أو مكسورا، تقول في الوصل "هل تَضْرِبُنْ زيدا، وهل تَضْرِبِنْ عمرًا" فإن وقفت قلت "هل تضربون، وهل تضربِيِنْ" فتردُّ نون الرفع التي كنت حذفتها للبناء؛ لزوال ما كنت حذفت من أجله، ولو كانت مثل نون "إنْ، ولكنْ" المخففتين من الثقيلتين لما جاز أن تحذف، يدل عليه1 أنَّ النون الخفيفة إذا لقيها ساكن حذفت، تقول في "اضْرِبَنْ يا هذا" إذا وصلتها: اضْرِبَ القَوْمَ2، فتحذف النون ولا تحركها لالتقاء الساكنين، ولو كانت مخففة من الثقيلة مثل "إنْ، ولكنْ" لما كان يجوز أن تحذف؛ فدلَّ على أنها ليست مخففة من الثقيلة وأنها بمنزلة التنوين، وإنما وجب حذفها ههنا، بخلاف التنوين؛ لأن نون التوكيد تدخل على الفعل والتنوين يدخل على الاسم، والاسم أصل للفعل، والفعل فرع عليه؛ فجعل ما يدخل على الاسم الذي هو الأصل أقوى مما يدخل على الفعل الذي هو الفرع؛ فلهذا المعنى حذفت النون لالتقاء الساكنين ولم يحذف التنوين، على أنه قد قرأ بعض أئمة القراء: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] فحذفت التنوين من ﴿أَحَدٌ﴾ لالتقاء الساكنين، وقرأ أيضًا بعض القراء ﴿وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يّ-س: 40] فحذف التنوين من ﴿سَابِقُ﴾ لالتقاء الساكنين، لا للإضافة، ولهذا نصب ﴿النَّهَارِ﴾ ؛ لأنه = عليها أبدلها ألفًا، قال ابن يعيش بعد أن أنشد البيت "قال لا تقربنّها بالنون الشديدة في النهي، وقال والله فاعبدا، فأتى بالنون الخفيفة مع الأمر، ثم وقف فأبدل منها الألف" ا. هـ، ومثل هذا البيت قول الأعشى ميمون صاحب الشاهد الذي نحن بصدد شرحه: وصل على حين العشيات والضحى ... ولا تحمد المثرين، والله فاحمدا وقول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: وقمير بدا لخمس وعشريـ ... ـن له قالت الفتان: قوما والاستشهاد بهذا البيت في قوله "قوما" فإن هذه الألف لا يجوز أن تكون ألف الاثنين، لأن الحديث عن واحد، فوجب أن تكون منقلبة عن نون التوكيد الخفيفة للوقف.
1 في ر "يدل عليه وهو أن النون" وواضح أن كلمة "وهو" مقحمة، وقد نبهنا إلى مثل ذلك فيما مضى.
2 ونظيره قول الشاعر، وقد أنشدناه في شرح الشاهد رقم 373 الذي سبق قريبًا في المسألة 77، وهو: لا تهين الفقير علك أن ... تركع يوما والدهر قد رفعه

مفعول "سابق"، وقال الشاعر: 1 فَأَلْفَيْتُهُ غيرَ مُسْتَعْتِبٍ ... ولا ذاكر اللهَ إلا قليلًا

أراد "ذاكر الله" فحذف التنوين لالتقاء الساكنين، لا للإضافة، ولهذا نصب "الله" بذاكر، وقال الآخر: 1 تُذْهِلُ الشيخ عن بنيه، وتُبْدِي ... عن خِدَامِ العَقِيلَةُ العَذْرَاءُ أراد "عن خدام" فحذف التنوين لالتقاء الساكنين، لا للإضافة، ولهذا رفع "العقيلَةُ" لأنها فاعل "تُبْدِي".
وقال الآخر: 2 تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مُغْبَرٌّ قبيحُ

تغيَّرَ كلُّ ذي طَعْمٍ ولونٍ ... وقَلَّ بَشَاشَةَ الوجهُ المَلِيحُ أراد "قل بشاشة" بالتنوين؛ فحذف التنوين لالتقاء الساكنين، لا للإضافة، ولهذا رفع "الوجه" لأنه فاعل "قل" ويروى هذا الشعر لآدم عليه السلام، وقال الآخر: 1 حَيْدَةُ خالي ولَقِيطٌ وعلي ... وحاتم الطائيُّ وهَّابُ المِئِي يراد "حاتم" بالتنوين؛ فحذف التنوين لالتقاء الساكنين، وقال الآخر: 2 عمروُ الذي هَشَم الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ ... ورجالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجَافُ = الإقواء، وهو تغير حركة حرف الروي، ومنهم من يروي بنصب "بشاشة" من غير تنوين، ويرفع "الوجه" على أنه فاعل قل، ويرفع "المليح" على أنه صفة للفاعل، وعلى هذا يسلم البيتان من الإقواء، ولكن يقع في ثانيهما ضرورة حذف التنوين من الاسم الذي هو بشاشة لغير سبب من الأسباب الثمانية التي ذكرناها في شرح الشاهد 414 وقد قرئ في قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185] برفع ذائقة من غير تنوين ونصب الموت على أنه مفعول به لذائقة، وحذف التنوين على هذا للتخلص من التقاء الساكنين كما في بيت الشاهد والبيتين قبله.
وحكى أبو سعيد السيرافي قال: "حضرت مجلس أبي بكر بن دريد، ولم أكن قبل ذلك رأيته، فجلست في ذيل المجلس، فأنشده أحد الحاضرين بيتين يعزيان إلى آدم عليه السلام قالهما لما قتل ابنه قابيل هابيل وهما" تغيرت البلاد.... البيتين" فقال أبو بكر: هذا شعر قد قيل في صدر الدنيا وجاء فيه الإقواء، فقلت: إن له وجهًا يخرجه من الإقواء، فقال: ما هو؟ قلت: نصب بشاشة، وحذف التنوين منها لالتقاء الساكنين لا للإضافة، فتكون بهذا التقدير نكرة منتصبة على التمييز، ثم رفع الوجه وصفته بإسناد قل إليه، فقال لي: ارتفع، فرفعني حتى أقعدني إلى جنبه".

وقال الآخر: 1 حُمَيْدُ الذي أمَجٌ دَارُهُ ... أَخُو الخَمْرِ ذو الشَّيْبَةِ الأصْلَعُ = عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان هاشم يسمى عمرًا، فسموه هاشما لأنه كان يهشم الثريد لقومه ويطعمهم في المجاعات، وقد روى هذا البيت ابن دريد في الاشتقاق "ص13" ونسبه لمطرود بن كعب الخزاعي، ورواه ابن منظور "هـ ش م" ونسبه إلى ابنه هاشم ولم يسمها، ثم قال: "وقال ابن برى: الشعر لابن الزبعرى".
وأنشده أبو العباس المبرد في الكامل "1/ 148" ولم يعزه إلى قائل معين، وأبو زيد في نوادره "ص167". قال أبو رجاء: والسر في هذا الاضطراب أن لمطرود بن كعب الخزاعي كلمة على هذا الروي، ولابن الزبعرى كلمة أخرى على الروي نفسه، فأما كلمة مطرود بن كعب الخزاعي فرواها السيد المرتضى في أماليه "2/ 268" وأما أبيات بن الزبعرى فرواها ابن هشام في السيرة، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، وروى السيد المرتضى منها بيتين أولهما بيت الشاهد، ومما كان من دواعي الاضطراب أن عجز هذا البيت وقع في الشعرين جميعا: شعر مطرود بن كعب الخزاعي، وشعر ابن الزبعرى.
والاستشهاد بهذا البيت في قوله "عمرو" حيث حذف التنوين منه لغير سبب من الأسباب الثمانية التي فصلناها في شرح الشاهد 414"، وإنما حذفه للتخلص من التقاء الساكنين: التنوين، وسكون اللام في "الذي" وليس هذا هو طريق التخلص من التقاء الساكنين الذي اعتاد العرب أن يسلكوه، إنما طريقهم أن يحركوا التنوين فتنشأ نون مكسورة، فلما لم يسلك الشاعر طريقهم المعتاد بل حذف التنوين رأسا كان ذلك ارتكابًا للضرورة التي يرتكبها الشاعر حين يلجئه إليه ملجئ من إقامة الوزن ونحوه.

وقال الآخر: 1 لَتَجِدَنِّي بالأمير بَرًّا ... وبالقَنَاة مِدْعَسًا مِكَرَّا إذا غُطَيْفُ السُّلَمِيُّ فَرَّا أرد" غطيف" بالتنوين، إلا أنه حذفه لالتقاء الساكنين، كما حذفت نون التوكيد لالتقاء الساكنين.
والذي يدل على أن نون التوكيد في الفعل بمنزلة التنوين في الاسم أنه إذا انفتح ما قبلها أُبْدِلَتْ منها في الوقف ألفًا، وإذا انضم ما قبلها أو انكسر حذفتها، كما تُبْدِلُ من التنوين في النصب إذا وقفت ألفًا، نحو "رأيت زيدا" وتحذفه في الرفع والجر وتقف بالسكون نحو "هذا زيد، ومررت بزيد" فدلّ على ما قلناه.
وأما قولهم: "إن هذه النون دخلت لتأكيد الفعل المستقبل؛ فكما جاز إدخالها في كلّ فعلٍ؛ فكذلك فيما وقع فيه الخلاف" قلنا: إنما جاز هناك لمجيئه في النقل، وصحته في القياس، وأما ما وقع فيه الخلاف فلم يأتِ في النقل عن أحد من العرب، ولا يصحُّ في القياس؛ لأنه لا نظير له في كلامهم.
وأما قولهم: "إن الألف فيها زيادة مدّ" قلنا: إلا أنه على كل حال لا يخفُّ كل الخفة، ولا يَعْرَى عن الثقل، هذا مع عدم نظيره في النقل وضعفه في القياس؛ لأن الألف لم تخرج عن كونها ساكنة، وإذا كانت ساكنة فلا يجوز أن يقع بعدها ساكن إلا مدغما، نحو "دابّة وشابّة" لأن الحرف المدغم بحرفين: الأول ساكن، والثاني متحرك، إلا أنه لما نَبَا اللسان عنهما نَبْوَةً واحدة، وصارا بمنزلة حرف واحد وفيهما حركة قد رفع المدّ في الألف كأنه لم يجتمع ساكنان.
= التقاء الساكنين اللذين هما سكون التنوين وسكون لام الذي لأن بينهما ألف وصل ولا اعتداد بها في الدرج، لكنه حذف التنوين رأسًا في هذا الموضع للتخلص من التقاء هذين الساكنين، وهذا الحذف من الضرورات التي لا تقع إلا في الشعر.

وأما قولهم: "إنه قد جاء في غير المدغم، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ﴾ [الأنعام: 162] فنقول: وجه هذه القراءة أنه نوى الوقف فحذف الفتح، وإلا فلا وجه لهذه القراءة في حال الوصل، إلا أن يجري الوصلُ مجرى الوقف.
وذلك إنما يجوز في حالة الضرورة.
وأما ما حكي عن بعض العرب من قوله "التقتْ حَلْقَتَا البطان" وقول الآخر "ثلثا المال" فغير معروف، والمعروف عن العرب حذف الألف من "حلقتا البطان، وثلثا المال" وما أشبههما؛ لالتقاء الساكنين، وإن صحّ ما حكيتموه عن أحد من العرب فهو من الشاذ النادر الذي لا يقاس عليه، ولا يعتد به لقلته.
وأما قولهم: "إنه يجوز تخفيف الهمزة في نحو هَبَاءة، والهمزة المخففة ساكنة" قلنا: لا نسلم أنها ساكنة، بل هي متحركة، وسنبين فساد ذلك مستقصى في موضعه إن شاء الله تعالى.
وأما قراءة ابن عمار: "وَلَا تَتََّبِعَانِ" بالنون الخفيفة فهي قراءة تفرد بها، وباقي القراءة على خلافها، والنون فيها للإعراب علامة الرفع؛ لأن "لا" محمول على النفي، لا على النهي، والواو في "ولا" واو الحال، والتقدير: فاستقيما غير متبعين، كما قال الشاعر: 1 بِأَيْدِي رِجَالٍ لم يَشِيمُوا سُيُوفَهُمْ ... ولم تَكْثُرِ القَتْلَى بِهَا حين سُلّتِ

أي: لم يَشِيمُوا سيوفَهم غيرَ كاثرة بها القتلى، والمعنى لم يشيموا سيوفهم1 إلا في تلك الحالة، وإذا كان محمولا على النفي لا على النهى لم يكن لكم فيه حجة.
والذي يدل على فساد ما ذهبوا إليه أنه لا يجتمع ساكنان في الوصل إلا إذا كان الثاني منهما مدغما.
قولهم: "إن هذا النحو قد يلحقه ما يوجب له الإدغام، نحو: اضْربَا نُّعْمَانَ واضْرِبَانِّي، فينبغي أن تجيزوا هذا للإدغام" قلنا: هذا لا يستقيم؛ لأنا نكون قد رَدَدْنَا النونَ الخفيفة مع لزوم حذفها في حال الوصل والوقف إذا لم يتبعه كلام، وذلك خطأ.
ثم كيف ترده وأنت لو جمعت هذه النون إلى نون ثانية لاعتلت وأدغمت وحذفت في قول بعض العرب؟ فإذا كُفُوا مؤنتها لم تكن ليردوها إلى ما يستثقلون، ولو جوزنا هذا في "اضربا نُّعْمَان" ونحوه لوجب إجازته في قولك "اضْرِبَانَ أباكما" في قول من لم يهمز؛ لأن هذا الموضع لم يمتنع فيه الساكن من التحريك، فتردها إذا وثقت بالتحريك كما رددتها حيث وثقت في الإدغام، وكما لا يجوز أن ترد في هذا وما أشبهه لأنك جئت به إلى شيء قد لزمه الحذف فكذلك ههنا، ولو وجب2 إجازته في غير ذلك من الأسماء التي لا نون في أولها؛ ليكون = والمفروض أن معنى لم يشيموا لم يغمدوا فإن المعنى حينئذ انتفت إعادتهم السيوف إلى أغمادها وانتفت أيضًا كثرة القتلى، يعني أن الثابت لهم شيآن: عدم إغماد السيوف، وعدم كثرة القتلى، وهذا ذم شنيع، ولا شك أنه ليس مراد الشاعر، وقد ذهب جماعة من العلماء إلى أن الواو في قوله "ولم تكثر القتلى" يجوز أن تكون للعطف، وصححوا المعنى على ما أراد الشاعر بأحد وجهين: الأول أن معنى "لم يشيموا سيوفهم" لم يسلّوها: أي لم يخرجوها من أغمادها.
وهذا وجه نقله مع الوجه الأول ابن رشيق في العمدة؛ قال بعد إنشاد البيت: "أراد لم يغمدوا سيوفهم إلا بعد أن كثرت به القتلى؛ كما تقول: لم أضربك ولم تجن عليّ إلا بعد أن جنيت عليّ، وقال آخرون: أراد لم يسلوا سيوفهم إلا وقد كثرت بها القتلى؛ كما تقول: لم ألقك ولم أحسن إليك إلا وقد أحسنت إليك؛ والقولان جميعا صحيحان؛ لأنه من الأضداد" ا. هـ. والحاصل أنك إذا فسرت لم يشيموا سيوفهم" بلم يغمدوها تعين أن تكون الواو للحال، وإن فسرت "يشيموا سيوفهم" بلم يسلوها جاز أن تكون الواو للعطف وجاز أن تكون للحال؛ والوجه الثاني من الوجهين: أن مراد الشاعر بقوله "ولم تكثر القتلى" أنهم لم يكثروا من القتل؛ لأنهم لا يقتلون كل من قدروا عليه، وإلا لأفنوا أعداءهم إفناء، وإنما يقتلون أكفاءهم في الشجاعة والإقدام على المكاره، وذلك قليل في أعدائهم.
1 لعل كلمة "إلا" لا لزوم لها.
2 كذا، وأظن أصل الكلام "ولوجب إجازته".

الحكم فيها واحدًا، وذلك لا يجوز؛ لأن حمل المدغم على غير المدغم في الامتناع أولى من حمل غير المدغم على المدغم في الجواز، وذلك لأن غير المدغم أعمُّ استعمالًا وأكثر وقوعًا، والمدغم أقل استعمالًا وأندر وقوعًا، فلما وجب أن يحمل أحدهما على الآخر كان حمل الأقل الأندر على الأعمّ الأكثر أولى من حمل الأعمّ الأكثر على الأقلّ الأندر، والله أعلم.

95-

جارٍ التحميل