الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيينمسألة: [هل يعمل حرف القسم محذوفًا بغير عوض؟]

مسألة: [هل يعمل حرف القسم محذوفًا بغير عوض؟]

عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو البركات الأنباري
الكتاب
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين
المؤلف
عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (المتوفى: 577هـ)
الناشر
المكتبة العصرية
الطبعة
الأولى 1424هـ- 2003م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز الخفض في القسم بإضمار حرف الخفض من غير عوض.
وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز ذلك إلا بعوض، نحو ألف الاستفهام، نحو قولك للرجل: "اللهِ ما فعلتَ كَذَا" أو هاء التنبيه نحو "هاللهِ".
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأنه قد جاء عن العرب أنهم يُلْقُونَ الواو من القسم ويخفضون بها؛ قال الفراء: سمعناهم يقولون: "اللهِ لتفعلنَّ" فيقول المجيب: "ألله لأفعلنَّ" بألف واحدة مقصورة في الثانية؛ فيخفض بتقدير حرف الخفض وإن كان محذوفًا، وقد جاء في كلامهم إعمال حرف الخفض مع الحذف، حكى يونس بن حبيب البصري أن من العرب من يقول: "مررت برجل صالح إلا صالح فطالح" أي إلا أكن مررت برجل صالح؛ فقد مررت بطالح، وروي عن رؤبة بن العجاج أنه كان إذا قيل له: كيف أصبحت؟ يقول "خَيْرٍ عافاك الله" أي بخير.
قال الشاعر: [238] رسمٍ دارٍ وَقَفْتُ في طَلَلِه ... كِدْتُ أقضي الحَيَاةَ من جَلَلِهْ فخفض "رسم" بإضمار حرف الخفض، وقال الأخر: 1 لَاهِ ابْنُ عَمِّكَ لا أَفْضَلْتَ في حَسَبٍ ... عنِّي، ولا أنت دَيَّانِي فَتَخْزُونِي

فخفض "لاهِ" بتقدير اللام، كأنه قال: لله ابنُ عَمِّكَ، وقال الآخر: [161] أَجِدَّكَ لَسْتَ الدَّهْرَ رَائِي رَامَةٍ ... ولا عاقل إلَّا وأنت جَنِيبُ1 ولا مُصْعدٍ في المصعِدِينَ لمَنْعِج ... ولا هَابطٍ ما عِنْتَ هَضْبَ شَطِيبِ فخفض على تقدير الباء، كأنه قال "بمصعد"2، وقال الآخر: [115] بَدَا لِي أَنِّي لَسْتُ مُدْرِكَ مَا مَضَى ... ولا سَابِقٍ شيئًا إذا كان جَائِيًا وقال الآخر، وهو الفرزدق: [117] مَشَائِيمُ لَيْسُوا مصلحين عَشِيرةً ... ولا نَاعِبٍ إلا بِبَيْنٍ غُرَابُهَا فخفض "ناعب" بإضمار حرف الخفض، وقال الفرزدق أيضًا: [256] وما زُرْتُ سَلْمَى أن تكون حَبِيبَةً ... إِلَيَّ، ولا دَيْنٍ بها أنا طَالِبُهْ = "أفضلت" زدت في المنزلة، والديان: الذي يملك الأمر ويتصرف فيه على مشيئته، وتخزوني: تذلني وتقهرني، ومحل الاستشهاد ههنا بهذا البيت قوله "لاه ابن عمك" واعلم أولا أن العرب تقول: لله أنت، ولله درك، ولله ابن عمك بثلاث لامات أولها لام الجر وثانيها لام التعريف وثالثها فاء الكلمة على أن لفظ الجلالة مأخوذ من ل ي هـ أو عين الكلمة على أن اللفظ الكريم مأخوذ من أل هـ، هذا هو الأصل في الاستعمال العربي، وربما قالوا "لاه أبوك" و "لاه" ابن عمك" بلام واحدة فيحذفون لامين، وقد اختلف النحاة في اللام الباقية، فذهب سيبويه إلى أن الباقية هي اللام التي من أصل الكلمة والمحذوف لام الجر ولام التعريف، وهذا هو الذي أراده المؤلف، وذهب أبو العباس المُبَرِّد إلى أن الباقي هو لام الجر، وقد حذف لام التعريف واللام التي من أصل الكلمة وقد فصلنا مقالة الشيخين واستدللنا للمذهبين وبيَّنَّا أرجحهما في شرحنا على شرح الأشموني "3/ 286" فانظره، وانظر إلى المراجع التي أشرنا إليها في تخريج هذا الشاهد هنا.
[256] هذا البيت من قصيدة للفرزدق يمدح فيها المطلب بن عبد الله المخزومي، وهو من شواهد الأشموني "رقم 401" أنشده في باب تعدي الفعل وفي باب حروف الجر، وأنشده شيخ النحاة سيبويه "1/ 418" وابن هشام في مغني اللبيب "رقم 787" وقوله "أن تكون حبيبة" المصدر المنسبك من أن المصدرية وما بعدها مفعول لأجله، فأصله مجرور باللام الدالة على التعليل، وأصل الكلام: لأن تكون حبيبة، ثم حذفت اللام لأن حرف الجر يكثر حذفه قبل أن المصدرية وأن المؤكدة، وقد اختلف العلماء في المصدر المنسبك بعد حذف حرف الجر: أهو مجرور بذلك الحرف المحذوف، أم أنه انتصب على التوسع بعد حذف حرف الجر؟ فأما الذين ذهبوا إلى أن المصدر مجرور بذلك الحرف المحذوف = 1 في هذين البيتين الإقواء كما هو ظاهر.
2 الأولى أن يقول "كأنه قال برائي رامة" وهذا هو جر المعطوف على خبر ليس المنصوب بتوهم أنه قد دخلت الباء الزائدة على الخبر.

فخفض "دين" بإضمار حرف الخفض.
والذي يدل على ذلك أنكم تُعْمِلُونَ رُبَّ مع الحذف بعد الواو والفاء وبل؛ فدل على جوازه.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: أجمعنا على أن الأصل في حروف الجر أن لا تعمل مع الحذف، وإنما تعمل مع الحذف، وإنما تعمل مع الحذف في بعض المواضع إذا كان لها عوض، ولم يوجد ههنا، فبقينا فيما عداه على الأصل، والتمسك بالأصل تمسك باستصحاب الحال، وهو من الأدلة المعتبرة، ويُخَرَّجُ على هذا الجر إذا دخلت ألف الاستفهام وها التنبيه نحو: "آلله ما فَعَلَ، وهالله ما فَعَلْتُ" لأن ألف الاستفهام وها صارتا عوضًا عن حرف القسم؛ والذي يدل على ذلك أنه لا يجوز أن يظهر معهما حرف القسم؛ فلا يقال: "أوالله" ولا "ها والله"؛ لأنه لا يجوز أن يجمع بين العوض والمعوض، ألا ترى أن الواو لما كانت عوضًا عن الباء لم يجز أن يجمع بينهما؛ فلا يجوز أن يقال: "بِوَاللهِ لأفعلنَّ"؟ فكذلك ههنا.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما احتجاجهم بقولهم "ألله لأفعلن" فإنما جاز ذلك مع هذا الاسم خاصة على خلاف القياس لكثرة استعماله، كما جاز دخول حرف النداء عليه مع الألف واللام دون غيره من الأسماء لكثرة الاستعمال؛ فكذلك ههنا: جاز حذف حرف الخفض لكثرة الاستعمال مع هذا الاسم دون غيره، فبقينا فيما عداه على الأصل.
يدل على أن هذا الاسم يختص بما لا يكون في غيره، ألا ترى أنه يختص بالتاء كقوله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: 57] وإن كان لا يجوز دخول التاء في غيره، كما لا يجوز إدخال التاء = فيجعلون العطف عليه بالجر تبعا لحاله الذي هو عليه حقيقة، وأما الذين يذهبون إلى أن المصدر بعد حذف حرف الجر صار منصوبا فيجعلون العطف عليه بالجر على أحد وجهين: الأول أنه معطوف على محل المصدر الذي كان له قبل حذف حرف الجر، والثاني أنه معطوف على التوهم، وكأن الشاعر بعد أن قال "أن تكون حبيبة" قد توهم أنه أدخل حرف الجر لأنه كثيرًا ما يتكلم به، فأتى بالمعطوف مجرورًا، قال ابن هشام في المغني "ص526 بتحقيقنا": "وقوله: "وما زرت ليلى أن تكون حبيبة" البيت رووه بخفض دين عطفًا على محل أن تكون؛ إذ أصله لأن تكون، وقد يجاب بأنه عطف على توهم دخول اللام، وقد يعترض بأن الحمل على العطف على المحل أظهر من الحمل على العطف على التوهم، ويجاب بأن القواعد لا تثبت بالمحتملات" ا. هـ. وقال سيبويه بعد إنشاد البيت "جره لأنه صار كأنه قال: لأن تكون" ا. هـ. وقال الأعلم: "الشاهد فيه حمل دين على معنى لأن تكون، وجرّه" ا. هـ.

في "أسْنَتُوا" إلا في خلاف الخِصْبِ، ولا يقال "تالرحمن"1 ولا "تالرحيم" وكما أن ما حكاه أبو الحسن الأخفش من قوله "تَرَبِّي" لا يدل على جوازه لشذوذه وقلته؛ فكذلك قولهم "ألله لأفعلن" لا يدل على جوازه في غيره، واختصاص هذا الاسم بهذا الحكم كاختصاص "لات" بحين، و "لَدُنْ" بغدوة، و "جاءت" بحاجتك في قولهم "ما جاءت حَاجَتَكَ" فإن لات لا تعمل إلا في الحين، ولدن لا تنصب إلا غُدْوَة، وجاءت لا تنصب إلا حاجتك، كأنهم قالوا: ما صارت حاجتك، وكانت حاجتك، وأدخلوا التاء على ما2 إذ كان ما هو الحاجة كما قال بعضهم "مَنْ كانت أُمَّكَ" فنصب الأم وأنَّث من حيث أوقعها على مؤنث؛ ولأن هذا الاسم عَلَم فجاز أن يختص بما لا يكون في غيره؛ لأن الأسماء الأعلام كثيرًا ما يُعْدَلُ ببعضها عن قياس الكلام، ألا ترى أنهم قالوا "مَوْهَبٌ، ومَوْرَقٌ" ففتحوا العين وقياسها أن تكسر، وكذلك قالوا: "حَيْوَة" بالواو وإن كان قياسها أن تكون بالياء، وكذلك قالوا "مَزْيَدٌ، ومَكْوَزَةٌ، ومَدْيَنٌ" فصححوا وإن كان القياس أن يُعِلُّوا؛ لأن ما كان من الأسماء على مَفْعَلٍ أو مفعلٍ؛ فإنه يعتل لمجيئه على وزن الفعل وفصل الميم له من أمثلته، وكذلك قالوا "محْبَبٌ" بغير إدغام وإن كان القياس الإدغام، وكذلك قالوا "العجَّاج، والحجَّاج" بإمالة الألف وإن كان قياسها أن لا تمال؛ لعدم شرط الإمالة من الياء والكسرة، وهذا لأن من كلامهم أن يجعلوا الشيء في موضع على غير حاله في سائر الكلام: إما لكثرة الاستعمال، أو تنبيه على أصل، أو غير ذلك.
وأما احتجاجهم بما حكى يونس أن من العرب من يقول "مررت برجل صالح إلا صالح فطالح" أي "إلا أكن مررت برجل صالح فقد مررت بطالح" قلنا: هذا لغة قليلة الاستعمال بعيدة عن القياس؛ فلا يجوز أن يقاس عليها: أما قلتها في الاستعمال فظاهر؛ لأن أكثر العرب لا تتكلم بها، وإنما جاءت قليلة في لغة لبعض العرب؛ وأما بُعْدُهَا عن القياس فإنك تفتقر إلى إضمار أشياء، وحكم الإضمار أن يكون شيئًا واحدًا، ألا ترى أنك إذا قلت "مررت برجل صالح إلا صالح فطالح" تقديره: إلا أكن مررت بصالح [فقد مررت بطالح] فتفتقر إلى أشياء، وذلك بعيد عن القياس، وهذا شبيه بقول النحويين "ما مررت بزيد فكيف أخيه" ويقول الرجل: جئتك بدرهم، فيقول المجيب "فهلا دينار" وهذا كله رديءٌ لا تتكلم به العرب.

وأما ما روي عن رؤبة من قوله "خيرٍ عافاك الله، أي: بخير" فهو من الشاذ الذي لا يعتد به لقلته وشذوذه، وكذلك جميع ما استشهدوا به من الأبيات وقد أجبنا عنها في مواضعها بما يغني عن الإعادة.
وأما إضمار رب بعد الواو والفاء وبل -وهي حروف جر- فإنما جاز ذلك لأن هذه الأحرف صارت عوضًا عنها دالة عليها، فجاز حذفها، وما حذف وفي اللفظ على حذفه دلالة أو حُذِفَ إلى عوض وبدل؛ فهو في حكم الثابت، وقد بيَّنَّا ذلك مستقصى في موضعه، بخلاف ههنا، فإنكم جوزتم حذف حرف القسم ولا دلالة في اللفظ على حذفه ولا إلى عوض وبدل، فبان الفرق بينهما، والله أعلم.

58-

جارٍ التحميل