الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيينمسألة: [هل يقع الفعل الماضي حالًا]

مسألة: [هل يقع الفعل الماضي حالًا]

عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو البركات الأنباري
الكتاب
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين
المؤلف
عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (المتوفى: 577هـ)
الناشر
المكتبة العصرية
الطبعة
الأولى 1424هـ- 2003م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

1 ذهب الكوفيون إلى أن الفعل الماضي يجوز أن يقع حالًا، وإليه ذهب أبو الحسن الأَخْفَش من البصريين.
وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز أن يقع حالًا، وأجمعوا على أنه إذا كانت معه "قَدْ" أو كان وصفًا لمحذوف فإنه يجوز أن يقع حالًا.
أما الكوفيون فاحتجُّوا بأن قالوا: الدليل على أنه يجوز أن يقع الفعل الماضي حالًا النقلُ والقياس.
أما النقلُ فقد قال الله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: 90] فحصرت: فعل ماضٍ، وهو في موضع الحال، وتقديره: حَصِرَةً صدورهم، والدليل على صحة هذا التقدير قراءة من قرأ: "أو جاؤوكم حَصِرَةً صدروهم" وهي قراءة الحسن البصريّ ويعقوب الحَضْرَمِيّ والمفضّل عن عاصم، وقال أبو صخر الهذليُّ: 1 وإني لَتَعْرُونِي لذكراك نُفْضَةٌ ... كما انْتَفَضَ العُصْفُورُ بَلَّلَهُ القَطْرُ

فبلَّلَهُ: فعل ماضٍ، وهو في موضع الحال؛ فدلَّ على جوازه.
وأما القياس فلأن كل ما جاز أن يكون صفة لنكرة نحو "مررت برجل قاعد، وغلام قائم" جاز أن يكون حالًا للمعرفة نحو "مررت بالرجل قاعدًا، وبالغلام قائمًا"، والفعل الماضي يجوز أن يكون صفة للنكرة نحو "مررت برجل قَعَدَ، وغلام قامَ" فينبغي أن يجوز أن يقع حالًا للمعرفة نحو "مررت بالرَّجُلِ قَعَدَ، وبالغلام قَامَ" وما أشبه ذلك.
والذي يدلّ على ذلك أنا أجمعنا على أنه يجوز أن يُقَال الفعل الماضي مُقَامَ الفعل المستقبل، كما قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: 110] أي: يقول، وإذا جاز أن يقام الماضي مقام المستقبل جاز أن يقام مقام الحال.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا: إنه لا يجوز أن يقع حالًا وذلك لوجهين؛ أحدهما: أن الفعل الماضي لا يدل على الحال؛ فينبغي أن لا يقوم مقامه، والوجه الثاني: أنه إنما يصلح أن يوضع موضع الحال ما يصلح أن يقال فيه "الآن" أو "الساعة" نحو: "مررت بزيد يضرب، ونظرت إلى عمرو يكتب" لأنه يحسن أن يقترن به الآن أو الساعة، وهذا لا يصلح في الماضي، فينبغي أن لا يكون حالًا؛ ولهذا لم يجز أن يقال: "مازال زيد قام، وليس زيد قام" لأن "ما زال، وليس" يطلبان الحال، و "قام" فعل ماضٍ؛ فلو جاز أن يقع حالًا لوجب أن يكون هذا جائزًا؛ فلما لم يجز دلَّ على أن الفعل الماضي لا يجوز أن يقع حالًا، وكذلك لو قلت "زيد خلفك قام" لم يجز أن يجعل "قام" في موضع الحال؛ لما بيَّنَّا، ولا يلزم على كلامنا إذا كان مع الماضي "قد" حيث يجوز أن يكون حالًا نحو "مررت بزيد قد قام" وذلك لأن "قد" تقرب الماضي من الحال، فجاز أن يقع معها حالًا، ولهذا يجوز أن يقترن به الآن أو الساعة فيقال: "قد قام الآن، أو الساعة" فدلَّ على ما قلناه.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: 90] فلا حجة لهم فيه، وذلك من أربعة أوجه؛ = الجملة الفعلية التي فعلها ماضٍ حالًا من غير أن يقرن الفعل بقد، والكوفيون يستدلون بهذا البيت وما أشبهه على أنه يجوز أن يقع الفعل الماضي حالًا من غير أن يقرن بقد، فأما البصريون فيزعمون أنه لا بَدَّ حينئذٍ من اقتران الفعل الماضي بقد في اللفظ أو في التقدير، وعلي هذا تكون "قد" مقدرة ههنا قبل الفعل، والإنصاف أن الاستدلال بنفس الكلام الوارد عن العرب، وقد رأينا أن فصحاءهم يجيئون بالفعل الماضي حالًا غير مقرون بقد، فأما التقدير فلا دليل عليه.

الوجه الأول: أن تكون صفة لقوم المجرور في أول الآية، وهو قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ﴾ [النساء: 90] والوجه الثاني: أن تكون صفة لقوم مقدر ويكون التقدير فيه: أو جاؤوكم قومًا حصرت صدورهم، والماضي إذا وقع صفة لموصوف محذوف جاز أن يقع حالًا بالإجماع.
والوجه الثالث: أن يكون خبرًا بعد خبر، كأنه قال: أو جاؤوكم، ثم أخبر فقال: حصرت صدورهم.
والوجه الرابع: أن يكون محمولًا على الدعاء، لا على الحال، كأن قال: ضَيَّقَ الله صدورهم، كما يقال: جاءني فلان وسَّع الله رزقه، وأحسن إليَّ غَفَرَ الله له، وسَرَقَ قطع الله يده، وما أشبه ذلك؛ فاللفظ في ذلك كله لفظ الماضي ومعناه الدعاء، وهذا كثير في كلامهم قال الشاعر: 1 ألا يا سَيَالاتِ الدَّحَائِل بالضُّحَى ... عَلَيْكُنَّ من بين السَّيَالِ سَلَامُ ولا زال مُنْهَلُّ الرَّبيع إذا جَرَى ... عليكنَّ منه وَابِل ورِهَامٌ فأتى بالفعل الماضي ومعناه الدعاء؛ وقال قيس بن ذَرِيح: 2 ألا يا غرابَ البَيْنِ قد هِجْتَ لَوْعَةً ... فَوَيْحَكَ خَبِّرْنِي بما أنت تَصْرُخُ

أبالبَيْنِ من لُبْنَى؟ فإن كنت صَادِقًا ... فلا زال عَظْمٌ من جناحك يُفْضَخُ ولا زِلتَ من عَذْبِ المياه منفّرًا ... وَوَكْرُكَ مهدوم وبيضك مُشْدَخُ ولازال رامٍ قد أصابك سهمُهُ ... فلا أنت في أَمْن ولا أنت تُفْرِخُ وأبصرتُ قبل الموت لحمك مُنْضَجًا ... على حَرِّ جَمْرِ النار يُشْوَى ويُطْبَخُ وقال مَعْدَان بن جَوَّاس الكِنْدِي: 1 إن كان ما بُلِّغْتُ عَنِّي فَلَامَنِي ... صديقي، وشَلَّتْ من يَدَيَّ الأَنَامِلُ وكَفَنْت وَحْدِي مُنْذِرًا في ردائه ... وصادف حَوْطًا من أَعَادِيَّ قاتل فأتى بالفعل الماضي في هذه المواضع ومعناه الدعاء.
فكذلك قوله تعالى: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: 90] لفظُهُ لفظ الماضي ومعناه الدعاء، ومعناه من الله تعالى إيجاب ذلك عليهم.
وأما قول الشاعر: [152] كما انتفض العصفور بلَّلَهُ القطر فإنما جاز ذلك لأن التقدير فيه: قد بلله القطر، إلا أنه حذف لضرورة الشعر، فلما كانت "قد" مقدرة تنزَّلَتْ منزلة الملفوظ بها، ولا خلاف أنه إذا كان مع الفعل الماضي "قد" فإنه يجوز أن يقع حالًا.
وأما قولهم "إنه يصلح أن يكون صفة للنكرة، فصلح أن يقع حالًا، نحو "قاعدِ، وقائم" قلنا: هذا فاسد؛ لأنه إنما جاز أن يقع نحو قاعد وقائم حالًا لأنه = على الغراب بأن يحترق بالنار ولنفسه بأن يتمتع برؤية ذلك قبل أن يموت؟ والاستشهاد بهذه الأبيات في أغلب جملها، فإنها خبرية لفظًا إنشائية معنى؛ لأن المقصود بها الدعاء، وهذا في غاية الظهور.

اسم فاعل، واسم الفاعل يراد به الحال، بخلاف الفعل الماضي فإنه لا يراد به الحال فلم يجز أن يقع حالًا.
وأما قولهم "إنه يجوز أن يقوم الماضي مقام المستقبل، وإذا جاز أن يقوم مقام المستقبل جاز أن يقوم مقام الحال" قلنا: هذا لا يستقيم، وذلك لأن الماضي إنما يقوم مقام المستقبل في بعض المواضع على خلاف الأصل بدليل يدل عليه كقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ﴾ [المائدة: 116] فلا يجوز فيما عداه؛ لأنَّا بقينا فيه على الأصل، كما أنه يجوز أن يقع الماضي في بعض المواضع حالًا لدليل يدل عليه، وذلك إذا دخلت عليه "قد" أو كان وصفًا لمحذوف، ولم يجز فيما عداه؛ لأنا بقينا فيه على الأصل.
على أنا نقول: ليس من ضرورة أن يجوز أن يقام الماضي مقام المستقبل ينبغي أن يقام مقام الحال؛ لأن المستقبل فعل كما أن الماضي فعل، فجنس الفعلية مشتمل عليهما، وأما الحال فهي اسم؛ وليس من ضرورة أن يقام الفعل مقام الفعل يجب أن يقوم مقام الاسم، والله أعلم.

33-

جارٍ التحميل