الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيينمسألة: [واو رُبَّ، هل هي التي تعمل الجر؟]

مسألة: [واو رُبَّ، هل هي التي تعمل الجر؟]

عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو البركات الأنباري
الكتاب
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين
المؤلف
عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (المتوفى: 577هـ)
الناشر
المكتبة العصرية
الطبعة
الأولى 1424هـ- 2003م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

1 ذهب الكوفيون إلى أن واو رب تعمل في النكرة الخفض بنفسها وإليه ذهب أبو العباس المُبَرِّد من البصريين.
وذهب البصريون إلى أن واو رب لا تعمل، وإنما العمل لربَّ مقدرة.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إن الواو هي العاملة لأنها نابت عن رُبّ، فلما نابت عن رُبّ وهي تعمل الخفض فكذلك الواو لنيابتها عنها، وصارت كواو القسم؛ فإنها لما نابت عن الباء عملت الخفض كالباء، فكذلك الواو ههنا: لما نابت عن رُبّ عملت الخفض كما تعمل رُبّ، والذي يدل على أنها ليست عاطفة أن حرف العطف لا يجوز الابتداء به، ونحن نرى الشاعر يبتدئ بالواو في أول القصيدة، كقوله: 1 وبَلَدٍ عَامِيَةٍ أَعْمَاؤُهُ

وكقول الآخر: [160] وبلدة ليس بها أنيس وما أشبه ذلك؛ فدلَّ على أنها ليست عاطفة، فَبَانَ بهذا صحة ما ذهبنا إليه.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا: إن الواو ليست عاملة، وإن العمل لرُبَّ مقدرة، وذلك لأن الواو حرف عطف، وحرف العطف لا يعمل شيئًا؛ لأن الحرف إنما يعمل إذا كان مختصًّا، وحرف العطف غير مختص؛ فوجب أن لا يكون عاملًا، وإذا لم يكن عاملًا وجب أن يكون العامل رُبّ مقدرة.
والذي يدل على أنها واو العطف وأن رب مضمرة بعدها أنه يجوز ظهورها معها، نحو "ورب بلد" وسنبيّن ذلك مستوفى في الجواب.
أما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إنها لما نابت عن رب عملت عملها كواو القسم" قلنا: هذا فاسد؛ لأنه قد جاء عنهم الجرُّ بإضمار رب من غير عِوَض منها، وذلك نحو قوله: 1 رَسْمِ دَارٍ وَقَفْتُ في طَلَلِهْ ... كِدْتُ أَقْضِي الحياةَ من جَلَلِهْ وقال الآخر: 2 مِثْلِكِ أو خَيْرٍ تَرَكْتُ رَذِيَّةً ... تُقَلِّبُ عينيها إذا طَارَ طَائِرُ = وأصله "كأن لون سمائه أرضه" وقد قدمنا كثيرًا من أمثلة القلب مع شرح الشاهد "رقم 235" ومحل الاستشهاد بالبيت هنا قوله "وبلد" فإنه يريد "ورب بلد" وليست هذه الواو واو العطف.
إذ لا معطوف عليه، بحكم أن هذا البيت أول الأرجوزة.

والذي يدل على فساد ما ذهبوا إليه أيضًا أنها تضمر بعد بَلْ، قال الشاعر: 1 بَلْ جَوْزِ تَيْهَاءَ كَظَهْرِ الحَجَفَتْ = فرح يفرح" إذا هزل وأعيا حتى لا يستطيع براحًا ولا ينبعث، وهو رذي والأنثى رذية، وقال أبو زيد: الرذية الناقة المتروكة التي حسرها السفر لا تقدر أن تحلق بالركاب، وفي حديث الصدقة "فلا يعطي الرذية ولا الشرط اللئيمة" يخاطب الشاعر ناقته، يقول: قد تركت مثلك أو خيًرا منك بعد أن أعملتها في السفر، وأودعتها الطريق؛ فكلما مرّ عليها طائر قلبت عينها رهبة منه وخوفًا أن يقع عليها ليأكل منها.
ومحل الاستشهاد بالبيت قوله "مثلك أو خير" حيث جر "مثلك" برب المحذوفة من غير أن يقيم الواو مقام رب؛ فهذا يدل على أن الجر ليس بالواو، إذ لو كان الجر بها لم تحذف؛ لأن الأصل في حرف الجر ألا يعمل وهو محذوف لضعفه، وإنما اغتفروا ذلك في رب لكثرة استعمالها، هكذا زعم المؤلف، وما ذكره من القاعدة صحيح، ولكن الرواية في صدر هذا البيت "ومثلك رهبي قد تركت" بنصب "مثلك" أو جره، أما نصبه فعلى أن يكون مفعولا مقدما لقوله تركت، وأما جره فعلى أن يكون مجرورًا برب المحذوفة بعد الواو، ونظيره قول امرئ القيس بن حجر الكندي في رواية: ومثلك بكرًا قد طرقت وثيبًا ... فألهيتها عن ذي تمائم محول

أراد بل رُبَّ جَوْزِ، ولا يقول أحد إن بل تجر.
وكذلك تضمر بعد الفاء قال الشاعر: 1 فَخُورٍ قد لَهَوْتُ بهنَّ عِينٍ وليست نائبةً عنها، ولا عوضًا منها.
والذي أعتمد عليه في الدليل على أن هذه الأحرف -التي هي الواو والفاء وبل- ليست نائبة عن رُبَّ ولا عِوَضًا عنها أنه يحسن ظهورها معها، فيقال "ورُبَّ بلد" و "بل ربّ بلد" و "فربّ حُورٍ" ولو كانت عوضًا عنها لما جاز ظهورها معها؛ لأنه لا يجوز أن يجمع بين العوض والمعوض.
ألا ترى أن واو القسم لما كانت عوضًا عن الباء لم يجز أن يجمع بينهما؛ فلا يقال "وبالله لأفعلنَّ" وتجعلهما حرفَيْ قسم، وكذلك أيضًا التاء، لما كانت عوضًا من الواو كما كانت الواو عوضًا من الباء لم يجمع بينهما؛ فلا يقال: "وتالله" وتجعلهما حرفي قسم؛ لأنه لا يجوز أن يجمع بين العوض والمعوض، فأما قوله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: 57]

فالواو فيه واو عطف، وليست واو قسم؛ فلم يمتنع أن يجمع بينها وبين تاء القسم، فلما جاز الجمع بين الواو ورب دلَّ على أنها ليست عوضًا عنها، بخلاف واو القسم، وأنها واو عطف.
وقولهم "إن حرف العطف لا يجوز الابتداء به"، ونحن نرى الشاعر يبتدئ بالواو في أول القصيدة كقوله: [236] وبلد عَامِيةٍ أَعْمَاؤُهُ فنقول: هذه الواو واو عطف وإن وقعت في أول القصيدة؛ لأنها في التقدير عاطفة على كلام مقدر، كأنه قال: رب قفر طامس أعلامه سلكته، وبلد عامية أعماؤه قطعته.
يصف نفسه بركوب الأخطار وقطع المفاوز والقِفَاز، إشعارًا بشهامته وشجاعته.
وإذ قد ثبت ما ذكرناه أنها حرف عطف؛ فينبغي أن لا تكون عاملةً، فدل على أن النكرة بعدها مجرورة بتقدير رُبَّ على ما بينَّا، والله أعلم.

56-

جارٍ التحميل